«مَنْ كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ فَعَالَهَا فَأَحْسَنَ إِلَيْهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٥٤٤

الحديث رقم ٢٥٤٤ من كتاب «كتاب العتق» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب فضل من أدب جاريته وعلمها.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢٥٤٤ في صحيح البخاري

«مَنْ كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ فَعَالَهَا فَأَحْسَنَ إِلَيْهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا، كَانَ لَهُ أَجْرَانِ.»

بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ الْعَبِيدُ إِخْوَانُكُمْ فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالا فَخُورًا * ذِي الْقُرْبَى﴾ الْقَرِيبُ وَالْجُنُبُ الْغَرِيبُ الْجَارُ الْجُنُبُ يَعْنِي الصَّاحِبَ فِي السَّفَرِ

إسناد حديث البخاري رقم ٢٥٤٤

٢٥٤٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ فُضَيْلٍ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ :

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٢٥٤٤: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

رُدَيْحٌ وَإِمَّا زُخَيٌّ، فَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ الزُّبَيْبِ بْنِ ثَعْلَبَةَ مَا يُرْشِدُ إِلَى ذَلِكَ، وَفِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ عِنْدَهُ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ جَيْشًا إِلَى بَنِي الْعَنْبَرِ فَأَخَذُوهُمْ بِرُكْبَةٍ مِنْ نَاحِيَةِ الطَّائِفِ فَاسْتَاقُوهُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَرُكْبَةٌ بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْكَافِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ وَهِيَ غَيْرُ رَكُوبَةِ الثَّنِيَّةِ الْمَعْرُوفَةِ الَّتِي بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّ سَرِيَّةَ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ هَذِهِ كَانَتْ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ وَأَنَّهُ سَبَى إِحْدَى عَشْرَةَ امْرَأَةً وَثَلَاثِينَ صَبِيًّا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَفِي قَوْلِهِ لِعَائِشَةَ: ابْتَاعِيهَا فَأَعْتِقِيهَا دَلِيلٌ لِلْجُمْهُورِ فِي حِصَّةِ تَمَلُّكِ الْعَرَبِيِّ، وَإِنْ كَانَ الْأَفْضَلُ عِتْقَ مَنْ يُسْتَرَقُّ مِنْهُمْ، وَلِذَلِكَ قَالَ عُمَرُ: مِنَ الْعَارِ أَنْ يَمْلِكَ الرَّجُلُ ابْنَ عَمِّهِ وَبِنْتَ عَمِّهِ حَكَاهُ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الْمُهَلَّبِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: لَا بُدَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ تَفْصِيلٍ، فَلَوْ كَانَ الْعَرَبِيُّ مَثَلًا مِنْ وَلَدِ فَاطِمَةَ وَتَزَوَّجَ أَمَةً بِشَرْطِهِ لَاسْتَبْعَدْنَا اسْتِرْقَاقَ وَلَدِهِ، قَالَ: وَإِذَا أَفَادَ كَوْنُ الْمَسْبِيِّ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ يَقْتَضِي اسْتِحْبَابَ إِعْتَاقِهِ، فَالَّذِي بِالْمَثَابَةِ الَّتِي فَرَضْنَاهَا يَقْتَضِي وُجُوبَ حُرِّيَّتِهِ حَتْمًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِبَنِي تَمِيمٍ، وَكَانَ فِيهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَصَدْرِ الْإِسْلَامِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَشْرَافِ وَالرُّؤَسَاءِ. وَفِيهِ الْإِخْبَارُ عَمَّا سَيَأْتِي مِنَ الْأَحْوَالِ الْكَائِنَةِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ. وَفِيهِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ نَسَبَ جَمِيعَ الْيَمَنِ إِلَى بَنِي إِسْمَاعِيلَ لِتَفْرِقَتِهِ بَيْنَ خَوْلَانَ وَهُمْ مِنَ الْيَمَنِ وَبَيْنَ بَنِي الْعَنْبَرِ وَهُمْ مِنْ مُضَرَ، وَالْمَشْهُورُ فِي خَوْلَانَ أَنَّهُ ابْنُ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ مِنْ وَلَدِ كَهْلَانَ بْنِ سَبَأٍ. وَقَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ:، خَوْلَانُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْحَافِ بْنِ قُضَاعَةَ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ فِي أَوَائِلِ الْمَنَاقِبِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

