الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٧٦٩
الحديث رقم ٢٧٦٩ من كتاب «كتاب الوصايا» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب إذا وقف أرضا ولم يبين الحدود.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٢٧٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ: أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَمِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ أَنَسٍ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي حُكْمِ مَا تَرْجَمَ بِهِ: فَعَنِ الْمَالِكِيَّةِ لِلْأُمِّ وَغَيْرِهَا التَّصَرُّفُ فِي مَصَالِحِ مَنْ فِي كَفَالَتِهِمْ مِنَ الْأَيْتَامِ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا أَوْصِيَاءَ، وَاسْتَشْكَلَ بَعْضُهُمْ جَوَازَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُفْضِي إِلَى أَنَّ الْيَتِيمَ يَشْتَغِلُ بِالْخِدْمَةِ عَنِ التَّأْدِيبِ وَهُوَ ضِدُّ الْمَطْلُوبِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ انْتِزَاعَ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ مِنْ هَذَا الْخَبَرِ يَقْتَضِي التَّقْيِيدَ بِمَا وَرَدَ فِي الْخَبَرِ الْمُسْتَدَلِّ بِهِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ مَنْ يُؤَدِّبُهُ وَيَنْتَفِعُ بِتَأْدِيبِهِ كَمَا وَقَعَ لِأَنَسٍ فِي الْخِدْمَةِ النَّبَوِيَّةِ فَإِنَّهُ اسْتَفَادَ بِالْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهَا مِنَ الْآدَابِ مَا فَاقَ غَيْرَهُ مِمَّنْ أَدَبَهُ أَبُوهُ.
٢٦ - بَاب إِذَا وَقَفَ أَرْضًا وَلَمْ يُبَيِّنْ الْحُدُودَ فَهُوَ جَائِزٌ وَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ.
٢٧٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ الْأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ مَالًا مِنْ نَخْلٍ، وَكَانَ أَحَبُّ مَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ، قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قَامَ أَبُو طَلْحَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءَ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ، فَضَعْهَا حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ، فَقَالَ: بَخْ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ - أَوْ رَايِحٌ، شَكَّ ابْنُ مَسْلَمَةَ - وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ، قَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَفِي بَنِي عَمِّهِ.
قَالَ إِسْمَاعِيلُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ رَايِحٌ.
٢٧٧٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ "أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ أُمَّهُ تُوُفِّيَتْ أَيَنْفَعُهَا إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَإِنَّ لِي مِخْرَافًا وَأُشْهِدُكَ أَنِّي قَدْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا"
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا وَقَفَ أَرْضًا وَلَمْ يُبَيِّنِ الْحُدُودَ فَهُوَ جَائِزٌ، وَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ) كَذَا أَطْلَقَ الْجَوَازَ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا كَانَ الْمَوْقُوفُ أَوِ الْمُتَصَدَّقُ بِهِ مَشْهُورًا مُتَمَيِّزًا بِحَيْثُ يُؤْمَنُ أَنْ يَلْتَبِسَ بِغَيْرِهِ، وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنَ التَّحْدِيدِ اتِّفَاقًا لَكِنْ ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي فَتَاوِيهِ أَنَّ مَنْ قَالَ: اشْهَدُوا عَلَى أَنَّ جَمِيعَ أَمْلَاكِي وَقْفٌ عَلَى كَذَا وَذَكَرَ مَصْرِفَهَا وَلَمْ يُحَدِّدْ شَيْئًا مِنْهَا صَارَتْ جَمِيعُهَا وَقْفًا، وَلَا يَضُرُّ جَهْلُ الشُّهُودِ بِالْحُدُودِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الْوَقْفَ يَصِحُّ بِالصِّيغَةِ الَّتِي لَا تَحْدِيدَ فِيهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى اعْتِقَادِ الْوَاقِفِ وَإِرَادَتِهِ لِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ فِي نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ التَّحْدِيدُ لِأَجْلِ الْإِشْهَادِ عَلَيْهِ لِيُبَيِّنَ حَقَّ الْغَيْرِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (أَكْثَرَ الْأَنْصَارِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ. أَيْ أَكْثَرَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَالْإِضَافَةُ إِلَى الْمُفْرَدِ النَّكِرَةِ عِنْدَ إِرَادَةِ التَّفْضِيلِ سَائِغٌ.
