«كُنْتُ رَجُلًا قَيْنًا، فَعَمِلْتُ لِلْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ، فَاجْتَمَعَ لِي…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٢٧٥

الحديث رقم ٢٢٧٥ من كتاب «كتاب الإجارة» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب هل يؤاجر الرجل نفسه من مشرك في أرض الحرب.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢٢٧٥ في صحيح البخاري

«كُنْتُ رَجُلًا قَيْنًا، فَعَمِلْتُ لِلْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ، فَاجْتَمَعَ لِي عِنْدَهُ، فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ، فَقَالَ: لَا وَاللهِ لَا أَقْضِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ. فَقُلْتُ: أَمَا وَاللهِ حَتَّى تَمُوتَ ثُمَّ تُبْعَثَ فَلَا. قَالَ: وَإِنِّي لَمَيِّتٌ ثُمَّ مَبْعُوثٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّهُ سَيَكُونُ لِي ثَمَّ مَالٌ وَوَلَدٌ، فَأَقْضِيكَ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالا وَوَلَدًا﴾.»

بَابُ مَا يُعْطَى فِي الرُّقْيَةِ عَلَى أَحْيَاءِ الْعَرَبِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ أَحَقُّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللهِ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ لَا يَشْتَرِطُ الْمُعَلِّمُ إِلَّا أَنْ يُعْطَى شَيْئًا فَلْيَقْبَلْهُ وَقَالَ الْحَكَمُ لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا كَرِهَ أَجْرَ الْمُعَلِّمِ وَأَعْطَى الْحَسَنُ دَرَاهِمَ عَشَرَةً وَلَمْ يَرَ ابْنُ سِيرِينَ بِأَجْرِ الْقَسَّامِ بَأْسًا وَقَالَ كَانَ يُقَالُ السُّحْتُ الرِّشْوَةُ فِي الْحُكْمِ وَكَانُوا يُعْطَوْنَ عَلَى الْخَرْصِ

إسناد حديث البخاري رقم ٢٢٧٥

٢٢٧٥ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ : حَدَّثَنَا أَبِي : حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ مُسْلِمٍ ، عَنْ مَسْرُوقٍ : حَدَّثَنَا خَبَّابٌ قَالَ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٢٢٧٥: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ أَخْرَجَهَا الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ: بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ، وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ، وَالْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ مِثْلُهُ، وَزَادَ: مَا وَافَقَ الْحَقَّ.

(تَنْبِيهٌ): ظَنَّ ابْنُ التِّينِ أَنَّ قَوْلَهُ: وَقَالَ النَّبِيُّ الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ. بَقِيَّةُ كَلَامِ ابْنِ سِيرِينَ، فَشَرَحَ عَلَى ذَلِكَ فَوَهَمَ، وَقَدْ تَعَقَّبَهُ الْقُطْبُ الْحَلَبِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ عُلَمَائِنَا. ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَاضِي فِي الْبُيُوعِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ قَوْلُهُ فِي تَفْسِيرِ الْمَنْعِ لِبَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي: أَنْ لَا ي كُونَ لَهُ سِمْسَارًا فَإِنَّ مَفْهُومَهُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سِمْسَارًا فِي بَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْحَاضِرِ، وَلَكِنْ شَرَطَ الْجُمْهُورُ أَنْ تَكُونَ الْأُجْرَةُ مَعْلُومَةً، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إِنْ دَفَعَ لَهُ أَلْفًا عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا بَزًّا بِأُجْرَةِ عَشَرَةٍ فَهُوَ فَاسِدٌ، فَإِنِ اشْتَرَى فَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ وَلَا يَجُوزُ مَا سَمَّى مِنَ الْأُجْرَةِ. وَعَنْ أَبِي ثَوْرٍ إِذَا جَعَلَ لَهُ فِي كُلِّ أَلْفٍ شَيْئًا مَعْلُومًا لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَعْلُومٍ فَإِنْ عَمِلَ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ، وَحُجَّةُ مَنْ مَنَعَ أَنَّهَا إِجَارَةٌ فِي أَمْرٍ لِأَمَدٍ غَيْرِ مَعْلُومٍ، وَحُجَّةُ مَنْ أَجَازَهُ أَنَّهُ إِذَا عَيَّنَ لَهُ الْأُجْرَةَ كَفَى وَيَكُونُ مِنْ بَابِ الْجَعَالَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١٥ - بَاب هَلْ يُؤَاجِرُ الرَّجُلُ نَفْسَهُ مِنْ مُشْرِكٍ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ؟

٢٢٧٥ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، حَدَّثَنَا خَبَّابٌ ، قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا قَيْنًا، فَعَمِلْتُ لِلْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ، فَاجْتَمَعَ لِي عِنْدَهُ، فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ، فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا أَقْضِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ. فَقُلْتُ: أَمَا وَاللَّهِ حَتَّى تَمُوتَ ثُمَّ تُبْعَثَ فَلَا. قَالَ: وَإِنِّي لَمَيِّتٌ ثُمَّ مَبْعُوثٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنَّهُ سَيَكُونُ لِي ثَمَّ مَالٌ وَوَلَدٌ، فَأَقْضِيكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالا وَوَلَدًا﴾.

قَوْلُهُ: (بَابٌ هَلْ يُؤَاجِرُ الرَّجُلُ نَفْسَهُ مِنْ مُشْرِكٍ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ). أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ خَبَّابٍ - وَهُوَ إِذْ ذَاكَ مُسْلِمٌ - فِي عَمَلِهِ لِلْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ وَهُوَ مُشْرِكٌ، وَكَانَ ذَلِكَ بِمَكَّةَ وَهِيَ إِذْ ذَاكَ دَارُ حَرْبٍ، وَاطَّلَعَ النَّبِيُّ عَلَى ذَلِكَ وَأَقَرَّهُ، وَلَمْ يَجْزِمِ الْمُصَنِّفُ بِالْحُكْمِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْجَوَازُ مُقَيَّدًا بِالضَّرُورَةِ، أَوْ أَنَّ جَوَازَ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ الْإِذْنِ فِي قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ وَمُنَابَذَتِهِمْ، وَقَبْلَ الْأَمْرِ بِعَدَمِ إِذْلَالِ الْمُؤْمِنِ نَفْسَهُ، وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: كَرِهَ أَهْلُ الْعِلْمِ ذَلِكَ إِلَّا لِضَرُورَةٍ بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ عَمَلُهُ فِيمَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِ فِعْلُهُ، وَالْآخَرُ أَنْ لَا يُعِينَهُ عَلَى مَا يَعُودُ ضَرَرُهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: اسْتَقَرَّتِ الْمَذَاهِبُ عَلَى أَنَّ الصُّنَّاعَ فِي حَوَانِيتِهِمْ يَجُوزُ لَهُمُ الْعَمَلُ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ مِنَ الذِّلَّةِ، بِخِلَافِ أَنْ يَخْدُمَهُ فِي مَنْزِلِهِ وَبِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ لَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ خَبَّابٍ فِي الْبُيُوعِ، وَيَأْتِي بَقِيَّةُ شَرْحِهِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ مَرْيَمَ.

١٦ - بَاب مَا يُعْطَى فِي الرُّقْيَةِ عَلَى أَحْيَاءِ الْعَرَبِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ : أَحَقُّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ.

وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: لَا يَشْتَرِطُ الْمُعَلِّمُ إِلَّا أَنْ يُعْطَى شَيْئًا فَلْيَقْبَلْهُ

وَقَالَ الْحَكَمُ: لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا كَرِهَ أَجْرَ الْمُعَلِّمِ

وَأَعْطَى الْحَسَنُ دَرَاهِمَ عَشَرَةً وَلَمْ يَرَ ابْنُ سِيرِينَ بِأَجْرِ الْقَسَّامِ بَأْسًا،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(الرُّكْبَانُ) بالرَّفع نائبٌ عن الفاعل (وَلَا يَبِيعَ) بالنَّصب على أنَّ «لا» زائدةٌ (حَاضِرٌ لِبَادٍ) قال طاوسٌ: (قُلْتُ: يَا ابْنَ (١) عَبَّاسٍ مَا قَوْلُهُ) أي (٢): ما معنى قوله: (لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ؟ قَالَ: لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا) وهذا موضع التَّرجمة، فإنَّ مفهومه: جواز أن يكون سمسارًا في بيع الحاضر للحاضر، لكن شرط الجمهور أن تكون الأجرة معلومةً.

