الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٤٢٠
الحديث رقم ١٤٢٠ من كتاب «كتاب الزكاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب حدثنا موسى بن إسماعيل.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
١٤٢٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ فِرَاسٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂:
أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الأسرع موتًا ولحاقًا به من أمهات المؤمنين هي الأطول يدًا منهن، وقصد النبي عليه الصلاة والسلام الأكثر عطاءً، فكن يَقِسْنَ أيدي بعضهن ببعض؛ لأنهن حملن الطول على أصله وحقيقته، ولم يكن مقصود النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وإنما كان مقصوده طول اليد بإعطاء الصدقات، وفعل المعروف، وتبيّن ذلك، فلما كانت زينب أكثر أزواجه فعلًا للمعروف، والصدقات كانت أولهن موتًا، فظهر صدقه وصح قوله صلى الله عليه وسلم.
فكانت زينب بنت جحش رضي الله عنها تعمل بيديها عمل النساء من الغزل والنسيج، وغير ذلك مما جرت عادة النساء بعمله والكسب به، وكانت تتصدق بذلك، وتصل به ذوي رحمها، وتوفيت سنة عشرين في عهد عمر رضي الله عنه.
وفي رواية أخرى أن سودة بنت زَمْعة كانت هي الأطول يدًا، وأن المقصود بطول يدها الصدقة، وليس الطول الحقيقي، وكانت أسرع لحوقًا بالنبي إذ كانت تحب الصدقة، وقيل إنها توفيت في عهد عمر أيضًا، ولكن المشهور أنها توفيت سنة خمسة وخمسين، والرواية الأولى أصح.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا قَالَ أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغِنَى وَلَا تُمْهِلُ حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ قُلْتَ لِفُلَانٍ كَذَا وَلِفُلَانٍ كَذَا وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ"
[الحديث ١٤١٩ - طرفه في: ٢٧٤٨]
قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ صَدَقَةِ الشَّحِيحِ الصَّحِيحِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ: أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ، وَصَدَقَةُ الشَّحِيحِ الصَّحِيحِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ الْآيَةَ، فَعَلَى الْأَوَّلِ الْمُرَادُ فَضْلُ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِ وَهُوَ وَاضِحٌ، وَعَلَى الثَّانِي كَأَنَّهُ تَرَدَّدَ فِي إِطْلَاقِ أَفْضَلِيَّةِ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ، فَأَوْرَدَ التَّرْجَمَةَ بِصِيغَةِ الِاسْتِفْهَامِ، قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ مَا مُلَخَّصُهُ: مُنَاسَبَةُ الْآيَةِ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ التَّحْذِيرُ مِنَ التَّسْوِيفِ بِالْإِنْفَاقِ اسْتِبْعَادًا لِحُلُولِ الْأَجَلِ وَاشْتِغَالًا بِطُولِ الْأَمَلِ، وَالتَّرْغِيبُ فِي الْمُبَادَرَةِ بِالصَّدَقَةِ قَبْلَ هُجُومِ الْمَنِيَّةِ وَفَوَاتِ الْأُمْنِيَةِ. وَالْمُرَادُ بِالصِّحَّةِ فِي الْحَدِيثِ مَنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي مَرَضٍ مَخُوفٍ فَيَتَصَدَّقُ عِنْدَ انْقِطَاعِ أَمَلِهِ مِنَ الْحَيَاةِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي آخِرِهِ بِقَوْلِهِ: وَلَا تُمْهِلْ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ، وَلَمَّا كَانَتْ مُجَاهَدَةُ النَّفْسِ عَلَى إِخْرَاجِ الْمَالِ مَعَ قِيَامِ مَانِعِ الشُّحِّ دَالًّا عَلَى صِحَّةِ الْقَصْدِ وَقُوَّةِ الرَّغْبَةِ فِي الْقُرْبَةِ كَانَ ذَلِكَ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ نَفْسَ الشُّحِّ هُوَ السَّبَبُ فِي هَذِهِ الْأَفْضَلِيَّةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ تَقْدِيمُ آيَةِ الْمُنَافِقِينَ عَلَى آيَةِ الْبَقَرَةِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ بِالْعَكْسِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ) هُوَ ابْنُ زِيَادٍ.
قَوْلُهُ: (جَاءَ رَجُلٌ) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَتِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَبَا ذَرٍّ، فَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ عَنْهُ أَنَّهُ سَأَلَ: أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ، لَكِنَّ فِي الْجَوَابِ: جُهْدٌ مِنْ مُقِلٍّ، أَوْ سَرٍّ إِلَى فَقِيرٍ، وَكَذَا رَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ سَأَلَ فَأُجِيبُ.
قَوْلُهُ: (أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا) فِي الْوَصَايَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ: أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ.
قَوْلُهُ: (أَنْ تَصَّدَّقَ) بِتَشْدِيدِ الصَّادِ وَأَصْلُهُ تَتَصَدَّقَ، فَأُدْغِمَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ) فِي الْوَصَايَا: وَأَنْتَ صَحِيحٌ حَرِيصٌ. قَالَ صَاحِبُ الْمُنْتَهَى: الشُّحُّ بُخْلٌ مَعَ حِرْصٍ. وَقَالَ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ: الشُّحُّ مُثَلَّثُ الشِّينِ وَالضَّمُّ أَعْلَى. وَقَالَ صَاحِبُ الْجَامِعِ: كَأَنَّ الْفَتْحَ فِي الْمَصْدَرِ وَالضَّمَّ فِي الِاسْمِ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِيهِ أَنَّ الْمَرَضَ يُقَصِّرُ يَدَ الْمَالِكِ عَنْ بَعْضِ مِلْكِهِ، وَأَنَّ سَخَاوَتَهُ بِالْمَالِ فِي مَرَضِهِ لَا تَمْحُو عَنْهُ سِيمَةَ الْبُخْلِ، فَلِذَلِكَ شَرَطَ صِحَّةَ الْبَدَنِ فِي الشُّحِّ بِالْمَالِ، لِأَنَّهُ فِي الْحَالَتَيْنِ يَجِدُ لِلْمَالِ وَقْعًا فِي قَلْبِهِ لِمَا يَأْمُلُهُ مِنَ الْبَقَاءِ فَيَحْذَرُ مَعَهُ الْفَقْرَ، وَأَحَدُ الْأَمْرَيْنِ لِلْمُوصِي وَالثَّالِثُ لِلْوَارِثِ، لِأَنَّهُ إِذَا شَاءَ أَبْطَلَهُ. قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الثَّالِثُ لِلْمُوصِي أَيْضًا لِخُرُوجِهِ عَنِ الِاسْتِقْلَالِ بِالتَّصَرُّفِ فِيمَا يَشَاءُ، فَلِذَلِكَ نَقَصَ ثَوَابُهُ عَنْ حَالِ الصِّحَّةِ. قَالَ ابنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ: لَمَّا كَانَ الشُّحُّ غَالِبًا فِي الصِّحَّةِ فَالسَّمَاحُ فِيهِ بِالصَّدَقَةِ أَصْدَقُ فِي النِّيَّةِ وَأَعْظَمُ لِلْأَجْرِ، بِخِلَافِ مَنْ يَئِسَ مِنَ الْحَيَاةِ، وَرَأَى مَصِيرَ الْمَالِ لِغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (وَتَأْمُلُ) بِضَمِّ الْمِيمِ أَيْ: تَطْمَعُ.
قَوْلُهُ: (إِذَا بَلَغَتْ) أَيِ: الرُّوحُ، وَالْمُرَادُ قَارَبَتْ بُلُوغَهُ، إِذْ لَوْ بَلَغَتْهُ حَقِيقَةً لَمْ يَصِحَّ شَيْءٌ مِنْ تَصَرُّفَاتِهِ. وَلَمْ يَجْرِ لِلرُّوحِ ذِكْرٌ اغْتِنَاءً بِدَلَالَةِ السِّيَاقِ. وَالْحُلْقُومُ مَجْرَى النَّفَسِ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْعِلْمِ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الْوَصَايَا، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ بَعْضَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ قُلْنَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أَيُّنَا أَسْرَعُ بِكَ لُحُوقًا؟ قَالَ: أَطْوَلُكُنَّ يَدًا، فَأَخَذُوا قَصَبَةً يَذْرَعُونَهَا، فَكَانَتْ سَوْدَةُ أَطْوَلَهُنَّ يَدًا، فَعَلِمْنَا بَعْدُ أَنَّمَا كَانَتْ طُولَ يَدِهَا الصَّدَقَةُ، وَكَانَتْ أَسْرَعَنَا لُحُوقًا بِهِ، وَكَانَتْ تُحِبُّ الصَّدَقَةَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَبِهِ جَزَمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَسَقَطَ لِأَبِي ذَرٍّ، فَعَلَى رِوَايَتِهِ هُوَ مِنْ تَرْجَمَةِ فَضْلِ صَدَقَةِ الصَّحِيحِ، وَعَلَى رِوَايَةِ غَيْرِهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْفَصْلِ مِنْهُ، وَأَوْرَدَ فِيهِ الْمُصَنِّفُ قِصَّةَ سُؤَالِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْهُ: أَيَّتُهُنَّ أَسْرَعُ لُحُوقًا بِهِ، وَفِيهِ قَوْلُهُ لَهُنَّ: أَطْوَلُكُنَّ يَدًا. الْحَدِيثَ. وَوَجْهُ تَعَلُّقِهِ بِمَا قَبْلَهُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ تَضَمَّنَ أَنَّ الْإِيثَارَ وَالِاسْتِكْثَارَ مِنَ الصَّدَقَةِ فِي زَمَنِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْعَمَلِ سَبَبٌ لِلَّحَاقِ بِالنَّبِيِّ ﷺ، وَذَلِكَ الْغَايَةُ فِي الْفَضِيلَةِ، أَشَارَ إِلَى هَذَا الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ. وقَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: وَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ أَنَّهُ تَبَيَّنَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُرَادَ بِطُولِ الْيَدِ الْمُقْتَضِي لِلَّحَاقِ بِهِ الطَّوْلُ (١)، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَتَأَتَّى لِلصَّحِيحِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِالْمُدَاوَمَةِ فِي حَالِ الصِّحَّةِ، وَبِذَلِكَ يَتِمُّ الْمُرَادُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ بَعْضَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِ السَّائِلَةِ مِنْهُنَّ عَنْ ذَلِكَ، إِلَّا عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ حَمَّادٍ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ: قَالَتْ: فَقُلْتُ. بِالْمُثَنَّاةِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ: فَقُلْنَ بِالنُّونِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (أَسْرَعُ بِكَ لُحُوقًا) مَنْصُوبٌ عَلَى التَّمْيِيزِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: يَدًا، وَأَطُولُكُنَّ مَرْفُوعٌ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
قَوْلُهُ: (فَأَخَذُوا قَصَبَةً يَذْرَعُونَهَا) أَيْ: يُقَدِّرُونَهَا بِذِرَاعِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ بِلَفْظِ جَمْعِ الْمُذَكَّرِ بِالنَّظَرِ إِلَى لَفْظِ الْجَمْعِ لَا بِلَفْظِ جَمَاعَةِ النِّسَاءِ، وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ:
وَإِنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمْ
أَنَّهُ ذَكَرَهُ بِلَفْظِ جَمْعِ الْمُذَكَّرِ تَعْظِيمًا. وَقَوْلُهُ: أَطُولُكُنَّ يُنَاسِبُ ذَلِكَ، وَإِلَّا لَقَالَ: طُولَاكُنَّ.
قَوْلُهُ: (فَكَانَتْ سَوْدَةُ) زَادَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ عَفَّانَ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ: بِنْتُ زَمْعَةَ بْنِ قَيْسٍ.
قَوْلُهُ: (أَطْوَلُهُنَّ يَدًا) فِي رِوَايَةِ عَفَّانَ: ذِرَاعًا، وَهِيَ تُعِينُ أَنَّهُنَّ فَهِمْنَ مِنْ لَفْظِ الْيَدِ الْجَارِحَةَ.
قَوْلُهُ: (فَعَلِمْنَا بَعْدُ) أَيْ: لَمَّا مَاتَتْ أَوَّلُ نِسَائِهِ بِهِ لُحُوقًا.
قَوْلُهُ: (إِنَّمَا) بِالْفَتْحِ، وَالصَّدَقَةُ بِالرَّفْعِ، وَطُولَ يَدِهَا بِالنَّصْبِ لِأَنَّهُ الْخَبَرُ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَتْ أَسْرَعَنَا) كَذَا وَقَعَ فِي الصَّحِيحِ بِغَيْرِ تَعْيِينٍ، وَوَقَعَ فِي التَّارِيخِ الصَّغِيرِ لِلْمُصَنِّفِ عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ: فَكَانَتْ سَوْدَةُ أَسْرَعَنَا إِلَخْ. وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ الْعَبَّاسِ الدُّورِيِّ، عَنْ مُوسَى، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ عَفَّانَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَابْنِ سَعْدٍ عَنْهُ: قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: قَالَ لَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ - يَعْنِي الْوَاقِدِيَّ - هَذَا الْحَدِيثُ: وُهِلَ فِي سَوْدَةَ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، فَهِيَ أَوَّلُ نِسَائِهِ بِهِ لُحُوقًا، وَتُوُفِّيَتْ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ وَبَقِيَتْ سَوْدَةُ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَتْ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ. قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: هَذَا الْحَدِيثُ سَقَطَ مِنْهُ ذِكْرُ زَيْنَبَ لِاتِّفَاقِ أَهْلِ السِّيَرِ عَلَى أَنَّ زَيْنَبَ أَوَّلُ مَنْ مَاتَ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ، يَعْنِي أَنَّ الصَّوَابَ: وَكَانَتْ زَيْنَبُ أَسْرَعَنَا إِلَخْ، وَلَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ تِلْكَ الرِّوَايَاتُ الْمُتَقَدِّمَةُ الْمُصَرَّحُ فِيهَا بِأَنَّ الضَّمِيرَ لِسَوْدَةَ. وَقَرَأْتُ بِخَطِّ الْحَافِظِ أَبِي عَلِيٍّ الصَّدَفِيِّ: ظَاهِرُ هَذَا اللَّفْظِ أَنَّ سَوْدَةَ كَانْتَ أَسْرَعَ، وَهُوَ خِلَافُ الْمَعْرُوفِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ زَيْنَبَ أَوَّلُ مَنْ مَاتَ مِنَ الْأَزْوَاجِ، ثُمَّ نَقَلَهُ عَنْ مَالِكٍ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنِ الْوَاقِدِيِّ، قَالَ: وَيُقَوِّيهِ رِوَايَةُ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ.
وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: هَذَا الْحَدِيثُ غَلَطٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَالْعَجَبُ مِنَ الْبُخَارِيِّ، كَيْفَ لَمْ يُنَبِّهْ عَلَيْهِ وَلَا أَصْحَابُ التَّعَالِيقِ، وَلَا عَلِمَ بِفَسَادِ
ذَلِكَ الْخَطَّابِيُّ، فَإِنَّهُ فَسَّرَهُ، وَقَالَ: لُحُوقُ سَوْدَةَ بِهِ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ. وَكُلُّ ذَلِكَ وَهَمٌ، وَإِنَّمَا هِيَ زَيْنَبُ، فَإِنَّهَا كَانَتْ أَطْوَلَهُنَّ يَدًا بِالْعَطَاءِ كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ بِلَفْظِ: فَكَانَتْ أَطْوَلَنَا يَدًا زينب، لِأَنَّهَا كَانَتْ تَعْمَلُ وَتَتَصَدَّقُ. انْتَهَى. وَتَلَقَّى مُغَلْطَايْ كَلَامَ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، فَجَزَمَ بِهِ وَلَمْ يَنْسُبْهُ لَهُ. وَقَدْ جَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، فَقَالَ الطِّيبِيُّ: يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِيمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ: الْمُرَادُ الْحَاضِرَاتُ مِنْ أَزْوَاجِهِ دُونَ زَيْنَبَ، وَكَانَتْ سَوْدَةُ أَوَّلُهُنَّ مَوْتًا. قُلْتُ: وَقَدْ وَقَعَ نَحْوُهُ فِي كَلَامِ مُغَلْطَايْ، لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَى هَذَا أَنَّ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ حَمَّادٍ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ ﷺ اجْتَمَعْنَ عِنْدَهُ لَمْ تُغَادِرْ مِنْهُنَّ وَاحِدَةٌ، ثُمَّ هُوَ مَعَ ذَلِكَ إِنَّمَا يَتَأَتَّى عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي وَفَاةِ سَوْدَةَ، فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَى سَعِيدِ بْنِ هِلَالٍ، أَنَّهُ قَالَ: مَاتَتْ سَوْدَةُ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ، وَجَزَمَ الذَّهَبِيُّ فِي التَّارِيخِ الْكَبِيرِ بِأَنَّهَا مَاتَتْ فِي آخِرِ خِلَافَةِ عُمَرَ، وَقَالَ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ: أَنَّهُ الْمَشْهُورُ. وَهَذَا يُخَالِفُ مَا أَطْلَقَهُ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ حَيْثُ قَالَ: أَجْمَعَ أَهْلُ السِّيَرِ عَلَى أَنَّ زَيْنَبَ أَوَّلُ مَنْ مَاتَ مِنْ أَزْوَاجِهِ. وَسَبَقَهُ إِلَى نَقْلِ الِاتِّفَاقِ ابْنُ بَطَّالٍ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ النَّقْلَ مُقَيَّدٌ بِأَهْلِ السِّيَرِ، فَلَا يَرِدُ نَقْلُ قَوْلِ مَنْ خَالَفَهُمْ مِنْ أَهْلِ النَّقْلِ مِمَّنْ لَا يَدْخُلُ فِي زُمْرَةِ أَهْلِ السِّيَرِ. وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ الْوَاقِدِيِّ الَّذِي تَقَدَّمَ فَلَا يَصِحُّ. وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ بَطَّالٍ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: فَكَانَتْ لِزَيْنَبَ وَذَكَرْتُ مَا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ، لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ تَفْسِيرُهُ بِسَوْدَةَ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ لِكَوْنِ غَيْرِهَا لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ، فَلَمَّا لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى قِصَّةِ زَيْنَبَ وَكَوْنِهَا أَوَّلَ الْأَزْوَاجِ لُحُوقًا بِهِ جَعَلَ الضَّمَائِرَ كُلَّهَا لِسَوْدَةَ، وَهَذَا عِنْدِي مِنْ أَبِي عَوَانَةَ، فَقَدْ خَالَفَهُ فِي ذَلِكَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ فِرَاسٍ كَمَا قَرَأْتُ بِخَطِّ ابْنِ رَشِيدٍ أَنَّهُ قَرَأَهُ بِخَطِّ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ الْوَرْدِ، وَلَمْ أَقِفْ إِلَى الْآنَ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ هَذِهِ، لَكِنْ رَوَى يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ فِي زِيَادَاتِ الْمَغَازِي وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ بِإِسْنَادِهِ عَنْهُ، عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ التَّصْرِيحَ بِأَنَّ ذَلِكَ لِزَيْنَبَ، لَكِنْ قَصَّرَ زَكَرِيَّا فِي إِسْنَادِهِ فَلَمْ يَذْكُرْ مَسْرُوقًا وَلَا عَائِشَةَ، وَلَفْظُهُ: قُلْنَ النِّسْوَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَيُّنَا أَسْرَعُ بِكَ لُحُوقًا؟ قَالَ: أَطْوَلُكُنَّ يَدًا. فَأَخَذْنَ يَتَذَارَعْنَ أَيَّتُهُنَّ أَطْوَلُ يَدًا، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ زَيْنَبُ عَلِمْنَ أَنَّهَا كَانَتْ أَطْوَلَهُنَّ يَدًا فِي الْخَيْرِ وَالصَّدَقَةِ. وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا مَا رَوَى الْحَاكِمُ فِي الْمَنَاقِبِ مِنْ مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَزْوَاجِهِ: أَسْرَعُكُنَّ لُحُوقًا بِي أَطْوَلُكُنَّ يَدًا.
