«لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 4507

الحديث رقم 4507 من كتاب «سورة البقرة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب فمن شهد منكم الشهر فليصمه.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «لما نزلت: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام…

«لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كَانَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُفْطِرَ وَيَفْتَدِيَ، حَتَّى نَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا فَنَسَخَتْهَا». مَاتَ بُكَيْرٌ قَبْلَ يَزِيدَ.

﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾

سند حديث: ٤٥٠٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا…

٤٥٠٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ مُضَرَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ يَزِيدَ، مَوْلَى سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، عَنْ سَلَمَةَ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «لما نزلت: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام…

أخبر سلمة بن الأكوع رضي الله عنه أنه عند نزول آية: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} أي الذين يقدرون على الصيام وأفطروا فعليهم فدية طعام مسكين، ومن تطوع بأكثر من ذلك فهو أفضل عند الله تعالى، ويكون صدقةً، فكان من أراد أن يفطر ويفتدي فعل، حتى نزلت الآية التي بعدها وهي قوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} فنسخت آية التخيير كلها، وأوجبت الصوم على كل من شهد الشهر، أو بعضها فيكون حكم الإطعام باقيًا على من لم يطق الصوم لكبر.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • بيان نسخ التخيير بين الصوم والفدية لمن أطاق الصوم.
  • ثبوت النسخ في القرآن، وقد أجمعت الأمة على ذلك، ودل عليه قوله تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها}.
  • التدرج في تشريع الصوم، تسهيلًا على المكلفين، فكان أول ما شرع من أراد أن يصوم صام، ومن أراد أن يطعم أطعم وأفطر، حتى إذا ألفوه، وسهل عليهم نزل قوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه}، فأوجب الله عليهم صيامه، ونسخ الفدية.
  • الدلالة على أن ترتيب الآيات توقيفي.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط

شرح حديث: «لما نزلت: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَنْهُمَا أَنَّهُ قَرَأَ: فِدْيَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ قَالَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ.

٤٥٠٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ مُضَرَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، عَنْ سَلَمَةَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كَانَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُفْطِرَ وَيَفْتَدِيَ، حَتَّى نَزَلَتْ الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا فَنَسَخَتْهَا. مَاتَ بُكَيْرٌ قَبْلَ يَزِيدَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَرَأَ فِدْيَةُ طَعَامٍ بِالْإِضَافَةِ وَمَسَاكِينَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ نَافِعٍ، وَابْنِ ذَكْوَانَ، وَالْبَاقُونَ بِتَنْوِينِ فِدْيَةٍ وَتَوْحِيدِ مِسْكِينٍ وَطَعَامُ بِالرَّفْعِ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ، وَأَمَّا الْإِضَافَةُ فَهِيَ مِنْ إِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَى نَفْسِهِ، وَالْمَقْصُودُ بِهِ الْبَيَانُ مِثْلُ خَاتَمِ حَدِيدٍ وَثَوْبِ حَرِيرٍ، لِأَنَّ الْفِدْيَةَ تَكُونً طَعَامًا وَغَيْرَهُ، وَمَنْ جَمْعَ مَسَاكِينَ فَلِمُقَابَلَةِ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ وَمَنْ أَفْرَدَ فَمَعْنَاهُ: فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِمَّنْ يُطِيقُ الصَّوْمَ، وَيُسْتَفَادُ مِنَ الْإِفْرَادِ أَنَّ الْحُكْمَ لِكُلِّ يَوْمٍ يُفْطِرُ فِيهِ إِطْعَامُ مِسْكِينٍ، وَلَا يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنَ الْجَمْعِ، وَالْمُرَادُ بِالطَّعَامِ الْإِطْعَامُ.

قَوْلُهُ: (قَالَ هِيَ مَنْسُوخَةٌ) هُوَ صَرِيحٌ فِي دَعْوَى النَّسْخِ وَرَجَّحَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ جِهَةِ قَوْلِهِ: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ قَالَ: لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ فِي الشَّيْخِ الْكَبِيرِ الَّذِي لَا يُطِيقُ الصِّيَامَ لَمْ يُنَاسِبْ أَنْ يُقَالَ لَهُ: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مَعَ أَنَّهُ لَا يُطِيقُ الصِّيَامَ.

قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ الْأَكْوَعِ (لَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ إِلَخْ) هَذَا أَيْضًا صَرِيحٌ فِي دَعْوَى النَّسْخِ، وَأَصْرَحُ مِنْهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَيُمْكِنُ إِنْ كَانَتِ الْقِرَاءَةُ بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ ثَابِتَةً أَنْ يَكُونَ الْوَجْهَانِ ثَابِتَيْنِ بِحَسَبِ مَدْلُولِ الْقَرَائِنِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ الْمُصَنِّفُ، وَثَبَتَ هَذَا الْكَلَامُ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ.

