«مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ، هُوَ عَلَيْهَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 2356

الحديث رقم 2356 من كتاب «كتاب الشرب والمساقاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب الخصومة في البئر والقضاء فيها.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «من حلف على يمين يقتطع بها مال امرئ، هو…

«مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ، هُوَ عَلَيْهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ الْآيَةَ، فَجَاءَ الْأَشْعَثُ فَقَالَ: مَا حَدَّثَكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ فِيَّ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، كَانَتْ لِي بِئْرٌ فِي أَرْضِ ابْنِ عَمٍّ لِي، فَقَالَ لِي: شُهُودَُكَ، قُلْتُ: مَا لِي شُهُودٌ، قَالَ: فَيَمِينُهُ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِذًا يَحْلِفَ، فَذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ هَذَا الْحَدِيثَ، فَأَنْزَلَ اللهُ ذَلِكَ تَصْدِيقًا لَهُ.»

سند حديث: ٢٣٥٦ - ٢٣٥٧ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ…

٢٣٥٦ - ٢٣٥٧ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «من حلف على يمين يقتطع بها مال امرئ، هو…

حذَّر النبيُّ صلى الله عليه وسلم من الحلف بالله على يمين مع علم الحالف أنه كاذب فيها، لِيَحُوْزَ بهذه اليمين مالًا لغيره؛ فسيلقى الله وهو عليه غضبان، فأخبر الأشعث بن قيس رضي الله عنه بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك حيث كانت بينه وبين رجل من اليهود خصومة في ملكية أرض، فاحتكما إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال للأشعث:

عليك البينة لِيَثْبُتَ لك ما تدَّعيه، فإن عجزت عنها فليس لك إلا يمين خصمك المُدّعى عليه، فقال الأشعث:

يا رسول الله، إذن يحلف الرجل اليهودي ولا يتورّع ويذهب بمالي، فأنزل الله تعالى تصديق ذلك في القرآن قوله سبحانه:

{إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ} ويستبدلون {بِعَهْدِ اللَّهِ}، ووصيته للمؤمنين بأداء الأمانة {وَأَيْمَانِهِمْ} وحلفهم باسمه كاذبين {ثَمَنًا قَلِيلًا} من حطام الدنيا {أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ} ولا نصيب {وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ}، بكلامٍ يسرُّهم وينفعهم، بل غضب عليهم، {وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}، نظر رحمة وإحسان، {وَلَا يُزَكِّيهِمْ} بالثناء الجميل، ولا يطهرهم بالمغفرة من الذنوب والأدناس {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} موجع بسبب ما ارتكبوه.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • النهي عن استحلال أموال الناس بالباطل.
  • تغليظ حقوق المسلمين في قليل الحق وكثيره.
  • البينة على المدَّعِي، واليمين على المدَّعَى عليه إذا أنكر.
  • ثبوت الحق بالشاهدين، فإن لم توجد البينة عند المدّعِي، فعلى المدّعى عليه باليمين.
  • تحريم اليمين (الغموس) وهي الكاذبة التي يقتطع بها الحالف حق غيره، وهي من الكبائر، التي تعرض صاحبها لغضب الله تعالى وعقابه.
  • موعظة الحاكم للخصوم، خصوصًا عند إرادة الحلف.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط

شرح حديث: «من حلف على يمين يقتطع بها مال امرئ، هو…

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٤) (باب الخُصُومَةِ فِي البِئْرِ وَالقَضَاءِ فِيهَا).

٢٣٥٦ - ٢٣٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو عبد الله المروزيُّ (عَنْ أَبِي حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزَّاي، محمَّد بن ميمونٍ السُّكَّريِّ المروزيِّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ شَقِيقٍ) هو ابن سلمة، أبو وائلٍ، الأزديِّ الكوفيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) هو ابن مسعودٍ (﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ) أي: على محلوف يمينٍ، حال كونه (يَقْتَطِعُ بِهَا) أي: بسبب اليمين (مَالَ امْرِئٍ هُوَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «مال امرئٍ مسلمٍ هو» (عَلَيْهَا) أي: هو في الإقدام عليها (١) (فَاجِرٌ) أي: كاذبٌ، ويحتمل أن تكون جملة «يقتطع» صفةً لـ «يمينٍ»، والتَّقييد بالمسلم جرى على الغالب، وإلَّا فلا فرق بين المسلم والذِّمِّيِّ والمعاهد وغيرهم،

كما جرى على الغالب في تقييده بمالٍ، ولا فرق بين المال وغيره في ذلك، وفي «مسلمٍ» من حديث إياس بن ثعلبة الحارثيِّ: «من اقتطع حقَّ امرئٍ مسلمٍ بيمينه» (لَقِيَ اللهَ) يوم القيامة (وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ) فيعامله معاملة المغضوب عليه من كونه لا ينظر إليه ولا يكلِّمه، ولـ «مسلمٍ» من حديث وائل بن حجرٍ: «وهو عنه معرضٌ»، وعند أبي داود من حديث عمران: «فليتبوَّأ مقعده من النَّار» (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ﴾) يستبدلون (﴿بِعَهْدِ اللّهِ﴾) بما عاهدوا الله (١) عليه من الإيمان بالرَّسول والوفاء بالأمانات (﴿وَأَيْمَانِهِمْ﴾) وبما حلفوا عليه (﴿ثَمَنًا قَلِيلاً﴾ [آل عمران: ٧٧]) … الآيَةَ. (فَجَاءَ الأَشْعَثُ) هو ابن قيسٍ الكنديُّ، من المكان الذي كان فيه إلى المجلس الذي كان عبد الله يُحدِّثهم فيه (فَقَالَ: مَا حَدَّثَكُمْ) بلفظ الماضي، ولأبوي ذرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «ما يحدِّثكم» (أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟) يعني ابن مسعودٍ، زاد في رواية جريرٍ في «الرَّهن» [خ¦٢٥١٥] [خ¦٢٥١٦]: قال: فحدَّثناه، قال: فقال: صدق (فِيَّ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، كَانَتْ لِي بِئْرٌ فِي أَرْضِ ابْنِ عَمٍّ لِي) اسمه: معدان بن الأسود بن معد يكرب الكنديُّ، ولقبه الجَفشيش -بالجيم المفتوحة والشِّينين (٢) المعجمتين بينهما تحتيَّةٌ ساكنةٌ على الأشهر- وزعم الإسماعيليُّ أنَّ أبا حمزة تفرَّد بذكر البئر عن الأعمش، وليس كما قال فقد وافقه أبو عوانة كما في «كتاب الأيمان» [خ¦٦٦٧٦] و «الأحكام» [خ¦٧١٨٣] من رواية الثَّوريِّ ومنصورٍ عن الأعمش جميعًا (٣)، وفي رواية جريرٍ عن منصورٍ [خ¦٢٦٦٩]: في شيءٍ (فَقَالَ لِي) رسول الله ﷺ: (شُهُودَكَ) نُصِب بتقدير «أَحْضِرْ» أو «أَقِمْ» شهودك على حقِّك، وفي نسخةٍ: «شهوُدك» بالرَّفع، خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: فالمثبِتُ لحقِّك شهودُك، قال الأشعث: (قُلْتُ: مَا لِي شُهُودٌ، قَالَ) ﵊:

(فَيَمِينَهُ) أي: فاطلب يمينه، وفي نسخةٍ: «فيمينُه» بالرَّفع، أي: فالحجَّةُ القاطعةُ بينكما يمينهُ (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِذَنْ يَحْلِفَ) بنصب «يحلفَ» لا غير كما قاله السُّهيليُّ، وكذا هو (١) في الفرع وأصله (٢)؛ لاستيفائها شروط إعمالها التي هي: التَّصدُّر، والاستقبال، وعدم الفصل، ولا يجوز إلغاؤها حينئذٍ، قال الزَّركشيُّ «في أحكام عمدة الأحكام» (٣)، وذكر ابن خروفٍ في «شرح سيبويه»: أنَّ من العرب من لا ينصب بها مع استيفاء الشُّروط، حكاه سيبويه، قال: ومنه الحديث: «إذًا يحلفُ بالله»، وهو صريحٌ في أنَّ الرِّواية بالرَّفع. انتهى. قال في «المصابيح»: استشهاده بالحديث إنَّما يدلُّ على أنَّ الرَّفع مرويٌّ، لا أنَّه هو المرويُّ كما يظهر من عبارة الزَّركشيِّ (فَذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ هَذَا الحَدِيثَ) وهو قوله: «من حلف على يمينٍ … » إلى آخره، (فَأَنْزَلَ اللهُ ذَلِكَ) أي: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ﴾ … الآية [آل عمران: ٧٧] (تَصْدِيقًا لَهُ) ﷺ.

وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الإشخاص» [خ¦٢٤١٦] و «الشَّهادات» [خ¦٢٦٦٦] و «الأيمان والنُّذور» [خ¦٦٦٦٠] و «التَّفسير» [خ¦٤٥٤٩] و «الشَّركة» [خ¦٢٥١٥]، ومسلمٌ في «الأيمان» وكذا أبو داود، والنَّسائيُّ في «القضاء»، وابن ماجه في «الأحكام» (٤).

(٥) (باب إِثْمِ مَنْ مَنَعَ ابْنَ السَّبِيلِ) وهو المسافر (مِنَ (٥) المَاءِ) أي: الفاضل عن حاجته.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

المَاء، وَيجب بذله للماشية، وللوجوب شُرُوط: أَحدهَا: أَن لَا يجد صَاحب الْمَاشِيَة مَاء مُبَاحا. وَالثَّانِي: إِن يكون الْبَذْل لحَاجَة الْمَاشِيَة. وَالثَّالِث: أَن يكون هُنَاكَ مرعى، وَأَن يكون المَاء فِي مستقره، فالماء الْمَوْجُود فِي إِنَاء لَا يجب بذل فَضله على الصَّحِيح، ثمَّ عابروا السَّبِيل يبْذل لَهُم ولمواشيهم، وَلمن أَرَادَ الْإِقَامَة فِي الْموضع وَجْهَان، لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَة فِي الْإِقَامَة، وَالأَصَح الْوُجُوب، وَإِذا أَوجَبْنَا الْبَذْل هَل يجوز أَن يَأْخُذ عَلَيْهِ أجرا كإطعام الْمُضْطَر؟ وَجْهَان وَالصَّحِيح: لَا، لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نهى عَن بيع فضل المَاء.

٣ - (بابٌ منْ حَفَرَ بِئْراً فِي مِلْكِهِ لَمْ يَضْمَنْ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من حفر بِئْرا فِي ملكه، فَإِنَّهُ لَا يضمن، لِأَن لَهُ التَّصَرُّف فِي ملكه.

٥٥٣٢ - حدَّثنا مَحْمُودٌ قَالَ أخبرنَا عُبَيْدُ الله عنْ إسْرَائِيلَ عنْ أبِي حَصِينٍ عنْ أبِي صالِحٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم المَعْدِنُ جُبَارٌ والْبِئْرُ جُبَارٌ والْعَجْماءُ جُبارٌ وَفِي الرِّكازِ الخُمْسُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (والبئر جَبَّار) ، يَعْنِي: هدر لَا شَيْء فِيهِ، وَالْمرَاد من جَبَّار الْبِئْر أَنه إِذا حفرهَا فِي مَوضِع يسوغ لَهُ حفرهَا، فَسقط فِيهَا أحد لَا ضَمَان عَلَيْهِ. وَقيل: مَعْنَاهُ أَن يسْتَأْجر من يحْفر لَهُ بِئْرا فانهارت عَلَيْهِ الْبِئْر فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ، وَقد مر الحَدِيث فِي كتاب الزَّكَاة فِي: بَاب فِي الرِّكَاز الْخمس، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن ابْن شهَاب عَن سعيد بن الْمسيب وَعَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي هُرَيْرَة عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: العجماء جَبَّار والبئر جَبَّار والمعدن جَبَّار وَفِي الرِّكَاز الْخمس، هَهُنَا أخرجه: عَن مَحْمُود بن غيلَان عَن عبيد الله بن مُوسَى عَن إِسْرَائِيل بن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي عَن أبي حُصَيْن، بِفَتْح الْحَاء وَكسر الصَّاد الْمُهْملَة: واسْمه عُثْمَان بن عَاصِم، عَن أبي صَالح ذكْوَان الزيات السمان ... إِلَى آخِره.

وَعبيد الله بن مُوسَى هُوَ شيخ البُخَارِيّ أَيْضا، روى عَنهُ بِدُونِ وَاسِطَة فِي أول الْإِيمَان، وَهنا بِوَاسِطَة مَحْمُود.

قَوْله: (حَدثنَا مَحْمُود أخبرنَا عبيد الله) ، وَفِي بعض النّسخ: حَدثنِي مَحْمُود وَأَخْبرنِي عبيد الله، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى.

٤ - (بابُ الخُصُومَةِ فِي البِئْرِ والقَضَاءِ فِيها)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْخُصُومَة فِي الْبِئْر، وَفِي بَيَان الْقَضَاء، أَي: الحكم فِيهَا، أَي: فِي الْبِئْر.

٦٥٣٢

- ٧٥٣٢ حدَّثنا عَبْدَانُ عنْ أبي حَمْزَةَ عنِ الأعْمَشِ عنْ شَقيقٍ عنْ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عَن النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ منْ حَلَفَ عَلى يَمينٍ يَقْتَطِعُ بِها مالَ امْرِىءٍ هُوَ عَلَيْها فاجِرٌ لَقِيَ الله وهْوَ عَلَيْهِ غَضْبانُ فأنزلَ الله تَعَالَى: {إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وأيْمانِهِمْ ثَمناً قَلِيلاً} (آل عمرَان: ٧٧) . الْآيَة فَجَاءَ الأشْعَثُ فَقَالَ مَا حَدَّثَكُمْ أبُو عبدِ الرَّحْمانِ فيَّ أُنْزِلَتْ هذِه الآيةُ كانَتْ لِي بِئْرٌ فِي أرْضِ ابنِ عَمٍّ لِي فَقَالَ لِي شُهُودَكَ قُلْتُ مَا لِي شُهودٌ قَالَ فَيَمِينُهُ قُلْتُ يَا رسولَ الله إِذا يَحْلِف فَذَكَرَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ...

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حكم فِي الْبِئْر الْمَذْكُورَة بِطَلَب الْبَيِّنَة من الْمُدَّعِي وبيمين الْمُدعى عَلَيْهِ. عِنْد عجز الْمُدَّعِي عَن إِقَامَة الْبَيِّنَة، وعبدان لقب عبد الله الْمروزِي، وَقد مر غير مرّة. وَأَبُو حَمْزَة، بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالزاي: مُحَمَّد ابْن مَيْمُون السكرِي، وَقد مر فِي: بَاب نفض الْيَدَيْنِ فِي الْغسْل، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، وشقيق بن سَلمَة أَبُو وَائِل الْأَسدي الْكُوفِي، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود، والأشعث بن قيس أَبُو مُحَمَّد الْكِنْدِيّ، وَفد إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سنة عشر من الْهِجْرَة فِي وَفد كِنْدَة، وَكَانُوا سِتِّينَ رَاكِبًا فأسلموا، وَكَانَ مِمَّن ارْتَدَّ بعد موت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ثمَّ أسلم وَله قصَّة طَوِيلَة.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي الْأَشْخَاص وَفِي الشَّهَادَات عَن مُحَمَّد بن سَلام، وَفِي الْأَشْخَاص أَيْضا عَن بشر بن خَالِد، وَفِي النذور عَن مُوسَى، وَفِي التَّفْسِير عَن حجاج بن الْمنْهَال، وَفِي الشّركَة عَن قُتَيْبَة، وَفِي النذور أَيْضا عَن بنْدَار، وَفِي الْأَحْكَام عَن إِسْحَاق بن نصر، وَأخرجه مُسلم فِي الْأَيْمَان عَن أبي بكر وَإِسْحَاق وَابْن نمير، ثَلَاثَتهمْ عَن وَكِيع وَعَن ابْن نمير عَن أَبِيه وَعَن إِسْحَاق عَن جرير بهوأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْإِيمَان وَالنُّذُور عَن مُحَمَّد بن عيس وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْبيُوع وَفِي التَّفْسِير عَن هُنَا. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْقَضَاء عَن هناد وَفِي التَّفْسِير عَن الْهَيْثَم بن أَيُّوب وَعَن مُحَمَّد بن قدامَة، وَلم يذكر حَدِيث عبد الله. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَحْكَام عَن مُحَمَّد بن عبد الله وَعلي بن مُحَمَّد، وَفِي بعض الْأَلْفَاظ اخْتِلَاف.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (يقتطع بهَا) ، أَي: بِالْيَمِينِ أَي: بِسَبَبِهَا، وَمعنى يقتطع: يَأْخُذ قِطْعَة بِسَبَب الْيَمين من مَال امرىء. قَوْله: (هُوَ عَلَيْهَا فَاجر) ، أَي: كَاذِب، وَهِي جملَة إسمية وَقعت حَالا بِلَا وَاو، كَمَا فِي قَوْلك: كَلمته فوه إِلَى فِي. قَوْله: (لَقِي الله تَعَالَى) ، يَعْنِي: يَوْم الْقِيَامَة. قَوْله: (وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان) ، جملَة إسمية وَقعت حَالا على الأَصْل. قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: يَعْنِي بِالْغَضَبِ، إِرَادَة عُقُوبَة أَو عُقُوبَة نَفسهَا، إِذْ يعبر بِالْغَضَبِ عَن الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، وَإِذا لقِيه وَهُوَ يُرِيد عِقَابه أَو قد عاقبه جَازَ بعد ذَلِك أَن لَا يُرِيد عِقَابه وَأَن يدْفع عَنهُ تماديه إِن كَانَ أنزلهُ بِهِ، بِشَرْط أَن لَا يكون مُتَعَلق إِرَادَته عَذَاب واصب. وَقَالَ شَيخنَا: الظَّاهِر أَن المُرَاد بغضب الله مُعَامَلَته بمعاملة المغضوب عَلَيْهِ من كَونه لَا ينظر إِلَيْهِ وَلَا يكلمهُ، كَمَا ثَبت فِي (الصَّحِيحَيْنِ) من حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: (ثَلَاثَة لَا يكلمهم الله يَوْم الْقِيَامَة وَلَا ينظر إِلَيْهِم، فَذكر مِنْهُم: وَرجل حلف على يَمِين كَاذِبَة بعد الْعَصْر ليقتطع بهَا مَال امرىء مُسلم) الحَدِيث، وَأما كَون المُرَاد بِالْغَضَبِ إِرَادَة الْعقُوبَة أَو الْعقُوبَة نَفسهَا فَإِنَّهُ يردهُ مَا رَوَاهُ الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) من حَدِيث الْأَشْعَث بن قيس مَرْفُوعا: من حلف على يَمِين صبرا ليقتطع بهَا مَال امرىء مُسلم لَقِي الله تَعَالَى يَوْم الْقِيَامَة وَهُوَ مُجْتَمع عَلَيْهِ غَضبا، عَفا الله عَنهُ أَو عاقبه) . وَقَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد، فَهَذَا يدل على أَنه لم يرد بِالْغَضَبِ إِرَادَة الْعقُوبَة أَو الْعقُوبَة، لِأَنَّهُ لَو أَرَادَ عُقُوبَته لوقعت الْعقُوبَة على وفْق الْإِرَادَة.

ذكر اخْتِلَاف الْأَلْفَاظ فِيهِ: فَفِي حَدِيث ابْن مَسْعُود والأشعث بن قيس وَمَعْقِل بن يسَار: لَقِي الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان، وَفِي بعض طرق حَدِيث الْأَشْعَث: لَقِي الله وَهُوَ أَجْذم، وَفِي رِوَايَة عمرَان بن حُصَيْن والْحَارث بن برصاء وَجَابِر بن عبد الله: فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار، وَفِي حَدِيث أبي أُمَامَة وَجَابِر بن عتِيك: أوجب الله لَهُ النَّار وَحرم عَلَيْهِ الْجنَّة. وَفِي حَدِيث أبي سَوْدَة: إِن ذَلِك يعقم الرَّحِم، وَفِي حَدِيث سعيد بن زيد: إِنَّه لَا يُبَارك لَهُ فِيهَا، وَفِي حَدِيث ثَعْلَبَة بن صد مُغيرَة: نُكْتَة سَوْدَاء فِي قلبه، وَكَذَلِكَ فِي حَدِيث عبد الله بن أنيس. فَإِن قلت: مَا التَّوْفِيق بَين هَذِه الرِّوَايَات؟ قلت: لَا مُنَافَاة بَين شَيْء من ذَلِك، فقد يجْتَمع لَهُ جَمِيع ذَلِك كُله نَعُوذ بِاللَّه مِنْهُ وَإِنَّمَا يشكل مِنْهُ رِوَايَة: حرم الله عَلَيْهِ الْجنَّة وَأوجب لَهُ النَّار، فَيحمل ذَلِك على المستحل لذَلِك، أَو على تَقْدِير: أَن ذَلِك جَزَاؤُهُ إِن جازاه، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَمن يقتل مُؤمنا مُتَعَمدا} (النِّسَاء: ٣٩) . وَالله أعلم.

ذكر بَيَان من خرج هَذِه الْأَحَادِيث: أما حَدِيث ابْن مَسْعُود فقد مضى الْآن. وَأما حَدِيث الْأَشْعَث بن قيس فَفِي حَدِيث ابْن مَسْعُود، وَأخرجه بَقِيَّة الْأَئِمَّة. وَأما حَدِيث معقل بن يسَار فَأخْرجهُ النَّسَائِيّ من رِوَايَة شُعْبَة عَن عِيَاض عَن أبي خَالِد، قَالَ: رَأَيْت رجلَيْنِ يختصمان عِنْد معقل بن يسَار، فَقَالَ معقل: قَالَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من حلف على يَمِين ليقتطع بهَا مَال رجل لَقِي الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان) ، وَأخرجه الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) وَقَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ بِهَذَا الْإِسْنَاد. وَأما حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن فَأخْرجهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة مُحَمَّد بن سِيرِين عَن عمرَان بن حُصَيْن قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من حلف على يَمِين مصبورة كَاذِبًا فَليَتَبَوَّأ بِوَجْهِهِ مَقْعَده من النَّار) ، وَأخرجه الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) وَقَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ بِهَذَا اللَّفْظ. وَأما حَدِيث الْحَارِث بن برصاء فَأخْرجهُ الْحَاكِم من رِوَايَة عبيد بن جريج عَن الْحَارِث بن برصاء، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (من اقتطع مَال أَخِيه الْمُسلم بِيَمِين فاجرة فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار، ليبلغ شاهدكم غائبكم، مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا) . وَقَالَ: هَذَا صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ بِهَذَا السِّيَاق. وَأما حَدِيث جَابر بن عبد الله فَأخْرجهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من رِوَايَة عبد الله بن نسطاس عَن جَابر

ابْن عبد الله، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من حلف على منبري هَذَا على يَمِين آثمة فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار) الحَدِيث، وَأخرجه الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) وَقَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ. وَأما حَدِيث أبي أُمَامَة بن ثَعْلَبَة، واسْمه: إِيَاس، وَقيل: ثَعْلَبَة، وَالأَصَح أَنه إِيَاس، فَأخْرجهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من حَدِيث عبد الله بن كَعْب بن مَالك عَن أبي أُمَامَة: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (من اقتطع حق امرىء مُسلم بِيَمِينِهِ فقد أوجب الله لَهُ النَّار وَحرم عَلَيْهِ الْجنَّة، فَقَالَ لَهُ رجل: وَإِن كَانَ شَيْئا يَسِيرا يَا رَسُول الله؟ قَالَ: وَإِن كَانَ قَضِيبًا من أَرَاك) . وَأما حَدِيث جَابر بن عتِيك فَأخْرجهُ الْحَاكِم من رِوَايَة أبي سُفْيَان بن جَابر بن عتِيك عَن أَبِيه أَنه سمع رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (من اقتطع مَال امرىء مُسلم بِيَمِينِهِ حرم الله عَلَيْهِ الْجنَّة وَأدْخلهُ النَّار، قَالُوا: يَا رَسُول الله {وَإِن كَانَ شَيْئا يَسِيرا؟ قَالَ: وَإِن كَانَ سواكاً، وَإِن كَانَ سواكاً) . وَقَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ. وَأما حَدِيث أبي سَوْدَة فَأخْرجهُ أَحْمد من رِوَايَة معمر عَن شيخ من بني تَمِيم عَن أبي سَوْدَة، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: الْيَمين الْفَاجِرَة الَّتِي يقتطع بهَا الرجل مَال الْمُسلم يعقم الرَّحِم. وَأما حَدِيث سعيد بن زيد فَأخْرجهُ أَحْمد أَيْضا من رِوَايَة الْحَارِث بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي سَلمَة أَن مَرْوَان قَالَ: إذهبوا فأصلحوا بَين هذَيْن، لسَعِيد بن زيد، وروى الحَدِيث وَفِيه: من اقتطع مَال امرىء مُسلم بِيَمِين فَلَا بَارك الله لَهُ فِيهَا، وَأخرجه الْحَاكِم وَصَححهُ. وَأما حَدِيث ثَعْلَبَة بن مُغيرَة فَأخْرجهُ الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) من رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن كَعْب بن مَالك أَنه سمع ثَعْلَبَة يَقُول: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: من اقتطع مَال امرىء مُسلم بِيَمِين كَاذِبَة كَانَت نُكْتَة سَوْدَاء فِي قلبه لَا يغيرها شَيْء إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَصَححهُ. وَأما حَدِيث عبد الله بن أنيس فَأخْرجهُ التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير من رِوَايَة مُحَمَّد بن زيد المُهَاجر عَن أبي أُمَامَة الْأنْصَارِيّ عَن عبد الله بن أنيس الْجُهَنِيّ: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: من أكبر الْكَبَائِر الْإِشْرَاك بِاللَّه، وعقوق الْوَالِدين، وَالْيَمِين الْغمُوس، وَمَا حلف حَالف بِاللَّه يَمِين صَبر فَأدْخل فِيهَا مثل جنَاح الْبَعُوضَة إلَاّ جعلهَا الله نُكْتَة فِي قلبه يَوْم الْقِيَامَة، وَأخرجه الْحَاكِم وَصَححهُ.

قلت: وَفِي الْبَاب عَن أبي ذَر، وَعبد الله ابْن أبي أوفى وَأبي قَتَادَة، وَعبد الرَّحْمَن بن شبْل، وَمُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان وَوَائِل بن حجر، وَأبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ اسْمه: صدي ابْن عجلَان وَأَبُو مُوسَى، وعدي بن عميرَة.

أما حَدِيث أبي ذَر فَأخْرجهُ مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ من رِوَايَة خَرشَة بن قُتَيْبَة الْحر عَن أبي ذَر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: ثَلَاثَة لَا ينظر الله إِلَيْهِم يَوْم الْقِيَامَة وَلَا يزكيهم وَلَهُم عَذَاب أَلِيم. قلت: من هم يَا رَسُول الله فقد خابوا وخسروا؟ فَقَالَ: المنان والمسبل إزَاره والمنفق سلْعَته بِالْحلف الْكَاذِب. وَأما حَدِيث عبد الله بن أبي أوفى فَرَوَاهُ البُخَارِيّ فِي أَفْرَاده على مَا يَأْتِي. وَأما حَدِيث أبي قَتَادَة فَأخْرجهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من رِوَايَة معبد بن كَعْب ابْن مَالك عَن أبي قَتَادَة الْأنْصَارِيّ أَنه سمع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: إيَّاكُمْ وَكَثْرَة الْحلف فِي البيع فَإِنَّهُ ينْفق ثمَّ يمحق. وَأما حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن شبْل فَرَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) وَالْبَيْهَقِيّ فِي (سنَنه) من رِوَايَة يحيى بن أبي كثير عَن زيد بن سَلام عَن أبي سَلام عَن أبي رَاشد عَن عبد الرَّحْمَن بن شبْل، رجل من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: إِن التُّجَّار هم الْفجار، فَقَالَ رجل: يَا رَسُول الله} ألم يحل الله البيع؟ قَالَ: بلَى، وَلَكنهُمْ يحلفُونَ ويأثمون، وَزَاد أَحْمد: وَيَقُولُونَ فيكذبون) . وَأما حَدِيث مُعَاوِيَة فَأخْرجهُ الطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة يحيى بن أبي كثير عَن زيد بن سَلام عَن أبي سَلام عَن أبي رَاشد الحبراني عَن عبد الرَّحْمَن بن شبْل: أَن مُعَاوِيَة قَالَ: إِذا أتيت فسطاطي فَقُمْ فِي النَّاس فَأخْبرهُم مَا سَمِعت من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: إِن التُّجَّار ... إِلَى آخر مَا ذَكرْنَاهُ الْآن، هَكَذَا أسْندهُ الطَّبَرَانِيّ فِي مُسْند مُعَاوِيَة، وَكَأن الرِّوَايَة عِنْده فِيهِ: مَا سَمِعت، بِالضَّمِّ، وَأما حَدِيث وَائِل بن حجر فَأخْرجهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة عَلْقَمَة بن وَائِل (عَن أَبِيه، قَالَ: جَاءَ رجل من حضر موت وَرجل من كِنْدَة إِلَى النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ الْحَضْرَمِيّ: يَا رَسُول الله! إِن هَذَا قد غلبني على أَرض لي ... الحَدِيث، وَفِيه: فَقَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لما أدبر: أما لَئِن حلف على مَال ليأكله ظلما ليلقين الله وَهُوَ عَنهُ معرض) . وَأما حَدِيث أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ فَأخْرجهُ الْأَصْبَهَانِيّ فِي (التَّرْغِيب والترهيب) من رِوَايَة خصيب الْجَزرِي عَن أبي غَالب عَن أبي أُمَامَة: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (قَالَ: إِن التَّاجِر إِذا كَانَ فِيهِ أَربع خِصَال طَابَ كَسبه: إِذا اشْترى لم يذم، وَإِذا

بَاعَ لم يمدح، وَلم يُدَلس فِي البيع، وَلم يحلف فِيمَا بَين ذَلِك) وَأما حَدِيث أبي مُوسَى فَأخْرجهُ الْبَزَّار من حَدِيث ثَابت بن الْحجَّاج عَن أبي بردة عَن أبي مُوسَى: أَن رجلَيْنِ اخْتَصمَا إِلَى رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي أَرض، أَحدهمَا من حَضرمَوْت فَقَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، للْمُدَّعى عَلَيْهِ: أتحلف بِاللَّه الَّذِي لَا إِلَه إلَاّ هُوَ؟ فَقَالَ الْمُدَّعِي: يَا رَسُول الله لَيْسَ لي إلَاّ يَمِينه. قَالَ: نعم. قَالَ: إِذا يذهب بأرضي، فَقَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِن حلف كَاذِبًا لم ينظر الله إِلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة وَلم يزكه وَله عَذَاب أَلِيم) ، قَالَ فتورع الرجل عَنْهَا فَردهَا عَلَيْهِ. وَأما حَدِيث عدي بن عميرَة فَأخْرجهُ النَّسَائِيّ عَنهُ، قَالَ: أَتَى النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، رجلَانِ يختصمان فِي أَرض ... وَفِيه، فَقَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من حلف على مَال امرىء مُسلم لَقِي الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان، قَالَ: فَمن تَركهَا؟ قَالَ: لَهُ الْجنَّة) . وَفِي رِوَايَة: بَين امرىء الْقَيْس وَرجل من حَضرمَوْت، وَفِيه: فَقَالَ امْرُؤ الْقَيْس: يَا رَسُول الله! فَمَا لمن تَركهَا وَهُوَ يعلم أَنَّهَا حق؟ قَالَ: لَهُ الْجنَّة) .

(قَوْله مَا حَدثكُمْ أَبُو عبد الرَّحْمَن أَي أَي شَيْء حَدثكُمْ أَبُو عبد الرَّحْمَن وَهُوَ كنية عبد بن مَسْعُود

قَوْله: (فِي) ، بِكَسْر الْفَاء وَتَشْديد الْيَاء. قَوْله: (فَأنْزل الله {إِن الَّذين يشْتَرونَ ... } (آل عمرَان: ٧٧)) الْآيَة، هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة فِي سُورَة آل عمرَان: {إِن الَّذين يشْتَرونَ} (آل عمرَان: ٧٧) . يَعْنِي: إِن الَّذين يعتاضون عَمَّا هدَاهُم الله عَلَيْهِ من اتِّبَاع مُحَمَّد وَذكر صفته للنَّاس وَبَيَان أمره عَن أَيْمَانهم الكاذبة الْفَاجِرَة الآثمة بالأثمان القليلة الزهيدة، وَهِي عرُوض هَذِه الْحَيَاة الدُّنْيَا الفانية الزائلة {أُولَئِكَ لَا خلاق لَهُم} (آل عمرَان: ٧٧) . أَي: لَا نصيب لَهُم {فِي الْآخِرَة} (آل عمرَان: ٧٧) . وَلَا حَظّ لَهُم مِنْهَا {وَلَا يكلمهم الله وَلَا ينظر إِلَيْهِم يَوْم الْقِيَامَة} (آل عمرَان: ٧٧) . بِعَين رَحمته {وَلَا يزكيهم} (آل عمرَان: ٧٧) . أَي: وَلَا يطهرهم من الذُّنُوب والأدناس، بل يَأْمر بهم إِلَى النَّار {وَلَهُم عَذَاب أَلِيم} (آل عمرَان: ٧٧) . ثمَّ سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة فِي الْأَشْعَث بن قيس كَمَا ذكره فِي حَدِيث الْبَاب، وَذكر البُخَارِيّ لسَبَب نُزُولهَا وَجها آخر عَن عبد الله بن أبي أوفى: أَن رجلا أَقَامَ سلْعَة فِي السُّوق، فَحلف لقد إعطي بهَا مَا لم يُعْطه، ليوقع فِيهَا رجلا من الْمُسلمين. فَنزل {إِن الَّذين يشْتَرونَ ... } (آل عمرَان: ٧٧) . الْآيَة. وَذكر الواحدي أَن الْكَلْبِيّ قَالَ: إِن نَاسا من عُلَمَاء الْيَهُود أولي فاقة اقتحموا إِلَى كَعْب بن الْأَشْرَف، لَعنه الله، فَسَأَلَهُمْ: كَيفَ تعلمُونَ هَذَا الرجل يَعْنِي: سيدنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي كتابكُمْ؟ قَالُوا: وَمَا تعلمه أَنْت؟ قَالَ: لَا. قَالُوا: نشْهد أَنه عبد الله وَرَسُوله، فَقَالَ كَعْب: لقد حرمكم الله خيرا كثيرا، فَقَالُوا: رويداً فَإِنَّهُ شبه علينا وَلَيْسَ هُوَ بالنعت الَّذِي نعت لنا، ففرح كَعْب لَعنه الله، فمارهم وَأنْفق عَلَيْهِم، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة. وَقَالَ عِكْرِمَة: نزلت فِي أبي رَافع وكنانة بن أبي الْحقيق وحيي بن أَخطب وَغَيرهم من رُؤُوس الْيَهُود، كتموا مَا عهد الله، عز وَجل، إِلَيْهِم فِي التَّوْرَاة فِي شَأْن مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وبدلوه وَكَتَبُوا بِأَيْدِيهِم غَيره، وحلفوا أَنه من عِنْد الله، لِئَلَّا يفوتهُمْ الرشاء والمأكل الَّتِي كَانَت لَهُم على أتباعهم. قَوْله: (كَانَت لي بِئْر فِي أَرض) زعم الْإِسْمَاعِيلِيّ أَن أَبَا حَمْزَة تفرد بِذكر الْبِئْر عَن الْأَعْمَش قَالَ: وَلَا أعلم فِيمَن رَوَاهُ عَن الْأَعْمَش إلَاّ قَالَ فِي أَرض، وَالْأَكْثَرُونَ أولى بِالْحِفْظِ من أبي حَمْزَة، ورد عَلَيْهِ بِأَن أَبَا حَمْزَة لم ينْفَرد بِهِ، لِأَن أَبَا عوَانَة رَوَاهُ عَن الْأَعْمَش فِي كتاب الْأَيْمَان وَالتَّفْسِير عَن أبي وَائِل عَن عبد الله، وَفِيه: قَالَ الْأَشْعَث: كَانَت لي بِئْر فِي أَرض ابْن عَم لي، وسيجىء، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو نعيم الْحَافِظ من حَدِيث عَليّ بن مسْهر عَن الْأَعْمَش، وَقَالَ الطرقي: رَوَاهُ عَن أبي وَائِل مَنْصُور وَالْأَعْمَش، فمنصور لم يرفع قَول عبد الله إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَالْأَعْمَش يَقُول: قَالَ عبد الله، قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَذَا ذكره الْحَافِظ الْمزي فِي (الْأَطْرَاف) وَقَالَ الطرقي: رَوَاهُ عبد الْملك بن أَيمن وجامع بن أبي رَاشد وَمُسلم البطين عَن أبي وَائِل عَن عبد الله مَرْفُوعا، وَلَيْسَ فِيهِ ذكر الْأَشْعَث، وَرَوَاهُ كرْدُوس التغلبي عَن الْأَشْعَث ابْن قيس الْكِنْدِيّ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلَيْسَ فِيهِ ذكر ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ الْمزي: وَمن مُسْند الْأَشْعَث بن قيس أبي مُحَمَّد الْكِنْدِيّ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مَقْرُونا بِعَبْد الله بن مَسْعُود، وَرُبمَا جَاءَ الحَدِيث عَن أَحدهمَا مُفردا. قَوْله: (ابْن عَم لي) واسْمه معدان بن الْأسود بن سعد بن معدي كرب الْكِنْدِيّ، والأشعث بن قيس بن معدي كرب، وَقيس وَالْأسود أَخَوان، ولقبه الجفشيش على وزن فعليل بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْفَاء وبالشينين المعجمتين أولاهما مَكْسُورَة بَينهمَا يَاء آخر الْحُرُوف سَاكِنة. وَقيل: بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة، وَقيل: بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة، وَبَقِيَّة الْحُرُوف على حَالهَا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَقيل: إسمه جرير، وكنيته أَبُو الْخَيْر. قلت: الْأَصَح هُوَ الَّذِي ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (فَقَالَ لي: شهودك) ، أَي: فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وشهودك، بِالنّصب

على تَقْدِير: أقِم أَو أحضر شهودك، وَكَذَا: يَمِينه، بِالنّصب أَي: فاطلب يَمِينه، ويروى بِالرَّفْع فيهمَا، وَالتَّقْدِير: فالمثبت لدعواك شهودك أَو فالحجة القاطعة بَيْنكُمَا يَمِينه، فَيكون إرتفاعهما على أَنَّهُمَا خَبرا مبتدأين محذوفين. قَوْله: (إِذا يحلف) قَالَ الْكرْمَانِي: و: يحلف، بِالنّصب لَا غير. قلت: كلمة إِذا حرف جَوَاب وَجَزَاء ينصب الْفِعْل الْمُسْتَقْبل، مثل مَا يُقَال: أَنا آتِيك، فَيَقُول: إِذا أكرمك، وَإِنَّمَا قَالَ: بِالنّصب لَا غير، لِأَنَّهَا تصدرت فَيتَعَيَّن النصب، بِخِلَاف مَا إِذا وَقعت بعد الْوَاو وَالْفَاء فَإِنَّهُ يجوز فِيهِ الْوَجْهَانِ.

وَمِمَّا يُسْتَفَاد من الحَدِيث: أَن الْبَيِّنَة على الْمُدَّعِي، وَالْيَمِين على الْمُدعى عَلَيْهِ إِذا أنكر، وَبِه اسْتدلَّ من يَقُول: إِنَّه إِذا اعْترف الْمُدَّعِي أَنه لَا بَينه لَهُ لم يقبل دَعْوَاهُ بعد ذَلِك، ورد بِأَنَّهُ: لَيْسَ فِيهِ حجَّة على ذَلِك لِأَن الْأَشْعَث لم يدعِ بعد ذَلِك أَن لَهُ بَينه. وَفِيه: أَن للْحَاكِم أَن يطْلب الْمُدَّعِي عَلَيْهِ عِنْد عدم الْبَيِّنَة، وَإِن لم يَطْلُبهُ صَاحب الْحق، لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أمره بِالْحلف. وَفِيه: إبِْطَال مَسْأَلَة الظفر، لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ردده بَين الْبَيِّنَة وَالْيَمِين، فَدلَّ على عدم الْأَخْذ بِغَيْر ذَلِك، وأصرح من هَذَا قَوْله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حَدِيث وَائِل بن حجر عِنْد مُسلم، وَقد ذَكرْنَاهُ: لَيْسَ لَك مِنْهُ إلَاّ ذَلِك.

٥ - (بابُ إثْمِ مِنْ مَنَعَ ابنَ السَّبِيلِ مِنَ المَاءِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِثْم من منع ابْن السَّبِيل أَي: الْمُسَافِر من المَاء الْفَاضِل عَن حَاجته، وَهَذَا الْقَيْد لَا بُد مِنْهُ، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَوْله فِي حَدِيث الْبَاب: رجل لَهُ فضل مَاء بِالطَّرِيقِ فَمَنعه من ابْن السَّبِيل، وَقَالَ ابْن بطال: فِيهِ دلَالَة على أَن صَاحب الْبِئْر أولى من ابْن السَّبِيل عِنْد الْحَاجة، فَإِذا أَخذ حَاجته لم يجز لَهُ منع ابْن السَّبِيل.

٧ - (حَدثنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل قَالَ حَدثنَا عبد الْوَاحِد بن زِيَاد عَن الْأَعْمَش قَالَ سَمِعت أَبَا صَالح يَقُول سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ يَقُول قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ثَلَاثَة لَا ينظر الله إِلَيْهِم يَوْم الْقِيَامَة وَلَا يزكيهم وَلَهُم عَذَاب أَلِيم رجل كَانَ لَهُ فضل مَاء بِالطَّرِيقِ فَمَنعه من ابْن السَّبِيل وَرجل بَايع إِمَامًا لَا يبايعه إِلَّا لدُنْيَا فَإِن أعطَاهُ مِنْهَا رَضِي وَإِن لم يُعْطه مِنْهَا سخط وَرجل أَقَامَ سلْعَته بعد الْعَصْر فَقَالَ وَالله الَّذِي لَا إِلَه غَيره لقد أَعْطَيْت بهَا كَذَا وَكَذَا فَصدقهُ رجل ثمَّ قَرَأَ هَذِه الْآيَة {إِن الَّذين يشْتَرونَ بِعَهْد الله وَأَيْمَانهمْ ثمنا قَلِيلا} مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله رجل كَانَ لَهُ فضل مَاء بِالطَّرِيقِ فَمَنعه من ابْن السَّبِيل فَإِنَّهُ أحد الثَّلَاثَة الَّذين أخبر النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِأَن الله لَا ينظر إِلَيْهِم وَلَا يزكيهم وَلَهُم عَذَاب أَلِيم وَلَو لم يَأْثَم مَانع ابْن السَّبِيل من المَاء الْفَاضِل عَنهُ لما اسْتحق هَذَا الْوَعيد. وَعبد الْوَاحِد بن زِيَاد بِكَسْر الزَّاي وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف الْبَصْرِيّ وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات السمان قَوْله " ثَلَاثَة " أَي ثَلَاثَة أشخاص وارتفاعه على أَنه مُبْتَدأ وَقَوله لَا ينظر الله إِلَيْهِم خَبره وَهَذَا عبارَة عَن عدم الْإِحْسَان إِلَيْهِم قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ هُوَ كِنَايَة عَنهُ فِيمَن يجوز عَلَيْهِ النّظر مجَاز فِيمَا لَا يجوز عَلَيْهِ والتنصيص على الْعدَد لَا يُنَافِي الزَّائِد فَالَّذِي ذكره من الْوَعيد لَا ينْحَصر فِي هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة قَوْله " وَلَا يزكيهم " أَي يثني عَلَيْهِم أَولا يطهرهم من الذُّنُوب قَوْله " رجل " مَرْفُوع لِأَنَّهُ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره من الثَّلَاثَة رجل قَوْله " كَانَ لَهُ فضل مَاء " جملَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا صفة لرجل قَوْله " فَمَنعه " أَي فَمنع الْفَاضِل من المَاء قَوْله " وَرجل " أَي الثَّانِي من الثَّلَاثَة رجل بَايع إِمَامًا المُرَاد هُوَ الإِمَام الْأَعْظَم وَهَذَا هَكَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة غَيره بَايع إِمَامه وَالْمرَاد من الْمُبَايعَة هُنَا هُوَ المعاقدة عَلَيْهِ والمعاهدة فَكَانَ كل وَاحِد مِنْهُمَا بَاعَ مَا عِنْده من صَاحبه وَأَعْطَاهُ خَالِصَة نَفسه وطاعته ودخيلة أمره قَوْله " إِلَّا لدُنْيَا " أَي إِلَّا لأجل شَيْء يحصل لَهُ من مَتَاع الدُّنْيَا وَكلمَة دنيا غير منون واضمحل مِنْهَا معنى الوصفية لغَلَبَة الإسمية عَلَيْهَا فَلَا تحْتَاج إِلَى من وَنَحْوه وَالْفَاء فِي قَوْله فَإِن أعطَاهُ تفسيرية تفسر مبايعته للْإِمَام للدنيا قَوْله " أَقَامَ " من قَامَت السُّوق إِذا نفقت قَوْله " سلْعَته " أَي مَتَاعه قَوْله بعد الْعَصْر هَذَا لَيْسَ بِقَيْد وَإِنَّمَا خرج هَذَا مخرج

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(٤) (باب الخُصُومَةِ فِي البِئْرِ وَالقَضَاءِ فِيهَا).

٢٣٥٦ - ٢٣٥٧ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو عبد الله المروزيُّ (عَنْ أَبِي حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزَّاي، محمَّد بن ميمونٍ السُّكَّريِّ المروزيِّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ شَقِيقٍ) هو ابن سلمة، أبو وائلٍ، الأزديِّ الكوفيِّ (عَنْ عَبْدِ اللهِ) هو ابن مسعودٍ (﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ) أي: على محلوف يمينٍ، حال كونه (يَقْتَطِعُ بِهَا) أي: بسبب اليمين (مَالَ امْرِئٍ هُوَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «مال امرئٍ مسلمٍ هو» (عَلَيْهَا) أي: هو في الإقدام عليها (١) (فَاجِرٌ) أي: كاذبٌ، ويحتمل أن تكون جملة «يقتطع» صفةً لـ «يمينٍ»، والتَّقييد بالمسلم جرى على الغالب، وإلَّا فلا فرق بين المسلم والذِّمِّيِّ والمعاهد وغيرهم،

كما جرى على الغالب في تقييده بمالٍ، ولا فرق بين المال وغيره في ذلك، وفي «مسلمٍ» من حديث إياس بن ثعلبة الحارثيِّ: «من اقتطع حقَّ امرئٍ مسلمٍ بيمينه» (لَقِيَ اللهَ) يوم القيامة (وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ) فيعامله معاملة المغضوب عليه من كونه لا ينظر إليه ولا يكلِّمه، ولـ «مسلمٍ» من حديث وائل بن حجرٍ: «وهو عنه معرضٌ»، وعند أبي داود من حديث عمران: «فليتبوَّأ مقعده من النَّار» (فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ﴾) يستبدلون (﴿بِعَهْدِ اللّهِ﴾) بما عاهدوا الله (١) عليه من الإيمان بالرَّسول والوفاء بالأمانات (﴿وَأَيْمَانِهِمْ﴾) وبما حلفوا عليه (﴿ثَمَنًا قَلِيلاً﴾ [آل عمران: ٧٧]) … الآيَةَ. (فَجَاءَ الأَشْعَثُ) هو ابن قيسٍ الكنديُّ، من المكان الذي كان فيه إلى المجلس الذي كان عبد الله يُحدِّثهم فيه (فَقَالَ: مَا حَدَّثَكُمْ) بلفظ الماضي، ولأبوي ذرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «ما يحدِّثكم» (أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟) يعني ابن مسعودٍ، زاد في رواية جريرٍ في «الرَّهن» [خ¦٢٥١٥] [خ¦٢٥١٦]: قال: فحدَّثناه، قال: فقال: صدق (فِيَّ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، كَانَتْ لِي بِئْرٌ فِي أَرْضِ ابْنِ عَمٍّ لِي) اسمه: معدان بن الأسود بن معد يكرب الكنديُّ، ولقبه الجَفشيش -بالجيم المفتوحة والشِّينين (٢) المعجمتين بينهما تحتيَّةٌ ساكنةٌ على الأشهر- وزعم الإسماعيليُّ أنَّ أبا حمزة تفرَّد بذكر البئر عن الأعمش، وليس كما قال فقد وافقه أبو عوانة كما في «كتاب الأيمان» [خ¦٦٦٧٦] و «الأحكام» [خ¦٧١٨٣] من رواية الثَّوريِّ ومنصورٍ عن الأعمش جميعًا (٣)، وفي رواية جريرٍ عن منصورٍ [خ¦٢٦٦٩]: في شيءٍ (فَقَالَ لِي) رسول الله ﷺ: (شُهُودَكَ) نُصِب بتقدير «أَحْضِرْ» أو «أَقِمْ» شهودك على حقِّك، وفي نسخةٍ: «شهوُدك» بالرَّفع، خبر مبتدأٍ محذوفٍ، أي: فالمثبِتُ لحقِّك شهودُك، قال الأشعث: (قُلْتُ: مَا لِي شُهُودٌ، قَالَ) ﵊:

(فَيَمِينَهُ) أي: فاطلب يمينه، وفي نسخةٍ: «فيمينُه» بالرَّفع، أي: فالحجَّةُ القاطعةُ بينكما يمينهُ (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِذَنْ يَحْلِفَ) بنصب «يحلفَ» لا غير كما قاله السُّهيليُّ، وكذا هو (١) في الفرع وأصله (٢)؛ لاستيفائها شروط إعمالها التي هي: التَّصدُّر، والاستقبال، وعدم الفصل، ولا يجوز إلغاؤها حينئذٍ، قال الزَّركشيُّ «في أحكام عمدة الأحكام» (٣)، وذكر ابن خروفٍ في «شرح سيبويه»: أنَّ من العرب من لا ينصب بها مع استيفاء الشُّروط، حكاه سيبويه، قال: ومنه الحديث: «إذًا يحلفُ بالله»، وهو صريحٌ في أنَّ الرِّواية بالرَّفع. انتهى. قال في «المصابيح»: استشهاده بالحديث إنَّما يدلُّ على أنَّ الرَّفع مرويٌّ، لا أنَّه هو المرويُّ كما يظهر من عبارة الزَّركشيِّ (فَذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ هَذَا الحَدِيثَ) وهو قوله: «من حلف على يمينٍ … » إلى آخره، (فَأَنْزَلَ اللهُ ذَلِكَ) أي: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ﴾ … الآية [آل عمران: ٧٧] (تَصْدِيقًا لَهُ) ﷺ.

وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الإشخاص» [خ¦٢٤١٦] و «الشَّهادات» [خ¦٢٦٦٦] و «الأيمان والنُّذور» [خ¦٦٦٦٠] و «التَّفسير» [خ¦٤٥٤٩] و «الشَّركة» [خ¦٢٥١٥]، ومسلمٌ في «الأيمان» وكذا أبو داود، والنَّسائيُّ في «القضاء»، وابن ماجه في «الأحكام» (٤).

(٥) (باب إِثْمِ مَنْ مَنَعَ ابْنَ السَّبِيلِ) وهو المسافر (مِنَ (٥) المَاءِ) أي: الفاضل عن حاجته.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

المَاء، وَيجب بذله للماشية، وللوجوب شُرُوط: أَحدهَا: أَن لَا يجد صَاحب الْمَاشِيَة مَاء مُبَاحا. وَالثَّانِي: إِن يكون الْبَذْل لحَاجَة الْمَاشِيَة. وَالثَّالِث: أَن يكون هُنَاكَ مرعى، وَأَن يكون المَاء فِي مستقره، فالماء الْمَوْجُود فِي إِنَاء لَا يجب بذل فَضله على الصَّحِيح، ثمَّ عابروا السَّبِيل يبْذل لَهُم ولمواشيهم، وَلمن أَرَادَ الْإِقَامَة فِي الْموضع وَجْهَان، لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَة فِي الْإِقَامَة، وَالأَصَح الْوُجُوب، وَإِذا أَوجَبْنَا الْبَذْل هَل يجوز أَن يَأْخُذ عَلَيْهِ أجرا كإطعام الْمُضْطَر؟ وَجْهَان وَالصَّحِيح: لَا، لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نهى عَن بيع فضل المَاء.

٣ - (بابٌ منْ حَفَرَ بِئْراً فِي مِلْكِهِ لَمْ يَضْمَنْ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من حفر بِئْرا فِي ملكه، فَإِنَّهُ لَا يضمن، لِأَن لَهُ التَّصَرُّف فِي ملكه.

٥٥٣٢ - حدَّثنا مَحْمُودٌ قَالَ أخبرنَا عُبَيْدُ الله عنْ إسْرَائِيلَ عنْ أبِي حَصِينٍ عنْ أبِي صالِحٍ عنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِي الله تَعَالَى عنهُ قَالَ قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم المَعْدِنُ جُبَارٌ والْبِئْرُ جُبَارٌ والْعَجْماءُ جُبارٌ وَفِي الرِّكازِ الخُمْسُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (والبئر جَبَّار) ، يَعْنِي: هدر لَا شَيْء فِيهِ، وَالْمرَاد من جَبَّار الْبِئْر أَنه إِذا حفرهَا فِي مَوضِع يسوغ لَهُ حفرهَا، فَسقط فِيهَا أحد لَا ضَمَان عَلَيْهِ. وَقيل: مَعْنَاهُ أَن يسْتَأْجر من يحْفر لَهُ بِئْرا فانهارت عَلَيْهِ الْبِئْر فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ، وَقد مر الحَدِيث فِي كتاب الزَّكَاة فِي: بَاب فِي الرِّكَاز الْخمس، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ: عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك عَن ابْن شهَاب عَن سعيد بن الْمسيب وَعَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي هُرَيْرَة عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: العجماء جَبَّار والبئر جَبَّار والمعدن جَبَّار وَفِي الرِّكَاز الْخمس، هَهُنَا أخرجه: عَن مَحْمُود بن غيلَان عَن عبيد الله بن مُوسَى عَن إِسْرَائِيل بن يُونُس بن أبي إِسْحَاق السبيعِي عَن أبي حُصَيْن، بِفَتْح الْحَاء وَكسر الصَّاد الْمُهْملَة: واسْمه عُثْمَان بن عَاصِم، عَن أبي صَالح ذكْوَان الزيات السمان ... إِلَى آخِره.

وَعبيد الله بن مُوسَى هُوَ شيخ البُخَارِيّ أَيْضا، روى عَنهُ بِدُونِ وَاسِطَة فِي أول الْإِيمَان، وَهنا بِوَاسِطَة مَحْمُود.

قَوْله: (حَدثنَا مَحْمُود أخبرنَا عبيد الله) ، وَفِي بعض النّسخ: حَدثنِي مَحْمُود وَأَخْبرنِي عبيد الله، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ هُنَاكَ مُسْتَوفى.

٤ - (بابُ الخُصُومَةِ فِي البِئْرِ والقَضَاءِ فِيها)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْخُصُومَة فِي الْبِئْر، وَفِي بَيَان الْقَضَاء، أَي: الحكم فِيهَا، أَي: فِي الْبِئْر.

٦٥٣٢

- ٧٥٣٢ حدَّثنا عَبْدَانُ عنْ أبي حَمْزَةَ عنِ الأعْمَشِ عنْ شَقيقٍ عنْ عَبْدِ الله رَضِي الله تَعَالَى عنهُ عَن النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ منْ حَلَفَ عَلى يَمينٍ يَقْتَطِعُ بِها مالَ امْرِىءٍ هُوَ عَلَيْها فاجِرٌ لَقِيَ الله وهْوَ عَلَيْهِ غَضْبانُ فأنزلَ الله تَعَالَى: {إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وأيْمانِهِمْ ثَمناً قَلِيلاً} (آل عمرَان: ٧٧) . الْآيَة فَجَاءَ الأشْعَثُ فَقَالَ مَا حَدَّثَكُمْ أبُو عبدِ الرَّحْمانِ فيَّ أُنْزِلَتْ هذِه الآيةُ كانَتْ لِي بِئْرٌ فِي أرْضِ ابنِ عَمٍّ لِي فَقَالَ لِي شُهُودَكَ قُلْتُ مَا لِي شُهودٌ قَالَ فَيَمِينُهُ قُلْتُ يَا رسولَ الله إِذا يَحْلِف فَذَكَرَ النبيُّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ...

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حكم فِي الْبِئْر الْمَذْكُورَة بِطَلَب الْبَيِّنَة من الْمُدَّعِي وبيمين الْمُدعى عَلَيْهِ. عِنْد عجز الْمُدَّعِي عَن إِقَامَة الْبَيِّنَة، وعبدان لقب عبد الله الْمروزِي، وَقد مر غير مرّة. وَأَبُو حَمْزَة، بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالزاي: مُحَمَّد ابْن مَيْمُون السكرِي، وَقد مر فِي: بَاب نفض الْيَدَيْنِ فِي الْغسْل، وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان، وشقيق بن سَلمَة أَبُو وَائِل الْأَسدي الْكُوفِي، وَعبد الله هُوَ ابْن مَسْعُود، والأشعث بن قيس أَبُو مُحَمَّد الْكِنْدِيّ، وَفد إِلَى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم سنة عشر من الْهِجْرَة فِي وَفد كِنْدَة، وَكَانُوا سِتِّينَ رَاكِبًا فأسلموا، وَكَانَ مِمَّن ارْتَدَّ بعد موت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ثمَّ أسلم وَله قصَّة طَوِيلَة.

والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ فِي الْأَشْخَاص وَفِي الشَّهَادَات عَن مُحَمَّد بن سَلام، وَفِي الْأَشْخَاص أَيْضا عَن بشر بن خَالِد، وَفِي النذور عَن مُوسَى، وَفِي التَّفْسِير عَن حجاج بن الْمنْهَال، وَفِي الشّركَة عَن قُتَيْبَة، وَفِي النذور أَيْضا عَن بنْدَار، وَفِي الْأَحْكَام عَن إِسْحَاق بن نصر، وَأخرجه مُسلم فِي الْأَيْمَان عَن أبي بكر وَإِسْحَاق وَابْن نمير، ثَلَاثَتهمْ عَن وَكِيع وَعَن ابْن نمير عَن أَبِيه وَعَن إِسْحَاق عَن جرير بهوأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْإِيمَان وَالنُّذُور عَن مُحَمَّد بن عيس وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْبيُوع وَفِي التَّفْسِير عَن هُنَا. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْقَضَاء عَن هناد وَفِي التَّفْسِير عَن الْهَيْثَم بن أَيُّوب وَعَن مُحَمَّد بن قدامَة، وَلم يذكر حَدِيث عبد الله. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَحْكَام عَن مُحَمَّد بن عبد الله وَعلي بن مُحَمَّد، وَفِي بعض الْأَلْفَاظ اخْتِلَاف.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (يقتطع بهَا) ، أَي: بِالْيَمِينِ أَي: بِسَبَبِهَا، وَمعنى يقتطع: يَأْخُذ قِطْعَة بِسَبَب الْيَمين من مَال امرىء. قَوْله: (هُوَ عَلَيْهَا فَاجر) ، أَي: كَاذِب، وَهِي جملَة إسمية وَقعت حَالا بِلَا وَاو، كَمَا فِي قَوْلك: كَلمته فوه إِلَى فِي. قَوْله: (لَقِي الله تَعَالَى) ، يَعْنِي: يَوْم الْقِيَامَة. قَوْله: (وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان) ، جملَة إسمية وَقعت حَالا على الأَصْل. قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: يَعْنِي بِالْغَضَبِ، إِرَادَة عُقُوبَة أَو عُقُوبَة نَفسهَا، إِذْ يعبر بِالْغَضَبِ عَن الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، وَإِذا لقِيه وَهُوَ يُرِيد عِقَابه أَو قد عاقبه جَازَ بعد ذَلِك أَن لَا يُرِيد عِقَابه وَأَن يدْفع عَنهُ تماديه إِن كَانَ أنزلهُ بِهِ، بِشَرْط أَن لَا يكون مُتَعَلق إِرَادَته عَذَاب واصب. وَقَالَ شَيخنَا: الظَّاهِر أَن المُرَاد بغضب الله مُعَامَلَته بمعاملة المغضوب عَلَيْهِ من كَونه لَا ينظر إِلَيْهِ وَلَا يكلمهُ، كَمَا ثَبت فِي (الصَّحِيحَيْنِ) من حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: (ثَلَاثَة لَا يكلمهم الله يَوْم الْقِيَامَة وَلَا ينظر إِلَيْهِم، فَذكر مِنْهُم: وَرجل حلف على يَمِين كَاذِبَة بعد الْعَصْر ليقتطع بهَا مَال امرىء مُسلم) الحَدِيث، وَأما كَون المُرَاد بِالْغَضَبِ إِرَادَة الْعقُوبَة أَو الْعقُوبَة نَفسهَا فَإِنَّهُ يردهُ مَا رَوَاهُ الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) من حَدِيث الْأَشْعَث بن قيس مَرْفُوعا: من حلف على يَمِين صبرا ليقتطع بهَا مَال امرىء مُسلم لَقِي الله تَعَالَى يَوْم الْقِيَامَة وَهُوَ مُجْتَمع عَلَيْهِ غَضبا، عَفا الله عَنهُ أَو عاقبه) . وَقَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد، فَهَذَا يدل على أَنه لم يرد بِالْغَضَبِ إِرَادَة الْعقُوبَة أَو الْعقُوبَة، لِأَنَّهُ لَو أَرَادَ عُقُوبَته لوقعت الْعقُوبَة على وفْق الْإِرَادَة.

ذكر اخْتِلَاف الْأَلْفَاظ فِيهِ: فَفِي حَدِيث ابْن مَسْعُود والأشعث بن قيس وَمَعْقِل بن يسَار: لَقِي الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان، وَفِي بعض طرق حَدِيث الْأَشْعَث: لَقِي الله وَهُوَ أَجْذم، وَفِي رِوَايَة عمرَان بن حُصَيْن والْحَارث بن برصاء وَجَابِر بن عبد الله: فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار، وَفِي حَدِيث أبي أُمَامَة وَجَابِر بن عتِيك: أوجب الله لَهُ النَّار وَحرم عَلَيْهِ الْجنَّة. وَفِي حَدِيث أبي سَوْدَة: إِن ذَلِك يعقم الرَّحِم، وَفِي حَدِيث سعيد بن زيد: إِنَّه لَا يُبَارك لَهُ فِيهَا، وَفِي حَدِيث ثَعْلَبَة بن صد مُغيرَة: نُكْتَة سَوْدَاء فِي قلبه، وَكَذَلِكَ فِي حَدِيث عبد الله بن أنيس. فَإِن قلت: مَا التَّوْفِيق بَين هَذِه الرِّوَايَات؟ قلت: لَا مُنَافَاة بَين شَيْء من ذَلِك، فقد يجْتَمع لَهُ جَمِيع ذَلِك كُله نَعُوذ بِاللَّه مِنْهُ وَإِنَّمَا يشكل مِنْهُ رِوَايَة: حرم الله عَلَيْهِ الْجنَّة وَأوجب لَهُ النَّار، فَيحمل ذَلِك على المستحل لذَلِك، أَو على تَقْدِير: أَن ذَلِك جَزَاؤُهُ إِن جازاه، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {وَمن يقتل مُؤمنا مُتَعَمدا} (النِّسَاء: ٣٩) . وَالله أعلم.

ذكر بَيَان من خرج هَذِه الْأَحَادِيث: أما حَدِيث ابْن مَسْعُود فقد مضى الْآن. وَأما حَدِيث الْأَشْعَث بن قيس فَفِي حَدِيث ابْن مَسْعُود، وَأخرجه بَقِيَّة الْأَئِمَّة. وَأما حَدِيث معقل بن يسَار فَأخْرجهُ النَّسَائِيّ من رِوَايَة شُعْبَة عَن عِيَاض عَن أبي خَالِد، قَالَ: رَأَيْت رجلَيْنِ يختصمان عِنْد معقل بن يسَار، فَقَالَ معقل: قَالَ النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من حلف على يَمِين ليقتطع بهَا مَال رجل لَقِي الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان) ، وَأخرجه الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) وَقَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ بِهَذَا الْإِسْنَاد. وَأما حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن فَأخْرجهُ أَبُو دَاوُد من رِوَايَة مُحَمَّد بن سِيرِين عَن عمرَان بن حُصَيْن قَالَ: قَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من حلف على يَمِين مصبورة كَاذِبًا فَليَتَبَوَّأ بِوَجْهِهِ مَقْعَده من النَّار) ، وَأخرجه الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) وَقَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ بِهَذَا اللَّفْظ. وَأما حَدِيث الْحَارِث بن برصاء فَأخْرجهُ الْحَاكِم من رِوَايَة عبيد بن جريج عَن الْحَارِث بن برصاء، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (من اقتطع مَال أَخِيه الْمُسلم بِيَمِين فاجرة فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار، ليبلغ شاهدكم غائبكم، مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا) . وَقَالَ: هَذَا صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ بِهَذَا السِّيَاق. وَأما حَدِيث جَابر بن عبد الله فَأخْرجهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من رِوَايَة عبد الله بن نسطاس عَن جَابر

ابْن عبد الله، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من حلف على منبري هَذَا على يَمِين آثمة فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار) الحَدِيث، وَأخرجه الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) وَقَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ. وَأما حَدِيث أبي أُمَامَة بن ثَعْلَبَة، واسْمه: إِيَاس، وَقيل: ثَعْلَبَة، وَالأَصَح أَنه إِيَاس، فَأخْرجهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من حَدِيث عبد الله بن كَعْب بن مَالك عَن أبي أُمَامَة: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: (من اقتطع حق امرىء مُسلم بِيَمِينِهِ فقد أوجب الله لَهُ النَّار وَحرم عَلَيْهِ الْجنَّة، فَقَالَ لَهُ رجل: وَإِن كَانَ شَيْئا يَسِيرا يَا رَسُول الله؟ قَالَ: وَإِن كَانَ قَضِيبًا من أَرَاك) . وَأما حَدِيث جَابر بن عتِيك فَأخْرجهُ الْحَاكِم من رِوَايَة أبي سُفْيَان بن جَابر بن عتِيك عَن أَبِيه أَنه سمع رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: (من اقتطع مَال امرىء مُسلم بِيَمِينِهِ حرم الله عَلَيْهِ الْجنَّة وَأدْخلهُ النَّار، قَالُوا: يَا رَسُول الله {وَإِن كَانَ شَيْئا يَسِيرا؟ قَالَ: وَإِن كَانَ سواكاً، وَإِن كَانَ سواكاً) . وَقَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ. وَأما حَدِيث أبي سَوْدَة فَأخْرجهُ أَحْمد من رِوَايَة معمر عَن شيخ من بني تَمِيم عَن أبي سَوْدَة، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: الْيَمين الْفَاجِرَة الَّتِي يقتطع بهَا الرجل مَال الْمُسلم يعقم الرَّحِم. وَأما حَدِيث سعيد بن زيد فَأخْرجهُ أَحْمد أَيْضا من رِوَايَة الْحَارِث بن عبد الرَّحْمَن عَن أبي سَلمَة أَن مَرْوَان قَالَ: إذهبوا فأصلحوا بَين هذَيْن، لسَعِيد بن زيد، وروى الحَدِيث وَفِيه: من اقتطع مَال امرىء مُسلم بِيَمِين فَلَا بَارك الله لَهُ فِيهَا، وَأخرجه الْحَاكِم وَصَححهُ. وَأما حَدِيث ثَعْلَبَة بن مُغيرَة فَأخْرجهُ الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) من رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن كَعْب بن مَالك أَنه سمع ثَعْلَبَة يَقُول: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: من اقتطع مَال امرىء مُسلم بِيَمِين كَاذِبَة كَانَت نُكْتَة سَوْدَاء فِي قلبه لَا يغيرها شَيْء إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَصَححهُ. وَأما حَدِيث عبد الله بن أنيس فَأخْرجهُ التِّرْمِذِيّ فِي التَّفْسِير من رِوَايَة مُحَمَّد بن زيد المُهَاجر عَن أبي أُمَامَة الْأنْصَارِيّ عَن عبد الله بن أنيس الْجُهَنِيّ: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: من أكبر الْكَبَائِر الْإِشْرَاك بِاللَّه، وعقوق الْوَالِدين، وَالْيَمِين الْغمُوس، وَمَا حلف حَالف بِاللَّه يَمِين صَبر فَأدْخل فِيهَا مثل جنَاح الْبَعُوضَة إلَاّ جعلهَا الله نُكْتَة فِي قلبه يَوْم الْقِيَامَة، وَأخرجه الْحَاكِم وَصَححهُ.

قلت: وَفِي الْبَاب عَن أبي ذَر، وَعبد الله ابْن أبي أوفى وَأبي قَتَادَة، وَعبد الرَّحْمَن بن شبْل، وَمُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان وَوَائِل بن حجر، وَأبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ اسْمه: صدي ابْن عجلَان وَأَبُو مُوسَى، وعدي بن عميرَة.

أما حَدِيث أبي ذَر فَأخْرجهُ مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ من رِوَايَة خَرشَة بن قُتَيْبَة الْحر عَن أبي ذَر عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: ثَلَاثَة لَا ينظر الله إِلَيْهِم يَوْم الْقِيَامَة وَلَا يزكيهم وَلَهُم عَذَاب أَلِيم. قلت: من هم يَا رَسُول الله فقد خابوا وخسروا؟ فَقَالَ: المنان والمسبل إزَاره والمنفق سلْعَته بِالْحلف الْكَاذِب. وَأما حَدِيث عبد الله بن أبي أوفى فَرَوَاهُ البُخَارِيّ فِي أَفْرَاده على مَا يَأْتِي. وَأما حَدِيث أبي قَتَادَة فَأخْرجهُ مُسلم وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه من رِوَايَة معبد بن كَعْب ابْن مَالك عَن أبي قَتَادَة الْأنْصَارِيّ أَنه سمع رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: إيَّاكُمْ وَكَثْرَة الْحلف فِي البيع فَإِنَّهُ ينْفق ثمَّ يمحق. وَأما حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن شبْل فَرَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) وَالْبَيْهَقِيّ فِي (سنَنه) من رِوَايَة يحيى بن أبي كثير عَن زيد بن سَلام عَن أبي سَلام عَن أبي رَاشد عَن عبد الرَّحْمَن بن شبْل، رجل من أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: إِن التُّجَّار هم الْفجار، فَقَالَ رجل: يَا رَسُول الله} ألم يحل الله البيع؟ قَالَ: بلَى، وَلَكنهُمْ يحلفُونَ ويأثمون، وَزَاد أَحْمد: وَيَقُولُونَ فيكذبون) . وَأما حَدِيث مُعَاوِيَة فَأخْرجهُ الطَّبَرَانِيّ من رِوَايَة يحيى بن أبي كثير عَن زيد بن سَلام عَن أبي سَلام عَن أبي رَاشد الحبراني عَن عبد الرَّحْمَن بن شبْل: أَن مُعَاوِيَة قَالَ: إِذا أتيت فسطاطي فَقُمْ فِي النَّاس فَأخْبرهُم مَا سَمِعت من رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول: إِن التُّجَّار ... إِلَى آخر مَا ذَكرْنَاهُ الْآن، هَكَذَا أسْندهُ الطَّبَرَانِيّ فِي مُسْند مُعَاوِيَة، وَكَأن الرِّوَايَة عِنْده فِيهِ: مَا سَمِعت، بِالضَّمِّ، وَأما حَدِيث وَائِل بن حجر فَأخْرجهُ مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة عَلْقَمَة بن وَائِل (عَن أَبِيه، قَالَ: جَاءَ رجل من حضر موت وَرجل من كِنْدَة إِلَى النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَقَالَ الْحَضْرَمِيّ: يَا رَسُول الله! إِن هَذَا قد غلبني على أَرض لي ... الحَدِيث، وَفِيه: فَقَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، لما أدبر: أما لَئِن حلف على مَال ليأكله ظلما ليلقين الله وَهُوَ عَنهُ معرض) . وَأما حَدِيث أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ فَأخْرجهُ الْأَصْبَهَانِيّ فِي (التَّرْغِيب والترهيب) من رِوَايَة خصيب الْجَزرِي عَن أبي غَالب عَن أبي أُمَامَة: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (قَالَ: إِن التَّاجِر إِذا كَانَ فِيهِ أَربع خِصَال طَابَ كَسبه: إِذا اشْترى لم يذم، وَإِذا

بَاعَ لم يمدح، وَلم يُدَلس فِي البيع، وَلم يحلف فِيمَا بَين ذَلِك) وَأما حَدِيث أبي مُوسَى فَأخْرجهُ الْبَزَّار من حَدِيث ثَابت بن الْحجَّاج عَن أبي بردة عَن أبي مُوسَى: أَن رجلَيْنِ اخْتَصمَا إِلَى رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فِي أَرض، أَحدهمَا من حَضرمَوْت فَقَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، للْمُدَّعى عَلَيْهِ: أتحلف بِاللَّه الَّذِي لَا إِلَه إلَاّ هُوَ؟ فَقَالَ الْمُدَّعِي: يَا رَسُول الله لَيْسَ لي إلَاّ يَمِينه. قَالَ: نعم. قَالَ: إِذا يذهب بأرضي، فَقَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إِن حلف كَاذِبًا لم ينظر الله إِلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة وَلم يزكه وَله عَذَاب أَلِيم) ، قَالَ فتورع الرجل عَنْهَا فَردهَا عَلَيْهِ. وَأما حَدِيث عدي بن عميرَة فَأخْرجهُ النَّسَائِيّ عَنهُ، قَالَ: أَتَى النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، رجلَانِ يختصمان فِي أَرض ... وَفِيه، فَقَالَ رَسُول الله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (من حلف على مَال امرىء مُسلم لَقِي الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان، قَالَ: فَمن تَركهَا؟ قَالَ: لَهُ الْجنَّة) . وَفِي رِوَايَة: بَين امرىء الْقَيْس وَرجل من حَضرمَوْت، وَفِيه: فَقَالَ امْرُؤ الْقَيْس: يَا رَسُول الله! فَمَا لمن تَركهَا وَهُوَ يعلم أَنَّهَا حق؟ قَالَ: لَهُ الْجنَّة) .

(قَوْله مَا حَدثكُمْ أَبُو عبد الرَّحْمَن أَي أَي شَيْء حَدثكُمْ أَبُو عبد الرَّحْمَن وَهُوَ كنية عبد بن مَسْعُود

قَوْله: (فِي) ، بِكَسْر الْفَاء وَتَشْديد الْيَاء. قَوْله: (فَأنْزل الله {إِن الَّذين يشْتَرونَ ... } (آل عمرَان: ٧٧)) الْآيَة، هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة فِي سُورَة آل عمرَان: {إِن الَّذين يشْتَرونَ} (آل عمرَان: ٧٧) . يَعْنِي: إِن الَّذين يعتاضون عَمَّا هدَاهُم الله عَلَيْهِ من اتِّبَاع مُحَمَّد وَذكر صفته للنَّاس وَبَيَان أمره عَن أَيْمَانهم الكاذبة الْفَاجِرَة الآثمة بالأثمان القليلة الزهيدة، وَهِي عرُوض هَذِه الْحَيَاة الدُّنْيَا الفانية الزائلة {أُولَئِكَ لَا خلاق لَهُم} (آل عمرَان: ٧٧) . أَي: لَا نصيب لَهُم {فِي الْآخِرَة} (آل عمرَان: ٧٧) . وَلَا حَظّ لَهُم مِنْهَا {وَلَا يكلمهم الله وَلَا ينظر إِلَيْهِم يَوْم الْقِيَامَة} (آل عمرَان: ٧٧) . بِعَين رَحمته {وَلَا يزكيهم} (آل عمرَان: ٧٧) . أَي: وَلَا يطهرهم من الذُّنُوب والأدناس، بل يَأْمر بهم إِلَى النَّار {وَلَهُم عَذَاب أَلِيم} (آل عمرَان: ٧٧) . ثمَّ سَبَب نزُول هَذِه الْآيَة فِي الْأَشْعَث بن قيس كَمَا ذكره فِي حَدِيث الْبَاب، وَذكر البُخَارِيّ لسَبَب نُزُولهَا وَجها آخر عَن عبد الله بن أبي أوفى: أَن رجلا أَقَامَ سلْعَة فِي السُّوق، فَحلف لقد إعطي بهَا مَا لم يُعْطه، ليوقع فِيهَا رجلا من الْمُسلمين. فَنزل {إِن الَّذين يشْتَرونَ ... } (آل عمرَان: ٧٧) . الْآيَة. وَذكر الواحدي أَن الْكَلْبِيّ قَالَ: إِن نَاسا من عُلَمَاء الْيَهُود أولي فاقة اقتحموا إِلَى كَعْب بن الْأَشْرَف، لَعنه الله، فَسَأَلَهُمْ: كَيفَ تعلمُونَ هَذَا الرجل يَعْنِي: سيدنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي كتابكُمْ؟ قَالُوا: وَمَا تعلمه أَنْت؟ قَالَ: لَا. قَالُوا: نشْهد أَنه عبد الله وَرَسُوله، فَقَالَ كَعْب: لقد حرمكم الله خيرا كثيرا، فَقَالُوا: رويداً فَإِنَّهُ شبه علينا وَلَيْسَ هُوَ بالنعت الَّذِي نعت لنا، ففرح كَعْب لَعنه الله، فمارهم وَأنْفق عَلَيْهِم، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة. وَقَالَ عِكْرِمَة: نزلت فِي أبي رَافع وكنانة بن أبي الْحقيق وحيي بن أَخطب وَغَيرهم من رُؤُوس الْيَهُود، كتموا مَا عهد الله، عز وَجل، إِلَيْهِم فِي التَّوْرَاة فِي شَأْن مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وبدلوه وَكَتَبُوا بِأَيْدِيهِم غَيره، وحلفوا أَنه من عِنْد الله، لِئَلَّا يفوتهُمْ الرشاء والمأكل الَّتِي كَانَت لَهُم على أتباعهم. قَوْله: (كَانَت لي بِئْر فِي أَرض) زعم الْإِسْمَاعِيلِيّ أَن أَبَا حَمْزَة تفرد بِذكر الْبِئْر عَن الْأَعْمَش قَالَ: وَلَا أعلم فِيمَن رَوَاهُ عَن الْأَعْمَش إلَاّ قَالَ فِي أَرض، وَالْأَكْثَرُونَ أولى بِالْحِفْظِ من أبي حَمْزَة، ورد عَلَيْهِ بِأَن أَبَا حَمْزَة لم ينْفَرد بِهِ، لِأَن أَبَا عوَانَة رَوَاهُ عَن الْأَعْمَش فِي كتاب الْأَيْمَان وَالتَّفْسِير عَن أبي وَائِل عَن عبد الله، وَفِيه: قَالَ الْأَشْعَث: كَانَت لي بِئْر فِي أَرض ابْن عَم لي، وسيجىء، إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو نعيم الْحَافِظ من حَدِيث عَليّ بن مسْهر عَن الْأَعْمَش، وَقَالَ الطرقي: رَوَاهُ عَن أبي وَائِل مَنْصُور وَالْأَعْمَش، فمنصور لم يرفع قَول عبد الله إِلَى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَالْأَعْمَش يَقُول: قَالَ عبد الله، قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَكَذَا ذكره الْحَافِظ الْمزي فِي (الْأَطْرَاف) وَقَالَ الطرقي: رَوَاهُ عبد الْملك بن أَيمن وجامع بن أبي رَاشد وَمُسلم البطين عَن أبي وَائِل عَن عبد الله مَرْفُوعا، وَلَيْسَ فِيهِ ذكر الْأَشْعَث، وَرَوَاهُ كرْدُوس التغلبي عَن الْأَشْعَث ابْن قيس الْكِنْدِيّ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وَلَيْسَ فِيهِ ذكر ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ الْمزي: وَمن مُسْند الْأَشْعَث بن قيس أبي مُحَمَّد الْكِنْدِيّ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مَقْرُونا بِعَبْد الله بن مَسْعُود، وَرُبمَا جَاءَ الحَدِيث عَن أَحدهمَا مُفردا. قَوْله: (ابْن عَم لي) واسْمه معدان بن الْأسود بن سعد بن معدي كرب الْكِنْدِيّ، والأشعث بن قيس بن معدي كرب، وَقيس وَالْأسود أَخَوان، ولقبه الجفشيش على وزن فعليل بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْفَاء وبالشينين المعجمتين أولاهما مَكْسُورَة بَينهمَا يَاء آخر الْحُرُوف سَاكِنة. وَقيل: بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة، وَقيل: بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة، وَبَقِيَّة الْحُرُوف على حَالهَا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَقيل: إسمه جرير، وكنيته أَبُو الْخَيْر. قلت: الْأَصَح هُوَ الَّذِي ذَكرْنَاهُ. قَوْله: (فَقَالَ لي: شهودك) ، أَي: فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، وشهودك، بِالنّصب

على تَقْدِير: أقِم أَو أحضر شهودك، وَكَذَا: يَمِينه، بِالنّصب أَي: فاطلب يَمِينه، ويروى بِالرَّفْع فيهمَا، وَالتَّقْدِير: فالمثبت لدعواك شهودك أَو فالحجة القاطعة بَيْنكُمَا يَمِينه، فَيكون إرتفاعهما على أَنَّهُمَا خَبرا مبتدأين محذوفين. قَوْله: (إِذا يحلف) قَالَ الْكرْمَانِي: و: يحلف، بِالنّصب لَا غير. قلت: كلمة إِذا حرف جَوَاب وَجَزَاء ينصب الْفِعْل الْمُسْتَقْبل، مثل مَا يُقَال: أَنا آتِيك، فَيَقُول: إِذا أكرمك، وَإِنَّمَا قَالَ: بِالنّصب لَا غير، لِأَنَّهَا تصدرت فَيتَعَيَّن النصب، بِخِلَاف مَا إِذا وَقعت بعد الْوَاو وَالْفَاء فَإِنَّهُ يجوز فِيهِ الْوَجْهَانِ.

وَمِمَّا يُسْتَفَاد من الحَدِيث: أَن الْبَيِّنَة على الْمُدَّعِي، وَالْيَمِين على الْمُدعى عَلَيْهِ إِذا أنكر، وَبِه اسْتدلَّ من يَقُول: إِنَّه إِذا اعْترف الْمُدَّعِي أَنه لَا بَينه لَهُ لم يقبل دَعْوَاهُ بعد ذَلِك، ورد بِأَنَّهُ: لَيْسَ فِيهِ حجَّة على ذَلِك لِأَن الْأَشْعَث لم يدعِ بعد ذَلِك أَن لَهُ بَينه. وَفِيه: أَن للْحَاكِم أَن يطْلب الْمُدَّعِي عَلَيْهِ عِنْد عدم الْبَيِّنَة، وَإِن لم يَطْلُبهُ صَاحب الْحق، لِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أمره بِالْحلف. وَفِيه: إبِْطَال مَسْأَلَة الظفر، لِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ردده بَين الْبَيِّنَة وَالْيَمِين، فَدلَّ على عدم الْأَخْذ بِغَيْر ذَلِك، وأصرح من هَذَا قَوْله، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي حَدِيث وَائِل بن حجر عِنْد مُسلم، وَقد ذَكرْنَاهُ: لَيْسَ لَك مِنْهُ إلَاّ ذَلِك.

٥ - (بابُ إثْمِ مِنْ مَنَعَ ابنَ السَّبِيلِ مِنَ المَاءِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِثْم من منع ابْن السَّبِيل أَي: الْمُسَافِر من المَاء الْفَاضِل عَن حَاجته، وَهَذَا الْقَيْد لَا بُد مِنْهُ، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَوْله فِي حَدِيث الْبَاب: رجل لَهُ فضل مَاء بِالطَّرِيقِ فَمَنعه من ابْن السَّبِيل، وَقَالَ ابْن بطال: فِيهِ دلَالَة على أَن صَاحب الْبِئْر أولى من ابْن السَّبِيل عِنْد الْحَاجة، فَإِذا أَخذ حَاجته لم يجز لَهُ منع ابْن السَّبِيل.

٧ - (حَدثنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل قَالَ حَدثنَا عبد الْوَاحِد بن زِيَاد عَن الْأَعْمَش قَالَ سَمِعت أَبَا صَالح يَقُول سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ يَقُول قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - ثَلَاثَة لَا ينظر الله إِلَيْهِم يَوْم الْقِيَامَة وَلَا يزكيهم وَلَهُم عَذَاب أَلِيم رجل كَانَ لَهُ فضل مَاء بِالطَّرِيقِ فَمَنعه من ابْن السَّبِيل وَرجل بَايع إِمَامًا لَا يبايعه إِلَّا لدُنْيَا فَإِن أعطَاهُ مِنْهَا رَضِي وَإِن لم يُعْطه مِنْهَا سخط وَرجل أَقَامَ سلْعَته بعد الْعَصْر فَقَالَ وَالله الَّذِي لَا إِلَه غَيره لقد أَعْطَيْت بهَا كَذَا وَكَذَا فَصدقهُ رجل ثمَّ قَرَأَ هَذِه الْآيَة {إِن الَّذين يشْتَرونَ بِعَهْد الله وَأَيْمَانهمْ ثمنا قَلِيلا} مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله رجل كَانَ لَهُ فضل مَاء بِالطَّرِيقِ فَمَنعه من ابْن السَّبِيل فَإِنَّهُ أحد الثَّلَاثَة الَّذين أخبر النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِأَن الله لَا ينظر إِلَيْهِم وَلَا يزكيهم وَلَهُم عَذَاب أَلِيم وَلَو لم يَأْثَم مَانع ابْن السَّبِيل من المَاء الْفَاضِل عَنهُ لما اسْتحق هَذَا الْوَعيد. وَعبد الْوَاحِد بن زِيَاد بِكَسْر الزَّاي وَتَخْفِيف الْيَاء آخر الْحُرُوف الْبَصْرِيّ وَالْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان وَأَبُو صَالح ذكْوَان الزيات السمان قَوْله " ثَلَاثَة " أَي ثَلَاثَة أشخاص وارتفاعه على أَنه مُبْتَدأ وَقَوله لَا ينظر الله إِلَيْهِم خَبره وَهَذَا عبارَة عَن عدم الْإِحْسَان إِلَيْهِم قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ هُوَ كِنَايَة عَنهُ فِيمَن يجوز عَلَيْهِ النّظر مجَاز فِيمَا لَا يجوز عَلَيْهِ والتنصيص على الْعدَد لَا يُنَافِي الزَّائِد فَالَّذِي ذكره من الْوَعيد لَا ينْحَصر فِي هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة قَوْله " وَلَا يزكيهم " أَي يثني عَلَيْهِم أَولا يطهرهم من الذُّنُوب قَوْله " رجل " مَرْفُوع لِأَنَّهُ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره من الثَّلَاثَة رجل قَوْله " كَانَ لَهُ فضل مَاء " جملَة فِي مَحل الرّفْع لِأَنَّهَا صفة لرجل قَوْله " فَمَنعه " أَي فَمنع الْفَاضِل من المَاء قَوْله " وَرجل " أَي الثَّانِي من الثَّلَاثَة رجل بَايع إِمَامًا المُرَاد هُوَ الإِمَام الْأَعْظَم وَهَذَا هَكَذَا فِي رِوَايَة الْكشميهني وَفِي رِوَايَة غَيره بَايع إِمَامه وَالْمرَاد من الْمُبَايعَة هُنَا هُوَ المعاقدة عَلَيْهِ والمعاهدة فَكَانَ كل وَاحِد مِنْهُمَا بَاعَ مَا عِنْده من صَاحبه وَأَعْطَاهُ خَالِصَة نَفسه وطاعته ودخيلة أمره قَوْله " إِلَّا لدُنْيَا " أَي إِلَّا لأجل شَيْء يحصل لَهُ من مَتَاع الدُّنْيَا وَكلمَة دنيا غير منون واضمحل مِنْهَا معنى الوصفية لغَلَبَة الإسمية عَلَيْهَا فَلَا تحْتَاج إِلَى من وَنَحْوه وَالْفَاء فِي قَوْله فَإِن أعطَاهُ تفسيرية تفسر مبايعته للْإِمَام للدنيا قَوْله " أَقَامَ " من قَامَت السُّوق إِذا نفقت قَوْله " سلْعَته " أَي مَتَاعه قَوْله بعد الْعَصْر هَذَا لَيْسَ بِقَيْد وَإِنَّمَا خرج هَذَا مخرج

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 23 جمادى الأولى
هلال متناقص اليوم 24.3 / 29.5
الإضاءة 28%
الهلال الجديد بعد 5 يوم
الله أكبر

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56