الإسلام > القرآن > سور > سورة 99 الزلزلة > الآية ٧ من سورة الزلزلة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 110 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٧ من سورة الزلزلة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.
ولهذا قال : ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) قال البخاري : حدثنا إسماعيل بن عبد الله ، حدثني مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن أبي صالح السمان ، عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الخيل لثلاثة : لرجل أجر ، ولرجل ستر ، وعلى رجل وزر ; فأما الذي له أجر ، فرجل ربطها في سبيل الله فأطال طيلها في مرج أو روضة ، فما أصابت في طيلها ذلك في المرج والروضة كان له حسنات ، ولو أنها قطعت طيلها فاستنت شرفا أو شرفين ، كانت آثارها وأرواثها حسنات له ، ولو أنها مرت بنهر فشربت منه ولم يرد أن يسقي به كان ذلك حسنات له ، وهي لذلك الرجل أجر .
ورجل ربطها تغنيا وتعففا ، ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها ، فهي له ستر .
ورجل ربطها فخرا ورئاء ونواء ، فهي على ذلك وزر " .
فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحمر ، فقال : " ما أنزل الله فيها شيئا إلا هذه الآية الفاذة الجامعة : ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) .
ورواه مسلم من حديث زيد بن أسلم به .
وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا جرير بن حازم ، حدثنا الحسن عن صعصعة بن معاوية - عم الفرزدق - : أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه : ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) قال : حسبي !
لا أبالي ألا أسمع غيرها .
وهكذا رواه النسائي في التفسير ، عن إبراهيم بن يونس بن محمد المؤدب ، عن أبيه ، عن جرير بن حازم ، عن الحسن البصري قال : حدثنا صعصعة عم الفرزدق ، فذكره .
وفي صحيح البخاري ، عن عدي مرفوعا : " اتقوا النار ولو بشق تمرة ، ولو بكلمة طيبة " وفي الصحيح : " لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي ، ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط " وفي الصحيح أيضا : " يا نساء المؤمنات ، لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة " يعني : ظلفها .
وفي الحديث الآخر : " ردوا السائل ولو بظلف محرق " .
وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري ، حدثنا كثير بن زيد ، عن المطلب بن عبد الله ، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يا عائشة ، استتري من النار ولو بشق تمرة ، فإنها تسد من الجائع مسدها من الشبعان " .
تفرد به أحمد .
وروي عن عائشة أنها تصدقت بعنبة ، وقالت : كم فيها من مثقال ذرة .
وقال أحمد : حدثنا أبو عامر ، حدثنا سعيد بن مسلم ، سمعت عامر بن عبد الله بن الزبير ، حدثني عوف بن الحارث بن الطفيل : أن عائشة أخبرته : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول : " يا عائشة ، إياك ومحقرات الذنوب ، فإن لها من الله طالبا " .
ورواه النسائي وابن ماجه ، من حديث سعيد بن مسلم بن بانك به .
وقال ابن جرير : حدثني أبو الخطاب الحساني ، حدثنا الهيثم بن الربيع ، حدثنا سماك بن عطية ، عن أيوب ، عن أبي قلابة عن أنس قال : كان أبو بكر يأكل مع النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية : ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) فرفع أبو بكر يده وقال : يا رسول الله ، إني أجزى بما عملت من مثقال ذرة من شر ؟
فقال : " يا أبا بكر ، ما رأيت في الدنيا مما تكره فبمثاقيل ذر الشر ويدخر الله لك مثاقيل ذر الخير حتى توفاه يوم القيامة " .
ورواه ابن أبي حاتم ، عن أبيه [ عن ] أبي الخطاب به .
ثم قال ابن جرير : حدثنا ابن بشار ، حدثنا عبد الوهاب ، حدثنا أيوب قال : في كتاب أبي قلابة ، عن أبي إدريس : أن أبا بكر كان يأكل مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكره .
ورواه أيضا عن يعقوب ، عن ابن علية ، عن أيوب ، عن أبي قلابة : أن أبا بكر ، وذكره .
طريق أخرى : قال ابن جرير : حدثني يونس بن عبد الأعلى ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني حيي بن عبد الله ، عن أبي عبد الرحمن الحبلي ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال : لما نزلت : ( إذا زلزلت الأرض زلزالها ) وأبو بكر الصديق ، رضي الله عنه ، قاعد ، فبكى حين أنزلت ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما يبكيك يا أبا بكر ؟
" .
قال : يبكيني هذه السورة .
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لولا أنكم تخطئون وتذنبون فيغفر الله لكم ، لخلق الله أمة يخطئون ويذنبون فيغفر لهم " .
حديث آخر : قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة وعلي بن عبد الرحمن بن [ محمد بن ] المغيرة - المعروف بعلان المصري - ، قالا : حدثنا عمرو بن خالد الحراني ، حدثنا ابن لهيعة ، أخبرني هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال : لما أنزلت : ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) قلت : يا رسول الله ، إني لراء عملي ؟
قال : " نعم " .
قلت : تلك الكبار الكبار ؟
قال : " نعم " .
قلت : الصغار الصغار ؟
قال : " نعم " .
قلت : واثكل أمي .
قال : " أبشر يا أبا سعيد ; فإن الحسنة بعشر أمثالها - يعني إلى سبعمائة ضعف - ويضاعف الله لمن يشاء ، والسيئة بمثلها أو يغفر الله ، ولن ينجو أحد منكم بعمله " .
قلت : ولا أنت يا رسول الله ؟
قال : " ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمة " قال أبو زرعة : لم يرو هذا غير ابن لهيعة .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير ، حدثني ابن لهيعة ، حدثني عطاء بن دينار ، عن سعيد بن جبير في قوله تعالى : ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) وذلك لما نزلت هذه الآية : ( ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا ) [ الإنسان : 8 ] ، كان المسلمون يرون أنهم لا يؤجرون على الشيء القليل الذي أعطوه ، فيجيء المسكين إلى أبوابهم فيستقلون أن يعطوه التمرة والكسرة والجوزة ونحو ذلك ، فيردونه ويقولون : ما هذا بشيء .
إنما نؤجر على ما نعطي ونحن نحبه .
وكان آخرون يرون أنهم لا يلامون على الذنب اليسير : الكذبة والنظرة والغيبة وأشباه ذلك ، يقولون : إنما وعد الله النار على الكبائر .
فرغبهم في القليل من الخير أن يعملوه ، فإنه يوشك أن يكثر ، وحذرهم اليسير من الشر ، فإنه يوشك أن يكثر ، فنزلت : ( فمن يعمل مثقال ذرة ) يعني : وزن أصغر النمل ( خيرا يره ) يعني : في كتابه ، ويسره ذلك .
قال : يكتب لكل بر وفاجر بكل سيئة سيئة واحدة .
وبكل حسنة عشر حسنات ، فإذا كان يوم القيامة ضاعف الله حسنات المؤمنين أيضا ، بكل واحدة عشر ، ويمحو عنه بكل حسنة عشر سيئات ، فمن زادت حسناته على سيئاته مثقال ذرة دخل الجنة .
وقال الإمام أحمد : حدثنا سليمان بن داود ، حدثنا عمران ، عن قتادة ، عن عبد ربه ، عن أبي عياض ، عن عبد الله بن مسعود ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إياكم ومحقرات الذنوب ، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه " .
وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب لهن مثلا كمثل قوم نزلوا أرض فلاة ، فحضر صنيع القوم ، فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود ، والرجل يجيء بالعود ، حتى جمعوا سوادا ، وأججوا نارا ، وأنضجوا ما قذفوا فيها .
وقوله: ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ) يقول: فمن عمل في الدنيا وزن ذرة من خير, يرى ثوابه هنالك ( وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ )يقول: ومن كان عمل في الدنيا وزن ذرة من شر يرى جزاءه هنالك, وقيل: ومن يعمل والخبر عنها في الآخرة, لفهم السامع معنى ذلك, لما قد تقدم من الدليل قبل, على أن معناه: فمن عمل; ذلك دلالة قوله: ( يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ ) على ذلك.
ولكن لما كان مفهوما معنى الكلام عند السامعين، وكان في قوله: ( يَعْمَلْ ) حث لأهل الدنيا على العمل بطاعة الله, والزجر عن معاصيه, مع الذي ذكرت من دلالة الكلام قبل ذلك, على أن ذلك مراد به الخبر عن ماضي فعله, وما لهم على ذلك, أخرج الخبر على وجه الخبر عن مستقبل الفعل.
وبنحو الذي قلنا من أن جميعهم يرون أعمالهم, قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك: حدثني على, قال: ثنا بو صالح, قال: ثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس, في قوله: ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ) قال: ليس مؤمن ولا كافر عمِل خيرا ولا شرا في الدنيا, إلا آتاه الله إياه.
فأما المؤمن فيريه حسناته وسيئاته, فيغفر الله له سيئاته.
وأما الكافر فيردّ حسناته, ويعذّبه بسيئاته.
وقيل في ذلك غير هذا القول, فقال بعضهم: أما المؤمن, فيعجل له عقوبة سيئاته في الدنيا, ويؤخِّر له ثواب حسناته, والكافر يعجِّل له ثواب حسناته, ويؤخر له عقوبة سيئاته.
*ذكر من قال ذلك: حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي, قال: ثنا محمد بن بشر, قال: حدثنيه محمد بن مسلم الطائفي, عن عمرو بن قتادة, قال: سمعت محمد بن كعب القرظي, وهو يفسِّر هذه الآية: ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ) قال: من يعمل مثقال ذرَّة من خير من كافر ير ثوابه في الدنيا في نفسه وأهله وماله وولده, حتى يخرج من الدنيا, وليس له عنده خير ( وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) من مؤمن ير عقوبته في الدنيا في نفسه وأهله وماله وولده, حتى يخرج من الدنيا وليس عنده شيء.
حدثني محمود بن خِداش, قال: ثنا محمد بن يزيد الواسطي, قال: ثنا محمد بن مسلم الطائفي, عن عمرو بن دينار, قال: سألت محمد بن كعب القرظي, عن هذه الآية: ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) قال: من يعمل مثقال ذرَّة من خير من كافر, ير ثوابها في نفسه وأهله وماله, حتى يخرج من الدنيا وليس له خير; ومن يعمل مثقال ذرة من شر من مؤمن, ير عقوبتها في نفسه وأهله وماله, حتى يخرج وليس له شر.
حدثني أبو الخطاب الحساني, قال: ثنا الهيثم بن الربيع, قال: ثنا سماك بن عطية, عن أيوب, عن أبي قِلابة, عن أنس, قال: كان أبو بكر رضى الله عنه يأكل مع النبي صلى الله عليه وسلم, فنـزلت هذه الآية: ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) فرفع أبو بكر يده من الطعام, وقال: يا رسول الله إني أُجزَى بما عملت من مثقال ذرة من شرّ، فقال: " يا أبا بَكر, ما رأيْتَ في الدنْيا ممَّا تكره فمثَاقيلُ ذَرّ الشَّرّ, وَيَدَّخِرُ لَكَ اللهُ مثَاقِيلَ الخير حتى تُوَفَّاه يَوْمَ الْقِيامَةِ".
حدثنا ابن بشار, قال: ثنا أيوب, قال: وجدنا في كتاب أبي قِلابة, عن أبي إدريس: أن أبا بكر كان يأكل مع النبيّ صلى الله عليه وسلم, فأنـزلت هذه الآية: ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) فرفع أبو بكر يده من الطعام, وقال: إني لراء ما عملت, قال: لا أعلمه إلا قال: ما عملت من خير وشرّ, فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: " إنَّ ما تَرَى مِمَّا تَكْرَهُ فَهُوَ مثَاقِيلُ ذَرّ شَر كَثِيرٍ, وَيَدَّخِرُ اللهُ لَكَ مَثَاقِيلَ ذَرّ الخَيْرِ حتى تُعْطَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" وتصديق ذلك في كتاب الله: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ .
حدثني يعقوب, قال: ثنا ابن عُلَية, قال: ثنا أيوب, قال: قرأت في كتاب أبي قلابة قال: نـزلت ( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) وأبو بكر يأكل مع النبي صلى الله عليه وسلم, فأمسك وقال: يا رسول الله, إني لراء ما عملت من خير وشر؟
فقال: " أرأيْتَ ما رأيْتَ مِمَّا تَكْرَهُ, فَهُوَ مِنْ مثَاقِيلِ ذَرّ الشَّرِ, وَيَدَّخِرُ مثَاقِيلَ ذَرّ الخَيْرِ, حتى تُعْطَوْهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ" قال أبو إدريس: فأرى مصداقها في كتاب الله, قال: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ .
حدثني يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا ابن عُليَة, عن داود, عن الشعبي, قال: قالت عائشة: يا رسول الله, إن عبد الله بن جُدْعان كان يصل الرحم, ويفعل ويفعل, هل ذاك نافعه؟
قال: " لا إنه لم يقل يوما: " رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين ".
حدثنا ابن وكيع, قال: ثنا حفص, عن داود, عن الشعبي, عن مسروق, عن عائشة, قالت: قلت: يا رسول الله, ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم, ويُطعم المسكين, فهل ذاك نافعه؟
قال: " لا يَنْفَعُهُ, إنَّهُ لَمْ يَقُلْ يوما: " رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين " حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا ابن أبي عدي, عن داود, عن عامر الشعبي, أن عائشة أم المؤمنين قالت: يا رسول الله, إن عبد الله بن جدعان, كان يصل الرحم, ويَقْرِي الضيف, ويفكّ العاني, فهل ذلك نافعه شيئا؟
قال: " لا إنَّهُ لَمْ يقل يوما: " رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين ".
حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا ابن أبي عديّ, عن داود, عن عامر, عن علقمة, أن سلمة بن يزيد الجعفي, قال: يا رسول الله, إن أمنا هلكت في الجاهلية, كانت تصل الرحم, وتَقْرِي الضيف, وتفعل وتفعل, فهل ذلك نافعها شيئا؟
قال: " لا " .
حدثنا ابن المثنى, قال: ثنا الحجاج بن المنهال, قال: ثنا المعتمر بن سليمان, قال: ثنا داود, عن الشعبيّ, عن علقمة بن قيس, عن سلمة بن يزيد الجعفي, قال: ذهبت أنا وأخي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقلت: يا رسول الله, إن أمنا كانت في الجاهلية تقري الضيف, وتصل الرحم, هل ينفعها عملها ذلك شيئا؟
قال: " لا " .
حدثني محمد بن إبراهيم بن صدران وابن عبد الأعلى, قالا ثنا المعتمر بن سليمان, قال: ثنا داود بن أبي هند, عن الشعبي, عن علقمة, عن سلمة بن يزيد, عن النبي صلى الله عليه وسلم, بنحوه.
حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة, عن محمد بن كعب, أنه قال: أما المؤمن فيرى حسناته في الآخرة, وأما الكافر فيرى حسناته في الدنيا.
حدثني يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا أبو نعامة, قال: ثنا عبد العزيز بن بشير الضبي جدّه سلمان بن عامر أن سلمان بن عامر جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال: إنّ أبي كان يصل الرحم, ويفي بالذمة, ويُكرم الضيف, قال: " ماتَ قَبْلَ الإسْلامِ"؟
قال: نعم, قال: " لَنْ يَنْفَعَهُ ذَلكَ", فولى, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " عَليَّ بالشَّيْخِ", فجاءَ, فَقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: " إنَّها لَنْ تَنْفَعَهُ, وَلَكِنَّهَا تَكُونُ فِي عَقِبِهِ, فَلَنْ تُخْزَوْا أبَدًا, وَلَنْ تَذِلُّوا أَبَدًا, وَلَنْ تَفْتَقِرُوا أَبدًا " .
حدثنا ابن المثنى وابن بشار, قالا ثنا أبو داود, قال: ثنا عمران, عن قتادة, عن أنس, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ المُؤْمِنُ حَسَنَةً يُثابُ عَلَيْها الرّزْقَ فِي الدنْيا, ويُجْزى بِها فِي الآخِرَةِ; وأمَّا الكافِرُ فَيُعْطِيهِ بِها فِي الدنْيا, فإذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ, لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنةٌ" .
حدثني يعقوب بن إبراهيم, قال: ثنا ابن علية, قال: ثنا ليث, قال: ثني المعلى, عن محمد بن كعب الْقُرَظي, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما أحْسَنَ مِنْ مُحْسِنٍ، مُؤْمِنٍ أوْ كَافِرٍ إلا وَقَعَ ثَوَابُهُ عَلى الله فِي عاجِل دُنْيَاهُ, أَوْ آجِلِ آخِرَتِهِ" .
حدثني يونس بن عبد الأعلى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: أخبرني يحيى بن عبد الله, عن أبي عبد الرحمن الحُبَليِّ, عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: أنـزلت: ( إِذَا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزَالَهَا ) وأبو بكر الصدّيق قاعد, فبكى حين أنـزلت, فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما يُبْكِيكَ يا أبا بَكْرٍ؟" قال: يُبكيني هذه السورة, فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لَوْلا أنَّكُمْ تُخْطِئونَ وَتُذْنِبُونَ فَيَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ لَخَلَقَ اللهُ أُمَّةً يُخْطِئُونَ وَيُذْنِبُونَ فَيَغْفرُ لَهُمْ".
فهذه الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تُنبئ عن أن المؤمن إنما يرى عقوبة سيئاته في الدنيا, وثواب حسناته في الآخرة, وأن الكافر يرى ثواب حسناته في الدنيا, وعقوبة سيئاته في الآخرة, وأن الكافر لا ينفعه في الآخرة ما سلف له من إحسان في الدنيا مع كُفره.
حدثنا أبو كُرَيب, قال: ثنا ابن عليّ, عن الأعمش, عن إبراهيم التيمي, قال: أدركت سبعين من أصحاب عبد الله, أصغرهم الحارث بن سويد, فسمعته يقرأ: ( إِذَا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزَالَهَا ) حتى بلغ إلى: ( وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) قال: إن هذا إحصاء شديد.
وقيل: إن الذَّرَّة دُودة حمراء ليس لها وزن.
*ذكر من قال ذلك: حدثني إسحاق بن وهب العلاف ومحمد بن سنان القزّاز, قالا ثنا أبو عاصم, قال: ثنا شبيب بن بشر, عن عكرمة, عن ابن عباس, في قوله: ( مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ) قال ابن سنان في حديثه: مثقال ذرّة حمراء.
وقال ابن وهب في حديثه: نملة حمراء.
قال إسحاق, قال يزيد بن هارون: وزعموا أن هذه الدودة الحمراء ليس لها وزن.