قَوْلُهُ: (مَاتَ بُكَيْرٌ قَبْلَ يَزِيدَ) أَيْ: مَاتَ بُكَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ، الرَّاوِي عَنْ يَزِيدَ وَهُوَ ابْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، قَبْلَ شَيْخِهِ يَزِيدَ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ سَنَةَ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، وَقِيلَ قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا، وَمَاتَ يَزِيدُ سَنَةَ سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ.

٢٧ - بَاب ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾

٤٥٠٨ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ الْبَرَاءِ. ح. وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ مَسْلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ ﵁: لَمَّا نَزَلَ صَوْمُ رَمَضَانَ كَانُوا لَا يَقْرَبُونَ النِّسَاءَ رَمَضَانَ كُلَّهُ، وَكَانَ رِجَالٌ يَخُونُونَ أَنْفُسَهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾.

قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ الْآيَةَ كُلَّهَا.

قَوْلُهُ: (لَمَّا نَزَلَ صَوْمُ رَمَضَانَ كَانُوا لَا يَقْرَبُونَ النِّسَاءَ) قَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ أَيْضًا أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَأْكُلُونَ وَلَا يَشْرَبُونَ إِذَا نَامُوا، وَأَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ، وَبَيَّنْتُ هُنَاكَ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْأَمْرَيْنِ مَعًا، وَظَاهِرُ سِيَاقِ حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّ الْجِمَاعَ كَانَ مَمْنُوعًا فِي جَمِيعِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، بِخِلَافِ الْأَكْلِ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

أَي: وَأما الشَّيْخ الْكَبِير إِذا لم يقدر على الصَّوْم فقد أطْعم أنس بن مَالك بَعْدَمَا كبر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة. قَوْله: (عَاما) ، أَي: فِي عَام. قَوْله: (أَو عَاميْنِ) شكّ من الرَّاوِي تَقْدِير الْكَلَام. أما الشَّيْخ الْكَبِير إِذا لم يطق الصَّوْم. فقد اسْتحق الْأكل يَأْكُل وَلَيْسَ قَوْله: فقد أطْعم جَوَاب أما بل هُوَ دَلِيل على الْجَواب محذوفا كَمَا قُلْنَاهُ: وروى عبد بن حميد من طَرِيق النَّضر بن أنس عَن أنس: أَنه أفطر فِي رَمَضَان وَكَانَ قد كبر، فأطعم مِسْكينا كل يَوْم. انْتهى وَكَانَ أنس حِينَئِذٍ فِي عشرَة الْمِائَة.

قِرَاءَةَ العَامَةِ يُطِيقُونَهُ وَهُوَ أكْثَرُ

دأب البُخَارِيّ أَنه يذكر عِنْد عقيب آيَة من الْقُرْآن مَا يتَعَلَّق بلغَة لفظ مِنْهَا أَو بِقِرَاءَة فِيهَا. قَوْله: (يطيقُونَهُ) من أطَاق يُطيق، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب.

٤٥٠٥ - ح دَّثني إسْحَاقُ أخْبَرَنَا رَوْحٌ حدَّثنا زَكَرِيَّا بنُ إسْحَاقَ حدَّثنا عَمْرُو بنُ دِينارٍ عنْ عَطَاءَ سَمِعَ ابنَ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ {وَعَلَى الَّذِينَ يُطَوَّقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ هُوَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ والْمَرْأةُ الكَبِيرَةُ لَا يَسْتَطِيعَانِ أنْ يَصُومَا فَلْيُطْعِما مَكانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينا.

إِسْحَاق هُوَ ابْن رَاهَوَيْه. قَالَ بَعضهم: وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) ، إِسْحَاق هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم، كَمَا صرح بِهِ أَبُو نعيم فِي (مستخرجه) قلت روى البُخَارِيّ عَن خَمْسَة أنفس كل مِنْهُم يُسمى إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَلم يبين أَي إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم هُوَ، وَالظَّاهِر أَنه إِسْحَاق ابْن إِبْرَاهِيم الَّذِي يُقَال لَهُ. رَاهَوَيْه، لِأَنَّهُ روى عَن روح بن عبَادَة عَن زَكَرِيَّا بن إِسْحَاق الْمَكِّيّ عَن عَمْرو بن دِينَار الْمَكِّيّ عَن عَطاء ابْن أبي رَبَاح الْمَكِّيّ.

