«كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهْوَ جُنُبٌ، غَسَلَ فَرْجَهُ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٢٨٨

الحديث رقم ٢٨٨ من كتاب «كتاب الغسل» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب الجنب يتوضأ ثم ينام.

آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11

نص حديث رقم ٢٨٨ في صحيح البخاري

«كَانَ النَّبِيُّ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهْوَ جُنُبٌ، غَسَلَ فَرْجَهُ وَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ».

إسناد حديث البخاري رقم ٢٨٨

٢٨٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:

رواة الحديث من الصحابة

شرح حديث ٢٨٨: فتح الباري وإرشاد الساري

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَوْلُهُ: (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سَأَلَ) ظَاهِرُهُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ حَضَرَ هَذَا السُّؤَالَ فَيَكُونُ الْحَدِيثُ مِنْ مُسْنَدِهِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ رِوَايَةِ نَافِعٍ، وَرُوِيَ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَعَلَى هَذَا فَهُوَ مِنْ مُسْنَدِ عُمَرَ، وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ لَكِنْ لَيْسَ فِي هَذَا الِاخْتِلَافِ مَا يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ. وَمُطَابَقَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ جَوَازَ رُقَادِ الْجُنُبِ فِي الْبَيْتِ يَقْتَضِي جَوَازَ اسْتِقْرَارِهِ فِيهِ يَقْظَانَ لِعَدَمِ الْفَرْقِ أَوْ لِأَنَّ نَوْمَهُ يَسْتَلْزِمُ الْجَوَازَ لِحُصُولِ الْيَقَظَةِ بَيْنَ وُضُوئِهِ وَنَوْمِهِ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ قَبْلَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَر بَابُ نَوْمِ الْجُنُبِ وَهَذِهِ التَّرْجَمَةُ زَائِدَةٌ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهَا بِبَابِ الْجُنُبِ يَتَوَضَّأُ ثُمَّ يَنَامُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَرْجَمَ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَعَلَى التَّقْيِيدِ فَلَا تَكُونُ زَائِدَةً.

٢٧ - بَاب الْجُنُبِ يَتَوَضَّأُ ثُمَّ يَنَامُ

٢٨٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ غَسَلَ فَرْجَهُ وَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هُوَ أَبُو الْأَسْوَدِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ يَتِيمُ عُرْوَةَ. وَنِصْفُ هَذَا الْإِسْنَادِ الْمُبْتَدَأِ بِهِ بَصْرِيُّونَ، وَنِصْفُهُ الْأَعْلَى مَدَنِيُّونَ.

قَوْلُهُ: (وَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ) أَيْ تَوَضَّأَ وُضُوءًا كَمَا لِلصَّلَاةِ، وَلَيْسَ الْمَعْنَى أَنَّهُ تَوَضَّأَ لِأَدَاءِ الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ تَوَضَّأَ وُضُوءًا شَرْعِيًّا لَا لُغَوِيًّا.

٢٨٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: اسْتَفْتَى عُمَرُ النَّبِيَّ أَيَنَامُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ؟ قَالَ: نَعَمْ إِذَا تَوَضَّأَ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ) بِالْجِيمِ وَالرَّاءِ مُصَغَّرًا، وَهُوَ اسْمُ رَجُلٍ، وَاسْمُ أَبِيهِ أَسْمَاءُ بْنُ عُبَيْدٍ، وَقَدْ سَمِعَ جُوَيْرِيَةُ هَذَا مِنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، وَمِنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَسَاكِرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ نَعَمْ إِذَا تَوَضَّأَ) وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ نَافِعٍ لِيَتَوَضَّأْ ثُمَّ لِيَنَمْ.