قوله تعالى : فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره كان ابن عباس يقول : من يعمل من الكفار مثقال ذرة خيرا يره في الدنيا ، ولا يثاب عليه في الآخرة ، ومن يعمل مثقال ذرة من شر عوقب عليه في الآخرة ، مع عقاب الشرك ، ومن يعمل مثقال ذرة من شر من المؤمنين يره في الدنيا ، ولا يعاقب عليه في الآخرة إذا مات ، ويتجاوز عنه ، وإن عمل مثقال ذرة من خير يقبل منه ، ويضاعف له في الآخرة .
وفي بعض الحديث : " الذرة لا زنة لها " وهذا مثل ضربه الله تعالى : أنه لا يغفل من عمل ابن آدم صغيرة ولا كبيرة .
وهو مثل قوله تعالى : إن الله لا يظلم مثقال ذرة .وقد تقدم الكلام هناك في الذر ، وأنه لا وزن له .
وذكر بعض أهل اللغة أن الذر : أن يضرب الرجل بيده على الأرض ، فما علق بها من التراب فهو الذر ، وكذا قال ابن عباس : إذا وضعت يدك على الأرض ورفعتها ، فكل واحد مما لزق به من التراب ذرة .
وقال محمد بن كعب القرظي : فمن يعمل مثقال ذرة من خير من كافر ير ثوابه في الدنيا ، في نفسه وماله وأهله وولده ، حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله خير .ومن يعمل ، مثقال ذرة من شر من مؤمن ، ير عقوبته في الدنيا ، في نفسه وماله وولده وأهله ، حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله شر .
دليله ما رواه العلماء الأثبات من حديث أنس : أن هذه الآية نزلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر يأكل ، فأمسك وقال : يا رسول الله ، وإنا لنرى ما عملنا من خير وشر ؟
قال : " ما رأيت مما تكره فهو مثاقيل ذر الشر ، ويدخر لكم مثاقيل ذر الخير ، حتى تعطوه يوم القيامة " .قال أبو إدريس : إن مصداقه في كتاب الله : وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير .
وقال مقاتل : نزلت في رجلين ، وذلك أنه لما نزل ويطعمون الطعام على حبه كان أحدهم يأتيه السائل ، فيستقل أن يعطيه التمرة والكسرة والجوزة .
وكان الآخر يتهاون بالذنب اليسير ، كالكذبة والغيبة والنظرة ، ويقول : إنما أوعد الله النار على الكبائر ; [ ص: 135 ] فنزلت ترغبهم في القليل من الخير أن يعطوه ; فإنه يوشك أن يكثر ، ويحذرهم اليسير من الذنب ، فإنه يوشك أن يكثر ; وقاله سعيد بن جبير .
والإثم الصغير في عين صاحبه يوم القيامة أعظم من الجبال ، وجميع محاسنه أقل في عينه من كل شيء .الثانية : قراءة العامة يره بفتح الياء فيهما .
وقرأ الجحدري والسلمي وعيسى بن عمر وأبان عن عاصم : يره بضم الياء ; أي يريه الله إياه .
والأولى الاختيار ; لقوله تعالى : يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا الآية .
وسكن الهاء في قوله يره في الموضعين هشام .
وكذلك رواه الكسائي عن أبي بكر وأبي حيوة والمغيرة .
واختلس يعقوب والزهري والجحدري وشيبة .
وأشبع الباقون .
وقيل يره أي يرى جزاءه ; لأن ما عمله قد مضى وعدم فلا يرى .
وأنشدوا :إن من يعتدي ويكسب إثما وزن مثقال ذرة سيراه ويجازى بفعله الشر شراوبفعل الجميل أيضا جزاه هكذا قوله تبارك ربيفي إذا زلزلت وجل ثناهالثالثة : قال ابن مسعود : هذه أحكم آية في القرآن ، وصدق .
وقد اتفق العلماء على عموم هذه الآية ; القائلون بالعموم ومن لم يقل به .
وروى كعب الأحبار أنه قال : لقد أنزل الله على محمد آيتين أحصتا ما في التوراة والإنجيل والزبور والصحف : فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره .
قال الشيخ أبو مدين في قوله تعالى : فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره قال : في الحال قبل المآل .
وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يسمي هذه الآية الآية الجامعة الفاذة ; كما في الصحيح لما سئل عن الحمر وسكت عن البغال ، والجواب فيهما واحد ; لأن البغل والحمار لا كر فيهما ولا فر ; فلما ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - ما في الخيل من الأجر الدائم ، والثواب المستمر ، سأل السائل عن الحمر ; لأنهم لم يكن عندهم يومئذ بغل ، ولا دخل الحجاز منها إلا بغلة النبي - صلى الله عليه وسلم - ( الدلدل ) ، التي أهداها له المقوقس ، فأفتاه في الحمير بعموم الآية ، وإن في الحمار مثاقيل ذر كثيرة ; قاله ابن العربي .
وفي الموطأ : أن مسكينا استطعم عائشة أم المؤمنين وبين يديها عنب ; فقالت لإنسان : خذ حبة فأعطه إياها .
فجعل ينظر إليها ويعجب ; فقالت : أتعجب !
كم ترى في هذه الحبة من مثقال ذرة .
وروي عن سعد بن أبي وقاص : أنه تصدق بتمرتين ، فقبض السائل يده ، فقال للسائل : ويقبل الله منا مثاقيل الذر ، وفي التمرتين مثاقيل ذر كثيرة .
وروى المطلب بن حنطب : أن أعرابيا سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرؤها فقال : يا رسول الله ، [ ص: 136 ] أمثقال ذرة !
قال : " نعم " فقال الأعرابي : واسوأتاه !
مرارا : ثم قام وهو يقولها ; فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " لقد دخل قلب الأعرابي الإيمان " .وقال الحسن : قدم صعصعة عم الفرزدق على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فلما سمع فمن يعمل مثقال ذرة الآيات قال : لا أبالي ألا أسمع من القرآن غيرها ، حسبي ، فقد انتهت الموعظة ; ذكره الثعلبي .
ولفظ الماوردي : وروي أن صعصعة بن ناجية جد الفرزدق أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - يستقرئه ، فقرأ عليه هذه الآية ; فقال صعصعة : حسبي حسبي ; إن عملت مثقال ذرة شرا رأيته .
وروى معمر عن زيد بن أسلم : أن رجلا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : علمني مما علمك الله .
فدفعه إلى رجل يعلمه ; فعلمه إذا زلزلت - حتى إذا بلغ - فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره قال : حسبي .
فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : " دعوه فإنه قد فقه " .
ويحكى أن أعرابيا أخر خيرا يره فقيل : قدمت وأخرت .
فقال :خذا بطن هرشى أو قفاها فإنه كلا جانبي هرشى لهن طريق
{ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ } وهذا شامل عام للخير والشر كله، لأنه إذا رأى مثقال الذرة، التي هي أحقر الأشياء، [وجوزي عليها] فما فوق ذلك من باب أولى وأحرى، كما قال تعالى: { يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا } { وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا } وهذه الآية فيها غاية الترغيب في فعل الخير ولو قليلًا، والترهيب من فعل الشر ولو حقيرًا.
"فمن يعمل مثقال ذرة"، وزن نملة صغيرة أصغر ما يكون من النمل.
"خيراً يره".
«فمن يعمل مثقال ذرة» زنة نملة صغيرة «خيرا يره» ير ثوابه.
فمن يعمل وزن نملة صغيرة خيرًا، ير ثوابه في الآخرة، ومن يعمل وزن نملة صغيرة شرًا، ير عقابه في الآخرة.
ثم فصل - سبحانه - ما يترتب على هذه الرؤية من جزاء فقال : ( فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ .
وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ) و " المثقال " مفعال من الثقل ، ويطلق على الشئ القليل الذى يحتمل الوزن ، و " الذرة " تطلق على أصغر النمل ، وعلى الغبار الدقيق الذى يتطاير من التراب عند النفخ فيه .
والمقصود المبالغة فى الجزاء على الأعمال مهما بلغ صغرها ، وحقر وزنها .
والفاء : للتفريع على ما تقدم .
أى : فى هذا اليوم يخرج الناس من قبورهم متفرقين لا يلوى أحد على أحد .
متجهين إلى موقف الحساب ليطلعوا على جزاء أعاملهم الدنيوية .
.
فمن كان منهم قد عمل فى دنياه عملا صالحا رأى ثماره الطيبة ، حتى ولو كان هذا العمل فى نهاية القلة ، ومن كان منهم قد عمل عملا سيئا فى دنياه ، رأى ثماره السيئة ، حتى ولو كان هذا العمل - أيضا - فى أدنى درجات القلة .
فأنت ترى أن هاتين الآيتين قد جمعتا أسمى وأحكم ألوان الترغيب والترهيب ، ولذا قال كعب الأحبار : لقد أنزل الله - تعالى - على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم آيتين ، أحصتا ما فى التوراة والإِنجيل والزبور والصحف ، ثم قرأ هاتين الآيتين .
وقد ساق الإِمام ابن كثير عند تفسيره لهاتين عددا من الأحاديث ، منها : ما أخرجه الإِمام أحمد .
" أن صعصعة بن معاوية ، أتى النبى صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه هاتين الآيتين ، فقال : حسبى لا أبالى أن لا أسمع غيرها " وفى صحيح البخارى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " اتقوا النار ولو بشق تمرة ، ولو بكلمة طيبة " .
وفى الصحيح - أيضاً - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تفرغ من دلوك فى إناء المستقى ، ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط " .
وكان صلى الله عليه وسلم يقول لعائشة : " يا عائشة ، استترى من النار ولو بشق تمرة ، فإنها تسد من الجائع مسدها من الشبعان .
يا عائشة .
إياك ومحقرات الذنوب ، فإن لها من الله - تعالى - طالبا " .
ومن الآيات الكريمة التى وردت فى معنى هاتين الآيتين قوله - تعالى - ( إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً ) وقوله - سبحانه - : ( وَنَضَعُ الموازين القسط لِيَوْمِ القيامة فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وكفى بِنَا حَاسِبِينَ ) نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا جميعا ممن يواظبون على فعل الخيرات .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
ثم قال تعالى: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: ﴿ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ أي زنة ذرة قال الكلبي: الذرة أصغر النمل، وقال ابن عباس: إذا وضعت راحتك على الأرض ثم رفعتها فكل واحد مما لزق به من التراب مثقال ذرة فليس من عبد عمل خيراً أو شراً قليلاً أو كثيراً إلا أراه الله تعالى إياه.
المسألة الثانية: في رواية عن عاصم: ﴿ يَرَهُ ﴾ برفع الياء وقرأ الباقون: ﴿ يَرَهُ ﴾ بفتحها وقرأ بعضهم: ﴿ يَرَهُ ﴾ بالجزم.
المسألة الثالثة: في الآية إشكال وهو أن حسنات الكافر محبطة بكفره وسيئات المؤمن مغفورة، إما ابتداء وإما بسبب اجتناب الكبائر، فما معنى الجزاء بمثاقيل الذرة من الخير والشر؟.
واعلم أن المفسرين أجابوا عنه من وجوه: أحدها: قال أحمد بن كعب القرظي: فمن يعمل مثقال ذرة من خير وهو كافر فإنه يرى ثواب ذلك في الدنيا حتى يلقى الآخرة، وليس له فيها شيء، وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً، ويدل على صحة هذا التأويل ما روي أنه عليه السلام قال لأبي بكر: يا أبا بكر ما رأيت في الدنيا مما تكره فبمثاقيل ذر الشر ويدخر الله لك مثاقيل الخير حتى توفاها يوم القيامة.
وثانيها: قال ابن عباس: ليس من مؤمن ولا كافر عمل خيراً أو شراً إلا أراه الله إياه، فأما المؤمن فيغفر الله سيئاته ويثيبه بحسناته، وأما الكافر فترد حسناته ويعذب بسيئاته.
وثالثها: أن حسنات الكافر وإن كانت محبطة بكفره ولكن الموازنة معتبرة فتقدر تلك الحسنات انحبطت من عقاب كفره، وكذا القول في الجانب الآخر فلا يكون ذلك قادحاً في عموم الآية.
ورابعها: أن تخصص عموم قوله: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ﴾ ونقول: المراد فمن يعمل من السعداء مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل من الأشقياء مثقال ذرة شراً يره.
المسألة الرابعة: لقائل أن يقول: إذا كان الأمر إلى هذا الحد فأين الكرم؟
والجواب: هذا هو الكرم، لأن المعصية وإن قلت ففيها استخفاف، والكريم لا يحتمله وفي الطاعة تعظيم، وإن قل فالكريم لا يضيعه، وكأن الله سبحانه يقول لا تحسب مثقال الذرة من الخير صغيراً، فإنك مع لؤمك وضعفك لم تضيع مني الذرة، بل اعتبرتها ونظرت فيها، واستدللت بها على ذاتي وصفاتي واتخذتها مركباً به وصلت إلي، فإذا لم تضيع ذرتي أفأضيع ذرتك!
ثم التحقيق أن المقصود هو النية والقصد، فإذا كان العمل قليلاً لكن النية خالصة فقد حصل المطلوب، وإن كان العمل كثيراً والنية دائرة فالمقصود فائت، ومن ذلك ما روى عن كعب: لا تحقروا شيئاً من المعروف، فإن رجلاً دخل الجنة بإعارة إبرة في سبيل الله، وإن امرأة أعانت بحبة في بناء بيت المقدس فدخلت الجنة.
وعن عائشة: كانت بين يديها عنب فقدمته إلى نسوة بحضرتها، فجاء سائل فأمرت له بحبة من ذلك العنب فضحك بعض من كان عندها، فقالت: إن فيما ترون مثاقيل الذرة وتلت هذه الآية ولعلها كان غرضها التعليم، وإلا فهي كانت في غاية السخاوة.
روي: أن ابن الزبير بعث إليها بمائة ألف وثمانين ألف درهم في غرارتين، فدعت بطبق وجعلت تقسمه بين الناس، فلما أمست قالت: يا جارية فطوري هلمي فجاءت بخبز وزيت، فقيل لها: أما أمسكت لنا درهماً نشتري به لحماً نفطر عليه، فقالت: لو ذكرتيني لفعلت ذلك وقال مقاتل: نزلت هذه الآية في رجلين كان أحدهما يأتيه السائل فيستقل أن يعطيه التمرة والكسرة والجوزة، ويقول ما هذا بشيء، وإنما نؤجر على ما نعطي!
وكان الآخر يتهاون بالذنب اليسير، ويقول: لا شيء علي من هذا إنما الوعيد بالنار على الكبائر، فنزلت هذه الآية ترغيباً في القليل من الخير فإنه يوشك أن يكثر، وتحذيراً من اليسير من الذنب فإنه يوشك أن يكبر، ولهذا قال عليه السلام: «اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة» والله سبحانه وتعالى أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
﴿ زلزالها ﴾ قرئ: بكسر الزاي وفتحها؛ فالمكسور: مصدر، والمفتوح: اسم؛ وليس في الأبنية فعلال بالفتح إلاّ في المضاعف.
فإن قلت: ما معنى زلزالها بالإضافة؟
قلت: معناه زلزالها الذي تستوجبه في الحكمة وهو مشيئة الله، وهو الزلزال الشديد الذي ليس بعده.
ونحوه قولك: أكرم التقيّ إكرامه، وأهن الفاسق إهانته، تريد: ما يستوجبانه من الإكرام والإهانة أو زلزالها كله وجميع ما هو ممكن منه.
الأثقال: جمع ثقل.
وهو متاع البيت، وتحمل أثقالكم جعل ما في جوفها من الدفائن أثقالاً لها ﴿ وَقَالَ الإنسان مَا لَهَا ﴾ زلزلت هذه الزلزلة الشديدة ولفظت ما في بطنها؛ وذلك عند النفخة الثانية حين تزلزل وتلفظ أمواتها أحياء، فيقولون ذلك لما يبهرهم من الأمر الفظيع، كما يقولون: ﴿ من بعثنا من مرقدنا ﴾ [يس: 52] .
وقيل: هذا قول الكافر؛ لأنه كان لا يؤمن بالبعث؛ فأما المؤمن فيقول: ﴿ هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون ﴾ [يس: 52] .
فإن قلت: ما معنى تحديث الأرض والإيحاء لها؟
قلت: هو مجاز عن إحداث الله تعالى فيها من الأحوال ما يقوم مقام التحديث باللسان، حتى ينظر من يقول ما لها إلى تلك الأحوال، فيعلم لم زلزلت ولم لفظت الأموات؟
وأنّ هذا ما كانت الأنبياء ينذرونه ويحذرون منه.
وقيل: ينطقها الله على الحقيقة.
وتخبر بما عمل عليها من خير وشرّ.
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تشهد على كل أحد بما عمل على ظهرها» فإن قلت: (إذا، ويومئذ): ما ناصبهما؟
قلت: ﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ بدل من (إذا)، وناصبهما ﴿ تُحَدِّثُ ﴾ .
ويجوز أن ينتصب (إذا) بمضمر، و ﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ بتحدّث.
فإن قلت: أين مفعولا (تحدث)؟
قلت: قد حذف أوّلهما، والثاني: أخبارها، وأصله تحدث الخلق أخبارها؛ إلاّ أن المقصود ذكر تحديثها الأخبار لا ذكر الخلق تعظيماً لليوم.
فإن قلت: بم تعلقت الباء في قوله: ﴿ بِأَنَّ رَبَّكَ ﴾ ؟
قلت: بتحدّث، معناه: تحدّث أخبارها بسبب إيحاء ربك لها، وأمره إياها بالتحديث.
ويجوز أن يكون المعنى: يومئذ تحدث بتحديث أنّ ربك أوحى لها أخبارها، على أن تحديثها بأن ربك أوحى لها: تحديث بأخبارها، كما تقول: نصحتني كل نصيحة، بأن نصحتني في الدين.
ويجوز أن يكون ﴿ بِأَنَّ رَبَّكَ ﴾ بدلاً من ﴿ أَخْبَارَهَا ﴾ كأنه قيل: يومئذ تحدث بأخبارها بأن ربك أوحى لها؛ لأنك تقول: حدثته كذا وحدثته بكذا، و ﴿ أوحى لَهَا ﴾ بمعنى أوحى إليها، وهو مجاز كقوله: ﴿ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [النحل: 40] قال: أَوْحَى لَهَا الْقَرَارَ فَاسْتَقَرَّتْ وقرأ ابن مسعود: ﴿ تنبئ أخبارها ﴾ .
وسعيد بن جبير: تنبئ، بالتخفيف.
يصدرون عن مخارجهم من القبور إلى الموقف ﴿ أَشْتَاتاً ﴾ بيض الوجوه آمنين؛ وسود الوجوه فزعين.
أو يصدرون عن الموقف أشتاتاً يتفرق بهم طريقا الجنة والنار، ليروا جزاء أعمالهم.
