«الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ، كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ»…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 552

الحديث رقم 552 من كتاب «كتاب مواقيت الصلاة» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إثم من فاتته العصر.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «الذي تفوته صلاة العصر، كأنما وتر أهله…

«الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ، كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ».

بَابُ مَنْ تَرَكَ الْعَصْرَ

سند حديث: ٥٥٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ…

٥٥٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ:

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «الذي تفوته صلاة العصر، كأنما وتر أهله…

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الذي تفوته صلاة العصر فلا يصليها في وقتها كأنما نُقِصَ أو سُلب منه أهله وماله، وذلك لفضل صلاة العصر، وفيه الحض على أداء الصلاة في وقتها وعدم تفويتها، وبيان تحقير الدنيا وأن قليل عمل البر خير من كثير من الدنيا، فالعاقل العالم بمقدار هذا الخطاب يحزن على فوات صلاة العصر إلم يدرك منها ركعة قبل غروب الشمس، أو قبل اصفرارها فوق حزنه على ذهاب أهله وماله لو حصل.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • بيان التشديد في تفويت صلاة العصر.
  • بيان عظم قدر صلاة العصر عند الله عز وجل وموقعها من الدين، وأن الذي تفوته قد فجع بدينه بما ذهب منه كما يفجع من ذهب أهله وماله.
  • بيان تعظيم فعل الصلاة في وقتها.
  • بيان تحقير الدنيا وأن قليل عمل البر خير من كثير من الدنيا.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com - شرح مبسّط

شرح حديث: «الذي تفوته صلاة العصر، كأنما وتر أهله…

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مَضَى ذَلِكَ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ.

١٤ - بَاب إِثْمِ مَنْ فَاتَتْهُ الْعَصْرُ

٥٥٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ.

قَوْلُهُ (بَابُ إِثْمِ مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ) أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِذِكْرِ الْإِثْمِ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَوَاتِ تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِ الْجَوَازِ بِغَيْرِ عُذْرٍ؛ لِأَنَّ الْإِثْمَ إِنَّمَا يَتَرَتَبُ عَلَى ذَلِكَ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ.

قَوْلُهُ (الَّذِي تَفُوتُهُ) قَالَ ابْنُ بَزِيزَةَ: فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ كَرِهَ أَنْ يَقُولَ فَاتَتْنَا الصَّلَاةُ.

قُلْتُ: وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ.

قَوْلُهُ: (صَلَاةُ الْعَصْرِ فَكَأَنَّمَا) كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ، وَسَقَطَ لِلْأَكْثَرِ لَفْظُ صَلَاةٍ وَالْفَاءُ مِنْ قَوْلِهِ فَكَأَنَّمَا.

قَوْلُهُ: (وُتِرَ أَهْلَهُ) هُوَ بِالنَّصْبِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِوُتِرَ، وَأُضْمِرَ فِي وُتِرَ مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ وَهُوَ عَائِدٌ عَلَى الَّذِي فَاتَتْهُ، فَالْمَعْنَى أُصِيبَ بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ. وَهُوَ مُتَعَدٍّ إِلَى مَفْعُولَيْنِ. وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْمُصَنِّفُ فِيمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَتِرَكُمْ. انْتَهَى. وَقِيلَ وُتِرَ هُنَا بِمَعْنَى نُقِصَ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ نَصْبُهُ وَرَفْعُهُ؛ لِأَنَّ مَنْ رَدَّ النَّقْصَ إِلَى الرَّجُلِ نَصَبَ وَأَضْمَرَ مَا يَقُومُ مَقَامَ الْفَاعِلِ، وَمَنْ رَدَّهُ إِلَى الْأَهْلِ رَفَعَ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: يُرْوَى بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّ وُتِرَ بِمَعْنَى سُلِبَ، وَهُوَ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ، وَبِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّ وُتِرَ بِمَعْنَى أُخِذَ فَيَكُونُ أَهْلُهُ هُوَ الْمَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي أَيْضًا: وَتَرْتُ الرَّجُلَ إِذَا قَتَلْتُ لَهُ قَتِيلًا أَوْ أَخَذْتُ مَالَهُ، وَحَقِيقَةُ الْوَتْرِ كَمَا قَالَ الْخَلِيلُ هُوَ الظُّلْمُ فِي الدَّمِ، فَعَلَى هَذَا فَاسْتِعْمَالُهُ فِي الْمَالِ مَجَازٌ، لَكِنْ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْمَوْتُورُ هُوَ الَّذِي قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَلَمْ يُدْرَكْ بِدَمِهِ، تَقُولُ مِنْهُ وُتِرَ وَتَقُولُ أَيْضًا وَتَرَهُ حَقَّهُ أَيْ نَقَصَهُ.

وَقِيلَ الْمَوْتُورُ مَنْ أُخِذَ أَهْلُهُ أَوْ مَالُهُ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ وَذَلِكَ أَشَدُّ لِغَمِّهِ، فَوَقَعَ التَّشْبِيهُ بِذَلِكَ لِمَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ لِأَنَّهُ يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ غَمَّانِ: غَمُّ الْإِثْمِ وَغَمُّ فَقْدِ الثَّوَابِ. كَمَا يَجْتَمِعُ عَلَى الْمَوْتُورِ غَمَّانِ: غَمُّ السَّلْبِ، وَغَمُّ الطَّلَبِ بِالثَّأْرِ. وَقِيلَ: مَعْنَى وُتِرَ أُخِذَ أَهْلُهُ وَمَالُهُ فَصَارَ وَتْرًا أَيْ فَرْدًا، وَيُؤَيِّدُ الَّذِي قَبْلَهُ رِوَايَةُ أَبِي مُسْلِمٍ الْكَجِّيِّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ فَذَكَرَ نَحْوَ هَذَا الْحَدِيثِ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ وَهُوَ قَاعِدٌ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ التَّغْلِيظُ عَلَى مَنْ تَفُوتُهُ الْعَصْرُ، وَأَنَّ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِهَا. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحَدِيثُ خَرَجَ جَوَابًا لِسَائِلٍ سَأَلَ عَنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ فَأُجِيبَ، فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ إِلْحَاقَ غَيْرِهَا مِنَ الصَّلَوَاتِ بِهَا. وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّهُ إِنَّمَا يُلْحَقُ غَيْرُ الْمَنْصُوصِ بِالْمَنْصُوصِ إِذَا عُرِفَتِ الْعِلَّةُ وَاشْتَرَكَا فِيهَا. قَالَ: وَالْعِلَّةُ فِي هَذَا الْحُكْمِ لَمْ تَتَحَقَّقْ فَلَا يَلْتَحِقُ غَيْرُ الْعَصْرِ بِهَا. انْتَهَى. وَهَذَا لَا يَدْفَعُ الِاحْتِمَالَ. وَقَدِ احْتَجَّ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِمَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا: مَنْ تَرَكَ صَلَاةً مَكْتُوبَةً حَتَّى تَفُوتَهُ الْحَدِيثَ.

قُلْتُ: وَفِي إِسْنَادِهِ انْقِطَاعٌ؛ لِأَنَّ أَبَا قِلَابَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ. وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ بِلَفْظِ: مَنْ تَرَكَ الْعَصْرَ فَرَجَعَ حَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ إِلَى تَعْيِينِ الْعَصْرِ. وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ نَوْفَلِ بْنِ مُعَاوِيَةَ مَرْفُوعًا: مَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ، وَهَذَا ظَاهِرُهُ الْعُمُومُ فِي الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ. وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ نَوْفَلٍ بِلَفْظِ: لَأَنْ يُوتَرَ أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ وَمَالَهُ خَيْرٌ لَهُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٥٥٢ - وبالسَّند قال: (حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب، ولأبوَي الوقت وذَرٍّ: «عن عبد الله بن عمر» (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ العَصْرِ) بأن أخرجها متعمِّدًا عن وقتها بغروب الشَّمس، أو عن وقتها المختار، أو باصفرار الشَّمس (١) كما ورد مُفسَّرًا من رواية الأوزاعيِّ في هذا الحديث قال فيه: و «فواتها» أن تدخل الشَّمس صفرةٌ (٢)، قال في «شرح التَّقريب»: كذا ذكر (٣) عياضٌ، وتبعه النَّوويُّ، وظاهر إيراد أبي داود في «سننه» أنَّه من كلام الأوزاعيِّ، لا أنَّه من (٤) الحديث لأنَّه رُوِيَ بإسنادٍ منفردٍ عن الحديث (٥) عن الأوزاعيِّ أنَّه قال: وذلك أن ترى ما على الأرض من الشَّمس أصفر (٦)، وفي «العلل» لابن أبي حاتمٍ: سألت أبي عن حديثٍ رواه الأوزاعيُّ عن نافعٍ عن ابن عمر مرفوعًا: «من فاتته صلاة العصر -وفواتها أن تدخل الشَّمس صفرةٌ- فكأنَّما وُتِر أهله وماله» قال أبي: التَّفسير قول نافعٍ. انتهى. وقِيلَ: المُراد فواتها عن الجماعة، والرَّاجح الأوَّل، ويؤيِّده حديث ابن عمر عند ابن أبي شيبة في «مُصنَّفه» مرفوعًا: «من ترك العصر حتَّى تغيب الشَّمس» أي: من غير عذرٍ (كَأَنَّمَا) وللكُشْمِيْهَنِيِّ وابن عساكر:

«فكأنَّما» (وُتِرَ) هو (١) -أي: الَّذي فاتته العصر- نُقِص أو سُلِب (أَهْلَُهُ وَمَالَُهُ) وتُرك فردًا منهما (٢)، فبقي بلا أهلٍ ولا مالٍ، فليحذر من تفويتها كحذره من ذهاب أهله و (٣) ماله، و «وُتِر» بضمِّ الواو مبنيًّا للمفعول، و «أهلَه»: مفعولٌ ثانٍ له، والأوَّل الضَّمير المستتر فيه، وقِيلَ: منصوبٌ على نزع الخافض أي: وُتِرَ في أهله وماله، فلمَّا حُذِف الخافض انتصب، ويُروَى: «أهلُه» بالرَّفع على أنَّه نائب الفاعل، ولا يُضمَر في «وُتِر» بل يقوم «أهله» (٤) مقام ما لم يُسمَّ فاعله (٥) و «ماله» عُطِف عليه، أي: انتُزِع منه أهله وماله، وقال ابن الاثير: من ردَّ النَّقص إلى الرَّجل نصبهما، ومن ردّه إلى الأهل والمال رفعهما، والنَّصب هو الصَّحيح المشهور الَّذي عليه الجمهور كما (٦) قاله النَّوويُّ، وقال عياضٌ: هو الَّذي ضبطناه عن جماعة شيوخنا ووقع هنا (٧) في رواية المُستملي زيادةٌ وهي: «قال أبو عبد الله» يعني: المؤلِّف، ممَّا يدلُّ لنصب الكلمتين بـ «وُتِر» وهو قوله تعالى: ﴿يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥] بنصب «أعمالَكم» مفعولٌ ثانٍ، والأوَّل:

«كاف» الخطاب، ثمَّ أشار بقوله: «وترت الرَّجل إذا قتلت له قتيلًا» من قريبٍ أو حميمٍ فأفردته عنه، «أو أخذت له مالًا» وللأَصيليِّ والهرويِّ وأبي الوقت: «أو أخذت ماله» إلى أنَّ «وُتِر» يتعدَّى إلى مفعولٍ واحدٍ، وهو يؤيِّد رواية الرَّفع، قيِلَ: وخُصَّت «صلاة العصر» بذلك لاجتماع المتعاقبين من الملائكة فيها، وعُورِض بأنَّ صلاة الفجر كذلك يجتمع فيها المتعاقبون، وأُجيب باحتمال أنَّ (١) التَّهديد إنَّما غُلِّظ في «العصر» دون «الفجر» لأنَّه لا عذر له في تفويتها لأنَّه وقت يقظةٍ، بخلاف الفجر فربَّما كان النَّوم عندها عذرًا، وأوَّله ابن عبد البرِّ على أَنَّه خُرِّج جوابًا لسائلٍ عنها فأُجيب، أي: فلا يمنع إلحاق غيرها، أو نبَّه بـ «العصر» على غيرها، وخصَّها بالذِّكر لأنَّها تأتي والنَّاس في وقت تعبهم من أعمالهم، وحرصهم على تمام أشغالهم (٢)، وتُعقِّب بأنَّه إنَّما يُلحَق غير المنصوص بالمنصوص إذا عُرِفت العلَّة واشتركا فيها، والعلَّة هنا لم تتحقَّق، فلا يُلحَق غير «العصر» بها، وأُجيب بأنَّ ما ذكره هذا المتعقِّب لا يدفع الاحتمال، وقد ورد ما يدلُّ للعموم، فعند ابن أبي شيبة من طريق أبي قِلابة عن أبي الدَّرداء مرفوعًا: «من ترك صلاةً مكتوبةً حتَّى تفوته … » الحديثَ، وتُعقِّب بأنَّ في سنده انقطاعًا لأنَّ أبا قلابة لم يسمع من أبي الدَّرداء، وقد رواه أحمد من حديث أبي الدَّرداء بلفظ: «من ترك صلاة العصر» فرجع حديث أبي الدَّرداء إلى تعيين «العصر»، قال ابن المُنَيِّر: والحقُّ أنَّ الله تعالى يخصُّ ما يشاء من الصَّلوات بما يشاء من الفضيلة. انتهى.

وحديث الباب أخرجه مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ، والله تعالى أعلم بالصَّواب (٣).

(١٥) (بابُ) إثمِ (مَنْ تَرَكَ العَصْرَ) عمدًا.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

على الصَّحِيح أَنَّهَا الصَّلَاة الْوُسْطَى، وَبهَا تختم الصَّلَوَات. وَاعْترض النَّوَوِيّ لِابْنِ عبد الْبر فِي قَوْله: فعلى هَذَا يكون حكم من فَاتَهُ الصُّبْح. . إِلَى آخِره، فَإِن غير الْمَنْصُوص إِنَّمَا يلْحق بالمنصوص إِذا عرفت الْعلَّة واشتركا فِيهَا. قَالَ: وَالْعلَّة فِي هَذَا الحكم لم تتَحَقَّق فَلَا يلْحق غير الْعَصْر بهَا. انْتهى. قلت: لقَائِل أَن يحْتَج لِابْنِ عبد الْبر بِمَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة وَغَيره من طَرِيق أبي قلَابَة عَن أبي الدَّرْدَاء مَرْفُوعا: (من ترك صَلَاة مَكْتُوبَة حَتَّى تفوته) الحَدِيث، ورد بِأَن فِي إِسْنَاده انْقِطَاعًا، لِأَن أَبَا قلَابَة لم يسمع من أبي الدَّرْدَاء، وَقد روى أَحْمد حَدِيث أبي الدَّرْدَاء بِلَفْظ: (من ترك الْعَصْر) ، فَرجع حَدِيث أبي الدَّرْدَاء إِلَى تعْيين الْعَصْر. قلت: روى ابْن حبَان وَغَيره عَن نَوْفَل بن مُعَاوِيَة مَرْفُوعا: (من فَاتَتْهُ الصَّلَاة فَكَأَنَّمَا وتر أَهله وَمَاله) . وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب، وَهَذَا يَشْمَل جَمِيع الصَّلَوَات المكتوبات، وَلَكِن روى الطَّبَرَانِيّ هَذَا الحَدِيث أَعنِي حَدِيث الْبَاب من وَجه آخر، وَزَاد فِيهِ عَن الزُّهْرِيّ: (قلت لأبي بكر يَعْنِي ابْن عبد الرَّحْمَن، وَهُوَ الَّذِي حَدثهُ بِهِ مَا هَذِه الصَّلَاة؟ قَالَ: الْعَصْر) . رَوَاهُ ابْن أبي خَيْثَمَة من وَجه آخر، فَصرحَ بِكَوْنِهَا الْعَصْر فِي نفس الْخَبَر، وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيّ وَالْبَيْهَقِيّ من وَجه آخر فصرحا بِكَوْنِهَا الْعَصْر فِي نفس الْخَبَر، وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيّ من وَجه آخر، وَفِيه: إِن التَّفْسِير من قَول ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَاعْترض ابْن الْمُنِير على قَول الْمُهلب الْمَذْكُور عَن قريب بِأَن الْفجْر أَيْضا فِيهَا شُهُود الْمَلَائِكَة الليلية والنهارية، فَلَا يخْتَص الْعَصْر بذلك. قَالَ: وَالْحق أَن الله تَعَالَى يخص مَا شَاءَ من الصَّلَوَات بِمَا شَاءَ من الْفَضِيلَة. وَبَوَّبَ التِّرْمِذِيّ على حَدِيث الْبَاب مَا جَاءَ فِي السَّهْو عَن وَقت الْعَصْر فَحَمله على الساهي. قلت: لَا تطابق بَين تَرْجَمته وَبَين الحَدِيث، فَإِن لفظ الحَدِيث: الَّذِي تفوته، أَعم من أَن يكون سَاهِيا أَو عَامِدًا، وتخصيصه بالساهي لَا وَجه لَهُ، بل الْقَرِينَة دَالَّة على أَن المُرَاد بِهَذَا الْوَعيد فِي الْعَامِد دون الساهي.

قَالَ أبُو عَبْدِ الله يَتِرُكُمْ أعْمَالُكُمْ وَتَرْتُ الرَّجُلَ إذَا قَتَلْتُ لَهُ قَتِيلاً أوْ أخَذْتُ لَهُ مَالا

أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ، وَأَشَارَ بذلك إِلَى أَن لَفْظَة: يتركم فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلنْ يتركم} (مُحَمَّد: ٣٥) . أَنه مُتَعَدٍّ إِلَى مفعولين، وَهَذَا يُؤَيّد نصب اللَاّمين فِي الحَدِيث، وَأَشَارَ بقوله (وترت الرجل) ، إِلَى أَنه يتَعَدَّى إِلَى مفعول وَاحِد، وَهُوَ يُؤَيّد رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي.

١٥ - (بابُ إثْمِ مَنْ تَرَكَ العَصْرَ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِثْم من ترك صَلَاة الْعَصْر. قيل: لَا فَائِدَة فِي هَذَا التَّبْوِيب لِأَن الْبَاب السَّابِق يُغني عَنهُ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يذكر حَدِيث هَذَا الْبَاب فِي الْبَاب الَّذِي قبله، لِأَن كلا مِنْهُمَا فِي الْوَعيد، قلت: بَينهمَا فرق دَقِيق، وَهُوَ أَنهم قد اخْتلفُوا فِي المُرَاد من معنى التفويت على مَا ذكرنَا، وَالتّرْك لَا خلاف فِيهِ أَن مَعْنَاهُ: إِذا كَانَ عَامِدًا.

٥٥٣ - حدَّثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثنا هِشَامٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى بنُ أبي كَثِيرٍ عنْ أبِي قِلَابَةَ عنْ أبي المَلِيحِ قالَ كُنَّا مَعَ بُرَيْدَةَ فِي غَزْوَةٍ فِي يَوْمٍ ذِي غَيْمٍ فَقَالَ بِكِّرُوا بِصَلَاةِ العَصْرِ فَإِنَّ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قالَ مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ العَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ. ((الحَدِيث ٥٥٣ طرفه فِي: ٥٩٤) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن الحَدِيث يتَضَمَّن حَبط الْعَمَل عِنْد التّرْك، والترجمة فِي إِثْم التّرْك.

ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: مُسلم بن ابراهيم الْأَزْدِيّ الفراهيدي الْبَصْرِيّ القصاب، يكنى أَبَا عَمْرو. الثَّانِي: هِشَام بن عبد الله الدستوَائي. الثَّالِث: يحيى ابْن أبي كثير. الرَّابِع: أَبُو قلَابَة، بِكَسْر الْقَاف: عبد الله بن زيد الحرمي. الْخَامِس: أَبُو الْمليح، بِفَتْح الْمِيم وَكسر اللَّام وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة: واسْمه عَامر بن أُسَامَة الْهُذلِيّ، مَاتَ سنة ثَمَان وَتِسْعين. السَّادِس: بُرَيْدَة بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالدال الْمُهْملَة: ابْن الْحصيب، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الصَّاد الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة: الْأَسْلَمِيّ، رُوِيَ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مائَة حَدِيث وَأَرْبَعَة وَسِتُّونَ حَدِيثا، للْبُخَارِيّ مِنْهَا ثَلَاث، مَاتَ غازيا بمرو، وَهُوَ آخر من مَاتَ من الصَّحَابَة بخراسان سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع بِاتِّفَاق الروَاة عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم. وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع عَن هِشَام عِنْد أبي ذَر، وَعند غَيره. أخبرنَا بِصِيغَة الْجمع. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع عَن يحيى عِنْد أبي ذَر، وَعند غَيره: حَدثنَا. وَفِيه: العنعنة عَن أبي قلَابَة عَن أبي الْمليح، وَعند ابْن خُزَيْمَة: من طَرِيق أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَن هِشَام عَن يحيى: أَن أَبَا قلَابَة حَدثهُ، وَعند البُخَارِيّ فِي بَاب التبكير بِالصَّلَاةِ فِي يَوْم الْغَيْم: عَن معَاذ بن فضَالة عَن هِشَام عَن يحيى عَن أبي قلَابَة: أَن أَبَا الْمليح حَدثهُ. وَفِيه: ثَلَاثَة من التَّابِعين على الْوَلَاء. وَفِيه: أَن الروَاة كلهم بصريون. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن معَاذ بن فضَالة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة أَيْضا عَن عبيد الله بن سعيد عَن يحيى عَن هِشَام بِهِ. وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة كَمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ. وَأخرجه ابْن مَاجَه وَابْن حبَان من حَدِيث الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى بن أبي كثير عَن أبي قلَابَة عَن أبي المُهَاجر عَنهُ، قَالَ ابْن حبَان: وهم الْأَوْزَاعِيّ فِي تصحيفه عَن يحيى، فَقَالَ: عَن أبي المُهَاجر، وَإِنَّمَا هُوَ أَبُو الْمُهلب عَم أبي قلَابَة عَن عَمه عَنهُ، على الصَّوَاب. وَاعْترض عَلَيْهِ الضياء الْمَقْدِسِي، فَقَالَ: الصَّوَاب أَبُو الْمليح عَن أبي بُرَيْدَة.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (ذِي غيم) ، صفة يَوْم وَمحل: (فِي غَزْوَة) و: (فِي يَوْم) نصب على الْحَال، وَإِنَّمَا خص يَوْم الْغَيْم لِأَنَّهُ مَظَنَّة التَّأْخِير، لِأَنَّهُ رُبمَا يشْتَبه عَلَيْهِ فَيخرج الْوَقْت بغروب الشَّمْس. قَوْله: (بَكرُوا) أَي: أَسْرعُوا وعجلوا وَبَادرُوا وكل من بَادر إِلَى الشَّيْء فقد بكر، وأبكر إِلَيْهِ أَي وَقت كَانَ، يُقَال: بَكرُوا بِصَلَاة الْمغرب أَي: صلوها عِنْد سُقُوط القرص. قَوْله: (من ترك) كلمة من، مَوْصُولَة تَتَضَمَّن معنى الشَّرْط فِي مَحل الرّفْع على الِابْتِدَاء وَخَبره: (فقد حَبط عمله) . وَدخُول: الْفَاء، فِيهِ لأجل تضمن الْمُبْتَدَأ معنى الشَّرْط. و: حَبط، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة أَي: بَطل، يُقَال: حَبط يحبط من بَاب: علم يعلم، يُقَال: حَبط عمله وأحبطه غَيره، وَهُوَ من قَوْلهم: حبطت الدَّابَّة حَبطًا بِالتَّحْرِيكِ إِذا أَصَابَت مرعى طيبا، فأفرطت فِي الْأكل حَتَّى تنتفخ فتموت، وَزَاد معمر فِي رِوَايَة هَذَا الحَدِيث لفظ: مُتَعَمدا، وَكَذَا أخرجه أَحْمد من حَدِيث أبي الدَّرْدَاء. وَفِي رِوَايَة معمر: (أحبط الله عمله) ، وَسقط من رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي لفظ: فقد.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ وَهُوَ على وُجُوه: الأول: احْتج بِهِ أَصْحَابنَا على أَن الْمُسْتَحبّ تَعْجِيل الْعَصْر يَوْم الْغَيْم. الثَّانِي: احْتج بِهِ الْخَوَارِج على تَكْفِير أهل الْمعاصِي، قَالُوا: وَهُوَ نَظِير قَوْله تَعَالَى: {وَمن يكفر بِالْإِيمَان فقد حَبط عمله} (الْمَائِدَة: ٥) . ورد عَلَيْهِم أَبُو عمر بِأَن مَفْهُوم الْآيَة أَن من لم يكفر بِالْإِيمَان لم يحبط عمله، فيتعارض مَفْهُوم الْآيَة ومنطوق الحَدِيث، فَإِذا كَانَ كَذَلِك يتَعَيَّن تَأْوِيل الحَدِيث، لِأَن الْجمع إِذا كَانَ مُمكنا كَانَ أولى من التَّرْجِيح، وَنَذْكُر عَن قريب وَجه الْجمع، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. الثَّالِث: احْتج بِهِ بعض الْحَنَابِلَة: أَن تَارِك الصَّلَاة يكفر، ورد بِأَن ظَاهره مَتْرُوك، وَالْمرَاد بِهِ التَّغْلِيظ والتهديد، وَالْكفْر ضد الْإِيمَان وتارك الصَّلَاة لَا يَنْفِي عَنهُ الْإِيمَان، وَأَيْضًا لَو كَانَ الْأَمر كَمَا قَالُوا لما اخْتصّت الْعَصْر بذلك. وَأما وَجه اخْتِصَاص الْعَصْر بذلك فَلِأَنَّهُ وَقت ارْتِفَاع الْأَعْمَال، وَوقت اشْتِغَال النَّاس بِالْبيعِ وَالشِّرَاء فِي هَذَا الْوَقْت بِأَكْثَرَ من وَقت غَيره، وَوقت نزُول مَلَائِكَة اللَّيْل. وَأما وَجه الْجمع فَهُوَ أَن الْجُمْهُور تأولوا الحَدِيث فافترقوا على فرق: فَمنهمْ من أول سَبَب التّرْك فَقَالُوا: المُرَاد من تَركهَا جاحدا لوُجُوبهَا، أَو معترفا لَكِن مستخفا مستهزئا بِمن أَقَامَهَا، وَفِيه نظر، لِأَن الَّذِي فهمه الرَّاوِي الصَّحَابِيّ إِنَّمَا هُوَ التَّفْرِيط، وَلِهَذَا أَمر بالتبكير والمبادرة إِلَيْهَا وفهمه أولى من فهم غَيره. وَمِنْهُم من قَالَ: المُرَاد بِهِ من تَركهَا متكاسلاً، لَكِن خرج الْوَعيد مخرج الزّجر الشَّديد، وَظَاهره غير مُرَاد كَقَوْلِه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا يَزْنِي الزَّانِي وَهُوَ مُؤمن) . وَمِنْهُم من أول سَبَب الحبط، فَقيل: هُوَ من مجَاز التَّشْبِيه، كَأَن الْمَعْنى: فقد أشبه من حَبط عمله. قيل: مَعْنَاهُ كَاد أَن يحبط، وَقيل: المُرَاد من الحبط نُقْصَان الْعَمَل فِي ذَلِك الْوَقْت الَّذِي ترفع فِيهِ الْأَعْمَال إِلَى الله تَعَالَى، وَكَانَ المُرَاد بِالْعَمَلِ الصَّلَاة خَاصَّة أَي: لَا يحصل على أجر من صلى الْعَصْر، وَلَا يرْتَفع لَهُ عَملهَا حِينَئِذٍ، وَقيل: المُرَاد بالحبط الْإِبْطَال، أَي: بَطل انتفاعه بِعَمَلِهِ فِي وَقت ينْتَفع بِهِ غَيره فِي ذَلِك الْوَقْت. وَفِي (شرح التِّرْمِذِيّ) ذكر أَن الحبط على قسمَيْنِ: حَبط إِسْقَاط وَهُوَ: إحباط الْكفْر للْإيمَان وَجَمِيع الْحَسَنَات، وحبط موازنة وَهُوَ: إحباط الْمعاصِي للِانْتِفَاع بِالْحَسَنَاتِ عِنْد رُجْحَانهَا عَلَيْهَا إِلَى أَن تحصل النجَاة، فَيرجع إِلَيْهِ جَزَاء حَسَنَاته. وَقيل: المُرَاد بِالْعَمَلِ فِي الحَدِيث الْعَمَل الَّذِي كَانَ سَببا لترك الصَّلَاة، بِمَعْنى أَنه: لَا ينْتَفع بِهِ وَلَا يتمتع وَأقرب الْوُجُوه فِي هَذَا مَا قَالَه ابْن بزيزة: إِن هَذَا على وَجه التَّغْلِيظ، وَإِن ظَاهره غير مُرَاد، وَالله تَعَالَى أعلم، لِأَن الْأَعْمَال لَا يحبطها إلَاّ الشّرك.

١٦ -

(بابُ فَضْلِ صَلَاةِ العَصْرِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل الْعَصْر. والمناسبة بَين هَذِه الْأَبْوَاب ظَاهِرَة.

٥٥٤ - حدَّثنا الحُمَيْدِي قَالَ حدَّثنا مَرْوَانُ بنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ عنْ قَيْسٍ عنْ جَرِير قَالَ كُنَّا عِنْدَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَنَظَرَ إلَى القَمَرِ لَيْلَةً يَعْنِي البَدْرَ فَقَالَ إنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَما تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ فإنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ لَا تُغْلَوْا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فافْعَلُوا ثمَّ قَرَأَ وَسَبِّح بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الغُرُوبِ. قالَ إسْمَاعِيلُ افْعَلوا لَا تَفُوتَنَّكُمْ. . [/ نه

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَقبل غُرُوبهَا) ، أَي: قبل غرُوب الشَّمْس، وَالصَّلَاة فِي هَذَا الْوَقْت هِيَ صَلَاة الْعَصْر، وَلَو قَالَ: بَاب فضل الصَّلَاة الْفجْر وَالْعصر لَكَانَ أولى، لِأَن الْمَذْكُور فِي الحَدِيث وَالْآيَة صَلَاة الْفجْر وَالْعصر كلتاهما. وَقَالَ بَعضهم: بَاب فضل صَلَاة الْعَصْر، أَي: على جَمِيع الصَّلَوَات، إلَاّ قلت هَذَا التَّقْدِير الْمَذْكُور فِي الحَدِيث فِيهِ تعسف، وَلِأَن جَمِيع الصَّلَوَات مُشْتَركَة فِي الْفضل غَايَة مَا فِي الْبَاب أَن لصلاتي الْفجْر وَالْعصر مزية على غَيرهمَا، وَإِنَّمَا خصص الْعَصْر بِالذكر للاكتفاء، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {سرابيل تقيكم الْحر} (لنحل: ٨١) . أَي: وَالْبرد أَيْضا. وَقيل: إِنَّمَا خص الْعَصْر لِأَن فِي وقته ترْتَفع الْأَعْمَال وَتشهد فِيهِ مَلَائِكَة اللَّيْل، وَلِهَذَا ذكر فِي الحَدِيث: (فَإِن اسْتَطَعْتُم) . الحَدِيث. قلت: وَفِي الْفجْر أَيْضا تشهد فِيهِ مَلَائِكَة النَّهَار، وَالْأَوْجه فِي الْجَواب مَا ذكرته الْآن. وَقَالَ بَعضهم: وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد أَن الْعَصْر ذَات فَضِيلَة لَا ذَات أَفضَلِيَّة. قلت: كل الصَّلَوَات ذَوَات فَضِيلَة، والترجمة أَيْضا تنبىء عَن ذَلِك.

ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: الْحميدِي، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة: واسْمه عبد الله بن الزبير بن عِيسَى بن عبد الله بن الزبير بن عبد الله بن حميد، ونسبته إِلَى جده: حميد الْقرشِي الْمَكِّيّ، مَاتَ سنة تسع عشرَة وماتين. الثَّانِي: مَرْوَان بن مُعَاوِيَة بن الْحَارِث الْفَزارِيّ، مَاتَ بِدِمَشْق سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَمِائَة، قبل التَّرويَة بِيَوْم فجاة. الثَّالِث: إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة. الرَّابِع: قيس بن أبي حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة. الْخَامِس: جُبَير بن عبد الله بن جَابر البَجلِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل، وَوَقع عِنْد أبي مرْدَوَيْه من طَرِيق شُعْبَة عَن إِسْمَاعِيل التَّصْرِيح بِسَمَاع إِسْمَاعِيل من قيس، وَسَمَاع قيس عَن جرير. وَفِيه: ذكر الْحميدِي بنسبته إِلَى أحد أجداده، وَأَنه من أَفْرَاد البُخَارِيّ. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين مكي وكوفي. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ، وهما: إِسْمَاعِيل وَقيس. وَفِيه: أَن أحد الروَاة من المخضرمين، وَهُوَ: قيس، فَإِنَّهُ قدم الْمَدِينَة بَعْدَمَا قبض النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مَاتَ سنة أَربع وَثَمَانِينَ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن مُسَدّد عَن يحيى بن سعيد فِي الصَّلَاة أَيْضا وَأخرجه فِي التَّفْسِير عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن جرير، وَفِي التَّوْحِيد عَن عَمْرو بن عون عَن خَالِد وهشيم وَعَن يُوسُف ابْن مُوسَى عَن عَاصِم وَعَن عَبدة بن عبد الله. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن زُهَيْر بن حَرْب عَن مَرْوَان بِهِ وَعَن أبي بكر ابْن أبي شيبَة عَن عبد الله بن نمير وَأبي اسامة ووكيع ثَلَاثَتهمْ عَن اسماعيل بِهِ وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي السّنة عَن عُثْمَان بن ابي شيبَة عَن جرير ووكيع وَأبي أُسَامَة بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن يحيى بن كثير وَعَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي السّنة عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير عَن أَبِيه ووكيع وَعَن عَليّ بن مُحَمَّد عَن خَالِد ويعلى بن عبيد ووكيع وَأبي مُعَاوِيَة، أربعتهم عَن إِسْمَاعِيل بِهِ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (لَيْلَة) ، قَالَ الْكرْمَانِي: الظَّاهِر أَنه من بَاب تنَازع الْفِعْلَيْنِ عَلَيْهِ. قلت: الظَّاهِر أَن: لَيْلَة، نصب على الظَّرْفِيَّة، وَالتَّقْدِير: نظر إِلَى الْقَمَر فِي لَيْلَة من اللَّيَالِي، وَهَذِه اللَّيْلَة كَانَت لَيْلَة الْبَدْر. وَبِه صرح فِي رِوَايَة مُسلم، وَسَنذكر اخْتِلَاف الرِّوَايَات فِيهِ. قَوْله: (لَا تضَامون) ، رُوِيَ بِضَم التَّاء وبتخفيف الْمِيم: من الضيم، وَهُوَ التَّعَب، وبتشديدها من: الضَّم.

وبفتح التَّاء وَتَشْديد الْمِيم، قَالَ الْخطابِيّ: يرْوى على وَجْهَيْن: أَحدهمَا: مَفْتُوحَة التَّاء مُشَدّدَة الْمِيم، وَأَصله: تتضامون، حذفت إِحْدَى التائين، أَي: لَا يضام بَعْضكُم بَعْضًا كَمَا تَفْعَلهُ النَّاس فِي طلب الشَّيْء الْخَفي الَّذِي لَا يسهل دركه فيتزاحمون عِنْده، يُرِيد أَن كل وَاحِد مِنْهُم وادع مَكَانَهُ لَا ينازعه فِي رُؤْيَته أحد. وَالْآخر: لَا تضَامون من: الضيم، أَي: لَا يضيم بَعْضكُم بَعْضًا فِي رُؤْيَته. وَقَالَ التَّيْمِيّ: لَا تضَامون، بتَشْديد الْمِيم، مُرَاده: أَنكُمْ لَا تختلفون إِلَى بعض فِيهِ حَتَّى تجتمعوا للنَّظَر، وينضم بَعْضكُم إِلَى بعض فَيَقُول وَاحِد: هُوَ ذَاك، وَيَقُول الآخر: لَيْسَ ذَاك، كَمَا تَفْعَلهُ النَّاس عِنْد النّظر إِلَى الْهلَال أول الشَّهْر، وبتخفيفها، مَعْنَاهُ: لَا يضيم بَعْضكُم بَعْضًا بِأَن يَدْفَعهُ عَنهُ أَو يستأثر بِهِ دونه. وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي أَي: لَا يَقع لكم فِي الرُّؤْيَة ضيم وَهُوَ الذل، وَأَصله: تضيمون فالقيت حَرَكَة الْيَاء على الضَّاد فَصَارَت الْيَاء ألفا لانفتاح مَا قبلهَا. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: لَا تضَامون، بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَخْفِيف الْمِيم، وَعَلِيهِ أَكثر الروَاة، وَالْمعْنَى لَا ينالكم ضيم، والضيم أَصله: الظُّلم، وَهَذَا الضيم يلْحق الرَّائِي من وَجْهَيْن: أَحدهمَا من مزاحمة الناظرين لَهُ، أَي: لَا تزدحمون فِي رُؤْيَته فيراه بَعْضكُم دون بعض، وَلَا يظلم بَعْضكُم بَعْضًا. وَالثَّانِي: من تَأَخره عَن مقَام النَّاظر الْمُحَقق، فَكَأَن الْمُتَقَدِّمين ضاموه، ورؤية الله عز وَجل يَسْتَوِي فِيهَا الْكل، فَلَا ضيم وَلَا ضَرَر وَلَا مشقة. وَفِي رِوَايَة: (لَا تضَامون، أَو لَا تضاهون) . يَعْنِي: على الشَّك، أَي: لَا يشْتَبه عَلَيْكُم وترتابون فيعارض بَعْضكُم بَعْضًا فِي رُؤْيَته. وَقيل: لَا تشبهونه فِي رُؤْيَته بِغَيْرِهِ من المرئيات. وَرُوِيَ: (تضَارونَ) ، بالراء الْمُشَدّدَة وَالتَّاء مَفْتُوحَة ومضمومة. وَقَالَ الزّجاج: مَعْنَاهُمَا لَا تتضارون أَي: لَا يضار بَعْضكُم بَعْضًا فِي رُؤْيَته بالمخالفة. وَعَن ابْن الْأَنْبَارِي: هُوَ تتفاعلون من الضرار، أَي: لَا تتنازعون وتختلفون. وَرُوِيَ إيضا: لَا تضَارونَ، بِضَم التَّاء وَتَخْفِيف الرَّاء، أَي: لَا يَقع للمرء فِي رُؤْيَته ضير مَا بالمخالفة أَو الْمُنَازعَة أَو الخفأ. وَرُوِيَ: تمارون، برَاء مُخَفّفَة يَعْنِي: تجادلون أَي لَا يدخلكم شكّ قَوْله (فان اسْتَطَعْتُم ان لَا تغلبُوا) بِلَفْظ الْمَجْهُول وَكلمَة ان مَصْدَرِيَّة وَالتَّقْدِير ان لاتغلبوا أَي: من الْغَلَبَة بِالنَّوْمِ والاشتغال بِشَيْء من الْأَشْيَاء الْمَانِعَة عَن الصَّلَاة قبل طُلُوع الشَّمْس، وَقبل غُرُوبهَا قَوْله: (فافعلوا) أَي: الصَّلَاة فِي هذَيْن الْوَقْتَيْنِ، وَزَاد مُسلم بعد قَوْله: قبل طُلُوع الشَّمْس وَقبل غُرُوبهَا يَعْنِي الْعَصْر وَالْفَجْر وَفِي رِوَايَة ابْن مردوية من وَجه آخر عَن اسماعيل (قبل طُلُوع الشَّمْس صَلَاة الصُّبْح، وَقبل غُرُوبهَا صَلَاة الْعَصْر) . وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا المُرَاد بِلَفْظ: إفعلوا؟ إِذْ لَا يَصح أَن يُرَاد إفعلوا الِاسْتِطَاعَة، أَو إفعلوا عدم المغلوبية؟ قلت: عدم المغلوبية كِنَايَة عَن الْإِتْيَان بِالصَّلَاةِ، لِأَنَّهُ لَازم الْإِتْيَان، فَكَأَنَّهُ قَالَ: فَأتوا بِالصَّلَاةِ فاعلين لَهَا. انْتهى. قلت: لَو وَقدر مفعول: إفعلوا، مثل مَا قَدرنَا لَكَانَ اسْتغنى عَن هَذَا السُّؤَال وَالْجَوَاب. قَوْله: (ثمَّ قَرَأَ) لم يبين فَاعل: قَرَأَ، من هُوَ فِي جَمِيع رِوَايَات البُخَارِيّ. وَقَالَ بَعضهم: الظَّاهِر أَنه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قلت: هَذَا تخمين وحسبان. وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين الْحلَبِي فِي شَرحه: لم يبين أحد فِي رِوَايَته من قَرَأَ، ثمَّ سَاق من طَرِيق أبي نعيم فِي (مستخرجه) أَن جَرِيرًا قَرَأَهُ. قلت: وَقع عِنْد مُسلم عَن زُهَيْر بن حَرْب عَن مَرْوَان بن مُعَاوِيَة بِإِسْنَاد هَذَا الحَدِيث، ثمَّ قَرَأَ جرير، أَي الصَّحَابِيّ. وَكَذَا أخرجه أَبُو عوَانَة فِي (صَحِيحه) : من طَرِيق يعلى بن عبيد عَن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد، فالعجب من الشَّيْخ قطب الدّين كَيفَ ذهل عَن عُرْوَة إِلَى مُسلم. قَوْله: (فسبح) التِّلَاوَة، وَسبح: بِالْوَاو، لَا: بِالْفَاءِ، المُرَاد بالتسبيح: الصَّلَاة. قَوْله: (افعلوا) ، أَي: افعلوا هَذِه الصَّلَاة لَا تفوتكم، وَالضَّمِير الْمَرْفُوع فِيهِ يرجع إِلَى الصَّلَاة، وَهُوَ بنُون التَّأْكِيد، وَهُوَ مدرج من كَلَام إِسْمَاعِيل، كَذَلِك ثمَّ قَرَأَ مدرج.

ذكر الرِّوَايَات فِي قَوْله: (إِنَّكُم سَتَرَوْنَ ربكُم كَمَا ترَوْنَ هَذَا الْقَمَر لَا تضَامون فِي رُؤْيَته) ، وَفِي لفظ للْبُخَارِيّ: (إِذْ نظر إِلَى الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر، فَقَالَ: أما أَنكُمْ سَتَرَوْنَ ربكُم كَمَا ترَوْنَ هَذَا، لَا تضَامون، أَو لَا تضاهون فِي رُؤْيَته) . وَفِي كتاب التَّوْحِيد: (أَنكُمْ سَتَرَوْنَ ربكُم عيَانًا) . وَفِي التَّفْسِير: (فَنظر إِلَى الْقَمَر لَيْلَة أَربع عشرَة) ، وَعَن اللالكائي عَن البُخَارِيّ: (أَنكُمْ ستعرضون على ربكُم وترونه كَمَا ترَوْنَ هَذَا الْقَمَر) . وَعند الدَّارَقُطْنِيّ: وَقَالَ زيد بن أبي أنيسَة: (فتنظرون إِلَيْهِ كَمَا تنْظرُون إِلَى هَذَا الْقَمَر) ، وَقَالَ وَكِيع: (ستعاينون) ، وَسَيَأْتِي عِنْد البُخَارِيّ: عَن أبي هُرَيْرَة وَأبي سعيد: (هَل تضَارونَ فِي رُؤْيَة الشَّمْس فِي الظهيرة لَيست فِي سَحَابَة؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: هَل تضَارونَ فِي رُؤْيَة الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر لَيْسَ فِيهِ سَحَابَة؟) . قَالُوا: لَا. قَالَ: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا تضَارونَ فِي رُؤْيَته إِلَّا كَمَا تضَارونَ فِي رُؤْيَة أَحدهمَا) . وَعَن أبي مُوسَى عِنْده بِنَحْوِهِ، وَعَن أبي رزين الْعقيلِيّ: (قلت: يَا رَسُول الله أكلنَا يرى ربه منجليا بِهِ يَوْم الْقِيَامَة؟ . قَالَ: نعم. قَالَ: وَمَا آيَة ذَلِك فِي خلقه؟ قَالَ: يَا أَبَا رزين، أَلَيْسَ كلكُمْ يرى الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر منجليا بِهِ؟ قَالَ:

فَالله أعظم وَأجل، وَذَلِكَ آيَة فِي خلقه) . وَعند ابْن مَاجَه عَن جَابر: (بَينا أهل الْجنَّة فِي نعيمهم إِذْ سَطَعَ لَهُم نور فَرفعُوا رؤوسهم فَإِذا الرب قد أشرف عَلَيْهِم، فَينْظر إِلَيْهِم وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ) . وَعَن صُهَيْب عِنْد مُسلم، فَذكر حَدِيثا فِيهِ: (فَيكْشف الْحجاب فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فوَاللَّه مَا أَعْطَاهُم الله تَعَالَى شَيْئا أحب إِلَيْهِم من النّظر إِلَيْهِ) . وَفِي (سنَن اللالكائي) : عَن أنس وَأبي بن كَعْب وَكَعب بن عجْرَة: (سُئِلَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الزِّيَادَة فِي كتاب الله تَعَالَى، قَالَ: النّظر إِلَى وَجهه) .

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ وَهُوَ على وُجُوه. الأول: اسْتدلَّ بِهَذِهِ الْأَحَادِيث وَبِالْقُرْآنِ وَإِجْمَاع الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ على إِثْبَات رُؤْيَة الله فِي الْآخِرَة للْمُؤْمِنين، وَقد روى أَحَادِيث الرُّؤْيَة أَكثر من عشْرين صحابيا، وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم: روى رُؤْيَة الْمُؤمنِينَ لرَبهم عز وَجل فِي الْقِيَامَة: أَبُو بكر وَعلي بن أبي طَالب ومعاذ بن جبل وَابْن مَسْعُود وَأَبُو مُوسَى وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَحُذَيْفَة وَأَبُو أُمَامَة وَأَبُو هُرَيْرَة وَجَابِر وَأنس وعمار بن يَاسر وَزيد بن ثَابت وَعبادَة بن الصَّامِت وَبُرَيْدَة بن حصيب وجنادة بن أبي أُميَّة وفضالة بن عبيد وَرجل لَهُ صُحْبَة بِالنَّبِيِّ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ثمَّ ذكر أَحَادِيثهم بأسانيد غالبها جيد، وَذكر أَبُو نعيم الْحَافِظ فِي (كتاب تثبيت النّظر) أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَعمارَة بن رؤيبة وَأَبا رزين الْعقيلِيّ وَأَبا بَرزَة. وَزَاد الْآجُرِيّ فِي (كتاب الشَّرِيعَة) وَأَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِأبي الشَّيْخ فِي (كتاب السّنة الْوَاضِحَة) تأليفهما: عدي بن حَاتِم الطَّائِي بِسَنَد جيد، والرؤية مُخْتَصَّة بِالْمُؤْمِنِينَ مَمْنُوعَة من الْكفَّار. وَقيل: يرَاهُ مُنَافِقُو هَذِه الْأمة، وَهَذَا ضَعِيف، وَالصَّحِيح أَن الْمُنَافِقين كالكفار بِاتِّفَاق الْعلمَاء وَعَن ابْن عمر وَحُذَيْفَة: من أهل الْجنَّة من ينظر إِلَى وَجهه غدْوَة وَعَشِيَّة.

وَمنع من ذَلِك الْمُعْتَزلَة والخوارج وَبَعض المرجئة، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِوُجُوه: الأول: قَوْله تَعَالَى: {لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار وَهُوَ يدْرك الْأَبْصَار} (الْأَنْعَام: ١٠٣) . وَقَالُوا: يلْزم من نفي الْإِدْرَاك بالبصر نفي الرُّؤْيَة. الثَّانِي: قَوْله تَعَالَى: {لن تراني} (الْأَعْرَاف: ١٤٣) . و: لن، للتأييد بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى: {قل لن تتبعونا} (الْفَتْح: ١٥) . وَإِذا ثَبت فِي حق مُوسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، عدم الرُّؤْيَة ثَبت فِي حق غَيره، الثَّالِث: قَوْله تَعَالَى: {وَمَا كَانَ لبشر أَن يكلمهُ الله إِلَّا وَحيا أَو من وَرَاء حجاب أَو يُرْسل رَسُولا} (الشورى: ٥١) . فالآية دلّت على أَن كل من يتَكَلَّم الله مَعَه فَإِنَّهُ لَا يرَاهُ، فَإِذا ثَبت عدم الرُّؤْيَة فِي وَقت الْكَلَام ثَبت فِي غير وَقت الْكَلَام ضَرُورَة، أَنه لَا قَائِل بِالْفَصْلِ. الرَّابِع: أَن الله تَعَالَى مَا ذكر فِي طلب الرُّؤْيَة فِي الْقُرْآن إلَاّ وَقد استعظمه وذم عَلَيْهِ، وَذَلِكَ فِي آيَات: مِنْهَا: قَوْله تَعَالَى: {وَإِذ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لن نؤمن لَك حَتَّى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وَأَنْتُم تنْظرُون} (الْبَقَرَة: ٥٥) . الْخَامِس: لَو صحت رُؤْيَة الله تَعَالَى لرأيناه الْآن، والتالي بَاطِل، والمقدم مثله.

وَلأَهل السّنة مَا ذَكرْنَاهُ من الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة. قَوْله تَعَالَى: {وُجُوه يَوْمئِذٍ ناضرة إِلَى رَبهَا ناظرة} (الْقِيَامَة: ٢٢) . وَقَوله تَعَالَى: {كلا إِنَّهُم عَن رَبهم يَوْمئِذٍ لمحجوبون} (المطففين: ٥٥) .، بِهَذَا يدل على أَن الْمُؤمنِينَ لَا يكونُونَ محجوبين، وَالْجَوَاب عَن قَوْله تَعَالَى: لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار} (الْأَنْعَام: ١٠٣) . أَن المُرَاد من الْإِدْرَاك الْإِحَاطَة، وَنحن أَيْضا نقُول بِهِ، وَعَن قَوْله: {لن تراني} (الْأَعْرَاف: ١٤٣) . أَنا لَا نسلم أَن: لن، تدل على التَّأْبِيد، بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى: {وَلنْ يَتَمَنَّوْهُ أبدا} (الْبَقَرَة: ٩٥) . مَعَ أَنهم يتمنونه فِي الْآخِرَة. وَعَن قَوْله: {وَمَا كَانَ لبشر} (الشورى: ٥١) . الْآيَة أَن الْوَحْي كَلَام يسمع بالسرعة، وَلَيْسَ فِيهِ دلَالَة على كَون الْمُتَكَلّم محجوبا عَن نظر السَّامع أَو غير مَحْجُوب عَن نظره، وَعَن قَوْله: {وَإِذ قُلْتُمْ يَا مُوسَى} (الْبَقَرَة: ٥٥) . الْآيَة أَن الاستعظام لِمَ لَا يجوز أَن يكون لأجل طَلَبهمْ الرُّؤْيَة على سَبِيل التعنت والعناد؟ بِدَلِيل الاستعظام فِي نزُول الْمَلَائِكَة فِي قَوْله: {لَوْلَا أنزل علينا الْمَلَائِكَة} (الْفرْقَان: ٢١) . وَلَا نزاع فِي جَوَاز ذَلِك، وَالْجَوَاب عَن قَوْلهم: لَو صحت رُؤْيَة الله تَعَالَى ... إِلَخ أَن عدم الْوُقُوع لَا يسْتَلْزم عدم الْجَوَاز، فَإِن قَالُوا: الرُّؤْيَة لَا تتَحَقَّق إِلَّا بِثمَانِيَة أَشْيَاء: سَلامَة الحاسة، وَكَون الشَّيْء بِحَيْثُ يكون جَائِز الرُّؤْيَة، وَأَن يكون المرئي مُقَابلا للرائي، أَو فِي حكم الْمُقَابل، فَالْأول كالجسم المحاذي للرائي وَالثَّانِي كالأعراض المرئية، فَإِنَّهَا لَيست مُقَابلَة للرائي إِذْ الْعرض لَا يكون مُقَابلا للجسم، وَلكنهَا حَالَة فِي الْجِسْم الْمُقَابل للرائي فَكَانَ فِي حكم الْمُقَابل، وَأَن لَا يكون المرئي فِي غَايَة الْقرب وَلَا فِي غَايَة الْبعد، وَأَن لَا يكون فِي غَايَة الصغر وَلَا فِي غَايَة اللطافة، وَأَن لَا يكون بَين الرَّائِي والمرئي حجاب. قُلْنَا: الشَّرَائِط السِّتَّة الْأَخِيرَة لَا يُمكن اعْتِبَارهَا إلَاّ فِي رُؤْيَة الْأَجْسَام، وَالله تَعَالَى لَيْسَ بجسم، فَلَا يُمكن اعْتِبَار هَذِه الشَّرَائِط فِي رُؤْيَته، وَلَا يعْتَبر فِي حُصُول الرُّؤْيَة إلَاّ أَمْرَانِ: سَلامَة الحاسة، وَكَونه بِحَيْثُ يَصح أَن يرى، وَهَذَانِ الشرطان حاصلان. فَإِن قلت: الْكَاف، فِي: كَمَا ترَوْنَ، للتشبيه، وَلَا بُد أَن تكون مُنَاسبَة بَين الرَّائِي والمرئي؟ قلت: معنى التَّشْبِيه فِيهِ أَنكُمْ تَرَوْنَهُ رُؤْيَة مُحَققَة لَا شكّ فِيهَا وَلَا مشقة وَلَا خَفَاء، كَمَا ترَوْنَ الْقَمَر

كَذَلِك فَهُوَ تَشْبِيه للرؤية بِالرُّؤْيَةِ لَا المرئي بالمرئي.

الْوَجْه الثَّانِي: فِيهِ زِيَادَة شرف الصَّلَاتَيْنِ، وَذَلِكَ لتعاقب الْمَلَائِكَة فِي وقتيهما، وَلِأَن وَقت صَلَاة الصُّبْح وَقت لَذَّة النّوم كَمَا قيل:

(ألذ الْكرَى عِنْد الصَّباح يطيب)

وَالْقِيَام فِيهِ أشق على النَّفس من الْقيام فِي غَيره، وَصَلَاة الْعَصْر وَقت الْفَرَاغ عَن الصناعات وإتمام الْوَظَائِف، وَالْمُسلم إِذا حَافظ عَلَيْهَا مَعَ مَا فِيهِ من التثاقل والتشاغل فَلِأَن يحافظ على غَيرهَا بِالطَّرِيقِ الأولى.

الْوَجْه الثَّالِث: مَا قَالَه الْخطابِيّ إِن قَوْله: (إفعلوا) ، يدل على أَن الرُّؤْيَة قد يُرْجَى نيلها بالمحافظة على هَاتين الصَّلَاتَيْنِ.

٥٥٥ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُف قَالَ حدَّثنا مالِكٌ عنْ أبي الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أَبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ ومَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ وَصَلَاةِ العَصْرِ ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ باتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ وهْوَ أَعْلَمُ بِهِمْ كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي فَيَقُولُونَ تَرَكْنَاهُمْ وهُمْ يُصَلُّونَ وَأَتَيْنَاهُمْ وهُمْ يُصَلُّونَ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ويجتمعون فِي صَلَاة الْفجْر وَصَلَاة الْعَصْر) وَقد ذكرنَا أَن اقْتِصَاره فِي التَّرْجَمَة على الْعَصْر من بَاب الإكتفاء.

١ - ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة، وَقد ذكرُوا غير مرّة، وَأبي الزِّنَاد عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن ابْن هُرْمُز.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع، والإخبار كَذَلِك فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وَرُوَاته مدنيون مَا خلا عبد الله بن يُوسُف فَإِنَّهُ تنيسي، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّوْحِيد عَن إِسْمَاعِيل وقتيبة. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي الْبعُوث عَن قُتَيْبَة وَعَن الْحَارِث بن مِسْكين عَن ابْن الْقَاسِم، الْكل عَن مَالك.

ذكر مَعْنَاهُ وَإِعْرَابه: قَوْله: (يتعاقبون فِيكُم مَلَائِكَة) فَاعل: يتعاقبون، مُضْمر وَالتَّقْدِير: مَلَائِكَة يتعاقبون. وَقَوله: (مَلَائِكَة) بدل من الضَّمِير الَّذِي فِيهِ، إو بَيَان كَأَنَّهُ قيل: من هم؟ فَقيل: مَلَائِكَة. وَهَذَا مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ فِيهِ وَفِي نَظَائِره، وَقَالَ الْأَخْفَش وَمن تَابعه: إِن إِظْهَار ضمير الْجمع والتثنية فِي الْفِعْل إِذا تقدم جَائِز، وَهِي لُغَة بني الْحَارِث. وَقَالُوا: هُوَ نَحْو: أكلوني البراغيث. وَكَقَوْلِه تَعَالَى: {وأسروا النَّجْوَى الَّذين ظلمُوا} (الْأَنْبِيَاء: ٣) . وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: هَذِه لُغَة فَاشِية وَلها وَجه فِي الْقيَاس صَحِيح، وَعَلَيْهَا حمل الْأَخْفَش قَوْله تَعَالَى: {وأسروا النَّجْوَى الَّذين ظلمُوا} (الْأَنْبِيَاء: ٣) . وَقيل: هَذَا الطَّرِيق الْمَذْكُور هُنَا اخْتَصَرَهُ الرَّاوِي، وَأَصله: الْمَلَائِكَة يتعاقبون مَلَائِكَة بِاللَّيْلِ وملائكة بِالنَّهَارِ، وَبِهَذَا اللَّفْظ رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي بَدْء الْخلق من طَرِيق شُعَيْب بن أبي حَمْزَة عَن أبي الزِّنَاد: (إِن الْمَلَائِكَة يتعاقبون فِيكُم) . فَاخْتلف فِيهِ عَن أبي الزِّنَاد. وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا من طَرِيق مُوسَى بن عقبَة عَن أبي الزِّنَاد بِلَفْظ: (إِن الْمَلَائِكَة يتعاقبون فِيكُم) . فَاخْتلف فِيهِ على أبي الزِّنَاد فَالظَّاهِر أَنه كَانَ تَارَة يذكرهُ هَكَذَا، وَتارَة هَكَذَا، وَهَذَا يُقَوي قَول هَذَا الْقَائِل، وَيُؤَيّد ذَلِك أَن غير الْأَعْرَج من أَصْحَاب أبي هُرَيْرَة قد رَوَوْهُ تَاما، فَأخْرجهُ أَحْمد وَمُسلم من طَرِيق همام بن مُنَبّه عَن أبي هُرَيْرَة مثل رِوَايَة مُوسَى بن عقبَة، لَكِن بِحَذْف: إِن، من أَوله. وَأخرجه ابْن خُزَيْمَة والسراج من طَرِيق أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: (إِن لله مَلَائِكَة يتعاقبون) ، وَهَذِه الطَّرِيقَة أخرجهَا الْبَزَّار أَيْضا. وَأخرجه أَبُو نعيم فِي (الْحِلْية) بِإِسْنَاد صَحِيح من طَرِيق أبي يُونُس عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: (إِن لله مَلَائِكَة فِيكُم يتعاقبون) . وَمعنى: يتعاقبون، تَأتي طَائِفَة عقيب طَائِفَة، وَمِنْه: تعقيب الجيوش، وَهُوَ أَن يذهب قوم وَيَأْتِي آخَرُونَ. وَقَالَ ابْن عبد الْبر: وَإِنَّمَا يكون التَّعَاقُب بَين طائفتين أَو رجلَيْنِ بِأَن يَأْتِي هَذَا مرّة ويعقبه هَذَا، وَمِنْه: تعقيب الجيوش، أَن يُجهز الْأَمِير بعثا إِلَى مُدَّة، ثمَّ يَأْذَن لَهُم فِي الرُّجُوع بعد أَن يُجهز غَيرهم إِلَى مُدَّة، ثمَّ يَأْذَن لَهُم فِي الرُّجُوع بعد أَن يُجهز الْأَوَّلين فَإِن قلت: مَا وَجه تَكْرِير تنكيره مَلَائِكَة؟ قلت: ليدل على أَن الثَّانِيَة غير الأولى. كَقَوْلِه تَعَالَى: {غدوها شهر ورواحها شهر} (سبأ: ١٢) . وَأما الْمَلَائِكَة فَعِنْدَ أَكثر الْعلمَاء هم الْحفظَة، فسؤاله لَهُم إِنَّمَا هُوَ سُؤال عَمَّا أَمرهم بِهِ من حفظهم

لأعمالهم وكتبهم إِيَّاهَا عَلَيْهِم.

وَقَالَ عِيَاض، رَحمَه الله: وَقيل: يحْتَمل أَن يَكُونُوا غير الْحفظَة، فسؤاله لَهُم إِنَّمَا هُوَ على جِهَة التوبيخ لمن قَالَ: {أَتجْعَلُ فِيهَا من يفْسد فِيهَا} (الْبَقَرَة: ٣٠) . وَإنَّهُ اظهر لَهُم مَا سبق فِي علمه بقوله (اني اعْلَم مَا لَا تعلمُونَ) وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَهَذِه حِكْمَة اجْتِمَاعهم فِي هَاتين الصَّلَاتَيْنِ، أَو يكون سُؤَاله لَهُم استدعاءً لشهادتهم لَهُم، وَلذَلِك قَالُوا: (أتيناهم وهم يصلونَ وتركناهم وهم يصلونَ) . وَهَذَا من خَفِي لطفه وَجَمِيل ستره، إِذا لم يطلعهم إلَاّ على حَال عِبَادَتهم، وَلم يطلعهم على حَالَة شهواتهم وَمَا يشبهها. انْتهى. هَذَا الَّذِي قَالَه يُعْطي أَنهم غير الْحفظَة، لِأَن الْحفظَة يطلعون على أَحْوَالهم كلهَا، اللَّهُمَّ إلَاّ أَن تكون الْحفظَة غير الْكَاتِبين، فَيتَّجه مَا قَالَه. وَالظَّاهِر أَنهم غَيرهمَا، لِأَنَّهُ قد جَاءَ فِي بعض الْأَحَادِيث: (إِذا مَاتَ العَبْد جلس كاتباه عِنْد قَبره يستغفران لَهُ ويصليان عَلَيْهِ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة) . يُوضحهُ مَا رَوَاهُ ابْن الْمُنْذر بِسَنَد لَهُ عَن أبي عُبَيْدَة بن عبد الله عَن أَبِيه أَنه كَانَ يَقُول: (يتداول الحارسان من مَلَائِكَة الله تَعَالَى: حارس اللَّيْل وحارس النَّهَار، عِنْد طُلُوع الْفجْر) . وَعَن الضَّحَّاك فِي قَوْله تَعَالَى: {وَقُرْآن الْفجْر} (الْإِسْرَاء: ٧٨) . قَالَ: (تشهد مَلَائِكَة اللَّيْل وملائكة النَّهَار يشْهدُونَ أَعمال بني آدم) . وَفِي تَفْسِير ابْن أبي حَاتِم: تشهده الْمَلَائِكَة وَالْجِنّ.

قَوْله: (ويجتمعون فِي صَلَاة الْفجْر وَصَلَاة الْعَصْر) اجْتِمَاعهم فِي هَاتين الصَّلَاتَيْنِ لطف من الله تَعَالَى بعباده الْمُؤمنِينَ، إِذْ جعل اجْتِمَاعهم عِنْدهم ومفارقتهم لَهُم فِي أَوْقَات عِبَادَتهم، واجتماعهم على طَاعَة رَبهم، فَتكون شَهَادَتهم لَهُم بِمَا شاهدوه من الْخَيْر. وَقَالَ ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) : فِيهِ بَيَان أَن مَلَائِكَة اللَّيْل تنزل وَالنَّاس فِي صَلَاة الْعَصْر، وَحِينَئِذٍ تصعد مَلَائِكَة النَّهَار، وَهَذَا ضد قَول من زعم: أَن مَلَائِكَة اللَّيْل تنزل بعد غرُوب الشَّمْس. فَإِن قلت: مَا وَجه ذكر هَاتين الصَّلَاتَيْنِ عِنْد ذكر الرُّؤْيَة (؟ قلت: لما ثَبت لَهما من الْفضل على غَيرهمَا من اجْتِمَاع الْمَلَائِكَة فيهمَا وَرفع الْأَعْمَال وَغير ذَلِك، ناسب أَن يجازي المحافظ عَلَيْهِمَا بِأَفْضَل العطايا، وَهُوَ النّظر إِلَى الله تَعَالَى. وَالله أعلم. فَإِن قلت: التَّعَاقُب مُغَاير للاجتماع فَيكون بَين قَوْله: (يتعاقبون) ، وَبَين قَوْله: (يَجْتَمعُونَ) مُنَافَاة؟ قلت: كل مِنْهُمَا فِي حَالَة، فَلَا مُنَافَاة. فَإِن قلت: شهودهم مَعَهم الصَّلَاة فِي الْجَمَاعَة أم مُطلقًا؟ قلت: اللَّفْظ يحْتَمل للْجَمَاعَة وَغَيرهم، وَلَكِن الظَّاهِر أَن ذَلِك فِي الْجَمَاعَة. قَوْله: (ثمَّ يعرج) ، من: عرج يعرج عروجا، من بَاب: نصر ينصر: والعروج: الصعُود، وَيُقَال: عرج يعرج عرجانا إِذا عجز عَن شَيْء أَصَابَهُ، وعرج يعرج عرجا: إِذا صَار أعرج أَو كَانَ خلقه فِيهِ، وعرج بِالتَّشْدِيدِ تعريجا: إِذا قَامَ. قَوْله: (الَّذين باتوا فِيكُم) ، الْخطاب فِيهِ وَفِي قَوْله: (يتعاقبون فِيكُم) ، للمصلين. وَقَالَ بَعضهم: أَي: الْمُصَلِّين أَو مُطلق الْمُؤمنِينَ قلت: لَا يَصح أَن يكون مُطلق الْمُؤمنِينَ، لِأَن هَذِه الْفَضِيلَة للمصلين، وَالدَّلِيل على ذَلِك قَوْله: (يَجْتَمعُونَ فِي صَلَاة الْفجْر وَصَلَاة الْعَصْر) . وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا وَجه التَّخْصِيص بالذين باتوا وَترك الَّذين ظلوا؟ قلت: إِمَّا للاكتفاء بِذكر أَحدهمَا عَن الآخر، كَقَوْلِه تَعَالَى: {سرابيل تقيكم الْحر} (النَّحْل: ٨١) . وَإِمَّا لِأَن اللَّيْل مَظَنَّة الْمعْصِيَة ومظنة الاسْتِرَاحَة، فَلَمَّا لم يعصوا وَاشْتَغلُوا بِالطَّاعَةِ فالنهار أولى بذلك، وَإِمَّا لِأَن حكم طرفِي النَّهَار يعلم من طرفِي اللَّيْل، فَذكره يكون تَكْرَارا. انْتهى. وَقيل: الْحِكْمَة فِي ذَلِك أَن مَلَائِكَة اللَّيْل إِذا صلوا الْفجْر عرجوا فِي الْحَال، وملائكة النَّهَار إِذا صلوا الْعَصْر لَبِثُوا إِلَى آخر النَّهَار لضبط بَقِيَّة عمل النَّهَار. وَقَالَ بَعضهم: وَهَذَا ضَعِيف، لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَن مَلَائِكَة النَّهَار لَا يسْأَلُون، وَهُوَ خلاف ظَاهر الحَدِيث. قلت: هَذَا الَّذِي ذكره ضَعِيف، لِأَن لبث مَلَائِكَة النَّهَار لضبط بَقِيَّة عمل النَّهَار لَا يسْتَلْزم عدم السُّؤَال. وَقيل: الْحِكْمَة فِي ذَلِك بِنَاء على أَن الْمَلَائِكَة هم الْحفظَة أَنهم لَا يبرحون عَن مُلَازمَة بني آدم، وملائكة اللَّيْل هم الَّذين يعرجون ويتعاقبون، ويؤيدها مَا رَوَاهُ أَبُو نعيم فِي (كتاب الصَّلَاة) لَهُ، من طَرِيق الْأسود بن يزِيد النَّخعِيّ، قَالَ: (يلتقي الحارسان) ، أَي: مَلَائِكَة اللَّيْل وملائكة النَّهَار، (عِنْد صَلَاة الصُّبْح فَيسلم بَعضهم على بعض فتصعد مَلَائِكَة اللَّيْل وتلبث مَلَائِكَة النَّهَار) . وَقيل: يحْتَمل أَن يكون العروج إِنَّمَا يَقع عِنْد صَلَاة الْفجْر خَاصَّة، وَأما النُّزُول فَيَقَع فِي الصَّلَاتَيْنِ مَعًا، وَفِيه التَّعَاقُب، وَصورته أَن تنزل طَائِفَة عِنْد الْعَصْر، وتبيت ثمَّ تنزل طَائِفَة ثَانِيَة عِنْد الْفجْر، فتجتمع الطائفتان فِي صَلَاة الْفجْر، ثمَّ يعرج الَّذين باتوا فَقَط، وَيسْتَمر الَّذين نزلُوا وَقت الْفجْر إِلَى الْعَصْر، فتنزل الطَّائِفَة الْأُخْرَى فَيحصل اجْتِمَاعهم عِنْد الْعَصْر أَيْضا، وَلَا يصعد مِنْهُم أحد، بل تبيت الطائفتان أَيْضا ثمَّ تعرج إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَيسْتَمر ذَلِك، فَتَصِح صُورَة التَّعَاقُب مَعَ اخْتِصَاص النُّزُول بالعصر، والعروج بِالْفَجْرِ، فَلهَذَا خص السُّؤَال بالذين باتوا. وَقيل: إِن قَوْله: فِي هَذَا الحَدِيث، أَعنِي: حَدِيث الْبَاب. (ويجتمعون فِي صَلَاة الْفجْر وَصَلَاة الْعَصْر) وهم، لِأَنَّهُ ثَبت من طرق كَثِيرَة

أَن الِاجْتِمَاع فِي صَلَاة الْفجْر من غير ذكر صَلَاة الْعَصْر، كَمَا فِي (الصَّحِيحَيْنِ) من طَرِيق سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة فِي اثناء حَدِيث، قَالَ فِيهِ: (ويجتمع مَلَائِكَة اللَّيْل وملائكة النَّهَار فِي صَلَاة الْفجْر) . قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: واقرأوا إِن شِئْتُم: {وَقُرْآن الْفجْر إِن قُرْآن الْفجْر كَانَ مشهودا} (الْإِسْرَاء: ٧٨) : وَفِي التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ من وَجه آخر بِإِسْنَاد صَحِيح عَن أبي هُرَيْرَة فِي قَوْله تَعَالَى: {إِن قُرْآن الْفجْر كَانَ مشهودا} (الْإِسْرَاء: ٧٨) . قَالَ: تشهده مَلَائِكَة اللَّيْل وملائكة النَّهَار. وروى ابْن مرْدَوَيْه فِي تَفْسِيره من حَدِيث أبي الدَّرْدَاء مَرْفُوعا نَحوه، وَقَالَ ابْن عبد الْبر: لَيْسَ فِي هَذَا دفع للرواية الَّتِي ذكر فِيهَا الْعَصْر. قلت: مُحَصل كَلَامه أَن ذكر الْفجْر فِي الحَدِيث الَّذِي اسْتدلَّ بِهِ الْقَائِل الْمَذْكُور على أَن ذكر الْعَصْر وهم غير صَحِيح، لِأَن ذكر الْفجْر لَا يسْتَلْزم نفي ذكر الْعَصْر، وَلَا وَجه لنسبة الرَّاوِي الثِّقَة إِلَى الْوَهم مَعَ إِمْكَان التَّوْفِيق بَين الرِّوَايَات، مَعَ أَن الزِّيَادَة من الثِّقَة الْعدْل مَقْبُولَة، أَو يكون الِاقْتِصَار فِي الْفجْر لكَونهَا جهرية، وَلقَائِل أَن يَقُول: لِمَ لَا يجوز أَن يكون تَقْصِير من بعض الروَاة فِي تَركهم سُؤال الَّذين أَقَامُوا فِي النَّهَار؟ ولِمَ لَا يجوز أَن يحمل قَوْله: الَّذين باتوا، على مَا هُوَ أَعم من الْمبيت بِاللَّيْلِ وبالإقامة بِالنَّهَارِ، فَلَا يخْتَص ذَلِك حِينَئِذٍ بلَيْل دون نَهَار، وَلَا نَهَار دون ليل، بل كل طَائِفَة مِنْهُم إِذا صعدت سُئِلت؟ وَيكون فِيهِ اسْتِعْمَال لفظ: بَات، فِي أَقَامَ مجَازًا، وَيكون قَوْله: فيسألهم، أَي: كلاًّ من الطَّائِفَتَيْنِ فِي الْوَقْت الَّذِي تصعد فِيهِ؟ وَيدل على هَذَا مَا رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي (صَحِيحه) والسراج فِي (مُسْنده) جَمِيعًا عَن يُوسُف بن مُوسَى عَن جرير عَن الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (تَجْتَمِع مَلَائِكَة اللَّيْل وملائكة النَّهَار فِي صَلَاة الْفجْر وَصَلَاة الْعَصْر، فيجتمعون فِي صَلَاة الْفجْر، فتصعد مَلَائِكَة اللَّيْل وَتثبت مَلَائِكَة النَّهَار، ويجتمعون فِي صَلَاة الْعَصْر، فتصعد مَلَائِكَة النَّهَار وتبيت مَلَائِكَة اللَّيْل، فيسألهم رَبهم: كَيفَ تركْتُم عبَادي؟) الحَدِيث، وَهَذَا فِيهِ التَّصْرِيح بسؤال كل من الطَّائِفَتَيْنِ. قَوْله: (فيسألهم) الْحِكْمَة فِيهِ استدعاء شَهَادَتهم لبني آدم بِالْخَيرِ، واستعطافهم بِمَا يَقْتَضِي الْعَطف عَلَيْهِم، وَقيل: كَانَ ذَلِك لإِظْهَار الْحِكْمَة فِي خلق بني آدم فِي مُقَابلَة من قَالَ من الْمَلَائِكَة {أَتجْعَلُ فِيهَا من يفْسد فِيهَا} (الْبَقَرَة: ٣٠) . الْآيَة وَالْمعْنَى: أَنه قد وجد فيهم من يسبح ويقدس مثلكُمْ بِنَصّ شهادتكم. وَقَالَ عِيَاض: هَذَا السُّؤَال على سَبِيل التَّعَبُّد للْمَلَائكَة، كَمَا أمروا أَن يكتبوا أَعمال بني آدم، وَهُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أعلم من الْجَمِيع بِالْجَمِيعِ. قَوْله: (كَيفَ تركْتُم؟) قَالَ ابْن أبي حَمْزَة: وَقع السُّؤَال عَن آخر الْأَعْمَال، لِأَن الْأَعْمَال بخواتيمها. قَالَ: والعباد المسؤول عَنْهُم هم الَّذين ذكرُوا فِي قَوْله تَعَالَى: {إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان} (الْحجر: ٢٤٢ والإسراء: ٦٥) . قَوْله: (تركناهم وهم يصلونَ وأتيناهم وهم يصلونَ) . فَإِن قلت: كَانَ مُقْتَضى الْحَال أَن يبدؤا أَولا بالإتيان ثمَّ بِالتّرْكِ، وَلم يراعوا التَّرْتِيب؟ قلت: لِأَن الْمَقْصُود هُوَ الْإِخْبَار عَن صلَاتهم، والأعمال بخواتيمها، فَنَاسَبَ أَن يخبروا عَن آخر أَعْمَالهم قبل أَولهَا. وَقَالَ ابْن التِّين: الْوَاو، فِي قَوْله: (وهم يصلونَ) وَاو الْحَال، أَي: تركناهم على هَذِه الْحَال. فَإِن قلت: يلْزم من هَذَا أَنهم فارقوهم قبل انْقِضَاء الصَّلَاة، فَلم يشهدوها مَعَهم، وَالْخَبَر نَاطِق بِأَنَّهُم شهدوها. قلت: الْخَبَر مَحْمُول على أَنهم شهدُوا الصَّلَاة مَعَ من صلاهَا فِي أول وَقتهَا، وشهدوا من دخل فِيهَا بعد ذَلِك، وَمن شرع فِي إسباب ذَلِك. فَإِن قيل: مَا الْفَائِدَة فِي قَوْلهم (وأتيناهم) ؟ وَكَانَ السُّؤَال عَن كَيْفيَّة التّرْك؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُم زادوا فِي الْجَواب إِظْهَارًا لبَيَان فضيلتهم، وحرصا على ذكر مَا يُوجب مغفرتهم، كَمَا هُوَ وظيفتهم فِيمَا أخبر الله عَنْهُم بقوله: {وَيَسْتَغْفِرُونَ للَّذين آمنُوا} (غَافِر: ٧)

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: أَن الصَّلَاة أَعلَى الْعِبَادَات، لِأَنَّهُ عَلَيْهَا وَقع السُّؤَال وَالْجَوَاب. وَفِيه: التَّنْبِيه على أَن الْفجْر وَالْعصر من أعظم الصَّلَوَات، كَمَا ذَكرْنَاهُ. وَفِيه: الْإِشَارَة إِلَى شرف هذَيْن الْوَقْتَيْنِ، وَقد ورد أَن الرزق يقسم بعد صَلَاة الصُّبْح، وَأَن الْأَعْمَال ترفع آخر النَّهَار، فَمن كَانَ حِينَئِذٍ فِي طَاعَة بورك فِي رزقه وَفِي عمله. وَفِيه: إِشَارَة إِلَى تشريف هَذِه الْأمة على غَيرهَا، وَيلْزم من ذَلِك تشريف نَبينَا على غَيره من الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم السَّلَام. وَفِيه: الإيذان بِأَن الْمَلَائِكَة تحب هَذِه الْأمة ليزدادوا فيهم حبا ويتقربون بذلك إِلَى الله تَعَالَى. وَفِيه: الدّلَالَة على أَن الله تَعَالَى يتَكَلَّم مَعَ مَلَائكَته. وَفِيه: الْحَث على المثابرة على صَلَاة الْعَصْر، لِأَنَّهَا تَأتي فِي وَقت اشْتِغَال النَّاس، وَقَالَ بَعضهم: اسْتدلَّ بعض الْحَنَفِيَّة بقوله: (ثمَّ يعرج الَّذين باتوا فِيكُم) على اسْتِحْبَاب تَأْخِير صَلَاة الْعَصْر، ليَقَع عروج الْمَلَائِكَة إِذا فرغ مِنْهَا آخر النَّهَار، ثمَّ قَالَ: وَتعقب بِأَن ذَلِك غير لَازم، إِذْ لَيْسَ فِي الحَدِيث مَا يَقْتَضِي أَنهم لَا يصعدون إِلَّا سَاعَة الْفَرَاغ من الصَّلَاة، بل جَائِز أَن تفرغ الصَّلَاة ويتأخروا بعد ذَلِك إِلَى آخر النَّهَار، وَلَا مَانع أَيْضا من أَن تصعد مَلَائِكَة النَّهَار وَبَعض النَّهَار بَاقٍ، وَيُقِيم مَلَائِكَة اللَّيْل. انْتهى. قلت هَذَا

📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني

مَضَى ذَلِكَ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ.

١٤ - بَاب إِثْمِ مَنْ فَاتَتْهُ الْعَصْرُ

٥٥٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ.

قَوْلُهُ (بَابُ إِثْمِ مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ) أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِذِكْرِ الْإِثْمِ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَوَاتِ تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِ الْجَوَازِ بِغَيْرِ عُذْرٍ؛ لِأَنَّ الْإِثْمَ إِنَّمَا يَتَرَتَبُ عَلَى ذَلِكَ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ.

قَوْلُهُ (الَّذِي تَفُوتُهُ) قَالَ ابْنُ بَزِيزَةَ: فِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ كَرِهَ أَنْ يَقُولَ فَاتَتْنَا الصَّلَاةُ.

قُلْتُ: وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ.

قَوْلُهُ: (صَلَاةُ الْعَصْرِ فَكَأَنَّمَا) كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ، وَسَقَطَ لِلْأَكْثَرِ لَفْظُ صَلَاةٍ وَالْفَاءُ مِنْ قَوْلِهِ فَكَأَنَّمَا.

قَوْلُهُ: (وُتِرَ أَهْلَهُ) هُوَ بِالنَّصْبِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِوُتِرَ، وَأُضْمِرَ فِي وُتِرَ مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ وَهُوَ عَائِدٌ عَلَى الَّذِي فَاتَتْهُ، فَالْمَعْنَى أُصِيبَ بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ. وَهُوَ مُتَعَدٍّ إِلَى مَفْعُولَيْنِ. وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْمُصَنِّفُ فِيمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَتِرَكُمْ. انْتَهَى. وَقِيلَ وُتِرَ هُنَا بِمَعْنَى نُقِصَ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ نَصْبُهُ وَرَفْعُهُ؛ لِأَنَّ مَنْ رَدَّ النَّقْصَ إِلَى الرَّجُلِ نَصَبَ وَأَضْمَرَ مَا يَقُومُ مَقَامَ الْفَاعِلِ، وَمَنْ رَدَّهُ إِلَى الْأَهْلِ رَفَعَ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: يُرْوَى بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّ وُتِرَ بِمَعْنَى سُلِبَ، وَهُوَ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ، وَبِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّ وُتِرَ بِمَعْنَى أُخِذَ فَيَكُونُ أَهْلُهُ هُوَ الْمَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي أَيْضًا: وَتَرْتُ الرَّجُلَ إِذَا قَتَلْتُ لَهُ قَتِيلًا أَوْ أَخَذْتُ مَالَهُ، وَحَقِيقَةُ الْوَتْرِ كَمَا قَالَ الْخَلِيلُ هُوَ الظُّلْمُ فِي الدَّمِ، فَعَلَى هَذَا فَاسْتِعْمَالُهُ فِي الْمَالِ مَجَازٌ، لَكِنْ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْمَوْتُورُ هُوَ الَّذِي قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَلَمْ يُدْرَكْ بِدَمِهِ، تَقُولُ مِنْهُ وُتِرَ وَتَقُولُ أَيْضًا وَتَرَهُ حَقَّهُ أَيْ نَقَصَهُ.

وَقِيلَ الْمَوْتُورُ مَنْ أُخِذَ أَهْلُهُ أَوْ مَالُهُ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ وَذَلِكَ أَشَدُّ لِغَمِّهِ، فَوَقَعَ التَّشْبِيهُ بِذَلِكَ لِمَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ لِأَنَّهُ يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ غَمَّانِ: غَمُّ الْإِثْمِ وَغَمُّ فَقْدِ الثَّوَابِ. كَمَا يَجْتَمِعُ عَلَى الْمَوْتُورِ غَمَّانِ: غَمُّ السَّلْبِ، وَغَمُّ الطَّلَبِ بِالثَّأْرِ. وَقِيلَ: مَعْنَى وُتِرَ أُخِذَ أَهْلُهُ وَمَالُهُ فَصَارَ وَتْرًا أَيْ فَرْدًا، وَيُؤَيِّدُ الَّذِي قَبْلَهُ رِوَايَةُ أَبِي مُسْلِمٍ الْكَجِّيِّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ فَذَكَرَ نَحْوَ هَذَا الْحَدِيثِ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ وَهُوَ قَاعِدٌ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ التَّغْلِيظُ عَلَى مَنْ تَفُوتُهُ الْعَصْرُ، وَأَنَّ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِهَا. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحَدِيثُ خَرَجَ جَوَابًا لِسَائِلٍ سَأَلَ عَنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ فَأُجِيبَ، فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ إِلْحَاقَ غَيْرِهَا مِنَ الصَّلَوَاتِ بِهَا. وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّهُ إِنَّمَا يُلْحَقُ غَيْرُ الْمَنْصُوصِ بِالْمَنْصُوصِ إِذَا عُرِفَتِ الْعِلَّةُ وَاشْتَرَكَا فِيهَا. قَالَ: وَالْعِلَّةُ فِي هَذَا الْحُكْمِ لَمْ تَتَحَقَّقْ فَلَا يَلْتَحِقُ غَيْرُ الْعَصْرِ بِهَا. انْتَهَى. وَهَذَا لَا يَدْفَعُ الِاحْتِمَالَ. وَقَدِ احْتَجَّ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِمَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا: مَنْ تَرَكَ صَلَاةً مَكْتُوبَةً حَتَّى تَفُوتَهُ الْحَدِيثَ.

قُلْتُ: وَفِي إِسْنَادِهِ انْقِطَاعٌ؛ لِأَنَّ أَبَا قِلَابَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ. وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ بِلَفْظِ: مَنْ تَرَكَ الْعَصْرَ فَرَجَعَ حَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ إِلَى تَعْيِينِ الْعَصْرِ. وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ نَوْفَلِ بْنِ مُعَاوِيَةَ مَرْفُوعًا: مَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ، وَهَذَا ظَاهِرُهُ الْعُمُومُ فِي الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ. وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ نَوْفَلٍ بِلَفْظِ: لَأَنْ يُوتَرَ أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ وَمَالَهُ خَيْرٌ لَهُ

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

٥٥٢ - وبالسَّند قال: (حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطَّاب، ولأبوَي الوقت وذَرٍّ: «عن عبد الله بن عمر» (أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ العَصْرِ) بأن أخرجها متعمِّدًا عن وقتها بغروب الشَّمس، أو عن وقتها المختار، أو باصفرار الشَّمس (١) كما ورد مُفسَّرًا من رواية الأوزاعيِّ في هذا الحديث قال فيه: و «فواتها» أن تدخل الشَّمس صفرةٌ (٢)، قال في «شرح التَّقريب»: كذا ذكر (٣) عياضٌ، وتبعه النَّوويُّ، وظاهر إيراد أبي داود في «سننه» أنَّه من كلام الأوزاعيِّ، لا أنَّه من (٤) الحديث لأنَّه رُوِيَ بإسنادٍ منفردٍ عن الحديث (٥) عن الأوزاعيِّ أنَّه قال: وذلك أن ترى ما على الأرض من الشَّمس أصفر (٦)، وفي «العلل» لابن أبي حاتمٍ: سألت أبي عن حديثٍ رواه الأوزاعيُّ عن نافعٍ عن ابن عمر مرفوعًا: «من فاتته صلاة العصر -وفواتها أن تدخل الشَّمس صفرةٌ- فكأنَّما وُتِر أهله وماله» قال أبي: التَّفسير قول نافعٍ. انتهى. وقِيلَ: المُراد فواتها عن الجماعة، والرَّاجح الأوَّل، ويؤيِّده حديث ابن عمر عند ابن أبي شيبة في «مُصنَّفه» مرفوعًا: «من ترك العصر حتَّى تغيب الشَّمس» أي: من غير عذرٍ (كَأَنَّمَا) وللكُشْمِيْهَنِيِّ وابن عساكر:

«فكأنَّما» (وُتِرَ) هو (١) -أي: الَّذي فاتته العصر- نُقِص أو سُلِب (أَهْلَُهُ وَمَالَُهُ) وتُرك فردًا منهما (٢)، فبقي بلا أهلٍ ولا مالٍ، فليحذر من تفويتها كحذره من ذهاب أهله و (٣) ماله، و «وُتِر» بضمِّ الواو مبنيًّا للمفعول، و «أهلَه»: مفعولٌ ثانٍ له، والأوَّل الضَّمير المستتر فيه، وقِيلَ: منصوبٌ على نزع الخافض أي: وُتِرَ في أهله وماله، فلمَّا حُذِف الخافض انتصب، ويُروَى: «أهلُه» بالرَّفع على أنَّه نائب الفاعل، ولا يُضمَر في «وُتِر» بل يقوم «أهله» (٤) مقام ما لم يُسمَّ فاعله (٥) و «ماله» عُطِف عليه، أي: انتُزِع منه أهله وماله، وقال ابن الاثير: من ردَّ النَّقص إلى الرَّجل نصبهما، ومن ردّه إلى الأهل والمال رفعهما، والنَّصب هو الصَّحيح المشهور الَّذي عليه الجمهور كما (٦) قاله النَّوويُّ، وقال عياضٌ: هو الَّذي ضبطناه عن جماعة شيوخنا ووقع هنا (٧) في رواية المُستملي زيادةٌ وهي: «قال أبو عبد الله» يعني: المؤلِّف، ممَّا يدلُّ لنصب الكلمتين بـ «وُتِر» وهو قوله تعالى: ﴿يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥] بنصب «أعمالَكم» مفعولٌ ثانٍ، والأوَّل:

«كاف» الخطاب، ثمَّ أشار بقوله: «وترت الرَّجل إذا قتلت له قتيلًا» من قريبٍ أو حميمٍ فأفردته عنه، «أو أخذت له مالًا» وللأَصيليِّ والهرويِّ وأبي الوقت: «أو أخذت ماله» إلى أنَّ «وُتِر» يتعدَّى إلى مفعولٍ واحدٍ، وهو يؤيِّد رواية الرَّفع، قيِلَ: وخُصَّت «صلاة العصر» بذلك لاجتماع المتعاقبين من الملائكة فيها، وعُورِض بأنَّ صلاة الفجر كذلك يجتمع فيها المتعاقبون، وأُجيب باحتمال أنَّ (١) التَّهديد إنَّما غُلِّظ في «العصر» دون «الفجر» لأنَّه لا عذر له في تفويتها لأنَّه وقت يقظةٍ، بخلاف الفجر فربَّما كان النَّوم عندها عذرًا، وأوَّله ابن عبد البرِّ على أَنَّه خُرِّج جوابًا لسائلٍ عنها فأُجيب، أي: فلا يمنع إلحاق غيرها، أو نبَّه بـ «العصر» على غيرها، وخصَّها بالذِّكر لأنَّها تأتي والنَّاس في وقت تعبهم من أعمالهم، وحرصهم على تمام أشغالهم (٢)، وتُعقِّب بأنَّه إنَّما يُلحَق غير المنصوص بالمنصوص إذا عُرِفت العلَّة واشتركا فيها، والعلَّة هنا لم تتحقَّق، فلا يُلحَق غير «العصر» بها، وأُجيب بأنَّ ما ذكره هذا المتعقِّب لا يدفع الاحتمال، وقد ورد ما يدلُّ للعموم، فعند ابن أبي شيبة من طريق أبي قِلابة عن أبي الدَّرداء مرفوعًا: «من ترك صلاةً مكتوبةً حتَّى تفوته … » الحديثَ، وتُعقِّب بأنَّ في سنده انقطاعًا لأنَّ أبا قلابة لم يسمع من أبي الدَّرداء، وقد رواه أحمد من حديث أبي الدَّرداء بلفظ: «من ترك صلاة العصر» فرجع حديث أبي الدَّرداء إلى تعيين «العصر»، قال ابن المُنَيِّر: والحقُّ أنَّ الله تعالى يخصُّ ما يشاء من الصَّلوات بما يشاء من الفضيلة. انتهى.

وحديث الباب أخرجه مسلمٌ وأبو داود والنَّسائيُّ، والله تعالى أعلم بالصَّواب (٣).

(١٥) (بابُ) إثمِ (مَنْ تَرَكَ العَصْرَ) عمدًا.

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

على الصَّحِيح أَنَّهَا الصَّلَاة الْوُسْطَى، وَبهَا تختم الصَّلَوَات. وَاعْترض النَّوَوِيّ لِابْنِ عبد الْبر فِي قَوْله: فعلى هَذَا يكون حكم من فَاتَهُ الصُّبْح. . إِلَى آخِره، فَإِن غير الْمَنْصُوص إِنَّمَا يلْحق بالمنصوص إِذا عرفت الْعلَّة واشتركا فِيهَا. قَالَ: وَالْعلَّة فِي هَذَا الحكم لم تتَحَقَّق فَلَا يلْحق غير الْعَصْر بهَا. انْتهى. قلت: لقَائِل أَن يحْتَج لِابْنِ عبد الْبر بِمَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة وَغَيره من طَرِيق أبي قلَابَة عَن أبي الدَّرْدَاء مَرْفُوعا: (من ترك صَلَاة مَكْتُوبَة حَتَّى تفوته) الحَدِيث، ورد بِأَن فِي إِسْنَاده انْقِطَاعًا، لِأَن أَبَا قلَابَة لم يسمع من أبي الدَّرْدَاء، وَقد روى أَحْمد حَدِيث أبي الدَّرْدَاء بِلَفْظ: (من ترك الْعَصْر) ، فَرجع حَدِيث أبي الدَّرْدَاء إِلَى تعْيين الْعَصْر. قلت: روى ابْن حبَان وَغَيره عَن نَوْفَل بن مُعَاوِيَة مَرْفُوعا: (من فَاتَتْهُ الصَّلَاة فَكَأَنَّمَا وتر أَهله وَمَاله) . وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب، وَهَذَا يَشْمَل جَمِيع الصَّلَوَات المكتوبات، وَلَكِن روى الطَّبَرَانِيّ هَذَا الحَدِيث أَعنِي حَدِيث الْبَاب من وَجه آخر، وَزَاد فِيهِ عَن الزُّهْرِيّ: (قلت لأبي بكر يَعْنِي ابْن عبد الرَّحْمَن، وَهُوَ الَّذِي حَدثهُ بِهِ مَا هَذِه الصَّلَاة؟ قَالَ: الْعَصْر) . رَوَاهُ ابْن أبي خَيْثَمَة من وَجه آخر، فَصرحَ بِكَوْنِهَا الْعَصْر فِي نفس الْخَبَر، وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيّ وَالْبَيْهَقِيّ من وَجه آخر فصرحا بِكَوْنِهَا الْعَصْر فِي نفس الْخَبَر، وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيّ من وَجه آخر، وَفِيه: إِن التَّفْسِير من قَول ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَاعْترض ابْن الْمُنِير على قَول الْمُهلب الْمَذْكُور عَن قريب بِأَن الْفجْر أَيْضا فِيهَا شُهُود الْمَلَائِكَة الليلية والنهارية، فَلَا يخْتَص الْعَصْر بذلك. قَالَ: وَالْحق أَن الله تَعَالَى يخص مَا شَاءَ من الصَّلَوَات بِمَا شَاءَ من الْفَضِيلَة. وَبَوَّبَ التِّرْمِذِيّ على حَدِيث الْبَاب مَا جَاءَ فِي السَّهْو عَن وَقت الْعَصْر فَحَمله على الساهي. قلت: لَا تطابق بَين تَرْجَمته وَبَين الحَدِيث، فَإِن لفظ الحَدِيث: الَّذِي تفوته، أَعم من أَن يكون سَاهِيا أَو عَامِدًا، وتخصيصه بالساهي لَا وَجه لَهُ، بل الْقَرِينَة دَالَّة على أَن المُرَاد بِهَذَا الْوَعيد فِي الْعَامِد دون الساهي.

قَالَ أبُو عَبْدِ الله يَتِرُكُمْ أعْمَالُكُمْ وَتَرْتُ الرَّجُلَ إذَا قَتَلْتُ لَهُ قَتِيلاً أوْ أخَذْتُ لَهُ مَالا

أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ، وَأَشَارَ بذلك إِلَى أَن لَفْظَة: يتركم فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلنْ يتركم} (مُحَمَّد: ٣٥) . أَنه مُتَعَدٍّ إِلَى مفعولين، وَهَذَا يُؤَيّد نصب اللَاّمين فِي الحَدِيث، وَأَشَارَ بقوله (وترت الرجل) ، إِلَى أَنه يتَعَدَّى إِلَى مفعول وَاحِد، وَهُوَ يُؤَيّد رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي.

١٥ - (بابُ إثْمِ مَنْ تَرَكَ العَصْرَ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِثْم من ترك صَلَاة الْعَصْر. قيل: لَا فَائِدَة فِي هَذَا التَّبْوِيب لِأَن الْبَاب السَّابِق يُغني عَنهُ، وَكَانَ يَنْبَغِي أَن يذكر حَدِيث هَذَا الْبَاب فِي الْبَاب الَّذِي قبله، لِأَن كلا مِنْهُمَا فِي الْوَعيد، قلت: بَينهمَا فرق دَقِيق، وَهُوَ أَنهم قد اخْتلفُوا فِي المُرَاد من معنى التفويت على مَا ذكرنَا، وَالتّرْك لَا خلاف فِيهِ أَن مَعْنَاهُ: إِذا كَانَ عَامِدًا.

٥٥٣ - حدَّثنا مُسْلِمُ بنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حدَّثنا هِشَامٌ قَالَ حدَّثنا يَحْيَى بنُ أبي كَثِيرٍ عنْ أبِي قِلَابَةَ عنْ أبي المَلِيحِ قالَ كُنَّا مَعَ بُرَيْدَةَ فِي غَزْوَةٍ فِي يَوْمٍ ذِي غَيْمٍ فَقَالَ بِكِّرُوا بِصَلَاةِ العَصْرِ فَإِنَّ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قالَ مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ العَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ. ((الحَدِيث ٥٥٣ طرفه فِي: ٥٩٤) .

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن الحَدِيث يتَضَمَّن حَبط الْعَمَل عِنْد التّرْك، والترجمة فِي إِثْم التّرْك.

ذكر رِجَاله: وهم سِتَّة: الأول: مُسلم بن ابراهيم الْأَزْدِيّ الفراهيدي الْبَصْرِيّ القصاب، يكنى أَبَا عَمْرو. الثَّانِي: هِشَام بن عبد الله الدستوَائي. الثَّالِث: يحيى ابْن أبي كثير. الرَّابِع: أَبُو قلَابَة، بِكَسْر الْقَاف: عبد الله بن زيد الحرمي. الْخَامِس: أَبُو الْمليح، بِفَتْح الْمِيم وَكسر اللَّام وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة: واسْمه عَامر بن أُسَامَة الْهُذلِيّ، مَاتَ سنة ثَمَان وَتِسْعين. السَّادِس: بُرَيْدَة بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وبالدال الْمُهْملَة: ابْن الْحصيب، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَفتح الصَّاد الْمُهْملَة وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة: الْأَسْلَمِيّ، رُوِيَ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مائَة حَدِيث وَأَرْبَعَة وَسِتُّونَ حَدِيثا، للْبُخَارِيّ مِنْهَا ثَلَاث، مَاتَ غازيا بمرو، وَهُوَ آخر من مَاتَ من الصَّحَابَة بخراسان سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع بِاتِّفَاق الروَاة عَن مُسلم بن إِبْرَاهِيم. وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع عَن هِشَام عِنْد أبي ذَر، وَعند غَيره. أخبرنَا بِصِيغَة الْجمع. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع عَن يحيى عِنْد أبي ذَر، وَعند غَيره: حَدثنَا. وَفِيه: العنعنة عَن أبي قلَابَة عَن أبي الْمليح، وَعند ابْن خُزَيْمَة: من طَرِيق أبي دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَن هِشَام عَن يحيى: أَن أَبَا قلَابَة حَدثهُ، وَعند البُخَارِيّ فِي بَاب التبكير بِالصَّلَاةِ فِي يَوْم الْغَيْم: عَن معَاذ بن فضَالة عَن هِشَام عَن يحيى عَن أبي قلَابَة: أَن أَبَا الْمليح حَدثهُ. وَفِيه: ثَلَاثَة من التَّابِعين على الْوَلَاء. وَفِيه: أَن الروَاة كلهم بصريون. وَفِيه: القَوْل فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن معَاذ بن فضَالة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الصَّلَاة أَيْضا عَن عبيد الله بن سعيد عَن يحيى عَن هِشَام بِهِ. وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة كَمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ. وَأخرجه ابْن مَاجَه وَابْن حبَان من حَدِيث الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى بن أبي كثير عَن أبي قلَابَة عَن أبي المُهَاجر عَنهُ، قَالَ ابْن حبَان: وهم الْأَوْزَاعِيّ فِي تصحيفه عَن يحيى، فَقَالَ: عَن أبي المُهَاجر، وَإِنَّمَا هُوَ أَبُو الْمُهلب عَم أبي قلَابَة عَن عَمه عَنهُ، على الصَّوَاب. وَاعْترض عَلَيْهِ الضياء الْمَقْدِسِي، فَقَالَ: الصَّوَاب أَبُو الْمليح عَن أبي بُرَيْدَة.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (ذِي غيم) ، صفة يَوْم وَمحل: (فِي غَزْوَة) و: (فِي يَوْم) نصب على الْحَال، وَإِنَّمَا خص يَوْم الْغَيْم لِأَنَّهُ مَظَنَّة التَّأْخِير، لِأَنَّهُ رُبمَا يشْتَبه عَلَيْهِ فَيخرج الْوَقْت بغروب الشَّمْس. قَوْله: (بَكرُوا) أَي: أَسْرعُوا وعجلوا وَبَادرُوا وكل من بَادر إِلَى الشَّيْء فقد بكر، وأبكر إِلَيْهِ أَي وَقت كَانَ، يُقَال: بَكرُوا بِصَلَاة الْمغرب أَي: صلوها عِنْد سُقُوط القرص. قَوْله: (من ترك) كلمة من، مَوْصُولَة تَتَضَمَّن معنى الشَّرْط فِي مَحل الرّفْع على الِابْتِدَاء وَخَبره: (فقد حَبط عمله) . وَدخُول: الْفَاء، فِيهِ لأجل تضمن الْمُبْتَدَأ معنى الشَّرْط. و: حَبط، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة أَي: بَطل، يُقَال: حَبط يحبط من بَاب: علم يعلم، يُقَال: حَبط عمله وأحبطه غَيره، وَهُوَ من قَوْلهم: حبطت الدَّابَّة حَبطًا بِالتَّحْرِيكِ إِذا أَصَابَت مرعى طيبا، فأفرطت فِي الْأكل حَتَّى تنتفخ فتموت، وَزَاد معمر فِي رِوَايَة هَذَا الحَدِيث لفظ: مُتَعَمدا، وَكَذَا أخرجه أَحْمد من حَدِيث أبي الدَّرْدَاء. وَفِي رِوَايَة معمر: (أحبط الله عمله) ، وَسقط من رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي لفظ: فقد.

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ وَهُوَ على وُجُوه: الأول: احْتج بِهِ أَصْحَابنَا على أَن الْمُسْتَحبّ تَعْجِيل الْعَصْر يَوْم الْغَيْم. الثَّانِي: احْتج بِهِ الْخَوَارِج على تَكْفِير أهل الْمعاصِي، قَالُوا: وَهُوَ نَظِير قَوْله تَعَالَى: {وَمن يكفر بِالْإِيمَان فقد حَبط عمله} (الْمَائِدَة: ٥) . ورد عَلَيْهِم أَبُو عمر بِأَن مَفْهُوم الْآيَة أَن من لم يكفر بِالْإِيمَان لم يحبط عمله، فيتعارض مَفْهُوم الْآيَة ومنطوق الحَدِيث، فَإِذا كَانَ كَذَلِك يتَعَيَّن تَأْوِيل الحَدِيث، لِأَن الْجمع إِذا كَانَ مُمكنا كَانَ أولى من التَّرْجِيح، وَنَذْكُر عَن قريب وَجه الْجمع، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. الثَّالِث: احْتج بِهِ بعض الْحَنَابِلَة: أَن تَارِك الصَّلَاة يكفر، ورد بِأَن ظَاهره مَتْرُوك، وَالْمرَاد بِهِ التَّغْلِيظ والتهديد، وَالْكفْر ضد الْإِيمَان وتارك الصَّلَاة لَا يَنْفِي عَنهُ الْإِيمَان، وَأَيْضًا لَو كَانَ الْأَمر كَمَا قَالُوا لما اخْتصّت الْعَصْر بذلك. وَأما وَجه اخْتِصَاص الْعَصْر بذلك فَلِأَنَّهُ وَقت ارْتِفَاع الْأَعْمَال، وَوقت اشْتِغَال النَّاس بِالْبيعِ وَالشِّرَاء فِي هَذَا الْوَقْت بِأَكْثَرَ من وَقت غَيره، وَوقت نزُول مَلَائِكَة اللَّيْل. وَأما وَجه الْجمع فَهُوَ أَن الْجُمْهُور تأولوا الحَدِيث فافترقوا على فرق: فَمنهمْ من أول سَبَب التّرْك فَقَالُوا: المُرَاد من تَركهَا جاحدا لوُجُوبهَا، أَو معترفا لَكِن مستخفا مستهزئا بِمن أَقَامَهَا، وَفِيه نظر، لِأَن الَّذِي فهمه الرَّاوِي الصَّحَابِيّ إِنَّمَا هُوَ التَّفْرِيط، وَلِهَذَا أَمر بالتبكير والمبادرة إِلَيْهَا وفهمه أولى من فهم غَيره. وَمِنْهُم من قَالَ: المُرَاد بِهِ من تَركهَا متكاسلاً، لَكِن خرج الْوَعيد مخرج الزّجر الشَّديد، وَظَاهره غير مُرَاد كَقَوْلِه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (لَا يَزْنِي الزَّانِي وَهُوَ مُؤمن) . وَمِنْهُم من أول سَبَب الحبط، فَقيل: هُوَ من مجَاز التَّشْبِيه، كَأَن الْمَعْنى: فقد أشبه من حَبط عمله. قيل: مَعْنَاهُ كَاد أَن يحبط، وَقيل: المُرَاد من الحبط نُقْصَان الْعَمَل فِي ذَلِك الْوَقْت الَّذِي ترفع فِيهِ الْأَعْمَال إِلَى الله تَعَالَى، وَكَانَ المُرَاد بِالْعَمَلِ الصَّلَاة خَاصَّة أَي: لَا يحصل على أجر من صلى الْعَصْر، وَلَا يرْتَفع لَهُ عَملهَا حِينَئِذٍ، وَقيل: المُرَاد بالحبط الْإِبْطَال، أَي: بَطل انتفاعه بِعَمَلِهِ فِي وَقت ينْتَفع بِهِ غَيره فِي ذَلِك الْوَقْت. وَفِي (شرح التِّرْمِذِيّ) ذكر أَن الحبط على قسمَيْنِ: حَبط إِسْقَاط وَهُوَ: إحباط الْكفْر للْإيمَان وَجَمِيع الْحَسَنَات، وحبط موازنة وَهُوَ: إحباط الْمعاصِي للِانْتِفَاع بِالْحَسَنَاتِ عِنْد رُجْحَانهَا عَلَيْهَا إِلَى أَن تحصل النجَاة، فَيرجع إِلَيْهِ جَزَاء حَسَنَاته. وَقيل: المُرَاد بِالْعَمَلِ فِي الحَدِيث الْعَمَل الَّذِي كَانَ سَببا لترك الصَّلَاة، بِمَعْنى أَنه: لَا ينْتَفع بِهِ وَلَا يتمتع وَأقرب الْوُجُوه فِي هَذَا مَا قَالَه ابْن بزيزة: إِن هَذَا على وَجه التَّغْلِيظ، وَإِن ظَاهره غير مُرَاد، وَالله تَعَالَى أعلم، لِأَن الْأَعْمَال لَا يحبطها إلَاّ الشّرك.

١٦ -

(بابُ فَضْلِ صَلَاةِ العَصْرِ)

أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان فضل الْعَصْر. والمناسبة بَين هَذِه الْأَبْوَاب ظَاهِرَة.

٥٥٤ - حدَّثنا الحُمَيْدِي قَالَ حدَّثنا مَرْوَانُ بنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ حدَّثنا إسْمَاعِيلُ عنْ قَيْسٍ عنْ جَرِير قَالَ كُنَّا عِنْدَ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَنَظَرَ إلَى القَمَرِ لَيْلَةً يَعْنِي البَدْرَ فَقَالَ إنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَما تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ فإنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ لَا تُغْلَوْا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فافْعَلُوا ثمَّ قَرَأَ وَسَبِّح بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الغُرُوبِ. قالَ إسْمَاعِيلُ افْعَلوا لَا تَفُوتَنَّكُمْ. . [/ نه

مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله: (وَقبل غُرُوبهَا) ، أَي: قبل غرُوب الشَّمْس، وَالصَّلَاة فِي هَذَا الْوَقْت هِيَ صَلَاة الْعَصْر، وَلَو قَالَ: بَاب فضل الصَّلَاة الْفجْر وَالْعصر لَكَانَ أولى، لِأَن الْمَذْكُور فِي الحَدِيث وَالْآيَة صَلَاة الْفجْر وَالْعصر كلتاهما. وَقَالَ بَعضهم: بَاب فضل صَلَاة الْعَصْر، أَي: على جَمِيع الصَّلَوَات، إلَاّ قلت هَذَا التَّقْدِير الْمَذْكُور فِي الحَدِيث فِيهِ تعسف، وَلِأَن جَمِيع الصَّلَوَات مُشْتَركَة فِي الْفضل غَايَة مَا فِي الْبَاب أَن لصلاتي الْفجْر وَالْعصر مزية على غَيرهمَا، وَإِنَّمَا خصص الْعَصْر بِالذكر للاكتفاء، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {سرابيل تقيكم الْحر} (لنحل: ٨١) . أَي: وَالْبرد أَيْضا. وَقيل: إِنَّمَا خص الْعَصْر لِأَن فِي وقته ترْتَفع الْأَعْمَال وَتشهد فِيهِ مَلَائِكَة اللَّيْل، وَلِهَذَا ذكر فِي الحَدِيث: (فَإِن اسْتَطَعْتُم) . الحَدِيث. قلت: وَفِي الْفجْر أَيْضا تشهد فِيهِ مَلَائِكَة النَّهَار، وَالْأَوْجه فِي الْجَواب مَا ذكرته الْآن. وَقَالَ بَعضهم: وَيحْتَمل أَن يكون المُرَاد أَن الْعَصْر ذَات فَضِيلَة لَا ذَات أَفضَلِيَّة. قلت: كل الصَّلَوَات ذَوَات فَضِيلَة، والترجمة أَيْضا تنبىء عَن ذَلِك.

ذكر رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: الْحميدِي، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة: واسْمه عبد الله بن الزبير بن عِيسَى بن عبد الله بن الزبير بن عبد الله بن حميد، ونسبته إِلَى جده: حميد الْقرشِي الْمَكِّيّ، مَاتَ سنة تسع عشرَة وماتين. الثَّانِي: مَرْوَان بن مُعَاوِيَة بن الْحَارِث الْفَزارِيّ، مَاتَ بِدِمَشْق سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَمِائَة، قبل التَّرويَة بِيَوْم فجاة. الثَّالِث: إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة. الرَّابِع: قيس بن أبي حَازِم بِالْحَاء الْمُهْملَة. الْخَامِس: جُبَير بن عبد الله بن جَابر البَجلِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: القَوْل، وَوَقع عِنْد أبي مرْدَوَيْه من طَرِيق شُعْبَة عَن إِسْمَاعِيل التَّصْرِيح بِسَمَاع إِسْمَاعِيل من قيس، وَسَمَاع قيس عَن جرير. وَفِيه: ذكر الْحميدِي بنسبته إِلَى أحد أجداده، وَأَنه من أَفْرَاد البُخَارِيّ. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين مكي وكوفي. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ، وهما: إِسْمَاعِيل وَقيس. وَفِيه: أَن أحد الروَاة من المخضرمين، وَهُوَ: قيس، فَإِنَّهُ قدم الْمَدِينَة بَعْدَمَا قبض النَّبِي، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، مَاتَ سنة أَربع وَثَمَانِينَ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا عَن مُسَدّد عَن يحيى بن سعيد فِي الصَّلَاة أَيْضا وَأخرجه فِي التَّفْسِير عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن جرير، وَفِي التَّوْحِيد عَن عَمْرو بن عون عَن خَالِد وهشيم وَعَن يُوسُف ابْن مُوسَى عَن عَاصِم وَعَن عَبدة بن عبد الله. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن زُهَيْر بن حَرْب عَن مَرْوَان بِهِ وَعَن أبي بكر ابْن أبي شيبَة عَن عبد الله بن نمير وَأبي اسامة ووكيع ثَلَاثَتهمْ عَن اسماعيل بِهِ وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي السّنة عَن عُثْمَان بن ابي شيبَة عَن جرير ووكيع وَأبي أُسَامَة بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن يحيى بن كثير وَعَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي السّنة عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن نمير عَن أَبِيه ووكيع وَعَن عَليّ بن مُحَمَّد عَن خَالِد ويعلى بن عبيد ووكيع وَأبي مُعَاوِيَة، أربعتهم عَن إِسْمَاعِيل بِهِ.

ذكر مَعْنَاهُ: قَوْله: (لَيْلَة) ، قَالَ الْكرْمَانِي: الظَّاهِر أَنه من بَاب تنَازع الْفِعْلَيْنِ عَلَيْهِ. قلت: الظَّاهِر أَن: لَيْلَة، نصب على الظَّرْفِيَّة، وَالتَّقْدِير: نظر إِلَى الْقَمَر فِي لَيْلَة من اللَّيَالِي، وَهَذِه اللَّيْلَة كَانَت لَيْلَة الْبَدْر. وَبِه صرح فِي رِوَايَة مُسلم، وَسَنذكر اخْتِلَاف الرِّوَايَات فِيهِ. قَوْله: (لَا تضَامون) ، رُوِيَ بِضَم التَّاء وبتخفيف الْمِيم: من الضيم، وَهُوَ التَّعَب، وبتشديدها من: الضَّم.

وبفتح التَّاء وَتَشْديد الْمِيم، قَالَ الْخطابِيّ: يرْوى على وَجْهَيْن: أَحدهمَا: مَفْتُوحَة التَّاء مُشَدّدَة الْمِيم، وَأَصله: تتضامون، حذفت إِحْدَى التائين، أَي: لَا يضام بَعْضكُم بَعْضًا كَمَا تَفْعَلهُ النَّاس فِي طلب الشَّيْء الْخَفي الَّذِي لَا يسهل دركه فيتزاحمون عِنْده، يُرِيد أَن كل وَاحِد مِنْهُم وادع مَكَانَهُ لَا ينازعه فِي رُؤْيَته أحد. وَالْآخر: لَا تضَامون من: الضيم، أَي: لَا يضيم بَعْضكُم بَعْضًا فِي رُؤْيَته. وَقَالَ التَّيْمِيّ: لَا تضَامون، بتَشْديد الْمِيم، مُرَاده: أَنكُمْ لَا تختلفون إِلَى بعض فِيهِ حَتَّى تجتمعوا للنَّظَر، وينضم بَعْضكُم إِلَى بعض فَيَقُول وَاحِد: هُوَ ذَاك، وَيَقُول الآخر: لَيْسَ ذَاك، كَمَا تَفْعَلهُ النَّاس عِنْد النّظر إِلَى الْهلَال أول الشَّهْر، وبتخفيفها، مَعْنَاهُ: لَا يضيم بَعْضكُم بَعْضًا بِأَن يَدْفَعهُ عَنهُ أَو يستأثر بِهِ دونه. وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي أَي: لَا يَقع لكم فِي الرُّؤْيَة ضيم وَهُوَ الذل، وَأَصله: تضيمون فالقيت حَرَكَة الْيَاء على الضَّاد فَصَارَت الْيَاء ألفا لانفتاح مَا قبلهَا. وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: لَا تضَامون، بِضَم التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَخْفِيف الْمِيم، وَعَلِيهِ أَكثر الروَاة، وَالْمعْنَى لَا ينالكم ضيم، والضيم أَصله: الظُّلم، وَهَذَا الضيم يلْحق الرَّائِي من وَجْهَيْن: أَحدهمَا من مزاحمة الناظرين لَهُ، أَي: لَا تزدحمون فِي رُؤْيَته فيراه بَعْضكُم دون بعض، وَلَا يظلم بَعْضكُم بَعْضًا. وَالثَّانِي: من تَأَخره عَن مقَام النَّاظر الْمُحَقق، فَكَأَن الْمُتَقَدِّمين ضاموه، ورؤية الله عز وَجل يَسْتَوِي فِيهَا الْكل، فَلَا ضيم وَلَا ضَرَر وَلَا مشقة. وَفِي رِوَايَة: (لَا تضَامون، أَو لَا تضاهون) . يَعْنِي: على الشَّك، أَي: لَا يشْتَبه عَلَيْكُم وترتابون فيعارض بَعْضكُم بَعْضًا فِي رُؤْيَته. وَقيل: لَا تشبهونه فِي رُؤْيَته بِغَيْرِهِ من المرئيات. وَرُوِيَ: (تضَارونَ) ، بالراء الْمُشَدّدَة وَالتَّاء مَفْتُوحَة ومضمومة. وَقَالَ الزّجاج: مَعْنَاهُمَا لَا تتضارون أَي: لَا يضار بَعْضكُم بَعْضًا فِي رُؤْيَته بالمخالفة. وَعَن ابْن الْأَنْبَارِي: هُوَ تتفاعلون من الضرار، أَي: لَا تتنازعون وتختلفون. وَرُوِيَ إيضا: لَا تضَارونَ، بِضَم التَّاء وَتَخْفِيف الرَّاء، أَي: لَا يَقع للمرء فِي رُؤْيَته ضير مَا بالمخالفة أَو الْمُنَازعَة أَو الخفأ. وَرُوِيَ: تمارون، برَاء مُخَفّفَة يَعْنِي: تجادلون أَي لَا يدخلكم شكّ قَوْله (فان اسْتَطَعْتُم ان لَا تغلبُوا) بِلَفْظ الْمَجْهُول وَكلمَة ان مَصْدَرِيَّة وَالتَّقْدِير ان لاتغلبوا أَي: من الْغَلَبَة بِالنَّوْمِ والاشتغال بِشَيْء من الْأَشْيَاء الْمَانِعَة عَن الصَّلَاة قبل طُلُوع الشَّمْس، وَقبل غُرُوبهَا قَوْله: (فافعلوا) أَي: الصَّلَاة فِي هذَيْن الْوَقْتَيْنِ، وَزَاد مُسلم بعد قَوْله: قبل طُلُوع الشَّمْس وَقبل غُرُوبهَا يَعْنِي الْعَصْر وَالْفَجْر وَفِي رِوَايَة ابْن مردوية من وَجه آخر عَن اسماعيل (قبل طُلُوع الشَّمْس صَلَاة الصُّبْح، وَقبل غُرُوبهَا صَلَاة الْعَصْر) . وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا المُرَاد بِلَفْظ: إفعلوا؟ إِذْ لَا يَصح أَن يُرَاد إفعلوا الِاسْتِطَاعَة، أَو إفعلوا عدم المغلوبية؟ قلت: عدم المغلوبية كِنَايَة عَن الْإِتْيَان بِالصَّلَاةِ، لِأَنَّهُ لَازم الْإِتْيَان، فَكَأَنَّهُ قَالَ: فَأتوا بِالصَّلَاةِ فاعلين لَهَا. انْتهى. قلت: لَو وَقدر مفعول: إفعلوا، مثل مَا قَدرنَا لَكَانَ اسْتغنى عَن هَذَا السُّؤَال وَالْجَوَاب. قَوْله: (ثمَّ قَرَأَ) لم يبين فَاعل: قَرَأَ، من هُوَ فِي جَمِيع رِوَايَات البُخَارِيّ. وَقَالَ بَعضهم: الظَّاهِر أَنه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قلت: هَذَا تخمين وحسبان. وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين الْحلَبِي فِي شَرحه: لم يبين أحد فِي رِوَايَته من قَرَأَ، ثمَّ سَاق من طَرِيق أبي نعيم فِي (مستخرجه) أَن جَرِيرًا قَرَأَهُ. قلت: وَقع عِنْد مُسلم عَن زُهَيْر بن حَرْب عَن مَرْوَان بن مُعَاوِيَة بِإِسْنَاد هَذَا الحَدِيث، ثمَّ قَرَأَ جرير، أَي الصَّحَابِيّ. وَكَذَا أخرجه أَبُو عوَانَة فِي (صَحِيحه) : من طَرِيق يعلى بن عبيد عَن إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد، فالعجب من الشَّيْخ قطب الدّين كَيفَ ذهل عَن عُرْوَة إِلَى مُسلم. قَوْله: (فسبح) التِّلَاوَة، وَسبح: بِالْوَاو، لَا: بِالْفَاءِ، المُرَاد بالتسبيح: الصَّلَاة. قَوْله: (افعلوا) ، أَي: افعلوا هَذِه الصَّلَاة لَا تفوتكم، وَالضَّمِير الْمَرْفُوع فِيهِ يرجع إِلَى الصَّلَاة، وَهُوَ بنُون التَّأْكِيد، وَهُوَ مدرج من كَلَام إِسْمَاعِيل، كَذَلِك ثمَّ قَرَأَ مدرج.

ذكر الرِّوَايَات فِي قَوْله: (إِنَّكُم سَتَرَوْنَ ربكُم كَمَا ترَوْنَ هَذَا الْقَمَر لَا تضَامون فِي رُؤْيَته) ، وَفِي لفظ للْبُخَارِيّ: (إِذْ نظر إِلَى الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر، فَقَالَ: أما أَنكُمْ سَتَرَوْنَ ربكُم كَمَا ترَوْنَ هَذَا، لَا تضَامون، أَو لَا تضاهون فِي رُؤْيَته) . وَفِي كتاب التَّوْحِيد: (أَنكُمْ سَتَرَوْنَ ربكُم عيَانًا) . وَفِي التَّفْسِير: (فَنظر إِلَى الْقَمَر لَيْلَة أَربع عشرَة) ، وَعَن اللالكائي عَن البُخَارِيّ: (أَنكُمْ ستعرضون على ربكُم وترونه كَمَا ترَوْنَ هَذَا الْقَمَر) . وَعند الدَّارَقُطْنِيّ: وَقَالَ زيد بن أبي أنيسَة: (فتنظرون إِلَيْهِ كَمَا تنْظرُون إِلَى هَذَا الْقَمَر) ، وَقَالَ وَكِيع: (ستعاينون) ، وَسَيَأْتِي عِنْد البُخَارِيّ: عَن أبي هُرَيْرَة وَأبي سعيد: (هَل تضَارونَ فِي رُؤْيَة الشَّمْس فِي الظهيرة لَيست فِي سَحَابَة؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: هَل تضَارونَ فِي رُؤْيَة الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر لَيْسَ فِيهِ سَحَابَة؟) . قَالُوا: لَا. قَالَ: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا تضَارونَ فِي رُؤْيَته إِلَّا كَمَا تضَارونَ فِي رُؤْيَة أَحدهمَا) . وَعَن أبي مُوسَى عِنْده بِنَحْوِهِ، وَعَن أبي رزين الْعقيلِيّ: (قلت: يَا رَسُول الله أكلنَا يرى ربه منجليا بِهِ يَوْم الْقِيَامَة؟ . قَالَ: نعم. قَالَ: وَمَا آيَة ذَلِك فِي خلقه؟ قَالَ: يَا أَبَا رزين، أَلَيْسَ كلكُمْ يرى الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر منجليا بِهِ؟ قَالَ:

فَالله أعظم وَأجل، وَذَلِكَ آيَة فِي خلقه) . وَعند ابْن مَاجَه عَن جَابر: (بَينا أهل الْجنَّة فِي نعيمهم إِذْ سَطَعَ لَهُم نور فَرفعُوا رؤوسهم فَإِذا الرب قد أشرف عَلَيْهِم، فَينْظر إِلَيْهِم وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ) . وَعَن صُهَيْب عِنْد مُسلم، فَذكر حَدِيثا فِيهِ: (فَيكْشف الْحجاب فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فوَاللَّه مَا أَعْطَاهُم الله تَعَالَى شَيْئا أحب إِلَيْهِم من النّظر إِلَيْهِ) . وَفِي (سنَن اللالكائي) : عَن أنس وَأبي بن كَعْب وَكَعب بن عجْرَة: (سُئِلَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الزِّيَادَة فِي كتاب الله تَعَالَى، قَالَ: النّظر إِلَى وَجهه) .

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ وَهُوَ على وُجُوه. الأول: اسْتدلَّ بِهَذِهِ الْأَحَادِيث وَبِالْقُرْآنِ وَإِجْمَاع الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ على إِثْبَات رُؤْيَة الله فِي الْآخِرَة للْمُؤْمِنين، وَقد روى أَحَادِيث الرُّؤْيَة أَكثر من عشْرين صحابيا، وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم: روى رُؤْيَة الْمُؤمنِينَ لرَبهم عز وَجل فِي الْقِيَامَة: أَبُو بكر وَعلي بن أبي طَالب ومعاذ بن جبل وَابْن مَسْعُود وَأَبُو مُوسَى وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَحُذَيْفَة وَأَبُو أُمَامَة وَأَبُو هُرَيْرَة وَجَابِر وَأنس وعمار بن يَاسر وَزيد بن ثَابت وَعبادَة بن الصَّامِت وَبُرَيْدَة بن حصيب وجنادة بن أبي أُميَّة وفضالة بن عبيد وَرجل لَهُ صُحْبَة بِالنَّبِيِّ، صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، ثمَّ ذكر أَحَادِيثهم بأسانيد غالبها جيد، وَذكر أَبُو نعيم الْحَافِظ فِي (كتاب تثبيت النّظر) أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ وَعمارَة بن رؤيبة وَأَبا رزين الْعقيلِيّ وَأَبا بَرزَة. وَزَاد الْآجُرِيّ فِي (كتاب الشَّرِيعَة) وَأَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِأبي الشَّيْخ فِي (كتاب السّنة الْوَاضِحَة) تأليفهما: عدي بن حَاتِم الطَّائِي بِسَنَد جيد، والرؤية مُخْتَصَّة بِالْمُؤْمِنِينَ مَمْنُوعَة من الْكفَّار. وَقيل: يرَاهُ مُنَافِقُو هَذِه الْأمة، وَهَذَا ضَعِيف، وَالصَّحِيح أَن الْمُنَافِقين كالكفار بِاتِّفَاق الْعلمَاء وَعَن ابْن عمر وَحُذَيْفَة: من أهل الْجنَّة من ينظر إِلَى وَجهه غدْوَة وَعَشِيَّة.

وَمنع من ذَلِك الْمُعْتَزلَة والخوارج وَبَعض المرجئة، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِوُجُوه: الأول: قَوْله تَعَالَى: {لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار وَهُوَ يدْرك الْأَبْصَار} (الْأَنْعَام: ١٠٣) . وَقَالُوا: يلْزم من نفي الْإِدْرَاك بالبصر نفي الرُّؤْيَة. الثَّانِي: قَوْله تَعَالَى: {لن تراني} (الْأَعْرَاف: ١٤٣) . و: لن، للتأييد بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى: {قل لن تتبعونا} (الْفَتْح: ١٥) . وَإِذا ثَبت فِي حق مُوسَى، عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام، عدم الرُّؤْيَة ثَبت فِي حق غَيره، الثَّالِث: قَوْله تَعَالَى: {وَمَا كَانَ لبشر أَن يكلمهُ الله إِلَّا وَحيا أَو من وَرَاء حجاب أَو يُرْسل رَسُولا} (الشورى: ٥١) . فالآية دلّت على أَن كل من يتَكَلَّم الله مَعَه فَإِنَّهُ لَا يرَاهُ، فَإِذا ثَبت عدم الرُّؤْيَة فِي وَقت الْكَلَام ثَبت فِي غير وَقت الْكَلَام ضَرُورَة، أَنه لَا قَائِل بِالْفَصْلِ. الرَّابِع: أَن الله تَعَالَى مَا ذكر فِي طلب الرُّؤْيَة فِي الْقُرْآن إلَاّ وَقد استعظمه وذم عَلَيْهِ، وَذَلِكَ فِي آيَات: مِنْهَا: قَوْله تَعَالَى: {وَإِذ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لن نؤمن لَك حَتَّى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وَأَنْتُم تنْظرُون} (الْبَقَرَة: ٥٥) . الْخَامِس: لَو صحت رُؤْيَة الله تَعَالَى لرأيناه الْآن، والتالي بَاطِل، والمقدم مثله.

وَلأَهل السّنة مَا ذَكرْنَاهُ من الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة. قَوْله تَعَالَى: {وُجُوه يَوْمئِذٍ ناضرة إِلَى رَبهَا ناظرة} (الْقِيَامَة: ٢٢) . وَقَوله تَعَالَى: {كلا إِنَّهُم عَن رَبهم يَوْمئِذٍ لمحجوبون} (المطففين: ٥٥) .، بِهَذَا يدل على أَن الْمُؤمنِينَ لَا يكونُونَ محجوبين، وَالْجَوَاب عَن قَوْله تَعَالَى: لَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار} (الْأَنْعَام: ١٠٣) . أَن المُرَاد من الْإِدْرَاك الْإِحَاطَة، وَنحن أَيْضا نقُول بِهِ، وَعَن قَوْله: {لن تراني} (الْأَعْرَاف: ١٤٣) . أَنا لَا نسلم أَن: لن، تدل على التَّأْبِيد، بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى: {وَلنْ يَتَمَنَّوْهُ أبدا} (الْبَقَرَة: ٩٥) . مَعَ أَنهم يتمنونه فِي الْآخِرَة. وَعَن قَوْله: {وَمَا كَانَ لبشر} (الشورى: ٥١) . الْآيَة أَن الْوَحْي كَلَام يسمع بالسرعة، وَلَيْسَ فِيهِ دلَالَة على كَون الْمُتَكَلّم محجوبا عَن نظر السَّامع أَو غير مَحْجُوب عَن نظره، وَعَن قَوْله: {وَإِذ قُلْتُمْ يَا مُوسَى} (الْبَقَرَة: ٥٥) . الْآيَة أَن الاستعظام لِمَ لَا يجوز أَن يكون لأجل طَلَبهمْ الرُّؤْيَة على سَبِيل التعنت والعناد؟ بِدَلِيل الاستعظام فِي نزُول الْمَلَائِكَة فِي قَوْله: {لَوْلَا أنزل علينا الْمَلَائِكَة} (الْفرْقَان: ٢١) . وَلَا نزاع فِي جَوَاز ذَلِك، وَالْجَوَاب عَن قَوْلهم: لَو صحت رُؤْيَة الله تَعَالَى ... إِلَخ أَن عدم الْوُقُوع لَا يسْتَلْزم عدم الْجَوَاز، فَإِن قَالُوا: الرُّؤْيَة لَا تتَحَقَّق إِلَّا بِثمَانِيَة أَشْيَاء: سَلامَة الحاسة، وَكَون الشَّيْء بِحَيْثُ يكون جَائِز الرُّؤْيَة، وَأَن يكون المرئي مُقَابلا للرائي، أَو فِي حكم الْمُقَابل، فَالْأول كالجسم المحاذي للرائي وَالثَّانِي كالأعراض المرئية، فَإِنَّهَا لَيست مُقَابلَة للرائي إِذْ الْعرض لَا يكون مُقَابلا للجسم، وَلكنهَا حَالَة فِي الْجِسْم الْمُقَابل للرائي فَكَانَ فِي حكم الْمُقَابل، وَأَن لَا يكون المرئي فِي غَايَة الْقرب وَلَا فِي غَايَة الْبعد، وَأَن لَا يكون فِي غَايَة الصغر وَلَا فِي غَايَة اللطافة، وَأَن لَا يكون بَين الرَّائِي والمرئي حجاب. قُلْنَا: الشَّرَائِط السِّتَّة الْأَخِيرَة لَا يُمكن اعْتِبَارهَا إلَاّ فِي رُؤْيَة الْأَجْسَام، وَالله تَعَالَى لَيْسَ بجسم، فَلَا يُمكن اعْتِبَار هَذِه الشَّرَائِط فِي رُؤْيَته، وَلَا يعْتَبر فِي حُصُول الرُّؤْيَة إلَاّ أَمْرَانِ: سَلامَة الحاسة، وَكَونه بِحَيْثُ يَصح أَن يرى، وَهَذَانِ الشرطان حاصلان. فَإِن قلت: الْكَاف، فِي: كَمَا ترَوْنَ، للتشبيه، وَلَا بُد أَن تكون مُنَاسبَة بَين الرَّائِي والمرئي؟ قلت: معنى التَّشْبِيه فِيهِ أَنكُمْ تَرَوْنَهُ رُؤْيَة مُحَققَة لَا شكّ فِيهَا وَلَا مشقة وَلَا خَفَاء، كَمَا ترَوْنَ الْقَمَر

كَذَلِك فَهُوَ تَشْبِيه للرؤية بِالرُّؤْيَةِ لَا المرئي بالمرئي.

الْوَجْه الثَّانِي: فِيهِ زِيَادَة شرف الصَّلَاتَيْنِ، وَذَلِكَ لتعاقب الْمَلَائِكَة فِي وقتيهما، وَلِأَن وَقت صَلَاة الصُّبْح وَقت لَذَّة النّوم كَمَا قيل:

(ألذ الْكرَى عِنْد الصَّباح يطيب)

وَالْقِيَام فِيهِ أشق على النَّفس من الْقيام فِي غَيره، وَصَلَاة الْعَصْر وَقت الْفَرَاغ عَن الصناعات وإتمام الْوَظَائِف، وَالْمُسلم إِذا حَافظ عَلَيْهَا مَعَ مَا فِيهِ من التثاقل والتشاغل فَلِأَن يحافظ على غَيرهَا بِالطَّرِيقِ الأولى.

الْوَجْه الثَّالِث: مَا قَالَه الْخطابِيّ إِن قَوْله: (إفعلوا) ، يدل على أَن الرُّؤْيَة قد يُرْجَى نيلها بالمحافظة على هَاتين الصَّلَاتَيْنِ.

٥٥٥ - حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُف قَالَ حدَّثنا مالِكٌ عنْ أبي الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عنْ أَبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ ومَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ وَصَلَاةِ العَصْرِ ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ باتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ وهْوَ أَعْلَمُ بِهِمْ كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي فَيَقُولُونَ تَرَكْنَاهُمْ وهُمْ يُصَلُّونَ وَأَتَيْنَاهُمْ وهُمْ يُصَلُّونَ. .

مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (ويجتمعون فِي صَلَاة الْفجْر وَصَلَاة الْعَصْر) وَقد ذكرنَا أَن اقْتِصَاره فِي التَّرْجَمَة على الْعَصْر من بَاب الإكتفاء.

١ - ذكر رِجَاله: وهم خَمْسَة، وَقد ذكرُوا غير مرّة، وَأبي الزِّنَاد عبد الله بن ذكْوَان، والأعرج عبد الرَّحْمَن ابْن هُرْمُز.

ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع، والإخبار كَذَلِك فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وَرُوَاته مدنيون مَا خلا عبد الله بن يُوسُف فَإِنَّهُ تنيسي، وَهُوَ من أَفْرَاد البُخَارِيّ.

ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّوْحِيد عَن إِسْمَاعِيل وقتيبة. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة عَن يحيى بن يحيى. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ وَفِي الْبعُوث عَن قُتَيْبَة وَعَن الْحَارِث بن مِسْكين عَن ابْن الْقَاسِم، الْكل عَن مَالك.

ذكر مَعْنَاهُ وَإِعْرَابه: قَوْله: (يتعاقبون فِيكُم مَلَائِكَة) فَاعل: يتعاقبون، مُضْمر وَالتَّقْدِير: مَلَائِكَة يتعاقبون. وَقَوله: (مَلَائِكَة) بدل من الضَّمِير الَّذِي فِيهِ، إو بَيَان كَأَنَّهُ قيل: من هم؟ فَقيل: مَلَائِكَة. وَهَذَا مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ فِيهِ وَفِي نَظَائِره، وَقَالَ الْأَخْفَش وَمن تَابعه: إِن إِظْهَار ضمير الْجمع والتثنية فِي الْفِعْل إِذا تقدم جَائِز، وَهِي لُغَة بني الْحَارِث. وَقَالُوا: هُوَ نَحْو: أكلوني البراغيث. وَكَقَوْلِه تَعَالَى: {وأسروا النَّجْوَى الَّذين ظلمُوا} (الْأَنْبِيَاء: ٣) . وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: هَذِه لُغَة فَاشِية وَلها وَجه فِي الْقيَاس صَحِيح، وَعَلَيْهَا حمل الْأَخْفَش قَوْله تَعَالَى: {وأسروا النَّجْوَى الَّذين ظلمُوا} (الْأَنْبِيَاء: ٣) . وَقيل: هَذَا الطَّرِيق الْمَذْكُور هُنَا اخْتَصَرَهُ الرَّاوِي، وَأَصله: الْمَلَائِكَة يتعاقبون مَلَائِكَة بِاللَّيْلِ وملائكة بِالنَّهَارِ، وَبِهَذَا اللَّفْظ رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي بَدْء الْخلق من طَرِيق شُعَيْب بن أبي حَمْزَة عَن أبي الزِّنَاد: (إِن الْمَلَائِكَة يتعاقبون فِيكُم) . فَاخْتلف فِيهِ عَن أبي الزِّنَاد. وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا من طَرِيق مُوسَى بن عقبَة عَن أبي الزِّنَاد بِلَفْظ: (إِن الْمَلَائِكَة يتعاقبون فِيكُم) . فَاخْتلف فِيهِ على أبي الزِّنَاد فَالظَّاهِر أَنه كَانَ تَارَة يذكرهُ هَكَذَا، وَتارَة هَكَذَا، وَهَذَا يُقَوي قَول هَذَا الْقَائِل، وَيُؤَيّد ذَلِك أَن غير الْأَعْرَج من أَصْحَاب أبي هُرَيْرَة قد رَوَوْهُ تَاما، فَأخْرجهُ أَحْمد وَمُسلم من طَرِيق همام بن مُنَبّه عَن أبي هُرَيْرَة مثل رِوَايَة مُوسَى بن عقبَة، لَكِن بِحَذْف: إِن، من أَوله. وَأخرجه ابْن خُزَيْمَة والسراج من طَرِيق أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: (إِن لله مَلَائِكَة يتعاقبون) ، وَهَذِه الطَّرِيقَة أخرجهَا الْبَزَّار أَيْضا. وَأخرجه أَبُو نعيم فِي (الْحِلْية) بِإِسْنَاد صَحِيح من طَرِيق أبي يُونُس عَن أبي هُرَيْرَة بِلَفْظ: (إِن لله مَلَائِكَة فِيكُم يتعاقبون) . وَمعنى: يتعاقبون، تَأتي طَائِفَة عقيب طَائِفَة، وَمِنْه: تعقيب الجيوش، وَهُوَ أَن يذهب قوم وَيَأْتِي آخَرُونَ. وَقَالَ ابْن عبد الْبر: وَإِنَّمَا يكون التَّعَاقُب بَين طائفتين أَو رجلَيْنِ بِأَن يَأْتِي هَذَا مرّة ويعقبه هَذَا، وَمِنْه: تعقيب الجيوش، أَن يُجهز الْأَمِير بعثا إِلَى مُدَّة، ثمَّ يَأْذَن لَهُم فِي الرُّجُوع بعد أَن يُجهز غَيرهم إِلَى مُدَّة، ثمَّ يَأْذَن لَهُم فِي الرُّجُوع بعد أَن يُجهز الْأَوَّلين فَإِن قلت: مَا وَجه تَكْرِير تنكيره مَلَائِكَة؟ قلت: ليدل على أَن الثَّانِيَة غير الأولى. كَقَوْلِه تَعَالَى: {غدوها شهر ورواحها شهر} (سبأ: ١٢) . وَأما الْمَلَائِكَة فَعِنْدَ أَكثر الْعلمَاء هم الْحفظَة، فسؤاله لَهُم إِنَّمَا هُوَ سُؤال عَمَّا أَمرهم بِهِ من حفظهم

لأعمالهم وكتبهم إِيَّاهَا عَلَيْهِم.

وَقَالَ عِيَاض، رَحمَه الله: وَقيل: يحْتَمل أَن يَكُونُوا غير الْحفظَة، فسؤاله لَهُم إِنَّمَا هُوَ على جِهَة التوبيخ لمن قَالَ: {أَتجْعَلُ فِيهَا من يفْسد فِيهَا} (الْبَقَرَة: ٣٠) . وَإنَّهُ اظهر لَهُم مَا سبق فِي علمه بقوله (اني اعْلَم مَا لَا تعلمُونَ) وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَهَذِه حِكْمَة اجْتِمَاعهم فِي هَاتين الصَّلَاتَيْنِ، أَو يكون سُؤَاله لَهُم استدعاءً لشهادتهم لَهُم، وَلذَلِك قَالُوا: (أتيناهم وهم يصلونَ وتركناهم وهم يصلونَ) . وَهَذَا من خَفِي لطفه وَجَمِيل ستره، إِذا لم يطلعهم إلَاّ على حَال عِبَادَتهم، وَلم يطلعهم على حَالَة شهواتهم وَمَا يشبهها. انْتهى. هَذَا الَّذِي قَالَه يُعْطي أَنهم غير الْحفظَة، لِأَن الْحفظَة يطلعون على أَحْوَالهم كلهَا، اللَّهُمَّ إلَاّ أَن تكون الْحفظَة غير الْكَاتِبين، فَيتَّجه مَا قَالَه. وَالظَّاهِر أَنهم غَيرهمَا، لِأَنَّهُ قد جَاءَ فِي بعض الْأَحَادِيث: (إِذا مَاتَ العَبْد جلس كاتباه عِنْد قَبره يستغفران لَهُ ويصليان عَلَيْهِ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة) . يُوضحهُ مَا رَوَاهُ ابْن الْمُنْذر بِسَنَد لَهُ عَن أبي عُبَيْدَة بن عبد الله عَن أَبِيه أَنه كَانَ يَقُول: (يتداول الحارسان من مَلَائِكَة الله تَعَالَى: حارس اللَّيْل وحارس النَّهَار، عِنْد طُلُوع الْفجْر) . وَعَن الضَّحَّاك فِي قَوْله تَعَالَى: {وَقُرْآن الْفجْر} (الْإِسْرَاء: ٧٨) . قَالَ: (تشهد مَلَائِكَة اللَّيْل وملائكة النَّهَار يشْهدُونَ أَعمال بني آدم) . وَفِي تَفْسِير ابْن أبي حَاتِم: تشهده الْمَلَائِكَة وَالْجِنّ.

قَوْله: (ويجتمعون فِي صَلَاة الْفجْر وَصَلَاة الْعَصْر) اجْتِمَاعهم فِي هَاتين الصَّلَاتَيْنِ لطف من الله تَعَالَى بعباده الْمُؤمنِينَ، إِذْ جعل اجْتِمَاعهم عِنْدهم ومفارقتهم لَهُم فِي أَوْقَات عِبَادَتهم، واجتماعهم على طَاعَة رَبهم، فَتكون شَهَادَتهم لَهُم بِمَا شاهدوه من الْخَيْر. وَقَالَ ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) : فِيهِ بَيَان أَن مَلَائِكَة اللَّيْل تنزل وَالنَّاس فِي صَلَاة الْعَصْر، وَحِينَئِذٍ تصعد مَلَائِكَة النَّهَار، وَهَذَا ضد قَول من زعم: أَن مَلَائِكَة اللَّيْل تنزل بعد غرُوب الشَّمْس. فَإِن قلت: مَا وَجه ذكر هَاتين الصَّلَاتَيْنِ عِنْد ذكر الرُّؤْيَة (؟ قلت: لما ثَبت لَهما من الْفضل على غَيرهمَا من اجْتِمَاع الْمَلَائِكَة فيهمَا وَرفع الْأَعْمَال وَغير ذَلِك، ناسب أَن يجازي المحافظ عَلَيْهِمَا بِأَفْضَل العطايا، وَهُوَ النّظر إِلَى الله تَعَالَى. وَالله أعلم. فَإِن قلت: التَّعَاقُب مُغَاير للاجتماع فَيكون بَين قَوْله: (يتعاقبون) ، وَبَين قَوْله: (يَجْتَمعُونَ) مُنَافَاة؟ قلت: كل مِنْهُمَا فِي حَالَة، فَلَا مُنَافَاة. فَإِن قلت: شهودهم مَعَهم الصَّلَاة فِي الْجَمَاعَة أم مُطلقًا؟ قلت: اللَّفْظ يحْتَمل للْجَمَاعَة وَغَيرهم، وَلَكِن الظَّاهِر أَن ذَلِك فِي الْجَمَاعَة. قَوْله: (ثمَّ يعرج) ، من: عرج يعرج عروجا، من بَاب: نصر ينصر: والعروج: الصعُود، وَيُقَال: عرج يعرج عرجانا إِذا عجز عَن شَيْء أَصَابَهُ، وعرج يعرج عرجا: إِذا صَار أعرج أَو كَانَ خلقه فِيهِ، وعرج بِالتَّشْدِيدِ تعريجا: إِذا قَامَ. قَوْله: (الَّذين باتوا فِيكُم) ، الْخطاب فِيهِ وَفِي قَوْله: (يتعاقبون فِيكُم) ، للمصلين. وَقَالَ بَعضهم: أَي: الْمُصَلِّين أَو مُطلق الْمُؤمنِينَ قلت: لَا يَصح أَن يكون مُطلق الْمُؤمنِينَ، لِأَن هَذِه الْفَضِيلَة للمصلين، وَالدَّلِيل على ذَلِك قَوْله: (يَجْتَمعُونَ فِي صَلَاة الْفجْر وَصَلَاة الْعَصْر) . وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا وَجه التَّخْصِيص بالذين باتوا وَترك الَّذين ظلوا؟ قلت: إِمَّا للاكتفاء بِذكر أَحدهمَا عَن الآخر، كَقَوْلِه تَعَالَى: {سرابيل تقيكم الْحر} (النَّحْل: ٨١) . وَإِمَّا لِأَن اللَّيْل مَظَنَّة الْمعْصِيَة ومظنة الاسْتِرَاحَة، فَلَمَّا لم يعصوا وَاشْتَغلُوا بِالطَّاعَةِ فالنهار أولى بذلك، وَإِمَّا لِأَن حكم طرفِي النَّهَار يعلم من طرفِي اللَّيْل، فَذكره يكون تَكْرَارا. انْتهى. وَقيل: الْحِكْمَة فِي ذَلِك أَن مَلَائِكَة اللَّيْل إِذا صلوا الْفجْر عرجوا فِي الْحَال، وملائكة النَّهَار إِذا صلوا الْعَصْر لَبِثُوا إِلَى آخر النَّهَار لضبط بَقِيَّة عمل النَّهَار. وَقَالَ بَعضهم: وَهَذَا ضَعِيف، لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَن مَلَائِكَة النَّهَار لَا يسْأَلُون، وَهُوَ خلاف ظَاهر الحَدِيث. قلت: هَذَا الَّذِي ذكره ضَعِيف، لِأَن لبث مَلَائِكَة النَّهَار لضبط بَقِيَّة عمل النَّهَار لَا يسْتَلْزم عدم السُّؤَال. وَقيل: الْحِكْمَة فِي ذَلِك بِنَاء على أَن الْمَلَائِكَة هم الْحفظَة أَنهم لَا يبرحون عَن مُلَازمَة بني آدم، وملائكة اللَّيْل هم الَّذين يعرجون ويتعاقبون، ويؤيدها مَا رَوَاهُ أَبُو نعيم فِي (كتاب الصَّلَاة) لَهُ، من طَرِيق الْأسود بن يزِيد النَّخعِيّ، قَالَ: (يلتقي الحارسان) ، أَي: مَلَائِكَة اللَّيْل وملائكة النَّهَار، (عِنْد صَلَاة الصُّبْح فَيسلم بَعضهم على بعض فتصعد مَلَائِكَة اللَّيْل وتلبث مَلَائِكَة النَّهَار) . وَقيل: يحْتَمل أَن يكون العروج إِنَّمَا يَقع عِنْد صَلَاة الْفجْر خَاصَّة، وَأما النُّزُول فَيَقَع فِي الصَّلَاتَيْنِ مَعًا، وَفِيه التَّعَاقُب، وَصورته أَن تنزل طَائِفَة عِنْد الْعَصْر، وتبيت ثمَّ تنزل طَائِفَة ثَانِيَة عِنْد الْفجْر، فتجتمع الطائفتان فِي صَلَاة الْفجْر، ثمَّ يعرج الَّذين باتوا فَقَط، وَيسْتَمر الَّذين نزلُوا وَقت الْفجْر إِلَى الْعَصْر، فتنزل الطَّائِفَة الْأُخْرَى فَيحصل اجْتِمَاعهم عِنْد الْعَصْر أَيْضا، وَلَا يصعد مِنْهُم أحد، بل تبيت الطائفتان أَيْضا ثمَّ تعرج إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَيسْتَمر ذَلِك، فَتَصِح صُورَة التَّعَاقُب مَعَ اخْتِصَاص النُّزُول بالعصر، والعروج بِالْفَجْرِ، فَلهَذَا خص السُّؤَال بالذين باتوا. وَقيل: إِن قَوْله: فِي هَذَا الحَدِيث، أَعنِي: حَدِيث الْبَاب. (ويجتمعون فِي صَلَاة الْفجْر وَصَلَاة الْعَصْر) وهم، لِأَنَّهُ ثَبت من طرق كَثِيرَة

أَن الِاجْتِمَاع فِي صَلَاة الْفجْر من غير ذكر صَلَاة الْعَصْر، كَمَا فِي (الصَّحِيحَيْنِ) من طَرِيق سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة فِي اثناء حَدِيث، قَالَ فِيهِ: (ويجتمع مَلَائِكَة اللَّيْل وملائكة النَّهَار فِي صَلَاة الْفجْر) . قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: واقرأوا إِن شِئْتُم: {وَقُرْآن الْفجْر إِن قُرْآن الْفجْر كَانَ مشهودا} (الْإِسْرَاء: ٧٨) : وَفِي التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ من وَجه آخر بِإِسْنَاد صَحِيح عَن أبي هُرَيْرَة فِي قَوْله تَعَالَى: {إِن قُرْآن الْفجْر كَانَ مشهودا} (الْإِسْرَاء: ٧٨) . قَالَ: تشهده مَلَائِكَة اللَّيْل وملائكة النَّهَار. وروى ابْن مرْدَوَيْه فِي تَفْسِيره من حَدِيث أبي الدَّرْدَاء مَرْفُوعا نَحوه، وَقَالَ ابْن عبد الْبر: لَيْسَ فِي هَذَا دفع للرواية الَّتِي ذكر فِيهَا الْعَصْر. قلت: مُحَصل كَلَامه أَن ذكر الْفجْر فِي الحَدِيث الَّذِي اسْتدلَّ بِهِ الْقَائِل الْمَذْكُور على أَن ذكر الْعَصْر وهم غير صَحِيح، لِأَن ذكر الْفجْر لَا يسْتَلْزم نفي ذكر الْعَصْر، وَلَا وَجه لنسبة الرَّاوِي الثِّقَة إِلَى الْوَهم مَعَ إِمْكَان التَّوْفِيق بَين الرِّوَايَات، مَعَ أَن الزِّيَادَة من الثِّقَة الْعدْل مَقْبُولَة، أَو يكون الِاقْتِصَار فِي الْفجْر لكَونهَا جهرية، وَلقَائِل أَن يَقُول: لِمَ لَا يجوز أَن يكون تَقْصِير من بعض الروَاة فِي تَركهم سُؤال الَّذين أَقَامُوا فِي النَّهَار؟ ولِمَ لَا يجوز أَن يحمل قَوْله: الَّذين باتوا، على مَا هُوَ أَعم من الْمبيت بِاللَّيْلِ وبالإقامة بِالنَّهَارِ، فَلَا يخْتَص ذَلِك حِينَئِذٍ بلَيْل دون نَهَار، وَلَا نَهَار دون ليل، بل كل طَائِفَة مِنْهُم إِذا صعدت سُئِلت؟ وَيكون فِيهِ اسْتِعْمَال لفظ: بَات، فِي أَقَامَ مجَازًا، وَيكون قَوْله: فيسألهم، أَي: كلاًّ من الطَّائِفَتَيْنِ فِي الْوَقْت الَّذِي تصعد فِيهِ؟ وَيدل على هَذَا مَا رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي (صَحِيحه) والسراج فِي (مُسْنده) جَمِيعًا عَن يُوسُف بن مُوسَى عَن جرير عَن الْأَعْمَش عَن أبي صَالح عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (تَجْتَمِع مَلَائِكَة اللَّيْل وملائكة النَّهَار فِي صَلَاة الْفجْر وَصَلَاة الْعَصْر، فيجتمعون فِي صَلَاة الْفجْر، فتصعد مَلَائِكَة اللَّيْل وَتثبت مَلَائِكَة النَّهَار، ويجتمعون فِي صَلَاة الْعَصْر، فتصعد مَلَائِكَة النَّهَار وتبيت مَلَائِكَة اللَّيْل، فيسألهم رَبهم: كَيفَ تركْتُم عبَادي؟) الحَدِيث، وَهَذَا فِيهِ التَّصْرِيح بسؤال كل من الطَّائِفَتَيْنِ. قَوْله: (فيسألهم) الْحِكْمَة فِيهِ استدعاء شَهَادَتهم لبني آدم بِالْخَيرِ، واستعطافهم بِمَا يَقْتَضِي الْعَطف عَلَيْهِم، وَقيل: كَانَ ذَلِك لإِظْهَار الْحِكْمَة فِي خلق بني آدم فِي مُقَابلَة من قَالَ من الْمَلَائِكَة {أَتجْعَلُ فِيهَا من يفْسد فِيهَا} (الْبَقَرَة: ٣٠) . الْآيَة وَالْمعْنَى: أَنه قد وجد فيهم من يسبح ويقدس مثلكُمْ بِنَصّ شهادتكم. وَقَالَ عِيَاض: هَذَا السُّؤَال على سَبِيل التَّعَبُّد للْمَلَائكَة، كَمَا أمروا أَن يكتبوا أَعمال بني آدم، وَهُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أعلم من الْجَمِيع بِالْجَمِيعِ. قَوْله: (كَيفَ تركْتُم؟) قَالَ ابْن أبي حَمْزَة: وَقع السُّؤَال عَن آخر الْأَعْمَال، لِأَن الْأَعْمَال بخواتيمها. قَالَ: والعباد المسؤول عَنْهُم هم الَّذين ذكرُوا فِي قَوْله تَعَالَى: {إِن عبَادي لَيْسَ لَك عَلَيْهِم سُلْطَان} (الْحجر: ٢٤٢ والإسراء: ٦٥) . قَوْله: (تركناهم وهم يصلونَ وأتيناهم وهم يصلونَ) . فَإِن قلت: كَانَ مُقْتَضى الْحَال أَن يبدؤا أَولا بالإتيان ثمَّ بِالتّرْكِ، وَلم يراعوا التَّرْتِيب؟ قلت: لِأَن الْمَقْصُود هُوَ الْإِخْبَار عَن صلَاتهم، والأعمال بخواتيمها، فَنَاسَبَ أَن يخبروا عَن آخر أَعْمَالهم قبل أَولهَا. وَقَالَ ابْن التِّين: الْوَاو، فِي قَوْله: (وهم يصلونَ) وَاو الْحَال، أَي: تركناهم على هَذِه الْحَال. فَإِن قلت: يلْزم من هَذَا أَنهم فارقوهم قبل انْقِضَاء الصَّلَاة، فَلم يشهدوها مَعَهم، وَالْخَبَر نَاطِق بِأَنَّهُم شهدوها. قلت: الْخَبَر مَحْمُول على أَنهم شهدُوا الصَّلَاة مَعَ من صلاهَا فِي أول وَقتهَا، وشهدوا من دخل فِيهَا بعد ذَلِك، وَمن شرع فِي إسباب ذَلِك. فَإِن قيل: مَا الْفَائِدَة فِي قَوْلهم (وأتيناهم) ؟ وَكَانَ السُّؤَال عَن كَيْفيَّة التّرْك؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُم زادوا فِي الْجَواب إِظْهَارًا لبَيَان فضيلتهم، وحرصا على ذكر مَا يُوجب مغفرتهم، كَمَا هُوَ وظيفتهم فِيمَا أخبر الله عَنْهُم بقوله: {وَيَسْتَغْفِرُونَ للَّذين آمنُوا} (غَافِر: ٧)

ذكر مَا يُسْتَفَاد مِنْهُ فِيهِ: أَن الصَّلَاة أَعلَى الْعِبَادَات، لِأَنَّهُ عَلَيْهَا وَقع السُّؤَال وَالْجَوَاب. وَفِيه: التَّنْبِيه على أَن الْفجْر وَالْعصر من أعظم الصَّلَوَات، كَمَا ذَكرْنَاهُ. وَفِيه: الْإِشَارَة إِلَى شرف هذَيْن الْوَقْتَيْنِ، وَقد ورد أَن الرزق يقسم بعد صَلَاة الصُّبْح، وَأَن الْأَعْمَال ترفع آخر النَّهَار، فَمن كَانَ حِينَئِذٍ فِي طَاعَة بورك فِي رزقه وَفِي عمله. وَفِيه: إِشَارَة إِلَى تشريف هَذِه الْأمة على غَيرهَا، وَيلْزم من ذَلِك تشريف نَبينَا على غَيره من الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم السَّلَام. وَفِيه: الإيذان بِأَن الْمَلَائِكَة تحب هَذِه الْأمة ليزدادوا فيهم حبا ويتقربون بذلك إِلَى الله تَعَالَى. وَفِيه: الدّلَالَة على أَن الله تَعَالَى يتَكَلَّم مَعَ مَلَائكَته. وَفِيه: الْحَث على المثابرة على صَلَاة الْعَصْر، لِأَنَّهَا تَأتي فِي وَقت اشْتِغَال النَّاس، وَقَالَ بَعضهم: اسْتدلَّ بعض الْحَنَفِيَّة بقوله: (ثمَّ يعرج الَّذين باتوا فِيكُم) على اسْتِحْبَاب تَأْخِير صَلَاة الْعَصْر، ليَقَع عروج الْمَلَائِكَة إِذا فرغ مِنْهَا آخر النَّهَار، ثمَّ قَالَ: وَتعقب بِأَن ذَلِك غير لَازم، إِذْ لَيْسَ فِي الحَدِيث مَا يَقْتَضِي أَنهم لَا يصعدون إِلَّا سَاعَة الْفَرَاغ من الصَّلَاة، بل جَائِز أَن تفرغ الصَّلَاة ويتأخروا بعد ذَلِك إِلَى آخر النَّهَار، وَلَا مَانع أَيْضا من أَن تصعد مَلَائِكَة النَّهَار وَبَعض النَّهَار بَاقٍ، وَيُقِيم مَلَائِكَة اللَّيْل. انْتهى. قلت هَذَا

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 23 جمادى الأولى
هلال متناقص اليوم 24.4 / 29.5
الإضاءة 27%
الهلال الجديد بعد 5 يوم
سبحان الله وبحمده

إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا

سورة الأحزاب 33:56