٢٩٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: ذَكَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِرَسُولِ اللَّهِ أَنَّهُ تُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ مِنْ اللَّيْلِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ : تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ ثُمَّ نَمْ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ) هَكَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ بِاتِّفَاقٍ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ، وَرَوَاهُ خَارِجَ الْمُوَطَّأِ عَنْ نَافِعٍ بَدَلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، وَذَكَرَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ السَّكَنِ، عَنْ نَافِعٍ بَدَلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، وَكَانَ كَذَلِكَ عِنْدَ الْأَصِيلِيِّ إِلَّا أَنَّهُ ضَرَبَ عَلَى نَافِعٍ وَكَتَبَ فَوْقَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: وَالْحَدِيثُ مَحْفُوظٌ لِمَالِكٍ عَنْهُمَا جَمِيعًا. انْتَهَى كَلَامُهُ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الْحَدِيثُ لِمَالِكٍ عَنْهُمَا جَمِيعًا، لَكِنَّ الْمَحْفُوظَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، وَحَدِيثُ نَافِعٍ غَرِيبٌ. انْتَهَى. وَقَدْ رَوَاهُ عَنْهُ كَذَلِكَ عَنْ نَافِعٍ خَمْسَةٌ أَوْ سِتَّةٌ فَلَا غَرَابَةَ، وَإِنْ سَاقَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي

غَرَائِبِ مَالِكٍ، فَمُرَادُهُ مَا رَوَاهُ خَارِجَ الْمُوَطَّأِ، فَهِيَ غَرَابَةٌ خَاصَّةٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُوَطَّأِ، نَعَمْ رِوَايَةُ الْمُوَطَّأِ أَشْهَرُ.

قَوْلُهُ: (ذَكَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) مُقْتَضَاهُ أَيْضًا أَنَّهُ مِنْ مُسْنَدِ ابْنِ عُمَرَ، كَمَا هُوَ عِنْدَ أَكْثَرِ الرُّوَاةِ، وَرَوَاهُ أَبُو نُوحٍ، عَنْ مَالِكٍ فَزَادَ فِيهِ عَنْ عُمَرَ، وَقَدْ بَيَّنَ النَّسَائِيُّ سَبَبَ ذَلِكَ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: أَصَابَ ابْنُ عُمَرَ جَنَابَةً فَأَتَى عُمَرَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَأَتَى عُمَرُ النَّبِيَّ فَاسْتَأْمَرَهُ فَقَالَ لِيَتَوَضَّأْ وَيَرْقُدْ، وَعَلَى هَذَا فَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّهُ تُصِيبُهُ يَعُودُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ لَا عَلَى عُمَرَ، وَقَوْلُهُ فِي الْجَوَابِ تَوَضَّأْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عُمَرَ كَانَ حَاضِرًا فَوَجَّهَ الْخِطَابَ إِلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (بِأَنَّهُ) كَذَا لِلْمُسْتَمْلِي، وَالْحَمَوِيِّ وَلِلْبَاقِينَ أَنَّهُ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ لَهُ) سَقَطَ لَفْظُ لَهُ مِنْ رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ.

قَوْلُهُ: (تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ) فِي رِوَايَةِ أَبِي نُوحٍ اغْسِلْ ذَكَرَكَ ثُمَّ تَوَضَّأْ ثُمَّ نَمْ وَهُوَ يَرُدُّ عَلَى مَنْ حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ فَقَالَ: يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْوُضُوءِ عَلَى غَسْلِ الذَّكَرِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوُضُوءٍ يَرْفَعُ الْحَدَثَ، وَإِنَّمَا هُوَ لِلتَّعَبُّدِ إِذِ الْجَنَابَةُ أَشَدُّ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ، فَتَبَيَّنَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي نُوحٍ أَنَّ غَسْلَهُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْوُضُوءِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُؤخر عَنْهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَمَسَّهُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ مَسَّهُ يَنْقُضُ. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: جَاءَ الْحَدِيثُ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ، وَجَاءَ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ، وَهُوَ مُتَمَسَّكٌ لِمَنْ قَالَ بِوُجُوبِهِ.

وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لِلِاسْتِحْبَابِ، وَذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ إِلَى إِيجَابِهِ وَهُوَ شُذُوذٌ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ لِلْجُنُبِ أَنْ يَنَامَ قَبْلَ أَنْ يَتَوَضَّأَ، وَاسْتَنْكَرَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ هَذَا النَّقْلَ، وَقَالَ: لَمْ يَقُلِ الشَّافِعِيُّ بِوُجُوبِهِ، وَلَا يَعْرِفُ ذَلِكَ أَصْحَابُهُ. وَهُوَ كَمَا قَالَ، لَكِنَّ كَلَامَ ابْنِ الْعَرَبِيِّ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ نَفْيَ الْإِبَاحَةِ الْمُسْتَوِيَةِ الطَّرَفَيْنِ لَا إِثْبَاتَ الْوُجُوبِ، أَوْ أَرَادَ بِأَنَّهُ وَاجِبٌ وُجُوبَ سُنَّةٍ، أَيْ مُتَأَكَّدُ الِاسْتِحْبَابِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَابَلَهُ بِقَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ: هُوَ وَاجِبٌ وُجُوبَ الْفَرَائِضِ، وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي عِبَارَةِ الْمَالِكِيَّةِ كَثِيرًا، وَأَشَارَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ إِلَى تَقْوِيَةِ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ، وَبَوَّبَ عَلَيْهِ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ إِيجَابَ الْوُضُوءِ عَنِ الْجُنُبِ إِذَا أَرَادَ النَّوْمَ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ بَعْدَ ذَلِكَ هُوَ وَابْنُ خُزَيْمَةَ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا إِنَّمَا أُمِرْتُ بِالْوُضُوءِ إِذَا قُمْتُ إِلَى الصَّلَاةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي بَابِ إِذَا جَامَعَ ثُمَّ عَادَ. وَقَدْ قَدَحَ فِي هَذَا الِاسْتِدْلَالِ ابْنُ رُشْدٍ الْمَالِكِيُّ وَهُوَ وَاضِحٌ.

وَنَقَلَ الطَّحَاوِيُّ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى عَدَمِ الِاسْتِحْبَابِ، وَتَمَسَّكَ بِمَا رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ كَانَ يُجْنِبُ ثُمَّ يَنَامُ وَلَا يَمَسُّ مَاءً رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْحُفَّاظَ قَالُوا: إِنَّ أَبَا إِسْحَاقٍ غَلِطَ فِيهِ، وَبِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ تَرَكَ الْوُضُوءَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ لِئَلَّا يُعْتَقَدَ وُجُوبُهُ، أَوْ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: لَا يَمَسُّ مَاءً أَيْ لِلْغُسْلِ، وَأَوْرَدَ الطَّحَاوِيُّ مِنَ الطَّرِيقِ الْمَذْكُورَةِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ جَنَحَ الطَّحَاوِيُّ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوُضُوءِ التَّنْظِيفُ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَاوِيَ الْحَدِيثِ وَهُوَ صَاحِبُ الْقِصَّةِ كَانَ يَتَوَضَّأُ وَهُوَ جُنُبٌ وَلَا يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ نَافِعٍ، وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ ثَبَتَ تَقْيِيدُ الْوُضُوءِ بِالصَّلَاةِ مِنْ رِوَايَتِهِ وَمِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ كَمَا تَقَدَّمَ، فَيُعْتَمَدُ وَيُحْمَلُ تَرْكُ ابْنِ عُمَرَ لِغَسْلِ رِجْلَيْهِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِعُذْرٍ.

وَقَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ: الْمُرَادُ بِالْوُضُوءِ هُنَا الشَّرْعِيُّ وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّهُ يُخَفِّفُ الْحَدَثَ وَلَا سِيَّمَا عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ تَفْرِيقِ الْغُسْلِ فَيَنْوِيهِ، فَيَرْتَفِعُ الْحَدَثُ عَنْ تِلْكَ الْأَعْضَاءِ الْمَخْصُوصَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ الصَّحَابِيِّ قَالَ: إِذَا أَجْنَبَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَنَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ، فَإِنَّهُ نِصْفُ غُسْلِ الْجَنَابَةِ، وَقِيلَ: الْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّهُ إِحْدَى الطِّهَارَتَيْنِ، فَعَلَى هَذَا يَقُومُ التَّيَمُّمُ مَقَامَهُ. وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَجْنَبَ فَأَرَادَ أَنْ يَنَامَ تَوَضَّأَ أَوْ تَيَمَّمَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّيَمُّمُ هُنَا عِنْدَ عُسْرِ وُجُودِ الْمَاءِ، وَقِيلَ:

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ المُوحَّدة، نسبةً (١) إلى جدِّه وأبوه عبد الله (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي (٢) جَعْفَرٍ) الفقيه المصريِّ، وعُبَيد بضمِّ العين (٣) (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أبي (٤) الأسود المدنيِّ، يتيم عروة بن الزُّبير، كان أبوه أوصى به إليه (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) (قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهْوَ جُنُبٌ) جملةٌ حاليَّةٌ (غَسَلَ فَرْجَهُ) ممَّا أصابه من الأذى (وَتَوَضَّأَ) وضوءًا شرعيًّا، كما يتوضَّأ (لِلصَّلَاةِ) وليس المُراد: أنَّه يصلِّي به لأنَّ الصَّلاة تُمنَع (٥) قبل الغسل، واستُنبط منه: أنَّ غسل الجنابة ليس على الفور، بل إنَّما يتضيَّق عند القيام إلى الصَّلاة.

ورواة هذا الحديث السِّتَّة ثلاثةٌ مصريُّون وثلاثةٌ مدنيُّون، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول.

٢٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ) بالجيم والرَّاء مُصغَّرًا، واسم أبيه: أسماء بن عبيدٍ الضُّبعيُّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ)

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

قَوْلُهُ: (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سَأَلَ) ظَاهِرُهُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ حَضَرَ هَذَا السُّؤَالَ فَيَكُونُ الْحَدِيثُ مِنْ مُسْنَدِهِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ رِوَايَةِ نَافِعٍ، وَرُوِيَ عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ، وَعَلَى هَذَا فَهُوَ مِنْ مُسْنَدِ عُمَرَ، وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْقَطَّانِ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ لَكِنْ لَيْسَ فِي هَذَا الِاخْتِلَافِ مَا يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ. وَمُطَابَقَةُ الْحَدِيثِ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ جَوَازَ رُقَادِ الْجُنُبِ فِي الْبَيْتِ يَقْتَضِي جَوَازَ اسْتِقْرَارِهِ فِيهِ يَقْظَانَ لِعَدَمِ الْفَرْقِ أَوْ لِأَنَّ نَوْمَهُ يَسْتَلْزِمُ الْجَوَازَ لِحُصُولِ الْيَقَظَةِ بَيْنَ وُضُوئِهِ وَنَوْمِهِ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ قَبْلَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَر بَابُ نَوْمِ الْجُنُبِ وَهَذِهِ التَّرْجَمَةُ زَائِدَةٌ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهَا بِبَابِ الْجُنُبِ يَتَوَضَّأُ ثُمَّ يَنَامُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَرْجَمَ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَعَلَى التَّقْيِيدِ فَلَا تَكُونُ زَائِدَةً.

٢٧ - بَاب الْجُنُبِ يَتَوَضَّأُ ثُمَّ يَنَامُ

٢٨٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ غَسَلَ فَرْجَهُ وَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ.

قَوْلُهُ: (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هُوَ أَبُو الْأَسْوَدِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ يَتِيمُ عُرْوَةَ. وَنِصْفُ هَذَا الْإِسْنَادِ الْمُبْتَدَأِ بِهِ بَصْرِيُّونَ، وَنِصْفُهُ الْأَعْلَى مَدَنِيُّونَ.

قَوْلُهُ: (وَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ) أَيْ تَوَضَّأَ وُضُوءًا كَمَا لِلصَّلَاةِ، وَلَيْسَ الْمَعْنَى أَنَّهُ تَوَضَّأَ لِأَدَاءِ الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ تَوَضَّأَ وُضُوءًا شَرْعِيًّا لَا لُغَوِيًّا.

٢٨٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: اسْتَفْتَى عُمَرُ النَّبِيَّ أَيَنَامُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ؟ قَالَ: نَعَمْ إِذَا تَوَضَّأَ.

قَوْلُهُ: (حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ) بِالْجِيمِ وَالرَّاءِ مُصَغَّرًا، وَهُوَ اسْمُ رَجُلٍ، وَاسْمُ أَبِيهِ أَسْمَاءُ بْنُ عُبَيْدٍ، وَقَدْ سَمِعَ جُوَيْرِيَةُ هَذَا مِنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، وَمِنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَسَاكِرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ نَعَمْ إِذَا تَوَضَّأَ) وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ نَافِعٍ لِيَتَوَضَّأْ ثُمَّ لِيَنَمْ.

٢٩٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: ذَكَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِرَسُولِ اللَّهِ أَنَّهُ تُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ مِنْ اللَّيْلِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ : تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ ثُمَّ نَمْ.

قَوْلُهُ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ) هَكَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ بِاتِّفَاقٍ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ، وَرَوَاهُ خَارِجَ الْمُوَطَّأِ عَنْ نَافِعٍ بَدَلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، وَذَكَرَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ أَنَّهُ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ السَّكَنِ، عَنْ نَافِعٍ بَدَلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، وَكَانَ كَذَلِكَ عِنْدَ الْأَصِيلِيِّ إِلَّا أَنَّهُ ضَرَبَ عَلَى نَافِعٍ وَكَتَبَ فَوْقَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ: وَالْحَدِيثُ مَحْفُوظٌ لِمَالِكٍ عَنْهُمَا جَمِيعًا. انْتَهَى كَلَامُهُ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الْحَدِيثُ لِمَالِكٍ عَنْهُمَا جَمِيعًا، لَكِنَّ الْمَحْفُوظَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، وَحَدِيثُ نَافِعٍ غَرِيبٌ. انْتَهَى. وَقَدْ رَوَاهُ عَنْهُ كَذَلِكَ عَنْ نَافِعٍ خَمْسَةٌ أَوْ سِتَّةٌ فَلَا غَرَابَةَ، وَإِنْ سَاقَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي

غَرَائِبِ مَالِكٍ، فَمُرَادُهُ مَا رَوَاهُ خَارِجَ الْمُوَطَّأِ، فَهِيَ غَرَابَةٌ خَاصَّةٌ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُوَطَّأِ، نَعَمْ رِوَايَةُ الْمُوَطَّأِ أَشْهَرُ.

قَوْلُهُ: (ذَكَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) مُقْتَضَاهُ أَيْضًا أَنَّهُ مِنْ مُسْنَدِ ابْنِ عُمَرَ، كَمَا هُوَ عِنْدَ أَكْثَرِ الرُّوَاةِ، وَرَوَاهُ أَبُو نُوحٍ، عَنْ مَالِكٍ فَزَادَ فِيهِ عَنْ عُمَرَ، وَقَدْ بَيَّنَ النَّسَائِيُّ سَبَبَ ذَلِكَ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: أَصَابَ ابْنُ عُمَرَ جَنَابَةً فَأَتَى عُمَرَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَأَتَى عُمَرُ النَّبِيَّ فَاسْتَأْمَرَهُ فَقَالَ لِيَتَوَضَّأْ وَيَرْقُدْ، وَعَلَى هَذَا فَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّهُ تُصِيبُهُ يَعُودُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ لَا عَلَى عُمَرَ، وَقَوْلُهُ فِي الْجَوَابِ تَوَضَّأْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عُمَرَ كَانَ حَاضِرًا فَوَجَّهَ الْخِطَابَ إِلَيْهِ.