وفي قراءة النبيّ صلى الله عليه وسلم: ﴿ ليروا ﴾ بالفتح.
وقرأ ابن عباس وزيد بن علي: ﴿ يره ﴾ بالضم.
ويحكى أنّ أعرابياً أخر ﴿ خَيْراً يَرَهُ ﴾ فقيل له: قدّمت وأخّرت؛ فقال: خُذَا بَطْنَ هَرْشَى أَوْ قَفَاهَا فَإن ** كِلاَ جَانِبَيْ هَرْشَى لَهُنَّ طَرِيقُ والذرّة: النملة الصغيرة، وقيل: (الذرّ) ما يرى في شعاع الشمس من الهباء.
فإن قلت: حسنات الكافر محبطة بالكفر، وسيئات المؤمن معفوّة باجتناب الكبائر، فما معنى الجزاء بمثاقيل الذرّ من الخير والشرّ؟
قلت: المعنى فمن يعمل مثقال ذرّة خيراً: من فريق السعداء.
ومن يعمل مثقال ذرّة شراً: من فريق الأشقياء؛ لأنه جاء بعد قوله: ﴿ يَصْدُرُ الناس أَشْتَاتاً ﴾ .
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة إذا زلزلت أربع مرات كان كمن قرأ القرآن كله» .
﴿ يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ ﴾ مِن مَخارِجِهِمْ مِنَ القُبُورِ إلى المَوْقِفِ.
﴿ أشْتاتًا ﴾ مُتَفَرِّقِينَ بِحَسَبِ مَراتِبِهِمْ.
﴿ لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ ﴾ جَزاءَ أعْمالِهِمْ، وقُرِئَ بِفَتْحِ الياءِ.
﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴾ ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ تَفْصِيلٌ لِيُرَوْا ولِذَلِكَ قُرِئَ «يُرَهُ» بِالضَّمِّ، وقَرَأ هِشامٌ بِإسْكانِ الهاءِ ولَعَلَّ حَسَنَةَ الكافِرِ وسَيِّئَةَ المُجْتَنِبِ عَنِ الكَبائِرِ تُؤَثِّرانِ في نَقْصِ الثَّوابِ والعِقابِ.
وقِيلَ: الآيَةُ مَشْرُوطَةٌ بِعَدَمِ الإحْباطِ والمَغْفِرَةِ، أوْ مَنِ الأوْلى مَخْصُوصَةٌ بِالسُّعَداءِ والثّانِيَةُ بِالأشْقِياءِ لِقَوْلِهِ أشْتاتًا، وال ذَرَّةٍ النَّمْلَةُ الصَّغِيرَةُ أوِ الهَباءُ.
عَنِ النَّبِيِّ : «مَن قَرَأ سُورَةَ إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ أرْبَعَ مَرّاتٍ كانَ كَمَن قَرَأ القُرْآنَ كُلَّهُ».»
{فمن يعمل مثقال ذرة} نملة ضغيرة {خيرا} تمييز {يره} أى يرى جزاؤه
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴾ ﴿ ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ تَفْصِيلٌ لِيُرَوْا، والذَّرَّةُ نَمْلَةٌ صَغِيرَةٌ حَمْراءُ رَقِيقَةٌ، ويُقالُ: إنَّها تَجْرِي إذا مَضى لَها حَوْلٌ وهي عَلَمٌ في القِلَّةِ.
قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: مِنَ القاصِراتِ الطَّرْفِ لَوْ دَبَّ مُحْوِلٌ مِنَ الذَّرِّ فَوْقَ الإتْبِ مِنها لَأثَّرا وقِيلَ: الذَّرُّ ما يُرى في شُعاعِ الشَّمْسِ مِنَ الهَباءِ.
وأخْرَجَ هَنّادٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّهُ أدْخَلَ يَدَهُ في التُّرابِ ثُمَّ رَفَعَها ثُمَّ نَفَخَ فِيها وقالَ: كُلُّ واحِدَةٍ مِن هَؤُلاءِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ.
وانْتِصابُ «خَيْرًا، وشَرًّا» عَلى التَّمْيِيزِ؛ لِأنَّ مِثْقالَ ذَرَّةٍ مِقْدارٌ.
وقِيلَ: عَلى البَدَلِيَّةَ مِن ( مِثْقالَ ) والظّاهِرُ أنَّ «مِن» في المَوْضِعَيْنِ عامَّةٌ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، وأنَّ المُرادَ مِن رُؤْيَةِ ما يُعادِلُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ مُشاهَدَةُ جَزائِهِ بِأنْ يَحْصُلَ لَهُ ذَلِكَ.
واسْتُشْكِلَ بِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي إثابَةَ الكافِرِ بِحَسَناتِهِ وما يَفْعَلُهُ مِنَ الخَيْرِ مَعَ أنَّهم قالُوا: أعْمالُ الكَفَرَةِ مُحْبَطَةٌ، وادَّعى في شَرْحِ المَقاصِدِ الإجْماعَ عَلى ذَلِكَ، كَيْفَ وقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا ﴾ وقالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ إلا النّارُ وحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ وقالَ تَعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أعْمالُهم كَرَمادٍ ﴾ الآيَةَ...
وكَوْنُ خَيْرِهِمُ الَّذِي يَرَوْنَهُ تَخْفِيفَ العَذابِ يَدْفَعُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ ﴾ ويَقْتَضِي أيْضًا عِقابَ المُؤْمِنِ بِصَغائِرِهِ إذا اجْتَنَبَ الكَبائِرَ مَعَ أنَّهم قالُوا: إنَّها مُكَفِّرَةٌ حِينَئِذٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ ﴾ وقَوْلِ ابْنِ المُنَيِّرِ: إنَّ الِاجْتِنابَ لا يُوجِبُ التَّكْفِيرَ عِنْدَ الجَماعَةِ بَلِ التَّوْبَةَ أوْ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعالى لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ التَّوْبَةَ والِاجْتِنابَ سَواءٌ في حُكْمِ النَّصِّ، ومَشِيئَةُ اللَّهِ تَعالى هي السَّبَبُ الأصِيلُ فالتَزَمَ بَعْضُهم كَوْنَ المُرادِ بِمَن الأُولى السُّعَداءَ، وبِمَن الثّانِيَةِ الأشْقِياءَ؛ بِناءً عَلى أنَّ ﴿ فَمَن يَعْمَلْ ﴾ إلَخْ تَفْصِيلٌ لِ ﴿ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا ﴾ وكانَ مُفَسَّرًا بِما حاصِلُهُ: ﴿ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ ﴾ فالمُناسِبُ أنْ يَرْجِعَ كُلُّ فِقْرَةٍ إلى فِرْقَةٍ لِتَطابُقِ المُفَصَّلِ المُجْمَلَ؛ ولِأنَّ الظّاهِرَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: «فَمَن يَعْمَلْ، ومَن يَعْمَلْ» بِتَكْرِيرِ أداةِ الشَّرْطِ يَقْتَضِي التَّغايُرَ بَيْنَ العامِلَيْنِ وقالَ آخَرُونَ بِالعُمُومِ إلّا أنَّ مِنهم مَن قالَ: في الكَلامِ قَيْدٌ مُقَدَّرٌ، تُرِكَ لِظُهُورِهِ والعِلْمِ بِهِ مِن آياتٍ أُخَرَ.
فالتَّقْدِيرُ: فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ إنْ لَمْ يُحْبَطْ.
ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ إنْ لَمْ يُكَفَّرْ.
ومِنهم مَن جَعَلَ الرُّؤْيَةَ أعَمَّ مِمّا تَكُونُ في الدُّنْيا وما تَكُونُ في الآخِرَةِ، فالكافِرُ يَرى جَزاءَ خَيْرِهِ في الدُّنْيا وجَزاءَ شَرِّهِ في الآخِرَةِ، والمُؤْمِنُ يَرى جَزاءَ شَرِّهِ في الدُّنْيا وجَزاءَ خَيْرِهِ في الآخِرَةِ؛ فَقَدْ رَوى البَغَوِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهم عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ أنَّهُ قالَ: فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ مِن خَيْرٍ وهو كافِرٌ فَإنَّهُ يَرى ثَوابَ ذَلِكَ في الدُّنْيا في نَفْسِهِ وأهْلِهِ ومالِهِ حَتّى يَبْلُغَ الآخِرَةَ ولَيْسَ عَلَيْهِ فِيها خَيْرٌ، ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ مِن شَرٍّ وهو مُؤْمِنٌ كُوفِئَ ذَلِكَ في الدُّنْيا في نَفْسِهِ وأهْلِهِ ومالِهِ حَتّى يَبْلُغَ الآخِرَةَ ولَيْسَ عَلَيْهِ فِيها شَرٌّ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وجَماعَةٌ عَنْ أنَسٍ قالَ: «بَيْنَما أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَأْكُلُ مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ ﴾ الآيَةَ.
فَرَفَعَ أبُو بَكْرٍ يَدَهُ وقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي لَراءٍ ما عَمِلْتُ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ مِن شَرٍّ؟
فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «يا أبا بَكْرٍ، أرَأيْتَ ما تَرى في الدُّنْيا مِمّا تَكْرَهُ فَبِمَثاقِيلِ ذَرِّ الشَّرِّ، ويُدَّخَرُ لَكَ مَثاقِيلُ ذَرِّ الخَيْرِ حَتّى تُوَفّاهُ يَوْمَ القِيامَةِ»».
وفِي رِوايَةِ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي أيُّوبَ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ لَهُ إذْ رَفَعَ يَدَهُ: ««مَن عَمِلَ مِنكم خَيْرًا فَجَزاؤُهُ في الآخِرَةِ، ومَن عَمِلَ مِنكم شَرًّا يَرَهُ في الدُّنْيا مُصِيباتٍ وأمْراضًا، ومَن يَكُنْ فِيهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِن خَيْرٍ دَخَلَ الجَنَّةَ»».
ومِنهم مَن قالَ: المُرادُ مِن رُؤْيَةِ ما يُعادِلُ ذَلِكَ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ مُشاهَدَةُ نَفْسِهِ عَنْ غَيْرِ أنْ يُعْتَبَرَ مَعَهُ الجَزاءُ ولا عَدَمُهُ بَلْ يُفَوَّضُ كُلٌّ مِنهُما إلى سائِرِ الدَّلائِلِ النّاطِقَةِ بِعَفْوِ صَغائِرِ المُؤْمِنِ المُجْتَذِبِ عَنِ الكَبائِرِ وإثْباتِهِ بِجَمِيعِ حَسَناتِهِ وبِحُبُوطِ حَسَناتِ الكافِرِ ومُعاقَبَتِهِ بِجَمِيعِ مَعاصِيهِ وبِهِ يُشْعِرُ ما أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن قَوْلِهِ في الآيَةِ: لَيْسَ مُؤْمِنٌ ولا كافِرٌ عَمِلَ خَيْرًا وشَرًّا في الدُّنْيا إلّا أراهُ اللَّهُ تَعالى إيّاهُ؛ فَأمّا المُؤْمِنُ فَيَرى حَسَناتِهِ وسَيِّئاتِهِ فَيَغْفِرُ لَهُ مِن سَيِّئاتِهِ ويُثِيبُهُ بِحَسَناتِهِ، وأمّا الكافِرُ فَيُرِيهِ حَسَناتِهِ وسَيِّئاتِهِ، فَيَرُدُّ حَسَناتِهِ ويُعَذِّبُهُ بِسَيِّئاتِهِ.
واخْتارَ هَذا الطِّيبِيُّ فَقالَ: إنَّهُ يُساعِدُهُ النَّظْمُ والمَعْنى والأُسْلُوبُ، أمّا النَّظْمُ فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ ﴾ إلَخْ تَفْصِيلٌ لِما عُقِّبَ بِهِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ ﴾ فَيَجِبُ التَّوافُقُ، والأعْمالُ جَمْعٌ مُضافٌ يُفِيدُ الشُّمُولَ والِاسْتِغْراقَ، ويَصْدُرُ النّاسُ مُقَيَّدٌ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أشْتاتًا ﴾ فَيُفِيدُ أنَّهم عَلى طَرائِقَ شَتّى لِلنُّزُولِ في مَنازِلِهِمْ مِنَ الجَنَّةِ والنّارِ بِحَسْبِ أعْمالِهِمِ المُخْتَلِفَةِ، ومِن ثَمَّ كانَتِ الجَنَّةُ ذاتَ دَرَجاتٍ والنّارُ ذاتَ دَرَكاتٍ.
وأمّا المَعْنى فَإنَّها ورَدَتْ لِبَيانِ الِاسْتِقْصاءِ في عَرْضِ الأعْمالِ والجَزاءِ عَلَيْها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ أتَيْنا بِها وكَفى بِنا حاسِبِينَ ﴾ وأمّا الأُسْلُوبُ فَإنَّها مِنَ الجَوامِعِ الحاوِيَةِ لِفَوائِدِ الدِّينِ أصْلًا وفَرْعًا.
رُوِّينا عَنِ البُخارِيِّ ومُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنِ الحُمُرِ أيْ عَنْ صَدَقَتِها قالَ: «لَمْ يَنْزِلْ عَلَيَّ فِيها شَيْءٌ إلّا هَذِهِ الآيَةُ الجامِعَةُ الفاذَّةُ»».
أيِ المُتَفَرِّدَةُ في مَعْناها فَتَلاها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ «عَنْ صَعْصَعَةَ بْنِ مُعاوِيَةَ عَمِّ الفَرَزْدَقِ أنَّهُ أتى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَقَرَأ عَلَيْهِ الآيَةَ فَقالَ: «حَسْبِي لا أُبالِي أنْ لا أسْمَعَ مِنَ القُرْآنِ غَيْرَها»».
انْتَهى.
وأقُولُ: الظّاهِرُ عُمُومُ مِن، وكَوْنُ المُرادِ رُؤْيَةَ الجَزاءِ كَما تَقَدَّمَ، وكَذا الظّاهِرُ كَوْنُ ذَلِكَ في الآخِرَةِ ولا إشْكالَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الفِقْرَةَ الأُولى وعْدٌ والثّانِيَةَ وعِيدٌ، ومَذْهَبُنا أنَّ الوَعْدَ لازِمُ الوُقُوعِ تَفَضُّلًا وكَرَمًا، والوَعِيدُ لَيْسَ كَذَلِكَ فَيُفَوَّضُ أمْرُ الشَّرِّ في الثّانِيَةِ عَلى الدَّلائِلِ وهي ناطِقَةٌ بِأنَّهُ إنْ كانَ كُفْرًا لا يُغْفَرُ وإنْ كانَ صَغِيرَةً مِن مُؤْمِنٍ مُجْتَنِبٍ الكَبائِرَ يُكَفَّرُ، وإنْ كانَ كَبِيرَةً مِن مُؤْمِنٍ أوْ صَغِيرَةً مِنهُ وهو غَيْرُ مُجْتَنِبٍ الكَبائِرَ فَتَحْتَ المَشِيئَةِ.
وخَبَرا أنَسٍ وأبِي أيُّوبَ السّابِقانِ لا يَأْبَيانِ ذَلِكَ بَعْدَ التَّأمُّلِ ولا يَبْعُدُ فِيما أرى أنْ يَكُونَ ما عَدا الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ كَذَلِكَ.
وأمّا أمْرُ الخَيْرِ فَباقٍ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ وهو بِالنِّسْبَةِ إلى المُؤْمِنِ ظاهِرٌ، وأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى الكافِرِ فَتَخْفِيفُ العَذابِ لِلْأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ؛ فَقَدْ ورَدَ أنَّ حاتِمًا يُخَفِّفُ اللَّهَ تَعالى عَنْهُ لِكَرَمِهِ، وأنَّ أبا لَهَبٍ كَذَلِكَ لِسُرُورِهِ بِوِلادَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وإعْتاقِهِ لِجارِيَتِهِ ثُوَيْبَةَ حِينَ بَشَّرَتْهُ بِذَلِكَ، والحَدِيثُ في تَخْفِيفِ عَذابِ أبِي طالِبٍ مَشْهُورٌ، وما يَدُلُّ عَلى عَدَمِ تَخْفِيفِ العَذابِ فالعَذابُ فِيهِ مَحْمُولٌ عَلى عَذابِ الكُفْرِ بِحَسَبِ مَراتِبِهِ فَهو الَّذِي لا يُخَفَّفُ، والعَذابُ الَّذِي دَلَّتِ الأخْبارُ عَلى تَخْفِيفِهِ غَيْرُ ذَلِكَ، ومَعْنى إحْباطِ أعْمالِ الكُفّارِ أنَّها لا تُنَجَيِّهِمْ مِنَ العَذابِ المُخَلِّدِ كَأعْمالِ غَيْرِهِمْ وهو مَعْنى كَوْنِها سَرابًا وهَباءً.
ودَعْوى الإجْماعِ عَلى إحْباطِها بِالكُلِّيَّةِ غَيْرُ تامَّةٍ كَيْفَ وهَمَ مُخاطَبُونَ بِالتَّكالِيفِ في المُعامَلاتِ والجِناياتِ اتِّفاقًا، والخِلافُ إنَّما هو في خِطابِهِمْ في غَيْرِها مِنَ الفُرُوعِ ولا شَكَّ أنَّهُ لا مَعْنى لِلْخِطابِ بِها إلّا عِقابُ تارِكِها وثَوابُ فاعِلِها.
وأقَلُّهُ التَّخْفِيفُ وإلى هَذا ذَهَبَ العَلّامَةُ شِهابُ الدِّينِ الخَفاجِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ ثُمَّ قالَ: وما في التَّبْصِرَةِ وشَرْحِ المَشارِقِ وتَفْسِيرِ الثَّعْلَبِيِّ مِن أنَّ أعْمالَ الكَفَرَةِ الحَسَنَةَ الَّتِي لا يُشْتَرَطُ فِيها الإيمانُ كَإنْجاءِ الغَرِيقِ وإطْفاءِ الحَرِيقِ وإطْعامِ ابْنِ السَّبِيلِ يُجْزَوْنَ عَلَيْها في الدُّنْيا ولا تُدَّخَرُ لَهم في الآخِرَةِ كالمُؤْمِنِينَ بِالإجْماعِ لِلتَّصْرِيحِ بِهِ في الأحادِيثِ، فَإنْ عَمِلَ أحَدُهم في كُفْرِهِ حَسَناتٍ ثُمَّ أسْلَمَ اخْتُلِفَ فِيهِ: هَلْ يُثابُ عَلَيْها في الآخِرَةِ أمْ لا؟
بِناءً عَلى أنَّ اشْتِراطَ الإيمانِ في الِاعْتِدادِ بِالأعْمالِ وعَدَمِ إحْباطِها هَلْ هو بِمَعْنى وُجُودِ الإيمانِ عِنْدَ العَمَلِ أوْ وُجُودِهِ ولَوْ بَعْدُ؛ لِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الحَدِيثِ: ««أسْلَمْتَ عَلى ما سَلَفَ لَكَ مِن خَيْرٍ»».