وهذا الحديث سبق في «باب النَّهي عن تلقِّي الرُّكبان» في «كتاب البيوع» [خ¦٢١٦٣].

(١٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (هَلْ يُؤَاجِرُ الرَّجُلُ) المسلم (نَفْسَهُ مِنْ مُشْرِكٍ فِي أَرْضِ الحَرْبِ) وهي دار الكفر.

٢٢٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفص بن غياث بن طلقٍ النَّخعيُّ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (عَنْ مُسْلِمٍ) هو ابن صُبَيحٍ -بضمِّ الصَّاد، مُصغَّرًا- أبي الضُّحى (٣) (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع قال: (حَدَّثَنَا خَبَّابٌ) بفتح الخاء المعجمة وتشديد المُوحَّدة الأولى، ابن الأرتِّ التَّميميُّ (٤)، من السَّابقين إلى الإسلام (قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا قَيْنًا) بفتح القاف وسكون التَّحتيَّة: حدَّادًا (فَعَمِلْتُ) أي: سيفًا (لِلْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ) السَّهميِّ، والد عمرو بن العاص الصَّحابيِّ المشهور، وكان له قدرٌ في الجاهليَّة، ولكنَّه لم يُوفَّق للإسلام، وكان عمله ذلك له بمكَّة، وهي إذ ذاك دار حربٍ، وخبَّابٌ مسلمٌ (فَاجْتَمَعَ لِي عِنْدَهُ) زاد الإمام

أحمد: دراهم (فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ) أي: أطلب الدَّراهم أجرةَ عمل السَّيف (فَقَالَ) أي (١): العاص: (لَا وَاللهِ لَا أَقْضِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، فَقُلْتُ: أَمَا) بتخفيف الميم، حرف تنبيهٍ (وَاللهِ) لا أكفر (حَتَّى تَمُوتَ ثُمَّ تُبْعَثَ) مفهومه غير مرادٍ؛ لأنَّ الكفر لا يُتصوَّر بعد البعث، فكأنَّه قال: لا أكفر أبدًا (فَلَا) أي: فلا أكفر، والفاء لا تدخل في جواب القَسَم، فهو مُفسِّرٌ للمُقدَّر الذي حذفه، قال الكِرمانيُّ: ويُروَى: «أمَّا» بالتشديد، وتقديره: أمَّا أنا فلا أكفر والله، وأمَّا غيري فلا أعلم حاله (قَالَ) العاص: (وَإِنِّي) بحذف همزة الاستفهام، والتَّقدير: أوَ إنِّي (لَمَيِّتٌ ثُمَّ مَبْعُوثٌ؟) قال خبَّابٌ: (قُلْتُ) له: (نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّهُ سَيَكُونُ لِي ثَمَّ) بفتح المُثلَّثة، أي: هناك (مَالٌ وَوَلَدٌ فَأَقْضِيكَ) حقَّك (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧]) وموضع التَّرجمة منه قوله: «فعملت» … إلى آخره، ووجه الدَّلالة: أنَّ العاص كان مشركًا، وكان خبَّابٌ إذ ذاك مسلمًا، ومكَّة حينئذٍ دار حربٍ، واطَّلع عليه النَّبيُّ وأقرَّه، لكن يحتمل أن يكون الجواز مُقيَّدًا بالضَّرورة، وقبل الإذنِ بقتال المشركين والأمرِ بعدم إذلال المؤمن نفسه، قال ابن المُنيِّر: والذي استقرَّت عليه المذاهب: أنَّ الصُّنَّاع في حوانيتهم كالقين والخيَّاط ونحوهما يجوز أن تعمل لأهل الذِّمَّة ولا يُعدُّ ذلك ذلَّةً، بخلاف خدمته في منزله وبطريق التَّبعيَّة له، كالمكاري والبلَّان في الحمَّام ونحو ذلك.