قَوْلُهُ: (بِأَنَّهُ) كَذَا لِلْمُسْتَمْلِي، وَالْحَمَوِيِّ وَلِلْبَاقِينَ أَنَّهُ.

قَوْلُهُ: (فَقَالَ لَهُ) سَقَطَ لَفْظُ لَهُ مِنْ رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ.

قَوْلُهُ: (تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ) فِي رِوَايَةِ أَبِي نُوحٍ اغْسِلْ ذَكَرَكَ ثُمَّ تَوَضَّأْ ثُمَّ نَمْ وَهُوَ يَرُدُّ عَلَى مَنْ حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ فَقَالَ: يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْوُضُوءِ عَلَى غَسْلِ الذَّكَرِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوُضُوءٍ يَرْفَعُ الْحَدَثَ، وَإِنَّمَا هُوَ لِلتَّعَبُّدِ إِذِ الْجَنَابَةُ أَشَدُّ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ، فَتَبَيَّنَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي نُوحٍ أَنَّ غَسْلَهُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْوُضُوءِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُؤخر عَنْهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَمَسَّهُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ مَسَّهُ يَنْقُضُ. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: جَاءَ الْحَدِيثُ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ، وَجَاءَ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ، وَهُوَ مُتَمَسَّكٌ لِمَنْ قَالَ بِوُجُوبِهِ.

وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لِلِاسْتِحْبَابِ، وَذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ إِلَى إِيجَابِهِ وَهُوَ شُذُوذٌ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ لِلْجُنُبِ أَنْ يَنَامَ قَبْلَ أَنْ يَتَوَضَّأَ، وَاسْتَنْكَرَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ هَذَا النَّقْلَ، وَقَالَ: لَمْ يَقُلِ الشَّافِعِيُّ بِوُجُوبِهِ، وَلَا يَعْرِفُ ذَلِكَ أَصْحَابُهُ. وَهُوَ كَمَا قَالَ، لَكِنَّ كَلَامَ ابْنِ الْعَرَبِيِّ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ نَفْيَ الْإِبَاحَةِ الْمُسْتَوِيَةِ الطَّرَفَيْنِ لَا إِثْبَاتَ الْوُجُوبِ، أَوْ أَرَادَ بِأَنَّهُ وَاجِبٌ وُجُوبَ سُنَّةٍ، أَيْ مُتَأَكَّدُ الِاسْتِحْبَابِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَابَلَهُ بِقَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ: هُوَ وَاجِبٌ وُجُوبَ الْفَرَائِضِ، وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي عِبَارَةِ الْمَالِكِيَّةِ كَثِيرًا، وَأَشَارَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ إِلَى تَقْوِيَةِ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ، وَبَوَّبَ عَلَيْهِ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ إِيجَابَ الْوُضُوءِ عَنِ الْجُنُبِ إِذَا أَرَادَ النَّوْمَ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ بَعْدَ ذَلِكَ هُوَ وَابْنُ خُزَيْمَةَ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا إِنَّمَا أُمِرْتُ بِالْوُضُوءِ إِذَا قُمْتُ إِلَى الصَّلَاةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي بَابِ إِذَا جَامَعَ ثُمَّ عَادَ. وَقَدْ قَدَحَ فِي هَذَا الِاسْتِدْلَالِ ابْنُ رُشْدٍ الْمَالِكِيُّ وَهُوَ وَاضِحٌ.

وَنَقَلَ الطَّحَاوِيُّ، عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى عَدَمِ الِاسْتِحْبَابِ، وَتَمَسَّكَ بِمَا رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ كَانَ يُجْنِبُ ثُمَّ يَنَامُ وَلَا يَمَسُّ مَاءً رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْحُفَّاظَ قَالُوا: إِنَّ أَبَا إِسْحَاقٍ غَلِطَ فِيهِ، وَبِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ تَرَكَ الْوُضُوءَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ لِئَلَّا يُعْتَقَدَ وُجُوبُهُ، أَوْ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: لَا يَمَسُّ مَاءً أَيْ لِلْغُسْلِ، وَأَوْرَدَ الطَّحَاوِيُّ مِنَ الطَّرِيقِ الْمَذْكُورَةِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ جَنَحَ الطَّحَاوِيُّ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوُضُوءِ التَّنْظِيفُ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَاوِيَ الْحَدِيثِ وَهُوَ صَاحِبُ الْقِصَّةِ كَانَ يَتَوَضَّأُ وَهُوَ جُنُبٌ وَلَا يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ نَافِعٍ، وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ ثَبَتَ تَقْيِيدُ الْوُضُوءِ بِالصَّلَاةِ مِنْ رِوَايَتِهِ وَمِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ كَمَا تَقَدَّمَ، فَيُعْتَمَدُ وَيُحْمَلُ تَرْكُ ابْنِ عُمَرَ لِغَسْلِ رِجْلَيْهِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِعُذْرٍ.

وَقَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ: الْمُرَادُ بِالْوُضُوءِ هُنَا الشَّرْعِيُّ وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّهُ يُخَفِّفُ الْحَدَثَ وَلَا سِيَّمَا عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ تَفْرِيقِ الْغُسْلِ فَيَنْوِيهِ، فَيَرْتَفِعُ الْحَدَثُ عَنْ تِلْكَ الْأَعْضَاءِ الْمَخْصُوصَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ الصَّحَابِيِّ قَالَ: إِذَا أَجْنَبَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَنَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ، فَإِنَّهُ نِصْفُ غُسْلِ الْجَنَابَةِ، وَقِيلَ: الْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّهُ إِحْدَى الطِّهَارَتَيْنِ، فَعَلَى هَذَا يَقُومُ التَّيَمُّمُ مَقَامَهُ. وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَجْنَبَ فَأَرَادَ أَنْ يَنَامَ تَوَضَّأَ أَوْ تَيَمَّمَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّيَمُّمُ هُنَا عِنْدَ عُسْرِ وُجُودِ الْمَاءِ، وَقِيلَ:

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٢٨٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ المُوحَّدة، نسبةً (١) إلى جدِّه وأبوه عبد الله (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي (٢) جَعْفَرٍ) الفقيه المصريِّ، وعُبَيد بضمِّ العين (٣) (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أبي (٤) الأسود المدنيِّ، يتيم عروة بن الزُّبير، كان أبوه أوصى به إليه (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (عَنْ عَائِشَةَ) (قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهْوَ جُنُبٌ) جملةٌ حاليَّةٌ (غَسَلَ فَرْجَهُ) ممَّا أصابه من الأذى (وَتَوَضَّأَ) وضوءًا شرعيًّا، كما يتوضَّأ (لِلصَّلَاةِ) وليس المُراد: أنَّه يصلِّي به لأنَّ الصَّلاة تُمنَع (٥) قبل الغسل، واستُنبط منه: أنَّ غسل الجنابة ليس على الفور، بل إنَّما يتضيَّق عند القيام إلى الصَّلاة.

ورواة هذا الحديث السِّتَّة ثلاثةٌ مصريُّون وثلاثةٌ مدنيُّون، وفيه: التَّحديث والعنعنة والقول.

٢٨٩ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكيُّ (قَالَ: حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ) بالجيم والرَّاء مُصغَّرًا، واسم أبيه: أسماء بن عبيدٍ الضُّبعيُّ (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللهِ)

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 1 صفر
هلال متزايد اليوم 2.7 / 29.5
الإضاءة 8%
البدر بعد 12 يوم
لا إله إلا الله