غَيْرُ مُسَلَّمٍ، ودَعْوى الإجْماعِ فِيهِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ؛ لِأنَّ كَوْنَ وُقُوعِ جَزائِهِمْ في الدُّنْيا دُونَ الآخِرَةِ كالمُؤْمِنِينَ مَذْهَبٌ لِبَعْضِهِمْ، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى الجَزاءِ بِالتَّخْفِيفِ وقالَ الكِرْمانِيُّ: إنَّ التَّخْفِيفَ واقِعٌ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِسَبَبِ عَمَلِهِمْ بَلْ لِأمْرٍ آخَرَ كَشَفاعَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ورَجائِهِ، ومِنهُ ما يَكُونُ لِأبِي لَهَبٍ كَما قالَ الزَّرْكَشِيُّ.
انْتَهى.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ الشَّفاعَةَ مِن آثارِ عَمَلِ المَشْفُوعِ الخَيْرَ أيْضًا.
فَتَأمَّلْ.
وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ عَلى ما أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ: ﴿ ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ ﴾ كانَ المُسْلِمُونَ يَرَوْنَ أنَّهم لا يُؤْجَرُونَ عَلى الشَّيْءِ القَلِيلِ إذا أعْطَوْهُ فَيَجِيءُ المِسْكِينُ إلى أبْوابِهِمْ فَيَسْتَقِلُّونَ أنْ يُعْطُوهُ التَّمْرَةَ والبُسْرَةَ فَيَرُدُّونَهُ ويَقُولُونَ: ما هَذا بِشَيْءٍ إنَّما نُؤْجَرُ عَلى ما نُعْطِي ونَحْنُ نُحِبُّهُ، وكانَ آخَرُونَ يَرَوْنَ أنَّهم لا يُلامُونَ عَلى الذَّنْبِ اليَسِيرِ الكِذْبَةِ والنَّظْرَةِ والغِيبَةِ وأشْباهِ ذَلِكَ ويَقُولُونَ: إنَّما وعَدَ اللَّهُ تَعالى النّارَ عَلى الكَبائِرِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ تُرَغِّبُهم في القَلِيلِ مِنَ الخَيْرِ أنْ يَعْمَلُوهُ، وتُحَذِّرَهُمُ اليَسِيرَ مِنَ الشَّرِّ أنْ يَعْمَلُوهُ.
وفِيها مِن دَلالَةِ الخِطابِ ما لا يَخْفى وقَدْ كانَ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بَعْدَها يَتَصَدَّقُونَ بِما قَلَّ وكَثُرَ.
فَقَدْ رُوِيَ أنَّ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها بَعَثَ إلَيْها ابْنُ الزُّبَيْرِ بِمِائَةِ ألْفٍ وثَمانِينَ ألْفَ دِرْهَمٍ في غِرارَتَيْنِ فَدَعَتْ بِطَبَقٍ وجَعَلَتْ تُقَسِّمُها بَيْنَ النّاسِ، فَلَمّا أمْسَتْ قالَتْ جارِيَتُها: هَلُمِّي وكانَتْ صائِمَةً، فَجاءَتْ بِخُبْزٍ وزَيْتٍ فَقالَتْ: ما أمْسَكْتِ لَنا دِرْهَمًا نَشْتَرِي بِهِ لَحْمًا نُفْطِرُ عَلَيْهِ.
فَقالَتْ: لَوْ ذَكَّرْتِنِي لَفَعَلْتُ.
وجاءَ في عِدَّةِ رِواياتٍ أنَّها أعْطَتْ سائِلًا يَوْمًا حَبَّةً مِن عِنَبٍ، فَقِيلَ لَها في ذَلِكَ.
فَقالَتْ: هَذِهِ أثْقَلُ مِن ذَرٍّ كَثِيرٍ ثُمَّ قَرَأتِ الآيَةَ.
ورُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْ عُمَرَ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وسَعْدِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، وكانَ غَرَضُهم تَعْلِيمَ النّاسِ أنَّهُ لا بَأْسَ بِالتَّصَدُّقِ بِالقَلِيلِ ولَهم بِذَلِكَ أُسْوَةٌ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
فَقَدْ أخْرَجَ الزَّجّاجِيُّ في أمالِيهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ «أنْ سائِلًا أتى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأعْطاهُ تَمْرَةً، فَقالَ السّائِلُ: نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ تَصَدَّقَ بِتَمْرَةٍ.
فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «أما عَلِمْتَ فِيها مَثاقِيلَ ذَرٍّ كَثِيرَةً»».
وجاءَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ««اتَّقَوُا النّارَ ولَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ»».
ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ.
وتَقْدِيمُ عَمَلِ الخَيْرِ لِأنَّهُ أشْرَفُ القِسْمَيْنِ والمَقْصُودُ بِالأصالَةِ لا يَخْفى حُسْنُ مَوْقِعِهِ ويُعْلَمُ مِنهُ أنَّ هَذا الإحْصاءَ لا يُنافِي كَرَمَهُ عَزَّ وجَلَّ المُطْلَقَ وما يُحْكى مِن أنَّ أعْرابِيًّا أخَّرَ «خَيْرًا يَرَهُ» فَقِيلَ لَهُ: قَدَّمْتَ وأخَّرْتَ فَقالَ: خُذا بَطْنَ هَرْشى أوْ قَفاها فَإنَّهُ ∗∗∗ كِلا جانِبَيْ هَرْشى لَهُنَّ طَرِيقُ فَغَفَلَ عَنِ اللَّطائِفِ القُرْآنِيَّةِ أوْ لَعَلَّهُ أرادَ أنَّهُ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالعَمَلِ لا بَأْسَ بِهِ قُدِّمَ أوْ أُخِّرَ لا أنَّ القِراءَةَ بِهِ جائِزَةٌ.
وقَرَأ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عَلى جَدِّهِ عَلَيْهِ وعَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو حَيْوَةَ والكَلْبِيُّ وخُلَيْدُ بْنُ نَشِيطٍ وأبانُ عَنْ عاصِمٍ والكِسائِيُّ في رِوايَةِ حُمَيْدِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْهُ: «يُرَهُ» بِضَمِّ الياءِ في المَوْضِعَيْنِ.
وقَرَأ هِشامٌ وأبُو بَكْرٍ: «يَرَهْ» بِسُكُونِ الهاءِ فِيها وأبُو عَمْرٍو بِضَمِّها مُشْبَعَةً، وباقِي السَّبْعَةِ بِالإشْباعِ في الأوَّلِ والسُّكُونِ في الثّانِي، والإسْكانُ في الوَصْلِ لُغَةٌ حَكاها الأخْفَشُ ولَمْ يَحْكِها سِيبَوَيْهِ وحَكاها الكِسائِيُّ أيْضًا عَنْ بَنِي كِلابٍ وبَنِي عَقِيلٍ.
وقَرَأ عِكْرِمَةُ: «يَراهُ» بِالألِفِ فِيهِما وذَلِكَ عَلى لُغَةِ مَن يَرى الجَزْمَ بِحَذْفِ الحَرَكَةِ المُقَدَّرَةِ عَلى حَرْفِ العِلَّةِ كَما حَكى الأخْفَشُ أوْ عَلى ما يُقالُ في غَيْرِ القُرْآنِ مِن تَوَهُّمِ أنَّ مَن مَوْصُولَةٌ لا شَرْطِيَّةٌ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: «إنَّهُ مَن يَتَّقِي ويَصْبِرْ» في قِراءَةِ مَن أثْبَتَ ياءَ يَتَّقِ وجَزَمَ يَصْبِرْ.
وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الألِفُ لِلْإشْباعِ والوَجْهُ الأوَّلُ أوْلى.
واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
ثم قال عز وجل: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ يعني: مقدار ذرة، وهو الذي يرى في شعاع الشمس.
يعني: يرى ثوابه في الآخرة وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ يعني: يرى جزاؤه في الآخرة.
وروى قتادة، عن محمد بن كعب القرظي قال: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ الآية قال: ما من كافر عمل مثقال ذرة من خير، إلا عجّل له ثواب ذلك في الدنيا، في نفسه أو في أهله، أو في ماله، حتى خرج من الدنيا، وليس له عند الله، مثقال ذرة من خير، وما من مؤمن عمل مثقال ذرة من شر، إلا عجل له عقوبتها في الدنيا، في نفسه أو في ماله، أو في أهله حتى يخرج من دار الدنيا وليس له عند الله مثقال ذرة من شر.
وروى معمر، عن زيد بن أسلم، أن رجلاً جاء إلى النبيّ ، فقال: علمني مما علمك الله، فدفعه إلى رجل يعلمه القرآن، فعلمه إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ حتى بلغ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ فقال الرجل: حسبي فأخبر بذلك النبيّ ، فقال: دعه فقه الرجل.
وروى الأجلح، عن أبي إسحاق، عن امرأته، عن عائشة أنها قالت: دخلت على عائشة ا، أنا وامرأة أبي سفيان، فجاء سائل يسألها سلة من عنب، فأخذت حبة من عنب فأعطته، فنظر بعضنا إلى بعض فقالت: إن قدر هذا، أثقل من ذرات كثيرة.
ثم قرأت فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ والله أعلم.
وقوله تعالى: بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها الباءُ باءُ السببِ وقَالَ ابن عباس وغيرُه: المعنى أوحَى إليهَا «١» ، قال- ص-: المشهورُ أنَّ أَوْحى يتعدى ب «إلى» وَعُدِّيَ هنا باللامِ مُرَاعَاةً للفَوَاصِل، وقال أَبو البقاء: لَها بِمَعْنَى إلَيْهَا، انتهى.
وقوله سبحانه: يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً بمعنى: يَنْصَرِفُونَ مِنْ موضعِ وُرُودِهم مُختلِفي الأَحْوَالِ، قال الجمهور: وُرُوْدُهُمْ بالموت، وصدورُهُمْ هو القيامُ إلَى البَعْثِ والكلُّ سائرٌ إلى العَرْضِ ليرَى عَمَله، ويقفُ عليه، وقيل: الورودُ هو ورودُ المَحْشَرِ والصَّدَرُ أشْتَاتَاً هُو صَدَرُ قَوْمٍ إلى الجنةِ وقَوْمٍ إلى النَّارِ ليروا جَزَاء أعمالهم.
وَقَوْلهِ- جلت عظمته-: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ الآية، كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يُسَمِّي هذه الآيَةَ الجِامِعَةَ الفَاذَّةَ، ويروى أَنَّهُ «لَمَّا نَزَلَتْ هذه السُّورَةُ بَكَى أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَ أُسْأَلُ عَنْ مثاقيل الذّرّ؟
فقال له النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «يَا أبا بَكْرٍ، مَا رَأَيْتَهُ في الدُّنْيَا مِمَّا تَكْرَهُ فَبِمَثاقِيلِ ذَرِّ الشَّرِّ، وَيَدَّخِرُ لَكَ اللَّهُ مَثَاقِيلَ ذَرِّ الخَيْرِ إلَى الآخِرَةِ» «٢» ، قال الداوديّ: بَيْنَمَا عُمَرُ بن الخَطَّابِ بِطَرِيقِ مَكَّةَ ليلاً، إذا ركب مقبلين من حهة، فَقَالَ لبعض مَنْ معه: سَلْهُمْ مِنْ أَيْنَ أقبلوا؟
فقال له أحدهم: من الفَجِّ العميقِ، نُرِيدُ البَلَدَ العَتِيقَ، فَأُخْبِرَ عَمَرُ بِذَلِكَ، فَقَالَ: أَوَقَعُوا في هذا؟
قُلْ لَهُمْ، فَمَا أَعْظَمُ، آيةٍ في كِتَابِ اللَّهِ، وأَحْكَمُ آيةٍ في كِتَابِ اللَّهِ، وَأَعْدَلُ آيةٍ في كِتَابِ اللَّهِ، وأرجى آيةٍ في كِتَابِ اللَّهِ، وَأَخْوَفُ آيةٍ في كِتَابِ اللَّهِ؟
فَقَالَ لَهُ قَائِلُهُمْ: أَعْظَمُ آيةٍ في/ كِتَابِ اللَّهِ آيَةُ الكُرْسِيِّ [البقرة: ٢٥٥] ، وَأَحْكَمُ آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ [النحل: ٩٠] وَأعْدَلُ آيةٍ في كِتَابِ اللَّهِ:
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ وأرجى آيَةٍ في كِتَابِ اللَّهِ: إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً [النساء: ٤٠] وَأَخْوفُ آيةٍ في كِتَابِ اللَّه: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ [النساء: ١٢٣] فأُخْبِرَ عمرَ بِذلكَ، فَقَالَ لَهُمْ عمرُ: أَفِيكُم ابنُ أُمِّ عَبْدٍ؟
فقالوا: نعم، وهو الّذي [كلّمك] ، قال
عُمَرُ: كُنَيْفٌ مُليءَ عِلْماً آثرْنَا بِهِ أهْلَ القادسيّة على أنفسنا.
قال الداوديّ، ومعْنَى أعظم آية يُرِيدُ في الثواب، انتهى «١» .
سُورَةُ الزَّلْزَلَةِ وَفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ، والجُمْهُورُ.
والثّانِي: مَكِّيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وجابِرٌ، وعَطاءٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها ﴾ أيْ: حُرِّكَتْ حَرَكَةً شَدِيدَةً، وذَلِكَ عِنْدَ قِيامِ السّاعَةِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: تَتَزَلْزَلُ مِن شِدَّةِ صَوْتِ إسْرافِيلَ حَتّى يَنْكَسِرَ كُلُّ ما عَلَيْها مِن شِدَّةِ الزَّلْزَلَةِ ولا تَسْكُنُ حَتّى تُلْقِيَ ما عَلى ظَهْرِها مِن جَبَلٍ، أوْ بِناءٍ، أوْ شَجَرٍ، ثُمَّ تَتَحَرَّكُ وتَضْطَرِبُ، فَتُخْرِجُ ما في جَوْفِها.
وَفِي وقْتِ هَذِهِ الزَّلْزَلَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: تَكُونُ في الدُّنْيا، وهي مِن أشْراطِ السّاعَةِ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
والثّانِي: أنَّها زَلْزَلَةُ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ خارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ في آخَرِينَ.
قالَ الفَرّاءُ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوانَ، قالَ: قُلْتُ لِلْكَلْبِيِّ: أرَأيْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى: ﴿ إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها ﴾ ؟
فَقالَ: هَذِهِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيُخْرِجُكم إخْراجًا ﴾ فَأُضِيفَ المَصْدَرُ إلى صاحِبِهِ، وأنْتَ قائِلٌ في الكَلامِ: لَأُعْطِيَنَّكَ عَطِيَّتَكَ، تُرِيدُ عَطِيَّةً.
والزِّلْزالُ بِالكَسْرِ: المَصْدَرُ، وبِالفَتْحِ: الِاسْمُ.
وقَدْ قَرَأ أبُو العالِيَةِ، وأبُو عِمْرانَ، وأبُو حَيْوَةَ الجَحْدَرِيُّ: " زَلْزالَها " بِفَتْحِ الزّايِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: ما فِيها مِنَ المَوْتى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: كُنُوزُها، قالَهُ عَطِيَّةُ.
وجَمَعَ الفَرّاءُ بَيْنَ القَوْلَيْنِ، فَقالَ: لَفَظَتْ ما فِيها مِن ذَهَبٍ، أوْ فِضَّةٍ، أوْ مَيِّتٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ الإنْسانُ ما لَها ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ يَعُمُّ الكافِرَ والمُؤْمِنَ، وهَذا قَوْلُ مَن جَعَلَها مِن أشْراطِ السّاعَةِ، لِأنَّها حِينَ ابْتَدَأتْ لَمْ يَعْلَمِ الكُلُّ أنَّها مِن أشْراطِ السّاعَةِ، فَسَألَ بَعْضُهم بَعْضًا حَتّى أيْقَنُوا.
والثّانِي: أنَّهُ الكافِرُ خاصَّةً، وهَذا قَوْلُ مَن جَعَلَها زَلْزَلَةَ القِيامَةِ، لِأنَّ المُؤْمِنَ عارِفٌ فَلا يَسْألُ عَنْها، والكافِرُ جاحِدٌ لَها لِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ بِالبَعْثِ، فَلِذَلِكَ يَسْألُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " يَوْمَئِذٍ " مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذا زُلْزِلَتِ ﴾ ﴿ وَأخْرَجَتِ ﴾ فَفي ذَلِكَ اليَوْمِ تُحَدِّثُ بِأخْبارِها، أيْ: تُخْبِرُ بِما عُمِلَ عَلَيْها.
وفي حَدِيثٍ أبِي هُرَيْرَةَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ: أتُدْرُونَ ما أخْبارُها؟
قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ.
قالَ: أخْبارُها أنْ تَشْهَدَ عَلى كُلِّ عَبْدٍ وأمَةٍ بِما عَمِلَ عَلى ظَهْرِها تَقُولُ: عَمِلَ كَذا وكَذا يَوْمَ كَذا وكَذا.» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها ﴾ قالَ الفَرّاءُ: تُحَدِّثُ أخْبارَها بِوَحْيِ اللَّهِ وإذْنِهِ لَها.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أوْحى لَها، أيْ: أوْحى إلَيْها، وأذِنَ لَها أنْ تُخْبِرَ بِما عُمِلَ عَلَيْها.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: " لَها " بِمَعْنى " إلَيْها " .
قالَ العَجّاجُ: وَحى لَها القَرارَ فاسْتَقَرَّتِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ ﴾ أيْ: يَرْجِعُونَ عَنْ مَوْقِفِ الحِسابِ ﴿ أشْتاتًا ﴾ أيْ: فِرَقًا.
فَأهْلُ الإيمانِ عَلى حِدَةٍ وأهْلُ الكُفْرِ عَلى حِدَةٍ ﴿ لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ ﴾ وقَرَأ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وعائِشَةُ، والجَحْدَرِيُّ: " لِيَرَوْا " بِفَتْحِ الياءِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: لِيَرَوْا جَزاءَ أعْمالِهِمْ.
فالمَعْنى: أنَّهم يَرْجِعُونَ عَنِ المَوْقِفِ فِرَقًا لِيَنْزِلُوا مَنازِلَهم مِنَ الجَنَّةِ والنّارِ.
وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: تُحَدِّثُ أخْبارَها بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها لِيُرَوْا أعْمالَهم يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا.
فَعَلى هَذا: يَرَوْنَ ما عَمِلُوا مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ في مَوْقِفِ العَرْضِ ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: مَن يَعْمَلْ في الدُّنْيا مِثْقالَ ذَرَّةٍ مِنَ الخَيْرِ أوِ الشَّرِّ يَرَهُ وقَرَأ أبانٌ عَنْ عاصِمٍ " يُرَهُ " بِضَمِّ الياءِ في الحَرْفَيْنِ.
وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى " الذَّرَّةِ " في سُورَةِ [النِّساءِ: ٤٠] وفي مَعْنى هَذِهِ الرُّؤْيَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ يَراهُ في كِتابِهِ.
والثّانِي: يَرى جَزاءَهُ.
وذَكَرَ مُقاتِلٌ: أنَّها نَزَلَتْ في رَجُلَيْنِ كانا بِالمَدِينَةِ، كانَ أحَدُهُما يَسْتَقِلُّ أنْ يُعْطِيَ السّائِلَ الكَسْرَةَ، أوِ التَّمْرَةَ.
وكانَ الآخَرُ يَتَهاوَنُ بِالذَّنْبِ اليَسِيرِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ هَذا يُرَغِّبُهم في القَلِيلِ مِنَ الخَيْرِ، ويُحَذِّرُهُمُ اليَسِيرَ مِنَ الشَّرِّ.
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الزَلْزَلَةِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: هي مَدَنِيَّةٌ لِأنَّ آخِرَها نَزَلَ بِسَبَبِ رَجُلَيْنِ كانا بِالمَدِينَةِ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها ﴾ ﴿ وَأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها ﴾ ﴿ وَقالَ الإنْسانُ ما لَها ﴾ ﴿ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها ﴾ ﴿ بِأنَّ رَبَّكَ أوحى لَها ﴾ ﴿ يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ الناسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ ﴾ ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴾ ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ العامِلُ فِي: "إذا" عَلى قَوْلِ جُمْهُورِ النُحاةِ -وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ القِياسُ- فِعْلٌ مُضْمَرٌ يَقْتَضِيهِ المَعْنى وتَقْدِيرُهُ: يُحْشَرُونَ إذا، أو تُجازُونَ، ونَحْوُ هَذا، ويَمْتَنِعُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ "زُلْزِلَتِ" لِأنَّ مَعْنى الشَرْطِ لا يُفارِقُها، وقَدْ تَقَدَّمَتْ نَظائِرُها في غَيْرِ سُورَةٍ.
"وَزُلْزِلَتِ" مَعْناهُ: حُرِّكَتْ بِعُنْفٍ، ومِنهُ الزِلْزالُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "زِلْزالَها" أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ: "زِلْزالًا" دُونَ إضافَةٍ إلَيْها، وذَلِكَ أنَّ المَصْدَرَ غَيْرُ مُضافٍ يَقَعُ عَلى كُلِّ قَدْرٍ مِنَ الزِلْزالِ وإنَّ قُلْ، وإذا أُضِيفَتْ إلَيْها وجَبَ أنْ يَكُونَ عَلى قَدْرِ ما يَسْتَحِقُّهُ ويَسْتَوْحِيهِ جُرْمُها وعِظَمُها، وهَكَذا كَما تَقُولُ: "أكْرَمْتُ زَيْدًا كَرامَةً"، فَذَلِكَ يَقَعُ عَلى كُلِّ كَرامَةٍ وإنْ قُلْتَ بِحَسَبِ زَيْدٍ"، فَإذا قُلْتَ: "كَرامَتُهُ" أوجَبَتْ أنَّكَ قَدْ وفَّيْتَهُ حَقَّهُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "زِلْزالَها" بِكَسْرِ الزايِ الأولى، وقَرَأ بِفَتْحِها عاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وهو أيْضًا مَصْدَرٌ كالوَسْواسِ ونَحْوِهِ.
و"الأثْقالُ": المَوْتى الَّذِينَ في بَطْنِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى البَعْثِ، وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ -مِنهم مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ الزَجّاجُ والنَقّاشُ -: أخْرَجَتْ مَوادَّها وكُنُوزَها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَتِ القِيامَةُ بِمَوْطِنٍ لِإخْراجِ الكُنُوزِ، وإنَّما تَخْرُجُ كُنُوزُها وقْتَ الدَجّالِ.
و"قَوْلُ الإنْسانِ: "ما لَها" هو قَوْلٌ عَلى مَعْنى التَعَجُّبِ مِن هَوْلِ ما يَرى، قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: الإنْسانُ هُنا يُرادُ بِهِ الكافِرُ، وهَذا مُتَمَكِّنٌ لِأنَّهُ يَرى ما لَمْ يَظُنَّ بِهِ قَطُّ ولا صِدْقُهُ، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: هو عامٌّ في المُؤْمِنِ والكافِرِ، فالكافِرُ عَلى ما قَدَّمْناهُ، والمُؤْمِنُ -وَإنْ كانَ قَدْ آمَنَ بِالبَعْثِ- فَإنَّهُ اسْتَهْوَلَ المَرْأى، وقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "لَيْسَ الخَبَرُ كالمُعايَنَةِ".» و"إخْبارُ الأرْضِ" قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ والثَوْرِيُّ وغَيْرُهُما: هو شَهادَتُها بِما عَمِلَ عَلَيْها مِن عَمَلٍ صالِحٍ وفاسِدٍ، فالتَحْدِيثُ -عَلى هَذا- حَقِيقَةٌ، وكَلامٌ بِإدْراكٍ وحَياةٍ يَخْلُقُها اللهُ تَعالى، وأضافَ تَعالى الأخْبارَ إلَيْها مِن حَيْثُ وعَتْها وحَصَّلَتْها، وانْتَزَعَ بَعْضُ العُلَماءِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تُحَدِّثُ أخْبارَها ﴾ أنَّ قَوْلَ المُحَدِّثِ: "حَدَّثَنا وأخْبَرَنا" سَواءٌ، وقالَ الطَبَرِيُّ وقَوْمٌ: التَحْدِيثُ في الآيَةِ مَجازٌ، والمَعْنى أنَّ ما تَفْعَلُهُ بِأمْرِ اللهِ تَعالى مِن إخْراجِ أثْقالِها، وتَفَتُّتِ أجْزائِها، وسائِرِ أحْوالِها، هو بِمَنزِلَةِ التَحْدِيثِ بِأنْبائِها وأخْبارِها، ويُؤَيِّدُ القَوْلَ الأوَّلَ قَوْلُ النَبِيِّ : « "فَإنَّهُ لا يَسْمَعُ مَدى صَوْتِ المُؤَذِّنِ جِنٌّ ولا إنْسٌ ولا شَيْءٌ إلّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ"» وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: "تُنْبِئُ أخْبارَها"، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "تَبَيَّنَ".
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِأنَّ رَبَّكَ أوحى لَها ﴾ الباءُ باءُ السَبَبِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ زَيْدٍ، والقُرْطُبِيُّ: المَعْنى: أوحى إلَيْها، وهَذا الوَحْيُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وحْيَ إلْهامٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وحْيًا بِرَسُولٍ مِنَ المَلائِكَةِ، وقَدْ قالَ الشاعِرُ: أوحى لَها القَرارُ فاسْتَقَرَّتْ وشَدَّها بِالراسِياتِ الثَبْتِ والوَحْيُ في كَلامِ العَرَبِ: إلْقاءُ المَعْنى إلْقاءً خَفِيًّا.
وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: "أوحى لَها" مَعْناهُ: أوحى إلى مَلائِكَتِهِ المُقَرَّبِينَ أنْ تَفْعَلَ في الأرْضِ تِلْكَ الأفْعالَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "لَها" بِمَعْنى: مِن أجْلِها، ومِن حَيْثُ الأفْعالُ فِيها فَهي لَها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَصْدُرُ الناسُ أشْتاتًا ﴾ بِمَعْنى: يَنْصَرِفُونَ مِن مَوْضِعِ وِرْدِهِمْ مُخْتَلِفِي الأحْوالِ.
وواحِدُ "الأشْتاتِ" شَتٌّ، فَقالَ جُمْهُورُ الناسِ: الوِرْدُ هو الكَوْنُ في الأرْضِ بِالمَوْتِ والدَفْنِ، والصَدْرُ هو القِيامُ لِلْبَعْثِ، و"أشْتاتًا" مَعْناهُ: قَوْمٌ مُؤْمِنُونَ وقَوْمٌ كافِرُونَ وقَوْمٌ عُصاةٌ مُؤْمِنُونَ، والكُلُّ سائِرٌ إلى العَرْضِ لِيَرى عَمَلَهُ ويَقِفَ عَلَيْهِ، وقالَ النَقّاشُ: الوِرْدُ هو المَحْشَرُ، والصَدْرُ أشْتاتًا هو صَدْرُ قَوْمٍ إلى الجَنَّةِ وقَوْمٍ إلى النارِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ ﴾ إمّا أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: جَزاءَ أعْمالِهِمْ يَراهُ أهْلُ الجَنَّةِ بِالنَعِيمِ وأهْلُ النارِ بِالعَذابِ، وإمّا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ ﴾ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ بِأنَّ رَبَّكَ أوحى لَها ﴾ ، ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ الناسُ أشْتاتًا ﴾ .
اعْتِراضًا بَيْنَ أثْناءِ الكَلامِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لِيُرَوْا" بِضَمِّ الياءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْرَجُ وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ والزُهْرِيُّ وأبُو حَيْوَةَ: "لِيَرَوْا" بِفَتْحِ الياءِ عَلى بِنائِهِ لِلْفاعِلِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ مِن عَمِلَ عَمَلًا رَآهُ قَلِيلًا كانَ أو كَثِيرًا، فَخَرَجَتِ العِبارَةُ عن ذَلِكَ بِمِثالِ التَقْلِيلِ، وهَذا هو الَّذِي يُسَمِّيهِ أهْلُ الكَلامِ مَفْهُومُ الخِطابِ، وهو أنْ يَكُونَ المَذْكُورُ والمَسْكُوتُ عنهُ في حُكْمٍ واحِدٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ﴾ ، وهَذا كَثِيرٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وبَعْضُ المُفَسِّرِينَ: رُؤْيَةُ هَذِهِ الأعْمالِ هي في الآخِرَةِ، وذَلِكَ لازِمٌ مَن لَفْظِ السُورَةِ وسَرْدِها، فَيَرى الخَيْرَ كُلَّهُ مَن كانَ مُؤْمِنًا، والكافِرُ لا يَرى في الآخِرَةِ خَيْرًا، لِأنَّ خَيْرَهُ قَدْ عُجِّلَ لَهُ في الدُنْيا، وكَذَلِكَ المُؤْمِنُ أيْضًا تُعَجُّلُ لَهُ سَيِّئاتُهُ الصِغارُ في دُنْياهُ في المَصائِبِ والأمْراضِ ونَحْوِها فَيَجِيءُ مِن مَجْمُوعِ هَذا أنَّ مَن عَمِلَ مِنَ المُؤْمِنِينَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ رَآهُ، ويَخْرُجُ مِن ذَلِكَ أنْ لا يَرى الكافِرُ خَيْرًا في الآخِرَةِ.
ومِنهُ حَدِيثُ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، "قالَتْ: «قُلْتُ يا رَسُولَ اللهِ: أرَأيْتَ ما كانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ جُدْعانَ مِنَ البِرِّ وصِلَةِ الرَحِمِ وإطْعامِ الطَعامِ، ألَهُ في ذَلِكَ أجْرٌ؟
قالَ: لا، إنَّهُ لَمْ يَقُلْ قَطُّ رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِينِ"»«وَكانَ رَسُولُ اللهِ ، يُسَمِّي هَذِهِ الآيَةَ "الجامِعَةَ الفاذَّةَ"،» وقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ حِينَ سُئِلَ عَنِ الحُمْرِ...
الحَدِيثُ، وأعْطى سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ سائِلًا ثَمَرَتَيْنِ فَقَبَضَ السائِلُ يَدَهُ، فَقالَ لَهُ سَعْدُ: ما هَذا؟
إنَّ اللهَ تَعالى قَبِلَ مِنّا مَثاقِيلَ الذَرِّ، وفَعَلَتْ نَحْوَ هَذا عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها في حَبَّةِ عِنَبٍ وسَمِعَ هَذِهِ الآيَةَ صَعْصَعَةُ بْنُ عِقالٍ التَمِيمِيُّ عِنْدَ النَبِيِّ ، فَقالَ: حَسْبِي، لا أُبالِي أنْ لا أسْمَعَ غَيْرَها، وسَمِعَها رَجُلٌ عِنْدَ الحَسَنِ فَقالَ: انْتَهَتِ المَوْعِظَةُ، فَقالَ الحَسَنُ: فَقِهَ الرَجُلُ.
وقَرَأ هُشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "يَرَهُ"، بِسُكُونِ الهاءِ في الأُولى والآخِرَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، ونافِعٌ -فِيما رَوى عنهُ ورْشٌ - والحَلْوانِيُّ عن قالُونَ عنهُ في الأُولى "يَرَهُ"، وأمّا الآخِرَةُ فَهو سُكُونُ وقْفٍ، وأمّا مَن أسْكَنَ الأُولى فَهي عَلى لُغَةِ مَن يُخَفِّفُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ...........
∗∗∗ ومُطْوايَ مُشْتاقانِ لَهُ أرِقانِ وهَذِهِ لُغَةٌ لَمْ يَحْكِها سِيبَوَيْهِ لَكِنْ حَكاها الأخْفَشُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ بِضَمِّ الهاءِ فِيها مُشَبَّعَتانِ، وقَرَأ أبانُ عن عاصِمٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو حَيْوَةَ، وحُمَيْدُ بْنُ الرَبِيعِ عَنِ الكِسائِيُّ: "يَرَهُ" بِضَمِّ الياءِ، وهي رُؤْيَةُ بَصَرِهِ، بِمَعْنى: يَجْعَلُ يُدْرِكُهُ بِبَصَرِهِ، والمَعْنى: يَرى ثَوابَهُ وجَزاءَهُ لِأنَّ الأعْمالَ الماضِيَةَ لا تُرى بِعَيْنٍ أبَدًا، وهَذا الفِعْلُ كُلُّهُ مِن "رَأيْتُ" بِمَعْنى أدْرَكْتُ بِبَصَرِي، فَتَعَدِّيهِ إنَّما هو إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "خَيْرًا يَراهُ" و"شَرًّا يَراهُ"، وقالَ النَقّاشُ: لَيْسَتْ بِرُؤْيَةِ بَصَرٍ؛ وإنَّما المَعْنى: يُصِيبُهُ ويَنالُهُ.
ويُرْوى «أنَّ هَذِهِ السُورَةَ نَزَلَتْ وأبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ يَأْكُلُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ، فَتَرَكَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ الأكْلَ وبَكى، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ : يا أبا بَكْرٍ، ما يُبْكِيكَ؟
قالَ: يا رَسُولَ اللهِ: أوَ أُسْألُ عن مَثاقِيلِ الذَرِّ؟
فَقالَ رَسُولُ اللهِ : يا أبا بَكْرٍ، ما رَأيْتُ في الدُنْيا مِمّا تَكْرَهُ، فَمَثاقِيلُ ذَرِّ الشَرِّ، ويَدَّخِرُ اللهُ لَكَ مَثاقِيلَ ذَرِّ الخَيْرِ.» و"الذَرَّةُ" نَمْلَةٌ صَغِيرَةٌ حَمْراءُ رَقِيقَةٌ لا يُرَجَّحُ لَها مِيزانٌ، ويُقالُ: إنَّها تَجْرِي إذا مَضى لَها حَوْلٌ، وقَدْ تُؤُوِّلَ ذَلِكَ في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: مِنَ القاصِراتِ الطَرْفِ لَوْ دَبَّ مُحَوِّلٌ ∗∗∗ مِنَ الذَرِّ فَوْقَ الإتْبِ مِنها لَأثَرا وحَكى النَقّاشُ أنَّهم قالُوا: كانَ بِالمَدِينَةِ رَجُلانِ أحَدُهُما لا يُبالِي عَنِ الصَغائِرِ يَرْتَكِبُها، وكانَ الآخَرُ يُرِيدُ أنْ يَتَصَدَّقَ فَلا يَجِدُ إلّا اليَسِيرَ فَيَسْتَحِي مِنَ الصَدَقَةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِما، كَأنَّهُ يُقالُ لِأحَدِهِما: تَصَدَّقْ بِاليَسِيرِ فَإنَّ مِثْقالَ ذَرَّةِ الخَيْرِ تُرى، وقِيلَ لِلْآخَرِ: كُفَّ عَنِ الصَغائِرِ فَإنَّ مَقادِيرَ ذَرِّ الشَرِّ تُرى.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [ الزَلْزَلَةِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ.
تفريع على قوله: ﴿ ليروا أعمالهم ﴾ [الزلزلة: 6] تفريع الفذلكة، انتقالاً للترغيب والترهيب بعد الفراغ من إثبات البعث والجزاء، والتفريعُ قاض بأن هذا يكون عقب ما يصدر الناس أشتاتاً.
والمثقال: ما يعرف به ثِقَل الشيء، وهو ما يُقَدَّر به الوزن وهو كميزاننٍ زِنةً ومعْنًى.
والذّرة: النملة الصغيرة في ابتداء حياتها.
و ﴿ مثقال ذرة ﴾ مثَل في أقل القلة وذلك للمؤمنين ظاهر وبالنسبة إلى الكافرين فالمقصود ما عملوا من شر، وأما بالنسبة إلى أعمالهم من الخير فهي كالعدم فلا توصف بخير عند الله لأن عمل الخير مشروط بالإِيمان قال تعالى: ﴿ والذين كفروا أعمالهم كسراب بِقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ﴾ [النور: 39].
وإنما أعيد قوله: ﴿ ومن يعمل ﴾ دون الاكتفاء بحرف العطف لتكون كل جملة مستقلة الدلالة على المراد لتختص كل جملة بغرضها من الترغيب أو الترهيب فأهمية ذلك تقتضي التصريح والإِطناب.
وهذه الآية معدودة من جوامع الكلم وقد وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بالجامعة الفاذة ففي «الموطأ» أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الخيلُ لثلاثة " الحديث.
فسُئل عن الحُمُر فقال: لم يُنْزَل عَليَّ فيها إلا هذه الآية الجامعة الفاذَّة: ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ﴾ .
وعن عبد الله بن مسعود أنه قال: هذه أحكم آية في القرآن، وقال الحسن: قَدِم صعصعة بن ناجية جد الفرزدق على النبي صلى الله عليه وسلم يستقرئ النبي القرآن فقرأ عليه هذه الآية فقال صَعصعة: حسبي فقد انتهت الموعظة لا أبالي أن لا أسمع من القرآن غيرها.
