«أَنَّ بَعْضَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ قُلْنَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أَيُّنَا أَسْرَعُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٤٢٠

الحديث رقم ١٤٢٠ من كتاب «كتاب الزكاة» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب حدثنا موسى بن إسماعيل.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ١٤٢٠ في صحيح البخاري

«أَنَّ بَعْضَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ قُلْنَ لِلنَّبِيِّ : أَيُّنَا أَسْرَعُ بِكَ لُحُوقًا؟ قَالَ: أَطْوَلُكُنَّ يَدًا، فَأَخَذُوا قَصَبَةً يَذْرَعُونَهَا، فَكَانَتْ سَوْدَةُ أَطْوَلَهُنَّ يَدًا، فَعَلِمْنَا بَعْدُ: أَنَّمَا كَانَتْ طُولَ يَدِهَا الصَّدَقَةُ، وَكَانَتْ أَسْرَعَنَا لُحُوقًا بِهِ، وَكَانَتْ تُحِبُّ الصَّدَقَةَ.»

بَابُ صَدَقَةِ الْعَلَانِيَةِ قَوْلُهُ ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.

بَابُ صَدَقَةِ السِّرِّ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا صَنَعَتْ يَمِينُهُ وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾.

بَابٌ: إِذَا تَصَدَّقَ عَلَى غَنِيٍّ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ

إسناد حديث البخاري رقم ١٤٢٠

١٤٢٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ فِرَاسٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ١٤٢٠: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا قَالَ أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغِنَى وَلَا تُمْهِلُ حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ قُلْتَ لِفُلَانٍ كَذَا وَلِفُلَانٍ كَذَا وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ"

[الحديث ١٤١٩ - طرفه في: ٢٧٤٨]

قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ صَدَقَةِ الشَّحِيحِ الصَّحِيحِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ: أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ، وَصَدَقَةُ الشَّحِيحِ الصَّحِيحِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ الْآيَةَ، فَعَلَى الْأَوَّلِ الْمُرَادُ فَضْلُ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِ وَهُوَ وَاضِحٌ، وَعَلَى الثَّانِي كَأَنَّهُ تَرَدَّدَ فِي إِطْلَاقِ أَفْضَلِيَّةِ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ، فَأَوْرَدَ التَّرْجَمَةَ بِصِيغَةِ الِاسْتِفْهَامِ، قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ مَا مُلَخَّصُهُ: مُنَاسَبَةُ الْآيَةِ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ التَّحْذِيرُ مِنَ التَّسْوِيفِ بِالْإِنْفَاقِ اسْتِبْعَادًا لِحُلُولِ الْأَجَلِ وَاشْتِغَالًا بِطُولِ الْأَمَلِ، وَالتَّرْغِيبُ فِي الْمُبَادَرَةِ بِالصَّدَقَةِ قَبْلَ هُجُومِ الْمَنِيَّةِ وَفَوَاتِ الْأُمْنِيَةِ. وَالْمُرَادُ بِالصِّحَّةِ فِي الْحَدِيثِ مَنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي مَرَضٍ مَخُوفٍ فَيَتَصَدَّقُ عِنْدَ انْقِطَاعِ أَمَلِهِ مِنَ الْحَيَاةِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي آخِرِهِ بِقَوْلِهِ: وَلَا تُمْهِلْ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ، وَلَمَّا كَانَتْ مُجَاهَدَةُ النَّفْسِ عَلَى إِخْرَاجِ الْمَالِ مَعَ قِيَامِ مَانِعِ الشُّحِّ دَالًّا عَلَى صِحَّةِ الْقَصْدِ وَقُوَّةِ الرَّغْبَةِ فِي الْقُرْبَةِ كَانَ ذَلِكَ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ نَفْسَ الشُّحِّ هُوَ السَّبَبُ فِي هَذِهِ الْأَفْضَلِيَّةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ تَقْدِيمُ آيَةِ الْمُنَافِقِينَ عَلَى آيَةِ الْبَقَرَةِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ بِالْعَكْسِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ) هُوَ ابْنُ زِيَادٍ.

قَوْلُهُ: (جَاءَ رَجُلٌ) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَتِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَبَا ذَرٍّ، فَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ عَنْهُ أَنَّهُ سَأَلَ: أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ، لَكِنَّ فِي الْجَوَابِ: جُهْدٌ مِنْ مُقِلٍّ، أَوْ سَرٍّ إِلَى فَقِيرٍ، وَكَذَا رَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ سَأَلَ فَأُجِيبُ.

قَوْلُهُ: (أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا) فِي الْوَصَايَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ: أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ.

قَوْلُهُ: (أَنْ تَصَّدَّقَ) بِتَشْدِيدِ الصَّادِ وَأَصْلُهُ تَتَصَدَّقَ، فَأُدْغِمَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ.

قَوْلُهُ: (وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ) فِي الْوَصَايَا: وَأَنْتَ صَحِيحٌ حَرِيصٌ. قَالَ صَاحِبُ الْمُنْتَهَى: الشُّحُّ بُخْلٌ مَعَ حِرْصٍ. وَقَالَ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ: الشُّحُّ مُثَلَّثُ الشِّينِ وَالضَّمُّ أَعْلَى. وَقَالَ صَاحِبُ الْجَامِعِ: كَأَنَّ الْفَتْحَ فِي الْمَصْدَرِ وَالضَّمَّ فِي الِاسْمِ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِيهِ أَنَّ الْمَرَضَ يُقَصِّرُ يَدَ الْمَالِكِ عَنْ بَعْضِ مِلْكِهِ، وَأَنَّ سَخَاوَتَهُ بِالْمَالِ فِي مَرَضِهِ لَا تَمْحُو عَنْهُ سِيمَةَ الْبُخْلِ، فَلِذَلِكَ شَرَطَ صِحَّةَ الْبَدَنِ فِي الشُّحِّ بِالْمَالِ، لِأَنَّهُ فِي الْحَالَتَيْنِ يَجِدُ لِلْمَالِ وَقْعًا فِي قَلْبِهِ لِمَا يَأْمُلُهُ مِنَ الْبَقَاءِ فَيَحْذَرُ مَعَهُ الْفَقْرَ، وَأَحَدُ الْأَمْرَيْنِ لِلْمُوصِي وَالثَّالِثُ لِلْوَارِثِ، لِأَنَّهُ إِذَا شَاءَ أَبْطَلَهُ. قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الثَّالِثُ لِلْمُوصِي أَيْضًا لِخُرُوجِهِ عَنِ الِاسْتِقْلَالِ بِالتَّصَرُّفِ فِيمَا يَشَاءُ، فَلِذَلِكَ نَقَصَ ثَوَابُهُ عَنْ حَالِ الصِّحَّةِ. قَالَ ابنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ: لَمَّا كَانَ الشُّحُّ غَالِبًا فِي الصِّحَّةِ فَالسَّمَاحُ فِيهِ بِالصَّدَقَةِ أَصْدَقُ فِي النِّيَّةِ وَأَعْظَمُ لِلْأَجْرِ، بِخِلَافِ مَنْ يَئِسَ مِنَ الْحَيَاةِ، وَرَأَى مَصِيرَ الْمَالِ لِغَيْرِهِ.

قَوْلُهُ: (وَتَأْمُلُ) بِضَمِّ الْمِيمِ أَيْ: تَطْمَعُ.

قَوْلُهُ: (إِذَا بَلَغَتْ) أَيِ: الرُّوحُ، وَالْمُرَادُ قَارَبَتْ بُلُوغَهُ، إِذْ لَوْ بَلَغَتْهُ حَقِيقَةً لَمْ يَصِحَّ شَيْءٌ مِنْ تَصَرُّفَاتِهِ. وَلَمْ يَجْرِ لِلرُّوحِ ذِكْرٌ اغْتِنَاءً بِدَلَالَةِ السِّيَاقِ. وَالْحُلْقُومُ مَجْرَى النَّفَسِ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْعِلْمِ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الْوَصَايَا، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

باب

١٤٢٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ فِرَاسٍ، عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ

عَائِشَةَ أَنَّ بَعْضَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ قُلْنَ لِلنَّبِيِّ : أَيُّنَا أَسْرَعُ بِكَ لُحُوقًا؟ قَالَ: أَطْوَلُكُنَّ يَدًا، فَأَخَذُوا قَصَبَةً يَذْرَعُونَهَا، فَكَانَتْ سَوْدَةُ أَطْوَلَهُنَّ يَدًا، فَعَلِمْنَا بَعْدُ أَنَّمَا كَانَتْ طُولَ يَدِهَا الصَّدَقَةُ، وَكَانَتْ أَسْرَعَنَا لُحُوقًا بِهِ، وَكَانَتْ تُحِبُّ الصَّدَقَةَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَبِهِ جَزَمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَسَقَطَ لِأَبِي ذَرٍّ، فَعَلَى رِوَايَتِهِ هُوَ مِنْ تَرْجَمَةِ فَضْلِ صَدَقَةِ الصَّحِيحِ، وَعَلَى رِوَايَةِ غَيْرِهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْفَصْلِ مِنْهُ، وَأَوْرَدَ فِيهِ الْمُصَنِّفُ قِصَّةَ سُؤَالِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ مِنْهُ: أَيَّتُهُنَّ أَسْرَعُ لُحُوقًا بِهِ، وَفِيهِ قَوْلُهُ لَهُنَّ: أَطْوَلُكُنَّ يَدًا. الْحَدِيثَ. وَوَجْهُ تَعَلُّقِهِ بِمَا قَبْلَهُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ تَضَمَّنَ أَنَّ الْإِيثَارَ وَالِاسْتِكْثَارَ مِنَ الصَّدَقَةِ فِي زَمَنِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْعَمَلِ سَبَبٌ لِلَّحَاقِ بِالنَّبِيِّ ، وَذَلِكَ الْغَايَةُ فِي الْفَضِيلَةِ، أَشَارَ إِلَى هَذَا الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ. وقَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: وَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ أَنَّهُ تَبَيَّنَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُرَادَ بِطُولِ الْيَدِ الْمُقْتَضِي لِلَّحَاقِ بِهِ الطَّوْلُ (١)، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَتَأَتَّى لِلصَّحِيحِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِالْمُدَاوَمَةِ فِي حَالِ الصِّحَّةِ، وَبِذَلِكَ يَتِمُّ الْمُرَادُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (إِنَّ بَعْضَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ لَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِ السَّائِلَةِ مِنْهُنَّ عَنْ ذَلِكَ، إِلَّا عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ حَمَّادٍ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ: قَالَتْ: فَقُلْتُ. بِالْمُثَنَّاةِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ: فَقُلْنَ بِالنُّونِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (أَسْرَعُ بِكَ لُحُوقًا) مَنْصُوبٌ عَلَى التَّمْيِيزِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: يَدًا، وَأَطُولُكُنَّ مَرْفُوعٌ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.

قَوْلُهُ: (فَأَخَذُوا قَصَبَةً يَذْرَعُونَهَا) أَيْ: يُقَدِّرُونَهَا بِذِرَاعِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ بِلَفْظِ جَمْعِ الْمُذَكَّرِ بِالنَّظَرِ إِلَى لَفْظِ الْجَمْعِ لَا بِلَفْظِ جَمَاعَةِ النِّسَاءِ، وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ:

وَإِنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمْ

أَنَّهُ ذَكَرَهُ بِلَفْظِ جَمْعِ الْمُذَكَّرِ تَعْظِيمًا. وَقَوْلُهُ: أَطُولُكُنَّ يُنَاسِبُ ذَلِكَ، وَإِلَّا لَقَالَ: طُولَاكُنَّ.

قَوْلُهُ: (فَكَانَتْ سَوْدَةُ) زَادَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ عَفَّانَ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ: بِنْتُ زَمْعَةَ بْنِ قَيْسٍ.

قَوْلُهُ: (أَطْوَلُهُنَّ يَدًا) فِي رِوَايَةِ عَفَّانَ: ذِرَاعًا، وَهِيَ تُعِينُ أَنَّهُنَّ فَهِمْنَ مِنْ لَفْظِ الْيَدِ الْجَارِحَةَ.

قَوْلُهُ: (فَعَلِمْنَا بَعْدُ) أَيْ: لَمَّا مَاتَتْ أَوَّلُ نِسَائِهِ بِهِ لُحُوقًا.

قَوْلُهُ: (إِنَّمَا) بِالْفَتْحِ، وَالصَّدَقَةُ بِالرَّفْعِ، وَطُولَ يَدِهَا بِالنَّصْبِ لِأَنَّهُ الْخَبَرُ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَتْ أَسْرَعَنَا) كَذَا وَقَعَ فِي الصَّحِيحِ بِغَيْرِ تَعْيِينٍ، وَوَقَعَ فِي التَّارِيخِ الصَّغِيرِ لِلْمُصَنِّفِ عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ: فَكَانَتْ سَوْدَةُ أَسْرَعَنَا إِلَخْ. وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ الْعَبَّاسِ الدُّورِيِّ، عَنْ مُوسَى، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ عَفَّانَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَابْنِ سَعْدٍ عَنْهُ: قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: قَالَ لَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ - يَعْنِي الْوَاقِدِيَّ - هَذَا الْحَدِيثُ: وُهِلَ فِي سَوْدَةَ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، فَهِيَ أَوَّلُ نِسَائِهِ بِهِ لُحُوقًا، وَتُوُفِّيَتْ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ وَبَقِيَتْ سَوْدَةُ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَتْ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ. قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: هَذَا الْحَدِيثُ سَقَطَ مِنْهُ ذِكْرُ زَيْنَبَ لِاتِّفَاقِ أَهْلِ السِّيَرِ عَلَى أَنَّ زَيْنَبَ أَوَّلُ مَنْ مَاتَ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ، يَعْنِي أَنَّ الصَّوَابَ: وَكَانَتْ زَيْنَبُ أَسْرَعَنَا إِلَخْ، وَلَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ تِلْكَ الرِّوَايَاتُ الْمُتَقَدِّمَةُ الْمُصَرَّحُ فِيهَا بِأَنَّ الضَّمِيرَ لِسَوْدَةَ. وَقَرَأْتُ بِخَطِّ الْحَافِظِ أَبِي عَلِيٍّ الصَّدَفِيِّ: ظَاهِرُ هَذَا اللَّفْظِ أَنَّ سَوْدَةَ كَانْتَ أَسْرَعَ، وَهُوَ خِلَافُ الْمَعْرُوفِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ زَيْنَبَ أَوَّلُ مَنْ مَاتَ مِنَ الْأَزْوَاجِ، ثُمَّ نَقَلَهُ عَنْ مَالِكٍ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنِ الْوَاقِدِيِّ، قَالَ: وَيُقَوِّيهِ رِوَايَةُ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ.

وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: هَذَا الْحَدِيثُ غَلَطٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَالْعَجَبُ مِنَ الْبُخَارِيِّ، كَيْفَ لَمْ يُنَبِّهْ عَلَيْهِ وَلَا أَصْحَابُ التَّعَالِيقِ، وَلَا عَلِمَ بِفَسَادِ

ذَلِكَ الْخَطَّابِيُّ، فَإِنَّهُ فَسَّرَهُ، وَقَالَ: لُحُوقُ سَوْدَةَ بِهِ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ. وَكُلُّ ذَلِكَ وَهَمٌ، وَإِنَّمَا هِيَ زَيْنَبُ، فَإِنَّهَا كَانَتْ أَطْوَلَهُنَّ يَدًا بِالْعَطَاءِ كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ بِلَفْظِ: فَكَانَتْ أَطْوَلَنَا يَدًا زينب، لِأَنَّهَا كَانَتْ تَعْمَلُ وَتَتَصَدَّقُ. انْتَهَى. وَتَلَقَّى مُغَلْطَايْ كَلَامَ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، فَجَزَمَ بِهِ وَلَمْ يَنْسُبْهُ لَهُ. وَقَدْ جَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، فَقَالَ الطِّيبِيُّ: يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِيمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ: الْمُرَادُ الْحَاضِرَاتُ مِنْ أَزْوَاجِهِ دُونَ زَيْنَبَ، وَكَانَتْ سَوْدَةُ أَوَّلُهُنَّ مَوْتًا. قُلْتُ: وَقَدْ وَقَعَ نَحْوُهُ فِي كَلَامِ مُغَلْطَايْ، لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَى هَذَا أَنَّ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ حَمَّادٍ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ اجْتَمَعْنَ عِنْدَهُ لَمْ تُغَادِرْ مِنْهُنَّ وَاحِدَةٌ، ثُمَّ هُوَ مَعَ ذَلِكَ إِنَّمَا يَتَأَتَّى عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي وَفَاةِ سَوْدَةَ، فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَى سَعِيدِ بْنِ هِلَالٍ، أَنَّهُ قَالَ: مَاتَتْ سَوْدَةُ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ، وَجَزَمَ الذَّهَبِيُّ فِي التَّارِيخِ الْكَبِيرِ بِأَنَّهَا مَاتَتْ فِي آخِرِ خِلَافَةِ عُمَرَ، وَقَالَ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ: أَنَّهُ الْمَشْهُورُ. وَهَذَا يُخَالِفُ مَا أَطْلَقَهُ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ حَيْثُ قَالَ: أَجْمَعَ أَهْلُ السِّيَرِ عَلَى أَنَّ زَيْنَبَ أَوَّلُ مَنْ مَاتَ مِنْ أَزْوَاجِهِ. وَسَبَقَهُ إِلَى نَقْلِ الِاتِّفَاقِ ابْنُ بَطَّالٍ كَمَا تَقَدَّمَ.

وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ النَّقْلَ مُقَيَّدٌ بِأَهْلِ السِّيَرِ، فَلَا يَرِدُ نَقْلُ قَوْلِ مَنْ خَالَفَهُمْ مِنْ أَهْلِ النَّقْلِ مِمَّنْ لَا يَدْخُلُ فِي زُمْرَةِ أَهْلِ السِّيَرِ. وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ الْوَاقِدِيِّ الَّذِي تَقَدَّمَ فَلَا يَصِحُّ. وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ بَطَّالٍ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: فَكَانَتْ لِزَيْنَبَ وَذَكَرْتُ مَا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ، لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ تَفْسِيرُهُ بِسَوْدَةَ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ لِكَوْنِ غَيْرِهَا لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ، فَلَمَّا لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى قِصَّةِ زَيْنَبَ وَكَوْنِهَا أَوَّلَ الْأَزْوَاجِ لُحُوقًا بِهِ جَعَلَ الضَّمَائِرَ كُلَّهَا لِسَوْدَةَ، وَهَذَا عِنْدِي مِنْ أَبِي عَوَانَةَ، فَقَدْ خَالَفَهُ فِي ذَلِكَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ فِرَاسٍ كَمَا قَرَأْتُ بِخَطِّ ابْنِ رَشِيدٍ أَنَّهُ قَرَأَهُ بِخَطِّ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ الْوَرْدِ، وَلَمْ أَقِفْ إِلَى الْآنَ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ هَذِهِ، لَكِنْ رَوَى يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ فِي زِيَادَاتِ الْمَغَازِي وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ بِإِسْنَادِهِ عَنْهُ، عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ التَّصْرِيحَ بِأَنَّ ذَلِكَ لِزَيْنَبَ، لَكِنْ قَصَّرَ زَكَرِيَّا فِي إِسْنَادِهِ فَلَمْ يَذْكُرْ مَسْرُوقًا وَلَا عَائِشَةَ، وَلَفْظُهُ: قُلْنَ النِّسْوَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ : أَيُّنَا أَسْرَعُ بِكَ لُحُوقًا؟ قَالَ: أَطْوَلُكُنَّ يَدًا. فَأَخَذْنَ يَتَذَارَعْنَ أَيَّتُهُنَّ أَطْوَلُ يَدًا، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ زَيْنَبُ عَلِمْنَ أَنَّهَا كَانَتْ أَطْوَلَهُنَّ يَدًا فِي الْخَيْرِ وَالصَّدَقَةِ. وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا مَا رَوَى الْحَاكِمُ فِي الْمَنَاقِبِ مِنْ مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لِأَزْوَاجِهِ: أَسْرَعُكُنَّ لُحُوقًا بِي أَطْوَلُكُنَّ يَدًا.

قَالَتْ عَائِشَةُ: فَكُنَّا إِذَا اجْتَمَعْنَا فِي بَيْتِ إِحْدَانَا بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ نَمُدُّ أَيْدِيَنَا فِي الْجِدَارِ نَتَطَاوَلُ، فَلَمْ نَزَلْ نَفْعَلُ ذَلِكَ حَتَّى تُوُفِّيَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ - وَكَانَتِ امْرَأَةً قَصِيرَةً، وَلَمْ تَكُنْ أَطْوَلَنَا - فَعَرَفْنَا حِينَئِذٍ أَنَّ النَّبِيَّ إِنَّمَا أَرَادَ بِطُولِ الْيَدِ الصَّدَقَةَ، وَكَانَتْ زَيْنَبُ امْرَأَةَ صِنَاعَةٍ بِالْيَدِ، وَكَانَتْ تَدْبُغُ وَتَخْرُزُ وَتَصَدَّقُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. قَ لَ الْحَاكِمُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ. انْتَهَى.

وَهِيَ رِوَايَةٌ مُفَسِّرَةٌ مُبَيِّنَةٌ مُرَجِّحَةٌ لِرِوَايَةِ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ فِي أَمْرِ زَيْنَبَ، قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ عَائِشَةَ لَا تَعْنِي سَوْدَةَ قَوْلُهَا فَعَلِمْنَا بَعْدُ إِذْ قَدْ أَخْبَرَتْ عَنْ سَوْدَةَ بِالطُّولِ الْحَقِيقِيِّ، وَلَمْ تَذْكُرْ سَبَبَ الرُّجُوعِ عَنِ الْحَقِيقَةِ إِلَى الْمَجَازِ إِلَّا الْمَوْتَ، فَإِذَا طَلَبَ السَّامِعُ سَبَبَ الْعُدُولِ لَمْ يَجِدْ إِلَّا الْإِضْمَارَ مَعَ أَنَّهُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى، فَعَلِمْنَا بَعْدُ أَنَّ الْمُخْبَرَ عَنْهَا إِنَّمَا هِيَ الْمَوْصُوفَةُ بِالصَّدَقَةِ لِمَوْتِهَا قَبْلَ الْبَاقِيَاتِ، فَيَنْظُرُ السَّامِعُ وَيَبْحَثُ فَلَا يَجِدُ إِلَّا زَيْنَبَ، فَيَتَعَيَّنُ الْحَمْلُ عَلَيْهِ، وَهُوَ مِنْ بَابِ إِضْمَارِ مَا لَا يَصْلُحُ غَيْرُهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: وَجْهُ الْجَمْعِ أَنَّ قَوْلَهَا: فَعَلِمْنَا بَعْدُ يُشْعِرُ إِشْعَارًا قَوِيًّا أَنَّهُنَّ حَمَلْنَ طُولَ الْيَدِ عَلَى ظَاهِرِهِ، ثُمَّ عَلِمْنَ بَعْدَ ذَلِكَ خِلَافَهُ، وَأَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ كَثْرَةِ الصَّدَقَةِ، وَالَّذِي عَلِمْنَهُ آخِرًا خِلَافَ مَا اعْتَقَدْنَهُ أَوَّلًا، وَقَدِ انْحَصَرَ الثَّانِي فِي زَيْنَبَ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهَا أَوَّلُهُنَّ

مَوْتًا، فَتَعَيَّنَ أَنْ تَكُونَ هِيَ الْمُرَادَةُ. وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ الضَّمَائِرِ بَعْدَ قَوْلِهِ: فَكَانَتْ وَاسْتَغْنَى عَنْ تَسْمِيَتِهَا لِشُهْرَتِهَا بِذَلِكَ. انْتَهَى. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ فِي الْحَدِيثِ اخْتِصَارًا أَوِ اكْتِفَاءً بِشُهْرَةِ الْقِصَّةِ لِزَيْنَبَ، وَيُؤَوَّلُ الْكَلَامُ بِأَنَّ الضَّمِيرَ رَجَعَ إِلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ أَنَّهَا أَوَّلُ مَنْ يَلْحَقُ بِهِ، وَكَانَتْ كَثِيرَةَ الصَّدَقَةِ.