قَوْله: (يطوقونه) بِضَم الْيَاء وَتَخْفِيف الطَّاء وَتَشْديد الْوَاو على الْبناء للْمَجْهُول بِمَعْنى يتكلفونه، وَكَذَا وَقع تَفْسِيره عِنْد النَّسَائِيّ وَهِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود أَيْضا قَوْله: (قَالَ ابْن عَبَّاس) إِلَى آخِره إِشَارَة إِلَى أَن ابْن عَبَّاس لَا يرى النّسخ فِي هَذَا، وَقد خَالفه الْجُمْهُور. وَحَدِيث مسلمة الَّذِي يَأْتِي عَن قريب يدل على أَنَّهَا مَنْسُوخَة وَحَاصِل الْأَمر أَن النّسخ ثَابت فِي حق الصَّحِيح الْقيم بِإِيجَاب الصّيام عَلَيْهِ لقَوْله تَعَالَى: {فَمن شهد مِنْك الشَّهْر فليصمه} (الْبَقَرَة: ١٨٥) وَأما الشَّيْخ الفاني الْهَرم الَّذِي لَا يَسْتَطِيع الصَّوْم فَلهُ أَن يفْطر وَلَا قَضَاء عَلَيْهِ، وَلكنه هَل يجب عَلَيْهِ إِذا أفطر أَن يطعم عَن كل يَوْم مِسْكينا إِذا كَانَ ذَا جدة، فِيهِ قَولَانِ للْعُلَمَاء: أَحدهمَا: لَا يجب كَالصَّبِيِّ وَهُوَ أحد قولي الشَّافِعِي. وَالثَّانِي: هُوَ الصَّحِيح وَعَلِيهِ أَكثر الْعلمَاء: أَنه يجب عَلَيْهِ فديَة عَن كل يَوْم، كَمَا فسره ابْن عَبَّاس على قِرَاءَة: يطوقون، أَي: يتجشمونه. كَمَا قَالَه ابْن مَسْعُود وَغَيره، وَهُوَ اخْتِيَار البُخَارِيّ حَيْثُ قَالَ: وَأما الشَّيْخ الْكَبِير، الخ كَمَا مر آنِفا.

٢٦ - (بَاب: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} (الْبَقَرَة: ١٨٥)

أَي: هَذَا فِي بَيَان قَوْله تَعَالَى:} {فَمن شهد} أَي: فَمن كَانَ شَاهدا أَي حَاضرا مُقيما غير مُسَافر فِي الشَّهْر فليصمه وَلَا يفْطر قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الشَّهْر، مَنْصُوب على الظّرْف وَكَذَلِكَ الْهَاء فِي: فليصمه وَلَا يكون مَفْعُولا لِأَنَّهُ انْتهى. قلت: أَرَادَ بِهَذَا الرَّد على من قَالَ أَنه مفعول بِهِ وَمثل لما قَالَه بقوله كَقَوْلِك: شهِدت الْجُمُعَة، لِأَن الْمُقِيم وَالْمُسَافر كِلَاهُمَا شَاهِدَانِ للشهر.

٤٥٠٦ - ح دَّثنا عَياش بن الوَلِيدِ حدَّثنا عَبْدُ الأَعْلَى حدَّثنا عُبَيْدُ الله عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُما أنَّهُ قَرَأَ فِدْيَةُ طَعَامِ مَسَاكِينَ قَالَ هِيَ مَنْسُوخَةٌ.

عَيَّاش، بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف وبالشين الْمُعْجَمَة ابْن الْوَلِيد الرقام الْبَصْرِيّ يروي عَن عبد الْأَعْلَى السَّامِي الْبَصْرِيّ عَن عبيد الله بن عمر بن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله عَنهُ.

قَوْله: (فديَة طَعَام) بِالْإِضَافَة ومساكين، بِالْجمعِ وَهِي قِرَاءَة نَافِع وَابْن ذكْوَان وَالْبَاقُونَ بتنوين فديَة، وتوحيد: مِسْكين، وَطَعَام بِالرَّفْع على أَنه بدل من فديَة. قَوْله: (هِيَ مَنْسُوخَة) ، أَي: الْآيَة الَّتِي هِيَ قَوْله: {وعَلى الَّذين يطيقُونَهُ} (الْبَقَرَة: ١٨٤) وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب، وَرجحه ابْن الْمُنْذر من جِهَة قَوْله: {وَأَن

تَصُومُوا خير لكم} (الْبَقَرَة: ١٨٤) قَالَ: لِأَنَّهَا لَو كَانَت فِي الشَّيْخ الْكَبِير الَّذِي لَا يُطيق الصّيام لم يُنَاسب أَن يُقَال: {وَإِن تَصُومُوا خير لكم} مَعَ أَنه لَا يُطيق الصّيام.

٤٥٠٧ - ح دَّثنا قُتَيْبَةُ حدَّثنا بَكْرُ بنُ مُضَرَ عنْ عَمْرو بن الحَارِثِ عنْ بُكَيْرِ بن عَبْدِ الله عنْ يَزِيدَ مَوْلَى سَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعِ عَنْ سَلَمَةَ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} كَانَ مَنْ أرَادَ أنْ يُفْطِرَ وَيَقْتَدِيَ حَتَّى نَزَلَتِ الآيةُ الَّتِي بَعْدَها فَنَسَخَتْها.

هَذَا أَيْضا صَرِيح فِي دَعْوَى النّسخ وَأخرجه مُسلم فِي الصَّوْم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ أَيْضا فِيهِ وَالنَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير، خمستهم عَن قُتَيْبَة عَن بكر بن مُضر.

قَالَ أبُو عبْدِ الله مَاتَ بُكَيْرٌ قَبْلَ يَزِيدَ

أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، هَذَا ثَبت فِي رِوَايَة المستعلى وَحده، أَي: مَاتَ بكير بن عبد الله بن الْأَشَج الرَّاوِي عَن يزِيد بن أبي عبيد مولى مسلمة قبل شَيْخه يزِيد، وَكَانَت وَفَاة بكير سنة عشْرين وَمِائَة، وَقيل: قبلهَا أَو بعْدهَا، وَمَات يزِيد سنة سِتّ أَو سبع وَأَرْبَعين وَمِائَة.

٢٧ - (بَاب: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِيَّامِ الرَّفَثُ إلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنّ علِمَ الله أنّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسُكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ} (الْبَقَرَة: ١٨٧)

أَي: هَذَا فِي بَيَان أَحْكَام هَذِه الْآيَة وَهَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أبي ذَر. وسَاق فِي رِوَايَة كَرِيمَة إِلَى آخر الْآيَة قَوْله: (أحل لكم) وقرىء (أُحل لكم لَيْلَة الصّيام الرَّفَث) على بِنَاء الْفَاعِل فِي: أُحل، وبنصب الرَّفَث أَي أحل الله لكم الرَّفَث أَي: الْجِمَاع. وَقَرَأَ عبد الله الرفوث، وَإِنَّمَا أفْصح فِيمَا يَنْبَغِي أَن يكنى عَنهُ استقباحا لما وجد مِنْهُم قبل الْإِبَاحَة كَمَا سَمَّاهُ اختنانا لأَنْفُسِهِمْ عدى بِكَلِمَة إِلَى لتَضَمّنه معنى الْإِفْضَاء وَسبب نزُول الْآيَة هُوَ دفع الْمَشَقَّة عَن عباده، وَذَلِكَ أَن الرجل كَانَ يحل لَهُ الْأكل وَالشرب وَالْجِمَاع إِلَى أَن يُصَلِّي الْعشَاء الْآخِرَة أَو يرقد، فَإِذا صلى أَو رقد وَلم يفْطر حرم عَلَيْهِ الطَّعَام وَالشرَاب وَالْجِمَاع إِلَى الْقَابِلَة. ثمَّ أَن نَاسا من الْمُسلمين أَصَابُوا من الطَّعَام وَالشرَاب بعد الْعشَاء مِنْهُم عمر بن الْخطاب، رَضِي الله عَنهُ وَاقع أَهله بعد الْعشَاء، فَلَمَّا اغْتسل أَخذ يبكي وَيَلُوم نَفسه فَأتى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأخْبرهُ بِمَا فعل. وَقَامَ نَاس أَيْضا فَاعْتَرفُوا بِمَا كَانُوا صَنَعُوا بعد الْعشَاء. فَنزلت رخصَة من الله وَرفع مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي ابْتِدَاء الْإِسْلَام قَوْله: (هن لِبَاس لكم) اسْتِئْنَاف كالبيان لسَبَب الْإِحْلَال، وَلما كَانَ الرجل وَالْمَرْأَة يعتنقان ويشتمل كل وَاحِد مِنْهُمَا على صَاحبه فِي عناقه شبه باللباس الْمُشْتَمل عَلَيْهِ. قَوْله: (تختانون أَنفسكُم) ، أَي: تظلمونها وتنقصونها حظها من الْخَيْر والاختنان من الختن كالاكتساب من الْكسْب فِيهِ زِيَادَة شدَّة. قَوْله: (فَتَابَ عَلَيْكُم) ، أَي: حِين تبتم من الْمَحْظُور. قَوْله: (فَالْآن باشروهن) ، أَي: فِي الْوَقْت الَّذِي كَانَ يحرم عَلَيْكُم الْجِمَاع فِيهِ. والمباشرة المجامعة لتصلاق بشرة كل مِنْهُم بِصَاحِبِهِ. قَوْله: (وابتغوا مَا كتب الله لكم) ، أَي: اطلبوه يُقَال: بغى الشَّيْء يبغيه بغيا وابتغاه يبتغيه ابْتِغَاء. وَمعنى: (مَا كتب الله لكم) مَا قَضَاهُ لكم من الْوَلَد. وَقيل: مَا أحل لكم من الْجِمَاع. وَقيل: مَا كتب فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ وَالْأَمر أَمر إِبَاحَة وَقَالَ أهل الظَّاهِر أَمر إِيجَاب وَختم.

٤٥٠٨ - ح دَّثنا عُبَيْدُ الله عنْ إسْرَائِيلَ عنْ أبِي إسْحَاقَ عنِ البَرَاءِ وَحَدَّثنا أحْمَدُ بنُ عُثْمانَ حدَّثنا شُرَيْحُ بنُ مَسْلَمَةَ قَالَ حدَّثني إبْرَاهِيمُ بنُ يوسُفَ عنْ أبِيهِ عنْ أبِي إسْحَاقَ قَالَ سَمِعْتُ البرَاءَ رَضِي الله تَعالَى عنهُ لمَّا نَزَل صَوْمُ رَمَضَانَ كانُوا لَا يَقْرَبُونَ النِّساءَ رَمَضَانَ كُلَّهُ وكانَ رجالٌ يَخُونون أنْفُسَهُمْ فأنْزَلَ الله تَعَالَى {عَلِمَ الله أنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكْمْ} .

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

عَنْهُمَا أَنَّهُ قَرَأَ: فِدْيَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ قَالَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ.

٤٥٠٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ مُضَرَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، عَنْ سَلَمَةَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كَانَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُفْطِرَ وَيَفْتَدِيَ، حَتَّى نَزَلَتْ الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا فَنَسَخَتْهَا. مَاتَ بُكَيْرٌ قَبْلَ يَزِيدَ.

قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ ذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَرَأَ فِدْيَةُ طَعَامٍ بِالْإِضَافَةِ وَمَسَاكِينَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ نَافِعٍ، وَابْنِ ذَكْوَانَ، وَالْبَاقُونَ بِتَنْوِينِ فِدْيَةٍ وَتَوْحِيدِ مِسْكِينٍ وَطَعَامُ بِالرَّفْعِ عَلَى الْبَدَلِيَّةِ، وَأَمَّا الْإِضَافَةُ فَهِيَ مِنْ إِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَى نَفْسِهِ، وَالْمَقْصُودُ بِهِ الْبَيَانُ مِثْلُ خَاتَمِ حَدِيدٍ وَثَوْبِ حَرِيرٍ، لِأَنَّ الْفِدْيَةَ تَكُونً طَعَامًا وَغَيْرَهُ، وَمَنْ جَمْعَ مَسَاكِينَ فَلِمُقَابَلَةِ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ وَمَنْ أَفْرَدَ فَمَعْنَاهُ: فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِمَّنْ يُطِيقُ الصَّوْمَ، وَيُسْتَفَادُ مِنَ الْإِفْرَادِ أَنَّ الْحُكْمَ لِكُلِّ يَوْمٍ يُفْطِرُ فِيهِ إِطْعَامُ مِسْكِينٍ، وَلَا يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنَ الْجَمْعِ، وَالْمُرَادُ بِالطَّعَامِ الْإِطْعَامُ.

قَوْلُهُ: (قَالَ هِيَ مَنْسُوخَةٌ) هُوَ صَرِيحٌ فِي دَعْوَى النَّسْخِ وَرَجَّحَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ جِهَةِ قَوْلِهِ: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ قَالَ: لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ فِي الشَّيْخِ الْكَبِيرِ الَّذِي لَا يُطِيقُ الصِّيَامَ لَمْ يُنَاسِبْ أَنْ يُقَالَ لَهُ: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مَعَ أَنَّهُ لَا يُطِيقُ الصِّيَامَ.

قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ الْأَكْوَعِ (لَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ إِلَخْ) هَذَا أَيْضًا صَرِيحٌ فِي دَعْوَى النَّسْخِ، وَأَصْرَحُ مِنْهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَيُمْكِنُ إِنْ كَانَتِ الْقِرَاءَةُ بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ ثَابِتَةً أَنْ يَكُونَ الْوَجْهَانِ ثَابِتَيْنِ بِحَسَبِ مَدْلُولِ الْقَرَائِنِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ الْمُصَنِّفُ، وَثَبَتَ هَذَا الْكَلَامُ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ.

قَوْلُهُ: (مَاتَ بُكَيْرٌ قَبْلَ يَزِيدَ) أَيْ: مَاتَ بُكَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ، الرَّاوِي عَنْ يَزِيدَ وَهُوَ ابْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، قَبْلَ شَيْخِهِ يَزِيدَ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ سَنَةَ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ، وَقِيلَ قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا، وَمَاتَ يَزِيدُ سَنَةَ سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ.

٢٧ - بَاب ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾

٤٥٠٨ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ الْبَرَاءِ. ح. وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ مَسْلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ ﵁: لَمَّا نَزَلَ صَوْمُ رَمَضَانَ كَانُوا لَا يَقْرَبُونَ النِّسَاءَ رَمَضَانَ كُلَّهُ، وَكَانَ رِجَالٌ يَخُونُونَ أَنْفُسَهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾.

قَوْلُهُ: (بَابُ ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ، وَسَاقَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ الْآيَةَ كُلَّهَا.

قَوْلُهُ: (لَمَّا نَزَلَ صَوْمُ رَمَضَانَ كَانُوا لَا يَقْرَبُونَ النِّسَاءَ) قَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ أَيْضًا أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَأْكُلُونَ وَلَا يَشْرَبُونَ إِذَا نَامُوا، وَأَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ، وَبَيَّنْتُ هُنَاكَ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْأَمْرَيْنِ مَعًا، وَظَاهِرُ سِيَاقِ حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّ الْجِمَاعَ كَانَ مَمْنُوعًا فِي جَمِيعِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، بِخِلَافِ الْأَكْلِ

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

أَي: وَأما الشَّيْخ الْكَبِير إِذا لم يقدر على الصَّوْم فقد أطْعم أنس بن مَالك بَعْدَمَا كبر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة. قَوْله: (عَاما) ، أَي: فِي عَام. قَوْله: (أَو عَاميْنِ) شكّ من الرَّاوِي تَقْدِير الْكَلَام. أما الشَّيْخ الْكَبِير إِذا لم يطق الصَّوْم. فقد اسْتحق الْأكل يَأْكُل وَلَيْسَ قَوْله: فقد أطْعم جَوَاب أما بل هُوَ دَلِيل على الْجَواب محذوفا كَمَا قُلْنَاهُ: وروى عبد بن حميد من طَرِيق النَّضر بن أنس عَن أنس: أَنه أفطر فِي رَمَضَان وَكَانَ قد كبر، فأطعم مِسْكينا كل يَوْم. انْتهى وَكَانَ أنس حِينَئِذٍ فِي عشرَة الْمِائَة.

قِرَاءَةَ العَامَةِ يُطِيقُونَهُ وَهُوَ أكْثَرُ

دأب البُخَارِيّ أَنه يذكر عِنْد عقيب آيَة من الْقُرْآن مَا يتَعَلَّق بلغَة لفظ مِنْهَا أَو بِقِرَاءَة فِيهَا. قَوْله: (يطيقُونَهُ) من أطَاق يُطيق، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب.

٤٥٠٥ - ح دَّثني إسْحَاقُ أخْبَرَنَا رَوْحٌ حدَّثنا زَكَرِيَّا بنُ إسْحَاقَ حدَّثنا عَمْرُو بنُ دِينارٍ عنْ عَطَاءَ سَمِعَ ابنَ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ {وَعَلَى الَّذِينَ يُطَوَّقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ هُوَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ والْمَرْأةُ الكَبِيرَةُ لَا يَسْتَطِيعَانِ أنْ يَصُومَا فَلْيُطْعِما مَكانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينا.

إِسْحَاق هُوَ ابْن رَاهَوَيْه. قَالَ بَعضهم: وَقَالَ صَاحب (التَّوْضِيح) ، إِسْحَاق هُوَ ابْن إِبْرَاهِيم، كَمَا صرح بِهِ أَبُو نعيم فِي (مستخرجه) قلت روى البُخَارِيّ عَن خَمْسَة أنفس كل مِنْهُم يُسمى إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَلم يبين أَي إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم هُوَ، وَالظَّاهِر أَنه إِسْحَاق ابْن إِبْرَاهِيم الَّذِي يُقَال لَهُ. رَاهَوَيْه، لِأَنَّهُ روى عَن روح بن عبَادَة عَن زَكَرِيَّا بن إِسْحَاق الْمَكِّيّ عَن عَمْرو بن دِينَار الْمَكِّيّ عَن عَطاء ابْن أبي رَبَاح الْمَكِّيّ.

قَوْله: (يطوقونه) بِضَم الْيَاء وَتَخْفِيف الطَّاء وَتَشْديد الْوَاو على الْبناء للْمَجْهُول بِمَعْنى يتكلفونه، وَكَذَا وَقع تَفْسِيره عِنْد النَّسَائِيّ وَهِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود أَيْضا قَوْله: (قَالَ ابْن عَبَّاس) إِلَى آخِره إِشَارَة إِلَى أَن ابْن عَبَّاس لَا يرى النّسخ فِي هَذَا، وَقد خَالفه الْجُمْهُور. وَحَدِيث مسلمة الَّذِي يَأْتِي عَن قريب يدل على أَنَّهَا مَنْسُوخَة وَحَاصِل الْأَمر أَن النّسخ ثَابت فِي حق الصَّحِيح الْقيم بِإِيجَاب الصّيام عَلَيْهِ لقَوْله تَعَالَى: {فَمن شهد مِنْك الشَّهْر فليصمه} (الْبَقَرَة: ١٨٥) وَأما الشَّيْخ الفاني الْهَرم الَّذِي لَا يَسْتَطِيع الصَّوْم فَلهُ أَن يفْطر وَلَا قَضَاء عَلَيْهِ، وَلكنه هَل يجب عَلَيْهِ إِذا أفطر أَن يطعم عَن كل يَوْم مِسْكينا إِذا كَانَ ذَا جدة، فِيهِ قَولَانِ للْعُلَمَاء: أَحدهمَا: لَا يجب كَالصَّبِيِّ وَهُوَ أحد قولي الشَّافِعِي. وَالثَّانِي: هُوَ الصَّحِيح وَعَلِيهِ أَكثر الْعلمَاء: أَنه يجب عَلَيْهِ فديَة عَن كل يَوْم، كَمَا فسره ابْن عَبَّاس على قِرَاءَة: يطوقون، أَي: يتجشمونه. كَمَا قَالَه ابْن مَسْعُود وَغَيره، وَهُوَ اخْتِيَار البُخَارِيّ حَيْثُ قَالَ: وَأما الشَّيْخ الْكَبِير، الخ كَمَا مر آنِفا.

٢٦ - (بَاب: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} (الْبَقَرَة: ١٨٥)

أَي: هَذَا فِي بَيَان قَوْله تَعَالَى:} {فَمن شهد} أَي: فَمن كَانَ شَاهدا أَي حَاضرا مُقيما غير مُسَافر فِي الشَّهْر فليصمه وَلَا يفْطر قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: الشَّهْر، مَنْصُوب على الظّرْف وَكَذَلِكَ الْهَاء فِي: فليصمه وَلَا يكون مَفْعُولا لِأَنَّهُ انْتهى. قلت: أَرَادَ بِهَذَا الرَّد على من قَالَ أَنه مفعول بِهِ وَمثل لما قَالَه بقوله كَقَوْلِك: شهِدت الْجُمُعَة، لِأَن الْمُقِيم وَالْمُسَافر كِلَاهُمَا شَاهِدَانِ للشهر.

٤٥٠٦ - ح دَّثنا عَياش بن الوَلِيدِ حدَّثنا عَبْدُ الأَعْلَى حدَّثنا عُبَيْدُ الله عنْ نافِعٍ عنِ ابنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُما أنَّهُ قَرَأَ فِدْيَةُ طَعَامِ مَسَاكِينَ قَالَ هِيَ مَنْسُوخَةٌ.

عَيَّاش، بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف وبالشين الْمُعْجَمَة ابْن الْوَلِيد الرقام الْبَصْرِيّ يروي عَن عبد الْأَعْلَى السَّامِي الْبَصْرِيّ عَن عبيد الله بن عمر بن حَفْص بن عَاصِم بن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله عَنهُ.

قَوْله: (فديَة طَعَام) بِالْإِضَافَة ومساكين، بِالْجمعِ وَهِي قِرَاءَة نَافِع وَابْن ذكْوَان وَالْبَاقُونَ بتنوين فديَة، وتوحيد: مِسْكين، وَطَعَام بِالرَّفْع على أَنه بدل من فديَة. قَوْله: (هِيَ مَنْسُوخَة) ، أَي: الْآيَة الَّتِي هِيَ قَوْله: {وعَلى الَّذين يطيقُونَهُ} (الْبَقَرَة: ١٨٤) وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب، وَرجحه ابْن الْمُنْذر من جِهَة قَوْله: {وَأَن

تَصُومُوا خير لكم} (الْبَقَرَة: ١٨٤) قَالَ: لِأَنَّهَا لَو كَانَت فِي الشَّيْخ الْكَبِير الَّذِي لَا يُطيق الصّيام لم يُنَاسب أَن يُقَال: {وَإِن تَصُومُوا خير لكم} مَعَ أَنه لَا يُطيق الصّيام.

٤٥٠٧ - ح دَّثنا قُتَيْبَةُ حدَّثنا بَكْرُ بنُ مُضَرَ عنْ عَمْرو بن الحَارِثِ عنْ بُكَيْرِ بن عَبْدِ الله عنْ يَزِيدَ مَوْلَى سَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعِ عَنْ سَلَمَةَ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} كَانَ مَنْ أرَادَ أنْ يُفْطِرَ وَيَقْتَدِيَ حَتَّى نَزَلَتِ الآيةُ الَّتِي بَعْدَها فَنَسَخَتْها.

هَذَا أَيْضا صَرِيح فِي دَعْوَى النّسخ وَأخرجه مُسلم فِي الصَّوْم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ أَيْضا فِيهِ وَالنَّسَائِيّ فِي التَّفْسِير، خمستهم عَن قُتَيْبَة عَن بكر بن مُضر.

قَالَ أبُو عبْدِ الله مَاتَ بُكَيْرٌ قَبْلَ يَزِيدَ

أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه، هَذَا ثَبت فِي رِوَايَة المستعلى وَحده، أَي: مَاتَ بكير بن عبد الله بن الْأَشَج الرَّاوِي عَن يزِيد بن أبي عبيد مولى مسلمة قبل شَيْخه يزِيد، وَكَانَت وَفَاة بكير سنة عشْرين وَمِائَة، وَقيل: قبلهَا أَو بعْدهَا، وَمَات يزِيد سنة سِتّ أَو سبع وَأَرْبَعين وَمِائَة.

٢٧ - (بَاب: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِيَّامِ الرَّفَثُ إلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنّ علِمَ الله أنّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسُكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ} (الْبَقَرَة: ١٨٧)

أَي: هَذَا فِي بَيَان أَحْكَام هَذِه الْآيَة وَهَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أبي ذَر. وسَاق فِي رِوَايَة كَرِيمَة إِلَى آخر الْآيَة قَوْله: (أحل لكم) وقرىء (أُحل لكم لَيْلَة الصّيام الرَّفَث) على بِنَاء الْفَاعِل فِي: أُحل، وبنصب الرَّفَث أَي أحل الله لكم الرَّفَث أَي: الْجِمَاع. وَقَرَأَ عبد الله الرفوث، وَإِنَّمَا أفْصح فِيمَا يَنْبَغِي أَن يكنى عَنهُ استقباحا لما وجد مِنْهُم قبل الْإِبَاحَة كَمَا سَمَّاهُ اختنانا لأَنْفُسِهِمْ عدى بِكَلِمَة إِلَى لتَضَمّنه معنى الْإِفْضَاء وَسبب نزُول الْآيَة هُوَ دفع الْمَشَقَّة عَن عباده، وَذَلِكَ أَن الرجل كَانَ يحل لَهُ الْأكل وَالشرب وَالْجِمَاع إِلَى أَن يُصَلِّي الْعشَاء الْآخِرَة أَو يرقد، فَإِذا صلى أَو رقد وَلم يفْطر حرم عَلَيْهِ الطَّعَام وَالشرَاب وَالْجِمَاع إِلَى الْقَابِلَة. ثمَّ أَن نَاسا من الْمُسلمين أَصَابُوا من الطَّعَام وَالشرَاب بعد الْعشَاء مِنْهُم عمر بن الْخطاب، رَضِي الله عَنهُ وَاقع أَهله بعد الْعشَاء، فَلَمَّا اغْتسل أَخذ يبكي وَيَلُوم نَفسه فَأتى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَأخْبرهُ بِمَا فعل. وَقَامَ نَاس أَيْضا فَاعْتَرفُوا بِمَا كَانُوا صَنَعُوا بعد الْعشَاء. فَنزلت رخصَة من الله وَرفع مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي ابْتِدَاء الْإِسْلَام قَوْله: (هن لِبَاس لكم) اسْتِئْنَاف كالبيان لسَبَب الْإِحْلَال، وَلما كَانَ الرجل وَالْمَرْأَة يعتنقان ويشتمل كل وَاحِد مِنْهُمَا على صَاحبه فِي عناقه شبه باللباس الْمُشْتَمل عَلَيْهِ. قَوْله: (تختانون أَنفسكُم) ، أَي: تظلمونها وتنقصونها حظها من الْخَيْر والاختنان من الختن كالاكتساب من الْكسْب فِيهِ زِيَادَة شدَّة. قَوْله: (فَتَابَ عَلَيْكُم) ، أَي: حِين تبتم من الْمَحْظُور. قَوْله: (فَالْآن باشروهن) ، أَي: فِي الْوَقْت الَّذِي كَانَ يحرم عَلَيْكُم الْجِمَاع فِيهِ. والمباشرة المجامعة لتصلاق بشرة كل مِنْهُم بِصَاحِبِهِ. قَوْله: (وابتغوا مَا كتب الله لكم) ، أَي: اطلبوه يُقَال: بغى الشَّيْء يبغيه بغيا وابتغاه يبتغيه ابْتِغَاء. وَمعنى: (مَا كتب الله لكم) مَا قَضَاهُ لكم من الْوَلَد. وَقيل: مَا أحل لكم من الْجِمَاع. وَقيل: مَا كتب فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ وَالْأَمر أَمر إِبَاحَة وَقَالَ أهل الظَّاهِر أَمر إِيجَاب وَختم.

٤٥٠٨ - ح دَّثنا عُبَيْدُ الله عنْ إسْرَائِيلَ عنْ أبِي إسْحَاقَ عنِ البَرَاءِ وَحَدَّثنا أحْمَدُ بنُ عُثْمانَ حدَّثنا شُرَيْحُ بنُ مَسْلَمَةَ قَالَ حدَّثني إبْرَاهِيمُ بنُ يوسُفَ عنْ أبِيهِ عنْ أبِي إسْحَاقَ قَالَ سَمِعْتُ البرَاءَ رَضِي الله تَعالَى عنهُ لمَّا نَزَل صَوْمُ رَمَضَانَ كانُوا لَا يَقْرَبُونَ النِّساءَ رَمَضَانَ كُلَّهُ وكانَ رجالٌ يَخُونون أنْفُسَهُمْ فأنْزَلَ الله تَعَالَى {عَلِمَ الله أنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكْمْ} .

بسم الله الرحمن الرحيم الثلاثاء 8 جمادى الأولى
التربيع الأول اليوم 8.9 / 29.5
الإضاءة 66%
البدر بعد 6 يوم
أستغفر الله

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56