وقال كعب الأحبار: «لقد أنزل الله على محمد آيتين أحصتا ما في التوراة والإِنجيل والزبور والصحف: وإذ قد كان الكلام مسوقاً للترغيب والترهيب معاً أوثر جانب الترغيب بالتقديم في التقسيم تنويهاً بأهل الخير.
وفي الكشاف}: يحكى أن أعرابياً أخَّر خيراً يَرَه فقيل قدّمت وأخَّرت فقال: خُذا بطن هَرشَى أو قَفَاها فإنه *** كلا جانبيْ هَرشَى لهن طريق ا ه وقد غفل هذا الأعرابي عن بلاغة الآية المقتضية التنويه بأهل الخير.
روى الواحدي عن مقاتل: أن هذه الآية نزلت في رجلين كانا بالمدينة أحدهما لا يبالي من الذنوب الصغائر ويركبها، والآخر يحب أن يتصدق فلا يجد إلا اليسير فيستحيي من أن يتصدق به فنزلت الآية فيهما.
ومن أجل هذه الرواية قال جمع: إن السورة مدنية.
ولو صحّ هذا الخبر لما كان مقتضياً أن السورة مدنية لأنهم كانوا إذا تلوا آية من القرآن شاهداً يظنها بعض السامعين نزلت في تلك القصة كما بيناه في المقدمة الخامسة.
سُورَةُ الزَّلْزَلَةِ مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ وجابِرٍ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها ﴾ أيْ حَرَّكَتِ الأرْضُ حَرَكَتُها، والزَّلْزَلَةُ شِدَّةُ الحَرَكَةِ، فَيَكُونُ مِن زَلَّ يَزِلُّ.
وَفي قَوْلِهِ ﴿ زِلْزالَها ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّها غايَةُ زَلازِلِها المُتَوَقَّعَةِ.
الثّانِي: لِأنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ الأرْضِ، بِخِلافِ الزَّلازِلِ المَعْهُودَةِ في بَعْضِ الأرْضِ.
وَهَذا الخِطابُ لِمَن لا يُؤْمِنُ بِالبَعْثِ وعِيدًا وتَهْدِيدًا، ولِمَن يُؤْمِنُ بِهِ إنْذارًا وتَحْذِيرًا، واخْتُلِفَ في هَذِهِ الزَّلْزَلَةِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها في الدُّنْيا مِن أشْراطِ السّاعَةِ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.
الثّانِي: أنَّها الزَّلْزَلَةُ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ خارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ وطائِفَةٌ.
﴿ وَأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: الثّانِي: ما عَلَيْها مِن جَمِيعِ الأثْقالِ، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ.
وَيُحْتَمَلُ قَوْلُ الفَرِيقَيْنِ.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أخْرَجَتْ أسْرارَها الَّتِي اسْتُودَعَتْها، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إذا كانَ الثِّقَلُ في بَطْنِ الأرْضِ فَهو ثِقَلٌ لَها، وإذا كانَ فَوْقَها فَهو ثِقَلٌ عَلَيْها.
﴿ وَقالَ الإنْسانُ ما لَها ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ما لَها زُلْزِلَتْ زِلْزالَها.
الثّانِي: ما لَها أخْرَجَتْ أثْقالَها.
وَفي المُرادِ بِهَذا (اَلْإنْسانِ) قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ جَمِيعُ النّاسِ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، وهَذا قَوْلُ مَن جَعَلَهُ في الدُّنْيا مِن أشْراطِ السّاعَةِ لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ جَمِيعًا أنَّها مِن أشْراطِ السّاعَةِ في ابْتِداءِ أمْرِها حَتّى يَتَحَقَّقُوا عُمُومَها، فَلِذَلِكَ سَألَ بَعْضُهم بَعْضًا عَنْها.
الثّانِي: أنَّهُمُ الكُفّارُ خاصَّةً، وهَذا قَوْلُ مَن جَعَلَها زَلْزَلَةَ القِيامَةِ، لِأنَّ المُؤْمِنَ يَعْتَرِفُ بِها فَهو لا يَسْألُ عَنْها، والكافِرُ جاحِدٌ لَها فَلِذَلِكَ يَسْألُ عَنْها.
﴿ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: تُحَدِّثُ أخْبارَها بِأعْمالِ العِبادِ عَلى ظَهْرِها، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ ورَواهُ مَرْفُوعًا، وهَذا قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّها زَلْزَلَةُ القِيامَةِ.
الثّالِثُ: تُحَدِّثُ بِقِيامِ السّاعَةِ إذا قالَ الإنْسانُ ما لَها، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: فَتُخْبِرُ بِأنَّ أمْرَ الدُّنْيا قَدِ انْقَضى، وأنَّ أمْرَ الآخِرَةِ قَدْ أتى، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنها جَوابًا عِنْدَ سُؤالِهِمْ، وعِيدًا لِلْكافِرِ وإنْذارًا لِلْمُؤْمِنِ.
وَفي حَدِيثِها بِأخْبارِها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقْلِبُها حَيَوانًا ناطِقًا فَتَتَكَلَّمُ بِذَلِكَ.
الثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى يُحْدِثُ الكَلامَ فِيها.
الثّالِثُ: يَكُونُ الكَلامُ مِنها بَيانًا يَقُومُ مَقامَ الكَلامِ.
﴿ بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ أوْحى إلَيْها بِأنْ ألْهَمَها فَأطاعَتْ، كَما قالَ العَجاجُ أوْحى لَها القَرارَ فاسْتَقَرَّتِ وشَدَّها بِالرّاسِياتِ الثُّبَّتِ الثّانِي: يَعْنِي قالَ لَها، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّالِثُ: أمَرَها، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وَفِيما أوْحى لَها وجْهانِ: أحَدُهُما: أوْحى لَها بِأنْ تُحَدِّثَ أخْبارَها.
الثّانِي: بِأنْ تُخْرِجَ أثْقالَها.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أوْحى لَها بِأنْ تُزَلْزِلَ زِلْزالَها.
﴿ يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ يَصْدُرُونَ مِن بَيْنِ يَدَيِ اللَّهِ تَعالى فِرَقًا فِرَقًا مُخْتَلِفِينَ في قَدْرِهِمْ وأعْمالِهِمْ، فَبَعْضُهم إلى الجَنَّةِ وهم أصْحابُ الحَسَناتِ، وبَعْضُهم إلى النّارِ وهم أصْحابُ السَّيِّئاتِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
الثّانِي: أنَّهم في الدُّنْيا عِنْدَ غَلَبَةِ الأهْواءِ يَصْدُرُونَ فِرَقًا، فَبَعْضُهم مُؤْمِنٌ، وبَعْضُهم كافِرٌ، وبَعْضُهم مُحْسِنٌ، وبَعْضُهم مُسِيءٌ، وبَعْضُهم مُحِقٌّ، وبَعْضُهم مُبْطِلٌ.
﴿ لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ ﴾ يَعْنِي ثَوابَ أعْمالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّهم عِنْدَ النُّشُورِ يَصْدُرُونَ أشْتاتًا مِنَ القُبُورِ عَلى اخْتِلافِهِمْ في الأُمَمِ والمُعْتَقَدِ بِحَسْبِ ما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا مِنَ اتِّفاقٍ أوِ اخْتِلافٍ لِيُرَوْا أعْمالَهم في مَوْقِفِ العَرْضِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ فَيُجازَوْنَ عَلَيْها بِثَوابٍ أوْ عِقابٍ، والشَّتاتُ: التَّفَرُّقُ والِاخْتِلافُ، قالَ لَبِيدٌ إنْ كُنْتِ تَهْوِينَ الفِراقَ فَفارِقِي ∗∗∗ لا خَيْرَ في أمْرِ الشَّتاتِ ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴾ في هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ مَعْنى يَرَهُ أيْ يَعْرِفْهُ.
الثّانِي: أنَّهُ يَرى صَحِيفَةَ عَمَلِهِ.
الثّالِثُ: أنْ يَرى خَيْرَ عَمَلِهِ ويَلْقاهُ.
وَفي ذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَلْقى ذَلِكَ في الآخِرَةِ، مُؤْمِنًا كانَ أوْ كافِرًا، لِأنَّ الآخِرَةَ هي دارُ الجَزاءِ.
الثّانِي: أنَّهُ إنْ كانَ مُؤْمِنًا رَأى جَزاءَ سَيِّئاتِهِ في الدُّنْيا، وجَزاءَ حَسَناتِهِ في الآخِرَةِ حَتّى يَصِيرَ إلَيْها ولَيْسَ عَلَيْهِ سَيِّئَةٌ.
وَإنْ كانَ كافِرًا رَأى جَزاءَ حَسَناتِهِ في الدُّنْيا، وجَزاءَ سَيِّئاتِهِ في الآخِرَةِ حَتّى يَصِيرَ إلَيْها ولَيْسَ لَهُ حَسَنَةٌ، قالَهُ طاوُوسٌ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّهُ جَزاءُ ما يَسْتَحِقُّهُ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ عِنْدَ المُعايَنَةِ في الدُّنْيا لِيُوَفّاهُ في الآخِرَةِ.
وَيَحْتَمِلُ المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: إعْلامُهم أنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ صَغِيرٌ ولا كَبِيرٌ.
الثّانِي: إعْلامُهم أنَّهُ يُجازِي بِكُلِّ قَلِيلٍ وكَثِيرٍ.
وَحَكى مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ أنَّها نَزَلَتْ في ناسٍ بِالمَدِينَةِ كانُوا لا يَتَوَرَّعُونَ مِنَ الذَّنَبِ الصَّغِيرِ مِن نَظْرَةٍ أوْ غَمْزَةٍ أوْ غَيْبَةٍ أوْ لَمْسَةٍ، ويَقُولُونَ إنَّما وعَدَ اللَّهُ عَلى الكَبائِرِ، وفي ناسٍ يَسْتَقِلُّونَ الكِسْرَةَ والجَوْزَةَ والثَّمَرَةَ ولا يُعْطُونَها، ويَقُولُونَ إنَّما نُجْزى عَلى ما تُعْطِيهِ ونَحْنُ نُحِبُّهُ، فَنَزَلَ هَذا فِيهِمْ.
وَرُوِيَ «أنَّ صَعْصَعَةَ بْنَ ناجِيَةَ جَدَّ الفَرَزْدَقِ أتى النَّبِيَّ يَسْتَقْرِئُهُ، فَقَرَأ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ صَعْصَعَةُ: حَسْبِي حَسْبِي إنْ عَمِلْتُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا رَأيْتُهُ، وإنْ عَمِلْتُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا رَأيْتُهُ» .
ورَوى أبُو أيُّوبَ الأنْصارِيُّ: قالَ «كانَ رَسُولُ اللَّهِ وأبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَتَغَذَّيانِ إذا نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ، فَقاما وأمْسَكا» .
أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت سورة ﴿ إذا زلزلت ﴾ بالمدينة.
وأخرج ابن مردويه عن قتادة قال: نزلت بالمدينة ﴿ إذا زلزلت ﴾ .
وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن عبد الله بن عمرو قال: «أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: اقرئني يا رسول الله قال له: اقرأ ثلاثاً من ذوات الراء فقال له الرجل: كبر سني واشتد قلبي وغلظ لساني.
قال: اقرأ ثلاثاً من ذوات حم.
فقال مثل مقالته الأولى، فقال: اقرأ ثلاثاً من المسبحات.
فقال مثل مقالته، ولكن اقرئني يا رسول الله سورة جامعة فأقرأه ﴿ إذا زلزلت الأرض زلزالها ﴾ حتى فرغ منها.
قال الرجل: والذين بعثك بالحق لا أزيد عليها، ثم أدبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفلح الرويجل أفلح الرويجل» .
وأخرج الترمذي وابن مردويه والبيهقي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ ﴿ إذا زلزلت ﴾ عدلت له بنصف القرآن، ومن قرأ ﴿ قل هو الله أحد ﴾ _ الإِخلاص_ عدلت له بثلث القرآن، ومن قرأ ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ [ الكافرون: 1] عدلت له بربع القرآن» .
وأخرج الترمذي وابن الضريس ومحمد بن نصر والحاكم وصححه والبيهقي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ﴿ إذا زلزلت ﴾ تعدل نصف القرآن و ﴿ قل هو الله أحد ﴾ تعدل ثلث القرآن و ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ تعدل ربع القرآن» .
وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من قرأ في ليلة ﴿ إذا زلزلت ﴾ كان له عدل نصف القرآن» .
وأخرج أبو داود والبيهقي في سننه عن رجل من بني جهينة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصبح ﴿ إذا زلزلت الأرض ﴾ في الركعتين كلتيهما فلا أدري أنسي أم قرأ ذلك عمداً.
وأخرج سعيد بن منصور عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه الفجر فقرأ بهم في الركعة الأولى ﴿ إذا زلزلت الأرض ﴾ ثم أعادها في الثانية.
وأخرج أحمد ومحمد بن نصر والطبراني والبيهقي في سننه عن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي ركعتين بعد الوتر وهو جالس يقرأ فيهما ﴿ إذا زلزلت ﴾ و ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ .
وأخرج البيهقي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد الوتر ركعتين وهو جالس يقرأ في الركعة الأولى بأم الكتاب ﴿ وإذا زلزلت ﴾ وفي الثانية ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ .
وأخرج الخطيب في تاريخه عن الشعبي قال: من قرأ ﴿ إذا زلزلت ﴾ فإنها تعدل سدس القرآن.
وأخرج ابن الضريس عن عاصم قال: كان يقال: ﴿ قل هو الله أحد ﴾ ثلث القرآن ﴿ وإذا زلزلت الأرض ﴾ نصف القرآن و ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ ربع القرآن.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس ﴿ إذا زلزلت الأرض زلزالها ﴾ تحركت من أسفلها ﴿ وأخرجت الأرض أثقالها ﴾ قال: الموتى ﴿ وقال الإِنسان ما لها ﴾ قال: يقول الكافر ما لها ﴿ يومئذ تحدث أخبارها ﴾ قالها ربك قولي فقالت: ﴿ بأن ربك أوحى لها ﴾ قال: أوحى إليها ﴿ يومئذ يصدر الناس أشتاتاً ﴾ قال: من كل من هاهنا وههنا.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وأخرجت الأرض أثقالها ﴾ قال: من في القبور ﴿ يومئذ تحدث أخبارها ﴾ قال: تخبر الناس بما عملوا عليها ﴿ بأن ربك أوحى لها ﴾ قال: أمرها وألقت ما فيها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطية ﴿ وأخرجت الأرض أثقالها ﴾ قال: ما فيها من الكنوز والموتى.
وأخرج مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة فيجيء القاتل فيقول في هذا قتلت، ويجيء القاطع فيقول في هذا قطعت رحمي، ويجيء السارق فيقول في هذا قطعت يدي، ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئاً» .
وأخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وصححه والنسائي وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة قال: «قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ﴿ يومئذ تحدث أخبارها ﴾ قال: أتدرون ما أخبارها؟قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإن أخبارها أن تشهد على كل عبد أو أمة بما عمل على ظهرها، تقول: عمل كذا وكذا في يوم كذا وكذا فهذه أخبارها» .
وأخرج ابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الأرض لتخبر يوم القيامة بكل ما عمل على ظهرها، وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ إذا زلزلت الأرض زلزالها ﴾ حتى بلغ ﴿ يومئذ تحدث أخبارها ﴾ قال: أتدرون ما أخبارها جاءني جبريل قال: خبرها إذا كان يوم القيامة أخبرت بكل عمل عمل على ظهرها» .
وأخرج الطبراني عن ربيعة الجرشي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تحفظوا من الأرض فإنها أمكم، وإنه ليس من أحد عامل عليها خيراً أو شراً إلا وهي مخبرة به» .
وأخرج عبد بن حميد عن الحكم رضي الله عنه قال: رأيت أبا أمية صلى في المسجد الحرام المكتوبة، ثم تقدم فجعل يصلي هاهنا وههنا، فلما فرغ قلت له: ما هذا الذي رأيتك تصنع؟
قال: قرأت هذه الآية ﴿ إذا زلزلت الأرض زلزالها ﴾ إلى قوله: ﴿ يومئذ تحدث أخبارها ﴾ فأردت أن تشهد لي يوم القيامة.
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف عن إسماعيل بن عبد الله قال: سمعت سعيد بن جبير يقرأ بقراءة ابن مسعود هذه الآية: ﴿ يومئذ تنبئ أخبارها ﴾ وقرأ مرة ﴿ يومئذ تحدث أخبارها ﴾ .
وأخرج ابن بي حاتم عن السدّي رضي الله عنه في قوله: ﴿ يومئذ يصدر الناس أشتاتاً ﴾ قال: فرقاً.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه ﴿ يومئذ يصدر الناس ﴾ قال: يتصدعون ﴿ أشتاتاً ﴾ فلا يجتمعون بعد ذلك آخر ما عليهم، وكان يقال إن هذه السورة الفاذة الجامعة.
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط والحاكم في تاريخه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أنس رضي الله عنه قال: «بينما أبو بكر الصديق رضي الله عنه يأكل مع النبي صلى الله عليه وسلم: إذ نزلت عليه ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ﴾ فرفع أبو بكر رضي الله عنه يده وقال: يا رسول الله إني لراء ما عملت من مثقال ذرة من شر، فقال: يا أبا بكر أرأيت ما ترى في الدنيا مما تكره فبمثاقيل ذر بشر ويدخر لك مثاقيل ذر الخير حتى توفاه يوم القيامة» .
وأخرج إسحاق بن راهويه وعبد بن حميد والحاكم وابن مردويه عن أسماء قالت: «بينما أبو بكر رضي الله عنه يتغدى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ نزلت هذه الآية ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ﴾ فأمسك أبو بكر رضي الله عنه وقال: يا رسول الله أكل ما عملناه من سوء رأيناه؟
فقال: ما ترون مما تكرهون فذاك مما تجزون به ويدخر الخير لأهله في الآخرة» .
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب البكاء وابن جرير والطبراني وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: «أنزلت ﴿ إذا زلزلت الأرض زلزالها ﴾ وأبو بكر الصديق رضي الله عنه قاعد، فبكى فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يبكيك يا أبا بكر؟» قال: تبكيني هذه السورة.
فقال: «لولا أنكم تخطئون وتذنبون فيغفر لكم لخلق الله أمة يخطئون ويذنبون فيغفر لهم» .
وأخرج ابن مردويه عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الصديق إذ نزلت عليه هذه الآية ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ﴾ فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم يده عن الطعام ثم قال: «من عمل منكم خيراً فجزاؤه في الآخرة، ومن عمل منكم شراً يراه في الدنيا مصيبات وأمراضاً، ومن يكن فيه مثقال ذرة من خير دخل الجنة» .
وأخرج ابن مردويه عن أبي ادريس الخولاني رضي الله عنه قال: «كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يأكل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ نزلت عليه هذه الآية ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ﴾ فأمسك أبو بكر يده وقال: يا رسول الله إنا لراؤون ما عملنا من خير أو شر؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر أرأيت ما رأيت مما تكره فهو من مثاقيل الشر ويدخر لك مثاقيل الخير حتى توفاه يوم القيامة، وتصديق ذلك في كتاب الله ﴿ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير ﴾ [ الشورى: 30] » .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري قال: «لما أنزلت هذه الآية ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ﴾ قلت: يا رسول الله إني لراء عملي؟
قال: نعم.
قلت: تلك الكبار الكبار؟
قال: نعم.
قلت: الصغار الصغار.
قال: نعم.
قلت: واثكل أمي.
قال: أبشر يا أبا سعيد فإن الحسنة بعشر أمثالها يعني إلى سبعمائة ضعف، والله يضاعف لمن يشاء والسيئة بمثلها أو يعفو الله، ولن ينجو أحد منك بعمله.
قلت: ولا أنت يا نبي الله؟
قال: ولا أنا الا أن يتغمدني الله منه بالرحمة» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ﴾ الآية قال: لما نزلت ﴿ ويطعمون الطعام على حبه ﴾ [ الإِنسان: 8] كان المسلمون يرون أنهم لا يؤجرون على الشيء القليل إذا أعطوه، فيجيء السائل إلى أبوابهم فيستقلون أن يعطوه التمرة والكسرة فيردونه، ويقولون: ما هذا بشيء إنما نؤجر على ما نعطي ونحن نحبه، وكان آخرون يرون أنهم لا يلامون على الذنب اليسير كالكذبة والنظرة والغيبة وأشباه ذلك، ويقولون: إنما وعد الله النار على الكبائر فرغبهم في الخير القليل أن يعملوه فإنه يوشك أن يكثر، وحذرهم اليسير من الشر فإنه يوشك أن يكثر ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة ﴾ يعني وزن أصغر النمل ﴿ خيراً يره ﴾ يعني في كتابه ويسره ذلك.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي في البعث عن ابن عباس في قوله: ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة ﴾ الآية قال: ليس من مؤمن ولا كافر عمل خيراً ولا شراً في الدنيا إلا أره الله إياه، فأما لمؤمن فيريه الله حسناته وسيئاته فيغفر له من سيئاته ويثيبه على حسناته، وأما الكافر فيريه حسناته وسيئاته فيرد حسناته ويعذبه بسيئاته.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن محمد بن كعب في الآية قال: من يعمل مثقال ذرة من خير من كافر يرى ثوابها في الدنيا في نفسه وأهله وماله وولده حتى يخرج من الدنيا وليس عنده خير ﴿ ومن يعمل مثقال ذرة شراً ﴾ من مؤمن يرى عقوبته في الدنيا في نفسه وأهله وماله وولده حتى يخرج من الدنيا وليس عليه شيء.
وأخرج ابن المبارك في الزهد وأحمد وعبد بن حميد والنسائي والطبراني وابن مردويه عن صعصعة بن معاوية عم الفرزدق أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ﴾ فقال: حسبي لا أبالي أن لا أسمع من القرآن غيرها.
وأخرج سعيد بن منصور عن المطلب بن عبد الله بن حنطب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في مجلس ومعهم أعرابي جالس ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعلم مثقال ذرة شراً يره ﴾ فقال الأعرابي: يا رسول الله أمثقال ذرة؟
قال: نعم.
فقال الأعرابي: واسوأتاه.
ثم قال وهو يقولها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد دخل قلب الأعرابي الإِيمان» .
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد عن زيد بن أسلم رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ﴾ الآية فقام رجل فجعل يضع يده على رأسه وهو يقول: واسوأتاه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما الرجل فقد آمن» .
وأخرج ابن المبارك عن زيد بن أسلم رضي الله عنه «أن رجلاً قال: يا رسول الله ليس أحد يعمل مثقال ذرة خيراً إلا رآه ولم يعمل مثقال ذرة شراً إلا رآه؟
قال: نعم.
فانطلق الرجل وهو يقول: واسوأتاه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: آمن الرجل» .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم دفع رجلاً إلى رجل يعلمه فعلمه حتى بلغ ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ﴾ فقال الرجل: حسبي فقال الرجل: يا رسول الله أرأيت الرجل الذي أمرتني أن أعلمه لما بلغ ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ﴾ فقال حسبي: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعه فقد فقه» .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه قال: «ذكر لنا أن رجلاً ذهب مرة يستقرئ فلما سمع هذه الآية ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ﴾ إلى آخرها فقال: حسبي حسبي إن عملت مثقال ذرة من خير رأيته، وإن عملت مثقال ذرة من شر رأيته.
قال: وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: هي الجامعة الفاذة» .
وأخرج ابن المبارك وعبد الرزاق عن الحسن قال: لما نزلت ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ﴾ الآية قال رجل من المسلمين: حسبي حسبي إن عملت مثقال ذرة من خير أو شر رأيته انتهت الموعظة.
وأخرج ابن أبي شيبة عن الحارث بن سويد أنه قرأ ﴿ إذا زلزلت ﴾ حتى بلغ ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ﴾ قال: إن هذا الإِحصاء شديد.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في الآية قال: هو الكافر يعطي كتابه يوم القيامة فينظر فيه فيرى فيه كل حسنة عملها في الدنيا، فترد عليه حسناته، وذلك قول الله تعالى: ﴿ وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثوراً ﴾ [ الفرقان: 23] فابلس واسود وجهه، وأما المؤمن فإنه يعطى كتابه بيمنيه يوم القيامة فيرى فيها كل خطيئة عملها في دار الدنيا ثم يغفر له ذلك وذلك قول الله: ﴿ فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾ [ الفرقان: 70] فابيض وجهه واشتد سروره.
وأخرج ابن جرير عن سليمان بن عامر رضي الله عنه أنه قال: «يا رسول الله إن أبي كان يصل الرحم ويفي بالذمة ويكرم الضيف.
قال: مات قبل الإِسلام؟
قال: نعم.
قال: لن ينفعه ذلك، ولكنها تكون في عقبه فلن تخزوا أبداً، ولن تذلوا أبداً، ولن تفتقروا أبداً» .
وأخرج أحمد في الزهد وابن المنذر عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: لولا ثلاث لأحببت أن لا أبقى في الدنيا وضعي وجهي للسجود لخالقي في اختلاف الليل والنهار أقدمه لحياتي، وظمأ الهواجر، ومقاعدة أقوام ينتقون الكلام كما تنتقى الفاكهة، وتمام التقوى أن يتقي الله تعالى البعد حتى يتقيه في مثقال ذرة حتى أن يترك بعض ما يرى أنه حلال خشية أن يكون حراماً حتى يكون حاجزاً بينه وبين الحرام، إن الله قد بين للناس الذي هو يصيرهم إليه قال: ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ﴾ فلا تحقرن شيئاً من الشر أن تتقيه ولا شيئاً من الشر أن تفعله.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اعلموا أن الجنة والنار أقرب إلى أحدكم من شراك نعله من يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره» .
وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اتقو النار ولو بشق تمرة» ثم قرأت ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه قال: ذكر لنا أن عائشة رضي الله عنها جاءها سائل فسأل فأمرت له بتمرة، فقال لها قائل: يا أم المؤمنين إنكم لتصدقون بالتمرة؟
قالت: نعم.
والله إن الخلق كثير، ولا يشبعه إلا الله أو ليس فيها مثاقيل ذر كثيرة؟.
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن عائشة أن سائلاً جاءها فقالت لجاريتها: أطعميه، فوجدت تمرة فقالت: أعطيه إياها فإن فيها مثاقيل ذر إن تقبلت.
وأخرج مالك وابن سعد وعبد بن حميد من طريق عائشة رضي الله عنها أن سائلا أتاها وعندها سلة من عنب فأخذت حبة من عنب فأعطته فقيل لها في ذلك، فقالت: هذه أثقل من ذر كثير، ثم قرأت ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد عن جعفر بن برقان قال: بلغنا أن عمر بن الخطاب أتاه مسكين وفي يده عنقود من عنب فناوله منه حبة وقال: فيه مثاقيل ذر كثيرة.
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن سائلاً سأل عبد الرحمن بن عوف وبين يديه طبق وعليه فناوله حبة، فكأنهم أنكروا ذلك عليه، فقال: في هذه مثاقيل ذر كثير.
وأخرج سعد عن عطاء بن فروخ أن سعد بن مالك أتاه سائل وبين يديه طبق عليه تمر فأعطاه تمرة، فقبض السائل يده.
فقال سعد: ويحك تقبل الله منا مثقال الذرة والخردلة وكم في هذه من مثاقيل الذر؟.
وأخرج ابن سعد عن شداد بن أوس أنه خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال: يا أيها الناس ألا إن الدنيا أجل حاضر يأكل منها البار والفاجر، ألا وإن الآخرة أجل مستأخر يقضي فيها ملك قادر، ألا وإن الخير بحذافيره في الجنة، ألا وإن الشر بحذافيره في النار، ألا واعلموا أنه ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ﴾ .
وأخرج الزجاجي في أماليه عن أنس بن مالك «أن سائلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأعطاه تمرة فقال السائل: نبي من الأنبياء يتصدق بتمرة.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما علمت أن فيها مثاقيل ذر كثير» .
وأخرج هناد عن ابن عباس في قوله: ﴿ مثقال ذرة ﴾ إنه أدخل يده في التراب ثم رفعها ثم نفخ فيها وقال: كل من هؤلاء مثقال ذرة.
وأخرج الحسين بن سفيان في مسنده وأبو نعيم في الحلية عن شداد بن أوس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أيها الناس إن الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر، وإن الآخرة وعد صادق يحكم فيها ملك قادر، يحق فيها الحق ويبطل الباطل أيها الناس كونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن كل أم يتبعها ولدها.
اعملوا وأنتم من الله على حذر، واعلموا أنكم معروضون على أعمالكم، وأنكم ملاقو الله لا بد منه ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ﴾ » .
وأخرج مالك والبخاري وأحمد ومسلم والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الخيل لثلاثة: لرجل أجر ولرجل ستر وعلى رجل وزر» الحديث.
قال: وسئل عن الحمر فقال: «ما نزل عليّ فيها إلا هذه الآية الجامعة الفاذة ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ﴾ » .
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ الناس أَشْتَاتاً ﴾ مختلفين في أحوالهم، وواحد الأشتات شتيت، وصدر الناس: هو انصرافهم من موضع وردهم، فقيل: الورد هو الدفن في القبور والصَدْر: هو القيام للبعث.
وقيل الورد القيام للحشر، والصدر الإنصراف إلى الجنة أو النار.
وهذا أظهر.
وفيه يعظم التفاوت بين أحوال الناس فيظهر كونهم أشتاتاً ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ﴾ المثقال هو الوزن والذرة هي النملة الصغيرة، والرؤية هنا ليست برؤية بصر وإنما هي عبارة عن الجزاء.
وذكر الله مثقال الذرة تنبيهاً على ما هو أكثر منه من طريق الأولى، كأنه قال: من يعمل قليلاً أو كثيراً وهذه الآية هي في المؤمنين، لأن الكافر لا يجازى في الآخرة على حسناته، إذ لم تقبل منه.
استدل أهل السنة بهذه الآية: أنه لا يخلد مؤمن في النار؛ لأنه إذا خلد لم ير ثواباً على إيمانه وعلى ما عمل من الحسنات، وروى «عن عائشة أنها تصدقت بحبة عنب فقيل لها في ذلك؛ فقالت: كم فيها من مثقال ذرة» ، وسمع رجلاً هذه الآية عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حسبي الله لا أبالي أن أسمع غيرها» ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾ هذا على عمومه في حق الكافر، وأما المؤمنون فلا يجازون بذنوبهم إلا بستة شروط: وهي أن تكون ذنوبهم كبائر، وأن يموتوا قبل التوبة منها، وأن لا تكون لهم حسنات أرجح في الميزان منها، وأن لا يشفع فيهم، وأن لا يكون ممن استحق المغفرة بعمل كأهل بدر، وأن لا يعفو الله عنهم فإن المؤمن العاصي في مشيئة الله إن شاء عذّبه وإن شاء غفر له.
القراآت ﴿ يره ﴾ ساكنة الهاء في الحرفين: الحلواني عن هشام.
الوقوف: ﴿ زلزالها ﴾ ه لا ﴿ أثقالها ﴾ لا ﴿ مالها ﴾ ه لا لاحتمال حذف عامل " إذا" أي أذا كانت هذه الأمور ترى ما ترى واحتمال أن يكون العامل ﴿ تحدث ﴾ و ﴿ يومئط ﴾ بدلاً من " إذا " ﴿ أخبارها ﴾ ه لا ﴿ لها ﴾ ه ط ﴿ أعمالهم ﴾ ه ط ﴿ يره ﴾ ه ط ﴿ يره ﴾ ه.
التفسير: لما ختم السورة المتقدمة بالوعيد والوعد أتبعه بذكر وقت الجزاء وعدد من إماراته الزلزلة الشديدة التي تستأهلها الأرض وهي معنى إضافة الزلزال إلى ضمير الأرض.
قال أهل المعاني: هو كقولك " أكرم التقي إكرامه وأهن الفاسق إهانته " يريد ما يستوجبانه من الإكرام والإهانة.
وقريب منه قول من قال: أراد بزلزالها كل الزلزال وجميع ما هو ممكن منه أي يوجد الزلزلة كل ما يحتمل المحل.
وقيل: زلزالها الموعود والمكتوب عليها لما أنها قدرت تقدير الحي.
يروى أنها تتزلزل من شدة صوت إسرافيل .
ومن امارات الساعة إخراج الأرض أثقالها أي ما في جوفها من الدفائن والأموات قال أبو عبيدة والأخفش: إذا كان الميت في بطن الأرض فهو ثقل لها وإذا كان فوقها فو ثقل عليها وسمي الإنس والجن بالثقلين لذلك.
يروى أنها تخرج كنوزها فيملأ ظهر الأرض ذهباً ولا أحد يلتفت إليه، وكأن الذهب بصيح ويقول: أما كنت تخرب دينك ودنياك لأجلي؟
ويمكن أن تكون الفائدة في إخراجها أن يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها الجباه والجنوب والظهور قالوا: إناه عند النفخة الأول تتزلزل فتلفظ بالكنوز والدفائن، وعند النفخة الثانية ترجف فتخرج الأموات أحياء كالأم تلد حياً.
وقيل: تلفظهم أمواتاً ثم يحييهم الله .
وقيل: أثقالها أسرارها فيومئذ تكشف الأسرار ولذلك قال ﴿ يومئذ تحدث أخبارها ﴾ أي تشهد لك وعليك ﴿ وقال الإنسان ما لها ﴾ تعجباً من حالها.
وقيل: والكافر لأنه كان لا يؤمن بالبعث فيقول ﴿ من بعثنا من مرقِدنا ﴾ وأما المؤمن فيقول ﴿ هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون ﴾ والباء في قوله ﴿ بأن ربك ﴾ إما أن تتعلق بـ ﴿ تحدث ﴾ والإيحاء بمعنى الأمر أي تحدث بسبب أن ربك أمرها بالتحديث ومفعول ﴿ تحدث ﴾ محذوف أي تحدث الناس، أو متروك لأن المقصود تحديثها لا من تحدثه.
وقيل: تحديثها بأن ربك أوحى لها تحديث بأخبارها كما تقول " نصحتني كل النصيحة بأن نصحتني في الدين".
وقيل: بدل من ﴿ أخبارها ﴾ لأنك تقول: حدثته كذا وحدثته بكذا.
وأوحى لها بمعنى أوحى إليها وهو مجاز عند صاحب الكشاف.
وأبي مسلم كأنها بلسان الحال تبين لكل أحد جزاء عمله، أو تحدث أن الدنيا قد انقضت والآخرة قد أقبلت.
والجمهور على أنه تعالى يجعل الأرض ذات فهم ونطق ويعرفها جميع ما عمل عليها فحينئذ تشهد لمن أطاع وعلى من عصى.
وكان علي إذا فرغ بيت المال صلى فيه ركعتين ويقول: إشهدي أني ملأتك بحق وفرغتك بحق.
وقيل: لفظ التحديث يفيد الاستئناس، فعل الأرض تبث شكواها إلى أولياء الله وملائكته، وقالت المعتزلة: إن الله يخلق في الأرض وهي جماد أصواتاً مقطعة مخصوصة فيكون المتكلم والشاهد على أن التقدير هوالله.
قوله ﴿ يصدر ﴾ الصدر ضد الورود فالوارد الجائي والصادر المنصرف، ﴿ أشتاتاً ﴾ أي متفرقين جمع شت أو شتيت أي يذهبون من مخارج قبورهم إلى الموقف.
فبعضهم إثر بعض راكبين مع الثياب الحسنة وبياض الوجه وينادي مناد بين يديه هذا ولي الله، وبعضهم مشاة عراة حفاة سود الوجوه مقيدين بالسلاسل والأغلال والمنادي ينادي هذا عدو الله.
وقيل: أشتاتاً أي كل فريق مع شكله اليهودي مع اليهودي، والنصراني مع النصراني وقيل: من كل قطر من أقطار الأرض ليروا صحائف أعمالهم أو جزاء أعمالهم وهو الجنة أو النار وما يناسب كلاً منهما.
والذرة أصغر النمل أو هي الهباءة، وعن ابن عباس إذا وضعت راحتك على الأرض ثم رفعتها فكل واحد مما لزق بها من التراب مثقال ذرة، فليس من عبد عمل خيراً أو شراً، قليلاً كان أو كثيراً إلا أراه الله إياه.
قال مقاتل: نزلت هذه الآية في رجلين وذلك أنه لما نزل ﴿ ويطعمون الطعام على حبه ﴾ كان أحدهما يأتيه السائل فيسأم أن يعطيه الثمرة والكسرة والجوزة ويقول: ما هذا بشيء وإنما يؤجر على ما نعطي وكان أحدهما يتهاون بالذنب الصغير ويقول: لا شيء علي من هذا فرغب الله في القليل من الخير لأنه يوشك أن يكثر، وحذر من الذنب اليسير فإنه يوشك أن يعظم، فلهذا قال النبي " اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة " والتحقيق أن المقصود النية فإن كان العمل قليلاً والنية خالصة حصل المطلوب، وإن كان العمل كثيراً والنية فاسدة فالمقصود فائت، ولهذا قال كعب الأحبار: لا تحقروا شيئاً من المعروف فإن رجلاً دخل الجنة بإعارة إبرة في سبيل الله، وإن امرأة أعانت بحبة في بناء بيت المقدس فدخلت الجنة.