قُلْتُ: الْأَوَّلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَكَأَنَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي كَوْنِ الْبُخَارِيِّ حَذَفَ لَفْظَ سَوْدَةَ مِنْ سِيَاقِ الْحَدِيثِ لَمَّا أَخْرَجَهُ فِي الصَّحِيحِ لِعِلْمِهِ بِالْوَهْمِ فِيهِ، وَإِنَّهُ لَمَّا سَاقَهُ فِي التَّارِيخِ بِإِثْبَاتِ ذِكْرِهَا ذَكَرَ مَا يَرُدُّ عَلَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ أَيْضًا، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ عُمَرَ عَلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَكَانَتْ أَوَّلَ نِسَاءِ النَّبِيِّ لُحُوقًا بِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى تَارِيخِ وَفَاتِهَا فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ، وَأَنَّهُ سَنَةَ عِشْرِينَ. وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ بَرْزَةَ بِنْتِ رَافِعٍ قَالَتْ: لَمَّا خَرَجَ الْعَطَاءُ أَرْسَلَ عُمَرُ إِلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ بِالَّذِي لَهَا، فَتَعَجَّبَتْ وَسَتَرَتْهُ بِثَوْبٍ، وَأَمَرَتْ بِتَفْرِقَتِهِ، إِلَى أَنْ كُشِفَ الثَّوْبُ فَوَجَدَتْ تَحْتَهُ خَمْسَةً وَثَمَانِينَ دِرْهَمًا، ثُمَّ قَالَتْ: اللَّهُمَّ لَا يُدْرِكُنِي عَطَاءٌ لِعُمَرَ بَعْدَ عَامِي هَذَا، فَمَاتَتْ، فَكَانَتْ أَوَّلَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ لُحُوقًا بِهِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ مَعْنٍ قَالَ: كَانَتْ زَيْنَبُ أَوَّلَ نِسَاءِ النَّبِيِّ لُحُوقًا بِهِ. فَهَذِهِ رِوَايَاتٌ يُعَضِّدُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَيَحْصُلُ مِنْ مَجْمُوعِهَا أَنَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ وَهْمًا. وَقَدْ سَاقَهُ يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ عَنْهُ مُخْتَصَرًا، وَلَفْظُهُ: فَأَخَذْنَ قَصَبَةً يَتَذَارَعْنَهَا، فَمَاتَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ، وَكَانَتْ كَثِيرَةَ الصَّدَقَةِ، فَعَلِمْنَا أَنَّهُ قَالَ: أَطْوَلُكُنَّ يَدًا بِالصَّدَقَةِ.

هَذَا لَفَظَهُ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ بْنِ مُدْرِكٍ عَنْهُ، وَلَفْظُهُ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ، وَهُوَ الْحَرَّانِيُّ عَنْهُ: فَأَخَذْنَ قَصَبَةً فَجَعَلْنَ يَذْرَعْنَهَا، فَكَانَتْ سَوْدَةُ أَسْرَعَهُنَّ بِهِ لُحُوقًا، وَكَانَتْ أَطْوَلَهُنَّ يَدًا، وَكَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ كَثْرَةِ الصَّدَقَةِ. وَهَذَا السِّيَاقُ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ إِلَّا أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ دُخُولِ الْوَهْمِ عَلَى الرَّاوِي فِي التَّسْمِيَةِ خَاصَّةً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي الْحَدِيثِ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ ظَاهِرٌ، وَفِيهِ جَوَازُ إِطْلَاقِ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ بِغَيْرِ قَرِينَةٍ وَهُوَ لَفْظُ أَطُولُكُنَّ، إِذَا لَمْ يَكُنْ مَحْذُورٌ. قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: لَمَّا كَانَ السُّؤَالُ عَنْ آجَالٍ مُقَدَّرَةٍ لَا تُعْلَمُ إِلَّا بِالْوَحْيِ أَجَابَهُنَّ بِلَفْظٍ غَيْرِ صَرِيحٍ، وَأَحَالَهُنَّ عَلَى مَا لَا يَتَبَيَّنُ إِلَّا بِآخَرَ. وَسَاغَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ لَيْسَ مِنَ الْأَحْكَامِ التَّكْلِيفِيَّةِ. وَفِيهِ أَنَّ مَنْ حَمَلَ الْكَلَامَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَحَقِيقَتِهِ لَمْ يُلَمْ، وَإِنْ كَانَ مُرَادُ الْمُتَكَلِّمِ مَجَازَهُ، لِأَنَّ نِسْوَةَ النَّبِيِّ حَمَلْنَ طُولَ الْيَدِ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِنَّ. وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ عَنْ مَيْمُونَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ لَهُنَّ: لَيْسَ ذَلِكَ أَعْنِي، إِنَّمَا أَعْنِي أَصْنَعُكُنَّ يَدًا. فَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا، وَلَوْ كَانَ ثَابِتًا لَمْ يَحْتَجْنَ بَعْدَ النَّبِيِّ إِلَى ذَرْعِ أَيْدِيهِنَّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ.

وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ لِلْمَعَانِي لَا لِلْأَلْفَاظِ، لِأَنَّ النِّسْوَةَ فَهِمْنَ مِنْ طُولِ الْيَدِ الْجَارِحَةَ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِالطُّولِ كَثْرَةُ الصَّدَقَةِ، وَمَا قَالَهُ لَا يُمْكِنُ اطِّرَادُهُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١٢ - بَاب صَدَقَةِ الْعَلَانِيَةِ

وَقَوْلِهِ ﷿: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾

١٣ - بَاب صَدَقَةِ السِّرِّ

وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ : وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا صَنَعَتْ يَمِينُهُ.

قَوْلِهِ تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ الْآيَةَ

قَوْلُهُ: (بَابُ صَدَقَةِ الْعَلَانِيَةِ، وَقَوْلُهُ ﷿: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، سَقَطَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ لِلْمُسْتَمْلِي وَثَبَتَتْ لِلْبَاقِينَ، وَبِهِ جَزَمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهَا لِمَنْ ثَبَّتَهَا حَدِيثٌ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ فِيهَا شَيْءٌ عَلَى شَرْطِهِ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ، فَعِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ فِيهِ ضَعْفٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، كَانَ عِنْدَهُ أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ، فَأَنْفَقَ بِاللَّيْلِ وَاحِدًا وَبِالنَّهَارِ وَاحِدًا وَفِي السِّرِّ وَاحِدًا وَفِي الْعَلَانِيَةِ وَاحِدًا، وَذَكَرَهُ الْكَلْبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا، وَزَادَ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ لَهُ: أَمَا إِنَّ ذَلِكَ لَكَ. وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي أَصْحَابِ الْخَيْلِ الَّذِينَ يَرْبُطُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ، وَعَنْ قَتَادَةَ وَغَيْرِهِ نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ أَنْفَقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا تَقْتِيرٍ، ذَكَرَهُ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي إِبَاحَةِ الِارْتِفَاقِ بِالزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ، لِأَنَّهُ يَرْتَفِقُ بِهَا كُلُّ مَارٍّ فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ فِي سِرٍّ وَعَلَانِيَةٍ وَكَانَتْ أَعَمَّ.

قَوْلُهُ: (بَابُ صَدَقَةِ السِّرِّ، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ : وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا صَنَعَتْ يَمِينُهُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ الْآيَةَ، وَإِذَا تَصَدَّقَ عَلَى غَنِيٍّ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ) ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الَّذِي خَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ، ثُمَّ زَانِيَةٍ، ثُمَّ غَنِيٍّ، كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ: بَابُ إِذَا تَصَدَّقَ عَلَى غَنِيٍّ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ. وَكَذَا هُوَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ. وَمُنَاسَبَتُهُ ظَاهِرَةٌ، وَيَكُونُ قَدِ اقْتَصَرَ فِي تَرْجَمَةِ صَدَقَةِ السِّرِّ عَلَى الْحَدِيثِ الْمُعَلَّقِ عَلَى الْآيَةِ، وَعَلَى مَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ فَيَحْتَاجُ إِلَى مُنَاسَبَةٍ بَيْنَ تَرْجَمَةِ صَدَقَةِ السِّرِّ وَحَدِيثِ الْمُتَصَدِّقِ، وَوَجْهُهَا أَنَّ الصَّدَقَةَ الْمَذْكُورَةَ وَقَعَتْ بِاللَّيْلِ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ. بَلْ وَقَعَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ لِقَوْلِهِ فِيهِ: لِأَتَصَدَّقَنَّ اللَّيْلَةَ. كَمَا سَيَأْتِي، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ صَدَقَتَهُ كَانَتْ سِرًّا إِذْ لَوْ كَانَتْ بِالْجَهْرِ نَهَارًا لَمَا خَفِيَ عَنْهُ حَالُ الْغَنِيِّ، لِأَنَّهَا فِي الْغَالِبِ لَا تَخْفَى، بِخِلَافِ الزَّانِيَةِ وَالسَّارِقِ، وَلِذَلِكَ خُصَّ الْغَنِيُّ بِالتَّرْجَمَةِ دُونَهُمَا.

وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُعَلَّقُ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ سَيَأْتِي بَعْدَ بَابٍ بِتَمَامِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي بَابِ مَنْ جَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ وَهُوَ أَقْوَى الْأَدِلَّةِ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ إِخْفَاءِ الصَّدَقَةِ، وَأَمَّا الْآيَةُ فَظَاهِرَةٌ فِي تَفْضِيلِ صَدَقَةِ السِّرِّ أَيْضًا، وَلَكِنْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، وَنَقَلَ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْإِعْلَانَ فِي صَدَقَةِ الْفَرْضِ أَفْضَلُ مِنَ الْإِخْفَاءِ، وَصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ عَلَى الْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ. وَخَالَفَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ فَقَالَ: إِنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الصَّدَقَةِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، قَالَ: فَالْمَعْنَى إِنْ تُؤْتُوهَا أَهْلَ الْكِتَابَيْنِ ظَاهِرَةً فَلَكُمْ فَضْلٌ، وَإِنْ تُؤْتُوهَا فُقَرَاءَكُمْ سِرًّا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ. قَالَ: وَكَانَ يَأْمُرُ بِإِخْفَاءِ الصَّدَقَةِ مُطْلَقًا. وَنَقَلَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ أَنَّ إِخْفَاءَ الزَّكَاةِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ كَانَ أَفْضَلَ، فَأَمَّا بَعْدَهُ فَإِنَّ الظَّنَّ يُسَاءُ بِمَنْ أَخْفَاهَا، فَلِهَذَا كَانَ إِظْهَارُ الزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ أَفْضَلَ، قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَيُشْبِهُ فِي زَمَانِنَا أَنْ يَكُونَ الْإِخْفَاءُ بِصَدَقَةِ الْفَرْضِ أَفْضَلَ، فَقَدْ كَثُرَ الْمَانِعُ لَهَا، وَصَارَ إِخْرَاجُهَا عُرْضَةً لِلرِّيَاءِ. انْتَهَى. وَأَيْضًا فَكَانَ السَّلَفُ يُعْطُونَ زَكَاتَهُمْ لِلسُّعَاةِ، وَكَانَ مَنْ أَخْفَاهَا اتُّهِمَ بِعَدَمِ الْإِخْرَاجِ، وَأَمَّا الْيَوْمَ فَصَارَ كُلُّ أَحَدٍ يُخْرِجُ زَكَاتَهُ بِنَفْسِهِ فَصَارَ إِخْفَاؤُهَا أَفْضَلَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: لَوْ قِيلَ إِنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ لَمَا كَانَ بَعِيدًا، فَإِذَا كَانَ الْإِمَامُ مَثَلًا جَائِرًا وَمَالَ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ مَخْفِيًّا فَالْإِسْرَارُ أَوْلَى، وَإِنْ كَانَ الْمُتَطَوِّعُ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ وَيُتَّبَعُ وَتَنْبَعِثُ الْهِمَمُ عَلَى التَّطَوُّعِ بِالْإِنْفَاقِ وَسَلِمَ قَصْدُهُ فَالْإِظْهَارُ أَوْلَى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(١١ م) هذا (بابٌ) بالتَّنوين من غير ترجمةٍ، فهو كالفصل من سابقه، وهو ساقطٌ في (١) رواية أبي ذرٍّ، فالحديث عنده من التَّرجمة السَّابقة.

١٤٢٠ - وبالسَّند (٢) قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح ابن عبد الله، اليشكريُّ (عَنْ فِرَاسٍ) بكسر الفاء وتخفيف الرَّاء، آخره سينٌ مُهمَلةٌ، ابن يحيى الخارفيِّ -بالخاء المعجمة والرَّاء والفاء- المُكتِب (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شراحيل (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع (عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ بَعْضَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ قُلْنَ) الضَّمير للبعض الغير المُعيَّنٍ (٣)، لكن عند ابن حبَّان من طريق يحيى بن حمَّاد عن أبي عَوانة بهذا الإسناد عن عائشة قالت: فقلت (لِلنَّبِيِّ : أَيُّنَا أَسْرَعُ بِكَ لُحُوقًا؟) نُصِب على التَّمييز، أي: يدركك بالموت، و «أيُّنا» بضمِّ التَّحتيَّة المُشدَّدة بغير علامة التَّأنيث؛ لقول سيبويه فيما نقله عنه الزَّمخشريُّ في سورة «لقمان»: أنَّها مثل «كلٍّ» في أنَّ إلحاق (٤) التَّاء لها غير فصيحٍ، وجملة: «أيُّنا أسرع» مبتدأٌ وخبرٌ (قَالَ) : (أَطْوَلُكُنَّ) بالرَّفع خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ دلَّ عليه السُّؤال، أي: أسرعُكنَّ لحوقًا بي أطولُكنَّ (يَدًا) نُصِبَ على التَّمييز، وكان القياس أن

يقول: طُولاكنَّ بوزن «فُعْلَى» لأنَّ في مثله يجوز الإفراد، والمطابقة لمن «أفعل» التَّفضيل له (فَأَخَذُوا قَصَبَةً يَذْرَعُونَهَا) بالذَّال المعجمة، أي (١): يقدِّرونها بذراع كلِّ واحدةٍ؛ كي يعلمن أيُّهن أطول جارحةً، والضَّمير في قوله: «فأخذوا ويذرعون» راجعٌ لمعنى الجمع لا لفظ جماعة النِّساء، وإلَّا لقال: فأخذن قصبةً يذرعْنَها، أو عدل إليه تعظيمًا لشأنهنَّ؛ كقوله: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢] وكقوله:

......................... … وإن شئت حرَّمتُ النِّساء سِواكمُ

(فَكَانَتْ سَوْدَةُ) بفتح السِّين، بنت زمعة؛ كما زاده ابن سعدٍ: (أَطْوَلَهُنَّ يَدًا) من طريق المساحة (فَعَلِمْنَا بَعْدُ) أي: بعدَ أن تقرَّر كونُ سودةَ أطولهنَّ يدًا بالمساحة (أَنَّمَا) بفتح الهمزة؛ لكونه في موضع المفعول لـ «عَلِمْنا» (كَانَتْ طُولَ يَدِهَا الصَّدَقَةُ) اسم «كان»، و «طولَ يدِها» خبرٌ مُقدَّمٌ، أي: علمنا أنَّه لم يُرِدْ باليدِ العضوَ، وبالطُّول طولَها، بل أراد: العطاء وكثرته، فاليد هنا استعارةٌ للصَّدقة، والطُّول ترشيحٌ لها؛ لأنَّه ملائمٌ للمُستعار منه (وَكَانَتْ أَسْرَعَنَا لُحُوقًا بِهِ) (وَكَانَتْ تُحِبُّ الصَّدَقَةَ) واستُشكِل هذا بما ثبت مِنْ تقدُّم موت (٢) زينب تأخُّر سَوْدة بعدها، وأجاب ابن رُشَيدٍ بأنَّ عائشة لا تعني سَوْدَةَ بقولها: «فعلمنا بعدُ» أي: بعد أن أخبرت عن سَوْدة بالطُّول الحقيقيِّ، ولم تذكر (٣) سببًا للرُّجوع عن الحقيقة إلى المجاز إلَّا الموت، فتعيَّن الحمل على المجاز. انتهى. وحينئذٍ (٤) فالضَّمير في «وكانت» في الموضعين عائدٌ على الزَّوجة التي عناها بقوله (٥): «أطولكنَّ يدًا»، وإن كانت لم تُذكر (٦)؛ إذ هو متعيِّنٌ لقيام الدَّليل على أنَّها زينب بنت جحشٍ؛ كما في «مسلمٍ» من طريق عائشة بنت طلحة عن عائشة بلفظ: «فكانت أطولنا يدًا زينب بنت

جحشٍ؛ لأنَّها كانت تعمل وتصدَّقُ» (١) مع اتِّفاقهم على أنَّها أوَّلهنَّ موتًا، فتعيَّن أن تكون هي المرادة، وهذا من إضمار ما لا يصلح غيره؛ كقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ (٢) [ص: ٣٢] وعلى هذا فلم تكن (٣) سَوْدَةُ مرادةً قطعًا، وليس الضَّمير عائدًا عليها، لكن يعكِّر (٤) على هذا ما وقع من التَّصريح بسَودة عند المؤلِّف في «تاريخه الصَّغير» عن موسى بن إسماعيل بهذا السَّند بلفظ: «فكانت سودة أسرعنا»، وقول بعضهم: إنَّه يُجمَع بين روايتي «البخاريِّ» و «مسلمٍ» بأنَّ زينب لم تكن حاضرةً خطابه بذلك، فالأوَّليَّة (٥) لسودة؛ باعتبار من حضر إذ ذاك مُعارَضٌ بما رواه ابن حبَّان من رواية يحيى بن حمَّادٍ: أنَّ نساء النَّبيِّ اجتمعن عنده، فلم يغادر منهنَّ واحدةً، وأجاب الحافظ ابن حجرٍ بأنَّه يمكن أن يكون تفسيره بسودة (٦) من أبي عَوانة؛ لكون غيرها لم يتقدَّم له ذكرٌ؛ لأنَّ ابن عُيَيْنَة، عن فراسٍ قد خالفه في ذلك، وروى يونس بن بكيرٍ في «زيادة المغازي»، والبيهقيُّ في «الدَّلائل» بإسناده عنه عن زكريَّا بن أبي زائدة عن الشَّعبيِّ التَّصريح بأنَّ ذلك لزينب (٧)، لكن قَصَّر زكريَّا في إسناده فلم يذكر مسروقًا ولا عائشة ولفظه: فلمَّا تُوفِّيت زينب علمن أنَّها كانت أطولهنَّ يدًا في الخير والصَّدقة، ويؤيِّده ما رواه الحاكم في «المناقب» من «مُستدرَكه»، ولفظه: قالت عائشة: فكنَّا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة النَّبيِّ نمدُّ أيدينا في الجدار نتطاول، فلم نَزَلْ نفعل ذلك حتَّى تُوفِّيت زينب بنت جحشٍ، وكانت امرأةً قصيرةً ولم تكن أطولنا، فعرفنا حينئذٍ أنَّ النَّبيَّ إنَّما أراد بطول اليد الصَّدقَة، وكانت زينب امرأةً صنَاعة باليد، تدبغ وتخرز وتَصَدَّق (٨) في

سبيل الله، قال الحاكم: على شرط مسلمٍ، وهي روايةٌ مفسِّرةٌ مبيِّنةٌ مرجِّحةٌ لرواية عائشة بنت طلحة في أمر زينب، وروى ابن أبي خيثمة من طريق القاسم بن معنٍ قال: كانت زينب أوَّل نساء النَّبيِّ ، أي: لحوقًا به، فهذه رواياتٌ يعضد بعضها بعضًا، ويحصل من مجموعها أنَّ في رواية أبي عَوانة وهمًا.

(١٢) (باب صَدَقَةِ العَلَانِيَةِ، وَقَوْلِهِ) ﷿، بالجرِّ عطفًا على سابقه: (﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٤]) أي: يعمرون الأوقات والأحوال بالخيرات، وروى عبد الرَّزَّاق بسندٍ فيه ضعفٌ: أنَّها نزلت في عليِّ بن أبي طالبٍ، كان عنده أربعة دراهم، فأنفق باللَّيل واحدًا، وبالنَّهار واحدًا، وفي السِّرِّ واحدًا، وفي العلانية واحدًا، وأخرج ابن أبي حاتمٍ من حديث أبي أُمامة: أنَّها نزلت (١) في الخيل التي يربطونها في سبيل الله، ولم يذكر حديثًا وكأنَّه لم يرَ فيه شيئًا على شرطه، وسقطت هذه التَّرجمة للمُستملي.

(١٣) (باب صَدَقَةِ السِّرِّ، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ) ممَّا وصله المؤلِّف من حديثٍ في «باب من جلس في المسجد ينتظر الصَّلاة» [خ¦٦٦٠] (عَنِ النَّبِيِّ : وَرَجُلٌ) الواو حكايةٌ لعطفه على ما ذُكِرَ قبله في الحديث (تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا صَنَعَتْ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ

«ما تنفق» (يَمِينُهُ) وهذا -كما قاله ابن بطَّال- مثالٌ ضربه في المبالغة في الاستتار بالصَّدقة؛ لقرب الشِّمال من اليمين، وإنَّما أراد: أن (١) لو قَدِرَ ألَّا يعلم من يكون على شماله من النَّاس، نحو: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] لأنَّ الشِّمال لا تُوصَف بالعلم، فهو من باب مجاز الحذف، وألطف منه ما قاله ابن المُنيِّر: أن يُراد لو أمكن أن يخفي صدقته عن نفسه لفعل، فكيف لا يخفيها عن غيره؟ والإخفاء عن النَّفس يمكن باعتبارٍ، وهو أن يتغافل المتصدِّق عن الصَّدقة ويتناساها حتَّى ينساها، وهذا ممدوح الكرام (٢) شرعًا وعُرفًا.

(وقوله) ﷿: (﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾) فنِعْمَ شيئًا إبداؤها (﴿وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء﴾) أي: تعطوها مع الإخفاء (﴿فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ﴾ الاية [البقرة: ٢٧١]) فالإخفاء خيرٌ لكم، وهذا في التَّطوُّع (٣) ولمن لم (٤) يُعرَف بالمال، فإنَّ إبداء الفرض لغيره أفضل لنفي التُّهم، ولغير أبي ذرٍّ: «وقال الله تعالى: ﴿وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ﴾»، ولم يذكر هنا

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا قَالَ أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغِنَى وَلَا تُمْهِلُ حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ قُلْتَ لِفُلَانٍ كَذَا وَلِفُلَانٍ كَذَا وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ"

[الحديث ١٤١٩ - طرفه في: ٢٧٤٨]

قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ صَدَقَةِ الشَّحِيحِ الصَّحِيحِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ: أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ، وَصَدَقَةُ الشَّحِيحِ الصَّحِيحِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ الْآيَةَ، فَعَلَى الْأَوَّلِ الْمُرَادُ فَضْلُ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِ وَهُوَ وَاضِحٌ، وَعَلَى الثَّانِي كَأَنَّهُ تَرَدَّدَ فِي إِطْلَاقِ أَفْضَلِيَّةِ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ، فَأَوْرَدَ التَّرْجَمَةَ بِصِيغَةِ الِاسْتِفْهَامِ، قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ مَا مُلَخَّصُهُ: مُنَاسَبَةُ الْآيَةِ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ التَّحْذِيرُ مِنَ التَّسْوِيفِ بِالْإِنْفَاقِ اسْتِبْعَادًا لِحُلُولِ الْأَجَلِ وَاشْتِغَالًا بِطُولِ الْأَمَلِ، وَالتَّرْغِيبُ فِي الْمُبَادَرَةِ بِالصَّدَقَةِ قَبْلَ هُجُومِ الْمَنِيَّةِ وَفَوَاتِ الْأُمْنِيَةِ. وَالْمُرَادُ بِالصِّحَّةِ فِي الْحَدِيثِ مَنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي مَرَضٍ مَخُوفٍ فَيَتَصَدَّقُ عِنْدَ انْقِطَاعِ أَمَلِهِ مِنَ الْحَيَاةِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي آخِرِهِ بِقَوْلِهِ: وَلَا تُمْهِلْ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ، وَلَمَّا كَانَتْ مُجَاهَدَةُ النَّفْسِ عَلَى إِخْرَاجِ الْمَالِ مَعَ قِيَامِ مَانِعِ الشُّحِّ دَالًّا عَلَى صِحَّةِ الْقَصْدِ وَقُوَّةِ الرَّغْبَةِ فِي الْقُرْبَةِ كَانَ ذَلِكَ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ نَفْسَ الشُّحِّ هُوَ السَّبَبُ فِي هَذِهِ الْأَفْضَلِيَّةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ تَقْدِيمُ آيَةِ الْمُنَافِقِينَ عَلَى آيَةِ الْبَقَرَةِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ بِالْعَكْسِ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ) هُوَ ابْنُ زِيَادٍ.

قَوْلُهُ: (جَاءَ رَجُلٌ) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَتِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَبَا ذَرٍّ، فَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ عَنْهُ أَنَّهُ سَأَلَ: أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ، لَكِنَّ فِي الْجَوَابِ: جُهْدٌ مِنْ مُقِلٍّ، أَوْ سَرٍّ إِلَى فَقِيرٍ، وَكَذَا رَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ سَأَلَ فَأُجِيبُ.

قَوْلُهُ: (أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا) فِي الْوَصَايَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ: أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ.

قَوْلُهُ: (أَنْ تَصَّدَّقَ) بِتَشْدِيدِ الصَّادِ وَأَصْلُهُ تَتَصَدَّقَ، فَأُدْغِمَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ.

قَوْلُهُ: (وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ) فِي الْوَصَايَا: وَأَنْتَ صَحِيحٌ حَرِيصٌ. قَالَ صَاحِبُ الْمُنْتَهَى: الشُّحُّ بُخْلٌ مَعَ حِرْصٍ. وَقَالَ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ: الشُّحُّ مُثَلَّثُ الشِّينِ وَالضَّمُّ أَعْلَى. وَقَالَ صَاحِبُ الْجَامِعِ: كَأَنَّ الْفَتْحَ فِي الْمَصْدَرِ وَالضَّمَّ فِي الِاسْمِ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِيهِ أَنَّ الْمَرَضَ يُقَصِّرُ يَدَ الْمَالِكِ عَنْ بَعْضِ مِلْكِهِ، وَأَنَّ سَخَاوَتَهُ بِالْمَالِ فِي مَرَضِهِ لَا تَمْحُو عَنْهُ سِيمَةَ الْبُخْلِ، فَلِذَلِكَ شَرَطَ صِحَّةَ الْبَدَنِ فِي الشُّحِّ بِالْمَالِ، لِأَنَّهُ فِي الْحَالَتَيْنِ يَجِدُ لِلْمَالِ وَقْعًا فِي قَلْبِهِ لِمَا يَأْمُلُهُ مِنَ الْبَقَاءِ فَيَحْذَرُ مَعَهُ الْفَقْرَ، وَأَحَدُ الْأَمْرَيْنِ لِلْمُوصِي وَالثَّالِثُ لِلْوَارِثِ، لِأَنَّهُ إِذَا شَاءَ أَبْطَلَهُ. قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الثَّالِثُ لِلْمُوصِي أَيْضًا لِخُرُوجِهِ عَنِ الِاسْتِقْلَالِ بِالتَّصَرُّفِ فِيمَا يَشَاءُ، فَلِذَلِكَ نَقَصَ ثَوَابُهُ عَنْ حَالِ الصِّحَّةِ. قَالَ ابنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ: لَمَّا كَانَ الشُّحُّ غَالِبًا فِي الصِّحَّةِ فَالسَّمَاحُ فِيهِ بِالصَّدَقَةِ أَصْدَقُ فِي النِّيَّةِ وَأَعْظَمُ لِلْأَجْرِ، بِخِلَافِ مَنْ يَئِسَ مِنَ الْحَيَاةِ، وَرَأَى مَصِيرَ الْمَالِ لِغَيْرِهِ.

قَوْلُهُ: (وَتَأْمُلُ) بِضَمِّ الْمِيمِ أَيْ: تَطْمَعُ.

قَوْلُهُ: (إِذَا بَلَغَتْ) أَيِ: الرُّوحُ، وَالْمُرَادُ قَارَبَتْ بُلُوغَهُ، إِذْ لَوْ بَلَغَتْهُ حَقِيقَةً لَمْ يَصِحَّ شَيْءٌ مِنْ تَصَرُّفَاتِهِ. وَلَمْ يَجْرِ لِلرُّوحِ ذِكْرٌ اغْتِنَاءً بِدَلَالَةِ السِّيَاقِ. وَالْحُلْقُومُ مَجْرَى النَّفَسِ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْعِلْمِ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الْوَصَايَا، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

باب

١٤٢٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ فِرَاسٍ، عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ

عَائِشَةَ أَنَّ بَعْضَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ قُلْنَ لِلنَّبِيِّ : أَيُّنَا أَسْرَعُ بِكَ لُحُوقًا؟ قَالَ: أَطْوَلُكُنَّ يَدًا، فَأَخَذُوا قَصَبَةً يَذْرَعُونَهَا، فَكَانَتْ سَوْدَةُ أَطْوَلَهُنَّ يَدًا، فَعَلِمْنَا بَعْدُ أَنَّمَا كَانَتْ طُولَ يَدِهَا الصَّدَقَةُ، وَكَانَتْ أَسْرَعَنَا لُحُوقًا بِهِ، وَكَانَتْ تُحِبُّ الصَّدَقَةَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَبِهِ جَزَمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَسَقَطَ لِأَبِي ذَرٍّ، فَعَلَى رِوَايَتِهِ هُوَ مِنْ تَرْجَمَةِ فَضْلِ صَدَقَةِ الصَّحِيحِ، وَعَلَى رِوَايَةِ غَيْرِهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْفَصْلِ مِنْهُ، وَأَوْرَدَ فِيهِ الْمُصَنِّفُ قِصَّةَ سُؤَالِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ مِنْهُ: أَيَّتُهُنَّ أَسْرَعُ لُحُوقًا بِهِ، وَفِيهِ قَوْلُهُ لَهُنَّ: أَطْوَلُكُنَّ يَدًا. الْحَدِيثَ. وَوَجْهُ تَعَلُّقِهِ بِمَا قَبْلَهُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ تَضَمَّنَ أَنَّ الْإِيثَارَ وَالِاسْتِكْثَارَ مِنَ الصَّدَقَةِ فِي زَمَنِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْعَمَلِ سَبَبٌ لِلَّحَاقِ بِالنَّبِيِّ ، وَذَلِكَ الْغَايَةُ فِي الْفَضِيلَةِ، أَشَارَ إِلَى هَذَا الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ. وقَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: وَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ أَنَّهُ تَبَيَّنَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُرَادَ بِطُولِ الْيَدِ الْمُقْتَضِي لِلَّحَاقِ بِهِ الطَّوْلُ (١)، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَتَأَتَّى لِلصَّحِيحِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِالْمُدَاوَمَةِ فِي حَالِ الصِّحَّةِ، وَبِذَلِكَ يَتِمُّ الْمُرَادُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (إِنَّ بَعْضَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ لَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِ السَّائِلَةِ مِنْهُنَّ عَنْ ذَلِكَ، إِلَّا عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ حَمَّادٍ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ: قَالَتْ: فَقُلْتُ. بِالْمُثَنَّاةِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ: فَقُلْنَ بِالنُّونِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (أَسْرَعُ بِكَ لُحُوقًا) مَنْصُوبٌ عَلَى التَّمْيِيزِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: يَدًا، وَأَطُولُكُنَّ مَرْفُوعٌ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.

قَوْلُهُ: (فَأَخَذُوا قَصَبَةً يَذْرَعُونَهَا) أَيْ: يُقَدِّرُونَهَا بِذِرَاعِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ بِلَفْظِ جَمْعِ الْمُذَكَّرِ بِالنَّظَرِ إِلَى لَفْظِ الْجَمْعِ لَا بِلَفْظِ جَمَاعَةِ النِّسَاءِ، وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ:

وَإِنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمْ

أَنَّهُ ذَكَرَهُ بِلَفْظِ جَمْعِ الْمُذَكَّرِ تَعْظِيمًا. وَقَوْلُهُ: أَطُولُكُنَّ يُنَاسِبُ ذَلِكَ، وَإِلَّا لَقَالَ: طُولَاكُنَّ.

قَوْلُهُ: (فَكَانَتْ سَوْدَةُ) زَادَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ عَفَّانَ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ: بِنْتُ زَمْعَةَ بْنِ قَيْسٍ.

قَوْلُهُ: (أَطْوَلُهُنَّ يَدًا) فِي رِوَايَةِ عَفَّانَ: ذِرَاعًا، وَهِيَ تُعِينُ أَنَّهُنَّ فَهِمْنَ مِنْ لَفْظِ الْيَدِ الْجَارِحَةَ.

قَوْلُهُ: (فَعَلِمْنَا بَعْدُ) أَيْ: لَمَّا مَاتَتْ أَوَّلُ نِسَائِهِ بِهِ لُحُوقًا.

قَوْلُهُ: (إِنَّمَا) بِالْفَتْحِ، وَالصَّدَقَةُ بِالرَّفْعِ، وَطُولَ يَدِهَا بِالنَّصْبِ لِأَنَّهُ الْخَبَرُ.

قَوْلُهُ: (وَكَانَتْ أَسْرَعَنَا) كَذَا وَقَعَ فِي الصَّحِيحِ بِغَيْرِ تَعْيِينٍ، وَوَقَعَ فِي التَّارِيخِ الصَّغِيرِ لِلْمُصَنِّفِ عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ: فَكَانَتْ سَوْدَةُ أَسْرَعَنَا إِلَخْ. وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ الْعَبَّاسِ الدُّورِيِّ، عَنْ مُوسَى، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ عَفَّانَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَابْنِ سَعْدٍ عَنْهُ: قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: قَالَ لَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ - يَعْنِي الْوَاقِدِيَّ - هَذَا الْحَدِيثُ: وُهِلَ فِي سَوْدَةَ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، فَهِيَ أَوَّلُ نِسَائِهِ بِهِ لُحُوقًا، وَتُوُفِّيَتْ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ وَبَقِيَتْ سَوْدَةُ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَتْ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ. قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: هَذَا الْحَدِيثُ سَقَطَ مِنْهُ ذِكْرُ زَيْنَبَ لِاتِّفَاقِ أَهْلِ السِّيَرِ عَلَى أَنَّ زَيْنَبَ أَوَّلُ مَنْ مَاتَ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ، يَعْنِي أَنَّ الصَّوَابَ: وَكَانَتْ زَيْنَبُ أَسْرَعَنَا إِلَخْ، وَلَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ تِلْكَ الرِّوَايَاتُ الْمُتَقَدِّمَةُ الْمُصَرَّحُ فِيهَا بِأَنَّ الضَّمِيرَ لِسَوْدَةَ. وَقَرَأْتُ بِخَطِّ الْحَافِظِ أَبِي عَلِيٍّ الصَّدَفِيِّ: ظَاهِرُ هَذَا اللَّفْظِ أَنَّ سَوْدَةَ كَانْتَ أَسْرَعَ، وَهُوَ خِلَافُ الْمَعْرُوفِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ زَيْنَبَ أَوَّلُ مَنْ مَاتَ مِنَ الْأَزْوَاجِ، ثُمَّ نَقَلَهُ عَنْ مَالِكٍ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنِ الْوَاقِدِيِّ، قَالَ: وَيُقَوِّيهِ رِوَايَةُ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ.

وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: هَذَا الْحَدِيثُ غَلَطٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَالْعَجَبُ مِنَ الْبُخَارِيِّ، كَيْفَ لَمْ يُنَبِّهْ عَلَيْهِ وَلَا أَصْحَابُ التَّعَالِيقِ، وَلَا عَلِمَ بِفَسَادِ

ذَلِكَ الْخَطَّابِيُّ، فَإِنَّهُ فَسَّرَهُ، وَقَالَ: لُحُوقُ سَوْدَةَ بِهِ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ. وَكُلُّ ذَلِكَ وَهَمٌ، وَإِنَّمَا هِيَ زَيْنَبُ، فَإِنَّهَا كَانَتْ أَطْوَلَهُنَّ يَدًا بِالْعَطَاءِ كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ بِلَفْظِ: فَكَانَتْ أَطْوَلَنَا يَدًا زينب، لِأَنَّهَا كَانَتْ تَعْمَلُ وَتَتَصَدَّقُ. انْتَهَى. وَتَلَقَّى مُغَلْطَايْ كَلَامَ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، فَجَزَمَ بِهِ وَلَمْ يَنْسُبْهُ لَهُ. وَقَدْ جَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، فَقَالَ الطِّيبِيُّ: يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِيمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ: الْمُرَادُ الْحَاضِرَاتُ مِنْ أَزْوَاجِهِ دُونَ زَيْنَبَ، وَكَانَتْ سَوْدَةُ أَوَّلُهُنَّ مَوْتًا. قُلْتُ: وَقَدْ وَقَعَ نَحْوُهُ فِي كَلَامِ مُغَلْطَايْ، لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَى هَذَا أَنَّ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ حَمَّادٍ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ اجْتَمَعْنَ عِنْدَهُ لَمْ تُغَادِرْ مِنْهُنَّ وَاحِدَةٌ، ثُمَّ هُوَ مَعَ ذَلِكَ إِنَّمَا يَتَأَتَّى عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي وَفَاةِ سَوْدَةَ، فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَى سَعِيدِ بْنِ هِلَالٍ، أَنَّهُ قَالَ: مَاتَتْ سَوْدَةُ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ، وَجَزَمَ الذَّهَبِيُّ فِي التَّارِيخِ الْكَبِيرِ بِأَنَّهَا مَاتَتْ فِي آخِرِ خِلَافَةِ عُمَرَ، وَقَالَ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ: أَنَّهُ الْمَشْهُورُ. وَهَذَا يُخَالِفُ مَا أَطْلَقَهُ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ حَيْثُ قَالَ: أَجْمَعَ أَهْلُ السِّيَرِ عَلَى أَنَّ زَيْنَبَ أَوَّلُ مَنْ مَاتَ مِنْ أَزْوَاجِهِ. وَسَبَقَهُ إِلَى نَقْلِ الِاتِّفَاقِ ابْنُ بَطَّالٍ كَمَا تَقَدَّمَ.

وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ النَّقْلَ مُقَيَّدٌ بِأَهْلِ السِّيَرِ، فَلَا يَرِدُ نَقْلُ قَوْلِ مَنْ خَالَفَهُمْ مِنْ أَهْلِ النَّقْلِ مِمَّنْ لَا يَدْخُلُ فِي زُمْرَةِ أَهْلِ السِّيَرِ. وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ الْوَاقِدِيِّ الَّذِي تَقَدَّمَ فَلَا يَصِحُّ. وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ بَطَّالٍ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: فَكَانَتْ لِزَيْنَبَ وَذَكَرْتُ مَا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ، لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ تَفْسِيرُهُ بِسَوْدَةَ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ لِكَوْنِ غَيْرِهَا لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ، فَلَمَّا لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى قِصَّةِ زَيْنَبَ وَكَوْنِهَا أَوَّلَ الْأَزْوَاجِ لُحُوقًا بِهِ جَعَلَ الضَّمَائِرَ كُلَّهَا لِسَوْدَةَ، وَهَذَا عِنْدِي مِنْ أَبِي عَوَانَةَ، فَقَدْ خَالَفَهُ فِي ذَلِكَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ فِرَاسٍ كَمَا قَرَأْتُ بِخَطِّ ابْنِ رَشِيدٍ أَنَّهُ قَرَأَهُ بِخَطِّ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ الْوَرْدِ، وَلَمْ أَقِفْ إِلَى الْآنَ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ هَذِهِ، لَكِنْ رَوَى يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ فِي زِيَادَاتِ الْمَغَازِي وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ بِإِسْنَادِهِ عَنْهُ، عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ التَّصْرِيحَ بِأَنَّ ذَلِكَ لِزَيْنَبَ، لَكِنْ قَصَّرَ زَكَرِيَّا فِي إِسْنَادِهِ فَلَمْ يَذْكُرْ مَسْرُوقًا وَلَا عَائِشَةَ، وَلَفْظُهُ: قُلْنَ النِّسْوَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ : أَيُّنَا أَسْرَعُ بِكَ لُحُوقًا؟ قَالَ: أَطْوَلُكُنَّ يَدًا. فَأَخَذْنَ يَتَذَارَعْنَ أَيَّتُهُنَّ أَطْوَلُ يَدًا، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ زَيْنَبُ عَلِمْنَ أَنَّهَا كَانَتْ أَطْوَلَهُنَّ يَدًا فِي الْخَيْرِ وَالصَّدَقَةِ. وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا مَا رَوَى الْحَاكِمُ فِي الْمَنَاقِبِ مِنْ مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لِأَزْوَاجِهِ: أَسْرَعُكُنَّ لُحُوقًا بِي أَطْوَلُكُنَّ يَدًا.

قَالَتْ عَائِشَةُ: فَكُنَّا إِذَا اجْتَمَعْنَا فِي بَيْتِ إِحْدَانَا بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ نَمُدُّ أَيْدِيَنَا فِي الْجِدَارِ نَتَطَاوَلُ، فَلَمْ نَزَلْ نَفْعَلُ ذَلِكَ حَتَّى تُوُفِّيَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ - وَكَانَتِ امْرَأَةً قَصِيرَةً، وَلَمْ تَكُنْ أَطْوَلَنَا - فَعَرَفْنَا حِينَئِذٍ أَنَّ النَّبِيَّ إِنَّمَا أَرَادَ بِطُولِ الْيَدِ الصَّدَقَةَ، وَكَانَتْ زَيْنَبُ امْرَأَةَ صِنَاعَةٍ بِالْيَدِ، وَكَانَتْ تَدْبُغُ وَتَخْرُزُ وَتَصَدَّقُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. قَ لَ الْحَاكِمُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ. انْتَهَى.

وَهِيَ رِوَايَةٌ مُفَسِّرَةٌ مُبَيِّنَةٌ مُرَجِّحَةٌ لِرِوَايَةِ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ فِي أَمْرِ زَيْنَبَ، قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ عَائِشَةَ لَا تَعْنِي سَوْدَةَ قَوْلُهَا فَعَلِمْنَا بَعْدُ إِذْ قَدْ أَخْبَرَتْ عَنْ سَوْدَةَ بِالطُّولِ الْحَقِيقِيِّ، وَلَمْ تَذْكُرْ سَبَبَ الرُّجُوعِ عَنِ الْحَقِيقَةِ إِلَى الْمَجَازِ إِلَّا الْمَوْتَ، فَإِذَا طَلَبَ السَّامِعُ سَبَبَ الْعُدُولِ لَمْ يَجِدْ إِلَّا الْإِضْمَارَ مَعَ أَنَّهُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى، فَعَلِمْنَا بَعْدُ أَنَّ الْمُخْبَرَ عَنْهَا إِنَّمَا هِيَ الْمَوْصُوفَةُ بِالصَّدَقَةِ لِمَوْتِهَا قَبْلَ الْبَاقِيَاتِ، فَيَنْظُرُ السَّامِعُ وَيَبْحَثُ فَلَا يَجِدُ إِلَّا زَيْنَبَ، فَيَتَعَيَّنُ الْحَمْلُ عَلَيْهِ، وَهُوَ مِنْ بَابِ إِضْمَارِ مَا لَا يَصْلُحُ غَيْرُهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: وَجْهُ الْجَمْعِ أَنَّ قَوْلَهَا: فَعَلِمْنَا بَعْدُ يُشْعِرُ إِشْعَارًا قَوِيًّا أَنَّهُنَّ حَمَلْنَ طُولَ الْيَدِ عَلَى ظَاهِرِهِ، ثُمَّ عَلِمْنَ بَعْدَ ذَلِكَ خِلَافَهُ، وَأَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ كَثْرَةِ الصَّدَقَةِ، وَالَّذِي عَلِمْنَهُ آخِرًا خِلَافَ مَا اعْتَقَدْنَهُ أَوَّلًا، وَقَدِ انْحَصَرَ الثَّانِي فِي زَيْنَبَ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهَا أَوَّلُهُنَّ

مَوْتًا، فَتَعَيَّنَ أَنْ تَكُونَ هِيَ الْمُرَادَةُ. وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ الضَّمَائِرِ بَعْدَ قَوْلِهِ: فَكَانَتْ وَاسْتَغْنَى عَنْ تَسْمِيَتِهَا لِشُهْرَتِهَا بِذَلِكَ. انْتَهَى. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ فِي الْحَدِيثِ اخْتِصَارًا أَوِ اكْتِفَاءً بِشُهْرَةِ الْقِصَّةِ لِزَيْنَبَ، وَيُؤَوَّلُ الْكَلَامُ بِأَنَّ الضَّمِيرَ رَجَعَ إِلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ أَنَّهَا أَوَّلُ مَنْ يَلْحَقُ بِهِ، وَكَانَتْ كَثِيرَةَ الصَّدَقَةِ.

قُلْتُ: الْأَوَّلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَكَأَنَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي كَوْنِ الْبُخَارِيِّ حَذَفَ لَفْظَ سَوْدَةَ مِنْ سِيَاقِ الْحَدِيثِ لَمَّا أَخْرَجَهُ فِي الصَّحِيحِ لِعِلْمِهِ بِالْوَهْمِ فِيهِ، وَإِنَّهُ لَمَّا سَاقَهُ فِي التَّارِيخِ بِإِثْبَاتِ ذِكْرِهَا ذَكَرَ مَا يَرُدُّ عَلَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ أَيْضًا، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ عُمَرَ عَلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَكَانَتْ أَوَّلَ نِسَاءِ النَّبِيِّ لُحُوقًا بِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى تَارِيخِ وَفَاتِهَا فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ، وَأَنَّهُ سَنَةَ عِشْرِينَ. وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ بَرْزَةَ بِنْتِ رَافِعٍ قَالَتْ: لَمَّا خَرَجَ الْعَطَاءُ أَرْسَلَ عُمَرُ إِلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ بِالَّذِي لَهَا، فَتَعَجَّبَتْ وَسَتَرَتْهُ بِثَوْبٍ، وَأَمَرَتْ بِتَفْرِقَتِهِ، إِلَى أَنْ كُشِفَ الثَّوْبُ فَوَجَدَتْ تَحْتَهُ خَمْسَةً وَثَمَانِينَ دِرْهَمًا، ثُمَّ قَالَتْ: اللَّهُمَّ لَا يُدْرِكُنِي عَطَاءٌ لِعُمَرَ بَعْدَ عَامِي هَذَا، فَمَاتَتْ، فَكَانَتْ أَوَّلَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ لُحُوقًا بِهِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ مَعْنٍ قَالَ: كَانَتْ زَيْنَبُ أَوَّلَ نِسَاءِ النَّبِيِّ لُحُوقًا بِهِ. فَهَذِهِ رِوَايَاتٌ يُعَضِّدُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَيَحْصُلُ مِنْ مَجْمُوعِهَا أَنَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ وَهْمًا. وَقَدْ سَاقَهُ يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ عَنْهُ مُخْتَصَرًا، وَلَفْظُهُ: فَأَخَذْنَ قَصَبَةً يَتَذَارَعْنَهَا، فَمَاتَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ، وَكَانَتْ كَثِيرَةَ الصَّدَقَةِ، فَعَلِمْنَا أَنَّهُ قَالَ: أَطْوَلُكُنَّ يَدًا بِالصَّدَقَةِ.

هَذَا لَفَظَهُ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ بْنِ مُدْرِكٍ عَنْهُ، وَلَفْظُهُ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ، وَهُوَ الْحَرَّانِيُّ عَنْهُ: فَأَخَذْنَ قَصَبَةً فَجَعَلْنَ يَذْرَعْنَهَا، فَكَانَتْ سَوْدَةُ أَسْرَعَهُنَّ بِهِ لُحُوقًا، وَكَانَتْ أَطْوَلَهُنَّ يَدًا، وَكَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ كَثْرَةِ الصَّدَقَةِ. وَهَذَا السِّيَاقُ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ إِلَّا أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ دُخُولِ الْوَهْمِ عَلَى الرَّاوِي فِي التَّسْمِيَةِ خَاصَّةً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي الْحَدِيثِ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ ظَاهِرٌ، وَفِيهِ جَوَازُ إِطْلَاقِ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ بِغَيْرِ قَرِينَةٍ وَهُوَ لَفْظُ أَطُولُكُنَّ، إِذَا لَمْ يَكُنْ مَحْذُورٌ. قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: لَمَّا كَانَ السُّؤَالُ عَنْ آجَالٍ مُقَدَّرَةٍ لَا تُعْلَمُ إِلَّا بِالْوَحْيِ أَجَابَهُنَّ بِلَفْظٍ غَيْرِ صَرِيحٍ، وَأَحَالَهُنَّ عَلَى مَا لَا يَتَبَيَّنُ إِلَّا بِآخَرَ. وَسَاغَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ لَيْسَ مِنَ الْأَحْكَامِ التَّكْلِيفِيَّةِ. وَفِيهِ أَنَّ مَنْ حَمَلَ الْكَلَامَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَحَقِيقَتِهِ لَمْ يُلَمْ، وَإِنْ كَانَ مُرَادُ الْمُتَكَلِّمِ مَجَازَهُ، لِأَنَّ نِسْوَةَ النَّبِيِّ حَمَلْنَ طُولَ الْيَدِ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِنَّ. وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ عَنْ مَيْمُونَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ لَهُنَّ: لَيْسَ ذَلِكَ أَعْنِي، إِنَّمَا أَعْنِي أَصْنَعُكُنَّ يَدًا. فَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا، وَلَوْ كَانَ ثَابِتًا لَمْ يَحْتَجْنَ بَعْدَ النَّبِيِّ إِلَى ذَرْعِ أَيْدِيهِنَّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ.

وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ لِلْمَعَانِي لَا لِلْأَلْفَاظِ، لِأَنَّ النِّسْوَةَ فَهِمْنَ مِنْ طُولِ الْيَدِ الْجَارِحَةَ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِالطُّولِ كَثْرَةُ الصَّدَقَةِ، وَمَا قَالَهُ لَا يُمْكِنُ اطِّرَادُهُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١٢ - بَاب صَدَقَةِ الْعَلَانِيَةِ

وَقَوْلِهِ ﷿: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾

١٣ - بَاب صَدَقَةِ السِّرِّ

وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ : وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا صَنَعَتْ يَمِينُهُ.

قَوْلِهِ تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ الْآيَةَ

قَوْلُهُ: (بَابُ صَدَقَةِ الْعَلَانِيَةِ، وَقَوْلُهُ ﷿: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، سَقَطَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ لِلْمُسْتَمْلِي وَثَبَتَتْ لِلْبَاقِينَ، وَبِهِ جَزَمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهَا لِمَنْ ثَبَّتَهَا حَدِيثٌ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ فِيهَا شَيْءٌ عَلَى شَرْطِهِ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ، فَعِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ فِيهِ ضَعْفٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، كَانَ عِنْدَهُ أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ، فَأَنْفَقَ بِاللَّيْلِ وَاحِدًا وَبِالنَّهَارِ وَاحِدًا وَفِي السِّرِّ وَاحِدًا وَفِي الْعَلَانِيَةِ وَاحِدًا، وَذَكَرَهُ الْكَلْبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا، وَزَادَ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ لَهُ: أَمَا إِنَّ ذَلِكَ لَكَ. وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي أَصْحَابِ الْخَيْلِ الَّذِينَ يَرْبُطُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ، وَعَنْ قَتَادَةَ وَغَيْرِهِ نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ أَنْفَقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا تَقْتِيرٍ، ذَكَرَهُ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي إِبَاحَةِ الِارْتِفَاقِ بِالزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ، لِأَنَّهُ يَرْتَفِقُ بِهَا كُلُّ مَارٍّ فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ فِي سِرٍّ وَعَلَانِيَةٍ وَكَانَتْ أَعَمَّ.

قَوْلُهُ: (بَابُ صَدَقَةِ السِّرِّ، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ : وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا صَنَعَتْ يَمِينُهُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ الْآيَةَ، وَإِذَا تَصَدَّقَ عَلَى غَنِيٍّ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ) ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الَّذِي خَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ، ثُمَّ زَانِيَةٍ، ثُمَّ غَنِيٍّ، كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ: بَابُ إِذَا تَصَدَّقَ عَلَى غَنِيٍّ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ. وَكَذَا هُوَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ. وَمُنَاسَبَتُهُ ظَاهِرَةٌ، وَيَكُونُ قَدِ اقْتَصَرَ فِي تَرْجَمَةِ صَدَقَةِ السِّرِّ عَلَى الْحَدِيثِ الْمُعَلَّقِ عَلَى الْآيَةِ، وَعَلَى مَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ فَيَحْتَاجُ إِلَى مُنَاسَبَةٍ بَيْنَ تَرْجَمَةِ صَدَقَةِ السِّرِّ وَحَدِيثِ الْمُتَصَدِّقِ، وَوَجْهُهَا أَنَّ الصَّدَقَةَ الْمَذْكُورَةَ وَقَعَتْ بِاللَّيْلِ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ. بَلْ وَقَعَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ لِقَوْلِهِ فِيهِ: لِأَتَصَدَّقَنَّ اللَّيْلَةَ. كَمَا سَيَأْتِي، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ صَدَقَتَهُ كَانَتْ سِرًّا إِذْ لَوْ كَانَتْ بِالْجَهْرِ نَهَارًا لَمَا خَفِيَ عَنْهُ حَالُ الْغَنِيِّ، لِأَنَّهَا فِي الْغَالِبِ لَا تَخْفَى، بِخِلَافِ الزَّانِيَةِ وَالسَّارِقِ، وَلِذَلِكَ خُصَّ الْغَنِيُّ بِالتَّرْجَمَةِ دُونَهُمَا.

وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُعَلَّقُ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ سَيَأْتِي بَعْدَ بَابٍ بِتَمَامِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي بَابِ مَنْ جَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ وَهُوَ أَقْوَى الْأَدِلَّةِ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ إِخْفَاءِ الصَّدَقَةِ، وَأَمَّا الْآيَةُ فَظَاهِرَةٌ فِي تَفْضِيلِ صَدَقَةِ السِّرِّ أَيْضًا، وَلَكِنْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، وَنَقَلَ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْإِعْلَانَ فِي صَدَقَةِ الْفَرْضِ أَفْضَلُ مِنَ الْإِخْفَاءِ، وَصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ عَلَى الْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ. وَخَالَفَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ فَقَالَ: إِنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الصَّدَقَةِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، قَالَ: فَالْمَعْنَى إِنْ تُؤْتُوهَا أَهْلَ الْكِتَابَيْنِ ظَاهِرَةً فَلَكُمْ فَضْلٌ، وَإِنْ تُؤْتُوهَا فُقَرَاءَكُمْ سِرًّا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ. قَالَ: وَكَانَ يَأْمُرُ بِإِخْفَاءِ الصَّدَقَةِ مُطْلَقًا. وَنَقَلَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ أَنَّ إِخْفَاءَ الزَّكَاةِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ كَانَ أَفْضَلَ، فَأَمَّا بَعْدَهُ فَإِنَّ الظَّنَّ يُسَاءُ بِمَنْ أَخْفَاهَا، فَلِهَذَا كَانَ إِظْهَارُ الزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ أَفْضَلَ، قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَيُشْبِهُ فِي زَمَانِنَا أَنْ يَكُونَ الْإِخْفَاءُ بِصَدَقَةِ الْفَرْضِ أَفْضَلَ، فَقَدْ كَثُرَ الْمَانِعُ لَهَا، وَصَارَ إِخْرَاجُهَا عُرْضَةً لِلرِّيَاءِ. انْتَهَى. وَأَيْضًا فَكَانَ السَّلَفُ يُعْطُونَ زَكَاتَهُمْ لِلسُّعَاةِ، وَكَانَ مَنْ أَخْفَاهَا اتُّهِمَ بِعَدَمِ الْإِخْرَاجِ، وَأَمَّا الْيَوْمَ فَصَارَ كُلُّ أَحَدٍ يُخْرِجُ زَكَاتَهُ بِنَفْسِهِ فَصَارَ إِخْفَاؤُهَا أَفْضَلَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: لَوْ قِيلَ إِنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ لَمَا كَانَ بَعِيدًا، فَإِذَا كَانَ الْإِمَامُ مَثَلًا جَائِرًا وَمَالَ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ مَخْفِيًّا فَالْإِسْرَارُ أَوْلَى، وَإِنْ كَانَ الْمُتَطَوِّعُ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ وَيُتَّبَعُ وَتَنْبَعِثُ الْهِمَمُ عَلَى التَّطَوُّعِ بِالْإِنْفَاقِ وَسَلِمَ قَصْدُهُ فَالْإِظْهَارُ أَوْلَى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(١١ م) هذا (بابٌ) بالتَّنوين من غير ترجمةٍ، فهو كالفصل من سابقه، وهو ساقطٌ في (١) رواية أبي ذرٍّ، فالحديث عنده من التَّرجمة السَّابقة.

