الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٧٣٦
الحديث رقم ٢٧٣٦ من كتاب «كتاب الشروط» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب ما يجوز من الاشتراط والثنيا في الإقرار.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ الشُّرُوطِ فِي الْوَقْفِ
٢٧٣٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
١٨ - بَاب مَا يَجُوزُ مِنْ الِاشْتِرَاطِ وَالثُّنْيَا فِي الْإِقْرَارِ، وَالشُّرُوطِ الَّتِي يَتَعَارَفُهَا النَّاسُ بَيْنَهُمْ. وَإِذَا قَالَ مِائَةٌ إِلَّا وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ. وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ: قَالَ الرَجُلٌ لِكَرِيِّهِ: أدخل رِكَابَكَ، فَإِنْ لَمْ أَرْحَلْ مَعَكَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا فَلَكَ مِائَةُ دِرْهَمٍ، فَلَمْ يَخْرُجْ. فَقَالَ شُرَيْحٌ: مَنْ شَرَطَ عَلَى نَفْسِهِ طَائِعًا غَيْرَ مُكْرَهٍ فَهُوَ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَيُّوبُ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ: إِنَّ رَجُلًا بَاعَ طَعَامًا. قَالَ: إِنْ لَمْ آتِكَ الْأَرْبِعَاءَ فَلَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بَيْعٌ، فَلَمْ يَجِئْ. فَقَالَ شُرَيْحٌ لِلْمُشْتَرِي: أَنْتَ أَخْلَفْتَ، فَقَضَى عَلَيْهِ.
٢٧٣٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدة، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ.
[الحديث ٢٧٣٦ - طرفاه في: ٦٤١٠، ٧٣٩٢]
قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يَجُوزُ مِنْ الِاشْتِرَاطِ وَالثُّنْيَا) بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ وَسُكُونِ النُّونِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ مَقْصُورٌ أَيِ الِاسْتِثْنَاءُ (فِي الْإِقْرَارِ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ اسْتِثْنَاءَ قَلِيلٍ مِنْ كَثِيرٍ أَوْ كَثِيرٍ مِنْ قَلِيلٍ، وَاسْتِثْنَاءُ الْقَلِيلِ مِنَ الْكَثِيرِ لَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ، وَعَكْسُهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى جَوَازِهِ أَيْضًا، وَأَقْوَى حُجَجِهِمْ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا أَكْثَرُ مِنَ الْآخَرِ لَا مَحَالَةَ، وَقَدِ اسْتَثْنَى كُلًّا مِنْهُمَا مِنَ الْآخَرِ. وَذَهَبَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ كَابْنِ الْمَاجِشُونِ إِلَى فَسَادِهِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَزَعَمَ أَنَّهُ مَذْهَبُ الْبَصْرِيِّينَ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَأَنَّ الْجَوَازَ مَذْهَبُ الْكُوفِيِّينَ، وَمِمَّنْ حَكَاهُ عَنْهُمُ الْفَرَّاءُ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ هَذَا عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ فِي الْبَابِ فِي كِتَابِ الدَّعَوَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ إِلَخْ) وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ هُشَيْمٍ عَنْهُ وَلَفْظُهُ أَنَّ رَجُلًا تَكَارَى مِنْ آخَرَ فَقَالَ: اخْرُجْ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَيُّوبُ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ إِلَخْ) وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ أَيْضًا عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَيُّوبَ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ شُرَيْحًا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ قَضَى عَلَى الْمُشْتَرِطِ بِمَا اشْتَرَطَهُ عَلَى نَفْسِهِ بِغَيْرِ إِكْرَاهٍ، وَوَافَقَهُ عَلَى الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَقَالَ مَالِكٌ وَالْأَكْثَرُ: يَصِحُّ الْبَيْعُ وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ، وَخَالَفَهُ النَّاسُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، وَوَجَّهَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ صَاحِبَ الْجِمَالِ يُرْسِلُهَا إِلَى الْمَرْعَى، فَإِذَا اتَّفَقَ مَعَ التَّاجِرِ عَلَى يَوْمٍ بِعَيْنِهِ فَأَحْضَرَ لَهُ الْإِبِلَ فَلَمْ يَتَهَيَّأْ لِلتَّاجِرِ السَّفَرُ أَضَرَّ ذَلِكَ بِحَالِ الْجَمَّالِ لِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْعَلَفِ، فَوَقَعَ بَيْنَهُمُ التَّعَارُفُ عَلَى مَالٍ مُعَيَّنٍ يَشْتَرِطُهُ التَّاجِرُ عَلَى نَفْسِهِ إِذَا أَخْلَفَ لِيَسْتَعِينَ بِهِ الْجَمَّالُ عَلَى الْعَلَفِ. وَقَالَ الْجُمْهُورُ: هِيَ عِدَةٌ فَلَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
١٩ - بَاب الشُّرُوطِ فِي الْوَقْفِ
٢٧٣٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، قَالَ: أَنْبَأَنِي نَافِعٌ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَصَابَ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَنْفَسَ عِنْدِي مِنْهُ، فَمَا تَأْمُرُ بِهِ؟ قَالَ: إِنْ شِئْتَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الكُشْمِيهَنِيِّ: «قال الرَّجل» بالتَّعريف (لِكَرِيِّهِ) بفتح الكاف وكسر الرَّاء وتشديد التَّحتيَّة بوزن: فعيل، المكاري. وقال الجوهريُّ: يُطلَق على المكرِي وعلى المكتري أيضًا: (أَدْخِلْ) بهمزةٍ مفتوحةٍ فدالٍ مهملةٍ ساكنةٍ فخاءٍ معجمةٍ مكسورةٍ، أمرٌ من الإدخال، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «اِرْحَلْ» بهمزة مكسورةٍ فراءٍ ساكنةٍ فحاءٍ مهملةٍ مفتوحةٍ (رِكَابَكَ) بكسر الرَّاء، منصوبٌ بـ «أدخل» الإبل الَّتي يُسار عليها -الواحدة: راحلةٌ، لا واحد (١) لها من لفظها- أي: أدخلْها فِناءك لأرحل معك يوم كذا وكذا (فَإِنْ لَمْ أَرْحَلْ مَعَكَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا فَلَكَ مِئَةُ دِرْهَمٍ. فَلَمْ يَخْرُجْ) أي: لم يرحل معه (فَقَالَ شُرَيْحٌ) القاضي: (مَنْ شَرَطَ عَلَى نَفْسِهِ) شيئًا حال كونه (طَائِعًا) مختارًا (غَيْرَ مُكْرَهٍ) عليه (فَهْوَ) أي: الشَّرط الَّذي شرطه (عَلَيْهِ) أي: يلزمه، وقال الجمهور: هي عِدَةٌ، فلا يلزم (٢) الوفاء بها.
(وَقَالَ أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ ممَّا وصله سعيد بن منصور (عَنِ ابْنِ سِيرِينَ) محمد: (إِنَّ رَجُلًا بَاعَ طَعَامًا) لآخر (وَقَالَ) المشتري للبائع: (إِنْ لَمْ آتِكَ الأَرْبِعَاءَ) بكسر الموحَّدة، أي: يوم الأربعاء (فَلَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بَيْعٌ، فَلَمْ يَجِئْ) أي: المشتري (فَقَالَ شُرَيْحٌ) القاضي (لِلْمُشْتَرِي) عند التَّحاكم إليه (٣): (أَنْتَ أَخْلَفْتَ) الميعاد (فَقَضَى عَلَيْهِ) برفع البيع، وهذا (٤) مذهب أبي حنيفة وأحمد، وقال مالكٌ والشَّافعيُّ: يصحُّ البيع، ويبطل الشرط.
٢٧٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافع قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة
الحمصيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ للهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا) بالنَّصب على التَّمييز، وليس فيه نفيُ غيرِها، وقد نقل ابن العربيِّ: أنَّ لله ألفَ اسمٍ، قال: وهذا قليلٌ فيها، ولو كان البحر مدادًا لأسماء ربي؛ لنفد البحر قبل أن تنفد أسماء ربي ولو جئنا بسبعة أبحر مثله مدادًا. وفي الحديث: «أسألك بكل اسمٍ هو لك، سمَّيتَ به نفسك، أو أنزلتَه في كتبك (١)، أو علَّمته أحدًا من خلقك، أو استأثرتَ به في علم الغيب عندك» وإنمَّا خصَّ هذه لشهرتها. ولما كانت معرفة أسماء الله تعالى وصفاته توقيفية، إنَّما تُعلَم من طريق الوحي والسُّنة، ولم يكن لنا أن نتصرَّف فيها بما لم يهتد إليه مبلَغُ علمِنا ومنتهى عقولِنا، وقد مُنِعنا عن إطلاق (٢) ما لم يردْ به التَّوقيف في ذلك وإن جوَّزه العقل وحكم به القياس؛ كان الخطأ في ذلك غير هيِّنٍ (٣)، والمخطئُ فيه غيرَ معذورٍ، والنُّقصانُ عنه (٤) كالزِّيادة فيه غيرَ مرضيٍّ، وكان الاحتمال في رسم الخطِّ واقعًا باشتباه تسعةٍ وتسعين في زلَّة الكاتب، وهفوة القلم بسبعةٍ وسبعين، أو سبعةٍ وتسعين، أو تسعةٍ وسبعين، فينشأ الاختلاف في المسموع من (٥) المسطور، أكَّده حسمًا للمادَّة وإرشادًا إلى الاحتياط بقوله: (مئةً) بالنَّصب على البدليَّة (إِلَّا) اسمًا (وَاحِدًا) ولأبي ذَرٍّ: «إلَّا واحدةً» بالتَّأنيث ذهابًا (٦) إلى معنى التَّسمية أو الصِّفة أو الكلمة (مَنْ أَحْصَاهَا) علمًا وإيمانًا أو عدًّا لها حتَّى يستوفيها، فلا يقتصر على بعضها، بل يثني على الله، ويدعوه بجميعها، أو مَن عقلها، وأحاط بمعانيها، أو حفظها (دَخَلَ الجَنَّةَ).
وبقيَّة مباحث هذا الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في محالِّها، وكأنَّ المؤلِّف أورده ليستدلَّ به على أنَّ الكلام إنَّما يتمُّ بآخره، فإذا كان فيه استثناءٌ أو شرطٌ عُمِل به، وأُخِذَ ذلك من قوله: «مئةً إلَّا واحدًا» وهو في الاستثناء مسلَّمٌ، فلو قال في البيع: بعت من هذه الصُّبرة مئةَ صاعٍ إلَّا
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
١٨ - بَاب مَا يَجُوزُ مِنْ الِاشْتِرَاطِ وَالثُّنْيَا فِي الْإِقْرَارِ، وَالشُّرُوطِ الَّتِي يَتَعَارَفُهَا النَّاسُ بَيْنَهُمْ. وَإِذَا قَالَ مِائَةٌ إِلَّا وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ. وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ: قَالَ الرَجُلٌ لِكَرِيِّهِ: أدخل رِكَابَكَ، فَإِنْ لَمْ أَرْحَلْ مَعَكَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا فَلَكَ مِائَةُ دِرْهَمٍ، فَلَمْ يَخْرُجْ. فَقَالَ شُرَيْحٌ: مَنْ شَرَطَ عَلَى نَفْسِهِ طَائِعًا غَيْرَ مُكْرَهٍ فَهُوَ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَيُّوبُ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ: إِنَّ رَجُلًا بَاعَ طَعَامًا. قَالَ: إِنْ لَمْ آتِكَ الْأَرْبِعَاءَ فَلَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بَيْعٌ، فَلَمْ يَجِئْ. فَقَالَ شُرَيْحٌ لِلْمُشْتَرِي: أَنْتَ أَخْلَفْتَ، فَقَضَى عَلَيْهِ.
٢٧٣٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدة، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ.
[الحديث ٢٧٣٦ - طرفاه في: ٦٤١٠، ٧٣٩٢]
قَوْلُهُ: (بَابُ مَا يَجُوزُ مِنْ الِاشْتِرَاطِ وَالثُّنْيَا) بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ وَسُكُونِ النُّونِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ مَقْصُورٌ أَيِ الِاسْتِثْنَاءُ (فِي الْإِقْرَارِ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ اسْتِثْنَاءَ قَلِيلٍ مِنْ كَثِيرٍ أَوْ كَثِيرٍ مِنْ قَلِيلٍ، وَاسْتِثْنَاءُ الْقَلِيلِ مِنَ الْكَثِيرِ لَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ، وَعَكْسُهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى جَوَازِهِ أَيْضًا، وَأَقْوَى حُجَجِهِمْ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا أَكْثَرُ مِنَ الْآخَرِ لَا مَحَالَةَ، وَقَدِ اسْتَثْنَى كُلًّا مِنْهُمَا مِنَ الْآخَرِ. وَذَهَبَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ كَابْنِ الْمَاجِشُونِ إِلَى فَسَادِهِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَزَعَمَ أَنَّهُ مَذْهَبُ الْبَصْرِيِّينَ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَأَنَّ الْجَوَازَ مَذْهَبُ الْكُوفِيِّينَ، وَمِمَّنْ حَكَاهُ عَنْهُمُ الْفَرَّاءُ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ هَذَا عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ فِي الْبَابِ فِي كِتَابِ الدَّعَوَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ إِلَخْ) وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ هُشَيْمٍ عَنْهُ وَلَفْظُهُ أَنَّ رَجُلًا تَكَارَى مِنْ آخَرَ فَقَالَ: اخْرُجْ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ أَيُّوبُ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ إِلَخْ) وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ أَيْضًا عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَيُّوبَ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ شُرَيْحًا فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ قَضَى عَلَى الْمُشْتَرِطِ بِمَا اشْتَرَطَهُ عَلَى نَفْسِهِ بِغَيْرِ إِكْرَاهٍ، وَوَافَقَهُ عَلَى الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَقَالَ مَالِكٌ وَالْأَكْثَرُ: يَصِحُّ الْبَيْعُ وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ، وَخَالَفَهُ النَّاسُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، وَوَجَّهَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ صَاحِبَ الْجِمَالِ يُرْسِلُهَا إِلَى الْمَرْعَى، فَإِذَا اتَّفَقَ مَعَ التَّاجِرِ عَلَى يَوْمٍ بِعَيْنِهِ فَأَحْضَرَ لَهُ الْإِبِلَ فَلَمْ يَتَهَيَّأْ لِلتَّاجِرِ السَّفَرُ أَضَرَّ ذَلِكَ بِحَالِ الْجَمَّالِ لِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْعَلَفِ، فَوَقَعَ بَيْنَهُمُ التَّعَارُفُ عَلَى مَالٍ مُعَيَّنٍ يَشْتَرِطُهُ التَّاجِرُ عَلَى نَفْسِهِ إِذَا أَخْلَفَ لِيَسْتَعِينَ بِهِ الْجَمَّالُ عَلَى الْعَلَفِ. وَقَالَ الْجُمْهُورُ: هِيَ عِدَةٌ فَلَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
١٩ - بَاب الشُّرُوطِ فِي الْوَقْفِ
٢٧٣٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، قَالَ: أَنْبَأَنِي نَافِعٌ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَصَابَ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَنْفَسَ عِنْدِي مِنْهُ، فَمَا تَأْمُرُ بِهِ؟ قَالَ: إِنْ شِئْتَ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
الكُشْمِيهَنِيِّ: «قال الرَّجل» بالتَّعريف (لِكَرِيِّهِ) بفتح الكاف وكسر الرَّاء وتشديد التَّحتيَّة بوزن: فعيل، المكاري. وقال الجوهريُّ: يُطلَق على المكرِي وعلى المكتري أيضًا: (أَدْخِلْ) بهمزةٍ مفتوحةٍ فدالٍ مهملةٍ ساكنةٍ فخاءٍ معجمةٍ مكسورةٍ، أمرٌ من الإدخال، ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «اِرْحَلْ» بهمزة مكسورةٍ فراءٍ ساكنةٍ فحاءٍ مهملةٍ مفتوحةٍ (رِكَابَكَ) بكسر الرَّاء، منصوبٌ بـ «أدخل» الإبل الَّتي يُسار عليها -الواحدة: راحلةٌ، لا واحد (١) لها من لفظها- أي: أدخلْها فِناءك لأرحل معك يوم كذا وكذا (فَإِنْ لَمْ أَرْحَلْ مَعَكَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا فَلَكَ مِئَةُ دِرْهَمٍ. فَلَمْ يَخْرُجْ) أي: لم يرحل معه (فَقَالَ شُرَيْحٌ) القاضي: (مَنْ شَرَطَ عَلَى نَفْسِهِ) شيئًا حال كونه (طَائِعًا) مختارًا (غَيْرَ مُكْرَهٍ) عليه (فَهْوَ) أي: الشَّرط الَّذي شرطه (عَلَيْهِ) أي: يلزمه، وقال الجمهور: هي عِدَةٌ، فلا يلزم (٢) الوفاء بها.
(وَقَالَ أَيُّوبُ) السَّختيانيُّ ممَّا وصله سعيد بن منصور (عَنِ ابْنِ سِيرِينَ) محمد: (إِنَّ رَجُلًا بَاعَ طَعَامًا) لآخر (وَقَالَ) المشتري للبائع: (إِنْ لَمْ آتِكَ الأَرْبِعَاءَ) بكسر الموحَّدة، أي: يوم الأربعاء (فَلَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بَيْعٌ، فَلَمْ يَجِئْ) أي: المشتري (فَقَالَ شُرَيْحٌ) القاضي (لِلْمُشْتَرِي) عند التَّحاكم إليه (٣): (أَنْتَ أَخْلَفْتَ) الميعاد (فَقَضَى عَلَيْهِ) برفع البيع، وهذا (٤) مذهب أبي حنيفة وأحمد، وقال مالكٌ والشَّافعيُّ: يصحُّ البيع، ويبطل الشرط.
٢٧٣٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافع قال: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة
الحمصيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ للهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا) بالنَّصب على التَّمييز، وليس فيه نفيُ غيرِها، وقد نقل ابن العربيِّ: أنَّ لله ألفَ اسمٍ، قال: وهذا قليلٌ فيها، ولو كان البحر مدادًا لأسماء ربي؛ لنفد البحر قبل أن تنفد أسماء ربي ولو جئنا بسبعة أبحر مثله مدادًا. وفي الحديث: «أسألك بكل اسمٍ هو لك، سمَّيتَ به نفسك، أو أنزلتَه في كتبك (١)، أو علَّمته أحدًا من خلقك، أو استأثرتَ به في علم الغيب عندك» وإنمَّا خصَّ هذه لشهرتها. ولما كانت معرفة أسماء الله تعالى وصفاته توقيفية، إنَّما تُعلَم من طريق الوحي والسُّنة، ولم يكن لنا أن نتصرَّف فيها بما لم يهتد إليه مبلَغُ علمِنا ومنتهى عقولِنا، وقد مُنِعنا عن إطلاق (٢) ما لم يردْ به التَّوقيف في ذلك وإن جوَّزه العقل وحكم به القياس؛ كان الخطأ في ذلك غير هيِّنٍ (٣)، والمخطئُ فيه غيرَ معذورٍ، والنُّقصانُ عنه (٤) كالزِّيادة فيه غيرَ مرضيٍّ، وكان الاحتمال في رسم الخطِّ واقعًا باشتباه تسعةٍ وتسعين في زلَّة الكاتب، وهفوة القلم بسبعةٍ وسبعين، أو سبعةٍ وتسعين، أو تسعةٍ وسبعين، فينشأ الاختلاف في المسموع من (٥) المسطور، أكَّده حسمًا للمادَّة وإرشادًا إلى الاحتياط بقوله: (مئةً) بالنَّصب على البدليَّة (إِلَّا) اسمًا (وَاحِدًا) ولأبي ذَرٍّ: «إلَّا واحدةً» بالتَّأنيث ذهابًا (٦) إلى معنى التَّسمية أو الصِّفة أو الكلمة (مَنْ أَحْصَاهَا) علمًا وإيمانًا أو عدًّا لها حتَّى يستوفيها، فلا يقتصر على بعضها، بل يثني على الله، ويدعوه بجميعها، أو مَن عقلها، وأحاط بمعانيها، أو حفظها (دَخَلَ الجَنَّةَ).
وبقيَّة مباحث هذا الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في محالِّها، وكأنَّ المؤلِّف أورده ليستدلَّ به على أنَّ الكلام إنَّما يتمُّ بآخره، فإذا كان فيه استثناءٌ أو شرطٌ عُمِل به، وأُخِذَ ذلك من قوله: «مئةً إلَّا واحدًا» وهو في الاستثناء مسلَّمٌ، فلو قال في البيع: بعت من هذه الصُّبرة مئةَ صاعٍ إلَّا