وعن عائشة أنه كان بين يديها عنب قدمته إلى نسوة بحضرتها فجاء سائل فأمرت له بحبة من ذلك، فضحك بعض من كان عندها فقالت: إن فيما ترون مثاقيل وتلت هذه الآية.
قال جار الله: إن حسنات الكافر محبطة بالكفر وسيئات المؤمن مكفرة باجتناب الكبائر، فما معنى الجزاء لمثاقيل الذر من الخير والشر؟
وأجاب على مذهبه بأن المعنى فمن يعمل من فريق السعداء مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل من فريق الأشقياء مثقال ذرة شراً.
يره.
وذلك أن الحكم جاء بعد قوله ﴿ يصدر الناس أشتاتاً ﴾ والأولى في جوابه ما روي عن ابن عباس: ليس من مؤمن ولا كافر عمل خيراً أو شراً إلا أراه الله إياه.
فأما المؤمن فيغفر له سيئاته ويثاب بحسناته وأما الكافر فترد حسناته ويعذب بسيئاته.
وقل: إن حسنات الكافر وإن كانت محبطة بكفرة لكن الموازنة معتبرة فتقدر تلك الحسنات انحبطت من عقاب كفره، وكذا القول في الجانب الآخر.
وعن محمد بن كعب القرظي: معناه فمن يعمل مثقال ذرة من خير وهو كافر فإنه يرى ثواب ذلك في الدنيا في نفسه أو أهله أو ماله حتى يلقى الآخرة وليس له فيها خير، ومن يعمل مثقال ذرة من شر وهو مؤمن فإنه يرى عقوبة ذلك في الدنيا في نفسه أو أهله أو ماله حتى يلقى الآخرة وليس له فيها شر، وهذا مروي عن ابن عباس أيضاً ويؤيده ما روي أنه قال لأبي بكر: يا أبا بكر ما رأيت في الدنيا مما تكره فبمثاقيل ذر الشر ويدخر الله لك مثاقيل الخير حتى توفاها يوم القيامة.
فإن قيل: إن كان الأمر إلى هذا الحد فأين الكرم؟
قلت: هذا هو الكرم لأن المعصية وإن قلت ففيها استخفاف والكريم لا يحتمله، والطاعة تعظيم وإن قلت فالكريم لا يضيعه.
قال أهل العرفان: كأنه يقول: ابن آدم أنك مع ضعفك وعجزك لم تضيع ذرة من مخلوقاتي بل نظرت فيها واعتبرت بها واستدللت بوجودها على وجود الصانع، فأنا مع كمال قدرتي وكرمي كيف أضيع ذرتك والله الكريم.
قوله - عز وجل -: ﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا ﴾ : قد ذكرنا أن حرف ﴿ إِذَا ﴾ إنما يذكر عن سؤال سبق منهم؛ كأنه سألوا عن الوقت الذي كانوا يوعدون فيه، وإنم لم يذكر عن السؤال؛ لأنه قد يكون في الجواب بيان السؤال، وفي السؤال بيان الجواب، وإن لم يذكر، فعند ذلك قال: ﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَالا ﴾ ، أخبرهم عن أحوال يوم القيامة والحساب، ولم يخبرهم عن وقتها، وقد ذكرناه في غير موضع.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ زِلْزَالَهَا ﴾ ، أي: حركت الأرض تحريكا شديداً؛ لهول ذلك اليوم، وهو يخرج على وجهين: أحدهما: جائز أن تكون تتزلزل وتتحرك؛ حتى تلقي ما ارتفع منها من الجبال الرواسي في الأودية، حتى تستوى الأرض، لا يبقى فيها هبوط ولا صعود، كقوله - -: ﴿ لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً ﴾ .
وجائز أن يكون قوله: ﴿ زُلْزِلَتِ ٱلأَرْضُ ﴾ ، أي: تتزلزل، وتتحرك؛ لتغير الجبال الرواسي حتى تصير كما ذكر: ﴿ يَوْمَ يَكُونُ ٱلنَّاسُ كَٱلْفَرَاشِ ٱلْمَبْثُوثِ وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً ﴾ وإذا فنيت وتلاشت بقيت الأرض مستوية على ما ذكر.
ويحتمل أن تكون تتزلزل وتتحرك؛ حتى تصير غير تلك؛ كقوله - -: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ...
﴾ .
ويحتمل أن يكون تبديلها وتحريكها ومدها هو تغير صفاتها؛ على ما ذكرنا في الوجهين الأولين.
قال الزجاج: لا تصح هذه القراءة؛ لأن الزلزال من المضاعف، والمضاعف إنما يكون بالخفض مصادرها، أما من الأسماء قد يكون نصبا؛ كقوله : ﴿ مِن صَلْصَالٍ ﴾ ، ونحوه، والزلزال، مصدر؛ فيكون الأصل المطرد فيه هو الكسر، والنصب يكون نادار، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَخْرَجَتِ ٱلأَرْضُ أَثْقَالَهَا ﴾ .
أي: أحمالها؛ لهول ذلك اليوم، وقال في آية أخرى: ﴿ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ ﴾ ، ثم يحتمل ﴿ وَأَخْرَجَتِ ﴾ ﴿ وَأَلْقَتْ ﴾ ما فيها من الموتى من أول ما دفن فيها من كل شيء من الحيوان وغيرها، إلى آخر ما يجعل فيها من الكنوز وغيرها مما يحتمل الحساب، ومما لا يحتمل من البشر، وجميع الممتحنين وغيرهم.
ويحتمل: أخرجت أثقالها: الممتحنين خاصة: ممن يحاسبون، ويثابون، ويجزون.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالَ ٱلإِنسَانُ مَا لَهَا ﴾ .
أي: قال الكافر: ما لها تتحرك؟
فقال بعضهم: أحمق في الدنيا، وأحمق في الآخرة؛ حيث يسأل الأرض ما لها تتزلزل وتتحرك؟
يظن أنها بنفسها تفعل ذلك لا لفزعة ما ترى من أهوال ذلك اليوم وتغيير أحوالها؛ على ما لم ينظر في الدنيا في الآيات والحجج حتى يقبلها، ويخضع لها.
وقال بعضهم: هو على التقديم والتأخير؛ كأنه يقول: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا ﴾ ، و ﴿ وَقَالَ ٱلإِنسَانُ مَا لَهَا ﴾ ، تشهد وتخبر بما عمل على ظهرها.
ثم إخبارها يخرج على وجوه: أحدها: ما قاله أهل التأويل: إنها تخبر وتحدث بما عمل على ظهرها من خير أو شر، أو طاعة أو معصية.
لكن لا يحتمل إخبارها الخير؛ لأنها إنما تشهد عليهم؛ لإنكار أهل الكفر ما كان منهم من فعل الكفر، والمعصية، وأما أهل الجنة فإنهم يكونون مقرين بالخيرات، والله - - يصدقهم على ذلك، والله أعلم.
وكذلك ما ذكر من شهادة الجوارح إنما تشهد عليهم على ما ينكرون من الشرك والكفر وغير ذلك من المعاصي؛ فعلى ذلك التأويل يكون إخبارها على حقيقة النطق والكلام.
وقال بعضهم: إخبارها: ما ذكر من تزلزلها وتحركها، والأحوال التي تكون فيها هو تحديثها وأخبارها التي تكون منها.
وقال بعضهم يومئذ تبين وتقع أخبارها التي أخبروا في الدنيا فكذبوها، يومئذ يتبين لهم ذلك، ويقع لهم مشاهدة عيانا من الحساب والثواب والعقاب، وفي الخبر عن رسول الله أنه قال: "أتدرون ما أخبارها؟
قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أخبارها أن تشهد على كل عبد وأمة بما عمل على ظهرها" وقوله - عز وجل -: ﴿ بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا ﴾ : من قال بأن أخبارها من شهادتها بما عملوا على ظهرها، ويكون تأويله قوله - -: ﴿ أَوْحَىٰ لَهَا ﴾ ، أي: أذن لها ربها بالشهادة؛ فتشهد.
ومن قال: إخبارها هو تزلزلها وتحركها والأحوال التي تكون منها يقول على إسقاط ﴿ لَهَا ﴾ يقول: ﴿ بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا ﴾ ، أي: فعل ذلك بها، والوحي قد يكون الوحي والإلهام والأمر، ويستعمل فيما يليق به.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ أَشْتَاتاً لِّيُرَوْاْ أَعْمَالَهُمْ ﴾ : يحتمل صدور الناس من وجهين: أحدهما: يصدرون من قبورهم إلى الحساب؛ ليروا كتابة أعمالهم، أي: ليروا ما كتب من أعمالهم التي عملوا في الدنيا، ويحتمل صدورهم على ما أعد لهم في الآخرة من الثواب العقاب؛ فعلى هذا التأويل؛ ليروا [جزاء أعمالهم] التي عملوا في الدنيا، كقوله - -: ﴿ فَرِيقٌ فِي ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي ٱلسَّعِيرِ ﴾ ، وقوله - -: ﴿ وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَـفَرُوۤاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَراً...
﴾ هذا تفسير قوله: ﴿ أَشْتَاتاً ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾ : قال بعضهم: يرى الكافر ما عمل من خير في الدنيا، وأما في الآخرة فلا يرى؛ لأنه لا يؤمن بها، ولا يعمل لها؛ كقوله - -: ﴿ مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ...
﴾ ، والمؤمن يرى ما عمل من شر في الدنيا، وما عمل في الآخرة؛ وعلى ذلك روي في الخبر "أن أبا بكر [الصديق] - - كان جالسا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية؛ فقال أبو بكر [الصديق]: يا رسول الله: كل من عمل منا شر يراه؟
فقال رسول الله : ما يرون في الدنيا مما يكرهون فهو من ذلك، ويؤخر الخير لأهله في الآخرة" وجائز أن يكون قوله - -: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ﴾ و ﴿ شَرّاً يَرَهُ ﴾ ، على الإحصاء والحفظ؛ كقوله - -: ﴿ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا...
﴾ أي: لا يذهب عنه شيء قليل ولا كثير حتى الذرة.
ويحتمل وحها آخر، وهو أن قوله - -: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ...
﴾ اي: من يعمل من المؤمنين مثقال ذرة خيرا يره في الآخرة، ومن يعلم من الكفار مثقال ذرة شرا يره في الآخرة؛ لأن الله - - قد أخبر في إير آي من القرآن أنه يتقبل حسنات المؤمنين، ويتجاوز عن سيئاتهم؛ كقوله - -: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ ، ونحو ذلك من الآيات.
وقوله: ﴿ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ ليس على إرادة حقيقة الذرة؛ولكن التمثيل.
ثم قبل من إخبار الأرض وما ذكر من شهادة الجوارح: أن كيف احتمل ذلك، وهي أموات، والموات لا علم لها؟
فجائز أن يكون الله - - يجعل لها علما، وينطقها بذلك، وأن لها بذلك علما على جعلها آية.
ثم في قوله - -: ﴿ لِّيُرَوْاْ أَعْمَالَهُمْ ﴾ دلالة أن قوله - -: ﴿ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ ﴾ ، وقوله: "لا تسافروا بالقرآن [إلى] أرض العدو"، وقول الن اس: "نقرأ كلام رب العالمين"، و"في المصاحف قرآن" ألا يراد به حقيقة كون كلام الله - - في المصاحف، ولا حقيقة كون القرآن فيها والسفر به، ولا حقيقة سماع كلامه، ويكون على ما أراد من سماع ما به يفهم كلامه، أو يسمع ما يعبر به عن كلامه، وكذلك يكون في المصاحف ما يفهم به كلامه، أو ما يعبر به عن كلامه؛ على ما ذكر من رؤية الأعمال، وأعين الأعمال لا ترى، ولكن يرى ما يدل عليها، وهو المكتوب من أعمالهم في الكتب التي فيها أعمالهم؛ فعلى ذلك هذا، [والله أعلم بالصواب].
فمن يعمل وزن نملةٍ صغيرة من أعمال الخير والبرّ يره أمامه.
<div class="verse-tafsir" id="91.pz4gq"
سورة الزلزلة من السور المدنية.
وهي سورة إرهاب وترغيب.
قيل: إنها نزلت لإزالة ما وقع في نفوس كثير من المؤمنين من أن الخير القليل لا ينظر الله إليه، ولا يجازي عليه.
وكذلك الصغائر من الذنوب ليست بشيء يلام عليه: كالكذبة والنظرة ونحو ذلك.
فأزال شبهتهم وكشف عنهم وهمهم، وعرفهم أن لا شيء من عمل الإنسان يفوته: فالخير يجازى بالخير مهما صغر، والشر يلقى جزاءه من الشر مهما نزر.
﴿ إِذَا زُلْزِلَتْ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا ﴾ : أي أصاب الأرض ذلك الزلزال الشديد والاهتزاز الرائع المدهش.
وهو كقوله: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴾ ﴿ وَأَخْرَجَتْ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا ﴾ : أي أنها -لشدة الزلزال والاضطراب- تشققت وثار باطنها، فقذفت بما في جوفها من الأثقال: من كنوز ودفائن وأموات وغير ذلك مما يكون في باطن الأرض.
ومثاله المشهور ما يرى الآن في الأرض التي فيها البراكين -جبال النار- فإن الزلزال يحدث والأرض تنشق وتقذف بما فيها من نيران ومعادن ومياه ونحو ذلك، وهو كقوله تعالى ﴿ وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ ﴾ .
(وقال الإنسان ما لها) من يكون من الإنسان شاهدًا لهذا الزلزال يجده مخالفًا في الشدة لجميع ما سبقه من أمثاله، ولا يجد من عقله ما يهديه إلى معرفة سببه ويصيبه الدهش ..
فيقول: ما لهذه الأرض؟!
وما الذي وقع لها فوق ما جرت به العادة؟
(يومئذ تحدث أخبارها) يومئذ بدل من إذا.
أي في ذلك الوقت -وقت الزلزال- تحدثك الأرض أحاديثها.
وتحديث الأرض تمثيل، كما قال الطبري وجماعة غيره، أي أن حالها وما يقع فيها من الانقلاب.
وما لم يعهد من الخراب يعلم السائل ويفهمه الخبر، وأن ما يراه لم يكن لسبب من الأسباب التي وضعتها السنة الإلهية، حال استقرار نظام الكون، بل ذلك (بـ) سبب (أن ربك أوحى لها ).
يقال أوحى له وإليه ووحى له وإليه، والمعنى واحد.
أي أن ما يكون للأرض يومئذ إنما هو بأمر إلهي خاص ..
قال لها: كوني خرابًا، كما قال لها -عند إيجادها- كوني أرضًا.
فهذا أمر من الأوامر التكوينية التي هي كن، فيكون ما صدر به أمر كن.
والأوامر التكوينية عبارة عن تعلق القدرة الإلهية بما هو أثر لها.
وكثيرًا ما تكون الأوامر الإلهية التكوينية بأسباب: كتكوين الإنسان والحيوان والنبات، فإن كل كائن منها إنما كان بتكوين الله.
وقوله له: كن، فيكون.
ولكنه وضع لذلك أسبابًا من التناسل والتوالد، ولا مانع من أن يكون خراب الأرض في آخر عمرها بسبب من الأسباب التي تهدم بناءها وتجعلها هباء منثورًا.
ومعنى اختصاصه هذه الحالة باسم الوحي، لأنها تأتي على خلاف ما عهد من أول نشأة الأرض.
(يومئذ يصدر الناس أشتاتًا ليروا أعمالهم): يوم يقع ذلك الخراب العظيم لهذا العالم الأرضي، وتبدل الأرض غير الأرض -كما جاء في الآية الأخرى- يظهر ذلك الكون الجديد: كون ذلك اليوم الآخر والحياة الأخرى، فيصدر الناس -بعد بعثهم- أشتاتًا متفرقين مختلفين.
يقال: صدر عن المدينة، أي سافر منها.
أي يذهب الناس على اختلافهم: شقيهم وسعيدهم، محسنهم ومسيئهم، ليروا أعمالهم.
يروا -بضم الياء- أي ليريهم الله جزاء أعمالهم.
يقال: عاش فلان حتى رأى عمله، أي جنى ثمرة ما قدم.
وفي قراءة ليروا -بفتح الياء- أي ليبصروا بأنفسهم أعمالهم، أي ما أعد لهم جزاء عليها.
(فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره) الذرة: النملة الصغيرة.
وهي مثل في الصغر.
وقيل: الذر هو الهباء الذي يرى في ضوء الشمس إذا دخلت من نافذة.
ومثقال الذرة وزنها، أي من يعمل من الخير أدنى عمل وأصغره فإنه يراه ويجد جزاءه: لا فرق في ذلك بين المؤمن والكافر.
غاية الأمر أن حسنات الكفار الجاحدين لا تصل بهم إلى أن تخلصهم من عذاب الكفر، فهم به خالدون في الشقاء.
والآيات التي تنطق بحبوط أعمال الكفار وأنها لا تنفعهم، معناها هو ما ذكرنا.
أي أن عملًا من أعمالهم لا ينجيهم من عذاب الكفر وإن خفف عنهم بعض العذاب الذي كان يرتقبهم على بقية السيئات الأخرى.
أما عذاب الكفر نفسه فلا يخفف عنهم منه شيء، كيف لا؟
والله جل شأنه يقول: ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾ .
فقوله: فلا تظلم نفس شيئًا، أصرح قول في أن الكافر والمؤمن في ذلك سواء، وان كلًا يوفى يوم القيامة جزاءه.
وقد ورد أن حاتمًا يخفف عنه لكرمه، وأن أبا لهب يخفف عنه لسروره بولادة النبي .
وما نقله بعضهم ما الإجماع على أن الكافر لا تنفعه في الآخرة حسنة، ولا يخفف عنه عذاب سيئة ما، لا أصل له.
فقد قال بما قلناه كثير من أئمة السلف .
على أن كلمة الإجماع كثيرًا ما يتخذها الجهلاء السفهاء آلة لقتل روح الدين، وحجرًا يلقمونه أفواه المتكلمين، وهم لا يعرفون للإجماع الذي تقوم به الحجة معنى.
فبئس ما يصنعون!
(ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره)، لا فرق في ذلك بين المؤمن والكافر.
فالمؤمنون يرون جزاء ما عملوا من شر إذا لم يكونوا تابوا عنه، وليس الجزاء منحصرًا في العقاب في دار العذاب: فمنه ما يكون كذلك، وهو الجزاء على الكبائر وترك الفرائض إذا لم تمحها التوبة الصحيحة، ومنه ما يكون بنقص في درجة الكرامة: كجزاء الصغائر، فإنها -وإن لم تدخلك النار- ولكنها تريك منزلتك أحط من منزلة من تنزه عنها.
وهذا شر تراه يقابل الشر الذي صنعته.
والله أعلم.