١٤٢٠ - وبالسَّند (٢) قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح ابن عبد الله، اليشكريُّ (عَنْ فِرَاسٍ) بكسر الفاء وتخفيف الرَّاء، آخره سينٌ مُهمَلةٌ، ابن يحيى الخارفيِّ -بالخاء المعجمة والرَّاء والفاء- المُكتِب (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شراحيل (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع (عَنْ عَائِشَةَ : أَنَّ بَعْضَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ قُلْنَ) الضَّمير للبعض الغير المُعيَّنٍ (٣)، لكن عند ابن حبَّان من طريق يحيى بن حمَّاد عن أبي عَوانة بهذا الإسناد عن عائشة قالت: فقلت (لِلنَّبِيِّ : أَيُّنَا أَسْرَعُ بِكَ لُحُوقًا؟) نُصِب على التَّمييز، أي: يدركك بالموت، و «أيُّنا» بضمِّ التَّحتيَّة المُشدَّدة بغير علامة التَّأنيث؛ لقول سيبويه فيما نقله عنه الزَّمخشريُّ في سورة «لقمان»: أنَّها مثل «كلٍّ» في أنَّ إلحاق (٤) التَّاء لها غير فصيحٍ، وجملة: «أيُّنا أسرع» مبتدأٌ وخبرٌ (قَالَ) : (أَطْوَلُكُنَّ) بالرَّفع خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ دلَّ عليه السُّؤال، أي: أسرعُكنَّ لحوقًا بي أطولُكنَّ (يَدًا) نُصِبَ على التَّمييز، وكان القياس أن

يقول: طُولاكنَّ بوزن «فُعْلَى» لأنَّ في مثله يجوز الإفراد، والمطابقة لمن «أفعل» التَّفضيل له (فَأَخَذُوا قَصَبَةً يَذْرَعُونَهَا) بالذَّال المعجمة، أي (١): يقدِّرونها بذراع كلِّ واحدةٍ؛ كي يعلمن أيُّهن أطول جارحةً، والضَّمير في قوله: «فأخذوا ويذرعون» راجعٌ لمعنى الجمع لا لفظ جماعة النِّساء، وإلَّا لقال: فأخذن قصبةً يذرعْنَها، أو عدل إليه تعظيمًا لشأنهنَّ؛ كقوله: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢] وكقوله:

......................... … وإن شئت حرَّمتُ النِّساء سِواكمُ

(فَكَانَتْ سَوْدَةُ) بفتح السِّين، بنت زمعة؛ كما زاده ابن سعدٍ: (أَطْوَلَهُنَّ يَدًا) من طريق المساحة (فَعَلِمْنَا بَعْدُ) أي: بعدَ أن تقرَّر كونُ سودةَ أطولهنَّ يدًا بالمساحة (أَنَّمَا) بفتح الهمزة؛ لكونه في موضع المفعول لـ «عَلِمْنا» (كَانَتْ طُولَ يَدِهَا الصَّدَقَةُ) اسم «كان»، و «طولَ يدِها» خبرٌ مُقدَّمٌ، أي: علمنا أنَّه لم يُرِدْ باليدِ العضوَ، وبالطُّول طولَها، بل أراد: العطاء وكثرته، فاليد هنا استعارةٌ للصَّدقة، والطُّول ترشيحٌ لها؛ لأنَّه ملائمٌ للمُستعار منه (وَكَانَتْ أَسْرَعَنَا لُحُوقًا بِهِ) (وَكَانَتْ تُحِبُّ الصَّدَقَةَ) واستُشكِل هذا بما ثبت مِنْ تقدُّم موت (٢) زينب تأخُّر سَوْدة بعدها، وأجاب ابن رُشَيدٍ بأنَّ عائشة لا تعني سَوْدَةَ بقولها: «فعلمنا بعدُ» أي: بعد أن أخبرت عن سَوْدة بالطُّول الحقيقيِّ، ولم تذكر (٣) سببًا للرُّجوع عن الحقيقة إلى المجاز إلَّا الموت، فتعيَّن الحمل على المجاز. انتهى. وحينئذٍ (٤) فالضَّمير في «وكانت» في الموضعين عائدٌ على الزَّوجة التي عناها بقوله (٥): «أطولكنَّ يدًا»، وإن كانت لم تُذكر (٦)؛ إذ هو متعيِّنٌ لقيام الدَّليل على أنَّها زينب بنت جحشٍ؛ كما في «مسلمٍ» من طريق عائشة بنت طلحة عن عائشة بلفظ: «فكانت أطولنا يدًا زينب بنت

جحشٍ؛ لأنَّها كانت تعمل وتصدَّقُ» (١) مع اتِّفاقهم على أنَّها أوَّلهنَّ موتًا، فتعيَّن أن تكون هي المرادة، وهذا من إضمار ما لا يصلح غيره؛ كقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ (٢) [ص: ٣٢] وعلى هذا فلم تكن (٣) سَوْدَةُ مرادةً قطعًا، وليس الضَّمير عائدًا عليها، لكن يعكِّر (٤) على هذا ما وقع من التَّصريح بسَودة عند المؤلِّف في «تاريخه الصَّغير» عن موسى بن إسماعيل بهذا السَّند بلفظ: «فكانت سودة أسرعنا»، وقول بعضهم: إنَّه يُجمَع بين روايتي «البخاريِّ» و «مسلمٍ» بأنَّ زينب لم تكن حاضرةً خطابه بذلك، فالأوَّليَّة (٥) لسودة؛ باعتبار من حضر إذ ذاك مُعارَضٌ بما رواه ابن حبَّان من رواية يحيى بن حمَّادٍ: أنَّ نساء النَّبيِّ اجتمعن عنده، فلم يغادر منهنَّ واحدةً، وأجاب الحافظ ابن حجرٍ بأنَّه يمكن أن يكون تفسيره بسودة (٦) من أبي عَوانة؛ لكون غيرها لم يتقدَّم له ذكرٌ؛ لأنَّ ابن عُيَيْنَة، عن فراسٍ قد خالفه في ذلك، وروى يونس بن بكيرٍ في «زيادة المغازي»، والبيهقيُّ في «الدَّلائل» بإسناده عنه عن زكريَّا بن أبي زائدة عن الشَّعبيِّ التَّصريح بأنَّ ذلك لزينب (٧)، لكن قَصَّر زكريَّا في إسناده فلم يذكر مسروقًا ولا عائشة ولفظه: فلمَّا تُوفِّيت زينب علمن أنَّها كانت أطولهنَّ يدًا في الخير والصَّدقة، ويؤيِّده ما رواه الحاكم في «المناقب» من «مُستدرَكه»، ولفظه: قالت عائشة: فكنَّا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة النَّبيِّ نمدُّ أيدينا في الجدار نتطاول، فلم نَزَلْ نفعل ذلك حتَّى تُوفِّيت زينب بنت جحشٍ، وكانت امرأةً قصيرةً ولم تكن أطولنا، فعرفنا حينئذٍ أنَّ النَّبيَّ إنَّما أراد بطول اليد الصَّدقَة، وكانت زينب امرأةً صنَاعة باليد، تدبغ وتخرز وتَصَدَّق (٨) في

سبيل الله، قال الحاكم: على شرط مسلمٍ، وهي روايةٌ مفسِّرةٌ مبيِّنةٌ مرجِّحةٌ لرواية عائشة بنت طلحة في أمر زينب، وروى ابن أبي خيثمة من طريق القاسم بن معنٍ قال: كانت زينب أوَّل نساء النَّبيِّ ، أي: لحوقًا به، فهذه رواياتٌ يعضد بعضها بعضًا، ويحصل من مجموعها أنَّ في رواية أبي عَوانة وهمًا.

(١٢) (باب صَدَقَةِ العَلَانِيَةِ، وَقَوْلِهِ) ﷿، بالجرِّ عطفًا على سابقه: (﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٤]) أي: يعمرون الأوقات والأحوال بالخيرات، وروى عبد الرَّزَّاق بسندٍ فيه ضعفٌ: أنَّها نزلت في عليِّ بن أبي طالبٍ، كان عنده أربعة دراهم، فأنفق باللَّيل واحدًا، وبالنَّهار واحدًا، وفي السِّرِّ واحدًا، وفي العلانية واحدًا، وأخرج ابن أبي حاتمٍ من حديث أبي أُمامة: أنَّها نزلت (١) في الخيل التي يربطونها في سبيل الله، ولم يذكر حديثًا وكأنَّه لم يرَ فيه شيئًا على شرطه، وسقطت هذه التَّرجمة للمُستملي.

(١٣) (باب صَدَقَةِ السِّرِّ، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ) ممَّا وصله المؤلِّف من حديثٍ في «باب من جلس في المسجد ينتظر الصَّلاة» [خ¦٦٦٠] (عَنِ النَّبِيِّ : وَرَجُلٌ) الواو حكايةٌ لعطفه على ما ذُكِرَ قبله في الحديث (تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا صَنَعَتْ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ

«ما تنفق» (يَمِينُهُ) وهذا -كما قاله ابن بطَّال- مثالٌ ضربه في المبالغة في الاستتار بالصَّدقة؛ لقرب الشِّمال من اليمين، وإنَّما أراد: أن (١) لو قَدِرَ ألَّا يعلم من يكون على شماله من النَّاس، نحو: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] لأنَّ الشِّمال لا تُوصَف بالعلم، فهو من باب مجاز الحذف، وألطف منه ما قاله ابن المُنيِّر: أن يُراد لو أمكن أن يخفي صدقته عن نفسه لفعل، فكيف لا يخفيها عن غيره؟ والإخفاء عن النَّفس يمكن باعتبارٍ، وهو أن يتغافل المتصدِّق عن الصَّدقة ويتناساها حتَّى ينساها، وهذا ممدوح الكرام (٢) شرعًا وعُرفًا.

(وقوله) ﷿: (﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾) فنِعْمَ شيئًا إبداؤها (﴿وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء﴾) أي: تعطوها مع الإخفاء (﴿فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ﴾ الاية [البقرة: ٢٧١]) فالإخفاء خيرٌ لكم، وهذا في التَّطوُّع (٣) ولمن لم (٤) يُعرَف بالمال، فإنَّ إبداء الفرض لغيره أفضل لنفي التُّهم، ولغير أبي ذرٍّ: «وقال الله تعالى: ﴿وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ﴾»، ولم يذكر هنا

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله