الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٧٦٤
الحديث رقم ٢٧٦٤ من كتاب «كتاب الوصايا» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب وما للوصي أن يعمل في مال اليتيم وما يأكل منه بقدر عمالته.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٢٧٦٤ - حَدَّثَنَا هَارُونُ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ: حَدَّثَنَا صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَوْلُهُ (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾. سَاقَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ وَأَمَّا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ فَقَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ: رُشْدًا إِلَى قَوْلِهِ: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ قَوْلُهُ: (حَسِيبًا يَعْنِي كَافِيًا) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَسَقَطَ يَعْنِي لِأَبِي ذَرٍّ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: فَسَّرَهُ غَيْرُهُ عَالِمًا، وَقِيلَ: مُحَاسِبًا، وَقِيلَ: مُقْتَدِرًا، وَفِي تَفْسِيرِ الطَّبَرِيِّ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ أَيْ شَهِيدًا.
باب وما لِلْوَصِيِّ أَنْ يَعْمَلَ فِي مَالِ الْيَتِيمِ وَمَا يَأْكُلُ مِنْهُ بِقَدْرِ عُمَالَتِهِ
٢٧٦٤ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ الْأَشْعَثِ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ عُمَرَ تَصَدَّقَ بِمَالٍ لَهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: ثَمْغٌ، وَكَانَ نَخْلًا فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي اسْتَفَدْتُ مَالًا وَهُوَ عِنْدِي نَفِيسٌ فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: تَصَدَّقْ بِأَصْلِهِ، لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ، وَلَكِنْ يُنْفَقُ ثَمَرُهُ، فَتَصَدَّقَ بِهِ عُمَرُ، فَصَدَقَتُهُ تِلْكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَفِي الرِّقَابِ وَالْمَسَاكِينِ وَالضَّيْفِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَلِذِي الْقُرْبَى، وَلَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ، أَوْ يُوكِلَ صَدِيقَهُ غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ بِهِ.
٢٧٦٥ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قَالَتْ: أُنْزِلَتْ فِي وَالِي الْيَتِيمِ أَنْ يُصِيبَ مِنْ مَالِهِ إِذَا كَانَ مُحْتَاجًا بِقَدْرِ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ.
قَوْلُهُ: (وَمَا لِلْوَصِيِّ أَنْ يَعْمَلَ فِي مَالِ الْيَتِيمِ وَمَا يَأْكُلُ مِنْهُ بِقَدْرِ عِمَالَتِهِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَسَقَطَتْ مَا الْأُولَى لِأَبِي ذَرٍّ، وَهَذِهِ مِنْ مَسَائِلِ الْخِلَافِ: فَقِيلَ: يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ قَدْرَ عِمَالَتِهِ، وَهُوَ قَوْلُ عَائِشَةَ كَمَا فِي ثَانِي حَدِيثَيِ الْبَابِ وَعِكْرِمَةَ، وَالْحَسَنِ وَغَيْرِهِمْ، وَقِيلَ: لَا يَأْكُلُ مِنْهُ إِلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقَالَ عُبَيْدَةُ بْنُ عَمْرٍو، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٌ: إِذَا أَكَلَ ثُمَّ أَيْسَرَ قَضَى، وَقِيلَ: لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً لَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا عَلَى سَبِيلِ الْقَرْضِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ جَازَ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ، وَهَذَا أَصَحُّ الْأَقْوَالِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَغَيْرُهُمَا، أَخْرَجَ جَمِيعَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ، وَقَالَ هُوَ بِوُجُوبِ الْقَضَاءِ مُطْلَقًا وَانْتَصَرَ لَهُ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ يَأْخُذُ أَقَلَّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ أُجْرَتِهِ وَنَفَقَتِهِ، وَلَا يَجِبُ الرَّدُّ عَلَى الصَّحِيحِ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ، عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَقِيرِ وَالْغَنِيِّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْيَتِيمُ، أَيْ إِنْ كَانَ غَنِيًّا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيُطْعِمْهُ مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهَا عَلَى الْأَكْلِ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ أَصْلًا، وَالْمَشْهُورُ مَا تَقَدَّمَ.
ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَيْنِ. أَحَدُهُمَا حَدِيثُ عُمَرَ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ الْأَشْعَثِ) هُوَ الْهَمْدَانِيُّ بِسُكُونِ الْمِيمِ، أَصْلُهُ مِنَ الْكُوفَةِ ثُمَّ سَكَنَ بُخَارَى، وَلَمْ يُخَرِّجْ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ فِي هَذَا الْكِتَابِ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
لأبي ذرٍّ لفظة «يعني»، وقال غيره: محاسبًا ومجازيًا وشاهدًا به، وقد كان المشركون لا يورِّثون النِّساء ولا الصِّغار شيئًا، فأنزل الله ذلك إبطالًا لفعلهم، ثمَّ بيَّن تعالى مقادير ما لكلٍّ بقوله ﷾: ﴿يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ (١)﴾ [النساء: ١١] إلى آخرها، وسياق «﴿وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى﴾ إلى آخر قوله: ﴿مَّفْرُوضًا﴾» ثابتٌ في رواية الأَصيليِّ وكريمة. وقال أبو ذرٍّ في روايته (٢) بعد قوله: ﴿فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾: «إلى قوله: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾» كذا في «الفرع». وقال في «الفتح»: بعد قوله: «﴿رُشْدًا﴾».
(باب وَمَا لِلْوَصِيِّ) سقط لأبي ذرٍّ لفظ «باب»، ولفظ «ما»، فصار: «وللوصي» (أَنْ يَعْمَلَ فِي مَالِ اليَتِيمِ وَمَا يَأْكُلُ مِنْهُ بِقَدْرِ عُمَالَتِهِ) بضمِّ العين وتخفيف الميم، أي: بقدر حقِّ سعيه وأجرة مثله، ومذهب الشَّافعيَّة: أن يأخذ أقلَّ الأمرين من أجرته ونفقته، ولا يجب ردُّه على الصَّحيح، وقال سعيد بن جُبيرٍ ومجاهدٌ: إذا أكل ثمَّ أيسر قضى، وعن ابن عبَّاسٍ: إن كان ذهبًا أو فضة لم يجز له أن يأخذ منه شيئًا إلَّا على سبيل القرض، وإن كان غير ذلك جاز بقدر الحاجة.
٢٧٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (هَارُونُ بنُ الأَشْعَثِ) بالشِّين المعجمة والعين المهملة والمثلَّثة، الهَمْدانيُّ الكوفيُّ ثمَّ البخاريُّ، ولم يخرج عنه (٣) المؤلِّف سوى
هذا، وسقط لغير أبي ذرٍّ (١) «ابن الأشعث» قال: (حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ) بكسر العين، عبد الرَّحمن بن عبد الله الحافظ (مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ) قال: (حَدَّثَنَا صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ) بصادٍ مهملةٍ مفتوحةٍ (٢) فخاءٍ معجمةٍ ساكنةٍ، و «جُوَيرية»: بالجيم مصغَّرًا، البصريُّ (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ) أباه (عُمَرَ) بن الخطَّاب (تَصَدَّقَ بِمَالٍ لَهُ) أي: بأرضٍ (٣) له، فهو من إطلاق العامِّ على الخاصِّ (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ) أي: زمنه (وَكَانَ يُقَالُ لَهُ) للمال: (ثَمْغٌ) بمثلَّثةٍ مفتوحةٍ فميمٍ ساكنةٍ فغينٍ معجمةٍ، وحكى المنذريُّ فتح الميم، أرضٌ تلقاء المدينة كانت لعمر (وَكَانَ نَخْلًا، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي اسْتَفَدْتُ مَالًا، وَهُوَ عِنْدِي نَفِيسٌ) أي: جيِّدٌ (فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: تَصَدَّقْ بِأَصْلِهِ) بالجزم على الأمر (لَا يُبَاعُ، وَلَا يُوهَبُ، وَلَا يُورَثُ) هذا حكم الوقف، ويخرج به (٤) التَّمليك المحض (وَلَكِنْ يُنْفَقُ ثَمَرُهُ، فَتَصَدَّقَ بِهِ عُمَرُ، فَصَدَقَتُهُ ذَلِكَ) المذكور، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «تلك» (فِي سَبِيلِ اللهِ) الغزاة الَّذين لا رزق لهم في الفيء (وَفِي الرِّقَابِ) وفي الصَّرف في فكِّ الرِّقاب (وَالمَسَاكِينِ) الَّذين لا يملكون ما يقع موقعًا من كفايتهم (وَالضَّيْفِ) الَّذي ينزل بالقوم للقِرَى (وَابْنِ السَّبِيلِ) المسافر (وَلِذِي القُرْبَى) الشَّامل لجهة الأب والأمِّ (وَلَا جُنَاحَ) أي: ولا إثم (عَلَى مَنْ وَلِيَهُ) ولي التَّحدث عليه (أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ بِالمَعْرُوفِ) بقدر أجرة عمله (أَوْ يُؤكِلَ صَدِيقَهُ) بضمِّ الياء وكسر الكاف، و «صديقَه»: نصبٌ به، أي: يطعم صديقه منه حال كونه (غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ بِهِ) أي: بالمال (٥) الَّذي تصدَّق به عمر وهو الأرض، قاله الكِرمانيُّ.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة من جهة أنَّ المقصود جواز أخذ الأجرة من مال اليتيم؛ لقول عمر: ولا جناح على من وَلِيَه أن يأكل منه بالمعروف.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
قَوْلُهُ (بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾. سَاقَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ وَكَرِيمَةَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ وَأَمَّا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ فَقَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ: رُشْدًا إِلَى قَوْلِهِ: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ قَوْلُهُ: (حَسِيبًا يَعْنِي كَافِيًا) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَسَقَطَ يَعْنِي لِأَبِي ذَرٍّ. قَالَ ابْنُ التِّينِ: فَسَّرَهُ غَيْرُهُ عَالِمًا، وَقِيلَ: مُحَاسِبًا، وَقِيلَ: مُقْتَدِرًا، وَفِي تَفْسِيرِ الطَّبَرِيِّ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ أَيْ شَهِيدًا.
باب وما لِلْوَصِيِّ أَنْ يَعْمَلَ فِي مَالِ الْيَتِيمِ وَمَا يَأْكُلُ مِنْهُ بِقَدْرِ عُمَالَتِهِ
٢٧٦٤ - حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ الْأَشْعَثِ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، حَدَّثَنَا صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ عُمَرَ تَصَدَّقَ بِمَالٍ لَهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: ثَمْغٌ، وَكَانَ نَخْلًا فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي اسْتَفَدْتُ مَالًا وَهُوَ عِنْدِي نَفِيسٌ فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: تَصَدَّقْ بِأَصْلِهِ، لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَا يُورَثُ، وَلَكِنْ يُنْفَقُ ثَمَرُهُ، فَتَصَدَّقَ بِهِ عُمَرُ، فَصَدَقَتُهُ تِلْكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَفِي الرِّقَابِ وَالْمَسَاكِينِ وَالضَّيْفِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَلِذِي الْقُرْبَى، وَلَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ، أَوْ يُوكِلَ صَدِيقَهُ غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ بِهِ.
٢٧٦٥ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ قَالَتْ: أُنْزِلَتْ فِي وَالِي الْيَتِيمِ أَنْ يُصِيبَ مِنْ مَالِهِ إِذَا كَانَ مُحْتَاجًا بِقَدْرِ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ.
قَوْلُهُ: (وَمَا لِلْوَصِيِّ أَنْ يَعْمَلَ فِي مَالِ الْيَتِيمِ وَمَا يَأْكُلُ مِنْهُ بِقَدْرِ عِمَالَتِهِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ، وَسَقَطَتْ مَا الْأُولَى لِأَبِي ذَرٍّ، وَهَذِهِ مِنْ مَسَائِلِ الْخِلَافِ: فَقِيلَ: يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ قَدْرَ عِمَالَتِهِ، وَهُوَ قَوْلُ عَائِشَةَ كَمَا فِي ثَانِي حَدِيثَيِ الْبَابِ وَعِكْرِمَةَ، وَالْحَسَنِ وَغَيْرِهِمْ، وَقِيلَ: لَا يَأْكُلُ مِنْهُ إِلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقَالَ عُبَيْدَةُ بْنُ عَمْرٍو، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٌ: إِذَا أَكَلَ ثُمَّ أَيْسَرَ قَضَى، وَقِيلَ: لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً لَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا عَلَى سَبِيلِ الْقَرْضِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ جَازَ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ، وَهَذَا أَصَحُّ الْأَقْوَالِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَغَيْرُهُمَا، أَخْرَجَ جَمِيعَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ، وَقَالَ هُوَ بِوُجُوبِ الْقَضَاءِ مُطْلَقًا وَانْتَصَرَ لَهُ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ يَأْخُذُ أَقَلَّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ أُجْرَتِهِ وَنَفَقَتِهِ، وَلَا يَجِبُ الرَّدُّ عَلَى الصَّحِيحِ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ، عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَقِيرِ وَالْغَنِيِّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْيَتِيمُ، أَيْ إِنْ كَانَ غَنِيًّا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيُطْعِمْهُ مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهَا عَلَى الْأَكْلِ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ أَصْلًا، وَالْمَشْهُورُ مَا تَقَدَّمَ.
ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَيْنِ. أَحَدُهُمَا حَدِيثُ عُمَرَ.
قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ الْأَشْعَثِ) هُوَ الْهَمْدَانِيُّ بِسُكُونِ الْمِيمِ، أَصْلُهُ مِنَ الْكُوفَةِ ثُمَّ سَكَنَ بُخَارَى، وَلَمْ يُخَرِّجْ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ فِي هَذَا الْكِتَابِ سِوَى هَذَا الْمَوْضِعِ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
لأبي ذرٍّ لفظة «يعني»، وقال غيره: محاسبًا ومجازيًا وشاهدًا به، وقد كان المشركون لا يورِّثون النِّساء ولا الصِّغار شيئًا، فأنزل الله ذلك إبطالًا لفعلهم، ثمَّ بيَّن تعالى مقادير ما لكلٍّ بقوله ﷾: ﴿يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ (١)﴾ [النساء: ١١] إلى آخرها، وسياق «﴿وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى﴾ إلى آخر قوله: ﴿مَّفْرُوضًا﴾» ثابتٌ في رواية الأَصيليِّ وكريمة. وقال أبو ذرٍّ في روايته (٢) بعد قوله: ﴿فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾: «إلى قوله: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾» كذا في «الفرع». وقال في «الفتح»: بعد قوله: «﴿رُشْدًا﴾».
(باب وَمَا لِلْوَصِيِّ) سقط لأبي ذرٍّ لفظ «باب»، ولفظ «ما»، فصار: «وللوصي» (أَنْ يَعْمَلَ فِي مَالِ اليَتِيمِ وَمَا يَأْكُلُ مِنْهُ بِقَدْرِ عُمَالَتِهِ) بضمِّ العين وتخفيف الميم، أي: بقدر حقِّ سعيه وأجرة مثله، ومذهب الشَّافعيَّة: أن يأخذ أقلَّ الأمرين من أجرته ونفقته، ولا يجب ردُّه على الصَّحيح، وقال سعيد بن جُبيرٍ ومجاهدٌ: إذا أكل ثمَّ أيسر قضى، وعن ابن عبَّاسٍ: إن كان ذهبًا أو فضة لم يجز له أن يأخذ منه شيئًا إلَّا على سبيل القرض، وإن كان غير ذلك جاز بقدر الحاجة.
٢٧٦٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «حدَّثني» بالإفراد (هَارُونُ بنُ الأَشْعَثِ) بالشِّين المعجمة والعين المهملة والمثلَّثة، الهَمْدانيُّ الكوفيُّ ثمَّ البخاريُّ، ولم يخرج عنه (٣) المؤلِّف سوى
هذا، وسقط لغير أبي ذرٍّ (١) «ابن الأشعث» قال: (حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ) بكسر العين، عبد الرَّحمن بن عبد الله الحافظ (مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ) قال: (حَدَّثَنَا صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ) بصادٍ مهملةٍ مفتوحةٍ (٢) فخاءٍ معجمةٍ ساكنةٍ، و «جُوَيرية»: بالجيم مصغَّرًا، البصريُّ (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ) أباه (عُمَرَ) بن الخطَّاب (تَصَدَّقَ بِمَالٍ لَهُ) أي: بأرضٍ (٣) له، فهو من إطلاق العامِّ على الخاصِّ (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ) أي: زمنه (وَكَانَ يُقَالُ لَهُ) للمال: (ثَمْغٌ) بمثلَّثةٍ مفتوحةٍ فميمٍ ساكنةٍ فغينٍ معجمةٍ، وحكى المنذريُّ فتح الميم، أرضٌ تلقاء المدينة كانت لعمر (وَكَانَ نَخْلًا، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي اسْتَفَدْتُ مَالًا، وَهُوَ عِنْدِي نَفِيسٌ) أي: جيِّدٌ (فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: تَصَدَّقْ بِأَصْلِهِ) بالجزم على الأمر (لَا يُبَاعُ، وَلَا يُوهَبُ، وَلَا يُورَثُ) هذا حكم الوقف، ويخرج به (٤) التَّمليك المحض (وَلَكِنْ يُنْفَقُ ثَمَرُهُ، فَتَصَدَّقَ بِهِ عُمَرُ، فَصَدَقَتُهُ ذَلِكَ) المذكور، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ: «تلك» (فِي سَبِيلِ اللهِ) الغزاة الَّذين لا رزق لهم في الفيء (وَفِي الرِّقَابِ) وفي الصَّرف في فكِّ الرِّقاب (وَالمَسَاكِينِ) الَّذين لا يملكون ما يقع موقعًا من كفايتهم (وَالضَّيْفِ) الَّذي ينزل بالقوم للقِرَى (وَابْنِ السَّبِيلِ) المسافر (وَلِذِي القُرْبَى) الشَّامل لجهة الأب والأمِّ (وَلَا جُنَاحَ) أي: ولا إثم (عَلَى مَنْ وَلِيَهُ) ولي التَّحدث عليه (أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ بِالمَعْرُوفِ) بقدر أجرة عمله (أَوْ يُؤكِلَ صَدِيقَهُ) بضمِّ الياء وكسر الكاف، و «صديقَه»: نصبٌ به، أي: يطعم صديقه منه حال كونه (غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ بِهِ) أي: بالمال (٥) الَّذي تصدَّق به عمر وهو الأرض، قاله الكِرمانيُّ.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة من جهة أنَّ المقصود جواز أخذ الأجرة من مال اليتيم؛ لقول عمر: ولا جناح على من وَلِيَه أن يأكل منه بالمعروف.