قَالَتْ عَائِشَةُ: فَكُنَّا إِذَا اجْتَمَعْنَا فِي بَيْتِ إِحْدَانَا بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَمُدُّ أَيْدِيَنَا فِي الْجِدَارِ نَتَطَاوَلُ، فَلَمْ نَزَلْ نَفْعَلُ ذَلِكَ حَتَّى تُوُفِّيَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ - وَكَانَتِ امْرَأَةً قَصِيرَةً، وَلَمْ تَكُنْ أَطْوَلَنَا - فَعَرَفْنَا حِينَئِذٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا أَرَادَ بِطُولِ الْيَدِ الصَّدَقَةَ، وَكَانَتْ زَيْنَبُ امْرَأَةَ صِنَاعَةٍ بِالْيَدِ، وَكَانَتْ تَدْبُغُ وَتَخْرُزُ وَتَصَدَّقُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. قَ لَ الْحَاكِمُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ. انْتَهَى.
وَهِيَ رِوَايَةٌ مُفَسِّرَةٌ مُبَيِّنَةٌ مُرَجِّحَةٌ لِرِوَايَةِ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ فِي أَمْرِ زَيْنَبَ، قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ عَائِشَةَ لَا تَعْنِي سَوْدَةَ قَوْلُهَا فَعَلِمْنَا بَعْدُ إِذْ قَدْ أَخْبَرَتْ عَنْ سَوْدَةَ بِالطُّولِ الْحَقِيقِيِّ، وَلَمْ تَذْكُرْ سَبَبَ الرُّجُوعِ عَنِ الْحَقِيقَةِ إِلَى الْمَجَازِ إِلَّا الْمَوْتَ، فَإِذَا طَلَبَ السَّامِعُ سَبَبَ الْعُدُولِ لَمْ يَجِدْ إِلَّا الْإِضْمَارَ مَعَ أَنَّهُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى، فَعَلِمْنَا بَعْدُ أَنَّ الْمُخْبَرَ عَنْهَا إِنَّمَا هِيَ الْمَوْصُوفَةُ بِالصَّدَقَةِ لِمَوْتِهَا قَبْلَ الْبَاقِيَاتِ، فَيَنْظُرُ السَّامِعُ وَيَبْحَثُ فَلَا يَجِدُ إِلَّا زَيْنَبَ، فَيَتَعَيَّنُ الْحَمْلُ عَلَيْهِ، وَهُوَ مِنْ بَابِ إِضْمَارِ مَا لَا يَصْلُحُ غَيْرُهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: وَجْهُ الْجَمْعِ أَنَّ قَوْلَهَا: فَعَلِمْنَا بَعْدُ يُشْعِرُ إِشْعَارًا قَوِيًّا أَنَّهُنَّ حَمَلْنَ طُولَ الْيَدِ عَلَى ظَاهِرِهِ، ثُمَّ عَلِمْنَ بَعْدَ ذَلِكَ خِلَافَهُ، وَأَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ كَثْرَةِ الصَّدَقَةِ، وَالَّذِي عَلِمْنَهُ آخِرًا خِلَافَ مَا اعْتَقَدْنَهُ أَوَّلًا، وَقَدِ انْحَصَرَ الثَّانِي فِي زَيْنَبَ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهَا أَوَّلُهُنَّ
مَوْتًا، فَتَعَيَّنَ أَنْ تَكُونَ هِيَ الْمُرَادَةُ. وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ الضَّمَائِرِ بَعْدَ قَوْلِهِ: فَكَانَتْ وَاسْتَغْنَى عَنْ تَسْمِيَتِهَا لِشُهْرَتِهَا بِذَلِكَ. انْتَهَى. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ فِي الْحَدِيثِ اخْتِصَارًا أَوِ اكْتِفَاءً بِشُهْرَةِ الْقِصَّةِ لِزَيْنَبَ، وَيُؤَوَّلُ الْكَلَامُ بِأَنَّ الضَّمِيرَ رَجَعَ إِلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهَا أَوَّلُ مَنْ يَلْحَقُ بِهِ، وَكَانَتْ كَثِيرَةَ الصَّدَقَةِ.
قُلْتُ: الْأَوَّلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَكَأَنَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي كَوْنِ الْبُخَارِيِّ حَذَفَ لَفْظَ سَوْدَةَ مِنْ سِيَاقِ الْحَدِيثِ لَمَّا أَخْرَجَهُ فِي الصَّحِيحِ لِعِلْمِهِ بِالْوَهْمِ فِيهِ، وَإِنَّهُ لَمَّا سَاقَهُ فِي التَّارِيخِ بِإِثْبَاتِ ذِكْرِهَا ذَكَرَ مَا يَرُدُّ عَلَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ أَيْضًا، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ عُمَرَ عَلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَكَانَتْ أَوَّلَ نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ لُحُوقًا بِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى تَارِيخِ وَفَاتِهَا فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ، وَأَنَّهُ سَنَةَ عِشْرِينَ. وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ بَرْزَةَ بِنْتِ رَافِعٍ قَالَتْ: لَمَّا خَرَجَ الْعَطَاءُ أَرْسَلَ عُمَرُ إِلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ بِالَّذِي لَهَا، فَتَعَجَّبَتْ وَسَتَرَتْهُ بِثَوْبٍ، وَأَمَرَتْ بِتَفْرِقَتِهِ، إِلَى أَنْ كُشِفَ الثَّوْبُ فَوَجَدَتْ تَحْتَهُ خَمْسَةً وَثَمَانِينَ دِرْهَمًا، ثُمَّ قَالَتْ: اللَّهُمَّ لَا يُدْرِكُنِي عَطَاءٌ لِعُمَرَ بَعْدَ عَامِي هَذَا، فَمَاتَتْ، فَكَانَتْ أَوَّلَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ لُحُوقًا بِهِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ مَعْنٍ قَالَ: كَانَتْ زَيْنَبُ أَوَّلَ نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ لُحُوقًا بِهِ. فَهَذِهِ رِوَايَاتٌ يُعَضِّدُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَيَحْصُلُ مِنْ مَجْمُوعِهَا أَنَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ وَهْمًا. وَقَدْ سَاقَهُ يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ عَنْهُ مُخْتَصَرًا، وَلَفْظُهُ: فَأَخَذْنَ قَصَبَةً يَتَذَارَعْنَهَا، فَمَاتَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ، وَكَانَتْ كَثِيرَةَ الصَّدَقَةِ، فَعَلِمْنَا أَنَّهُ قَالَ: أَطْوَلُكُنَّ يَدًا بِالصَّدَقَةِ.
هَذَا لَفَظَهُ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ بْنِ مُدْرِكٍ عَنْهُ، وَلَفْظُهُ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ، وَهُوَ الْحَرَّانِيُّ عَنْهُ: فَأَخَذْنَ قَصَبَةً فَجَعَلْنَ يَذْرَعْنَهَا، فَكَانَتْ سَوْدَةُ أَسْرَعَهُنَّ بِهِ لُحُوقًا، وَكَانَتْ أَطْوَلَهُنَّ يَدًا، وَكَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ كَثْرَةِ الصَّدَقَةِ. وَهَذَا السِّيَاقُ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ إِلَّا أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ دُخُولِ الْوَهْمِ عَلَى الرَّاوِي فِي التَّسْمِيَةِ خَاصَّةً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي الْحَدِيثِ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ ظَاهِرٌ، وَفِيهِ جَوَازُ إِطْلَاقِ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ بِغَيْرِ قَرِينَةٍ وَهُوَ لَفْظُ أَطُولُكُنَّ، إِذَا لَمْ يَكُنْ مَحْذُورٌ. قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: لَمَّا كَانَ السُّؤَالُ عَنْ آجَالٍ مُقَدَّرَةٍ لَا تُعْلَمُ إِلَّا بِالْوَحْيِ أَجَابَهُنَّ بِلَفْظٍ غَيْرِ صَرِيحٍ، وَأَحَالَهُنَّ عَلَى مَا لَا يَتَبَيَّنُ إِلَّا بِآخَرَ. وَسَاغَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ لَيْسَ مِنَ الْأَحْكَامِ التَّكْلِيفِيَّةِ. وَفِيهِ أَنَّ مَنْ حَمَلَ الْكَلَامَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَحَقِيقَتِهِ لَمْ يُلَمْ، وَإِنْ كَانَ مُرَادُ الْمُتَكَلِّمِ مَجَازَهُ، لِأَنَّ نِسْوَةَ النَّبِيِّ ﷺ حَمَلْنَ طُولَ الْيَدِ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِنَّ. وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ عَنْ مَيْمُونَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُنَّ: لَيْسَ ذَلِكَ أَعْنِي، إِنَّمَا أَعْنِي أَصْنَعُكُنَّ يَدًا. فَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا، وَلَوْ كَانَ ثَابِتًا لَمْ يَحْتَجْنَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى ذَرْعِ أَيْدِيهِنَّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ.
وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ لِلْمَعَانِي لَا لِلْأَلْفَاظِ، لِأَنَّ النِّسْوَةَ فَهِمْنَ مِنْ طُولِ الْيَدِ الْجَارِحَةَ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِالطُّولِ كَثْرَةُ الصَّدَقَةِ، وَمَا قَالَهُ لَا يُمْكِنُ اطِّرَادُهُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
١٢ - بَاب صَدَقَةِ الْعَلَانِيَةِ
وَقَوْلِهِ ﷿: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
١٣ - بَاب صَدَقَةِ السِّرِّ
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا صَنَعَتْ يَمِينُهُ.
قَوْلِهِ تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ الْآيَةَ
قَوْلُهُ: (بَابُ صَدَقَةِ الْعَلَانِيَةِ، وَقَوْلُهُ ﷿: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، سَقَطَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ لِلْمُسْتَمْلِي وَثَبَتَتْ لِلْبَاقِينَ، وَبِهِ جَزَمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهَا لِمَنْ ثَبَّتَهَا حَدِيثٌ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ فِيهَا شَيْءٌ عَلَى شَرْطِهِ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ، فَعِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ فِيهِ ضَعْفٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، كَانَ عِنْدَهُ أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ، فَأَنْفَقَ بِاللَّيْلِ وَاحِدًا وَبِالنَّهَارِ وَاحِدًا وَفِي السِّرِّ وَاحِدًا وَفِي الْعَلَانِيَةِ وَاحِدًا، وَذَكَرَهُ الْكَلْبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا، وَزَادَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: أَمَا إِنَّ ذَلِكَ لَكَ. وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي أَصْحَابِ الْخَيْلِ الَّذِينَ يَرْبُطُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ، وَعَنْ قَتَادَةَ وَغَيْرِهِ نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ أَنْفَقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا تَقْتِيرٍ، ذَكَرَهُ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي إِبَاحَةِ الِارْتِفَاقِ بِالزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ، لِأَنَّهُ يَرْتَفِقُ بِهَا كُلُّ مَارٍّ فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ فِي سِرٍّ وَعَلَانِيَةٍ وَكَانَتْ أَعَمَّ.
قَوْلُهُ: (بَابُ صَدَقَةِ السِّرِّ، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا صَنَعَتْ يَمِينُهُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ الْآيَةَ، وَإِذَا تَصَدَّقَ عَلَى غَنِيٍّ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ) ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الَّذِي خَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ، ثُمَّ زَانِيَةٍ، ثُمَّ غَنِيٍّ، كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ: بَابُ إِذَا تَصَدَّقَ عَلَى غَنِيٍّ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ. وَكَذَا هُوَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ. وَمُنَاسَبَتُهُ ظَاهِرَةٌ، وَيَكُونُ قَدِ اقْتَصَرَ فِي تَرْجَمَةِ صَدَقَةِ السِّرِّ عَلَى الْحَدِيثِ الْمُعَلَّقِ عَلَى الْآيَةِ، وَعَلَى مَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ فَيَحْتَاجُ إِلَى مُنَاسَبَةٍ بَيْنَ تَرْجَمَةِ صَدَقَةِ السِّرِّ وَحَدِيثِ الْمُتَصَدِّقِ، وَوَجْهُهَا أَنَّ الصَّدَقَةَ الْمَذْكُورَةَ وَقَعَتْ بِاللَّيْلِ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ. بَلْ وَقَعَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ لِقَوْلِهِ فِيهِ: لِأَتَصَدَّقَنَّ اللَّيْلَةَ. كَمَا سَيَأْتِي، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ صَدَقَتَهُ كَانَتْ سِرًّا إِذْ لَوْ كَانَتْ بِالْجَهْرِ نَهَارًا لَمَا خَفِيَ عَنْهُ حَالُ الْغَنِيِّ، لِأَنَّهَا فِي الْغَالِبِ لَا تَخْفَى، بِخِلَافِ الزَّانِيَةِ وَالسَّارِقِ، وَلِذَلِكَ خُصَّ الْغَنِيُّ بِالتَّرْجَمَةِ دُونَهُمَا.
وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُعَلَّقُ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ سَيَأْتِي بَعْدَ بَابٍ بِتَمَامِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي بَابِ مَنْ جَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ وَهُوَ أَقْوَى الْأَدِلَّةِ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ إِخْفَاءِ الصَّدَقَةِ، وَأَمَّا الْآيَةُ فَظَاهِرَةٌ فِي تَفْضِيلِ صَدَقَةِ السِّرِّ أَيْضًا، وَلَكِنْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، وَنَقَلَ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْإِعْلَانَ فِي صَدَقَةِ الْفَرْضِ أَفْضَلُ مِنَ الْإِخْفَاءِ، وَصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ عَلَى الْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ. وَخَالَفَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ فَقَالَ: إِنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الصَّدَقَةِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، قَالَ: فَالْمَعْنَى إِنْ تُؤْتُوهَا أَهْلَ الْكِتَابَيْنِ ظَاهِرَةً فَلَكُمْ فَضْلٌ، وَإِنْ تُؤْتُوهَا فُقَرَاءَكُمْ سِرًّا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ. قَالَ: وَكَانَ يَأْمُرُ بِإِخْفَاءِ الصَّدَقَةِ مُطْلَقًا. وَنَقَلَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ أَنَّ إِخْفَاءَ الزَّكَاةِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ أَفْضَلَ، فَأَمَّا بَعْدَهُ فَإِنَّ الظَّنَّ يُسَاءُ بِمَنْ أَخْفَاهَا، فَلِهَذَا كَانَ إِظْهَارُ الزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ أَفْضَلَ، قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَيُشْبِهُ فِي زَمَانِنَا أَنْ يَكُونَ الْإِخْفَاءُ بِصَدَقَةِ الْفَرْضِ أَفْضَلَ، فَقَدْ كَثُرَ الْمَانِعُ لَهَا، وَصَارَ إِخْرَاجُهَا عُرْضَةً لِلرِّيَاءِ. انْتَهَى. وَأَيْضًا فَكَانَ السَّلَفُ يُعْطُونَ زَكَاتَهُمْ لِلسُّعَاةِ، وَكَانَ مَنْ أَخْفَاهَا اتُّهِمَ بِعَدَمِ الْإِخْرَاجِ، وَأَمَّا الْيَوْمَ فَصَارَ كُلُّ أَحَدٍ يُخْرِجُ زَكَاتَهُ بِنَفْسِهِ فَصَارَ إِخْفَاؤُهَا أَفْضَلَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: لَوْ قِيلَ إِنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ لَمَا كَانَ بَعِيدًا، فَإِذَا كَانَ الْإِمَامُ مَثَلًا جَائِرًا وَمَالَ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ مَخْفِيًّا فَالْإِسْرَارُ أَوْلَى، وَإِنْ كَانَ الْمُتَطَوِّعُ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ وَيُتَّبَعُ وَتَنْبَعِثُ الْهِمَمُ عَلَى التَّطَوُّعِ بِالْإِنْفَاقِ وَسَلِمَ قَصْدُهُ فَالْإِظْهَارُ أَوْلَى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(١١ م) هذا (بابٌ) بالتَّنوين من غير ترجمةٍ، فهو كالفصل من سابقه، وهو ساقطٌ في (١) رواية أبي ذرٍّ، فالحديث عنده من التَّرجمة السَّابقة.
١٤٢٠ - وبالسَّند (٢) قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح ابن عبد الله، اليشكريُّ (عَنْ فِرَاسٍ) بكسر الفاء وتخفيف الرَّاء، آخره سينٌ مُهمَلةٌ، ابن يحيى الخارفيِّ -بالخاء المعجمة والرَّاء والفاء- المُكتِب (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شراحيل (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ بَعْضَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ قُلْنَ) الضَّمير للبعض الغير المُعيَّنٍ (٣)، لكن عند ابن حبَّان من طريق يحيى بن حمَّاد عن أبي عَوانة بهذا الإسناد عن عائشة قالت: فقلت (لِلنَّبِيِّ ﷺ: أَيُّنَا أَسْرَعُ بِكَ لُحُوقًا؟) نُصِب على التَّمييز، أي: يدركك بالموت، و «أيُّنا» بضمِّ التَّحتيَّة المُشدَّدة بغير علامة التَّأنيث؛ لقول سيبويه فيما نقله عنه الزَّمخشريُّ في سورة «لقمان»: أنَّها مثل «كلٍّ» في أنَّ إلحاق (٤) التَّاء لها غير فصيحٍ، وجملة: «أيُّنا أسرع» مبتدأٌ وخبرٌ (قَالَ) ﵊: (أَطْوَلُكُنَّ) بالرَّفع خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ دلَّ عليه السُّؤال، أي: أسرعُكنَّ لحوقًا بي أطولُكنَّ (يَدًا) نُصِبَ على التَّمييز، وكان القياس أن
يقول: طُولاكنَّ بوزن «فُعْلَى» لأنَّ في مثله يجوز الإفراد، والمطابقة لمن «أفعل» التَّفضيل له (فَأَخَذُوا قَصَبَةً يَذْرَعُونَهَا) بالذَّال المعجمة، أي (١): يقدِّرونها بذراع كلِّ واحدةٍ؛ كي يعلمن أيُّهن أطول جارحةً، والضَّمير في قوله: «فأخذوا ويذرعون» راجعٌ لمعنى الجمع لا لفظ جماعة النِّساء، وإلَّا لقال: فأخذن قصبةً يذرعْنَها، أو عدل إليه تعظيمًا لشأنهنَّ؛ كقوله: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢] وكقوله:
......................... … وإن شئت حرَّمتُ النِّساء سِواكمُ
(فَكَانَتْ سَوْدَةُ) بفتح السِّين، بنت زمعة؛ كما زاده ابن سعدٍ: (أَطْوَلَهُنَّ يَدًا) من طريق المساحة (فَعَلِمْنَا بَعْدُ) أي: بعدَ أن تقرَّر كونُ سودةَ أطولهنَّ يدًا بالمساحة (أَنَّمَا) بفتح الهمزة؛ لكونه في موضع المفعول لـ «عَلِمْنا» (كَانَتْ طُولَ يَدِهَا الصَّدَقَةُ) اسم «كان»، و «طولَ يدِها» خبرٌ مُقدَّمٌ، أي: علمنا أنَّه ﷺ لم يُرِدْ باليدِ العضوَ، وبالطُّول طولَها، بل أراد: العطاء وكثرته، فاليد هنا استعارةٌ للصَّدقة، والطُّول ترشيحٌ لها؛ لأنَّه ملائمٌ للمُستعار منه (وَكَانَتْ أَسْرَعَنَا لُحُوقًا بِهِ) ﵊ (وَكَانَتْ تُحِبُّ الصَّدَقَةَ) واستُشكِل هذا بما ثبت مِنْ تقدُّم موت (٢) زينب تأخُّر سَوْدة بعدها، وأجاب ابن رُشَيدٍ بأنَّ عائشة لا تعني سَوْدَةَ بقولها: «فعلمنا بعدُ» أي: بعد أن أخبرت عن سَوْدة بالطُّول الحقيقيِّ، ولم تذكر (٣) سببًا للرُّجوع عن الحقيقة إلى المجاز إلَّا الموت، فتعيَّن الحمل على المجاز. انتهى. وحينئذٍ (٤) فالضَّمير في «وكانت» في الموضعين عائدٌ على الزَّوجة التي عناها ﷺ بقوله (٥): «أطولكنَّ يدًا»، وإن كانت لم تُذكر (٦)؛ إذ هو متعيِّنٌ لقيام الدَّليل على أنَّها زينب بنت جحشٍ؛ كما في «مسلمٍ» من طريق عائشة بنت طلحة عن عائشة بلفظ: «فكانت أطولنا يدًا زينب بنت
جحشٍ؛ لأنَّها كانت تعمل وتصدَّقُ» (١) مع اتِّفاقهم على أنَّها أوَّلهنَّ موتًا، فتعيَّن أن تكون هي المرادة، وهذا من إضمار ما لا يصلح غيره؛ كقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ (٢) [ص: ٣٢] وعلى هذا فلم تكن (٣) سَوْدَةُ مرادةً قطعًا، وليس الضَّمير عائدًا عليها، لكن يعكِّر (٤) على هذا ما وقع من التَّصريح بسَودة عند المؤلِّف في «تاريخه الصَّغير» عن موسى بن إسماعيل بهذا السَّند بلفظ: «فكانت سودة أسرعنا»، وقول بعضهم: إنَّه يُجمَع بين روايتي «البخاريِّ» و «مسلمٍ» بأنَّ زينب لم تكن حاضرةً خطابه ﵊ بذلك، فالأوَّليَّة (٥) لسودة؛ باعتبار من حضر إذ ذاك مُعارَضٌ بما رواه ابن حبَّان من رواية يحيى بن حمَّادٍ: أنَّ نساء النَّبيِّ ﷺ اجتمعن عنده، فلم يغادر منهنَّ واحدةً، وأجاب الحافظ ابن حجرٍ بأنَّه يمكن أن يكون تفسيره بسودة (٦) من أبي عَوانة؛ لكون غيرها لم يتقدَّم له ذكرٌ؛ لأنَّ ابن عُيَيْنَة، عن فراسٍ قد خالفه في ذلك، وروى يونس بن بكيرٍ في «زيادة المغازي»، والبيهقيُّ في «الدَّلائل» بإسناده عنه عن زكريَّا بن أبي زائدة عن الشَّعبيِّ التَّصريح بأنَّ ذلك لزينب (٧)، لكن قَصَّر زكريَّا في إسناده فلم يذكر مسروقًا ولا عائشة ولفظه: فلمَّا تُوفِّيت زينب علمن أنَّها كانت أطولهنَّ يدًا في الخير والصَّدقة، ويؤيِّده ما رواه الحاكم في «المناقب» من «مُستدرَكه»، ولفظه: قالت عائشة: فكنَّا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة النَّبيِّ ﷺ نمدُّ أيدينا في الجدار نتطاول، فلم نَزَلْ نفعل ذلك حتَّى تُوفِّيت زينب بنت جحشٍ، وكانت امرأةً قصيرةً ولم تكن أطولنا، فعرفنا حينئذٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ إنَّما أراد بطول اليد الصَّدقَة، وكانت زينب امرأةً صنَاعة باليد، تدبغ وتخرز وتَصَدَّق (٨) في
سبيل الله، قال الحاكم: على شرط مسلمٍ، وهي روايةٌ مفسِّرةٌ مبيِّنةٌ مرجِّحةٌ لرواية عائشة بنت طلحة في أمر زينب، وروى ابن أبي خيثمة من طريق القاسم بن معنٍ قال: كانت زينب أوَّل نساء النَّبيِّ ﷺ، أي: لحوقًا به، فهذه رواياتٌ يعضد بعضها بعضًا، ويحصل من مجموعها أنَّ في رواية أبي عَوانة وهمًا.
(١٢) (باب صَدَقَةِ العَلَانِيَةِ، وَقَوْلِهِ) ﷿، بالجرِّ عطفًا على سابقه: (﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٤]) أي: يعمرون الأوقات والأحوال بالخيرات، وروى عبد الرَّزَّاق بسندٍ فيه ضعفٌ: أنَّها نزلت في عليِّ بن أبي طالبٍ، كان عنده أربعة دراهم، فأنفق باللَّيل واحدًا، وبالنَّهار واحدًا، وفي السِّرِّ واحدًا، وفي العلانية واحدًا، وأخرج ابن أبي حاتمٍ من حديث أبي أُمامة: أنَّها نزلت (١) في الخيل التي يربطونها في سبيل الله، ولم يذكر حديثًا وكأنَّه لم يرَ فيه شيئًا على شرطه، وسقطت هذه التَّرجمة للمُستملي.
(١٣) (باب صَدَقَةِ السِّرِّ، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁) ممَّا وصله المؤلِّف من حديثٍ في «باب من جلس في المسجد ينتظر الصَّلاة» [خ¦٦٦٠] (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: وَرَجُلٌ) الواو حكايةٌ لعطفه على ما ذُكِرَ قبله في الحديث (تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا صَنَعَتْ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ
«ما تنفق» (يَمِينُهُ) وهذا -كما قاله ابن بطَّال- مثالٌ ضربه ﵊ في المبالغة في الاستتار بالصَّدقة؛ لقرب الشِّمال من اليمين، وإنَّما أراد: أن (١) لو قَدِرَ ألَّا يعلم من يكون على شماله من النَّاس، نحو: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] لأنَّ الشِّمال لا تُوصَف بالعلم، فهو من باب مجاز الحذف، وألطف منه ما قاله ابن المُنيِّر: أن يُراد لو أمكن أن يخفي صدقته عن نفسه لفعل، فكيف لا يخفيها عن غيره؟ والإخفاء عن النَّفس يمكن باعتبارٍ، وهو أن يتغافل المتصدِّق عن الصَّدقة ويتناساها حتَّى ينساها، وهذا ممدوح الكرام (٢) شرعًا وعُرفًا.
(وقوله) ﷿: (﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾) فنِعْمَ شيئًا إبداؤها (﴿وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء﴾) أي: تعطوها مع الإخفاء (﴿فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ﴾ الاية [البقرة: ٢٧١]) فالإخفاء خيرٌ لكم، وهذا في التَّطوُّع (٣) ولمن لم (٤) يُعرَف بالمال، فإنَّ إبداء الفرض لغيره أفضل لنفي التُّهم، ولغير أبي ذرٍّ: «وقال الله تعالى: ﴿وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ﴾»، ولم يذكر هنا
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
امْرَأَة قَصِيرَة وَلم تكن أطولنا، فَعرفنَا حِينَئِذٍ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّمَا أَرَادَ بطول الْيَد: الصَّدَقَة) . وَكَانَت زَيْنَب امْرَأَة صناع بِالْيَدِ، فَكَانَت تدبغ وتخرز وَتصدق فِي سَبِيل الله. قَالَ الْحَاكِم: على شَرط مُسلم، وَهَذِه رِوَايَة مفسرة مبينَة مرجحة لرِوَايَة عَائِشَة بنت طَلْحَة فِي أَمر زَيْنَب. وَقَالَ الْكرْمَانِي: لَا يَخْلُو أَن يُقَال: إِمَّا أَن فِي الحَدِيث اختصارا وتلفيقا يَعْنِي: اختصر البُخَارِيّ الْقِصَّة وَنقل الْقطعَة الْأَخِيرَة من حَدِيث فِيهِ ذكر زَيْنَب، فالضمائر رَاجِعَة إِلَيْهَا. وَإِمَّا أَنه اكْتفى بشهرة الْحِكَايَة وَعلم أهل هَذَا الشَّأْن بِأَن الأسرع لُحُوقا هِيَ زَيْنَب، فتعود الضمائر إِلَى من هِيَ مُفْردَة فِي أذهانهم. وَإِن أَن يؤول الْكَلَام بِأَن الضَّمِير رَاجع إِلَى الْمَرْأَة الَّتِي هِيَ علم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لحوقها بِهِ أَولا، وَعلمنَا بعد ذَلِك أَنَّهَا هِيَ الَّتِي طول صَدَقَة يَديهَا، وَالْحَال أَنَّهَا كَانَت أسْرع لُحُوقا بِهِ، وَكَانَت محبَّة للصدقة. قلت: هَذَا الَّذِي قَالَه الْكرْمَانِي لَيْسَ بسديد، لَا من جِهَة التَّوْفِيق بَين الْأَخْبَار، وَلَا من جِهَة مَا يَقْتَضِيهِ تركيب الْكَلَام، بل كَلَامه بعيد جدا من هَذَا الْوَجْه. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: قَوْله: (فَعلمنَا بعد) ، يَعْنِي فهمنا من قَوْله: (أَطْوَلكُنَّ يدا) ابْتِدَاء ظَاهره فأخذنا لذَلِك قَصَبَة نذرع بهَا يدا يدا لنَنْظُر أَيّنَا أطول يدا، فَلَمَّا فطنا محبتها الصَّدَقَة، وَعلمنَا أَنه، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لم يرد بِالْيَدِ الْعُضْو، وبالطول طولهَا، بل أَرَادَ الْعَطاء وكثرته، أجريناه على الصَّدَقَة. فاليد هَهُنَا استعادة للصدقة، والطول ترشيح لَهَا لِأَنَّهُ ملائم للمستعار مِنْهُ. وَلَو قيل: أكبركن، لَكَانَ تجريدا لَهَا. وَقيل: وَجه الْجمع أَن فِي قَوْلهَا: فَعلمنَا بعد إِشْعَار بأنهن حملن طول الْيَد على ظَاهره، ثمَّ علِمْنَ بعد ذَلِك خلا مَا اعتقدن أَولا، وَقد انحصر الثَّانِي فِي زَيْنَب للاتفاق على أَنَّهَا آخِرهنَّ موتا، فَتعين أَن تكون هِيَ المرادة، وَكَذَلِكَ بَقِيَّة الضمائر بعد قَوْله: فَكَانَت، وَاسْتغْنى عَن تَسْمِيَتهَا لشهرتها بذلك. انْتهى. وَقَالَ بَعضهم: وَكَأن هَذَا هُوَ السِّرّ فِي كَون البُخَارِيّ حذف لفظ سَوْدَة من سِيَاق الحَدِيث لما أخرجه فِي (الصَّحِيح) لعلمه بالوهم فِيهِ، وَأَنه سَاقه فِي التَّارِيخ (بِإِثْبَات ذكرهَا. انْتهى) قلت: قَول الْقَائِل الأول: فَتعين أَن تكون هِيَ المرادة إِلَى آخِره غير مُسلم، فَمن أَيْن التَّعْيِين من التَّرْكِيب على أَن زَيْنَب هِيَ المرادة؟ وَكَيف تَقول: وَكَذَلِكَ بَقِيَّة الضمائر بعد قَوْله: فَكَانَت؟ وَاسْتغْنى عَن تَسْمِيَتهَا؟ أَي: عَن تَسْمِيَة زَيْنَب لشهرتها بذلك، وَالْمَذْكُور فِيهِ بالتصريح سَوْدَة، وَلَا يُبَادر الذِّهْن إلَاّ إِلَى أَن الضَّمِير فِي فَكَانَت يرجع إِلَى سَوْدَة بِمُقْتَضى حق التَّرْكِيب، وَهَذَا الَّذِي قَالَه خلاف مَا يَقْتَضِيهِ حق التَّرْكِيب، وَقَول بَعضهم: وَكَانَ هَذَا هُوَ السِّرّ فِي كَون البُخَارِيّ حذف لفظ سَوْدَة إِلَى آخِره كَلَام تمجه الأسماع لِأَنَّهُ كَيفَ يحذف لفظ سَوْدَة فِي (الصَّحِيح) بالوهم ويثبته فِي (التَّارِيخ) وَكَانَ اللَّائِق بِهِ أَن يكون الْأَمر بِالْعَكْسِ.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: أَن من حمل الْكَلَام على ظَاهره وَحَقِيقَته لم يلم وَإِن كَانَ مُرَاد الْمُتَكَلّم مجازه، لِأَن نسْوَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حملن طول الْيَد على الْحَقِيقَة، فَلم يُنكر عَلَيْهِنَّ. فَإِن قلت: روى الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط من طَرِيق يزِيد بن الْأَصَم (عَن مَيْمُونَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَهُنَّ: لَيْسَ ذَلِك، أَعنِي، إِنَّمَا أَعنِي أصنعكن يدا) . قلت: هَذَا حَدِيث ضَعِيف جدا، وَلَو كَانَ ثَابتا لم يحتجن بعد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى ذرع أَيْدِيهنَّ، كَمَا مر فِي رِوَايَة عمْرَة عَن عَائِشَة. وَفِيه: دلَالَة على أَن الحكم للمعاني لَا للألفاظ، لِأَن النسْوَة فهمن من طول الْيَد الْجَارِحَة، وَإِنَّمَا المُرَاد بالطول كَثْرَة الصَّدَقَة، قَالَه الْمُهلب، وَلكنه غير مطرد فِي جَمِيع الْأَحْوَال. وَفِيه: علم من أَعْلَام النُّبُوَّة ظَاهر. وَفِيه: أَنه لما كَانَ السُّؤَال عَن آجال مقدرَة لَا تعلم إلَاّ بِالْوَحْي، أجابهنصلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِلَفْظ غير صَرِيح، وأحالهن على مَا لَا يتَبَيَّن إلَاّ بِآخِرهِ، وساغ ذَلِك لكَونه لَيْسَ من الْأَحْكَام التكليفية. وَفِيه: على مَا قَالَه بَعضهم جَوَاز إِطْلَاق اللَّفْظ الْمُشْتَرك بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز بِغَيْر قرينَة إِذا لم يكن هُنَاكَ مَحْذُور. قلت: لَيْت شعري مَا اللَّفْظ الْمُشْتَرك هُنَا حَتَّى يجوز إِطْلَاقه بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز؟ فَإِن كَانَ مُرَاده لفظ: الطول، فَهُوَ غير مُشْتَرك، بل هُوَ ترشيح الإستعادة، وَإِن كَانَ مُرَاده لفظ: الْيَد، فَهُوَ لَيْسَ بمشترك هُنَا، بل هُوَ اسْتِعَارَة للصدقة على مَا ذكرنَا.
٢١ - (بابُ صَدَقَةِ العَلَانِيَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر صَدَقَة الْعَلَانِيَة، وَلم يذكر فِيهِ شَيْئا من الحَدِيث، لِأَن الظَّاهِر أَنه لم يجد حَدِيثا فِيهِ على شَرطه، وَاكْتفى بِالْآيَةِ.
وقَوْلِهِ {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ والنَّهَارِ سِرَّا وعَلَانِيَّةً} إِلَى قولِهِ {وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} (الْبَقَرَة: ٤٧٢) .
وَقَوله: بِالْجَرِّ، عطف على قَوْله: صَدَقَة الْعَلَانِيَة، وَهُوَ أَيْضا من التَّرْجَمَة، وَقد سَقَطت فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَثبتت لغيره، وَقد اخْتلفُوا فِي سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة، فَذكر الواحدي: أَنَّهَا نزلت فِي أَصْحَاب الْخَيل، وَهُوَ قَول أبي أُمَامَة وَأبي الدَّرْدَاء وَمَكْحُول وَالْأَوْزَاعِيّ عَن رَبَاح، وَرَوَاهُ ابْن غَرِيب عَن أَبِيه عَن جده مَرْفُوعا. قلت: روى ابْن أبي حَاتِم من حَدِيث أبي أُمَامَة أَنَّهَا نزلت فِي أَصْحَاب الْخَيل الَّذين يربطونها فِي سَبِيل الله. وَقَالَ مُجَاهِد والكلبي وَابْن عَبَّاس: نزلت فِي عَليّ بن أبي طَالب، كَانَ عِنْده أَرْبَعَة دَرَاهِم فأنفق بِاللَّيْلِ وَاحِدًا وبالنهار وَاحِدًا وَفِي السِّرّ وَاحِدًا وَفِي الْعَلَانِيَة وَاحِدًا. زَاد الْكَلْبِيّ، فَقَالَ لَهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا حملك على هَذَا؟ قَالَ: حَملَنِي أَن أستوجب على الله تَعَالَى الَّذِي وَعَدَني. فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَلا إِن ذَلِك لَك، فَأنْزل الله هَذِه الْآيَة. وَرَوَاهُ عبد الرَّزَّاق أَيْضا بِإِسْنَاد فِيهِ ضعف إِلَى ابْن عَبَّاس، وَرَوَاهُ أَيْضا ابْن جرير من طَرِيق عبد الْوَهَّاب بن مُجَاهِد عَن أَبِيه نَحوه، وَرَوَاهُ ابْن مرْدَوَيْه من وَجه آخر عَن ابْن عَبَّاس. وَفِي (الْكَشَّاف) نزلت فِي أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: إِذا أنْفق أَرْبَعِينَ ألف دِينَار وَعشرَة الْألف سرا وَعشرَة آلَاف جَهرا وَعشرَة آلَاف لَيْلًا وَعشرَة آلَاف نَهَارا. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: قَالَ آخَرُونَ: عَنى بِالْآيَةِ قوما أَنْفقُوا فِي سَبِيل الله فِي غير إِسْرَاف وَلَا تقتير. وَقَالَ قَتَادَة: نزلت فِيمَن أنْفق مَاله فِي سَبِيل الله، لقَوْله: صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن المكثرين هم الأقلون يَوْم الْقِيَامَة إلَاّ من قَالَ بِالْمَالِ هَكَذَا وَهَكَذَا، عَن يَمِينه وشماله وَقَلِيل مَا هم، هَؤُلَاءِ قوم أَنْفقُوا فِي سَبِيل الله فِي غير سرف وَلَا إملاق وَلَا تبذير وَلَا فَسَاد) . قَوْله إِلَى قَوْله: {وَلَا هم يَحْزَنُونَ} (الْبَقَرَة: ٤٧٢) . أَرَادَ تَمام الْآيَة، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {فَلهم أجرهم عِنْد رَبهم وَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ} (الْبَقَرَة: ٤٧٢) . أَي: لَهُم أجرهم يَوْم الْقِيَامَة على مَا فعلوا من الْإِنْفَاق فِي الطَّاعَات، فَلَا خوف عَلَيْهِم عِنْد الْمَوْت، وَلَا هم يَحْزَنُونَ يَوْم الْقِيَامَة.
٣١ - (بابُ صَدَقَةِ السِّرِّ)
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر صَدَقَة السِّرّ، وَلم يذكر فِي هَذَا الْبَاب إلَاّ الحَدِيث الْمُعَلق وَالْآيَة الْكَرِيمَة.
وقَالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ورَجُلٌ تصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فأخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا صَنعَتْ يَمِينُهُ
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن قَوْله: (فأخفاها) أَي: الصَّدَقَة، وَهِي صَدَقَة السِّرّ، وَهَذَا الْمُعَلق ذكره مَوْصُولا فِي: بَاب من جلس فِي الْمَسْجِد ينْتَظر الصَّلَاة، عَن مُحَمَّد بن بشار عَن يحيى عَن عبيد الله عَن حبيب بن عبد الرَّحْمَن عَن حَفْص بن عَاصِم عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: سَبْعَة يظلهم الله فِي ظله ... الحَدِيث، وَهَذَا الْمُعَلق قِطْعَة مِنْهُ، وَلَكِن لَفظه هُنَاكَ: (وَرجل تصدق بِصَدقَة وأخفى حَتَّى لَا تعلم شِمَاله مَا تنْفق يَمِينه) . وَذكره أَيْضا بِتَمَامِهِ فِي الْبَاب الثَّالِث بعد هَذَا الْبَاب، وَهُوَ: بَاب الصَّدَقَة بِالْيَمِينِ، على مَا يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قَوْله: (وَرجل) ، عطف على مَا قبله فِي الحَدِيث الْمَذْكُور.
وقالَ الله تَعَالى: {وَإنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفُقَرَاءَ فَهْوَ خَيْرٌ لَكُمْ} (الْبَقَرَة: ١٧٢) .
مُطَابقَة هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وأولها: {إِن تبدوا الصَّدقَات فَنعما هِيَ} (الْبَقَرَة: ١٧٢) . أَي: إِن أظهرتموا الصَّدَقَة فَنعم شَيْء هِيَ. وَقيل: فنعمت الْخصْلَة هِيَ، نزلت لما سَأَلُوا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: صَدَقَة السِّرّ أفضل أم الْجَهْل؟ قَالَ الطَّبَرِيّ: وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَن قَوْله تَعَالَى: {إِن تبدوا الصَّدقَات فَنعما هِيَ} (الْبَقَرَة: ١٧٢) . إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ} (الْبَقَرَة: ٤٧٢) . كَانَ هَذَا يعْمل بِهِ قبل أَن تنزل بَرَاءَة، فَلَمَّا نزلت بَرَاءَة بفرائض الصَّدقَات أقربت الصَّدقَات إِلَيْهَا. وَعَن قَتَادَة: {إِن تبدوا الصَّدقَات فَنعما هِيَ وَإِن تخفوها} (الْبَقَرَة: ١٧٢) . كل مَقْبُول إِذا كَانَت النِّيَّة صَادِقَة، وَصدقَة السِّرّ أفضل. وَذكر لنا أَن الصَّدَقَة تطفىء الْخَطِيئَة كَمَا يطفىء المَاء النَّار. وَقَالَهُ أَيْضا الرّبيع، وَعَن ابْن عَبَّاس: جعل الله صَدَقَة السِّرّ فِي التَّطَوُّع تفضل علانيتها يُقَال: بسبعين ضعفا، وَجعل صَدَقَة الْفَرِيضَة علانيتها تفضل من سرها يُقَال بِخَمْسَة وَعشْرين ضعفا، وَكَذَلِكَ جَمِيع الْفَرَائِض والنوافل فِي الْأَشْيَاء كلهَا. وَقَالَ سُفْيَان: هُوَ سوى الزَّكَاة، وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا عَنى الله جلّ ثَنَاؤُهُ بقوله: {إِن تبدوا الصَّدقَات} (الْبَقَرَة: ١٧٢) . يَعْنِي على أهل الْكِتَابَيْنِ من الْيَهُود وَالنَّصَارَى فَنعما
هِيَ، وَإِن تخفوها وتؤتوها فقراءهم فَهُوَ خير لكم. قَالُوا: فَأَما من أعْطى فُقَرَاء الْمُسلمين من زَكَاة وَصدقَة وتطوع فإخفاؤه أفضل، ذكر ذَلِك يزِيد بن أبي حبيب. وَنقل الطَّبَرِيّ وَغَيره الْإِجْمَاع على أَن الإعلان فِي صَدَقَة الْفَرْض أفضل من الْإخْفَاء وَصدقَة التَّطَوُّع على الْعَكْس من ذَلِك. وَنقل أَبُو إِسْحَاق الزّجاج أَن إخفاء الزَّكَاة فِي زمن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَانَ أفضل، فَأَما بعده فَإِن الظَّن يساء بِمن أخفاها، فَلهَذَا كَانَ إِظْهَار الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة أفضل. وَقَالَ أَبُو عَطِيَّة: وَيُشبه فِي زَمَاننَا أَن يكون الْإخْفَاء بِصَدقَة الْفَرْض أفضل، فقد كثر الْمَانِع لَهَا وَصَارَ إخْرَاجهَا عرضة للرياء. قَوْله: {إِن تبدوا} (الْبَقَرَة: ١٧٢) . قَالَ الزّجاج: يَعْنِي: تظهروا، يُقَال: بدا يَبْدُو إِذا ظهر، وأبديته إبداء إِذا أظهرته، وبدا لي بداء إِذا تغير رَأْيه عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ. قَوْله: {فَنعما هِيَ} (الْبَقَرَة: ١٧٢) . فِيهِ قراآت موضعهَا فِي محلهَا. قَوْله: {وَإِن تخفوها} (الْبَقَرَة: ١٧٢) . من الْإخْفَاء، يُقَال: أخفيت الشَّيْء إخفاء إِذا سترته، وخفي الشَّيْء خَفَاء إِذا استتر، وخفيته أخفيه خفِيا إِذا أظهرته. وَأهل الْمَدِينَة يسمون النباش المختفي. وَفِي تَفْسِير ابْن كثير. قَوْله: {وَإِن تخفوها وتؤتوها الْفُقَرَاء} (الْبَقَرَة: ١٧٢) . فِيهِ دَلِيل على أَن إسرار الصَّدَقَة أفضل من إظهارها، لِأَنَّهُ أبعد عَن الرِّيَاء إلَاّ أَن يتربت على الْإِظْهَار مصلحَة راجحة من اقْتِدَاء النَّاس بِهِ، فَيكون أفضل من هَذِه الْحَيْثِيَّة، والإسرار أفضل لهَذِهِ الْآيَة. وَلما ثَبت فِي (الصَّحِيح) عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (سَبْعَة يظلهم الله) الحَدِيث، وَقَالَ الإِمَام أَحْمد: حَدثنَا يزِيد بن هَارُون أخبرنَا الْعَوام بن حَوْشَب عَن سُلَيْمَان بن أبي سُلَيْمَان عَن أنس بن مَالك، عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (لما خلق الله الأَرْض جعلت تميد، فخلق الْجبَال فألقاها عَلَيْهَا فاستقرت، فتعجب الْمَلَائِكَة من خلق الْجبَال، فَقَالَت: يَا رب، فَهَل من خلقك شَيْء أَشد من الْجبَال؟ فَقَالَ: نعم الْحَدِيد. قَالَت: يَا رب فَهَل من خلقك شَيْء أَشد من الْحَدِيد؟ قَالَ: نعم النَّار. قَالَت: يَا رب فَهَل من خلقك شَيْء أَشد من النَّار؟ قَالَ: نعم المَاء. قَالَت: يَا رب فَهَل من خلقك شَيْء أَشد من المَاء؟ قَالَ: نعم الرّيح. قَالَت: يَا رب فَهَل من خلقك شَيْء أَشد من الرّيح؟ قَالَ: نعم، ابْن آدم يتَصَدَّق بِيَمِينِهِ فيخفيها من شِمَاله) . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: حَدثنَا أبي، قَالَ: حَدثنَا الْحُسَيْن بن زِيَاد الْمحَاربي، مُؤذن محَارب، أخبرنَا مُوسَى بن عُمَيْر عَن عَامر الشّعبِيّ. فِي قَوْله تَعَالَى: {إِن تبدوا الصَّدقَات فَنعما هِيَ وَإِن تخفوها وتؤتوها الْفُقَرَاء فَهُوَ خير لكم} (الْبَقَرَة: ١٧٢) . قَالَ: أنزلت فِي أبي بكر وَعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. أما عمر: فجَاء بِنصْف مَاله حَتَّى دَفعه إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ لَهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا خلفت وَرَاءَك لأهْلك يَا عمر؟ قَالَ: خلفت لَهُم نصف مَالِي. وَأما أَبُو بكر، فجَاء بِمَالِه كُله، فكاد أَن يخفيه من نَفسه حَتَّى دَفعه إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ لَهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا خلفت وَرَاءَك يَا أَبَا بكر؟ فَقَالَ: عدَّة الله وعدة رَسُوله، فَبكى عمر، وَقَالَ: بِأبي أَنْت يَا أَبَا بكر، وَالله مَا أسبقنا إِلَى بَاب خير قطّ ألَاّ كنت سَابِقًا، وَتَمام الْآيَة الْمَذْكُورَة: {ونكفر عَنْكُم من سَيِّئَاتكُمْ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير} (الْبَقَرَة: ١٧٢) . أَي: نكفر عَنْكُم بدل الصَّدقَات من سَيِّئَاتكُمْ أَي من ذنوبكم، قَرَأَ ابْن عَامر وَعَاصِم من رِوَايَة حَفْص: يكفر، بِالْيَاءِ وَضم الرَّاء، وَقَرَأَ حَمْزَة وَنَافِع وَالْكسَائِيّ: ونكفر، بالنُّون وَجزم الرَّاء، وَقَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو عَمْرو وَعَاصِم فِي رِوَايَة أبي بكر: ونكفر، بالنُّون وَضم الرَّاء {وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير} (الْبَقَرَة: ١٧٢) . أَي: لَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء من ذَلِك وسيجزيكم عَلَيْهِ، وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال.
٤١ - (بابٌ إذَا تَصَدَّقَ عَلَى غَنِيٍّ وَهْوَ لَا يَعْلَمُ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا تصدق رجل على شخص غَنِي، وَالْحَال أَنه لم يعلم أَنه غَنِي، يَعْنِي ظَنّه فَقِيرا. وَجَوَاب: إِذا، مُقَدّر أَي: فصدقته مَقْبُولَة، وَإِن كَانَت وَقعت فِي غير محلهَا لعدم التَّقْصِير من جِهَته.
٢٥ - (حَدثنَا أَبُو الْيَمَان قَالَ أخبرنَا شُعَيْب قَالَ حَدثنَا أَبُو الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. قَالَ قَالَ رجل لأتصدقن بِصَدقَة فَخرج بِصَدَقَتِهِ فوضعها فِي يَد سَارِق فَأَصْبحُوا يتحدثون تصدق على سَارِق فَقَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمد لأتصدقن بِصَدقَة فَخرج
بِصَدَقَتِهِ فوضعها فِي يَدي زَانِيَة فَأَصْبحُوا يتحدثون تصدق اللَّيْلَة على زَانِيَة فَقَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمد على زَانِيَة لأتصدقن بِصَدقَة فَخرج بِصَدَقَتِهِ فوضعها فِي يَدي غَنِي فَأَصْبحُوا يتحدثون تصدق على غَنِي فَقَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمد على سَارِق وعَلى زَانِيَة وعَلى غَنِي فَأتي فَقيل لَهُ أما صدقتك على سَارِق فَلَعَلَّهُ أَن يستعف عَن سَرقته وَأما الزَّانِيَة فلعلها أَن تستعف عَن زنَاهَا وَأما الْغَنِيّ فَلَعَلَّهُ أَن يعْتَبر فينفق مِمَّا أعطَاهُ الله) مطابقته للتَّرْجَمَة من قَوْله " فَخرج بِصَدَقَتِهِ فوضعها فِي يَد غَنِي " (فَإِن قلت) الْمَذْكُور فِي الحَدِيث ثَلَاثَة أَشْيَاء فَمَا وَجه التَّرْجَمَة فِي التَّصَدُّق على الْغَنِيّ (قلت) التَّصَدُّق على الْغَنِيّ لَا يجوز على كل حَال حَتَّى إِذا أعْطى زَكَاته لَغَنِيّ يَظُنّهُ فَقِيرا ثمَّ بَان لَهُ أَنه غَنِي يُعِيد زَكَاته عِنْد الْبَعْض على مَا نذكرهُ عَن قريب إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَأما دَفعهَا إِلَى سَارِق فَقِيرا وَإِلَى زَانِيَة فقيرة فَهُوَ جَائِز بِلَا خلاف. (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة قد ذكرُوا غير مرّة وَأَبُو الْيَمَان بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف الحكم بن نَافِع الْحِمصِي وَشُعَيْب بن حَمْزَة الْحِمصِي وَأَبُو الزِّنَاد بالزاي وَالنُّون ذكْوَان والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين والإخبار كَذَلِك فِي مَوضِع وَفِيه العنعنة فِي موضِعين وَفِي رِوَايَة مَالك فِي الغرائب للدارقطني عَن أبي الزِّنَاد أَن عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز أخبرهُ أَنه سمع أَبَا هُرَيْرَة وَفِيه راويان مذكوران بكنيتهما وَالْآخر بلقبه وَالْآخر مُجَردا عَن نِسْبَة فَافْهَم. والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي الزَّكَاة بِالْإِسْنَادِ وَأخرجه مُسلم من حَدِيث مُوسَى بن عقبَة عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج " عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ قَالَ رجل لأتصدقن اللَّيْلَة بِصَدقَة فَخرج بِصَدَقَتِهِ فوضعها فِي يَد زَانِيَة فَأَصْبحُوا يتحدثون تصدق اللَّيْلَة على زَانِيَة قَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمد على زَانِيَة لأتصدقن بِصَدقَة فَخرج بِصَدَقَتِهِ فوضعها فِي يَد غَنِي فَأَصْبحُوا يتحدثون تصدق على غَنِي قَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمد على غَنِي لأتصدقن بِصَدقَة فَخرج بِصَدَقَتِهِ فوضعها فِي يَد سَارِق فَأَصْبحُوا يتحدثون تصدق على سَارِق فَقَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمد على زَانِيَة وعَلى غَنِي وعَلى سَارِق فَأتى فَقيل لَهُ أما صدقتك فقد قبلت أما الزَّانِيَة فلعلها تستعف بهَا عَن زنَاهَا وَلَعَلَّ الْغَنِيّ يعْتَبر فينفق مِمَّا أعطَاهُ الله وَلَعَلَّ السَّارِق يستعف بهَا عَن سَرقته " (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " قَالَ رجل " لم يعرف اسْمه وَوَقع عِنْد أَحْمد من طَرِيق ابْن لَهِيعَة عَن الْأَعْرَج فِي هَذَا الحَدِيث أَنه كَانَ من بني إِسْرَائِيل قَوْله " لأتصدقن " فِي معرض الْقسم فَلذَلِك أكده بِاللَّامِ وَالنُّون الْمُشَدّدَة كَأَنَّهُ قَالَ وَالله لأتصدقن وَهُوَ من بَاب الِالْتِزَام كالنذر قَوْله " بِصَدقَة " وَفِي رِوَايَة أبي عوَانَة عَن أبي أُميَّة عَن أبي الْيَمَان بِهَذَا الْإِسْنَاد " لأتصدقن اللَّيْلَة " وَفِي رِوَايَة مُسلم " لأتصدقن فِي اللَّيْلَة بِصَدقَة " قَوْله " فوضعها فِي يَد سَارِق " أَي فَوضع صدقته فِي يَد سَارِق من غير أَن يعلم أَنه سَارِق قَوْله " فَأَصْبحُوا " أَي الْقَوْم الَّذين فيهم هَذَا الرجل الْمُتَصَدّق قَوْله " يتحدثون " فِي مَحل النصب لِأَنَّهُ خبر أَصْبحُوا الَّذِي هُوَ من الْأَفْعَال النَّاقِصَة قَوْله " تصدق " على صِيغَة الْمَجْهُول هَذَا إِخْبَار فِي معنى التَّعَجُّب وَالْإِنْكَار وَفِي رِوَايَة أبي أُميَّة " تصدق اللَّيْلَة على سَارِق " وَفِي رِوَايَة ابْن لَهِيعَة " تصدق على فلَان السَّارِق " قَوْله " فَقَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمد " أَي على تصدقي على سَارِق هَذَا وَارِد إِمَّا إنكارا أَو إِمَّا تَعَجبا أما الْإِنْكَار فَأن يجْرِي الْحَمد على الشُّكْر وَذَلِكَ أَنه لما جزم أَن يتَصَدَّق على مُسْتَحقّ لَيْسَ بعده بِدلَالَة التنكير فِي صَدَقَة أبرز كَلَامه فِي معرض القسمية تَأْكِيدًا وقطعا للقبول بِهِ فَلَمَّا جوزي بِوَضْعِهِ على يَد سَارِق حمد الله بِأَنَّهُ لم يقدر على من هُوَ أَسْوَأ حَالا من السَّارِق وَأما التَّعَجُّب فَأن يجْرِي الْحَمد على غير الشُّكْر وَأَن يعظم الله تَعَالَى عِنْد رُؤْيَة الْعجب كَمَا يُقَال سُبْحَانَ الله عِنْد مُشَاهدَة مَا يتعجب مِنْهُ وللتعظيم قرن بِهِ اللَّهُمَّ قَوْله " لَك الْحَمد على زَانِيَة " قَالَ الطَّيِّبِيّ لما قَالُوا تصدق على زَانِيَة تعجب هُوَ أَيْضا من فعل نَفسه وَقَالَ الْحَمد لله على زَانِيَة أَي أَتصدق عَلَيْهَا فَهُوَ مُتَعَلق بِمَحْذُوف انْتهى (قلت) معنى قَوْله على زَانِيَة مُتَعَلق بِمَحْذُوف وَهُوَ قَوْله أتصدقت وَلَيْسَ هُوَ مُتَعَلقا بقوله لَك الْحَمد وَلم يفهم معنى هَذَا بَعضهم حَتَّى قَالَ وَلَا يخفى بعد هَذَا وَقَالَ الْكرْمَانِي (فَإِن قلت) مَا معنى الْحَمد عَلَيْهِ وَهُوَ لَا يكون إِلَّا على أَمر جميل وَمَا فَائِدَة تَقْدِيم
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا قَالَ أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغِنَى وَلَا تُمْهِلُ حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ قُلْتَ لِفُلَانٍ كَذَا وَلِفُلَانٍ كَذَا وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ"
[الحديث ١٤١٩ - طرفه في: ٢٧٤٨]
قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ صَدَقَةِ الشَّحِيحِ الصَّحِيحِ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَلِغَيْرِهِ: أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ، وَصَدَقَةُ الشَّحِيحِ الصَّحِيحِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ الْآيَةَ، فَعَلَى الْأَوَّلِ الْمُرَادُ فَضْلُ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِ وَهُوَ وَاضِحٌ، وَعَلَى الثَّانِي كَأَنَّهُ تَرَدَّدَ فِي إِطْلَاقِ أَفْضَلِيَّةِ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ، فَأَوْرَدَ التَّرْجَمَةَ بِصِيغَةِ الِاسْتِفْهَامِ، قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ مَا مُلَخَّصُهُ: مُنَاسَبَةُ الْآيَةِ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ التَّحْذِيرُ مِنَ التَّسْوِيفِ بِالْإِنْفَاقِ اسْتِبْعَادًا لِحُلُولِ الْأَجَلِ وَاشْتِغَالًا بِطُولِ الْأَمَلِ، وَالتَّرْغِيبُ فِي الْمُبَادَرَةِ بِالصَّدَقَةِ قَبْلَ هُجُومِ الْمَنِيَّةِ وَفَوَاتِ الْأُمْنِيَةِ. وَالْمُرَادُ بِالصِّحَّةِ فِي الْحَدِيثِ مَنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي مَرَضٍ مَخُوفٍ فَيَتَصَدَّقُ عِنْدَ انْقِطَاعِ أَمَلِهِ مِنَ الْحَيَاةِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ فِي آخِرِهِ بِقَوْلِهِ: وَلَا تُمْهِلْ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ، وَلَمَّا كَانَتْ مُجَاهَدَةُ النَّفْسِ عَلَى إِخْرَاجِ الْمَالِ مَعَ قِيَامِ مَانِعِ الشُّحِّ دَالًّا عَلَى صِحَّةِ الْقَصْدِ وَقُوَّةِ الرَّغْبَةِ فِي الْقُرْبَةِ كَانَ ذَلِكَ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ نَفْسَ الشُّحِّ هُوَ السَّبَبُ فِي هَذِهِ الْأَفْضَلِيَّةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ فِي رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ تَقْدِيمُ آيَةِ الْمُنَافِقِينَ عَلَى آيَةِ الْبَقَرَةِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ بِالْعَكْسِ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ) هُوَ ابْنُ زِيَادٍ.
قَوْلُهُ: (جَاءَ رَجُلٌ) لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَتِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَبَا ذَرٍّ، فَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ عَنْهُ أَنَّهُ سَأَلَ: أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ، لَكِنَّ فِي الْجَوَابِ: جُهْدٌ مِنْ مُقِلٍّ، أَوْ سَرٍّ إِلَى فَقِيرٍ، وَكَذَا رَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ أَبَا ذَرٍّ سَأَلَ فَأُجِيبُ.
قَوْلُهُ: (أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا) فِي الْوَصَايَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ: أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ.
قَوْلُهُ: (أَنْ تَصَّدَّقَ) بِتَشْدِيدِ الصَّادِ وَأَصْلُهُ تَتَصَدَّقَ، فَأُدْغِمَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ.
قَوْلُهُ: (وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ) فِي الْوَصَايَا: وَأَنْتَ صَحِيحٌ حَرِيصٌ. قَالَ صَاحِبُ الْمُنْتَهَى: الشُّحُّ بُخْلٌ مَعَ حِرْصٍ. وَقَالَ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ: الشُّحُّ مُثَلَّثُ الشِّينِ وَالضَّمُّ أَعْلَى. وَقَالَ صَاحِبُ الْجَامِعِ: كَأَنَّ الْفَتْحَ فِي الْمَصْدَرِ وَالضَّمَّ فِي الِاسْمِ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِيهِ أَنَّ الْمَرَضَ يُقَصِّرُ يَدَ الْمَالِكِ عَنْ بَعْضِ مِلْكِهِ، وَأَنَّ سَخَاوَتَهُ بِالْمَالِ فِي مَرَضِهِ لَا تَمْحُو عَنْهُ سِيمَةَ الْبُخْلِ، فَلِذَلِكَ شَرَطَ صِحَّةَ الْبَدَنِ فِي الشُّحِّ بِالْمَالِ، لِأَنَّهُ فِي الْحَالَتَيْنِ يَجِدُ لِلْمَالِ وَقْعًا فِي قَلْبِهِ لِمَا يَأْمُلُهُ مِنَ الْبَقَاءِ فَيَحْذَرُ مَعَهُ الْفَقْرَ، وَأَحَدُ الْأَمْرَيْنِ لِلْمُوصِي وَالثَّالِثُ لِلْوَارِثِ، لِأَنَّهُ إِذَا شَاءَ أَبْطَلَهُ. قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الثَّالِثُ لِلْمُوصِي أَيْضًا لِخُرُوجِهِ عَنِ الِاسْتِقْلَالِ بِالتَّصَرُّفِ فِيمَا يَشَاءُ، فَلِذَلِكَ نَقَصَ ثَوَابُهُ عَنْ حَالِ الصِّحَّةِ. قَالَ ابنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ: لَمَّا كَانَ الشُّحُّ غَالِبًا فِي الصِّحَّةِ فَالسَّمَاحُ فِيهِ بِالصَّدَقَةِ أَصْدَقُ فِي النِّيَّةِ وَأَعْظَمُ لِلْأَجْرِ، بِخِلَافِ مَنْ يَئِسَ مِنَ الْحَيَاةِ، وَرَأَى مَصِيرَ الْمَالِ لِغَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (وَتَأْمُلُ) بِضَمِّ الْمِيمِ أَيْ: تَطْمَعُ.
قَوْلُهُ: (إِذَا بَلَغَتْ) أَيِ: الرُّوحُ، وَالْمُرَادُ قَارَبَتْ بُلُوغَهُ، إِذْ لَوْ بَلَغَتْهُ حَقِيقَةً لَمْ يَصِحَّ شَيْءٌ مِنْ تَصَرُّفَاتِهِ. وَلَمْ يَجْرِ لِلرُّوحِ ذِكْرٌ اغْتِنَاءً بِدَلَالَةِ السِّيَاقِ. وَالْحُلْقُومُ مَجْرَى النَّفَسِ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْعِلْمِ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الْوَصَايَا، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ بَعْضَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ قُلْنَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أَيُّنَا أَسْرَعُ بِكَ لُحُوقًا؟ قَالَ: أَطْوَلُكُنَّ يَدًا، فَأَخَذُوا قَصَبَةً يَذْرَعُونَهَا، فَكَانَتْ سَوْدَةُ أَطْوَلَهُنَّ يَدًا، فَعَلِمْنَا بَعْدُ أَنَّمَا كَانَتْ طُولَ يَدِهَا الصَّدَقَةُ، وَكَانَتْ أَسْرَعَنَا لُحُوقًا بِهِ، وَكَانَتْ تُحِبُّ الصَّدَقَةَ.
قَوْلُهُ: (بَابُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَبِهِ جَزَمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَسَقَطَ لِأَبِي ذَرٍّ، فَعَلَى رِوَايَتِهِ هُوَ مِنْ تَرْجَمَةِ فَضْلِ صَدَقَةِ الصَّحِيحِ، وَعَلَى رِوَايَةِ غَيْرِهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْفَصْلِ مِنْهُ، وَأَوْرَدَ فِيهِ الْمُصَنِّفُ قِصَّةَ سُؤَالِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْهُ: أَيَّتُهُنَّ أَسْرَعُ لُحُوقًا بِهِ، وَفِيهِ قَوْلُهُ لَهُنَّ: أَطْوَلُكُنَّ يَدًا. الْحَدِيثَ. وَوَجْهُ تَعَلُّقِهِ بِمَا قَبْلَهُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ تَضَمَّنَ أَنَّ الْإِيثَارَ وَالِاسْتِكْثَارَ مِنَ الصَّدَقَةِ فِي زَمَنِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْعَمَلِ سَبَبٌ لِلَّحَاقِ بِالنَّبِيِّ ﷺ، وَذَلِكَ الْغَايَةُ فِي الْفَضِيلَةِ، أَشَارَ إِلَى هَذَا الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ. وقَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: وَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ أَنَّهُ تَبَيَّنَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُرَادَ بِطُولِ الْيَدِ الْمُقْتَضِي لِلَّحَاقِ بِهِ الطَّوْلُ (١)، وَذَلِكَ إِنَّمَا يَتَأَتَّى لِلصَّحِيحِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِالْمُدَاوَمَةِ فِي حَالِ الصِّحَّةِ، وَبِذَلِكَ يَتِمُّ الْمُرَادُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (إِنَّ بَعْضَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ أَقِفْ عَلَى تَعْيِينِ السَّائِلَةِ مِنْهُنَّ عَنْ ذَلِكَ، إِلَّا عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ حَمَّادٍ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ: قَالَتْ: فَقُلْتُ. بِالْمُثَنَّاةِ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ: فَقُلْنَ بِالنُّونِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (أَسْرَعُ بِكَ لُحُوقًا) مَنْصُوبٌ عَلَى التَّمْيِيزِ، وَكَذَا قَوْلُهُ: يَدًا، وَأَطُولُكُنَّ مَرْفُوعٌ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
قَوْلُهُ: (فَأَخَذُوا قَصَبَةً يَذْرَعُونَهَا) أَيْ: يُقَدِّرُونَهَا بِذِرَاعِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ بِلَفْظِ جَمْعِ الْمُذَكَّرِ بِالنَّظَرِ إِلَى لَفْظِ الْجَمْعِ لَا بِلَفْظِ جَمَاعَةِ النِّسَاءِ، وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ:
وَإِنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمْ
أَنَّهُ ذَكَرَهُ بِلَفْظِ جَمْعِ الْمُذَكَّرِ تَعْظِيمًا. وَقَوْلُهُ: أَطُولُكُنَّ يُنَاسِبُ ذَلِكَ، وَإِلَّا لَقَالَ: طُولَاكُنَّ.
قَوْلُهُ: (فَكَانَتْ سَوْدَةُ) زَادَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ عَفَّانَ، عَنْ أَبِي عَوَانَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ: بِنْتُ زَمْعَةَ بْنِ قَيْسٍ.
قَوْلُهُ: (أَطْوَلُهُنَّ يَدًا) فِي رِوَايَةِ عَفَّانَ: ذِرَاعًا، وَهِيَ تُعِينُ أَنَّهُنَّ فَهِمْنَ مِنْ لَفْظِ الْيَدِ الْجَارِحَةَ.
قَوْلُهُ: (فَعَلِمْنَا بَعْدُ) أَيْ: لَمَّا مَاتَتْ أَوَّلُ نِسَائِهِ بِهِ لُحُوقًا.
قَوْلُهُ: (إِنَّمَا) بِالْفَتْحِ، وَالصَّدَقَةُ بِالرَّفْعِ، وَطُولَ يَدِهَا بِالنَّصْبِ لِأَنَّهُ الْخَبَرُ.
قَوْلُهُ: (وَكَانَتْ أَسْرَعَنَا) كَذَا وَقَعَ فِي الصَّحِيحِ بِغَيْرِ تَعْيِينٍ، وَوَقَعَ فِي التَّارِيخِ الصَّغِيرِ لِلْمُصَنِّفِ عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ: فَكَانَتْ سَوْدَةُ أَسْرَعَنَا إِلَخْ. وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ الْعَبَّاسِ الدُّورِيِّ، عَنْ مُوسَى، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ عَفَّانَ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَابْنِ سَعْدٍ عَنْهُ: قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: قَالَ لَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ - يَعْنِي الْوَاقِدِيَّ - هَذَا الْحَدِيثُ: وُهِلَ فِي سَوْدَةَ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، فَهِيَ أَوَّلُ نِسَائِهِ بِهِ لُحُوقًا، وَتُوُفِّيَتْ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ وَبَقِيَتْ سَوْدَةُ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَتْ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ. قَالَ ابنُ بَطَّالٍ: هَذَا الْحَدِيثُ سَقَطَ مِنْهُ ذِكْرُ زَيْنَبَ لِاتِّفَاقِ أَهْلِ السِّيَرِ عَلَى أَنَّ زَيْنَبَ أَوَّلُ مَنْ مَاتَ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ، يَعْنِي أَنَّ الصَّوَابَ: وَكَانَتْ زَيْنَبُ أَسْرَعَنَا إِلَخْ، وَلَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ تِلْكَ الرِّوَايَاتُ الْمُتَقَدِّمَةُ الْمُصَرَّحُ فِيهَا بِأَنَّ الضَّمِيرَ لِسَوْدَةَ. وَقَرَأْتُ بِخَطِّ الْحَافِظِ أَبِي عَلِيٍّ الصَّدَفِيِّ: ظَاهِرُ هَذَا اللَّفْظِ أَنَّ سَوْدَةَ كَانْتَ أَسْرَعَ، وَهُوَ خِلَافُ الْمَعْرُوفِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ زَيْنَبَ أَوَّلُ مَنْ مَاتَ مِنَ الْأَزْوَاجِ، ثُمَّ نَقَلَهُ عَنْ مَالِكٍ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنِ الْوَاقِدِيِّ، قَالَ: وَيُقَوِّيهِ رِوَايَةُ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ.
وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: هَذَا الْحَدِيثُ غَلَطٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَالْعَجَبُ مِنَ الْبُخَارِيِّ، كَيْفَ لَمْ يُنَبِّهْ عَلَيْهِ وَلَا أَصْحَابُ التَّعَالِيقِ، وَلَا عَلِمَ بِفَسَادِ
ذَلِكَ الْخَطَّابِيُّ، فَإِنَّهُ فَسَّرَهُ، وَقَالَ: لُحُوقُ سَوْدَةَ بِهِ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ. وَكُلُّ ذَلِكَ وَهَمٌ، وَإِنَّمَا هِيَ زَيْنَبُ، فَإِنَّهَا كَانَتْ أَطْوَلَهُنَّ يَدًا بِالْعَطَاءِ كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ بِلَفْظِ: فَكَانَتْ أَطْوَلَنَا يَدًا زينب، لِأَنَّهَا كَانَتْ تَعْمَلُ وَتَتَصَدَّقُ. انْتَهَى. وَتَلَقَّى مُغَلْطَايْ كَلَامَ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، فَجَزَمَ بِهِ وَلَمْ يَنْسُبْهُ لَهُ. وَقَدْ جَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، فَقَالَ الطِّيبِيُّ: يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِيمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ: الْمُرَادُ الْحَاضِرَاتُ مِنْ أَزْوَاجِهِ دُونَ زَيْنَبَ، وَكَانَتْ سَوْدَةُ أَوَّلُهُنَّ مَوْتًا. قُلْتُ: وَقَدْ وَقَعَ نَحْوُهُ فِي كَلَامِ مُغَلْطَايْ، لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَى هَذَا أَنَّ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ حَمَّادٍ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ أَنَّ نِسَاءَ النَّبِيِّ ﷺ اجْتَمَعْنَ عِنْدَهُ لَمْ تُغَادِرْ مِنْهُنَّ وَاحِدَةٌ، ثُمَّ هُوَ مَعَ ذَلِكَ إِنَّمَا يَتَأَتَّى عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي وَفَاةِ سَوْدَةَ، فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَى سَعِيدِ بْنِ هِلَالٍ، أَنَّهُ قَالَ: مَاتَتْ سَوْدَةُ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ، وَجَزَمَ الذَّهَبِيُّ فِي التَّارِيخِ الْكَبِيرِ بِأَنَّهَا مَاتَتْ فِي آخِرِ خِلَافَةِ عُمَرَ، وَقَالَ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ: أَنَّهُ الْمَشْهُورُ. وَهَذَا يُخَالِفُ مَا أَطْلَقَهُ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ حَيْثُ قَالَ: أَجْمَعَ أَهْلُ السِّيَرِ عَلَى أَنَّ زَيْنَبَ أَوَّلُ مَنْ مَاتَ مِنْ أَزْوَاجِهِ. وَسَبَقَهُ إِلَى نَقْلِ الِاتِّفَاقِ ابْنُ بَطَّالٍ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ النَّقْلَ مُقَيَّدٌ بِأَهْلِ السِّيَرِ، فَلَا يَرِدُ نَقْلُ قَوْلِ مَنْ خَالَفَهُمْ مِنْ أَهْلِ النَّقْلِ مِمَّنْ لَا يَدْخُلُ فِي زُمْرَةِ أَهْلِ السِّيَرِ. وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ الْوَاقِدِيِّ الَّذِي تَقَدَّمَ فَلَا يَصِحُّ. وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنِ ابْنِ بَطَّالٍ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ: فَكَانَتْ لِزَيْنَبَ وَذَكَرْتُ مَا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ، لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ تَفْسِيرُهُ بِسَوْدَةَ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ لِكَوْنِ غَيْرِهَا لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ، فَلَمَّا لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى قِصَّةِ زَيْنَبَ وَكَوْنِهَا أَوَّلَ الْأَزْوَاجِ لُحُوقًا بِهِ جَعَلَ الضَّمَائِرَ كُلَّهَا لِسَوْدَةَ، وَهَذَا عِنْدِي مِنْ أَبِي عَوَانَةَ، فَقَدْ خَالَفَهُ فِي ذَلِكَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ فِرَاسٍ كَمَا قَرَأْتُ بِخَطِّ ابْنِ رَشِيدٍ أَنَّهُ قَرَأَهُ بِخَطِّ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ الْوَرْدِ، وَلَمْ أَقِفْ إِلَى الْآنَ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ هَذِهِ، لَكِنْ رَوَى يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ فِي زِيَادَاتِ الْمَغَازِي وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ بِإِسْنَادِهِ عَنْهُ، عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ التَّصْرِيحَ بِأَنَّ ذَلِكَ لِزَيْنَبَ، لَكِنْ قَصَّرَ زَكَرِيَّا فِي إِسْنَادِهِ فَلَمْ يَذْكُرْ مَسْرُوقًا وَلَا عَائِشَةَ، وَلَفْظُهُ: قُلْنَ النِّسْوَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَيُّنَا أَسْرَعُ بِكَ لُحُوقًا؟ قَالَ: أَطْوَلُكُنَّ يَدًا. فَأَخَذْنَ يَتَذَارَعْنَ أَيَّتُهُنَّ أَطْوَلُ يَدًا، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ زَيْنَبُ عَلِمْنَ أَنَّهَا كَانَتْ أَطْوَلَهُنَّ يَدًا فِي الْخَيْرِ وَالصَّدَقَةِ. وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا مَا رَوَى الْحَاكِمُ فِي الْمَنَاقِبِ مِنْ مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَزْوَاجِهِ: أَسْرَعُكُنَّ لُحُوقًا بِي أَطْوَلُكُنَّ يَدًا.
قَالَتْ عَائِشَةُ: فَكُنَّا إِذَا اجْتَمَعْنَا فِي بَيْتِ إِحْدَانَا بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَمُدُّ أَيْدِيَنَا فِي الْجِدَارِ نَتَطَاوَلُ، فَلَمْ نَزَلْ نَفْعَلُ ذَلِكَ حَتَّى تُوُفِّيَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ - وَكَانَتِ امْرَأَةً قَصِيرَةً، وَلَمْ تَكُنْ أَطْوَلَنَا - فَعَرَفْنَا حِينَئِذٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا أَرَادَ بِطُولِ الْيَدِ الصَّدَقَةَ، وَكَانَتْ زَيْنَبُ امْرَأَةَ صِنَاعَةٍ بِالْيَدِ، وَكَانَتْ تَدْبُغُ وَتَخْرُزُ وَتَصَدَّقُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. قَ لَ الْحَاكِمُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ. انْتَهَى.
وَهِيَ رِوَايَةٌ مُفَسِّرَةٌ مُبَيِّنَةٌ مُرَجِّحَةٌ لِرِوَايَةِ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ فِي أَمْرِ زَيْنَبَ، قَالَ ابْنُ رَشِيدٍ: وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ عَائِشَةَ لَا تَعْنِي سَوْدَةَ قَوْلُهَا فَعَلِمْنَا بَعْدُ إِذْ قَدْ أَخْبَرَتْ عَنْ سَوْدَةَ بِالطُّولِ الْحَقِيقِيِّ، وَلَمْ تَذْكُرْ سَبَبَ الرُّجُوعِ عَنِ الْحَقِيقَةِ إِلَى الْمَجَازِ إِلَّا الْمَوْتَ، فَإِذَا طَلَبَ السَّامِعُ سَبَبَ الْعُدُولِ لَمْ يَجِدْ إِلَّا الْإِضْمَارَ مَعَ أَنَّهُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى، فَعَلِمْنَا بَعْدُ أَنَّ الْمُخْبَرَ عَنْهَا إِنَّمَا هِيَ الْمَوْصُوفَةُ بِالصَّدَقَةِ لِمَوْتِهَا قَبْلَ الْبَاقِيَاتِ، فَيَنْظُرُ السَّامِعُ وَيَبْحَثُ فَلَا يَجِدُ إِلَّا زَيْنَبَ، فَيَتَعَيَّنُ الْحَمْلُ عَلَيْهِ، وَهُوَ مِنْ بَابِ إِضْمَارِ مَا لَا يَصْلُحُ غَيْرُهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: وَجْهُ الْجَمْعِ أَنَّ قَوْلَهَا: فَعَلِمْنَا بَعْدُ يُشْعِرُ إِشْعَارًا قَوِيًّا أَنَّهُنَّ حَمَلْنَ طُولَ الْيَدِ عَلَى ظَاهِرِهِ، ثُمَّ عَلِمْنَ بَعْدَ ذَلِكَ خِلَافَهُ، وَأَنَّهُ كِنَايَةٌ عَنْ كَثْرَةِ الصَّدَقَةِ، وَالَّذِي عَلِمْنَهُ آخِرًا خِلَافَ مَا اعْتَقَدْنَهُ أَوَّلًا، وَقَدِ انْحَصَرَ الثَّانِي فِي زَيْنَبَ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهَا أَوَّلُهُنَّ
مَوْتًا، فَتَعَيَّنَ أَنْ تَكُونَ هِيَ الْمُرَادَةُ. وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ الضَّمَائِرِ بَعْدَ قَوْلِهِ: فَكَانَتْ وَاسْتَغْنَى عَنْ تَسْمِيَتِهَا لِشُهْرَتِهَا بِذَلِكَ. انْتَهَى. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ فِي الْحَدِيثِ اخْتِصَارًا أَوِ اكْتِفَاءً بِشُهْرَةِ الْقِصَّةِ لِزَيْنَبَ، وَيُؤَوَّلُ الْكَلَامُ بِأَنَّ الضَّمِيرَ رَجَعَ إِلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهَا أَوَّلُ مَنْ يَلْحَقُ بِهِ، وَكَانَتْ كَثِيرَةَ الصَّدَقَةِ.
قُلْتُ: الْأَوَّلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَكَأَنَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي كَوْنِ الْبُخَارِيِّ حَذَفَ لَفْظَ سَوْدَةَ مِنْ سِيَاقِ الْحَدِيثِ لَمَّا أَخْرَجَهُ فِي الصَّحِيحِ لِعِلْمِهِ بِالْوَهْمِ فِيهِ، وَإِنَّهُ لَمَّا سَاقَهُ فِي التَّارِيخِ بِإِثْبَاتِ ذِكْرِهَا ذَكَرَ مَا يَرُدُّ عَلَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ أَيْضًا، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ عُمَرَ عَلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَكَانَتْ أَوَّلَ نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ لُحُوقًا بِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى تَارِيخِ وَفَاتِهَا فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ، وَأَنَّهُ سَنَةَ عِشْرِينَ. وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ بَرْزَةَ بِنْتِ رَافِعٍ قَالَتْ: لَمَّا خَرَجَ الْعَطَاءُ أَرْسَلَ عُمَرُ إِلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ بِالَّذِي لَهَا، فَتَعَجَّبَتْ وَسَتَرَتْهُ بِثَوْبٍ، وَأَمَرَتْ بِتَفْرِقَتِهِ، إِلَى أَنْ كُشِفَ الثَّوْبُ فَوَجَدَتْ تَحْتَهُ خَمْسَةً وَثَمَانِينَ دِرْهَمًا، ثُمَّ قَالَتْ: اللَّهُمَّ لَا يُدْرِكُنِي عَطَاءٌ لِعُمَرَ بَعْدَ عَامِي هَذَا، فَمَاتَتْ، فَكَانَتْ أَوَّلَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ لُحُوقًا بِهِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ مَعْنٍ قَالَ: كَانَتْ زَيْنَبُ أَوَّلَ نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ لُحُوقًا بِهِ. فَهَذِهِ رِوَايَاتٌ يُعَضِّدُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَيَحْصُلُ مِنْ مَجْمُوعِهَا أَنَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ وَهْمًا. وَقَدْ سَاقَهُ يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ عَنْهُ مُخْتَصَرًا، وَلَفْظُهُ: فَأَخَذْنَ قَصَبَةً يَتَذَارَعْنَهَا، فَمَاتَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ، وَكَانَتْ كَثِيرَةَ الصَّدَقَةِ، فَعَلِمْنَا أَنَّهُ قَالَ: أَطْوَلُكُنَّ يَدًا بِالصَّدَقَةِ.
هَذَا لَفَظَهُ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ بْنِ مُدْرِكٍ عَنْهُ، وَلَفْظُهُ عِنْدَ النَّسَائِيِّ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ، وَهُوَ الْحَرَّانِيُّ عَنْهُ: فَأَخَذْنَ قَصَبَةً فَجَعَلْنَ يَذْرَعْنَهَا، فَكَانَتْ سَوْدَةُ أَسْرَعَهُنَّ بِهِ لُحُوقًا، وَكَانَتْ أَطْوَلَهُنَّ يَدًا، وَكَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ كَثْرَةِ الصَّدَقَةِ. وَهَذَا السِّيَاقُ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ إِلَّا أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ دُخُولِ الْوَهْمِ عَلَى الرَّاوِي فِي التَّسْمِيَةِ خَاصَّةً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي الْحَدِيثِ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ ظَاهِرٌ، وَفِيهِ جَوَازُ إِطْلَاقِ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ بِغَيْرِ قَرِينَةٍ وَهُوَ لَفْظُ أَطُولُكُنَّ، إِذَا لَمْ يَكُنْ مَحْذُورٌ. قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: لَمَّا كَانَ السُّؤَالُ عَنْ آجَالٍ مُقَدَّرَةٍ لَا تُعْلَمُ إِلَّا بِالْوَحْيِ أَجَابَهُنَّ بِلَفْظٍ غَيْرِ صَرِيحٍ، وَأَحَالَهُنَّ عَلَى مَا لَا يَتَبَيَّنُ إِلَّا بِآخَرَ. وَسَاغَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ لَيْسَ مِنَ الْأَحْكَامِ التَّكْلِيفِيَّةِ. وَفِيهِ أَنَّ مَنْ حَمَلَ الْكَلَامَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَحَقِيقَتِهِ لَمْ يُلَمْ، وَإِنْ كَانَ مُرَادُ الْمُتَكَلِّمِ مَجَازَهُ، لِأَنَّ نِسْوَةَ النَّبِيِّ ﷺ حَمَلْنَ طُولَ الْيَدِ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِنَّ. وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ عَنْ مَيْمُونَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُنَّ: لَيْسَ ذَلِكَ أَعْنِي، إِنَّمَا أَعْنِي أَصْنَعُكُنَّ يَدًا. فَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا، وَلَوْ كَانَ ثَابِتًا لَمْ يَحْتَجْنَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى ذَرْعِ أَيْدِيهِنَّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ.
وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ لِلْمَعَانِي لَا لِلْأَلْفَاظِ، لِأَنَّ النِّسْوَةَ فَهِمْنَ مِنْ طُولِ الْيَدِ الْجَارِحَةَ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِالطُّولِ كَثْرَةُ الصَّدَقَةِ، وَمَا قَالَهُ لَا يُمْكِنُ اطِّرَادُهُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
١٢ - بَاب صَدَقَةِ الْعَلَانِيَةِ
وَقَوْلِهِ ﷿: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
١٣ - بَاب صَدَقَةِ السِّرِّ
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا صَنَعَتْ يَمِينُهُ.
قَوْلِهِ تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ الْآيَةَ
قَوْلُهُ: (بَابُ صَدَقَةِ الْعَلَانِيَةِ، وَقَوْلُهُ ﷿: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، سَقَطَتْ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ لِلْمُسْتَمْلِي وَثَبَتَتْ لِلْبَاقِينَ، وَبِهِ جَزَمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهَا لِمَنْ ثَبَّتَهَا حَدِيثٌ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ فِيهَا شَيْءٌ عَلَى شَرْطِهِ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي سَبَبِ نُزُولِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ، فَعِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادٍ فِيهِ ضَعْفٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، كَانَ عِنْدَهُ أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ، فَأَنْفَقَ بِاللَّيْلِ وَاحِدًا وَبِالنَّهَارِ وَاحِدًا وَفِي السِّرِّ وَاحِدًا وَفِي الْعَلَانِيَةِ وَاحِدًا، وَذَكَرَهُ الْكَلْبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا، وَزَادَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: أَمَا إِنَّ ذَلِكَ لَكَ. وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي أَصْحَابِ الْخَيْلِ الَّذِينَ يَرْبُطُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ، وَعَنْ قَتَادَةَ وَغَيْرِهِ نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ أَنْفَقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا تَقْتِيرٍ، ذَكَرَهُ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي إِبَاحَةِ الِارْتِفَاقِ بِالزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ، لِأَنَّهُ يَرْتَفِقُ بِهَا كُلُّ مَارٍّ فِي لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ فِي سِرٍّ وَعَلَانِيَةٍ وَكَانَتْ أَعَمَّ.
قَوْلُهُ: (بَابُ صَدَقَةِ السِّرِّ، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا صَنَعَتْ يَمِينُهُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ الْآيَةَ، وَإِذَا تَصَدَّقَ عَلَى غَنِيٍّ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ) ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الَّذِي خَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ، ثُمَّ زَانِيَةٍ، ثُمَّ غَنِيٍّ، كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ: بَابُ إِذَا تَصَدَّقَ عَلَى غَنِيٍّ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ. وَكَذَا هُوَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ، ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ. وَمُنَاسَبَتُهُ ظَاهِرَةٌ، وَيَكُونُ قَدِ اقْتَصَرَ فِي تَرْجَمَةِ صَدَقَةِ السِّرِّ عَلَى الْحَدِيثِ الْمُعَلَّقِ عَلَى الْآيَةِ، وَعَلَى مَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ فَيَحْتَاجُ إِلَى مُنَاسَبَةٍ بَيْنَ تَرْجَمَةِ صَدَقَةِ السِّرِّ وَحَدِيثِ الْمُتَصَدِّقِ، وَوَجْهُهَا أَنَّ الصَّدَقَةَ الْمَذْكُورَةَ وَقَعَتْ بِاللَّيْلِ لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ: فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ. بَلْ وَقَعَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ لِقَوْلِهِ فِيهِ: لِأَتَصَدَّقَنَّ اللَّيْلَةَ. كَمَا سَيَأْتِي، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ صَدَقَتَهُ كَانَتْ سِرًّا إِذْ لَوْ كَانَتْ بِالْجَهْرِ نَهَارًا لَمَا خَفِيَ عَنْهُ حَالُ الْغَنِيِّ، لِأَنَّهَا فِي الْغَالِبِ لَا تَخْفَى، بِخِلَافِ الزَّانِيَةِ وَالسَّارِقِ، وَلِذَلِكَ خُصَّ الْغَنِيُّ بِالتَّرْجَمَةِ دُونَهُمَا.
وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُعَلَّقُ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ سَيَأْتِي بَعْدَ بَابٍ بِتَمَامِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي بَابِ مَنْ جَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ وَهُوَ أَقْوَى الْأَدِلَّةِ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ إِخْفَاءِ الصَّدَقَةِ، وَأَمَّا الْآيَةُ فَظَاهِرَةٌ فِي تَفْضِيلِ صَدَقَةِ السِّرِّ أَيْضًا، وَلَكِنْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، وَنَقَلَ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْإِعْلَانَ فِي صَدَقَةِ الْفَرْضِ أَفْضَلُ مِنَ الْإِخْفَاءِ، وَصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ عَلَى الْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ. وَخَالَفَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ فَقَالَ: إِنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الصَّدَقَةِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، قَالَ: فَالْمَعْنَى إِنْ تُؤْتُوهَا أَهْلَ الْكِتَابَيْنِ ظَاهِرَةً فَلَكُمْ فَضْلٌ، وَإِنْ تُؤْتُوهَا فُقَرَاءَكُمْ سِرًّا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ. قَالَ: وَكَانَ يَأْمُرُ بِإِخْفَاءِ الصَّدَقَةِ مُطْلَقًا. وَنَقَلَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ أَنَّ إِخْفَاءَ الزَّكَاةِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ أَفْضَلَ، فَأَمَّا بَعْدَهُ فَإِنَّ الظَّنَّ يُسَاءُ بِمَنْ أَخْفَاهَا، فَلِهَذَا كَانَ إِظْهَارُ الزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ أَفْضَلَ، قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَيُشْبِهُ فِي زَمَانِنَا أَنْ يَكُونَ الْإِخْفَاءُ بِصَدَقَةِ الْفَرْضِ أَفْضَلَ، فَقَدْ كَثُرَ الْمَانِعُ لَهَا، وَصَارَ إِخْرَاجُهَا عُرْضَةً لِلرِّيَاءِ. انْتَهَى. وَأَيْضًا فَكَانَ السَّلَفُ يُعْطُونَ زَكَاتَهُمْ لِلسُّعَاةِ، وَكَانَ مَنْ أَخْفَاهَا اتُّهِمَ بِعَدَمِ الْإِخْرَاجِ، وَأَمَّا الْيَوْمَ فَصَارَ كُلُّ أَحَدٍ يُخْرِجُ زَكَاتَهُ بِنَفْسِهِ فَصَارَ إِخْفَاؤُهَا أَفْضَلَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِ: لَوْ قِيلَ إِنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ لَمَا كَانَ بَعِيدًا، فَإِذَا كَانَ الْإِمَامُ مَثَلًا جَائِرًا وَمَالَ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ مَخْفِيًّا فَالْإِسْرَارُ أَوْلَى، وَإِنْ كَانَ الْمُتَطَوِّعُ مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ وَيُتَّبَعُ وَتَنْبَعِثُ الْهِمَمُ عَلَى التَّطَوُّعِ بِالْإِنْفَاقِ وَسَلِمَ قَصْدُهُ فَالْإِظْهَارُ أَوْلَى. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(١١ م) هذا (بابٌ) بالتَّنوين من غير ترجمةٍ، فهو كالفصل من سابقه، وهو ساقطٌ في (١) رواية أبي ذرٍّ، فالحديث عنده من التَّرجمة السَّابقة.
١٤٢٠ - وبالسَّند (٢) قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح ابن عبد الله، اليشكريُّ (عَنْ فِرَاسٍ) بكسر الفاء وتخفيف الرَّاء، آخره سينٌ مُهمَلةٌ، ابن يحيى الخارفيِّ -بالخاء المعجمة والرَّاء والفاء- المُكتِب (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شراحيل (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع (عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ بَعْضَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ قُلْنَ) الضَّمير للبعض الغير المُعيَّنٍ (٣)، لكن عند ابن حبَّان من طريق يحيى بن حمَّاد عن أبي عَوانة بهذا الإسناد عن عائشة قالت: فقلت (لِلنَّبِيِّ ﷺ: أَيُّنَا أَسْرَعُ بِكَ لُحُوقًا؟) نُصِب على التَّمييز، أي: يدركك بالموت، و «أيُّنا» بضمِّ التَّحتيَّة المُشدَّدة بغير علامة التَّأنيث؛ لقول سيبويه فيما نقله عنه الزَّمخشريُّ في سورة «لقمان»: أنَّها مثل «كلٍّ» في أنَّ إلحاق (٤) التَّاء لها غير فصيحٍ، وجملة: «أيُّنا أسرع» مبتدأٌ وخبرٌ (قَالَ) ﵊: (أَطْوَلُكُنَّ) بالرَّفع خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ دلَّ عليه السُّؤال، أي: أسرعُكنَّ لحوقًا بي أطولُكنَّ (يَدًا) نُصِبَ على التَّمييز، وكان القياس أن
يقول: طُولاكنَّ بوزن «فُعْلَى» لأنَّ في مثله يجوز الإفراد، والمطابقة لمن «أفعل» التَّفضيل له (فَأَخَذُوا قَصَبَةً يَذْرَعُونَهَا) بالذَّال المعجمة، أي (١): يقدِّرونها بذراع كلِّ واحدةٍ؛ كي يعلمن أيُّهن أطول جارحةً، والضَّمير في قوله: «فأخذوا ويذرعون» راجعٌ لمعنى الجمع لا لفظ جماعة النِّساء، وإلَّا لقال: فأخذن قصبةً يذرعْنَها، أو عدل إليه تعظيمًا لشأنهنَّ؛ كقوله: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢] وكقوله:
......................... … وإن شئت حرَّمتُ النِّساء سِواكمُ
(فَكَانَتْ سَوْدَةُ) بفتح السِّين، بنت زمعة؛ كما زاده ابن سعدٍ: (أَطْوَلَهُنَّ يَدًا) من طريق المساحة (فَعَلِمْنَا بَعْدُ) أي: بعدَ أن تقرَّر كونُ سودةَ أطولهنَّ يدًا بالمساحة (أَنَّمَا) بفتح الهمزة؛ لكونه في موضع المفعول لـ «عَلِمْنا» (كَانَتْ طُولَ يَدِهَا الصَّدَقَةُ) اسم «كان»، و «طولَ يدِها» خبرٌ مُقدَّمٌ، أي: علمنا أنَّه ﷺ لم يُرِدْ باليدِ العضوَ، وبالطُّول طولَها، بل أراد: العطاء وكثرته، فاليد هنا استعارةٌ للصَّدقة، والطُّول ترشيحٌ لها؛ لأنَّه ملائمٌ للمُستعار منه (وَكَانَتْ أَسْرَعَنَا لُحُوقًا بِهِ) ﵊ (وَكَانَتْ تُحِبُّ الصَّدَقَةَ) واستُشكِل هذا بما ثبت مِنْ تقدُّم موت (٢) زينب تأخُّر سَوْدة بعدها، وأجاب ابن رُشَيدٍ بأنَّ عائشة لا تعني سَوْدَةَ بقولها: «فعلمنا بعدُ» أي: بعد أن أخبرت عن سَوْدة بالطُّول الحقيقيِّ، ولم تذكر (٣) سببًا للرُّجوع عن الحقيقة إلى المجاز إلَّا الموت، فتعيَّن الحمل على المجاز. انتهى. وحينئذٍ (٤) فالضَّمير في «وكانت» في الموضعين عائدٌ على الزَّوجة التي عناها ﷺ بقوله (٥): «أطولكنَّ يدًا»، وإن كانت لم تُذكر (٦)؛ إذ هو متعيِّنٌ لقيام الدَّليل على أنَّها زينب بنت جحشٍ؛ كما في «مسلمٍ» من طريق عائشة بنت طلحة عن عائشة بلفظ: «فكانت أطولنا يدًا زينب بنت
جحشٍ؛ لأنَّها كانت تعمل وتصدَّقُ» (١) مع اتِّفاقهم على أنَّها أوَّلهنَّ موتًا، فتعيَّن أن تكون هي المرادة، وهذا من إضمار ما لا يصلح غيره؛ كقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ (٢) [ص: ٣٢] وعلى هذا فلم تكن (٣) سَوْدَةُ مرادةً قطعًا، وليس الضَّمير عائدًا عليها، لكن يعكِّر (٤) على هذا ما وقع من التَّصريح بسَودة عند المؤلِّف في «تاريخه الصَّغير» عن موسى بن إسماعيل بهذا السَّند بلفظ: «فكانت سودة أسرعنا»، وقول بعضهم: إنَّه يُجمَع بين روايتي «البخاريِّ» و «مسلمٍ» بأنَّ زينب لم تكن حاضرةً خطابه ﵊ بذلك، فالأوَّليَّة (٥) لسودة؛ باعتبار من حضر إذ ذاك مُعارَضٌ بما رواه ابن حبَّان من رواية يحيى بن حمَّادٍ: أنَّ نساء النَّبيِّ ﷺ اجتمعن عنده، فلم يغادر منهنَّ واحدةً، وأجاب الحافظ ابن حجرٍ بأنَّه يمكن أن يكون تفسيره بسودة (٦) من أبي عَوانة؛ لكون غيرها لم يتقدَّم له ذكرٌ؛ لأنَّ ابن عُيَيْنَة، عن فراسٍ قد خالفه في ذلك، وروى يونس بن بكيرٍ في «زيادة المغازي»، والبيهقيُّ في «الدَّلائل» بإسناده عنه عن زكريَّا بن أبي زائدة عن الشَّعبيِّ التَّصريح بأنَّ ذلك لزينب (٧)، لكن قَصَّر زكريَّا في إسناده فلم يذكر مسروقًا ولا عائشة ولفظه: فلمَّا تُوفِّيت زينب علمن أنَّها كانت أطولهنَّ يدًا في الخير والصَّدقة، ويؤيِّده ما رواه الحاكم في «المناقب» من «مُستدرَكه»، ولفظه: قالت عائشة: فكنَّا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة النَّبيِّ ﷺ نمدُّ أيدينا في الجدار نتطاول، فلم نَزَلْ نفعل ذلك حتَّى تُوفِّيت زينب بنت جحشٍ، وكانت امرأةً قصيرةً ولم تكن أطولنا، فعرفنا حينئذٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ إنَّما أراد بطول اليد الصَّدقَة، وكانت زينب امرأةً صنَاعة باليد، تدبغ وتخرز وتَصَدَّق (٨) في
سبيل الله، قال الحاكم: على شرط مسلمٍ، وهي روايةٌ مفسِّرةٌ مبيِّنةٌ مرجِّحةٌ لرواية عائشة بنت طلحة في أمر زينب، وروى ابن أبي خيثمة من طريق القاسم بن معنٍ قال: كانت زينب أوَّل نساء النَّبيِّ ﷺ، أي: لحوقًا به، فهذه رواياتٌ يعضد بعضها بعضًا، ويحصل من مجموعها أنَّ في رواية أبي عَوانة وهمًا.
(١٢) (باب صَدَقَةِ العَلَانِيَةِ، وَقَوْلِهِ) ﷿، بالجرِّ عطفًا على سابقه: (﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٤]) أي: يعمرون الأوقات والأحوال بالخيرات، وروى عبد الرَّزَّاق بسندٍ فيه ضعفٌ: أنَّها نزلت في عليِّ بن أبي طالبٍ، كان عنده أربعة دراهم، فأنفق باللَّيل واحدًا، وبالنَّهار واحدًا، وفي السِّرِّ واحدًا، وفي العلانية واحدًا، وأخرج ابن أبي حاتمٍ من حديث أبي أُمامة: أنَّها نزلت (١) في الخيل التي يربطونها في سبيل الله، ولم يذكر حديثًا وكأنَّه لم يرَ فيه شيئًا على شرطه، وسقطت هذه التَّرجمة للمُستملي.
(١٣) (باب صَدَقَةِ السِّرِّ، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁) ممَّا وصله المؤلِّف من حديثٍ في «باب من جلس في المسجد ينتظر الصَّلاة» [خ¦٦٦٠] (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: وَرَجُلٌ) الواو حكايةٌ لعطفه على ما ذُكِرَ قبله في الحديث (تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا صَنَعَتْ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ
«ما تنفق» (يَمِينُهُ) وهذا -كما قاله ابن بطَّال- مثالٌ ضربه ﵊ في المبالغة في الاستتار بالصَّدقة؛ لقرب الشِّمال من اليمين، وإنَّما أراد: أن (١) لو قَدِرَ ألَّا يعلم من يكون على شماله من النَّاس، نحو: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] لأنَّ الشِّمال لا تُوصَف بالعلم، فهو من باب مجاز الحذف، وألطف منه ما قاله ابن المُنيِّر: أن يُراد لو أمكن أن يخفي صدقته عن نفسه لفعل، فكيف لا يخفيها عن غيره؟ والإخفاء عن النَّفس يمكن باعتبارٍ، وهو أن يتغافل المتصدِّق عن الصَّدقة ويتناساها حتَّى ينساها، وهذا ممدوح الكرام (٢) شرعًا وعُرفًا.
(وقوله) ﷿: (﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾) فنِعْمَ شيئًا إبداؤها (﴿وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء﴾) أي: تعطوها مع الإخفاء (﴿فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ﴾ الاية [البقرة: ٢٧١]) فالإخفاء خيرٌ لكم، وهذا في التَّطوُّع (٣) ولمن لم (٤) يُعرَف بالمال، فإنَّ إبداء الفرض لغيره أفضل لنفي التُّهم، ولغير أبي ذرٍّ: «وقال الله تعالى: ﴿وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ﴾»، ولم يذكر هنا
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
امْرَأَة قَصِيرَة وَلم تكن أطولنا، فَعرفنَا حِينَئِذٍ أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنَّمَا أَرَادَ بطول الْيَد: الصَّدَقَة) . وَكَانَت زَيْنَب امْرَأَة صناع بِالْيَدِ، فَكَانَت تدبغ وتخرز وَتصدق فِي سَبِيل الله. قَالَ الْحَاكِم: على شَرط مُسلم، وَهَذِه رِوَايَة مفسرة مبينَة مرجحة لرِوَايَة عَائِشَة بنت طَلْحَة فِي أَمر زَيْنَب. وَقَالَ الْكرْمَانِي: لَا يَخْلُو أَن يُقَال: إِمَّا أَن فِي الحَدِيث اختصارا وتلفيقا يَعْنِي: اختصر البُخَارِيّ الْقِصَّة وَنقل الْقطعَة الْأَخِيرَة من حَدِيث فِيهِ ذكر زَيْنَب، فالضمائر رَاجِعَة إِلَيْهَا. وَإِمَّا أَنه اكْتفى بشهرة الْحِكَايَة وَعلم أهل هَذَا الشَّأْن بِأَن الأسرع لُحُوقا هِيَ زَيْنَب، فتعود الضمائر إِلَى من هِيَ مُفْردَة فِي أذهانهم. وَإِن أَن يؤول الْكَلَام بِأَن الضَّمِير رَاجع إِلَى الْمَرْأَة الَّتِي هِيَ علم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لحوقها بِهِ أَولا، وَعلمنَا بعد ذَلِك أَنَّهَا هِيَ الَّتِي طول صَدَقَة يَديهَا، وَالْحَال أَنَّهَا كَانَت أسْرع لُحُوقا بِهِ، وَكَانَت محبَّة للصدقة. قلت: هَذَا الَّذِي قَالَه الْكرْمَانِي لَيْسَ بسديد، لَا من جِهَة التَّوْفِيق بَين الْأَخْبَار، وَلَا من جِهَة مَا يَقْتَضِيهِ تركيب الْكَلَام، بل كَلَامه بعيد جدا من هَذَا الْوَجْه. وَقَالَ الطَّيِّبِيّ: قَوْله: (فَعلمنَا بعد) ، يَعْنِي فهمنا من قَوْله: (أَطْوَلكُنَّ يدا) ابْتِدَاء ظَاهره فأخذنا لذَلِك قَصَبَة نذرع بهَا يدا يدا لنَنْظُر أَيّنَا أطول يدا، فَلَمَّا فطنا محبتها الصَّدَقَة، وَعلمنَا أَنه، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لم يرد بِالْيَدِ الْعُضْو، وبالطول طولهَا، بل أَرَادَ الْعَطاء وكثرته، أجريناه على الصَّدَقَة. فاليد هَهُنَا استعادة للصدقة، والطول ترشيح لَهَا لِأَنَّهُ ملائم للمستعار مِنْهُ. وَلَو قيل: أكبركن، لَكَانَ تجريدا لَهَا. وَقيل: وَجه الْجمع أَن فِي قَوْلهَا: فَعلمنَا بعد إِشْعَار بأنهن حملن طول الْيَد على ظَاهره، ثمَّ علِمْنَ بعد ذَلِك خلا مَا اعتقدن أَولا، وَقد انحصر الثَّانِي فِي زَيْنَب للاتفاق على أَنَّهَا آخِرهنَّ موتا، فَتعين أَن تكون هِيَ المرادة، وَكَذَلِكَ بَقِيَّة الضمائر بعد قَوْله: فَكَانَت، وَاسْتغْنى عَن تَسْمِيَتهَا لشهرتها بذلك. انْتهى. وَقَالَ بَعضهم: وَكَأن هَذَا هُوَ السِّرّ فِي كَون البُخَارِيّ حذف لفظ سَوْدَة من سِيَاق الحَدِيث لما أخرجه فِي (الصَّحِيح) لعلمه بالوهم فِيهِ، وَأَنه سَاقه فِي التَّارِيخ (بِإِثْبَات ذكرهَا. انْتهى) قلت: قَول الْقَائِل الأول: فَتعين أَن تكون هِيَ المرادة إِلَى آخِره غير مُسلم، فَمن أَيْن التَّعْيِين من التَّرْكِيب على أَن زَيْنَب هِيَ المرادة؟ وَكَيف تَقول: وَكَذَلِكَ بَقِيَّة الضمائر بعد قَوْله: فَكَانَت؟ وَاسْتغْنى عَن تَسْمِيَتهَا؟ أَي: عَن تَسْمِيَة زَيْنَب لشهرتها بذلك، وَالْمَذْكُور فِيهِ بالتصريح سَوْدَة، وَلَا يُبَادر الذِّهْن إلَاّ إِلَى أَن الضَّمِير فِي فَكَانَت يرجع إِلَى سَوْدَة بِمُقْتَضى حق التَّرْكِيب، وَهَذَا الَّذِي قَالَه خلاف مَا يَقْتَضِيهِ حق التَّرْكِيب، وَقَول بَعضهم: وَكَانَ هَذَا هُوَ السِّرّ فِي كَون البُخَارِيّ حذف لفظ سَوْدَة إِلَى آخِره كَلَام تمجه الأسماع لِأَنَّهُ كَيفَ يحذف لفظ سَوْدَة فِي (الصَّحِيح) بالوهم ويثبته فِي (التَّارِيخ) وَكَانَ اللَّائِق بِهِ أَن يكون الْأَمر بِالْعَكْسِ.
ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ: فِيهِ: أَن من حمل الْكَلَام على ظَاهره وَحَقِيقَته لم يلم وَإِن كَانَ مُرَاد الْمُتَكَلّم مجازه، لِأَن نسْوَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حملن طول الْيَد على الْحَقِيقَة، فَلم يُنكر عَلَيْهِنَّ. فَإِن قلت: روى الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط من طَرِيق يزِيد بن الْأَصَم (عَن مَيْمُونَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: أَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لَهُنَّ: لَيْسَ ذَلِك، أَعنِي، إِنَّمَا أَعنِي أصنعكن يدا) . قلت: هَذَا حَدِيث ضَعِيف جدا، وَلَو كَانَ ثَابتا لم يحتجن بعد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِلَى ذرع أَيْدِيهنَّ، كَمَا مر فِي رِوَايَة عمْرَة عَن عَائِشَة. وَفِيه: دلَالَة على أَن الحكم للمعاني لَا للألفاظ، لِأَن النسْوَة فهمن من طول الْيَد الْجَارِحَة، وَإِنَّمَا المُرَاد بالطول كَثْرَة الصَّدَقَة، قَالَه الْمُهلب، وَلكنه غير مطرد فِي جَمِيع الْأَحْوَال. وَفِيه: علم من أَعْلَام النُّبُوَّة ظَاهر. وَفِيه: أَنه لما كَانَ السُّؤَال عَن آجال مقدرَة لَا تعلم إلَاّ بِالْوَحْي، أجابهنصلى الله عَلَيْهِ وَسلم بِلَفْظ غير صَرِيح، وأحالهن على مَا لَا يتَبَيَّن إلَاّ بِآخِرهِ، وساغ ذَلِك لكَونه لَيْسَ من الْأَحْكَام التكليفية. وَفِيه: على مَا قَالَه بَعضهم جَوَاز إِطْلَاق اللَّفْظ الْمُشْتَرك بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز بِغَيْر قرينَة إِذا لم يكن هُنَاكَ مَحْذُور. قلت: لَيْت شعري مَا اللَّفْظ الْمُشْتَرك هُنَا حَتَّى يجوز إِطْلَاقه بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز؟ فَإِن كَانَ مُرَاده لفظ: الطول، فَهُوَ غير مُشْتَرك، بل هُوَ ترشيح الإستعادة، وَإِن كَانَ مُرَاده لفظ: الْيَد، فَهُوَ لَيْسَ بمشترك هُنَا، بل هُوَ اسْتِعَارَة للصدقة على مَا ذكرنَا.
٢١ - (بابُ صَدَقَةِ العَلَانِيَةِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر صَدَقَة الْعَلَانِيَة، وَلم يذكر فِيهِ شَيْئا من الحَدِيث، لِأَن الظَّاهِر أَنه لم يجد حَدِيثا فِيهِ على شَرطه، وَاكْتفى بِالْآيَةِ.
وقَوْلِهِ {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ والنَّهَارِ سِرَّا وعَلَانِيَّةً} إِلَى قولِهِ {وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} (الْبَقَرَة: ٤٧٢) .
وَقَوله: بِالْجَرِّ، عطف على قَوْله: صَدَقَة الْعَلَانِيَة، وَهُوَ أَيْضا من التَّرْجَمَة، وَقد سَقَطت فِي رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي وَثبتت لغيره، وَقد اخْتلفُوا فِي سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة، فَذكر الواحدي: أَنَّهَا نزلت فِي أَصْحَاب الْخَيل، وَهُوَ قَول أبي أُمَامَة وَأبي الدَّرْدَاء وَمَكْحُول وَالْأَوْزَاعِيّ عَن رَبَاح، وَرَوَاهُ ابْن غَرِيب عَن أَبِيه عَن جده مَرْفُوعا. قلت: روى ابْن أبي حَاتِم من حَدِيث أبي أُمَامَة أَنَّهَا نزلت فِي أَصْحَاب الْخَيل الَّذين يربطونها فِي سَبِيل الله. وَقَالَ مُجَاهِد والكلبي وَابْن عَبَّاس: نزلت فِي عَليّ بن أبي طَالب، كَانَ عِنْده أَرْبَعَة دَرَاهِم فأنفق بِاللَّيْلِ وَاحِدًا وبالنهار وَاحِدًا وَفِي السِّرّ وَاحِدًا وَفِي الْعَلَانِيَة وَاحِدًا. زَاد الْكَلْبِيّ، فَقَالَ لَهُ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا حملك على هَذَا؟ قَالَ: حَملَنِي أَن أستوجب على الله تَعَالَى الَّذِي وَعَدَني. فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَلا إِن ذَلِك لَك، فَأنْزل الله هَذِه الْآيَة. وَرَوَاهُ عبد الرَّزَّاق أَيْضا بِإِسْنَاد فِيهِ ضعف إِلَى ابْن عَبَّاس، وَرَوَاهُ أَيْضا ابْن جرير من طَرِيق عبد الْوَهَّاب بن مُجَاهِد عَن أَبِيه نَحوه، وَرَوَاهُ ابْن مرْدَوَيْه من وَجه آخر عَن ابْن عَبَّاس. وَفِي (الْكَشَّاف) نزلت فِي أبي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: إِذا أنْفق أَرْبَعِينَ ألف دِينَار وَعشرَة الْألف سرا وَعشرَة آلَاف جَهرا وَعشرَة آلَاف لَيْلًا وَعشرَة آلَاف نَهَارا. وَقَالَ الطَّبَرِيّ: قَالَ آخَرُونَ: عَنى بِالْآيَةِ قوما أَنْفقُوا فِي سَبِيل الله فِي غير إِسْرَاف وَلَا تقتير. وَقَالَ قَتَادَة: نزلت فِيمَن أنْفق مَاله فِي سَبِيل الله، لقَوْله: صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (إِن المكثرين هم الأقلون يَوْم الْقِيَامَة إلَاّ من قَالَ بِالْمَالِ هَكَذَا وَهَكَذَا، عَن يَمِينه وشماله وَقَلِيل مَا هم، هَؤُلَاءِ قوم أَنْفقُوا فِي سَبِيل الله فِي غير سرف وَلَا إملاق وَلَا تبذير وَلَا فَسَاد) . قَوْله إِلَى قَوْله: {وَلَا هم يَحْزَنُونَ} (الْبَقَرَة: ٤٧٢) . أَرَادَ تَمام الْآيَة، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {فَلهم أجرهم عِنْد رَبهم وَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ} (الْبَقَرَة: ٤٧٢) . أَي: لَهُم أجرهم يَوْم الْقِيَامَة على مَا فعلوا من الْإِنْفَاق فِي الطَّاعَات، فَلَا خوف عَلَيْهِم عِنْد الْمَوْت، وَلَا هم يَحْزَنُونَ يَوْم الْقِيَامَة.
٣١ - (بابُ صَدَقَةِ السِّرِّ)
أَي: هَذَا بَاب فِي ذكر صَدَقَة السِّرّ، وَلم يذكر فِي هَذَا الْبَاب إلَاّ الحَدِيث الْمُعَلق وَالْآيَة الْكَرِيمَة.
وقَالَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ورَجُلٌ تصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فأخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا صَنعَتْ يَمِينُهُ
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن قَوْله: (فأخفاها) أَي: الصَّدَقَة، وَهِي صَدَقَة السِّرّ، وَهَذَا الْمُعَلق ذكره مَوْصُولا فِي: بَاب من جلس فِي الْمَسْجِد ينْتَظر الصَّلَاة، عَن مُحَمَّد بن بشار عَن يحيى عَن عبيد الله عَن حبيب بن عبد الرَّحْمَن عَن حَفْص بن عَاصِم عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: سَبْعَة يظلهم الله فِي ظله ... الحَدِيث، وَهَذَا الْمُعَلق قِطْعَة مِنْهُ، وَلَكِن لَفظه هُنَاكَ: (وَرجل تصدق بِصَدقَة وأخفى حَتَّى لَا تعلم شِمَاله مَا تنْفق يَمِينه) . وَذكره أَيْضا بِتَمَامِهِ فِي الْبَاب الثَّالِث بعد هَذَا الْبَاب، وَهُوَ: بَاب الصَّدَقَة بِالْيَمِينِ، على مَا يَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قَوْله: (وَرجل) ، عطف على مَا قبله فِي الحَدِيث الْمَذْكُور.
وقالَ الله تَعَالى: {وَإنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفُقَرَاءَ فَهْوَ خَيْرٌ لَكُمْ} (الْبَقَرَة: ١٧٢) .
مُطَابقَة هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وأولها: {إِن تبدوا الصَّدقَات فَنعما هِيَ} (الْبَقَرَة: ١٧٢) . أَي: إِن أظهرتموا الصَّدَقَة فَنعم شَيْء هِيَ. وَقيل: فنعمت الْخصْلَة هِيَ، نزلت لما سَأَلُوا النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: صَدَقَة السِّرّ أفضل أم الْجَهْل؟ قَالَ الطَّبَرِيّ: وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَن قَوْله تَعَالَى: {إِن تبدوا الصَّدقَات فَنعما هِيَ} (الْبَقَرَة: ١٧٢) . إِلَى قَوْله تَعَالَى: {وَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ} (الْبَقَرَة: ٤٧٢) . كَانَ هَذَا يعْمل بِهِ قبل أَن تنزل بَرَاءَة، فَلَمَّا نزلت بَرَاءَة بفرائض الصَّدقَات أقربت الصَّدقَات إِلَيْهَا. وَعَن قَتَادَة: {إِن تبدوا الصَّدقَات فَنعما هِيَ وَإِن تخفوها} (الْبَقَرَة: ١٧٢) . كل مَقْبُول إِذا كَانَت النِّيَّة صَادِقَة، وَصدقَة السِّرّ أفضل. وَذكر لنا أَن الصَّدَقَة تطفىء الْخَطِيئَة كَمَا يطفىء المَاء النَّار. وَقَالَهُ أَيْضا الرّبيع، وَعَن ابْن عَبَّاس: جعل الله صَدَقَة السِّرّ فِي التَّطَوُّع تفضل علانيتها يُقَال: بسبعين ضعفا، وَجعل صَدَقَة الْفَرِيضَة علانيتها تفضل من سرها يُقَال بِخَمْسَة وَعشْرين ضعفا، وَكَذَلِكَ جَمِيع الْفَرَائِض والنوافل فِي الْأَشْيَاء كلهَا. وَقَالَ سُفْيَان: هُوَ سوى الزَّكَاة، وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا عَنى الله جلّ ثَنَاؤُهُ بقوله: {إِن تبدوا الصَّدقَات} (الْبَقَرَة: ١٧٢) . يَعْنِي على أهل الْكِتَابَيْنِ من الْيَهُود وَالنَّصَارَى فَنعما
هِيَ، وَإِن تخفوها وتؤتوها فقراءهم فَهُوَ خير لكم. قَالُوا: فَأَما من أعْطى فُقَرَاء الْمُسلمين من زَكَاة وَصدقَة وتطوع فإخفاؤه أفضل، ذكر ذَلِك يزِيد بن أبي حبيب. وَنقل الطَّبَرِيّ وَغَيره الْإِجْمَاع على أَن الإعلان فِي صَدَقَة الْفَرْض أفضل من الْإخْفَاء وَصدقَة التَّطَوُّع على الْعَكْس من ذَلِك. وَنقل أَبُو إِسْحَاق الزّجاج أَن إخفاء الزَّكَاة فِي زمن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، كَانَ أفضل، فَأَما بعده فَإِن الظَّن يساء بِمن أخفاها، فَلهَذَا كَانَ إِظْهَار الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة أفضل. وَقَالَ أَبُو عَطِيَّة: وَيُشبه فِي زَمَاننَا أَن يكون الْإخْفَاء بِصَدقَة الْفَرْض أفضل، فقد كثر الْمَانِع لَهَا وَصَارَ إخْرَاجهَا عرضة للرياء. قَوْله: {إِن تبدوا} (الْبَقَرَة: ١٧٢) . قَالَ الزّجاج: يَعْنِي: تظهروا، يُقَال: بدا يَبْدُو إِذا ظهر، وأبديته إبداء إِذا أظهرته، وبدا لي بداء إِذا تغير رَأْيه عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ. قَوْله: {فَنعما هِيَ} (الْبَقَرَة: ١٧٢) . فِيهِ قراآت موضعهَا فِي محلهَا. قَوْله: {وَإِن تخفوها} (الْبَقَرَة: ١٧٢) . من الْإخْفَاء، يُقَال: أخفيت الشَّيْء إخفاء إِذا سترته، وخفي الشَّيْء خَفَاء إِذا استتر، وخفيته أخفيه خفِيا إِذا أظهرته. وَأهل الْمَدِينَة يسمون النباش المختفي. وَفِي تَفْسِير ابْن كثير. قَوْله: {وَإِن تخفوها وتؤتوها الْفُقَرَاء} (الْبَقَرَة: ١٧٢) . فِيهِ دَلِيل على أَن إسرار الصَّدَقَة أفضل من إظهارها، لِأَنَّهُ أبعد عَن الرِّيَاء إلَاّ أَن يتربت على الْإِظْهَار مصلحَة راجحة من اقْتِدَاء النَّاس بِهِ، فَيكون أفضل من هَذِه الْحَيْثِيَّة، والإسرار أفضل لهَذِهِ الْآيَة. وَلما ثَبت فِي (الصَّحِيح) عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (سَبْعَة يظلهم الله) الحَدِيث، وَقَالَ الإِمَام أَحْمد: حَدثنَا يزِيد بن هَارُون أخبرنَا الْعَوام بن حَوْشَب عَن سُلَيْمَان بن أبي سُلَيْمَان عَن أنس بن مَالك، عَن النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: (لما خلق الله الأَرْض جعلت تميد، فخلق الْجبَال فألقاها عَلَيْهَا فاستقرت، فتعجب الْمَلَائِكَة من خلق الْجبَال، فَقَالَت: يَا رب، فَهَل من خلقك شَيْء أَشد من الْجبَال؟ فَقَالَ: نعم الْحَدِيد. قَالَت: يَا رب فَهَل من خلقك شَيْء أَشد من الْحَدِيد؟ قَالَ: نعم النَّار. قَالَت: يَا رب فَهَل من خلقك شَيْء أَشد من النَّار؟ قَالَ: نعم المَاء. قَالَت: يَا رب فَهَل من خلقك شَيْء أَشد من المَاء؟ قَالَ: نعم الرّيح. قَالَت: يَا رب فَهَل من خلقك شَيْء أَشد من الرّيح؟ قَالَ: نعم، ابْن آدم يتَصَدَّق بِيَمِينِهِ فيخفيها من شِمَاله) . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: حَدثنَا أبي، قَالَ: حَدثنَا الْحُسَيْن بن زِيَاد الْمحَاربي، مُؤذن محَارب، أخبرنَا مُوسَى بن عُمَيْر عَن عَامر الشّعبِيّ. فِي قَوْله تَعَالَى: {إِن تبدوا الصَّدقَات فَنعما هِيَ وَإِن تخفوها وتؤتوها الْفُقَرَاء فَهُوَ خير لكم} (الْبَقَرَة: ١٧٢) . قَالَ: أنزلت فِي أبي بكر وَعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. أما عمر: فجَاء بِنصْف مَاله حَتَّى دَفعه إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ لَهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا خلفت وَرَاءَك لأهْلك يَا عمر؟ قَالَ: خلفت لَهُم نصف مَالِي. وَأما أَبُو بكر، فجَاء بِمَالِه كُله، فكاد أَن يخفيه من نَفسه حَتَّى دَفعه إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ لَهُ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: مَا خلفت وَرَاءَك يَا أَبَا بكر؟ فَقَالَ: عدَّة الله وعدة رَسُوله، فَبكى عمر، وَقَالَ: بِأبي أَنْت يَا أَبَا بكر، وَالله مَا أسبقنا إِلَى بَاب خير قطّ ألَاّ كنت سَابِقًا، وَتَمام الْآيَة الْمَذْكُورَة: {ونكفر عَنْكُم من سَيِّئَاتكُمْ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير} (الْبَقَرَة: ١٧٢) . أَي: نكفر عَنْكُم بدل الصَّدقَات من سَيِّئَاتكُمْ أَي من ذنوبكم، قَرَأَ ابْن عَامر وَعَاصِم من رِوَايَة حَفْص: يكفر، بِالْيَاءِ وَضم الرَّاء، وَقَرَأَ حَمْزَة وَنَافِع وَالْكسَائِيّ: ونكفر، بالنُّون وَجزم الرَّاء، وَقَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو عَمْرو وَعَاصِم فِي رِوَايَة أبي بكر: ونكفر، بالنُّون وَضم الرَّاء {وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير} (الْبَقَرَة: ١٧٢) . أَي: لَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء من ذَلِك وسيجزيكم عَلَيْهِ، وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال.
٤١ - (بابٌ إذَا تَصَدَّقَ عَلَى غَنِيٍّ وَهْوَ لَا يَعْلَمُ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِذا تصدق رجل على شخص غَنِي، وَالْحَال أَنه لم يعلم أَنه غَنِي، يَعْنِي ظَنّه فَقِيرا. وَجَوَاب: إِذا، مُقَدّر أَي: فصدقته مَقْبُولَة، وَإِن كَانَت وَقعت فِي غير محلهَا لعدم التَّقْصِير من جِهَته.
٢٥ - (حَدثنَا أَبُو الْيَمَان قَالَ أخبرنَا شُعَيْب قَالَ حَدثنَا أَبُو الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. قَالَ قَالَ رجل لأتصدقن بِصَدقَة فَخرج بِصَدَقَتِهِ فوضعها فِي يَد سَارِق فَأَصْبحُوا يتحدثون تصدق على سَارِق فَقَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمد لأتصدقن بِصَدقَة فَخرج
بِصَدَقَتِهِ فوضعها فِي يَدي زَانِيَة فَأَصْبحُوا يتحدثون تصدق اللَّيْلَة على زَانِيَة فَقَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمد على زَانِيَة لأتصدقن بِصَدقَة فَخرج بِصَدَقَتِهِ فوضعها فِي يَدي غَنِي فَأَصْبحُوا يتحدثون تصدق على غَنِي فَقَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمد على سَارِق وعَلى زَانِيَة وعَلى غَنِي فَأتي فَقيل لَهُ أما صدقتك على سَارِق فَلَعَلَّهُ أَن يستعف عَن سَرقته وَأما الزَّانِيَة فلعلها أَن تستعف عَن زنَاهَا وَأما الْغَنِيّ فَلَعَلَّهُ أَن يعْتَبر فينفق مِمَّا أعطَاهُ الله) مطابقته للتَّرْجَمَة من قَوْله " فَخرج بِصَدَقَتِهِ فوضعها فِي يَد غَنِي " (فَإِن قلت) الْمَذْكُور فِي الحَدِيث ثَلَاثَة أَشْيَاء فَمَا وَجه التَّرْجَمَة فِي التَّصَدُّق على الْغَنِيّ (قلت) التَّصَدُّق على الْغَنِيّ لَا يجوز على كل حَال حَتَّى إِذا أعْطى زَكَاته لَغَنِيّ يَظُنّهُ فَقِيرا ثمَّ بَان لَهُ أَنه غَنِي يُعِيد زَكَاته عِنْد الْبَعْض على مَا نذكرهُ عَن قريب إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَأما دَفعهَا إِلَى سَارِق فَقِيرا وَإِلَى زَانِيَة فقيرة فَهُوَ جَائِز بِلَا خلاف. (ذكر رِجَاله) وهم خَمْسَة قد ذكرُوا غير مرّة وَأَبُو الْيَمَان بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف الحكم بن نَافِع الْحِمصِي وَشُعَيْب بن حَمْزَة الْحِمصِي وَأَبُو الزِّنَاد بالزاي وَالنُّون ذكْوَان والأعرج عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز (ذكر لطائف إِسْنَاده) فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين والإخبار كَذَلِك فِي مَوضِع وَفِيه العنعنة فِي موضِعين وَفِي رِوَايَة مَالك فِي الغرائب للدارقطني عَن أبي الزِّنَاد أَن عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز أخبرهُ أَنه سمع أَبَا هُرَيْرَة وَفِيه راويان مذكوران بكنيتهما وَالْآخر بلقبه وَالْآخر مُجَردا عَن نِسْبَة فَافْهَم. والْحَدِيث أخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي الزَّكَاة بِالْإِسْنَادِ وَأخرجه مُسلم من حَدِيث مُوسَى بن عقبَة عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج " عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ قَالَ رجل لأتصدقن اللَّيْلَة بِصَدقَة فَخرج بِصَدَقَتِهِ فوضعها فِي يَد زَانِيَة فَأَصْبحُوا يتحدثون تصدق اللَّيْلَة على زَانِيَة قَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمد على زَانِيَة لأتصدقن بِصَدقَة فَخرج بِصَدَقَتِهِ فوضعها فِي يَد غَنِي فَأَصْبحُوا يتحدثون تصدق على غَنِي قَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمد على غَنِي لأتصدقن بِصَدقَة فَخرج بِصَدَقَتِهِ فوضعها فِي يَد سَارِق فَأَصْبحُوا يتحدثون تصدق على سَارِق فَقَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمد على زَانِيَة وعَلى غَنِي وعَلى سَارِق فَأتى فَقيل لَهُ أما صدقتك فقد قبلت أما الزَّانِيَة فلعلها تستعف بهَا عَن زنَاهَا وَلَعَلَّ الْغَنِيّ يعْتَبر فينفق مِمَّا أعطَاهُ الله وَلَعَلَّ السَّارِق يستعف بهَا عَن سَرقته " (ذكر مَعْنَاهُ) قَوْله " قَالَ رجل " لم يعرف اسْمه وَوَقع عِنْد أَحْمد من طَرِيق ابْن لَهِيعَة عَن الْأَعْرَج فِي هَذَا الحَدِيث أَنه كَانَ من بني إِسْرَائِيل قَوْله " لأتصدقن " فِي معرض الْقسم فَلذَلِك أكده بِاللَّامِ وَالنُّون الْمُشَدّدَة كَأَنَّهُ قَالَ وَالله لأتصدقن وَهُوَ من بَاب الِالْتِزَام كالنذر قَوْله " بِصَدقَة " وَفِي رِوَايَة أبي عوَانَة عَن أبي أُميَّة عَن أبي الْيَمَان بِهَذَا الْإِسْنَاد " لأتصدقن اللَّيْلَة " وَفِي رِوَايَة مُسلم " لأتصدقن فِي اللَّيْلَة بِصَدقَة " قَوْله " فوضعها فِي يَد سَارِق " أَي فَوضع صدقته فِي يَد سَارِق من غير أَن يعلم أَنه سَارِق قَوْله " فَأَصْبحُوا " أَي الْقَوْم الَّذين فيهم هَذَا الرجل الْمُتَصَدّق قَوْله " يتحدثون " فِي مَحل النصب لِأَنَّهُ خبر أَصْبحُوا الَّذِي هُوَ من الْأَفْعَال النَّاقِصَة قَوْله " تصدق " على صِيغَة الْمَجْهُول هَذَا إِخْبَار فِي معنى التَّعَجُّب وَالْإِنْكَار وَفِي رِوَايَة أبي أُميَّة " تصدق اللَّيْلَة على سَارِق " وَفِي رِوَايَة ابْن لَهِيعَة " تصدق على فلَان السَّارِق " قَوْله " فَقَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمد " أَي على تصدقي على سَارِق هَذَا وَارِد إِمَّا إنكارا أَو إِمَّا تَعَجبا أما الْإِنْكَار فَأن يجْرِي الْحَمد على الشُّكْر وَذَلِكَ أَنه لما جزم أَن يتَصَدَّق على مُسْتَحقّ لَيْسَ بعده بِدلَالَة التنكير فِي صَدَقَة أبرز كَلَامه فِي معرض القسمية تَأْكِيدًا وقطعا للقبول بِهِ فَلَمَّا جوزي بِوَضْعِهِ على يَد سَارِق حمد الله بِأَنَّهُ لم يقدر على من هُوَ أَسْوَأ حَالا من السَّارِق وَأما التَّعَجُّب فَأن يجْرِي الْحَمد على غير الشُّكْر وَأَن يعظم الله تَعَالَى عِنْد رُؤْيَة الْعجب كَمَا يُقَال سُبْحَانَ الله عِنْد مُشَاهدَة مَا يتعجب مِنْهُ وللتعظيم قرن بِهِ اللَّهُمَّ قَوْله " لَك الْحَمد على زَانِيَة " قَالَ الطَّيِّبِيّ لما قَالُوا تصدق على زَانِيَة تعجب هُوَ أَيْضا من فعل نَفسه وَقَالَ الْحَمد لله على زَانِيَة أَي أَتصدق عَلَيْهَا فَهُوَ مُتَعَلق بِمَحْذُوف انْتهى (قلت) معنى قَوْله على زَانِيَة مُتَعَلق بِمَحْذُوف وَهُوَ قَوْله أتصدقت وَلَيْسَ هُوَ مُتَعَلقا بقوله لَك الْحَمد وَلم يفهم معنى هَذَا بَعضهم حَتَّى قَالَ وَلَا يخفى بعد هَذَا وَقَالَ الْكرْمَانِي (فَإِن قلت) مَا معنى الْحَمد عَلَيْهِ وَهُوَ لَا يكون إِلَّا على أَمر جميل وَمَا فَائِدَة تَقْدِيم