وهذا الحديث سبق في «باب ذكر القَيْن والحَدَّاد» من «كتاب البيع» [خ¦٢٠٩١]، ويأتي إن شاء الله تعالى في «تفسير سورة مريم» [خ¦٤٧٣٢].

(١٦) (بابُ) حكم (مَا يُعْطَى) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه (فِي الرُّقْيَةِ) بضمِّ الرَّاء وسكون القاف، أي: العُوذة (عَلَى أَحْيَاءِ العَرَبِ) بفتح الهمزة: طائفةٌ مخصوصةٌ (بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ) وعُورِض المؤلِّف في قوله: «على أحياء العرب» لأنَّ الحكم لا يختلف باختلاف الأمكنة والأجناس، وأجاب في «فتح الباري»: بأنَّه ترجم بالواقع ولم يتعرَّض لنفي غيره، واعترضه في «عمدة القاري»: بأنَّ هذا الجواب غير مقنعٍ؛ لأنَّ القيد شرطٌ، إذا انتفى ينتفي المشروط. انتهى. وقد شطب عليه في الفرع وأصله (١) (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ممَّا وصله في «الطِّبِّ» [خ¦٥٧٣٧] (عَنِ النَّبِيِّ : أَحَقُّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللهِ) وبهذا تمسَّك الجمهور في جواز الأجرة على تعليم القرآن، ومنع ذلك الحنفيَّة في التَّعليم؛ لأنَّه عبادةٌ والأجر فيها على الله تعالى، وأجازوه في الرُّقى لهذا الخبر. وبقيَّة مبحث (٢) ذلك تأتي إن شاء الله تعالى بعون الله (٣) في «باب التَّزويج على تعليم القرآن» [خ¦٥١٤٩]. (وَقَالَ الشَّعْبِيُّ) عامر بن شراحيل (٤) فيما وصله ابن أبي شيبة: (لَا يَشْتَرِطُ المُعَلِّمُ) على مَنْ يعلِّمه أجرةً (إِلَّا أَنْ يُعْطَى شَيْئًا فَلْيَقْبَلْهُ) بالجزم على الأمر وفتح همزة «أَنْ»، والاستثناء منقطعٌ، أي: لكنَّ الإعطاء بدون الاشتراط جائزٌ فيقبله، قال الكِرمانيُّ: وفي بعضها: «إِن» -بكسر الهمزة-، أي: لكن إن يُعَطْ شيئًا بدون الشَّرط فليقبله (وَقَالَ الحَكَمُ) بفتحتين، ابن عُتَيبة -بالمُثنَّاة (٥) والمُوحَّدة (٦) مُصغَّرًا- الكنديُّ

الكوفيُّ، ممَّا وصله البغويُّ في «الجعديَّات»: (لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا) من الفقهاء (كَرِهَ أَجْرَ المُعَلِّمِ، وَأَعْطَى الحَسَنُ) البصريُّ (دَرَاهِمَ عَشَرَةً) أجرة المعلِّم، ممَّا وصله ابن سعدٍ في «الطَّبقات» (وَلَمْ يَرَ ابْنُ سِيرِينَ) محمَّدٌ (بِأَجْرِ القَسَّامِ) بفتح القاف وتشديد المهملة، من القسم، وهو القاسم (بَأْسًا) أي: إذا كان بغير اشتراطٍ، أمَّا مع الاشتراط فكان يكرهه، كما أخرجه عنه موصولًا ابن سعدٍ، بل روى عنه الكراهة من غير تقييد عبد بن حُمَيدٍ من طريق يحيى بن عتيقٍ عن محمَّد بن سيرين، ولفظه: أنَّه (١) كان يكره أجور القسَّام ويقول: كان يُقال: السُّحت: الرَّشوة على الحكم، وأرى هذا حكمًا يُؤخَذ عليه الأجر (وَقَالَ) ابن سيرين: (كَانَ يُقَالُ: السُّحْتُ: الرِّشْوَةُ فِي (٢) الحُكْمِ) بكسر الرَّاء، أخرجه ابن جريرٍ بأسانيده عن عُمَرَ وعليٍّ وابن مسعودٍ وزيد بن ثابتٍ من قولهم، وأخرجه من وجهٍ آخر (٣) مرفوعًا برجالٍ ثقاتٍ، لكنَّه مُرسَلٌ، ولفظه: «كلُّ لحمٍ أنبته السُّحت فالنَّار أولى به»، قيل: يا رسول الله وما السُّحت؟ قال: «الرِّشوة في الحكم» (وَكَانُوا يُعْطَوْنَ) الأجرة -بفتح الطَّاء- (عَلَى الخَرْصِ) لخارص الثَّمرة، ومناسبة ذكر القسَّام والخارص: الاشتراكُ في أنَّ كلًّا منهما يفصل التَّنازع بين المتخاصمين.

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ أَخْرَجَهَا الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ: بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ، وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ، وَالْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ مِثْلُهُ، وَزَادَ: مَا وَافَقَ الْحَقَّ.

(تَنْبِيهٌ): ظَنَّ ابْنُ التِّينِ أَنَّ قَوْلَهُ: وَقَالَ النَّبِيُّ الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ. بَقِيَّةُ كَلَامِ ابْنِ سِيرِينَ، فَشَرَحَ عَلَى ذَلِكَ فَوَهَمَ، وَقَدْ تَعَقَّبَهُ الْقُطْبُ الْحَلَبِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ عُلَمَائِنَا. ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَاضِي فِي الْبُيُوعِ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ قَوْلُهُ فِي تَفْسِيرِ الْمَنْعِ لِبَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي: أَنْ لَا ي كُونَ لَهُ سِمْسَارًا فَإِنَّ مَفْهُومَهُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سِمْسَارًا فِي بَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْحَاضِرِ، وَلَكِنْ شَرَطَ الْجُمْهُورُ أَنْ تَكُونَ الْأُجْرَةُ مَعْلُومَةً، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إِنْ دَفَعَ لَهُ أَلْفًا عَلَى أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا بَزًّا بِأُجْرَةِ عَشَرَةٍ فَهُوَ فَاسِدٌ، فَإِنِ اشْتَرَى فَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ وَلَا يَجُوزُ مَا سَمَّى مِنَ الْأُجْرَةِ. وَعَنْ أَبِي ثَوْرٍ إِذَا جَعَلَ لَهُ فِي كُلِّ أَلْفٍ شَيْئًا مَعْلُومًا لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَعْلُومٍ فَإِنْ عَمِلَ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ، وَحُجَّةُ مَنْ مَنَعَ أَنَّهَا إِجَارَةٌ فِي أَمْرٍ لِأَمَدٍ غَيْرِ مَعْلُومٍ، وَحُجَّةُ مَنْ أَجَازَهُ أَنَّهُ إِذَا عَيَّنَ لَهُ الْأُجْرَةَ كَفَى وَيَكُونُ مِنْ بَابِ الْجَعَالَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

١٥ - بَاب هَلْ يُؤَاجِرُ الرَّجُلُ نَفْسَهُ مِنْ مُشْرِكٍ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ؟

٢٢٧٥ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، حَدَّثَنَا خَبَّابٌ ، قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا قَيْنًا، فَعَمِلْتُ لِلْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ، فَاجْتَمَعَ لِي عِنْدَهُ، فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ، فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا أَقْضِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ. فَقُلْتُ: أَمَا وَاللَّهِ حَتَّى تَمُوتَ ثُمَّ تُبْعَثَ فَلَا. قَالَ: وَإِنِّي لَمَيِّتٌ ثُمَّ مَبْعُوثٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنَّهُ سَيَكُونُ لِي ثَمَّ مَالٌ وَوَلَدٌ، فَأَقْضِيكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالا وَوَلَدًا﴾.

قَوْلُهُ: (بَابٌ هَلْ يُؤَاجِرُ الرَّجُلُ نَفْسَهُ مِنْ مُشْرِكٍ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ). أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ خَبَّابٍ - وَهُوَ إِذْ ذَاكَ مُسْلِمٌ - فِي عَمَلِهِ لِلْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ وَهُوَ مُشْرِكٌ، وَكَانَ ذَلِكَ بِمَكَّةَ وَهِيَ إِذْ ذَاكَ دَارُ حَرْبٍ، وَاطَّلَعَ النَّبِيُّ عَلَى ذَلِكَ وَأَقَرَّهُ، وَلَمْ يَجْزِمِ الْمُصَنِّفُ بِالْحُكْمِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْجَوَازُ مُقَيَّدًا بِالضَّرُورَةِ، أَوْ أَنَّ جَوَازَ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ الْإِذْنِ فِي قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ وَمُنَابَذَتِهِمْ، وَقَبْلَ الْأَمْرِ بِعَدَمِ إِذْلَالِ الْمُؤْمِنِ نَفْسَهُ، وَقَالَ الْمُهَلَّبُ: كَرِهَ أَهْلُ الْعِلْمِ ذَلِكَ إِلَّا لِضَرُورَةٍ بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ عَمَلُهُ فِيمَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِ فِعْلُهُ، وَالْآخَرُ أَنْ لَا يُعِينَهُ عَلَى مَا يَعُودُ ضَرَرُهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: اسْتَقَرَّتِ الْمَذَاهِبُ عَلَى أَنَّ الصُّنَّاعَ فِي حَوَانِيتِهِمْ يَجُوزُ لَهُمُ الْعَمَلُ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ مِنَ الذِّلَّةِ، بِخِلَافِ أَنْ يَخْدُمَهُ فِي مَنْزِلِهِ وَبِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ لَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ خَبَّابٍ فِي الْبُيُوعِ، وَيَأْتِي بَقِيَّةُ شَرْحِهِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ مَرْيَمَ.

١٦ - بَاب مَا يُعْطَى فِي الرُّقْيَةِ عَلَى أَحْيَاءِ الْعَرَبِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ : أَحَقُّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ.

وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: لَا يَشْتَرِطُ الْمُعَلِّمُ إِلَّا أَنْ يُعْطَى شَيْئًا فَلْيَقْبَلْهُ

وَقَالَ الْحَكَمُ: لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا كَرِهَ أَجْرَ الْمُعَلِّمِ

وَأَعْطَى الْحَسَنُ دَرَاهِمَ عَشَرَةً وَلَمْ يَرَ ابْنُ سِيرِينَ بِأَجْرِ الْقَسَّامِ بَأْسًا،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(الرُّكْبَانُ) بالرَّفع نائبٌ عن الفاعل (وَلَا يَبِيعَ) بالنَّصب على أنَّ «لا» زائدةٌ (حَاضِرٌ لِبَادٍ) قال طاوسٌ: (قُلْتُ: يَا ابْنَ (١) عَبَّاسٍ مَا قَوْلُهُ) أي (٢): ما معنى قوله: (لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ؟ قَالَ: لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا) وهذا موضع التَّرجمة، فإنَّ مفهومه: جواز أن يكون سمسارًا في بيع الحاضر للحاضر، لكن شرط الجمهور أن تكون الأجرة معلومةً.

وهذا الحديث سبق في «باب النَّهي عن تلقِّي الرُّكبان» في «كتاب البيوع» [خ¦٢١٦٣].

(١٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (هَلْ يُؤَاجِرُ الرَّجُلُ) المسلم (نَفْسَهُ مِنْ مُشْرِكٍ فِي أَرْضِ الحَرْبِ) وهي دار الكفر.

٢٢٧٥ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفص بن غياث بن طلقٍ النَّخعيُّ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (عَنْ مُسْلِمٍ) هو ابن صُبَيحٍ -بضمِّ الصَّاد، مُصغَّرًا- أبي الضُّحى (٣) (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابن الأجدع قال: (حَدَّثَنَا خَبَّابٌ) بفتح الخاء المعجمة وتشديد المُوحَّدة الأولى، ابن الأرتِّ التَّميميُّ (٤)، من السَّابقين إلى الإسلام (قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا قَيْنًا) بفتح القاف وسكون التَّحتيَّة: حدَّادًا (فَعَمِلْتُ) أي: سيفًا (لِلْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ) السَّهميِّ، والد عمرو بن العاص الصَّحابيِّ المشهور، وكان له قدرٌ في الجاهليَّة، ولكنَّه لم يُوفَّق للإسلام، وكان عمله ذلك له بمكَّة، وهي إذ ذاك دار حربٍ، وخبَّابٌ مسلمٌ (فَاجْتَمَعَ لِي عِنْدَهُ) زاد الإمام

أحمد: دراهم (فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ) أي: أطلب الدَّراهم أجرةَ عمل السَّيف (فَقَالَ) أي (١): العاص: (لَا وَاللهِ لَا أَقْضِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، فَقُلْتُ: أَمَا) بتخفيف الميم، حرف تنبيهٍ (وَاللهِ) لا أكفر (حَتَّى تَمُوتَ ثُمَّ تُبْعَثَ) مفهومه غير مرادٍ؛ لأنَّ الكفر لا يُتصوَّر بعد البعث، فكأنَّه قال: لا أكفر أبدًا (فَلَا) أي: فلا أكفر، والفاء لا تدخل في جواب القَسَم، فهو مُفسِّرٌ للمُقدَّر الذي حذفه، قال الكِرمانيُّ: ويُروَى: «أمَّا» بالتشديد، وتقديره: أمَّا أنا فلا أكفر والله، وأمَّا غيري فلا أعلم حاله (قَالَ) العاص: (وَإِنِّي) بحذف همزة الاستفهام، والتَّقدير: أوَ إنِّي (لَمَيِّتٌ ثُمَّ مَبْعُوثٌ؟) قال خبَّابٌ: (قُلْتُ) له: (نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّهُ سَيَكُونُ لِي ثَمَّ) بفتح المُثلَّثة، أي: هناك (مَالٌ وَوَلَدٌ فَأَقْضِيكَ) حقَّك (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧]) وموضع التَّرجمة منه قوله: «فعملت» … إلى آخره، ووجه الدَّلالة: أنَّ العاص كان مشركًا، وكان خبَّابٌ إذ ذاك مسلمًا، ومكَّة حينئذٍ دار حربٍ، واطَّلع عليه النَّبيُّ وأقرَّه، لكن يحتمل أن يكون الجواز مُقيَّدًا بالضَّرورة، وقبل الإذنِ بقتال المشركين والأمرِ بعدم إذلال المؤمن نفسه، قال ابن المُنيِّر: والذي استقرَّت عليه المذاهب: أنَّ الصُّنَّاع في حوانيتهم كالقين والخيَّاط ونحوهما يجوز أن تعمل لأهل الذِّمَّة ولا يُعدُّ ذلك ذلَّةً، بخلاف خدمته في منزله وبطريق التَّبعيَّة له، كالمكاري والبلَّان في الحمَّام ونحو ذلك.

وهذا الحديث سبق في «باب ذكر القَيْن والحَدَّاد» من «كتاب البيع» [خ¦٢٠٩١]، ويأتي إن شاء الله تعالى في «تفسير سورة مريم» [خ¦٤٧٣٢].

(١٦) (بابُ) حكم (مَا يُعْطَى) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه (فِي الرُّقْيَةِ) بضمِّ الرَّاء وسكون القاف، أي: العُوذة (عَلَى أَحْيَاءِ العَرَبِ) بفتح الهمزة: طائفةٌ مخصوصةٌ (بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ) وعُورِض المؤلِّف في قوله: «على أحياء العرب» لأنَّ الحكم لا يختلف باختلاف الأمكنة والأجناس، وأجاب في «فتح الباري»: بأنَّه ترجم بالواقع ولم يتعرَّض لنفي غيره، واعترضه في «عمدة القاري»: بأنَّ هذا الجواب غير مقنعٍ؛ لأنَّ القيد شرطٌ، إذا انتفى ينتفي المشروط. انتهى. وقد شطب عليه في الفرع وأصله (١) (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ممَّا وصله في «الطِّبِّ» [خ¦٥٧٣٧] (عَنِ النَّبِيِّ : أَحَقُّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللهِ) وبهذا تمسَّك الجمهور في جواز الأجرة على تعليم القرآن، ومنع ذلك الحنفيَّة في التَّعليم؛ لأنَّه عبادةٌ والأجر فيها على الله تعالى، وأجازوه في الرُّقى لهذا الخبر. وبقيَّة مبحث (٢) ذلك تأتي إن شاء الله تعالى بعون الله (٣) في «باب التَّزويج على تعليم القرآن» [خ¦٥١٤٩]. (وَقَالَ الشَّعْبِيُّ) عامر بن شراحيل (٤) فيما وصله ابن أبي شيبة: (لَا يَشْتَرِطُ المُعَلِّمُ) على مَنْ يعلِّمه أجرةً (إِلَّا أَنْ يُعْطَى شَيْئًا فَلْيَقْبَلْهُ) بالجزم على الأمر وفتح همزة «أَنْ»، والاستثناء منقطعٌ، أي: لكنَّ الإعطاء بدون الاشتراط جائزٌ فيقبله، قال الكِرمانيُّ: وفي بعضها: «إِن» -بكسر الهمزة-، أي: لكن إن يُعَطْ شيئًا بدون الشَّرط فليقبله (وَقَالَ الحَكَمُ) بفتحتين، ابن عُتَيبة -بالمُثنَّاة (٥) والمُوحَّدة (٦) مُصغَّرًا- الكنديُّ

الكوفيُّ، ممَّا وصله البغويُّ في «الجعديَّات»: (لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا) من الفقهاء (كَرِهَ أَجْرَ المُعَلِّمِ، وَأَعْطَى الحَسَنُ) البصريُّ (دَرَاهِمَ عَشَرَةً) أجرة المعلِّم، ممَّا وصله ابن سعدٍ في «الطَّبقات» (وَلَمْ يَرَ ابْنُ سِيرِينَ) محمَّدٌ (بِأَجْرِ القَسَّامِ) بفتح القاف وتشديد المهملة، من القسم، وهو القاسم (بَأْسًا) أي: إذا كان بغير اشتراطٍ، أمَّا مع الاشتراط فكان يكرهه، كما أخرجه عنه موصولًا ابن سعدٍ، بل روى عنه الكراهة من غير تقييد عبد بن حُمَيدٍ من طريق يحيى بن عتيقٍ عن محمَّد بن سيرين، ولفظه: أنَّه (١) كان يكره أجور القسَّام ويقول: كان يُقال: السُّحت: الرَّشوة على الحكم، وأرى هذا حكمًا يُؤخَذ عليه الأجر (وَقَالَ) ابن سيرين: (كَانَ يُقَالُ: السُّحْتُ: الرِّشْوَةُ فِي (٢) الحُكْمِ) بكسر الرَّاء، أخرجه ابن جريرٍ بأسانيده عن عُمَرَ وعليٍّ وابن مسعودٍ وزيد بن ثابتٍ من قولهم، وأخرجه من وجهٍ آخر (٣) مرفوعًا برجالٍ ثقاتٍ، لكنَّه مُرسَلٌ، ولفظه: «كلُّ لحمٍ أنبته السُّحت فالنَّار أولى به»، قيل: يا رسول الله وما السُّحت؟ قال: «الرِّشوة في الحكم» (وَكَانُوا يُعْطَوْنَ) الأجرة -بفتح الطَّاء- (عَلَى الخَرْصِ) لخارص الثَّمرة، ومناسبة ذكر القسَّام والخارص: الاشتراكُ في أنَّ كلًّا منهما يفصل التَّنازع بين المتخاصمين.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
سبحان الله وبحمده