١٤ - بَاب فَضْلِ مَنْ أَدَّبَ جَارِيَتَهُ وَعَلَّمَهَ

٢٥٤٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ فُضَيْلٍ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : مَنْ كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ فَعَلَمهَا فَأَحْسَنَ إِلَيْهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا كَانَ لَهُ أَجْرَانِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ مَنْ أَدَّبَ جَارِيَتَهُ) سَقَطَ لَفْظُ فَضْلِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَالنَّسَفِيِّ، وَزَادَ النَّسَفِيُّ وَأَعْتَقَهَا، أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي مُوسَى مُخْتَصَرًا، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ النِّكَاحِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَمُطَرِّفٌ الْمَذْكُورُ فِي السَّنَدِ هُوَ ابْنُ طَرِيفٍ، كُوفِيٌّ مَشْهُورٌ. وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: فَعَلَّمَهَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي، وَالسَّرَخْسِيِّ فَعَالَهَا.

١٥ - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ : الْعَبِيدُ إِخْوَانُكُمْ، فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ

وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالا فَخُورًا﴾ قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: ﴿ذِي الْقُرْبَى﴾ الْقَرِيبُ، وَالْجُنُبُ: الْغَرِيبُ.

٢٥٤٥ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا وَاصِلٌ الْأَحْدَبُ قَالَ: سَمِعْتُ الْمَعْرُورَ بْنَ سُويْدٍ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا ذَرٍّ الْغِفَارِيَّ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ، فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إِنِّي سَابَبْتُ

رَجُلًا فَشَكَانِي إِلَى النَّبِيِّ ، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ : أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ إِخْوَانَكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمْ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَأَعِينُوهُمْ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ : الْعَبِيدُ إِخْوَانُكُمْ فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ) لَفْظُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ رُوِّينَاهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ لِابْنِ مَنْدَهْ بِلَفْظِ: إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، فَمَنْ لَإيَمَكُمْ مِنْهُمْ فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ وَاكْسُوهُمْ مِمَّا تَكْتَسُونَ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ مُوَرِّقٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ بِلَفْظِ: مَنْ لَإيَمَكُمْ مِنْ مَمْلُوكِيكُمْ فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ وَاكْسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ طَرِيقِ سَلَامِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مَرْفُوعًا قَالَ: أَرِقَّاؤُكُمْ إِخْوَانُكُمُ الْحَدِيثَ، وَمِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ: كَانَ النَّبِيُّ يُوصِي بِالْمَمْلُوكِينَ خَيْرًا، وَيَقُولُ: أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ.

وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي الْيَسَرِ - بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَالْمُهْمَلَةِ - وَاسْمُهُ كَعْبُ بْنُ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ رَفَعَهُ: أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَطْعَمُونَ وَاكْسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ. وَفِيهِ قِصَّتُهُ. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي آخِرِ كِتَابِهِ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ طَوِيلٍ.

قَوْلُهُ: (وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿مُخْتَالا فَخُورًا﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ الْآيَةَ كُلَّهَا.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: ذِي الْقُرْبَى: الْقَرِيبُ، ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ الْغَرِيبُ) هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي كِتَابِ الْمَجَازِ وَقَدْ خُولِفَ فِي الصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ، فَقِيلَ: هُوَ الْمَرْأَةُ، وَقِيلَ: الرَّفِيقُ فِي السَّفَرِ. وَالْمُرَادُ بِذِكْرِ هَذِهِ الْآيَةِ هُنَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فَدَخَلُوا فِيمَنْ أُمِرَ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ لِعَطْفِهِمْ عَلَيْهِمْ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا وَاصِلٌ الْأَحْدَبُ) هُوَ ابْنُ حَيَّانَ بِالْمُهْمَلَةِ وَالتَّحْتَانِيَّةِ الثَّقِيلَةِ، وَهُوَ كُوفِيٌّ ثِقَةٌ مَشْهُورٌ مِنْ طَبَقَةِ الْأَعْمَشِ، وَالْمَعْرُورُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ كُوفِيٌّ أَيْضًا، يُكَنَّى أَبَا أُمَيَّةَ، مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، يُقَالُ: عَاشَ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً.

قَوْلُهُ: (رَأَيْتُ أَبَا ذَرٍّ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ وَتَسْمِيَةُ الرَّجُلِ الَّذِي سَابَّهُ أَبُو ذَرٍّ وَالْكَلَامُ عَلَى الْحُلَّةِ.

قَوْلُهُ: (أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ إِخْوَانَكُمْ) كَذَا هُنَا، وَتَقَدَّمَ فِي الْإِيمَانِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ شُعْبَةَ بِزِيَادَةِ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ وَالِاخْتِصَارُ فِيهِ مِنْ آدَمَ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ فَإِنَّ الْبَيْهَقِيَّ أَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ آدَمَ كَذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ شُعْبَةُ اخْتَصَرَهُ لَهُ لَمَّا حَدَّثَهُ بِهِ. وَالْخَوَلُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْوَاوِ هُمُ الْخَدَمُ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يَتَخَوَّلُونَ الْأُمُورَ أَيْ يُصْلِحُونَهَا، وَمِنْهُ الْخَوْلِيُّ لِمَنْ يَقُومُ بِإِصْلَاحِ الْبُسْتَانِ، وَيُقَالُ الْخَوَلُ جَمْعُ خَائِلٍ وَهُوَ الرَّاعِي، وَقِيلَ: التَّخْوِيلُ التَّمْلِيكُ تَقُولُ خَوَّلَكَ اللَّهُ كَذَا أَيْ مَلَّكَكَ إِيَّاهُ. وَقَوْلُهُ: عَيَّرْتَهُ أَيْ نَسَبْتَهُ إِلَى الْعَارِ، وَفِي قَوْلِهِ: بِأُمِّهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا يَتَعَدَّى بِالْبَاءِ وَإِنَّمَا يُقَالُ عَيَّرْتَهُ أُمَّهُ، وَمِثْلُ الْحَدِيثِ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

أَيُّهَا الشَّامِتُ الْمُعَيِّرُ بِالدَّهْرِ،

وَالْعَارُ الْعَيْبُ، وَفِي تَقْدِيمِ لَفْظِ إِخْوَانِكُمْ عَلَى خَوَلِكُمْ إِشَارَةٌ إِلَى الِاهْتِمَامِ بِالْأُخُوَّةِ، وَقَوْلُهُ: تَحْتَ أَيْدِيكُمْ مَجَازٌ عَنِ الْقُدْرَةِ أَوِ الْمِلْكِ.

قَوْلُهُ: (فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ) أَيْ مِنْ جِنْسِ مَا يَأْكُلُ لِلتَّبْعِيضِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ مِنْ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْآتِي بَعْدَ بَابَيْنِ: فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ فَلْيُنَاوِلْهُ لُقْمَةً، فَالْمُرَادُ الْمُوَاسَاةُ لَا الْمُسَاوَاةُ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ. لَكِنْ مَنْ أَخَذَ بِالْأَكْمَلِ كَأَبِي ذَرٍّ فَعَلَ الْمُسَاوَاةَ وَهُوَ الْأَفْضَلُ، فَلَا يَسْتَأْثِرُ الْمَرْءُ عَلَى عِيَالِهِ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ جَائِزًا، وَفِي الْمُوَطَّأِ وَمُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَا يُكَلَّفُ مِنَ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُ وَهُوَ يَقْتَضِي الرَّدَّ فِي ذَلِكَ إِلَى الْعُرْفِ، فَمَنْ زَادَ عَلَيْهِ كَانَ مُتَطَوِّعًا. وَأَمَّا مَا حَكَاهُ ابْنُ بَطَّالٍ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

بالزَّاي والمُوحَّدتين (١) مُصغَّرًا أيضًا- وهو ابن ثعلبة، وزُخَيًّا: بالزَّاي والخاء المعجمتين، مُصغَّرًا أيضًا، وسَمُرة، أي: ابن عمرٍو فمسح النَّبيُّ على رؤوسهم وبرَّك عليهم، قال الحافظ ابن حجرٍ: والذي تعيَّن لعتق عائشة من هؤلاء الأربعة، إمَّا رُدَيحٌ، وإمَّا زُخَيٌّ، ففي «سنن أبي داود» من حديث الزُّبَيب بن ثعلبة ما يرشد إلى ذلك. انتهى. (فَقَالَ) لعائشة: (أَعْتِقِيهَا) أي: النَّسمة (فَإِنَّهَا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ) وفيه دليلٌ على جواز استرقاق العرب وتملُّكهم كسائر فرق العجم إلَّا أنَّ عتقهم أفضل، لكن قال ابن المنيِّر (٢): تملُّك العرب لا بدَّ عندي فيه من تفصيلٍ وتخصيصٍ للشُّرفاء، فلو كان العربيُّ مثلًا من ولدِ فاطمةَ ، فلو فرضنا أنَّ حَسَنيًّا أو حُسينيًّا تزوَّج أَمَةً بشرطه لاستبعدنا استرقاق ولده، قال: وإذا أفاد كون المسبيِّ من ولد إسماعيل يقتضي استحباب إعتاقه (٣)، فالذي بالمثابة التي فرضناها يقتضي وجوب حرِّيَّته حتمًا، وقد ساق المؤلِّف حديث أبي هريرة هذا هنا عن شيخين له، كلٌّ منهما حدَّثه به عن جريرٍ، لكنَّه فرَّقه لأنَّ أحدهما زاد فيه عن جريرٍ إسنادًا آخر، وساقه هنا على لفظ محمَّد بن سَلَامٍ، ويأتي إن شاء الله تعالى في «المغازي» [خ¦٤٣٦٦] على لفظ زهير بن حربٍ، وقد أخرجه مسلمٌ في «الفضائل» عن زهير، والله أعلم.

(١٤) (باب: فَضْلِ مَنْ أَدَّبَ جَارِيَتَهُ وَعَلَّمَهَا) زاد النَّسفيُّ: «وأعتقها»، وسقط له ولأبي ذرٍّ لفظ «فضل».

٢٥٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) المشهور بابن رَاهُوْيَه (سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ فُضَيْلٍ) أي:

ابن غزوان (عَنْ مُطَرِّفٍ) هو ابن طريفٍ، الحارثيِّ (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامرٍ (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) بضمِّ المُوحَّدة، الحارث بن أبي موسى (عَنْ) أبيه (أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ () أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : مَنْ كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ، فَعَالَهَا) أي: أنفق عليها، من عال الرَّجلُ عيالَه يعولُهم، إذا قام بما يحتاجون إليه، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «فعلَّمها» من التعليم وهو المناسب للتَّرجمة (فَأَحْسَنَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ أيضًا (١): «وأحسن» (إِلَيْهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا كَانَ لَهُ أَجْرَانِ) أجرٌ بالنِّكاح والتَّعليم، وأجرٌ بالعتق، قال المهلَّب: فيه أنَّ من تواضع في منكحه وهو يقدر على نكاح أهل الشَّرف رُجِي له جزيل الثَّواب.

وتأتي مباحث هذا الحديث في «كتاب النِّكاح» -إن شاء الله تعالى- وفيه رواية التَّابعيِّ عن التَّابعيِّ عن الصَّحابيِّ، وقد سبق في «باب تعليم الرَّجل أمته وأهله» من «كتاب العلم» [خ¦٩٧]، وأخرجه مسلمٌ في «النِّكاح» وكذا أبو داود والنَّسائيُّ.

(١٥) (باب) ذكر (قَوْلِ النَّبِيِّ : العَبِيدُ إِخْوَانُكُمْ، فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ) وهذا وصله المؤلِّف بالمعنى من حديث أبي ذرٍّ ومن حديث جابرٍ وصحابيٍّ لم يُسَمَّ في «الأدب المفرد». (وَقَوْلِهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على سابقه: (﴿وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا﴾) صنمًا أو غيره، أو شيئًا من الإشراك، جليًّا أو خفيًّا (﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾) وأحسنوا بهما إحسانًا (﴿وَبِذِي الْقُرْبَى﴾) وبصاحب القرابة (﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾) الذي قرب جواره (﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾) البعيد (﴿وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ﴾) الرَّفيق في أمرٍ حسنٍ، كتعلُّمٍ وتصرُّفٍ وصناعةٍ وسفرٍ، فإنَّه صحبك وحصل بجنبك، وقيل: المرأة (﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾) المسافر أو الضَّيف (﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾) العبيد والإماء (﴿إِنَّ اللّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً﴾) متكبِّرًا يأنف عن أقاربه وجيرانه وأصحابه وعبيده وإمائه، ولا يلتفت إليهم (﴿فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦]) يتفاخر عليهم، يرى أنَّه خيرٌ منهم، فهو في نفسه كبير، وهو عند الله حقير، واقتصر في رواية أبي ذرٍّ من أوَّل الآية إلى

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

رُدَيْحٌ وَإِمَّا زُخَيٌّ، فَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ الزُّبَيْبِ بْنِ ثَعْلَبَةَ مَا يُرْشِدُ إِلَى ذَلِكَ، وَفِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ عِنْدَهُ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ جَيْشًا إِلَى بَنِي الْعَنْبَرِ فَأَخَذُوهُمْ بِرُكْبَةٍ مِنْ نَاحِيَةِ الطَّائِفِ فَاسْتَاقُوهُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَرُكْبَةٌ بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْكَافِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ وَهِيَ غَيْرُ رَكُوبَةِ الثَّنِيَّةِ الْمَعْرُوفَةِ الَّتِي بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّ سَرِيَّةَ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ هَذِهِ كَانَتْ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ وَأَنَّهُ سَبَى إِحْدَى عَشْرَةَ امْرَأَةً وَثَلَاثِينَ صَبِيًّا وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَفِي قَوْلِهِ لِعَائِشَةَ: ابْتَاعِيهَا فَأَعْتِقِيهَا دَلِيلٌ لِلْجُمْهُورِ فِي حِصَّةِ تَمَلُّكِ الْعَرَبِيِّ، وَإِنْ كَانَ الْأَفْضَلُ عِتْقَ مَنْ يُسْتَرَقُّ مِنْهُمْ، وَلِذَلِكَ قَالَ عُمَرُ: مِنَ الْعَارِ أَنْ يَمْلِكَ الرَّجُلُ ابْنَ عَمِّهِ وَبِنْتَ عَمِّهِ حَكَاهُ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الْمُهَلَّبِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: لَا بُدَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ تَفْصِيلٍ، فَلَوْ كَانَ الْعَرَبِيُّ مَثَلًا مِنْ وَلَدِ فَاطِمَةَ وَتَزَوَّجَ أَمَةً بِشَرْطِهِ لَاسْتَبْعَدْنَا اسْتِرْقَاقَ وَلَدِهِ، قَالَ: وَإِذَا أَفَادَ كَوْنُ الْمَسْبِيِّ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ يَقْتَضِي اسْتِحْبَابَ إِعْتَاقِهِ، فَالَّذِي بِالْمَثَابَةِ الَّتِي فَرَضْنَاهَا يَقْتَضِي وُجُوبَ حُرِّيَّتِهِ حَتْمًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِبَنِي تَمِيمٍ، وَكَانَ فِيهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَصَدْرِ الْإِسْلَامِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَشْرَافِ وَالرُّؤَسَاءِ. وَفِيهِ الْإِخْبَارُ عَمَّا سَيَأْتِي مِنَ الْأَحْوَالِ الْكَائِنَةِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ. وَفِيهِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ نَسَبَ جَمِيعَ الْيَمَنِ إِلَى بَنِي إِسْمَاعِيلَ لِتَفْرِقَتِهِ بَيْنَ خَوْلَانَ وَهُمْ مِنَ الْيَمَنِ وَبَيْنَ بَنِي الْعَنْبَرِ وَهُمْ مِنْ مُضَرَ، وَالْمَشْهُورُ فِي خَوْلَانَ أَنَّهُ ابْنُ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ مِنْ وَلَدِ كَهْلَانَ بْنِ سَبَأٍ. وَقَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ:، خَوْلَانُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْحَافِ بْنِ قُضَاعَةَ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ فِي أَوَائِلِ الْمَنَاقِبِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

١٤ - بَاب فَضْلِ مَنْ أَدَّبَ جَارِيَتَهُ وَعَلَّمَهَ

٢٥٤٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ فُضَيْلٍ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : مَنْ كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ فَعَلَمهَا فَأَحْسَنَ إِلَيْهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا كَانَ لَهُ أَجْرَانِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ مَنْ أَدَّبَ جَارِيَتَهُ) سَقَطَ لَفْظُ فَضْلِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، وَالنَّسَفِيِّ، وَزَادَ النَّسَفِيُّ وَأَعْتَقَهَا، أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي مُوسَى مُخْتَصَرًا، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ النِّكَاحِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

وَمُطَرِّفٌ الْمَذْكُورُ فِي السَّنَدِ هُوَ ابْنُ طَرِيفٍ، كُوفِيٌّ مَشْهُورٌ. وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ: فَعَلَّمَهَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ الْمُسْتَمْلِي، وَالسَّرَخْسِيِّ فَعَالَهَا.

١٥ - بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ : الْعَبِيدُ إِخْوَانُكُمْ، فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ

وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالا فَخُورًا﴾ قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: ﴿ذِي الْقُرْبَى﴾ الْقَرِيبُ، وَالْجُنُبُ: الْغَرِيبُ.

٢٥٤٥ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا وَاصِلٌ الْأَحْدَبُ قَالَ: سَمِعْتُ الْمَعْرُورَ بْنَ سُويْدٍ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا ذَرٍّ الْغِفَارِيَّ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ، فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إِنِّي سَابَبْتُ

رَجُلًا فَشَكَانِي إِلَى النَّبِيِّ ، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ : أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ إِخْوَانَكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمْ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَأَعِينُوهُمْ.

قَوْلُهُ: (بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ : الْعَبِيدُ إِخْوَانُكُمْ فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ) لَفْظُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ، وَقَدْ رُوِّينَاهُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ لِابْنِ مَنْدَهْ بِلَفْظِ: إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، فَمَنْ لَإيَمَكُمْ مِنْهُمْ فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ وَاكْسُوهُمْ مِمَّا تَكْتَسُونَ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ مُوَرِّقٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ بِلَفْظِ: مَنْ لَإيَمَكُمْ مِنْ مَمْلُوكِيكُمْ فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ وَاكْسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ مِنْ طَرِيقِ سَلَامِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مَرْفُوعًا قَالَ: أَرِقَّاؤُكُمْ إِخْوَانُكُمُ الْحَدِيثَ، وَمِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ: كَانَ النَّبِيُّ يُوصِي بِالْمَمْلُوكِينَ خَيْرًا، وَيَقُولُ: أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ.

وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي الْيَسَرِ - بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَالْمُهْمَلَةِ - وَاسْمُهُ كَعْبُ بْنُ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ رَفَعَهُ: أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَطْعَمُونَ وَاكْسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ. وَفِيهِ قِصَّتُهُ. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي آخِرِ كِتَابِهِ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ طَوِيلٍ.

قَوْلُهُ: (وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿مُخْتَالا فَخُورًا﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ الْآيَةَ كُلَّهَا.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: ذِي الْقُرْبَى: الْقَرِيبُ، ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ الْغَرِيبُ) هُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ فِي كِتَابِ الْمَجَازِ وَقَدْ خُولِفَ فِي الصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ، فَقِيلَ: هُوَ الْمَرْأَةُ، وَقِيلَ: الرَّفِيقُ فِي السَّفَرِ. وَالْمُرَادُ بِذِكْرِ هَذِهِ الْآيَةِ هُنَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فَدَخَلُوا فِيمَنْ أُمِرَ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ لِعَطْفِهِمْ عَلَيْهِمْ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا وَاصِلٌ الْأَحْدَبُ) هُوَ ابْنُ حَيَّانَ بِالْمُهْمَلَةِ وَالتَّحْتَانِيَّةِ الثَّقِيلَةِ، وَهُوَ كُوفِيٌّ ثِقَةٌ مَشْهُورٌ مِنْ طَبَقَةِ الْأَعْمَشِ، وَالْمَعْرُورُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ كُوفِيٌّ أَيْضًا، يُكَنَّى أَبَا أُمَيَّةَ، مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، يُقَالُ: عَاشَ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً.

قَوْلُهُ: (رَأَيْتُ أَبَا ذَرٍّ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ وَتَسْمِيَةُ الرَّجُلِ الَّذِي سَابَّهُ أَبُو ذَرٍّ وَالْكَلَامُ عَلَى الْحُلَّةِ.

قَوْلُهُ: (أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ إِخْوَانَكُمْ) كَذَا هُنَا، وَتَقَدَّمَ فِي الْإِيمَانِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ شُعْبَةَ بِزِيَادَةِ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ وَالِاخْتِصَارُ فِيهِ مِنْ آدَمَ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ فَإِنَّ الْبَيْهَقِيَّ أَخْرَجَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ آدَمَ كَذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ شُعْبَةُ اخْتَصَرَهُ لَهُ لَمَّا حَدَّثَهُ بِهِ. وَالْخَوَلُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَالْوَاوِ هُمُ الْخَدَمُ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يَتَخَوَّلُونَ الْأُمُورَ أَيْ يُصْلِحُونَهَا، وَمِنْهُ الْخَوْلِيُّ لِمَنْ يَقُومُ بِإِصْلَاحِ الْبُسْتَانِ، وَيُقَالُ الْخَوَلُ جَمْعُ خَائِلٍ وَهُوَ الرَّاعِي، وَقِيلَ: التَّخْوِيلُ التَّمْلِيكُ تَقُولُ خَوَّلَكَ اللَّهُ كَذَا أَيْ مَلَّكَكَ إِيَّاهُ. وَقَوْلُهُ: عَيَّرْتَهُ أَيْ نَسَبْتَهُ إِلَى الْعَارِ، وَفِي قَوْلِهِ: بِأُمِّهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا يَتَعَدَّى بِالْبَاءِ وَإِنَّمَا يُقَالُ عَيَّرْتَهُ أُمَّهُ، وَمِثْلُ الْحَدِيثِ قَوْلُ الشَّاعِرِ:

أَيُّهَا الشَّامِتُ الْمُعَيِّرُ بِالدَّهْرِ،

وَالْعَارُ الْعَيْبُ، وَفِي تَقْدِيمِ لَفْظِ إِخْوَانِكُمْ عَلَى خَوَلِكُمْ إِشَارَةٌ إِلَى الِاهْتِمَامِ بِالْأُخُوَّةِ، وَقَوْلُهُ: تَحْتَ أَيْدِيكُمْ مَجَازٌ عَنِ الْقُدْرَةِ أَوِ الْمِلْكِ.

قَوْلُهُ: (فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ) أَيْ مِنْ جِنْسِ مَا يَأْكُلُ لِلتَّبْعِيضِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ مِنْ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْآتِي بَعْدَ بَابَيْنِ: فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ فَلْيُنَاوِلْهُ لُقْمَةً، فَالْمُرَادُ الْمُوَاسَاةُ لَا الْمُسَاوَاةُ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ. لَكِنْ مَنْ أَخَذَ بِالْأَكْمَلِ كَأَبِي ذَرٍّ فَعَلَ الْمُسَاوَاةَ وَهُوَ الْأَفْضَلُ، فَلَا يَسْتَأْثِرُ الْمَرْءُ عَلَى عِيَالِهِ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ جَائِزًا، وَفِي الْمُوَطَّأِ وَمُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَا يُكَلَّفُ مِنَ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُ وَهُوَ يَقْتَضِي الرَّدَّ فِي ذَلِكَ إِلَى الْعُرْفِ، فَمَنْ زَادَ عَلَيْهِ كَانَ مُتَطَوِّعًا. وَأَمَّا مَا حَكَاهُ ابْنُ بَطَّالٍ،

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

بالزَّاي والمُوحَّدتين (١) مُصغَّرًا أيضًا- وهو ابن ثعلبة، وزُخَيًّا: بالزَّاي والخاء المعجمتين، مُصغَّرًا أيضًا، وسَمُرة، أي: ابن عمرٍو فمسح النَّبيُّ على رؤوسهم وبرَّك عليهم، قال الحافظ ابن حجرٍ: والذي تعيَّن لعتق عائشة من هؤلاء الأربعة، إمَّا رُدَيحٌ، وإمَّا زُخَيٌّ، ففي «سنن أبي داود» من حديث الزُّبَيب بن ثعلبة ما يرشد إلى ذلك. انتهى. (فَقَالَ) لعائشة: (أَعْتِقِيهَا) أي: النَّسمة (فَإِنَّهَا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ) وفيه دليلٌ على جواز استرقاق العرب وتملُّكهم كسائر فرق العجم إلَّا أنَّ عتقهم أفضل، لكن قال ابن المنيِّر (٢): تملُّك العرب لا بدَّ عندي فيه من تفصيلٍ وتخصيصٍ للشُّرفاء، فلو كان العربيُّ مثلًا من ولدِ فاطمةَ ، فلو فرضنا أنَّ حَسَنيًّا أو حُسينيًّا تزوَّج أَمَةً بشرطه لاستبعدنا استرقاق ولده، قال: وإذا أفاد كون المسبيِّ من ولد إسماعيل يقتضي استحباب إعتاقه (٣)، فالذي بالمثابة التي فرضناها يقتضي وجوب حرِّيَّته حتمًا، وقد ساق المؤلِّف حديث أبي هريرة هذا هنا عن شيخين له، كلٌّ منهما حدَّثه به عن جريرٍ، لكنَّه فرَّقه لأنَّ أحدهما زاد فيه عن جريرٍ إسنادًا آخر، وساقه هنا على لفظ محمَّد بن سَلَامٍ، ويأتي إن شاء الله تعالى في «المغازي» [خ¦٤٣٦٦] على لفظ زهير بن حربٍ، وقد أخرجه مسلمٌ في «الفضائل» عن زهير، والله أعلم.

(١٤) (باب: فَضْلِ مَنْ أَدَّبَ جَارِيَتَهُ وَعَلَّمَهَا) زاد النَّسفيُّ: «وأعتقها»، وسقط له ولأبي ذرٍّ لفظ «فضل».

٢٥٤٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) المشهور بابن رَاهُوْيَه (سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ فُضَيْلٍ) أي:

ابن غزوان (عَنْ مُطَرِّفٍ) هو ابن طريفٍ، الحارثيِّ (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامرٍ (عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) بضمِّ المُوحَّدة، الحارث بن أبي موسى (عَنْ) أبيه (أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيسٍ الأشعريِّ () أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : مَنْ كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ، فَعَالَهَا) أي: أنفق عليها، من عال الرَّجلُ عيالَه يعولُهم، إذا قام بما يحتاجون إليه، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «فعلَّمها» من التعليم وهو المناسب للتَّرجمة (فَأَحْسَنَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ أيضًا (١): «وأحسن» (إِلَيْهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا كَانَ لَهُ أَجْرَانِ) أجرٌ بالنِّكاح والتَّعليم، وأجرٌ بالعتق، قال المهلَّب: فيه أنَّ من تواضع في منكحه وهو يقدر على نكاح أهل الشَّرف رُجِي له جزيل الثَّواب.

وتأتي مباحث هذا الحديث في «كتاب النِّكاح» -إن شاء الله تعالى- وفيه رواية التَّابعيِّ عن التَّابعيِّ عن الصَّحابيِّ، وقد سبق في «باب تعليم الرَّجل أمته وأهله» من «كتاب العلم» [خ¦٩٧]، وأخرجه مسلمٌ في «النِّكاح» وكذا أبو داود والنَّسائيُّ.

(١٥) (باب) ذكر (قَوْلِ النَّبِيِّ : العَبِيدُ إِخْوَانُكُمْ، فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ) وهذا وصله المؤلِّف بالمعنى من حديث أبي ذرٍّ ومن حديث جابرٍ وصحابيٍّ لم يُسَمَّ في «الأدب المفرد». (وَقَوْلِهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على سابقه: (﴿وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا﴾) صنمًا أو غيره، أو شيئًا من الإشراك، جليًّا أو خفيًّا (﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾) وأحسنوا بهما إحسانًا (﴿وَبِذِي الْقُرْبَى﴾) وبصاحب القرابة (﴿وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾) الذي قرب جواره (﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾) البعيد (﴿وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ﴾) الرَّفيق في أمرٍ حسنٍ، كتعلُّمٍ وتصرُّفٍ وصناعةٍ وسفرٍ، فإنَّه صحبك وحصل بجنبك، وقيل: المرأة (﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾) المسافر أو الضَّيف (﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾) العبيد والإماء (﴿إِنَّ اللّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً﴾) متكبِّرًا يأنف عن أقاربه وجيرانه وأصحابه وعبيده وإمائه، ولا يلتفت إليهم (﴿فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦]) يتفاخر عليهم، يرى أنَّه خيرٌ منهم، فهو في نفسه كبير، وهو عند الله حقير، واقتصر في رواية أبي ذرٍّ من أوَّل الآية إلى

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.6 / 29.5
الإضاءة 7%
البدر بعد 12 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل