الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ١٤١٩
الحديث رقم ١٤١٩ من كتاب «كتاب الزكاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب أي الصدقة أفضل وصدقة الشحيح الصحيح.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
١٤١٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ: حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ: حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله أفضل الصدقة، فقال له: أن تتصدق وأنت صحيح البدن شحيح النفس، تخاف من الفقر إن طالت بك حياتك، وتطمع في الغِنى؛ ولا تؤخر الصدقة حتى إذا جاءك الموت وعلمت أنك خارج من الدنيا قلت لفلان كذا من المال صدقة أو وصية، ولفلان كذا من المال صدقة أو وصية؛ وقد كان المال لغيرك الذي يرثك.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، كَمَا سَيَأْتِي فِي التَّفْسِيرِ، وَالشَّيْءُ الْمَذْكُورُ كَانَ ثَمَانِيَةَ آلَافٍ أَوْ أَرْبَعَةَ آلَافٍ.)
قَوْلُهُ: (وَجَاءَ رَجُلٌ) هُوَ أَبُو عَقِيلٍ بِفَتْحِ الْعَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي فِي التَّفْسِيرِ، وَنَذْكُرُ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى الِاخْتِلَافَ فِي اسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ، وَمَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ أَيْضًا مِنَ الصَّحَابَةِ كَأَبِي خَيْثَمَةَ، وَأَنَّ الصَّاعَ إِنَّمَا حَصَلَ لِأَبِي عَقِيلٍ لِكَوْنِهِ أَجَّرَ نَفْسَهُ عَلَى النَّزْحِ مِنَ الْبِئْرِ بِالْحَبْلِ.
قَوْلُهُ: (فَقَالُوا) سُمِّيَ مِنَ اللَّامِزِينَ فِي مَغَازِي الْوَاقِدِيِّ مُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَبْتَلَ بِنُونٍ وَمُثَنَّاةٍ مَفْتُوحَتَيْنِ، بَيْنَهُمَا مُوَحَّدَةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ لَامٌ.
قَوْلُهُ: (يَلْمِزُونَ) أَيْ يَعِيبُونَ، وَشَاهِدُ التَّرْجَمَةِ قَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلا جُهْدَهُمْ﴾.
قَوْلُهُ: (سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى) أَيْ: ابْنُ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ.
قَوْلُهُ: (فَيُحَامِلُ) بِضَمِّ التَّحْتَانِيَّةِ وَاللَّامُ مَضْمُومَةٌ بِلَفْظِ الْمُضَارِعِ مِنَ الْمُفَاعَلَةِ. وَيُرْوَى بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَفَتْحِ اللَّامِ أَيْضًا، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ زَائِدَةَ الْآتِيَةِ فِي التَّفْسِيرِ: فَيَحْتَالُ أَحَدُنَا حَتَّى يَجِيءَ بِالْمُدِّ.
قَوْلُهُ: (فَيُصِيبُ الْمُدَّ) أَيْ: فِي مُقَابَلَةِ أُجْرَتِهِ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّ لِبَعْضِهِمُ الْيَوْمَ لَمِائَةَ أَلْفٍ) زَادَ فِي التَّفْسِيرِ كَأَنَّهُ يُعَرِّضُ بِنَفْسِهِ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ قِلَّةِ الشَّيْءِ، وَإِلَى مَا صَارُوا إِلَيْهِ بَعْدَهُ مِنَ التَّوَسُّعِ لِكَثْرَةِ الْفُتُوحِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَكَانُوا فِي الْعَهْدِ الْأَوَّلِ يَتَصَدَّقُونَ بِمَا يَجِدُونَ وَلَوْ جَهِدُوا، وَالَّذِينَ أَشَارَ إِلَيْهِمْ آخِرًا بِخِلَافِ ذَلِكَ. (تَنْبِيهٌ): وَقَعَ بِخَطِّ مُغَلْطَايْ فِي شَرْحِهِ: وَإِنَّ لِبَعْضِهِمُ الْيَوْمَ ثَمَانِيَةَ آلَافٍ وَهُوَ تَصْحِيفٌ.
ثَانِيَهَا حَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، وَهُوَ بِلَفْظِ التَّرْجَمَةِ، وَهُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِهِ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَبِشِقِّ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ: نِصْفُهَا أَوْ جَانِبُهَا، أَيْ: وَلَوْ كَانَ الِاتِّقَاءُ بِالتَّصَدُّقِ بِشِقِّ تَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنَّهُ يُفِيدُ. وَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ مَرْفُوعًا: اجْعَلُوا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ النَّارِ حِجَابًا، وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: لِيَتَّقِ أَحَدُكُمْ وَجْهَهُ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ: يَا عَائِشَةُ، اسْتَتِرِي مِنَ النَّارِ، وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنَّهَا تَسُدُّ مِنَ الْجَائِعِ مَسَدَّهَا مِنَ الشَّبْعَانِ، وَلِأَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ نَحْوُهُ، وَأَتَمُّ مِنْهُ بِلَفْظِ: تَقَعُ مِنَ الْجَائِعِ مَوْقِعُهَا مِنَ الشَّبْعَانِ، وَكَأَنَّ الْجَامِعَ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ حَلَاوَتُهَا، وَفِي الْحَدِيثِ الْحَثُّ عَلَى الصَّدَقَةِ بِمَا قَلَّ وَمَا جَلَّ، وَأَنْ لَا يَحْتَقِرَ مَا يَتَصَدَّقُ بِهِ، وَأَنَّ الْيَسِيرَ مِنَ الصَّدَقَةِ يَسْتُرُ الْمُتَصَدِّقَ مِنَ النَّارِ.
ثَالِثُهَا حَدِيثُ عَائِشَةَ، وَسَيَأْتِي فِي الْأَدَبِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِسَنَدِهِ، وَفِيهِ التَّقْيِيدُ بِالْإِحْسَانِ، وَلَفْظُهُ: مَنِ ابْتُلِيَ مِنَ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَمُنَاسَبَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْأُمَّ الْمَذْكُورَةَ لَمَّا قَسَمَتِ التَّمْرَةَ بَيْنَ ابْنَتَيْهَا صَارَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا شِقُّ تَمْرَةٍ، وَقَدْ دَخَلَتْ فِي عُمُومِ خَبَرِ الصَّادِقِ أَنَّهَا مِمَّنْ سُتِرَ مِنَ النَّارِ لِأَنَّهَا مِمَّنِ ابْتُلِيَ بِشَيْءٍ مِنَ الْبَنَاتِ فَأَحْسَنَ، وَمُنَاسَبَةُ فِعْلِ عَائِشَةَ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ قَوْلِهِ: وَالْقَلِيلُ مِنَ الصَّدَقَةِ، وَلِلْآيَةِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلا جُهْدَهُمْ﴾ لِقَوْلِهَا فِي الْحَدِيثِ: فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي غَيْرَ تَمْرَةٍ، وَفِيهِ شِدَّةُ حِرْصِ عَائِشَةَ عَلَى الصَّدَقَةِ امْتِثَالًا لِوَصِيَّتِهِ ﷺ لَهَا حَيْثُ قَالَ: لَا يَرْجِعُ مِنْ عِنْدِكِ سَائِلٌ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ. رَوَاهُ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
١١ - بَاب فَضْلِ صَدَقَةِ الشَّحِيحِ الصَّحِيحِ
لِقَوْلِهِ: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ الآية.
وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ﴾ الآية.
١٤١٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ، حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ … الآية [المنافقون: ١٠]) أي: يرى دلائله، وفي بعض الأصول «إلى خاتمتها» بدل قوله: «الآية» (وَقَوْلِهِ) تعالى: (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم﴾) ما وجب عليكم إنفاقه، أو (١) الإنفاق في سبيل الخير مطلقًا (﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ﴾ … الآية [البقرة: ٢٥٤]) أي: من قبل أن يأتي يومٌ لا تقدرون فيه على تحصيل ما فرَّطتم؛ إذ لا بيع فيه فتحصِّلون ما تنفقون أو تفتدون به من العذاب، ولا خُلَّة حتَّى تعينكم عليه أخلَّاؤكم، ولا شفاعة إلَّا لمن أذن له الرَّحمن حتَّى تتَّكلوا على شفعاء تشفع لكم في حطِّ ما في ذممكم، فمناسبة الآية للتَّرجمة -كما نبَّه عليه ابن المُنيِّر- من حيث إنَّ الآية معناها: التَّحذير من التَّسويف بالإنفاق استبعادًا لحلول الأجل واشتغالًا بطول الأمل والتَّرغيب في المبادرة بالصَّدقة قبل هجوم المنيَّة وفوات الأمنية، ووقع في رواية أبي ذَرٍّ: «باب فضل صدقة الشَّحيح الصَّحيح» فأسقط الجملة الأولى المسوقة بصيغة الاستفهام المُؤذِن بالتَّردُّد، ثمَّ إنَّه في رواية أبي ذرٍّ قدَّم آية «البقرة» على آية «المنافقون» فقال: «لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ﴾ إلى ﴿الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] ﴿وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ إلى آخر الآية» [المنافقون: ١٠].
١٤١٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زيادٍ قال: (حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ القَعْقَاعِ) بضمِّ العين وتخفيف الميم، و «القعْقاع» بقافين مفتوحتين بينهما عينٌ ساكنةٌ آخره عينٌ مهملتين (٢)، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ) هَرِمٌ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقف على اسمه، قِيلَ: يحتمل أن يكون أبا ذَرٍّ؛ لأنَّه ورد في
«مسند أحمد» أنَّه سأل: أيُّ الصَّدقة أفضل؟ وكذا عند الطَّبرانيِّ، لكنَّه أُجيب: «جهدٌ من (١) مُقِلٍّ أو سِرٌّ إلى فقيرٍ» (٢) (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ قَالَ:) أعظم الصَّدقة (أَنْ تَصَدَّقَ) بتخفيف الصَّاد وحذف إحدى التَّاءين، أو بإبدال إحدى التَّاءين صادًا وإدغامها في الصَّاد، وهي في (٣) موضع رفعٍ، خبر المبتدأ المحذوف (وَأَنْتَ صَحِيحٌ) جملةٌ اسميَّةٌ حاليَّةٌ (شَحِيحٌ) حال كونك (تَخْشَى الفَقْرَ وَتَأْمُلُ الغِنَى) بضمِّ الميم، أي: تطمع في الغنى، لمجاهدة النَّفس حينئذٍ على إخراج المال مع قيام المانع، وهو الشُّحُّ، إذ فيه دلالةٌ على صحَّة القصد، وقوَّة الرَّغبة في القربة (وَلَا تُمْهِلُْ) بالجزم على النَّهي، أو بالنَّصب، عطفًا (٤) على «أن تصدَّقَ»، أو بالرَّفع، وهو الذي في «اليونينيَّة» (حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ) الرُّوح، أي: قاربت (الحُلْقُومَ) بضمِّ الحاء المهملة، مجرى النَّفس عند الغرغرة (قُلْتَ: لِفُلَانٍ كَذَا، وَلِفُلَانٍ كَذَا) كنايةٌ عن المُوصَى له والموصى به فيهما (وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ) أي: وقد صار ما أوصى به للوارث، فيبطله إن شاء إذا (٥) زاد على الثُّلث، أو أوصى به لوارثٍ آخر، والمعنى: تصدَّق في حال صحَّتك، واختصاص المال بك، وشحِّ نفسك بأن تقول: لا تتلف مالك، لئلَّا (٦) تصير فقيرًا، لا في حال سقمك وسياق موتك؛ لأنَّ المال حينئذٍ خرج منك وتعلَّق بغيرك.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الوصايا» [خ¦٢٧٤٨]، ومسلمٌ والنَّسائيُّ في «الزَّكاة».
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
فِي نذر مُبْهَم وَكَانَت ترى أَنَّهَا لم توف مِمَّا يلْزمهَا فِيهِ وأعانت الْمُنْكَدر فِي كِتَابَته بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم.
١١ - (بابُ أيُّ الصَّدَقَةِ أفْضَلُ وصَدَقَةُ الشَّحِيحِ الصَّحِيحِ)
أَي: بَاب يذكر فِيهِ أَي الصَّدَقَة من الصَّدقَات أفضل وَأعظم أجرا، هَكَذَا هُوَ التَّرْجَمَة فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: بَاب فضل صَدَقَة الشحيح الصَّحِيح. قَوْله: (وَصدقَة الشحيح) ، بِالرَّفْع عطف على مَا قبله من الْمُقدر تَقْدِيره: وَفضل صَدَقَة الشحيح، وَلم يتَرَدَّد فِيهِ لِأَن فضل صَدَقَة الشحيح الصَّحِيح على غَيره ظَاهر، لِأَن فِيهِ مجاهدة النَّفس على إِخْرَاج المَال الَّذِي هُوَ شَقِيق الرّوح مَعَ قيام مَانع الشُّح، وَلَيْسَ هَذَا إلَاّ من قُوَّة الرَّغْبَة فِي الْقرْبَة وَصِحَّة العقد، فَكَانَ أفضل من غَيره، وَتردد فِي الأول بِكَلِمَة: أَي، الَّتِي هِيَ للاستفهام لِأَن إطلالاق الْأَفْضَلِيَّة فِيهِ مَوضِع التَّرَدُّد. قَوْله: (الشحيح) ، صفة مشبهة من الشُّح، قَالَ ابْن سَيّده: وَالشح وَالشح وَالشح: الْبُخْل، وَالضَّم أَعلَى. وَقد شححت تشح وتشح، وشححت تشح، وَرجل شحيح وشحاح من قوم أشحة وأشحاء ومشحاح، وَنَفس شحة شحيحة، وَعَن ابْن الْأَعرَابِي: وشاحوا فِي الْأَمر، وَعَلِيهِ. وَفِي (الْجَامِع) حكى قوم الشُّح وَالشح، وَأرى أَن يكون الْفَتْح فِي الْمصدر وَالضَّم فِي الإسم وَجمعه فِي أقل الْعدَد أشحة وَلم أسمع غَيره. وَفِي (الْمُنْتَهى) لأبي الْمعَانِي: الشُّح بخل مَعَ حرص، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الْحَرْبِيّ فِي كِتَابه (غَرِيب الحَدِيث) : للشح ثَلَاثَة وُجُوه: الأول: أَن تَأْخُذ مَال أَخِيك بِغَيْر حَقه، قَالَ رجل لِابْنِ مَسْعُود: مَا أعطي مَا أقدر على مَنعه، قَالَ: ذَاك الْبُخْل وَالشح أَن تَأْخُذ مَال أَخِيك بِغَيْر حق. الثَّانِي: مَا رُوِيَ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَنه قَالَ: الشُّح منع الزَّكَاة وإدخار الْحَرَام. الثَّالِث: مَا رُوِيَ: (أَن تصدق وَأَنت صَحِيح شحيح) . قَالَ وَالَّذِي يبرىء من الْوُجُوه الثَّلَاثَة مَا روى (برىء من الشُّح من أدّى الزَّكَاة وقرى الضَّيْف واعطى فِي النائبة) . وَفِي (المغيث) : الشُّح أبلغ فِي الْمَنْع من الْبُخْل، وَالْبخل فِي أَفْرَاد الْأُمُور وخواص الْأَشْيَاء، وَالشح بِالْمَاءِ وَالْمَعْرُوف، وَقيل: الشحيح الْبَخِيل مَعَ التحرص. وَفِي (مجمع الغرائب) : الشُّح المطاع هُوَ الْبُخْل الشَّديد الَّذِي يملك صَاحبه بِحَيْثُ لَا يُمكنهُ أَن يُخَالف نَفسه فِيهِ.
لِقَوْلِهِ {وِأنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أنْ يَأتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتَ} (المُنَافِقُونَ: ٠١) . الْآيَة
علل التَّرْجَمَة بِهَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة لِأَن مَعْنَاهَا التحذير من التسويف بِالْإِنْفَاقِ استبعادا لحلول الْأَجَل واشتغالاً بطول الأمل، والترجمة فِي فضل صَدَقَة الصَّحِيح الشحيح لِأَن فِيهَا مجاهدة النَّفس على الأنفاق خوفًا من هجوم الْأَجَل مَعَ قيام الْمَانِع، وَهُوَ الشُّح. فَلذَلِك كَانَت صدقته أفضل من صَدَقَة غَيره، وَهَذَا هُوَ وَجه الْمُطَابقَة بَين التَّرْجَمَة وَالْآيَة، وَالْآيَة الْكَرِيمَة فِي سُورَة الْمُنَافِقين، وَمعنى: {انفقوا} (المُنَافِقُونَ: ٠١) . تصدقوا مِمَّا رزقكم الله من الْأَمْوَال {من قبل أَن يَأْتِي أحدكُم الْمَوْت فَيَقُول رب لَوْلَا أخرتني إِلَى أجل قريب} (المُنَافِقُونَ: ٠١) . يَعْنِي: يَقُول: يَا سَيِّدي ردني إِلَى الدُّنْيَا: {فَأَصدق} يَعْنِي: فأتصدق وَيُقَال أصدق {بِاللَّه وأكن من الصَّالِحين} (المُنَافِقُونَ: ٠١) . يَعْنِي: أفعل مَا فعل المصدقون. وروى الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: من كَانَ لَهُ مَال تجب فِيهِ الزَّكَاة فَلم يزكه، أَو مَال يبلغهُ بَيت ربه فَلم يحجّ، سَأَلَ عِنْد الْمَوْت الرّجْعَة، قَالَ: فَقَالَ رجل: اتَّقِ الله يَا ابْن عَبَّاس، إِنَّمَا سَأَلت الْكفَّار الرّجْعَة. قَالَ ابْن عَبَّاس: إِنِّي أَقرَأ عَلَيْك بِهَذَا الْقُرْآن.
وَقَوْلِهِ {يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِما رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أنْ يأتِي يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ} الْآيَة
وَقَوله، بِالْجَرِّ عطف على: لقَوْله، وَهَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة فِي سُورَة الْبَقَرَة، وَهَذِه مُتَأَخِّرَة عَن الْآيَة الأولى فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر بِالْعَكْسِ، وَقد أَمر الله تَعَالَى هُنَا أَيْضا بِالْإِنْفَاقِ مِمَّا رزقهم الله فِي سبيلة ليدخروا ثَوَاب ذَلِك عِنْد رَبهم، فَعَلَيْهِم الْمُبَادرَة إِلَى ذَلِك من قبل أَن يَأْتِي يَوْم لَا بيع فِيهِ، أَي: لَا بدل فِيهِ، وَذكر لفظ البيع لما فِيهِ من الْمُعَاوضَة وَأخذ الْبَدَل وَلَا خلة أَي لَيْسَ خَلِيل ينفع فِي ذَلِك الْيَوْم وَلَا شَفَاعَة للْكَافِرِينَ، والكافرون هم الظَّالِمُونَ لأَنهم وضعُوا الْعِبَادَة فِي غير
موضعهَا، وعولوا على شَفَاعَة الْأَصْنَام، وروى ابْن أبي حَاتِم عَن عَطاء بن دِينَار أَنه قَالَ: الْحَمد لله الَّذِي قَالَ: والكافرون هم الظَّالِمُونَ، وَلم يقل: والظالمون هم الْكَافِرُونَ.
٩١٤١ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ قَالَ حدَّثنا عُمَارَةُ بنُ القَعْقَاعِ قَالَ حَدثنَا أبُو زُرْعَةَ قَالَ حَدثنَا أبُو هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. قَالَ جاءَ رَجَلٌ إلَى النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ يَا رسولَ الله أيُّ الصَّدَقَةِ أعْظَمُ أجْرا قَالَ أَن تَصَدَّقَ وَأنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الفَقْرَ وتَأمُلُ الغِنَى وَلَا تمْهِلُ حَتَّى إذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ قُلْتُ لِفُلانٍ كَذَا وَلِفُلانٍ كذَا وَقَدْ كانِ لِفُلَانٍ.
(الحَدِيث ٩١٤١ طرفه فِي: ٨٤٧٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أَن تصدق وَأَنت صَحِيح شحيح) ، فالصدقة فِي هَذِه الْحَالة أعظم أجرا لِأَن هَذَا القَوْل من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي جَوَاب السَّائِل: (أَي الصَّدَقَة أعظم أجرا؟) فَإِذا كَانَت هَذِه الصَّدَقَة أعظم أجرا كَانَت أفضل من غَيرهَا.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُوسَى بن إِسْمَاعِيل أَبُو سَلمَة الْمنْقري، وَقد مر غير مرّة. الثَّانِي: عبد الْوَاحِد ابْن زِيَاد أَبُو بشر. الثَّالِث: عمَارَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْمِيم: ابْن الْقَعْقَاع، بالقافين المفتوحتين والعينين الْمُهْمَلَتَيْنِ: ابْن شبْرمَة. الرَّابِع: أَبُو زرْعَة، بِضَم الزَّاي وَسُكُون الرَّاء، قيل: إسمه هرم، وَقيل: عبد الرَّحْمَن، وَقيل: عَمْرو، وَقد مر فِي: بَاب الْجِهَاد من الْإِيمَان. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي الْإِسْنَاد كُله، وَإِلَى هُنَا مَا وَقع فِي الْكتاب نَظِير هَذَا، وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أحد الروَاة مَذْكُور بِغَيْر نِسْبَة وَالْآخر مَذْكُور بكنيته. وَفِيه: أَن شَيْخه وَشَيخ شَيْخه بصريان، وَعمارَة وَأَبُو زرْعَة كوفيان.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْوَصَايَا عَن مُحَمَّد بن الْعَلَاء عَن أبي أُسَامَة عَن سُفْيَان. وَأخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن زُهَيْر بن حَرْب وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَابْن نمير، وَعَن أبي كَامِل عَن عبد الْوَاحِد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن أَحْمد بن حَرْب، وَفِي الزَّكَاة عَن مَحْمُود بن غيلَان.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (جَاءَ رجل) ، قيل: يحْتَمل أَن يكون أَبَا ذَر، لِأَنَّهُ فِي مُسْند أَحْمد. سَأَلَ: أَي الصَّدَقَة أفضل؟ وَكَذَا روى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أبي أُمَامَة أَن أَبَا ذَر سَأَلَ: لَكِن جَوَابه جهد من مقل أَو سرى إِلَى فَقير. قَوْله: (قَالَ أَن تصدق) بتَشْديد الصَّاد، وَأَصله: أَن تَتَصَدَّق من بَاب التفعل، فأبدلت إِحْدَى التَّاءَيْنِ صادا وأدغمت الصَّاد فِي الصَّاد، وَيجوز تَخْفيف الصَّاد بِحَذْف إِحْدَى التَّاءَيْنِ، والمتصدق هُوَ الَّذِي يُعْطي الصَّدَقَة، وَأما الْمُصدق فَهُوَ الَّذِي يَأْخُذ الصَّدَقَة من التَّصْدِيق من بَاب التفعيل. فَإِن قلت: مَا مَحل (أَن تصدق) من الْإِعْرَاب؟ قلت: مَرْفُوع على الخبرية، والمبتدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: أعظم الصَّدَقَة أجرا أَن تصدق، أَي: بِأَن تصدق. قَوْله: (وَأَنت صَحِيح) جملَة إسمية وَقعت حَالا. قَوْله: (شحيح) خبر بعد خبر، قَوْله: (تخشى الْفقر) ، جملَة فعلية وَقعت حَالا. قَوْله: (وَتَأمل الْغنى) عطف على مَا قبله، وَتَأمل بِضَم الْمِيم، أَي: تطمع بالغنى، وَالصَّدَََقَة فِي هَاتين الْحَالَتَيْنِ أَشد مراغمة للنَّفس. قَوْله: (وَلَا تمهل) بِفَتْح اللَّام من الْإِمْهَال، وَهُوَ التَّأْخِير. تَقْدِيره: وَأَن لَا تمهل لِأَنَّهُ مَعْطُوف على قَوْله: (أَن تصدق) ، ويروى بِسُكُون اللَّام على صُورَة النَّهْي. قَوْله: (حَتَّى إِذا بلغت الْحُلْقُوم) ، كلمة: حَتَّى، للغاية، وَالضَّمِير فِي: بلغت، يرجع إِلَى الرّوح بِدلَالَة سِيَاق الْكَلَام عَلَيْهِ، وَالْمرَاد مِنْهُ: قاربت الْبلُوغ، إِذْ لَو بلغته حَقِيقَة لم تصح وَصيته وَلَا شَيْء من تَصَرُّفَاته، والحلقوم هُوَ الْحلق، وَفِي (الْمُخَصّص) عَن أبي عُبَيْدَة: هُوَ مجْرى النَّفس والسعال من الْجوف وَهُوَ أطباق غراضيف لَيْسَ دونه من ظَاهر بَاطِن الْعُضْو إِلَّا جلد، وطرفه الْأَسْفَل فِي الرئة والأعلى فِي أصل عقدَة اللِّسَان، وَمِنْه مخرج البصاق وَالصَّوْت. وَفِي (الْمُحكم) ذكر الْحُلْقُوم فِي: بَاب حلق بِحَذْف زائدته، وهما: الْوَاو وَالْمِيم، وَقَالَ: الْحُلْقُوم كالحلق فعلوم عِنْد الْخَلِيل، وفعلول عِنْد غَيره. قَوْله: (لفُلَان) ، كِنَايَة عَن الْمُوصى لَهُ. وَقَوله: كَذَا كِنَايَة عَن الْمُوصى بِهِ، وَحَاصِل الْمَعْنى: أفضل الصَّدَقَة أَن تَتَصَدَّق حَال حياتك وصحتك مَعَ احتياجك إِلَيْهِ واختصاصك بِهِ، لَا فِي حَال سقمك وَسِيَاق موتك، لِأَن المَال حِينَئِذٍ خرج عَنْك وَتعلق بغيرك، وَيشْهد لهَذَا التَّأْوِيل حَدِيث أبي سعيد: (لِأَن يتَصَدَّق الْمَرْء فِي حَال حَيَاته بدرهم خير لَهُ من أَن يتَصَدَّق بِمِائَة عِنْد مَوته) . وَقَالَ الْخطابِيّ: فِيهِ: دَلِيل على أَن
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، كَمَا سَيَأْتِي فِي التَّفْسِيرِ، وَالشَّيْءُ الْمَذْكُورُ كَانَ ثَمَانِيَةَ آلَافٍ أَوْ أَرْبَعَةَ آلَافٍ.)
قَوْلُهُ: (وَجَاءَ رَجُلٌ) هُوَ أَبُو عَقِيلٍ بِفَتْحِ الْعَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي فِي التَّفْسِيرِ، وَنَذْكُرُ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى الِاخْتِلَافَ فِي اسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ، وَمَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ أَيْضًا مِنَ الصَّحَابَةِ كَأَبِي خَيْثَمَةَ، وَأَنَّ الصَّاعَ إِنَّمَا حَصَلَ لِأَبِي عَقِيلٍ لِكَوْنِهِ أَجَّرَ نَفْسَهُ عَلَى النَّزْحِ مِنَ الْبِئْرِ بِالْحَبْلِ.
قَوْلُهُ: (فَقَالُوا) سُمِّيَ مِنَ اللَّامِزِينَ فِي مَغَازِي الْوَاقِدِيِّ مُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَبْتَلَ بِنُونٍ وَمُثَنَّاةٍ مَفْتُوحَتَيْنِ، بَيْنَهُمَا مُوَحَّدَةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ لَامٌ.
قَوْلُهُ: (يَلْمِزُونَ) أَيْ يَعِيبُونَ، وَشَاهِدُ التَّرْجَمَةِ قَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلا جُهْدَهُمْ﴾.
قَوْلُهُ: (سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى) أَيْ: ابْنُ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ.
قَوْلُهُ: (فَيُحَامِلُ) بِضَمِّ التَّحْتَانِيَّةِ وَاللَّامُ مَضْمُومَةٌ بِلَفْظِ الْمُضَارِعِ مِنَ الْمُفَاعَلَةِ. وَيُرْوَى بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ وَفَتْحِ اللَّامِ أَيْضًا، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ زَائِدَةَ الْآتِيَةِ فِي التَّفْسِيرِ: فَيَحْتَالُ أَحَدُنَا حَتَّى يَجِيءَ بِالْمُدِّ.
قَوْلُهُ: (فَيُصِيبُ الْمُدَّ) أَيْ: فِي مُقَابَلَةِ أُجْرَتِهِ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ.
قَوْلُهُ: (وَإِنَّ لِبَعْضِهِمُ الْيَوْمَ لَمِائَةَ أَلْفٍ) زَادَ فِي التَّفْسِيرِ كَأَنَّهُ يُعَرِّضُ بِنَفْسِهِ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ قِلَّةِ الشَّيْءِ، وَإِلَى مَا صَارُوا إِلَيْهِ بَعْدَهُ مِنَ التَّوَسُّعِ لِكَثْرَةِ الْفُتُوحِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَكَانُوا فِي الْعَهْدِ الْأَوَّلِ يَتَصَدَّقُونَ بِمَا يَجِدُونَ وَلَوْ جَهِدُوا، وَالَّذِينَ أَشَارَ إِلَيْهِمْ آخِرًا بِخِلَافِ ذَلِكَ. (تَنْبِيهٌ): وَقَعَ بِخَطِّ مُغَلْطَايْ فِي شَرْحِهِ: وَإِنَّ لِبَعْضِهِمُ الْيَوْمَ ثَمَانِيَةَ آلَافٍ وَهُوَ تَصْحِيفٌ.
ثَانِيَهَا حَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، وَهُوَ بِلَفْظِ التَّرْجَمَةِ، وَهُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثِهِ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَبِشِقِّ) بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ: نِصْفُهَا أَوْ جَانِبُهَا، أَيْ: وَلَوْ كَانَ الِاتِّقَاءُ بِالتَّصَدُّقِ بِشِقِّ تَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنَّهُ يُفِيدُ. وَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ مَرْفُوعًا: اجْعَلُوا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ النَّارِ حِجَابًا، وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: لِيَتَّقِ أَحَدُكُمْ وَجْهَهُ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ: يَا عَائِشَةُ، اسْتَتِرِي مِنَ النَّارِ، وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنَّهَا تَسُدُّ مِنَ الْجَائِعِ مَسَدَّهَا مِنَ الشَّبْعَانِ، وَلِأَبِي يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ نَحْوُهُ، وَأَتَمُّ مِنْهُ بِلَفْظِ: تَقَعُ مِنَ الْجَائِعِ مَوْقِعُهَا مِنَ الشَّبْعَانِ، وَكَأَنَّ الْجَامِعَ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ حَلَاوَتُهَا، وَفِي الْحَدِيثِ الْحَثُّ عَلَى الصَّدَقَةِ بِمَا قَلَّ وَمَا جَلَّ، وَأَنْ لَا يَحْتَقِرَ مَا يَتَصَدَّقُ بِهِ، وَأَنَّ الْيَسِيرَ مِنَ الصَّدَقَةِ يَسْتُرُ الْمُتَصَدِّقَ مِنَ النَّارِ.
ثَالِثُهَا حَدِيثُ عَائِشَةَ، وَسَيَأْتِي فِي الْأَدَبِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِسَنَدِهِ، وَفِيهِ التَّقْيِيدُ بِالْإِحْسَانِ، وَلَفْظُهُ: مَنِ ابْتُلِيَ مِنَ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَمُنَاسَبَتُهُ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْأُمَّ الْمَذْكُورَةَ لَمَّا قَسَمَتِ التَّمْرَةَ بَيْنَ ابْنَتَيْهَا صَارَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا شِقُّ تَمْرَةٍ، وَقَدْ دَخَلَتْ فِي عُمُومِ خَبَرِ الصَّادِقِ أَنَّهَا مِمَّنْ سُتِرَ مِنَ النَّارِ لِأَنَّهَا مِمَّنِ ابْتُلِيَ بِشَيْءٍ مِنَ الْبَنَاتِ فَأَحْسَنَ، وَمُنَاسَبَةُ فِعْلِ عَائِشَةَ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ قَوْلِهِ: وَالْقَلِيلُ مِنَ الصَّدَقَةِ، وَلِلْآيَةِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلا جُهْدَهُمْ﴾ لِقَوْلِهَا فِي الْحَدِيثِ: فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي غَيْرَ تَمْرَةٍ، وَفِيهِ شِدَّةُ حِرْصِ عَائِشَةَ عَلَى الصَّدَقَةِ امْتِثَالًا لِوَصِيَّتِهِ ﷺ لَهَا حَيْثُ قَالَ: لَا يَرْجِعُ مِنْ عِنْدِكِ سَائِلٌ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ. رَوَاهُ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
١١ - بَاب فَضْلِ صَدَقَةِ الشَّحِيحِ الصَّحِيحِ
لِقَوْلِهِ: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ الآية.
وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ﴾ الآية.
١٤١٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ، حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ … الآية [المنافقون: ١٠]) أي: يرى دلائله، وفي بعض الأصول «إلى خاتمتها» بدل قوله: «الآية» (وَقَوْلِهِ) تعالى: (﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم﴾) ما وجب عليكم إنفاقه، أو (١) الإنفاق في سبيل الخير مطلقًا (﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ﴾ … الآية [البقرة: ٢٥٤]) أي: من قبل أن يأتي يومٌ لا تقدرون فيه على تحصيل ما فرَّطتم؛ إذ لا بيع فيه فتحصِّلون ما تنفقون أو تفتدون به من العذاب، ولا خُلَّة حتَّى تعينكم عليه أخلَّاؤكم، ولا شفاعة إلَّا لمن أذن له الرَّحمن حتَّى تتَّكلوا على شفعاء تشفع لكم في حطِّ ما في ذممكم، فمناسبة الآية للتَّرجمة -كما نبَّه عليه ابن المُنيِّر- من حيث إنَّ الآية معناها: التَّحذير من التَّسويف بالإنفاق استبعادًا لحلول الأجل واشتغالًا بطول الأمل والتَّرغيب في المبادرة بالصَّدقة قبل هجوم المنيَّة وفوات الأمنية، ووقع في رواية أبي ذَرٍّ: «باب فضل صدقة الشَّحيح الصَّحيح» فأسقط الجملة الأولى المسوقة بصيغة الاستفهام المُؤذِن بالتَّردُّد، ثمَّ إنَّه في رواية أبي ذرٍّ قدَّم آية «البقرة» على آية «المنافقون» فقال: «لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ﴾ إلى ﴿الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] ﴿وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ إلى آخر الآية» [المنافقون: ١٠].
١٤١٩ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زيادٍ قال: (حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ القَعْقَاعِ) بضمِّ العين وتخفيف الميم، و «القعْقاع» بقافين مفتوحتين بينهما عينٌ ساكنةٌ آخره عينٌ مهملتين (٢)، قال: (حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ) هَرِمٌ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) قال الحافظ ابن حجرٍ: لم أقف على اسمه، قِيلَ: يحتمل أن يكون أبا ذَرٍّ؛ لأنَّه ورد في
«مسند أحمد» أنَّه سأل: أيُّ الصَّدقة أفضل؟ وكذا عند الطَّبرانيِّ، لكنَّه أُجيب: «جهدٌ من (١) مُقِلٍّ أو سِرٌّ إلى فقيرٍ» (٢) (إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ قَالَ:) أعظم الصَّدقة (أَنْ تَصَدَّقَ) بتخفيف الصَّاد وحذف إحدى التَّاءين، أو بإبدال إحدى التَّاءين صادًا وإدغامها في الصَّاد، وهي في (٣) موضع رفعٍ، خبر المبتدأ المحذوف (وَأَنْتَ صَحِيحٌ) جملةٌ اسميَّةٌ حاليَّةٌ (شَحِيحٌ) حال كونك (تَخْشَى الفَقْرَ وَتَأْمُلُ الغِنَى) بضمِّ الميم، أي: تطمع في الغنى، لمجاهدة النَّفس حينئذٍ على إخراج المال مع قيام المانع، وهو الشُّحُّ، إذ فيه دلالةٌ على صحَّة القصد، وقوَّة الرَّغبة في القربة (وَلَا تُمْهِلُْ) بالجزم على النَّهي، أو بالنَّصب، عطفًا (٤) على «أن تصدَّقَ»، أو بالرَّفع، وهو الذي في «اليونينيَّة» (حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ) الرُّوح، أي: قاربت (الحُلْقُومَ) بضمِّ الحاء المهملة، مجرى النَّفس عند الغرغرة (قُلْتَ: لِفُلَانٍ كَذَا، وَلِفُلَانٍ كَذَا) كنايةٌ عن المُوصَى له والموصى به فيهما (وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ) أي: وقد صار ما أوصى به للوارث، فيبطله إن شاء إذا (٥) زاد على الثُّلث، أو أوصى به لوارثٍ آخر، والمعنى: تصدَّق في حال صحَّتك، واختصاص المال بك، وشحِّ نفسك بأن تقول: لا تتلف مالك، لئلَّا (٦) تصير فقيرًا، لا في حال سقمك وسياق موتك؛ لأنَّ المال حينئذٍ خرج منك وتعلَّق بغيرك.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «الوصايا» [خ¦٢٧٤٨]، ومسلمٌ والنَّسائيُّ في «الزَّكاة».
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
فِي نذر مُبْهَم وَكَانَت ترى أَنَّهَا لم توف مِمَّا يلْزمهَا فِيهِ وأعانت الْمُنْكَدر فِي كِتَابَته بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم.
١١ - (بابُ أيُّ الصَّدَقَةِ أفْضَلُ وصَدَقَةُ الشَّحِيحِ الصَّحِيحِ)
أَي: بَاب يذكر فِيهِ أَي الصَّدَقَة من الصَّدقَات أفضل وَأعظم أجرا، هَكَذَا هُوَ التَّرْجَمَة فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر: بَاب فضل صَدَقَة الشحيح الصَّحِيح. قَوْله: (وَصدقَة الشحيح) ، بِالرَّفْع عطف على مَا قبله من الْمُقدر تَقْدِيره: وَفضل صَدَقَة الشحيح، وَلم يتَرَدَّد فِيهِ لِأَن فضل صَدَقَة الشحيح الصَّحِيح على غَيره ظَاهر، لِأَن فِيهِ مجاهدة النَّفس على إِخْرَاج المَال الَّذِي هُوَ شَقِيق الرّوح مَعَ قيام مَانع الشُّح، وَلَيْسَ هَذَا إلَاّ من قُوَّة الرَّغْبَة فِي الْقرْبَة وَصِحَّة العقد، فَكَانَ أفضل من غَيره، وَتردد فِي الأول بِكَلِمَة: أَي، الَّتِي هِيَ للاستفهام لِأَن إطلالاق الْأَفْضَلِيَّة فِيهِ مَوضِع التَّرَدُّد. قَوْله: (الشحيح) ، صفة مشبهة من الشُّح، قَالَ ابْن سَيّده: وَالشح وَالشح وَالشح: الْبُخْل، وَالضَّم أَعلَى. وَقد شححت تشح وتشح، وشححت تشح، وَرجل شحيح وشحاح من قوم أشحة وأشحاء ومشحاح، وَنَفس شحة شحيحة، وَعَن ابْن الْأَعرَابِي: وشاحوا فِي الْأَمر، وَعَلِيهِ. وَفِي (الْجَامِع) حكى قوم الشُّح وَالشح، وَأرى أَن يكون الْفَتْح فِي الْمصدر وَالضَّم فِي الإسم وَجمعه فِي أقل الْعدَد أشحة وَلم أسمع غَيره. وَفِي (الْمُنْتَهى) لأبي الْمعَانِي: الشُّح بخل مَعَ حرص، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الْحَرْبِيّ فِي كِتَابه (غَرِيب الحَدِيث) : للشح ثَلَاثَة وُجُوه: الأول: أَن تَأْخُذ مَال أَخِيك بِغَيْر حَقه، قَالَ رجل لِابْنِ مَسْعُود: مَا أعطي مَا أقدر على مَنعه، قَالَ: ذَاك الْبُخْل وَالشح أَن تَأْخُذ مَال أَخِيك بِغَيْر حق. الثَّانِي: مَا رُوِيَ عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَنه قَالَ: الشُّح منع الزَّكَاة وإدخار الْحَرَام. الثَّالِث: مَا رُوِيَ: (أَن تصدق وَأَنت صَحِيح شحيح) . قَالَ وَالَّذِي يبرىء من الْوُجُوه الثَّلَاثَة مَا روى (برىء من الشُّح من أدّى الزَّكَاة وقرى الضَّيْف واعطى فِي النائبة) . وَفِي (المغيث) : الشُّح أبلغ فِي الْمَنْع من الْبُخْل، وَالْبخل فِي أَفْرَاد الْأُمُور وخواص الْأَشْيَاء، وَالشح بِالْمَاءِ وَالْمَعْرُوف، وَقيل: الشحيح الْبَخِيل مَعَ التحرص. وَفِي (مجمع الغرائب) : الشُّح المطاع هُوَ الْبُخْل الشَّديد الَّذِي يملك صَاحبه بِحَيْثُ لَا يُمكنهُ أَن يُخَالف نَفسه فِيهِ.
لِقَوْلِهِ {وِأنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أنْ يَأتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتَ} (المُنَافِقُونَ: ٠١) . الْآيَة
علل التَّرْجَمَة بِهَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة لِأَن مَعْنَاهَا التحذير من التسويف بِالْإِنْفَاقِ استبعادا لحلول الْأَجَل واشتغالاً بطول الأمل، والترجمة فِي فضل صَدَقَة الصَّحِيح الشحيح لِأَن فِيهَا مجاهدة النَّفس على الأنفاق خوفًا من هجوم الْأَجَل مَعَ قيام الْمَانِع، وَهُوَ الشُّح. فَلذَلِك كَانَت صدقته أفضل من صَدَقَة غَيره، وَهَذَا هُوَ وَجه الْمُطَابقَة بَين التَّرْجَمَة وَالْآيَة، وَالْآيَة الْكَرِيمَة فِي سُورَة الْمُنَافِقين، وَمعنى: {انفقوا} (المُنَافِقُونَ: ٠١) . تصدقوا مِمَّا رزقكم الله من الْأَمْوَال {من قبل أَن يَأْتِي أحدكُم الْمَوْت فَيَقُول رب لَوْلَا أخرتني إِلَى أجل قريب} (المُنَافِقُونَ: ٠١) . يَعْنِي: يَقُول: يَا سَيِّدي ردني إِلَى الدُّنْيَا: {فَأَصدق} يَعْنِي: فأتصدق وَيُقَال أصدق {بِاللَّه وأكن من الصَّالِحين} (المُنَافِقُونَ: ٠١) . يَعْنِي: أفعل مَا فعل المصدقون. وروى الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: من كَانَ لَهُ مَال تجب فِيهِ الزَّكَاة فَلم يزكه، أَو مَال يبلغهُ بَيت ربه فَلم يحجّ، سَأَلَ عِنْد الْمَوْت الرّجْعَة، قَالَ: فَقَالَ رجل: اتَّقِ الله يَا ابْن عَبَّاس، إِنَّمَا سَأَلت الْكفَّار الرّجْعَة. قَالَ ابْن عَبَّاس: إِنِّي أَقرَأ عَلَيْك بِهَذَا الْقُرْآن.
وَقَوْلِهِ {يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِما رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أنْ يأتِي يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ} الْآيَة
وَقَوله، بِالْجَرِّ عطف على: لقَوْله، وَهَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة فِي سُورَة الْبَقَرَة، وَهَذِه مُتَأَخِّرَة عَن الْآيَة الأولى فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة أبي ذَر بِالْعَكْسِ، وَقد أَمر الله تَعَالَى هُنَا أَيْضا بِالْإِنْفَاقِ مِمَّا رزقهم الله فِي سبيلة ليدخروا ثَوَاب ذَلِك عِنْد رَبهم، فَعَلَيْهِم الْمُبَادرَة إِلَى ذَلِك من قبل أَن يَأْتِي يَوْم لَا بيع فِيهِ، أَي: لَا بدل فِيهِ، وَذكر لفظ البيع لما فِيهِ من الْمُعَاوضَة وَأخذ الْبَدَل وَلَا خلة أَي لَيْسَ خَلِيل ينفع فِي ذَلِك الْيَوْم وَلَا شَفَاعَة للْكَافِرِينَ، والكافرون هم الظَّالِمُونَ لأَنهم وضعُوا الْعِبَادَة فِي غير
موضعهَا، وعولوا على شَفَاعَة الْأَصْنَام، وروى ابْن أبي حَاتِم عَن عَطاء بن دِينَار أَنه قَالَ: الْحَمد لله الَّذِي قَالَ: والكافرون هم الظَّالِمُونَ، وَلم يقل: والظالمون هم الْكَافِرُونَ.
٩١٤١ - حدَّثنا مُوسَى بنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ حدَّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ قَالَ حدَّثنا عُمَارَةُ بنُ القَعْقَاعِ قَالَ حَدثنَا أبُو زُرْعَةَ قَالَ حَدثنَا أبُو هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ. قَالَ جاءَ رَجَلٌ إلَى النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ يَا رسولَ الله أيُّ الصَّدَقَةِ أعْظَمُ أجْرا قَالَ أَن تَصَدَّقَ وَأنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الفَقْرَ وتَأمُلُ الغِنَى وَلَا تمْهِلُ حَتَّى إذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ قُلْتُ لِفُلانٍ كَذَا وَلِفُلانٍ كذَا وَقَدْ كانِ لِفُلَانٍ.
(الحَدِيث ٩١٤١ طرفه فِي: ٨٤٧٢) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (أَن تصدق وَأَنت صَحِيح شحيح) ، فالصدقة فِي هَذِه الْحَالة أعظم أجرا لِأَن هَذَا القَوْل من النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي جَوَاب السَّائِل: (أَي الصَّدَقَة أعظم أجرا؟) فَإِذا كَانَت هَذِه الصَّدَقَة أعظم أجرا كَانَت أفضل من غَيرهَا.
ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة: الأول: مُوسَى بن إِسْمَاعِيل أَبُو سَلمَة الْمنْقري، وَقد مر غير مرّة. الثَّانِي: عبد الْوَاحِد ابْن زِيَاد أَبُو بشر. الثَّالِث: عمَارَة، بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَتَخْفِيف الْمِيم: ابْن الْقَعْقَاع، بالقافين المفتوحتين والعينين الْمُهْمَلَتَيْنِ: ابْن شبْرمَة. الرَّابِع: أَبُو زرْعَة، بِضَم الزَّاي وَسُكُون الرَّاء، قيل: إسمه هرم، وَقيل: عبد الرَّحْمَن، وَقيل: عَمْرو، وَقد مر فِي: بَاب الْجِهَاد من الْإِيمَان. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة.
ذكر لطائف إِسْنَاده: فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي الْإِسْنَاد كُله، وَإِلَى هُنَا مَا وَقع فِي الْكتاب نَظِير هَذَا، وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: أحد الروَاة مَذْكُور بِغَيْر نِسْبَة وَالْآخر مَذْكُور بكنيته. وَفِيه: أَن شَيْخه وَشَيخ شَيْخه بصريان، وَعمارَة وَأَبُو زرْعَة كوفيان.
ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْوَصَايَا عَن مُحَمَّد بن الْعَلَاء عَن أبي أُسَامَة عَن سُفْيَان. وَأخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن زُهَيْر بن حَرْب وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَابْن نمير، وَعَن أبي كَامِل عَن عبد الْوَاحِد. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن أَحْمد بن حَرْب، وَفِي الزَّكَاة عَن مَحْمُود بن غيلَان.
ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (جَاءَ رجل) ، قيل: يحْتَمل أَن يكون أَبَا ذَر، لِأَنَّهُ فِي مُسْند أَحْمد. سَأَلَ: أَي الصَّدَقَة أفضل؟ وَكَذَا روى الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أبي أُمَامَة أَن أَبَا ذَر سَأَلَ: لَكِن جَوَابه جهد من مقل أَو سرى إِلَى فَقير. قَوْله: (قَالَ أَن تصدق) بتَشْديد الصَّاد، وَأَصله: أَن تَتَصَدَّق من بَاب التفعل، فأبدلت إِحْدَى التَّاءَيْنِ صادا وأدغمت الصَّاد فِي الصَّاد، وَيجوز تَخْفيف الصَّاد بِحَذْف إِحْدَى التَّاءَيْنِ، والمتصدق هُوَ الَّذِي يُعْطي الصَّدَقَة، وَأما الْمُصدق فَهُوَ الَّذِي يَأْخُذ الصَّدَقَة من التَّصْدِيق من بَاب التفعيل. فَإِن قلت: مَا مَحل (أَن تصدق) من الْإِعْرَاب؟ قلت: مَرْفُوع على الخبرية، والمبتدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: أعظم الصَّدَقَة أجرا أَن تصدق، أَي: بِأَن تصدق. قَوْله: (وَأَنت صَحِيح) جملَة إسمية وَقعت حَالا. قَوْله: (شحيح) خبر بعد خبر، قَوْله: (تخشى الْفقر) ، جملَة فعلية وَقعت حَالا. قَوْله: (وَتَأمل الْغنى) عطف على مَا قبله، وَتَأمل بِضَم الْمِيم، أَي: تطمع بالغنى، وَالصَّدَََقَة فِي هَاتين الْحَالَتَيْنِ أَشد مراغمة للنَّفس. قَوْله: (وَلَا تمهل) بِفَتْح اللَّام من الْإِمْهَال، وَهُوَ التَّأْخِير. تَقْدِيره: وَأَن لَا تمهل لِأَنَّهُ مَعْطُوف على قَوْله: (أَن تصدق) ، ويروى بِسُكُون اللَّام على صُورَة النَّهْي. قَوْله: (حَتَّى إِذا بلغت الْحُلْقُوم) ، كلمة: حَتَّى، للغاية، وَالضَّمِير فِي: بلغت، يرجع إِلَى الرّوح بِدلَالَة سِيَاق الْكَلَام عَلَيْهِ، وَالْمرَاد مِنْهُ: قاربت الْبلُوغ، إِذْ لَو بلغته حَقِيقَة لم تصح وَصيته وَلَا شَيْء من تَصَرُّفَاته، والحلقوم هُوَ الْحلق، وَفِي (الْمُخَصّص) عَن أبي عُبَيْدَة: هُوَ مجْرى النَّفس والسعال من الْجوف وَهُوَ أطباق غراضيف لَيْسَ دونه من ظَاهر بَاطِن الْعُضْو إِلَّا جلد، وطرفه الْأَسْفَل فِي الرئة والأعلى فِي أصل عقدَة اللِّسَان، وَمِنْه مخرج البصاق وَالصَّوْت. وَفِي (الْمُحكم) ذكر الْحُلْقُوم فِي: بَاب حلق بِحَذْف زائدته، وهما: الْوَاو وَالْمِيم، وَقَالَ: الْحُلْقُوم كالحلق فعلوم عِنْد الْخَلِيل، وفعلول عِنْد غَيره. قَوْله: (لفُلَان) ، كِنَايَة عَن الْمُوصى لَهُ. وَقَوله: كَذَا كِنَايَة عَن الْمُوصى بِهِ، وَحَاصِل الْمَعْنى: أفضل الصَّدَقَة أَن تَتَصَدَّق حَال حياتك وصحتك مَعَ احتياجك إِلَيْهِ واختصاصك بِهِ، لَا فِي حَال سقمك وَسِيَاق موتك، لِأَن المَال حِينَئِذٍ خرج عَنْك وَتعلق بغيرك، وَيشْهد لهَذَا التَّأْوِيل حَدِيث أبي سعيد: (لِأَن يتَصَدَّق الْمَرْء فِي حَال حَيَاته بدرهم خير لَهُ من أَن يتَصَدَّق بِمِائَة عِنْد مَوته) . وَقَالَ الْخطابِيّ: فِيهِ: دَلِيل على أَن