قَوْلُهُ (مَالًا مِنْ نَخْلٍ) تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَاجِشُونِ، عَنْ إِسْحَاقَ تَسْمِيَةُ حَدَائِقِ أَبِي طَلْحَةَ قَرِيبًا.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْخُلُهَا) زَادَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ
الْعَزِيزِ وَيَسْتَظِلُّ فِيهَا.
قَوْلُهُ: (بَيْرُحَاءُ) تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ ضَبْطِهَا فِي الزَّكَاةِ، وَمِنْهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ بَرِيحَاءُ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ، وَتَقْدِيمِهَا عَلَى التَّحْتَانِيَّةِ السَّاكِنَةِ ثُمَّ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ، وَرَجَّحَ هَذَا صَاحِبُ الْفَائِقِ، وَقَالَ: هِيَ وَزْنُ فَعِيلَاءَ مِنَ الْبَرَاحِ، وَهِيَ الْأَرْضُ الظَّاهِرَةِ الْمُنْكَشِفَةُ، وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ بَارِيحَاءُ وَهُوَ بِإِشْبَاعِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْبَاقِي مِثْلُهُ، وَوَهَمَ مَنْ ضَبَطَهُ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ الْهَمْزَةِ، فَإِنَّ أَرْيِحَاءَ مِنَ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، وَيَحْتَمِلُ إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا أَنْ تَكُونَ سُمِّيَتْ بِاسْمِهَا، قَالَ عِيَاضٌ: رِوَايَةُ الْمَغَارِبَةِ إِعْرَابُ الرَّاءِ وَالْقَصْرُ فِي حَاءٍ، وَخَطَّأَ هَذَا الصُّورِيُّ، وَقَالَ الْبَاجِيُّ: أَدْرَكْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ وَمِنْهُمْ أَبُو ذَرٍّ يَفْتَحُونَ الرَّاءَ فِي كُلِّ حَالٍ، زَادَ الصُّورِيُّ: وَكَذَلِكَ الْبَاءُ أَيْ أَوَّلَهُ، وَقَدْ قَدَّمْتُ فِي الزَّكَاةِ أَنَّهُ انْتَهَى الْخِلَافُ فِي النُّطْقِ بِهَا إِلَى عَشَرَةِ أَوْجُهٍ، وَنَقَلَ أَبُو عَلِيٍّ الصَّدَفِيُّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْهَرَوِيِّ أَنَّهُ جَزَمَ أَنَّهَا مُرَكَّبَةٌ مِنْ كَلِمَتَيْنِ: بِيرٌ كَلِمَةٌ وَحَاءٌ كَلِمَةٌ، ثُمَّ صَارَتْ كَلِمَةً وَاحِدَةً، وَاخْتُلِفَ فِي حَاءٍ هَلْ هِيَ اسْمُ رَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ أَوْ مَكَانٍ أُضِيفَتْ إِلَيْهِ الْبِئْرُ أَوْ هِيَ كَلِمَةُ زَجْرٍ لِإِبِلٍ، وَكَأَنَّ الْإِبِلَ كَانَتْ تَرْعَى هُنَاكَ وَتُزْجَرُ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ فَأُضِيفَتِ الْبِئْرُ إِلَى اللَّفْظَةِ الْمَذْكُورَةِ.
قَوْلُهُ (بَخْ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ، وَقَدْ تُنَوَّنُ مَعَ التَّثْقِيلِ وَالتَّخْفِيفِ بِالْكَسْرِ، وَالرَّفْعُ وَالسُّكُونُ وَيَجُوزُ التَّنْوِينُ لُغَاتٌ، وَلَوْ كُرِّرَتْ فَالِاخْتِيَارُ أَنْ تُنَوَّنَ الْأُولَى وَتُسَكَّنَ الثَّانِيَةُ، وَقَدْ يُسَكَّنَانِ جَمِيعًا كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
بَخْ بَخْ لِوَالِدِهِ وَلِلْمَوْلُودِ
وَمَعْنَاهَا تَفْخِيمُ الْأَمْرِ وَالْإِعْجَابُ بِهِ.
قَوْلُهُ: (رَابِحٌ أَوْ رَايِحٌ شَكَّ ابْنُ مَسْلَمَةَ) أَيِ الْقَعْنَبِيُّ أَيْ هَلْ هُوَ بِالتَّحْتَانِيَّةِ أَوْ بِالْمُوَحَّدَةِ.
قَوْلُهُ: (أَفْعَلُ) بِضَمِّ اللَّامِ عَلَى أَنَّهُ قَوْلُ أَبِي طَلْحَةَ.
قَوْلُهُ: (فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ) فِيهِ تَعْيِينُ أَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ فِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ؛ حَيْثُ وَقَعَ فِيهَا: أَفْعَلُ فَقَسَمَهَا، فَإِنَّهُ احْتَمَلَ الْأَوَّلَ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ أَفْعَلُ صِيغَةَ أَمْرٍ وَفَاعِلُ قَسَمَهَا النَّبِيَّ ﷺ، وَانْتَفَى هَذَا الِاحْتِمَالُ الثَّانِي بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ. وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ الْقَاضِيَ رَوَاهُ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ، عَنْ مَالِكٍ فَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ فَقَسَمَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ، قَالَ وَقَوْلُهُ: فِي أَقَارِبِهِ أَيْ أَقَارِبِ أَبِي طَلْحَةَ، قُلْتُ: وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ: فَقَالَ ﷺ: ضَعْهَا فِي قَرَابَتِكَ، فَجَعَلَهَا حَدَائِقَ بَيْنَ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، لَفْظُ إِسْحَاقَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْهُ، وَحَدِيثُ ثَابِتٍ نَحْوُهُ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إِضَافَةُ الْقَسْمِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِنْ كَانَ سَائِغًا شَائِعًا فِي لِسَانِ الْعَرَبِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ الْآمِرُ بِهِ لَكِنَّ أَكْثَرَ الرُّوَاةِ لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ، وَالصَّوَابُ: رِوَايَةُ مَنْ قَالَ فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ.
قَوْلُهُ: (فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ) فِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ الْمُتَقَدِّمَةِ فَجَعَلَهَا لِحَسَّانَ، وَأُبَيٍّ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ، عَنْ إِسْحَاقَ كَمَا تَرَى، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ثُمَامَةَ، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَالَ: أَقَلُّ مَنْ يُعْطَى مِنَ الْأَقَارِبِ إِذَا لَمْ يَكُونُوا مُنْحَصِرِينَ اثْنَانِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمَاجِشُونِ، عَنْ إِسْحَاقَ الْمُتَقَدِّمَةِ فَجَعَلَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي ذِي رَحِمِهِ، وَكَانَ مِنْهُمْ حَسَّانُ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَعْطَى غَيْرَهُمَا مَعَهُمَا، ثُمَّ رَأَيْتُ فِي مُرْسَلِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ الْمُتَقَدِّمِ فَرَدَّهُ عَلَى أَقَارِبِهِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ وَأَخِيهِ - أَوِ ابْنِ أَخِيهِ - شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، وَنُبَيْطِ بْنِ جَابِرٍ فَتَقَاوَمُوهُ، فَبَاعَ حَسَّانُ حِصَّتَهُ مِنْ مُعَاوِيَةَ بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ) أَيِ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ (وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ) أَيْ بِهَذَا الْإِسْنَادِ (رَايِحٌ) أَيْ بِالتَّحْتَانِيَّةِ، وَقَدْ وَصَلَ حَدِيثَ إِسْمَاعِيلَ فِي التَّفْسِيرِ وَحَدِيثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ فِي الزَّكَاةِ وَحَدِيثَ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى فِي الْوَكَالَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُ الرِّوَايَتَيْنِ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ. وَفِي قِصَّةِ أَبِي طَلْحَةَ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ مُنْقَطِعَ الْآخِرِ فِي الْوَقْفِ يُصْرَفُ لِأَقْرَبِ النَّاسِ إِلَى الْوَاقِفِ، وَأَنَّ الْوَقْفَ لَا يَحْتَاجُ فِي انْعِقَادِهِ إِلَى قَبُولِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى صِحَّةِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
ورواة الحديث كلُّهم بصريُّون، وأخرجه البخاريُّ أيضًا في «الدِّيات» [خ¦٦٩١١]، ومسلم في «فضائل النَّبيِّ ﷺ».
(٢٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا وَقَفَ) شخصٌ (أَرْضًا وَ) الحال أنَّه (لَمْ يُبَيِّنِ الحُدُودَ) الَّتي لها (فَهْوَ جَائِزٌ) إذا كانت الأرض مشهورةً متميزةً بحيث لا تلتبس بغيرها (وَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ) أي: الوقف بلفظ الصَّدقة.
٢٧٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريِّ (أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ) الأنصاريُّ (أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ) أي: أكثر كلِّ واحد من الأنصار. قال الكِرمانيُّ: إذا أُريدَ التَّفضيل أُضيفَ إلى المفرد النَّكرة، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أكثر الأنصار» (بِالمَدِينَةِ مَالًا) نصبٌ على التَّمييز (مِنْ نَخْلٍ) حرف الجرِّ للبيان (وَكَانَ أَحَبُّ مَالِهِ إِلَيْهِ بَِيْرَُحَاءَ) بفتح الموحَّدة وكسرها وسكونِ التَّحتيِّة وضمِّ الرَّاء وفتحها، آخره همزةٌ، مصروفٌ وغير مصروفٍ (١)، وعند أبي ذرٍّ: بالقصر من غير همزٍ. قال في «المشارق»: ورواية (٢) الأندلسيين والمغاربة (٣): بضمِّ الرَّاء في الرَّفع وفتحِها في النَّصب وكسرها في الجرِّ مع الإضافة إلى «حاء» و «حاء» على لفظ الحاء من حروف المعجم، وكذا وجدته بخطِّ الأَصيليِّ. قال الباجي: وأنكر أبو ذرٍّ الضمَّ والإعراب في الرَّاء، وقال: إنَّما هي بفتح الرَّاء في (٤) كلِّ حالٍ. قال الباجيُّ: وعليه أدركت أهل العلم بالمشرق، وقال لي أبو عبد الله الصُّوريُّ: إنَّما هي بفتح الباء والرَّاء في كلِّ حالٍ، واختُلِف في «حاء» هل هي اسم رجلٍ أو امرأةٍ أو مكانٍ أُضيفَت إليه البئر، أو كلمة زجرٍ للإبل، فكأنَّ الإبل كانت ترعى هناك، وتُزجَر بهذه اللَّفظة، فأُضيفَت (٥) البئر إلى اللَّفظة المذكورة؟ (مُسْتَقْبِلَةَ المَسْجِدِ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْخُلُهَا) زاد عبد العزيز: «ويستظل فيها» [خ¦٢٧٥٨] (وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ، قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا نَزَلَتْ ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قَامَ أَبُو طَلْحَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ اللهَ) ﷿ (يَقُولُ: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَِيرَُحَاءٌ) بفتح الموحَّدة
وكسرها وسكون التَّحتيَّة وفتح الرَّاء وضمِّها، آخره همزةٌ، مصروفٌ، ولأبي ذرٍّ غير مصروفٍ (وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ للهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللهِ، فَضَعْهَا حَيْثُ أَرَاكَ اللهُ، فَقَالَ) ﵊: (بَخْ) بفتح الموحَّدة وسكون المعجمة من غير تكريرٍ، ومعناه: تفخيم الأمر والإعجاب به (ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ) بالموحَّدة (أَوْ رَايِحٌ) بالتَّحتيَّة (شَكَّ ابْنُ مَسْلَمَةَ) عبد الله القعنبيُّ (وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ، قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال» (أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ) بضمِّ لام «أفعلُ» على أنَّه من قول أبي طلحة، وسقط لأبي ذرٍّ لفظة «ذلك» (فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَفِي بَنِي عَمِّهِ) وفي رواية ثابت السَّابقة [خ¦٢٧٥١] فجعلها لحسَّان وأُبَيِّ بن كعب (١)، وفي رواية الماجشون السَّابقة أيضًا:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
وَمِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ أَنَسٍ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي حُكْمِ مَا تَرْجَمَ بِهِ: فَعَنِ الْمَالِكِيَّةِ لِلْأُمِّ وَغَيْرِهَا التَّصَرُّفُ فِي مَصَالِحِ مَنْ فِي كَفَالَتِهِمْ مِنَ الْأَيْتَامِ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا أَوْصِيَاءَ، وَاسْتَشْكَلَ بَعْضُهُمْ جَوَازَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُفْضِي إِلَى أَنَّ الْيَتِيمَ يَشْتَغِلُ بِالْخِدْمَةِ عَنِ التَّأْدِيبِ وَهُوَ ضِدُّ الْمَطْلُوبِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ انْتِزَاعَ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ مِنْ هَذَا الْخَبَرِ يَقْتَضِي التَّقْيِيدَ بِمَا وَرَدَ فِي الْخَبَرِ الْمُسْتَدَلِّ بِهِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ مَنْ يُؤَدِّبُهُ وَيَنْتَفِعُ بِتَأْدِيبِهِ كَمَا وَقَعَ لِأَنَسٍ فِي الْخِدْمَةِ النَّبَوِيَّةِ فَإِنَّهُ اسْتَفَادَ بِالْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهَا مِنَ الْآدَابِ مَا فَاقَ غَيْرَهُ مِمَّنْ أَدَبَهُ أَبُوهُ.
٢٦ - بَاب إِذَا وَقَفَ أَرْضًا وَلَمْ يُبَيِّنْ الْحُدُودَ فَهُوَ جَائِزٌ وَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ.
٢٧٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ الْأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ مَالًا مِنْ نَخْلٍ، وَكَانَ أَحَبُّ مَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ، قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قَامَ أَبُو طَلْحَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءَ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ، فَضَعْهَا حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ، فَقَالَ: بَخْ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ - أَوْ رَايِحٌ، شَكَّ ابْنُ مَسْلَمَةَ - وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ، قَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَفِي بَنِي عَمِّهِ.
قَالَ إِسْمَاعِيلُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ رَايِحٌ.
٢٧٧٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ "أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ أُمَّهُ تُوُفِّيَتْ أَيَنْفَعُهَا إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَإِنَّ لِي مِخْرَافًا وَأُشْهِدُكَ أَنِّي قَدْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَنْهَا"
قَوْلُهُ: (بَابُ إِذَا وَقَفَ أَرْضًا وَلَمْ يُبَيِّنِ الْحُدُودَ فَهُوَ جَائِزٌ، وَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ) كَذَا أَطْلَقَ الْجَوَازَ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا كَانَ الْمَوْقُوفُ أَوِ الْمُتَصَدَّقُ بِهِ مَشْهُورًا مُتَمَيِّزًا بِحَيْثُ يُؤْمَنُ أَنْ يَلْتَبِسَ بِغَيْرِهِ، وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنَ التَّحْدِيدِ اتِّفَاقًا لَكِنْ ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي فَتَاوِيهِ أَنَّ مَنْ قَالَ: اشْهَدُوا عَلَى أَنَّ جَمِيعَ أَمْلَاكِي وَقْفٌ عَلَى كَذَا وَذَكَرَ مَصْرِفَهَا وَلَمْ يُحَدِّدْ شَيْئًا مِنْهَا صَارَتْ جَمِيعُهَا وَقْفًا، وَلَا يَضُرُّ جَهْلُ الشُّهُودِ بِالْحُدُودِ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الْوَقْفَ يَصِحُّ بِالصِّيغَةِ الَّتِي لَا تَحْدِيدَ فِيهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى اعْتِقَادِ الْوَاقِفِ وَإِرَادَتِهِ لِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ فِي نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ التَّحْدِيدُ لِأَجْلِ الْإِشْهَادِ عَلَيْهِ لِيُبَيِّنَ حَقَّ الْغَيْرِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: (أَكْثَرَ الْأَنْصَارِ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ. أَيْ أَكْثَرَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَالْإِضَافَةُ إِلَى الْمُفْرَدِ النَّكِرَةِ عِنْدَ إِرَادَةِ التَّفْضِيلِ سَائِغٌ.
قَوْلُهُ (مَالًا مِنْ نَخْلٍ) تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَاجِشُونِ، عَنْ إِسْحَاقَ تَسْمِيَةُ حَدَائِقِ أَبِي طَلْحَةَ قَرِيبًا.
قَوْلُهُ: (وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْخُلُهَا) زَادَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ
الْعَزِيزِ وَيَسْتَظِلُّ فِيهَا.
قَوْلُهُ: (بَيْرُحَاءُ) تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ ضَبْطِهَا فِي الزَّكَاةِ، وَمِنْهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ بَرِيحَاءُ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ، وَتَقْدِيمِهَا عَلَى التَّحْتَانِيَّةِ السَّاكِنَةِ ثُمَّ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ، وَرَجَّحَ هَذَا صَاحِبُ الْفَائِقِ، وَقَالَ: هِيَ وَزْنُ فَعِيلَاءَ مِنَ الْبَرَاحِ، وَهِيَ الْأَرْضُ الظَّاهِرَةِ الْمُنْكَشِفَةُ، وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ بَارِيحَاءُ وَهُوَ بِإِشْبَاعِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْبَاقِي مِثْلُهُ، وَوَهَمَ مَنْ ضَبَطَهُ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ الْهَمْزَةِ، فَإِنَّ أَرْيِحَاءَ مِنَ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، وَيَحْتَمِلُ إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا أَنْ تَكُونَ سُمِّيَتْ بِاسْمِهَا، قَالَ عِيَاضٌ: رِوَايَةُ الْمَغَارِبَةِ إِعْرَابُ الرَّاءِ وَالْقَصْرُ فِي حَاءٍ، وَخَطَّأَ هَذَا الصُّورِيُّ، وَقَالَ الْبَاجِيُّ: أَدْرَكْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ وَمِنْهُمْ أَبُو ذَرٍّ يَفْتَحُونَ الرَّاءَ فِي كُلِّ حَالٍ، زَادَ الصُّورِيُّ: وَكَذَلِكَ الْبَاءُ أَيْ أَوَّلَهُ، وَقَدْ قَدَّمْتُ فِي الزَّكَاةِ أَنَّهُ انْتَهَى الْخِلَافُ فِي النُّطْقِ بِهَا إِلَى عَشَرَةِ أَوْجُهٍ، وَنَقَلَ أَبُو عَلِيٍّ الصَّدَفِيُّ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْهَرَوِيِّ أَنَّهُ جَزَمَ أَنَّهَا مُرَكَّبَةٌ مِنْ كَلِمَتَيْنِ: بِيرٌ كَلِمَةٌ وَحَاءٌ كَلِمَةٌ، ثُمَّ صَارَتْ كَلِمَةً وَاحِدَةً، وَاخْتُلِفَ فِي حَاءٍ هَلْ هِيَ اسْمُ رَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ أَوْ مَكَانٍ أُضِيفَتْ إِلَيْهِ الْبِئْرُ أَوْ هِيَ كَلِمَةُ زَجْرٍ لِإِبِلٍ، وَكَأَنَّ الْإِبِلَ كَانَتْ تَرْعَى هُنَاكَ وَتُزْجَرُ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ فَأُضِيفَتِ الْبِئْرُ إِلَى اللَّفْظَةِ الْمَذْكُورَةِ.
قَوْلُهُ (بَخْ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ، وَقَدْ تُنَوَّنُ مَعَ التَّثْقِيلِ وَالتَّخْفِيفِ بِالْكَسْرِ، وَالرَّفْعُ وَالسُّكُونُ وَيَجُوزُ التَّنْوِينُ لُغَاتٌ، وَلَوْ كُرِّرَتْ فَالِاخْتِيَارُ أَنْ تُنَوَّنَ الْأُولَى وَتُسَكَّنَ الثَّانِيَةُ، وَقَدْ يُسَكَّنَانِ جَمِيعًا كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
بَخْ بَخْ لِوَالِدِهِ وَلِلْمَوْلُودِ
وَمَعْنَاهَا تَفْخِيمُ الْأَمْرِ وَالْإِعْجَابُ بِهِ.
قَوْلُهُ: (رَابِحٌ أَوْ رَايِحٌ شَكَّ ابْنُ مَسْلَمَةَ) أَيِ الْقَعْنَبِيُّ أَيْ هَلْ هُوَ بِالتَّحْتَانِيَّةِ أَوْ بِالْمُوَحَّدَةِ.
قَوْلُهُ: (أَفْعَلُ) بِضَمِّ اللَّامِ عَلَى أَنَّهُ قَوْلُ أَبِي طَلْحَةَ.
قَوْلُهُ: (فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ) فِيهِ تَعْيِينُ أَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ فِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ؛ حَيْثُ وَقَعَ فِيهَا: أَفْعَلُ فَقَسَمَهَا، فَإِنَّهُ احْتَمَلَ الْأَوَّلَ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ أَفْعَلُ صِيغَةَ أَمْرٍ وَفَاعِلُ قَسَمَهَا النَّبِيَّ ﷺ، وَانْتَفَى هَذَا الِاحْتِمَالُ الثَّانِي بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ. وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ الْقَاضِيَ رَوَاهُ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ، عَنْ مَالِكٍ فَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ فَقَسَمَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ، قَالَ وَقَوْلُهُ: فِي أَقَارِبِهِ أَيْ أَقَارِبِ أَبِي طَلْحَةَ، قُلْتُ: وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ: فَقَالَ ﷺ: ضَعْهَا فِي قَرَابَتِكَ، فَجَعَلَهَا حَدَائِقَ بَيْنَ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، لَفْظُ إِسْحَاقَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْهُ، وَحَدِيثُ ثَابِتٍ نَحْوُهُ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إِضَافَةُ الْقَسْمِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِنْ كَانَ سَائِغًا شَائِعًا فِي لِسَانِ الْعَرَبِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ الْآمِرُ بِهِ لَكِنَّ أَكْثَرَ الرُّوَاةِ لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ، وَالصَّوَابُ: رِوَايَةُ مَنْ قَالَ فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ.
قَوْلُهُ: (فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ) فِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ الْمُتَقَدِّمَةِ فَجَعَلَهَا لِحَسَّانَ، وَأُبَيٍّ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ، عَنْ إِسْحَاقَ كَمَا تَرَى، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ثُمَامَةَ، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَالَ: أَقَلُّ مَنْ يُعْطَى مِنَ الْأَقَارِبِ إِذَا لَمْ يَكُونُوا مُنْحَصِرِينَ اثْنَانِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمَاجِشُونِ، عَنْ إِسْحَاقَ الْمُتَقَدِّمَةِ فَجَعَلَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي ذِي رَحِمِهِ، وَكَانَ مِنْهُمْ حَسَّانُ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَعْطَى غَيْرَهُمَا مَعَهُمَا، ثُمَّ رَأَيْتُ فِي مُرْسَلِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ الْمُتَقَدِّمِ فَرَدَّهُ عَلَى أَقَارِبِهِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ وَأَخِيهِ - أَوِ ابْنِ أَخِيهِ - شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، وَنُبَيْطِ بْنِ جَابِرٍ فَتَقَاوَمُوهُ، فَبَاعَ حَسَّانُ حِصَّتَهُ مِنْ مُعَاوِيَةَ بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ) أَيِ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ (وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى، عَنْ مَالِكٍ) أَيْ بِهَذَا الْإِسْنَادِ (رَايِحٌ) أَيْ بِالتَّحْتَانِيَّةِ، وَقَدْ وَصَلَ حَدِيثَ إِسْمَاعِيلَ فِي التَّفْسِيرِ وَحَدِيثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ فِي الزَّكَاةِ وَحَدِيثَ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى فِي الْوَكَالَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُ الرِّوَايَتَيْنِ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ. وَفِي قِصَّةِ أَبِي طَلْحَةَ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ مُنْقَطِعَ الْآخِرِ فِي الْوَقْفِ يُصْرَفُ لِأَقْرَبِ النَّاسِ إِلَى الْوَاقِفِ، وَأَنَّ الْوَقْفَ لَا يَحْتَاجُ فِي انْعِقَادِهِ إِلَى قَبُولِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى صِحَّةِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
ورواة الحديث كلُّهم بصريُّون، وأخرجه البخاريُّ أيضًا في «الدِّيات» [خ¦٦٩١١]، ومسلم في «فضائل النَّبيِّ ﷺ».
(٢٦) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا وَقَفَ) شخصٌ (أَرْضًا وَ) الحال أنَّه (لَمْ يُبَيِّنِ الحُدُودَ) الَّتي لها (فَهْوَ جَائِزٌ) إذا كانت الأرض مشهورةً متميزةً بحيث لا تلتبس بغيرها (وَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ) أي: الوقف بلفظ الصَّدقة.
٢٧٦٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأنصاريِّ (أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ) الأنصاريُّ (أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ) أي: أكثر كلِّ واحد من الأنصار. قال الكِرمانيُّ: إذا أُريدَ التَّفضيل أُضيفَ إلى المفرد النَّكرة، ولأبي ذَرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أكثر الأنصار» (بِالمَدِينَةِ مَالًا) نصبٌ على التَّمييز (مِنْ نَخْلٍ) حرف الجرِّ للبيان (وَكَانَ أَحَبُّ مَالِهِ إِلَيْهِ بَِيْرَُحَاءَ) بفتح الموحَّدة وكسرها وسكونِ التَّحتيِّة وضمِّ الرَّاء وفتحها، آخره همزةٌ، مصروفٌ وغير مصروفٍ (١)، وعند أبي ذرٍّ: بالقصر من غير همزٍ. قال في «المشارق»: ورواية (٢) الأندلسيين والمغاربة (٣): بضمِّ الرَّاء في الرَّفع وفتحِها في النَّصب وكسرها في الجرِّ مع الإضافة إلى «حاء» و «حاء» على لفظ الحاء من حروف المعجم، وكذا وجدته بخطِّ الأَصيليِّ. قال الباجي: وأنكر أبو ذرٍّ الضمَّ والإعراب في الرَّاء، وقال: إنَّما هي بفتح الرَّاء في (٤) كلِّ حالٍ. قال الباجيُّ: وعليه أدركت أهل العلم بالمشرق، وقال لي أبو عبد الله الصُّوريُّ: إنَّما هي بفتح الباء والرَّاء في كلِّ حالٍ، واختُلِف في «حاء» هل هي اسم رجلٍ أو امرأةٍ أو مكانٍ أُضيفَت إليه البئر، أو كلمة زجرٍ للإبل، فكأنَّ الإبل كانت ترعى هناك، وتُزجَر بهذه اللَّفظة، فأُضيفَت (٥) البئر إلى اللَّفظة المذكورة؟ (مُسْتَقْبِلَةَ المَسْجِدِ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْخُلُهَا) زاد عبد العزيز: «ويستظل فيها» [خ¦٢٧٥٨] (وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ، قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا نَزَلَتْ ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قَامَ أَبُو طَلْحَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ اللهَ) ﷿ (يَقُولُ: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَِيرَُحَاءٌ) بفتح الموحَّدة
وكسرها وسكون التَّحتيَّة وفتح الرَّاء وضمِّها، آخره همزةٌ، مصروفٌ، ولأبي ذرٍّ غير مصروفٍ (وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ للهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللهِ، فَضَعْهَا حَيْثُ أَرَاكَ اللهُ، فَقَالَ) ﵊: (بَخْ) بفتح الموحَّدة وسكون المعجمة من غير تكريرٍ، ومعناه: تفخيم الأمر والإعجاب به (ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ) بالموحَّدة (أَوْ رَايِحٌ) بالتَّحتيَّة (شَكَّ ابْنُ مَسْلَمَةَ) عبد الله القعنبيُّ (وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ، قَالَ) ولأبي ذرٍّ: «فقال» (أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ) بضمِّ لام «أفعلُ» على أنَّه من قول أبي طلحة، وسقط لأبي ذرٍّ لفظة «ذلك» (فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَفِي بَنِي عَمِّهِ) وفي رواية ثابت السَّابقة [خ¦٢٧٥١] فجعلها لحسَّان وأُبَيِّ بن كعب (١)، وفي رواية الماجشون السَّابقة أيضًا: