الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٥٥٠
الحديث رقم ٥٥٥٠ من كتاب «كتاب الأضاحي» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب من قال الأضحى يوم النحر.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابُ الْأَضْحَى وَالْمَنْحَرِ بِالْمُصَلَّى
٥٥٥٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
فِي رِوَايَةِ مَنْصُورٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ كَمَا مَضَى فِي الْعِيدَيْنِ: وَعَرَفْتُ أَنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ تَكُونَ شَاتِي أَوَّلَ مَا يُذْبَحُ فِي بَيْتِي وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ يَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ، وَأَنَّ وَصْفَهُ اللَّحْمَ بِكَوْنِهِ مُشْتَهًى وَبِكَوْنِهِ مَكْرُوهًا لَا تَنَاقُضَ فِيهِ وَإِنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارَيْنِ: فَمِنْ حَيْثُ إِنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ فِيهِ بِالذَّبَائِحِ فَالنَّفْسُ تَتَشَوَّقُ لَهُ يَكُونُ مُشْتَهًى، وَمِنْ حَيْثُ تَوَارُدِ الْجَمِيعِ عَلَيْهِ حَتَّى يَكْثُرَ يَصِيرُ مُمَوَّلًا فَأُطْلِقَتْ عَلَيْهِ الْكَرَاهَةُ لِذَلِكَ، فَحَيْثُ وَصَفَهُ بِكَوْنِهِ مُشْتَهًى أَرَادَ ابْتِدَاءَ حَالِهِ، وَحَيْثُ وَصَفَهُ بِكَوْنِهِ مَكْرُوهًا أَرَادَ انْتِهَاءَهُ، وَمِنْ ثَمَّ اسْتَعْجَلَ بِالذَّبْحِ لِيَفُوزَ بِتَحْصِيلِ الصِّفَةِ الْأُولَى عِنْدَ أَهْلِهِ وَجِيرَانِهِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ فِرَاسٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ عِنْدَ مُسْلِمٍ: فَقَالَ خَالِي: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ نَكَّسْتُ عَنِ ابْنٍ لِي وَقَدِ اسْتَشْكَلَ هَذَا، وَظَهَرَ لِي أَنَّ مُرَادَهُ أَنَّهُ ضَحَّى لِأَجْلِهِ لِلْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ فِي أَهْلِهِ وَجِيرَانِهِ، فَخَصَّ وَلَدَهُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ أَخَصُّ بِذَلِكَ عِنْدَهُ حَتَّى يَسْتَغْنِيَ وَلَدُهُ بِمَا عِنْدَهُ عَنِ التَّشَوُّفِ إِلَى مَا عِنْدَ غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (وَذَكَرَ جِيرَانَهُ) فِي رِوَايَةِ عَاصِمٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَإِنِّي عَجَّلْتُ فِيهِ نَسِيكَتِي لِأُطْعِمَ أَهْلِي وَجِيرَانِي وَأَهْلَ دَارِي.
قَوْلُهُ: (فَلَا أَدْرِي أَبَلَغَتِ الرُّخْصَةُ مَنْ سِوَاهُ أَمْ لَا) قَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ اخْتِصَاصُهُ بِذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ، وَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ، كَأَنَّ أَنَسًا لَمْ يَسْمَعْ ذَلِكَ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَوْنٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ حَدِيثَ الْبَرَاءِ وَعَنِ ابْنِ سِيرِينَ حَدِيثَ أَنَسٍ، فَكَانَ إِذَا حَدَّثَ حَدِيثَ الْبَرَاءِ يَقِفُ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ، وَيُحَدِّثُ بِقَوْلِ أَنَسٍ: لَا أَدْرِي أَبَلَغَتِ الرُّخْصَةُ غَيْرَهُ أَمْ لَا وَلَعَلَّهُ اسْتَشْكَلَ الْخُصُوصِيَّةَ بِذَلِكَ لِمَا جَاءَ مِنْ ثُبُوتِ ذَلِكَ لِغَيْرِ أَبِي بُرْدَةَ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ قَرِيبًا.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ انْكَفَأَ) مَهْمُوزٌ، أَيْ مَالَ، يُقَالُ: كَفَأْتُ الْإِنَاءَ إِذَا أَمَلْتُهُ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ مَكَانِ الْخُطْبَةِ إِلَى مَكَانِ الذَّبْحِ.
قَوْلُهُ: (وَقَامَ النَّاسُ) كَذَا هُنَا، وَفِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ فِي بَابِ مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَعَادَ فَتَمَسَّكَ بِهِ ابْنُ التِّينِ فِي أَنَّ مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الْإِمَامِ لَا يُجْزِئُهُ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (إِلَى غُنَيْمَةٍ) بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ وَنُونٍ مُصَغَّر (فَتَوَزَّعُوهَا أَوْ قَالَ فَتَجَزَّعُوهَا) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَالْأَوَّلُ بِالزَّايِ مِنَ التَّوْزِيعِ وَهُوَ التَّفْرِقَةُ أَيْ تَفَرَّقُوهَا، وَالثَّانِي بِالْجِيمِ وَالزَّايِ أَيْضًا مِنَ الْجَزْعِ وَهُوَ الْقَطْعُ أَيِ اقْتَسَمُوهَا حِصَصًا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُمُ اقْتَسَمُوهَا بَعْدَ الذَّبْحِ فَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ قِطْعَةً مِنَ اللَّحْمِ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَخْذُ حِصَّةٍ مِنَ الْغَنَمِ، وَالْقِطْعَةُ تُطْلَقُ عَلَى الْحِصَّةِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، فَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَكُونُ الْمَعْنَى وَاحِدًا وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ فِي الْأَصْلِ الِاخْتِلَافَ.
٥ - بَاب مَنْ قَالَ: الْأَضْحَى يَوْمُ النَّحْرِ
٥٥٥٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ: ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ، ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فقَالَ أَلَيْسَ ذَا الْحِجَّةِ؟ قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَقَالَ: أَلَيْسَ الْبَلْدَةَ؟ قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَقَالَ: أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟ قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ - قَالَ مُحَمَّدٌ: وَأَحْسِبُهُ
قَالَ: وَأَعْرَاضَكُمْ - عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، أَلَا فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي ضُلَّالًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، أَلَا لِيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يَبْلُغُهُ أَنْ يَكُونَ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ - فَكَانَ مُحَمَّدٌ إِذَا ذَكَرَهُ قَالَ: صَدَقَ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ قَالَ: أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ قَالَ الْأَضْحَى يَوْمُ النَّحْرِ) قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ أَخَذَهُ مِنْ إِضَافَةِ الْيَوْمِ إِلَى النَّحْرِ حَيْثُ قَالَ: أَلَيْسَ يَوْمُ النَّحْرِ، وَاللَّامُ لِلْجِنْسِ فَلَا يَبْقَى نَحْرٌ إِلَّا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، قَالَ: وَالْجَوَابُ عَلَى مَذْهَبِ الْجَمَاعَةِ أَنَّ الْمُرَادَ لنَّحْرُ الْكَامِلُ، وَاللَّامُ تُسْتَعْمَلُ كَثِيرًا لِلْكَمَالِ كَقَوْلِهِ: الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ. قُلْتُ: وَاخْتِصَاصُ النَّحْرِ بِالْيَوْمِ الْعَاشِرِ قَوْلُ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، وَدَاوُدَ الظَّاهِرِيِّ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَأَبِي الشَّعْثَاءِ مِثْلُهُ إِلَّا فِي مِنًى فَيَجُوزُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُتَمَسَّكَ لِذَلِكَ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَفَعَهُ: أُمِرْتُ بِيَوْمِ الْأَضْحَى عِيدًا جَعَلَهُ اللَّهُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ الْحَدِيثُ صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: التَّمَسُّكُ بِإِضَافَةِ النَّحْرِ إِلَى الْيَوْمِ الْأَوَّلِ ضَعِيفٌ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنَّ أَيَّامَ النَّحْرِ الْأَرْبَعَةَ أَوِ الثَّلَاثَةَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا اسْمٌ يَخُصُّهُ، فَالْأَضْحَى هُوَ الْيَوْمُ الْعَاشِرُ، وَالَّذِي يَلِيهِ يَوْمُ الْقَرِّ، وَالَّذِي يَلِيهِ يَوْمُ النَّفْرِ الْأَوَّلِ، وَالرَّابِعُ يَوْمُ النَّفْرِ الثَّانِي، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: مُرَادُهُ أَنَّهُ يَوْمٌ تُنْحَرُ فِيهِ الْأَضَاحِيُّ فِي جَمِيعِ الْأَقْطَارِ، وَقِيلَ: مُرَادُهُ لَا ذَبْحَ إِلَّا فِيهِ خَاصَّةً، يَعْنِي كَمَا تَقَدَّمَ نَقْلُهُ عَمَّنْ قَالَ بِهِ. وَزَادَ مَالِكٌ: وَيُذْبَحُ أَيْضًا فِي يَوْمَيْنِ بَعْدَهُ.
وَزَادَ الشَّافِعِيُّ الْيَوْمَ الرَّابِعَ، قَالَ: وَقِيلَ يُذْبَحُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ وَلَمْ يَعْزُهُ لِقَائِلٍ، وَقِيلَ إِلَى آخِرِ الشَّهْرِ وَهُوَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَغَيْرِهِمْ، وَقَالَ بِهِ ابْنُ حَزْمٍ مُتَمَسِّكًا بِعَدَمِ وُرُودِ نَصٍّ بِالتَّقْيِيدِ. وَأَخْرَجَ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ، قَالَ: وَهَذَا سَنَدٌ صَحِيحٌ إِلَيْهِمَا، لَكِنَّهُ مُرْسَلٌ فَيَلْزَمُ مَنْ يَحْتَجُّ بِالْمُرْسَلِ أَنْ يَقُولَ بِهِ. قُلْتُ: وَسَيَأْتِي عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَبِمِثْلِ قَوْلِ مَالِكٍ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدُ، وَبِمِثْلِ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ تَبَعًا لِلطَّحَاوِيِّ: وَلَمْ يُنْقَلْ عَنِ الصَّحَابَةِ غَيْرُ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ، وَعَنْ قَتَادَةَ سِتَّةَ أَيَّامٍ بَعْدَ الْعَاشِرِ. وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ حَدُيْثُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ رَفَعَهُ فِجَاجُ مِنًى مَنْحَرٌ، وَفِي كُلِّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ لَكِنْ فِي سَنَدِهِ انْقِطَاعٌ، وَوَصَلَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا تُشْرَعُ لَيْلًا كَمَا تُشْرَعُ نَهَارًا إِلَّا رِوَايَةً عَنْ مَالِكٍ وَعَنْ أَحْمَدَ أَيْضًا.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ مُحَمَّدٍ - وَهُوَ ابْنُ سِيرِينَ - عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْعِلْمِ، وَفِي بَابِ الْخُطْبَةِ أَيَّامَ مِنًى مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ شَيْءٌ مِنْهُ، وَكَذَا فِي تَفْسِيرِ بَرَاءَةٌ.
قَوْلُهُ: (ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ إِلَى قَوْلِهِ وَرَجَبُ مُضَرٍ) هَذَا هُوَ الصَّوَابُ وَهُوَ عَدَّهَا مِنْ سَنَتَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَدَّهَا سَنَةً وَاحِدَةً فَبَدَأَ بِالْمُحَرَّمِ لَكِنِ الْأَوَّلُ أَلْيَقُ بِبَيَانِ الْمُتَوَالِيَةِ. وَشَذَّ مَنْ أَسْقَطَ رَجَبًا وَأَبْدَلَهُ بِشَوَّالٍ زَاعِمًا أَنَّ بِذَلِكَ تَتَوَالَى الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ وَأَنَّ ذَلِكَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ حَكَاهُ ابْنُ التِّينِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ وَأَحْسَبُهُ) هُوَ ابْنُ سِيرِينَ كَأَنَّهُ كَانَ يَشُكُّ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ وَقَدْ ثَبَتَتْ فِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ. وَكَذَا قَوْلُهُ: فَكَانَ مُحَمَّدٌ إِذَا ذَكَرَهُ، فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ ذَكَرَ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَكُونَ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْوَاوِ أَيْ أَكْثَرَ وَعْيًا لَهُ وَتَفَهُّمًا فِيهِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
انْكَفَأَ) بالهمز، أي: مال ورجع (النَّبِيُّ ﷺ) عن مكانِ الخطبة إلى مكان الذَّبح (إِلَى كَبْشَيْنِ) تثنية كبشٍ وهو ذكر الضَّأن (فَذَبَحَهُمَا، وَقَامَ النَّاسُ إِلَى غُنَيْمَةٍ) بضم الغين المعجمة (١) وفتح النون مصغرًا (فَتَوَزَّعُوهَا) بالزاي المعجمة مِنَ التَّوزيع، أي: تفرَّقوها (أَوْ قَالَ: فَتَجَزَّعُوهَا) بالجيم والزاي من الجزع، أي: اقتسموها حصصًا كل واحدٍ حصَّة من الغنم (٢) بغير ذبحٍ، وليس المرادُ أنَّ كلَّ واحدٍ أخذَ قطعةً من اللَّحم، والشَّكُّ من الرَّاوي.
والحديث سبق في «باب الأكل يوم النَّحر» من «كتاب العيدين» [خ¦٩٥٤].
(٥) (بابُ مَنْ قَالَ: الأَضْحَى يَوْمَ النَّحْرِ) فقط دون أيَّام التَّشريق، و «يوم» نصبٌ على الظَّرفية، ولأبي ذرٍّ رفعٌ، واختصاصُ النَّحر باليوم العاشر قولُ حميدِ بن عبد الرَّحمن ومحمَّدِ بن سيرين وداود الظَّاهريِّ.
٥٥٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ) قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أَخْبرنا» (عَبْدُ الوَهَّابِ) بن
عبد المجيد الثَّقفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّخْتيانيُّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابنُ سيرين (عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ) عبد الرَّحمن (عَنْ) أبيه (أَبِي بَكْرَةَ) نُفَيع بن الحارث (﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: الزَّمَانُ) ولأبي ذرٍّ: «إنَّ الزَّمان» (قَدِ اسْتَدَارَ) استدارة (كَهَيْئَتِهِ) مثل حالته (يَوْمَ خَلَقَ اللهُ (١) السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ) روي أنَّهم كانوا ينسؤون الحجَّ في كلِّ عامين من شهرٍ إلى شهرٍ آخر، ويجعلون (٢) الشَّهر الَّذي أنسؤوا فيه ملغى، فتكون تلك السَّنة ثلاثة عشر شهرًا ويتركون العام الثَّاني على ما كان عليه الأوَّل، فلا يزالون كذلك إلى خمسٍ وعشرين سنة، ثمَّ يستديرُ حينئذٍ الشَّهر الَّذي بُدِئ منه، وكانت السَّنة الَّتي حجَّ فيها رسولُ الله ﷺ حجَّة الوداع، هي (٣) السَّنة الَّتي وصل ذو الحجَّة إلى موضعهِ، فقال ﷺ في خطبتهِ: «إنَّ الزَّمان قد استدارَ كهيئتهِ يوم خلق الله السَّموات والأرض» أي: إنَّ الله تعالى قد أدحضَ أمر النَّسيء فإنَّ حساب السَّنة قد استقام ورجعَ إلى الأصل الموضوع له.
(السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا) تأكيدٌ في إبطال أمر النَّسيء، وأنَّ أحكام الشَّرع تبنى على الشُّهور القمريَّة المحسوبةِ بالأهلَّة دون الشَّمسيَّة (مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ) لعظمِ حرمتها (ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ) حذف التَّاء من العددِ باعتبار أنَّ الشَّهر الَّذي هو واحد الأشهر بمعنى: اللَّيالي، فاعتبر لذلك تأنيثُه، ولابنِ عساكرَ: «ثلاثةٌ متواليات» (ذُو القَعْدَةِ) للقعودِ فيه عن القتال (وَذُو الحِجَّةِ) للحجِّ (وَالمُحَرَّمُ) لتحريمِ القتال فيه (وَ) واحدٌ فردٌ وهو (رَجَبُ مُضَرَ) أضيف إليها لأنَّها كانت تحافظ على تحريمه أشدَّ من محافظة سائر العرب، ولم يكن يستحلُّه أحدٌ من العرب، وسمِّي رجبًا لترجيب العرب إيَّاه (الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى) بضم الجيم وفتح الدال المهملة (وَشَعْبَانَ) ذكره تأكيدًا وإزاحة للرَّيب الحادثِ فيه من النَّسيء (أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟) قال القاضِي البيضاويُّ: يريد تذكارهُم حرمة الشَّهر، وتقريرها في نفوسهم ليبنيَ عليها ما أرادَ تقريرهُ، وقولهم: (قُلْنَا: اللهُ
وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) مراعاةً للأدب، وتحرُّزًا عن التَّقدُّم بين يدي الله ورسوله، وتوقفًا فيما لا يعلم الغرض من السُّؤال عنه (فَسَكَتَ) ﷺ (حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: أَلَيْسَ ذَا الحِجَّةِ؟) ولابنِ عساكرَ وأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ذو الحجة» (قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: أَلَيْسَ البَلْدَةَ؟) بسكون اللام، مكة الَّتي جعلها الله تعالى حرمًا (١). قال التُّوربشتيُّ: وجه تسميتهَا بالبلدةِ وهي تقعُ على سائرِ البلدان أنَّها الجامعة للخير المستحقَّة أن تسمَّى بهذا الاسم لتفوُّقها سائر مسمَّيات أجناسها تفوَّق الكعبة في تسميتِها بالبيت سائر مسمَّيات أجناسها حتَّى كأنَّها هي المحلُّ المستحقُّ للإقامة به (٢) (قُلْنَا: بَلَى) يا رسول الله (قَالَ) ﵊: (فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ) ﷺ (حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟) الَّذي تُنْحَر فيه الأضاحي في سائر الأقطار، والهدايا بمنى (قُلْنَا: بَلَى) وتمسَّك به من خصَّ النَّحر بيوم العيد، ووجهه أنَّه ﵊ أضافَ هذا اليوم إلى جنس النَّحر لأنَّ اللام هنا جنسيَّة فتعمُّ، فلا يبقَى نحرٌ إلَّا في ذلك اليوم، لكن قال القرطبيُّ: التَّمسُّك بإضافة النَّحر إلى اليوم الأوَّل ضعيفٌ مع قوله تعالى: (ليَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ) [الحج: ٢٨]. انتهى.
وأَجاب الجمهورُ بأنَّ المراد النَّحر الكامل الفضل، والألف واللَّام كثيرًا ما تستعملُ للكمال، نحو: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ﴾ [البقرة: ١٧٧] و «إنَّما الشَّديد الَّذي يملك نفسه». ولذا قيل: اليوم الأوَّل أفضل الأيام. وقال المالكيَّة: أيَّام النَّحر ثلاثة مبدؤها يوم النَّحر بعد صلاةِ الإمام وذبحه في المصلَّى، وعند الشَّافعية: آخر وقتها غروب الشَّمس من آخر أيَّام التَّشريق لحديث: «في كلِّ أيَّام التَّشريق ذبحٌ» رواه ابن حبَّان، وقال أبو حنيفة وأحمد: يومان بعد النَّحر كقول المالكيَّة.
(قَالَ) ﷺ: (فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ، قَالَ مُحَمَّدٌ) هو ابنُ سيرين: (وَأَحْسِبُهُ) أي: وأحسب ابن أبي بكرة (قَالَ) في حديثه: (وَأَعْرَاضَكُمْ) قال التُّوربشتيُّ: أنفسكم وأحسابكم،
فإنَّ العرضَ يقال للنَّسب والحسب (١). يقال: فلانٌ نقيُّ العرض، أي: بريء أن يُعاب. وتُعُقِّبَ بأنَّه لو كان المراد من الأعراض النُّفوس لكان تكرارًا لأنَّ ذكر الدِّماء كافٍ؛ إذ المراد بها النُّفوس. وقال الطِّيبيُّ (٢): الظَّاهر أنَّ المراد الأخلاق النَّفسانيَّة، فالمراد هنا: الأخلاق، ثمَّ قال: والتَّحقيق ما في «النِّهاية» أنَّ العِرضَ موضع المدح والذَّمِّ من الإنسان (٣)، ولذا قيل: العرض النَّفس إطلاقًا للمحلِّ على الحال (عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا) يوم النَّحر (فِي بَلَدِكُمْ هَذَا) مكَّة (فِي شَهْرِكُمْ هَذَا) ذي الحجَّة، وسقط لفظ «هذا» لأبي ذرٍّ وابن عساكرَ (وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ) يوم القيامة (فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ) فيجازيكُم عليها (أَلَا) بالتَّخفيف (فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي ضُلَّالًا) بضم الضاد المعجمة وتشديد اللام الأولى، جمع: ضالٍّ (يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، أَلَا) بالتَّخفيف (لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ) ما ذكر (فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يَبْلُغُهُ) بفتح التحتية وسكون الموحدة (أَنْ يَكُونَ أَوْعَى) بالواو الساكنة بعد الهمزة المفتوحة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أرعى» بالراء بدل الواو (لَهُ) للَّذي ذكر (مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ) منِّي (وَكَانَ) بالواو، ولأبي ذرٍّ وابن عساكرَ: «فكان» (مُحَمَّدٌ) أي: ابن سيرين (إِذَا ذَكَرَهُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «ذكر» بحذف الضَّمير المنصوب (قَالَ: صَدَقَ النَّبِيُّ ﷺ، ثُمَّ قَالَ) النَّبيُّ ﷺ: (أَلَا) بتخفيف اللام (هَلْ بَلَّغْتُ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ) زاد أبو ذرٍّ عن المُستملي: «مرَّتين» وهو من الحديث فصل بينه الرَّاوي وبين ما قبله بقوله: وكان محمَّد إذا ذكرهُ قال: صدق النَّبيُّ ﷺ.
وهذا الحديث تقدَّم في «العلم» [خ¦١٠٥] و «الحجِّ» [خ¦١٧٤١] وتفسيره «براءة» مفرقًا [خ¦٤٦٦٢].
(٦) (بابُ) بيانِ كون (الأَضْحَى وَالمَنْحَرِ بِالمُصَلَّى) موضع صلاةِ العيد لئلا يذبحَ أحدٌ قبل الإمام فيذبحوا بعدَه بيقين، مع ما فيه من تعليمِهِم صفةَ الذَّبح، وفي بعض النُّسخ: «والنَّحر» بغير ميم.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
فِي رِوَايَةِ مَنْصُورٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ كَمَا مَضَى فِي الْعِيدَيْنِ: وَعَرَفْتُ أَنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ تَكُونَ شَاتِي أَوَّلَ مَا يُذْبَحُ فِي بَيْتِي وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ يَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ، وَأَنَّ وَصْفَهُ اللَّحْمَ بِكَوْنِهِ مُشْتَهًى وَبِكَوْنِهِ مَكْرُوهًا لَا تَنَاقُضَ فِيهِ وَإِنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارَيْنِ: فَمِنْ حَيْثُ إِنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ فِيهِ بِالذَّبَائِحِ فَالنَّفْسُ تَتَشَوَّقُ لَهُ يَكُونُ مُشْتَهًى، وَمِنْ حَيْثُ تَوَارُدِ الْجَمِيعِ عَلَيْهِ حَتَّى يَكْثُرَ يَصِيرُ مُمَوَّلًا فَأُطْلِقَتْ عَلَيْهِ الْكَرَاهَةُ لِذَلِكَ، فَحَيْثُ وَصَفَهُ بِكَوْنِهِ مُشْتَهًى أَرَادَ ابْتِدَاءَ حَالِهِ، وَحَيْثُ وَصَفَهُ بِكَوْنِهِ مَكْرُوهًا أَرَادَ انْتِهَاءَهُ، وَمِنْ ثَمَّ اسْتَعْجَلَ بِالذَّبْحِ لِيَفُوزَ بِتَحْصِيلِ الصِّفَةِ الْأُولَى عِنْدَ أَهْلِهِ وَجِيرَانِهِ. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ فِرَاسٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ عِنْدَ مُسْلِمٍ: فَقَالَ خَالِي: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ نَكَّسْتُ عَنِ ابْنٍ لِي وَقَدِ اسْتَشْكَلَ هَذَا، وَظَهَرَ لِي أَنَّ مُرَادَهُ أَنَّهُ ضَحَّى لِأَجْلِهِ لِلْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ فِي أَهْلِهِ وَجِيرَانِهِ، فَخَصَّ وَلَدَهُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ أَخَصُّ بِذَلِكَ عِنْدَهُ حَتَّى يَسْتَغْنِيَ وَلَدُهُ بِمَا عِنْدَهُ عَنِ التَّشَوُّفِ إِلَى مَا عِنْدَ غَيْرِهِ.
قَوْلُهُ: (وَذَكَرَ جِيرَانَهُ) فِي رِوَايَةِ عَاصِمٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَإِنِّي عَجَّلْتُ فِيهِ نَسِيكَتِي لِأُطْعِمَ أَهْلِي وَجِيرَانِي وَأَهْلَ دَارِي.
قَوْلُهُ: (فَلَا أَدْرِي أَبَلَغَتِ الرُّخْصَةُ مَنْ سِوَاهُ أَمْ لَا) قَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ اخْتِصَاصُهُ بِذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ أَبْوَابٍ، وَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ، كَأَنَّ أَنَسًا لَمْ يَسْمَعْ ذَلِكَ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَوْنٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ حَدِيثَ الْبَرَاءِ وَعَنِ ابْنِ سِيرِينَ حَدِيثَ أَنَسٍ، فَكَانَ إِذَا حَدَّثَ حَدِيثَ الْبَرَاءِ يَقِفُ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ، وَيُحَدِّثُ بِقَوْلِ أَنَسٍ: لَا أَدْرِي أَبَلَغَتِ الرُّخْصَةُ غَيْرَهُ أَمْ لَا وَلَعَلَّهُ اسْتَشْكَلَ الْخُصُوصِيَّةَ بِذَلِكَ لِمَا جَاءَ مِنْ ثُبُوتِ ذَلِكَ لِغَيْرِ أَبِي بُرْدَةَ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ قَرِيبًا.
قَوْلُهُ: (ثُمَّ انْكَفَأَ) مَهْمُوزٌ، أَيْ مَالَ، يُقَالُ: كَفَأْتُ الْإِنَاءَ إِذَا أَمَلْتُهُ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ مَكَانِ الْخُطْبَةِ إِلَى مَكَانِ الذَّبْحِ.
قَوْلُهُ: (وَقَامَ النَّاسُ) كَذَا هُنَا، وَفِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ فِي بَابِ مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَعَادَ فَتَمَسَّكَ بِهِ ابْنُ التِّينِ فِي أَنَّ مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الْإِمَامِ لَا يُجْزِئُهُ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ.
قَوْلُهُ: (إِلَى غُنَيْمَةٍ) بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ وَنُونٍ مُصَغَّر (فَتَوَزَّعُوهَا أَوْ قَالَ فَتَجَزَّعُوهَا) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَالْأَوَّلُ بِالزَّايِ مِنَ التَّوْزِيعِ وَهُوَ التَّفْرِقَةُ أَيْ تَفَرَّقُوهَا، وَالثَّانِي بِالْجِيمِ وَالزَّايِ أَيْضًا مِنَ الْجَزْعِ وَهُوَ الْقَطْعُ أَيِ اقْتَسَمُوهَا حِصَصًا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُمُ اقْتَسَمُوهَا بَعْدَ الذَّبْحِ فَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ قِطْعَةً مِنَ اللَّحْمِ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَخْذُ حِصَّةٍ مِنَ الْغَنَمِ، وَالْقِطْعَةُ تُطْلَقُ عَلَى الْحِصَّةِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، فَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَكُونُ الْمَعْنَى وَاحِدًا وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ فِي الْأَصْلِ الِاخْتِلَافَ.
٥ - بَاب مَنْ قَالَ: الْأَضْحَى يَوْمُ النَّحْرِ
٥٥٥٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ: ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ، ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فقَالَ أَلَيْسَ ذَا الْحِجَّةِ؟ قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَقَالَ: أَلَيْسَ الْبَلْدَةَ؟ قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَقَالَ: أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟ قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ - قَالَ مُحَمَّدٌ: وَأَحْسِبُهُ
قَالَ: وَأَعْرَاضَكُمْ - عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، أَلَا فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي ضُلَّالًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، أَلَا لِيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يَبْلُغُهُ أَنْ يَكُونَ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ - فَكَانَ مُحَمَّدٌ إِذَا ذَكَرَهُ قَالَ: صَدَقَ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ قَالَ: أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟.
قَوْلُهُ: (بَابُ مَنْ قَالَ الْأَضْحَى يَوْمُ النَّحْرِ) قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ أَخَذَهُ مِنْ إِضَافَةِ الْيَوْمِ إِلَى النَّحْرِ حَيْثُ قَالَ: أَلَيْسَ يَوْمُ النَّحْرِ، وَاللَّامُ لِلْجِنْسِ فَلَا يَبْقَى نَحْرٌ إِلَّا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، قَالَ: وَالْجَوَابُ عَلَى مَذْهَبِ الْجَمَاعَةِ أَنَّ الْمُرَادَ لنَّحْرُ الْكَامِلُ، وَاللَّامُ تُسْتَعْمَلُ كَثِيرًا لِلْكَمَالِ كَقَوْلِهِ: الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ. قُلْتُ: وَاخْتِصَاصُ النَّحْرِ بِالْيَوْمِ الْعَاشِرِ قَوْلُ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، وَدَاوُدَ الظَّاهِرِيِّ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَأَبِي الشَّعْثَاءِ مِثْلُهُ إِلَّا فِي مِنًى فَيَجُوزُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُتَمَسَّكَ لِذَلِكَ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَفَعَهُ: أُمِرْتُ بِيَوْمِ الْأَضْحَى عِيدًا جَعَلَهُ اللَّهُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ الْحَدِيثُ صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: التَّمَسُّكُ بِإِضَافَةِ النَّحْرِ إِلَى الْيَوْمِ الْأَوَّلِ ضَعِيفٌ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَنَّ أَيَّامَ النَّحْرِ الْأَرْبَعَةَ أَوِ الثَّلَاثَةَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا اسْمٌ يَخُصُّهُ، فَالْأَضْحَى هُوَ الْيَوْمُ الْعَاشِرُ، وَالَّذِي يَلِيهِ يَوْمُ الْقَرِّ، وَالَّذِي يَلِيهِ يَوْمُ النَّفْرِ الْأَوَّلِ، وَالرَّابِعُ يَوْمُ النَّفْرِ الثَّانِي، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: مُرَادُهُ أَنَّهُ يَوْمٌ تُنْحَرُ فِيهِ الْأَضَاحِيُّ فِي جَمِيعِ الْأَقْطَارِ، وَقِيلَ: مُرَادُهُ لَا ذَبْحَ إِلَّا فِيهِ خَاصَّةً، يَعْنِي كَمَا تَقَدَّمَ نَقْلُهُ عَمَّنْ قَالَ بِهِ. وَزَادَ مَالِكٌ: وَيُذْبَحُ أَيْضًا فِي يَوْمَيْنِ بَعْدَهُ.
وَزَادَ الشَّافِعِيُّ الْيَوْمَ الرَّابِعَ، قَالَ: وَقِيلَ يُذْبَحُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ وَلَمْ يَعْزُهُ لِقَائِلٍ، وَقِيلَ إِلَى آخِرِ الشَّهْرِ وَهُوَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَغَيْرِهِمْ، وَقَالَ بِهِ ابْنُ حَزْمٍ مُتَمَسِّكًا بِعَدَمِ وُرُودِ نَصٍّ بِالتَّقْيِيدِ. وَأَخْرَجَ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ، قَالَ: وَهَذَا سَنَدٌ صَحِيحٌ إِلَيْهِمَا، لَكِنَّهُ مُرْسَلٌ فَيَلْزَمُ مَنْ يَحْتَجُّ بِالْمُرْسَلِ أَنْ يَقُولَ بِهِ. قُلْتُ: وَسَيَأْتِي عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَبِمِثْلِ قَوْلِ مَالِكٍ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدُ، وَبِمِثْلِ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ تَبَعًا لِلطَّحَاوِيِّ: وَلَمْ يُنْقَلْ عَنِ الصَّحَابَةِ غَيْرُ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ، وَعَنْ قَتَادَةَ سِتَّةَ أَيَّامٍ بَعْدَ الْعَاشِرِ. وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ حَدُيْثُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ رَفَعَهُ فِجَاجُ مِنًى مَنْحَرٌ، وَفِي كُلِّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ لَكِنْ فِي سَنَدِهِ انْقِطَاعٌ، وَوَصَلَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا تُشْرَعُ لَيْلًا كَمَا تُشْرَعُ نَهَارًا إِلَّا رِوَايَةً عَنْ مَالِكٍ وَعَنْ أَحْمَدَ أَيْضًا.
ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدِيثَ مُحَمَّدٍ - وَهُوَ ابْنُ سِيرِينَ - عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْعِلْمِ، وَفِي بَابِ الْخُطْبَةِ أَيَّامَ مِنًى مِنْ كِتَابِ الْحَجِّ شَيْءٌ مِنْهُ، وَكَذَا فِي تَفْسِيرِ بَرَاءَةٌ.
قَوْلُهُ: (ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ إِلَى قَوْلِهِ وَرَجَبُ مُضَرٍ) هَذَا هُوَ الصَّوَابُ وَهُوَ عَدَّهَا مِنْ سَنَتَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَدَّهَا سَنَةً وَاحِدَةً فَبَدَأَ بِالْمُحَرَّمِ لَكِنِ الْأَوَّلُ أَلْيَقُ بِبَيَانِ الْمُتَوَالِيَةِ. وَشَذَّ مَنْ أَسْقَطَ رَجَبًا وَأَبْدَلَهُ بِشَوَّالٍ زَاعِمًا أَنَّ بِذَلِكَ تَتَوَالَى الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ وَأَنَّ ذَلِكَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ حَكَاهُ ابْنُ التِّينِ.
قَوْلُهُ: (قَالَ وَأَحْسَبُهُ) هُوَ ابْنُ سِيرِينَ كَأَنَّهُ كَانَ يَشُكُّ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ وَقَدْ ثَبَتَتْ فِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ. وَكَذَا قَوْلُهُ: فَكَانَ مُحَمَّدٌ إِذَا ذَكَرَهُ، فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ ذَكَرَ.
قَوْلُهُ: (أَنْ يَكُونَ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْوَاوِ أَيْ أَكْثَرَ وَعْيًا لَهُ وَتَفَهُّمًا فِيهِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ،
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
انْكَفَأَ) بالهمز، أي: مال ورجع (النَّبِيُّ ﷺ) عن مكانِ الخطبة إلى مكان الذَّبح (إِلَى كَبْشَيْنِ) تثنية كبشٍ وهو ذكر الضَّأن (فَذَبَحَهُمَا، وَقَامَ النَّاسُ إِلَى غُنَيْمَةٍ) بضم الغين المعجمة (١) وفتح النون مصغرًا (فَتَوَزَّعُوهَا) بالزاي المعجمة مِنَ التَّوزيع، أي: تفرَّقوها (أَوْ قَالَ: فَتَجَزَّعُوهَا) بالجيم والزاي من الجزع، أي: اقتسموها حصصًا كل واحدٍ حصَّة من الغنم (٢) بغير ذبحٍ، وليس المرادُ أنَّ كلَّ واحدٍ أخذَ قطعةً من اللَّحم، والشَّكُّ من الرَّاوي.
والحديث سبق في «باب الأكل يوم النَّحر» من «كتاب العيدين» [خ¦٩٥٤].
(٥) (بابُ مَنْ قَالَ: الأَضْحَى يَوْمَ النَّحْرِ) فقط دون أيَّام التَّشريق، و «يوم» نصبٌ على الظَّرفية، ولأبي ذرٍّ رفعٌ، واختصاصُ النَّحر باليوم العاشر قولُ حميدِ بن عبد الرَّحمن ومحمَّدِ بن سيرين وداود الظَّاهريِّ.
٥٥٥٠ - وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ) قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: «أَخْبرنا» (عَبْدُ الوَهَّابِ) بن
عبد المجيد الثَّقفيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّخْتيانيُّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) هو ابنُ سيرين (عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ) عبد الرَّحمن (عَنْ) أبيه (أَبِي بَكْرَةَ) نُفَيع بن الحارث (﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ) أنَّه (قَالَ: الزَّمَانُ) ولأبي ذرٍّ: «إنَّ الزَّمان» (قَدِ اسْتَدَارَ) استدارة (كَهَيْئَتِهِ) مثل حالته (يَوْمَ خَلَقَ اللهُ (١) السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ) روي أنَّهم كانوا ينسؤون الحجَّ في كلِّ عامين من شهرٍ إلى شهرٍ آخر، ويجعلون (٢) الشَّهر الَّذي أنسؤوا فيه ملغى، فتكون تلك السَّنة ثلاثة عشر شهرًا ويتركون العام الثَّاني على ما كان عليه الأوَّل، فلا يزالون كذلك إلى خمسٍ وعشرين سنة، ثمَّ يستديرُ حينئذٍ الشَّهر الَّذي بُدِئ منه، وكانت السَّنة الَّتي حجَّ فيها رسولُ الله ﷺ حجَّة الوداع، هي (٣) السَّنة الَّتي وصل ذو الحجَّة إلى موضعهِ، فقال ﷺ في خطبتهِ: «إنَّ الزَّمان قد استدارَ كهيئتهِ يوم خلق الله السَّموات والأرض» أي: إنَّ الله تعالى قد أدحضَ أمر النَّسيء فإنَّ حساب السَّنة قد استقام ورجعَ إلى الأصل الموضوع له.
(السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا) تأكيدٌ في إبطال أمر النَّسيء، وأنَّ أحكام الشَّرع تبنى على الشُّهور القمريَّة المحسوبةِ بالأهلَّة دون الشَّمسيَّة (مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ) لعظمِ حرمتها (ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ) حذف التَّاء من العددِ باعتبار أنَّ الشَّهر الَّذي هو واحد الأشهر بمعنى: اللَّيالي، فاعتبر لذلك تأنيثُه، ولابنِ عساكرَ: «ثلاثةٌ متواليات» (ذُو القَعْدَةِ) للقعودِ فيه عن القتال (وَذُو الحِجَّةِ) للحجِّ (وَالمُحَرَّمُ) لتحريمِ القتال فيه (وَ) واحدٌ فردٌ وهو (رَجَبُ مُضَرَ) أضيف إليها لأنَّها كانت تحافظ على تحريمه أشدَّ من محافظة سائر العرب، ولم يكن يستحلُّه أحدٌ من العرب، وسمِّي رجبًا لترجيب العرب إيَّاه (الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى) بضم الجيم وفتح الدال المهملة (وَشَعْبَانَ) ذكره تأكيدًا وإزاحة للرَّيب الحادثِ فيه من النَّسيء (أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟) قال القاضِي البيضاويُّ: يريد تذكارهُم حرمة الشَّهر، وتقريرها في نفوسهم ليبنيَ عليها ما أرادَ تقريرهُ، وقولهم: (قُلْنَا: اللهُ
وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) مراعاةً للأدب، وتحرُّزًا عن التَّقدُّم بين يدي الله ورسوله، وتوقفًا فيما لا يعلم الغرض من السُّؤال عنه (فَسَكَتَ) ﷺ (حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: أَلَيْسَ ذَا الحِجَّةِ؟) ولابنِ عساكرَ وأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ذو الحجة» (قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: أَلَيْسَ البَلْدَةَ؟) بسكون اللام، مكة الَّتي جعلها الله تعالى حرمًا (١). قال التُّوربشتيُّ: وجه تسميتهَا بالبلدةِ وهي تقعُ على سائرِ البلدان أنَّها الجامعة للخير المستحقَّة أن تسمَّى بهذا الاسم لتفوُّقها سائر مسمَّيات أجناسها تفوَّق الكعبة في تسميتِها بالبيت سائر مسمَّيات أجناسها حتَّى كأنَّها هي المحلُّ المستحقُّ للإقامة به (٢) (قُلْنَا: بَلَى) يا رسول الله (قَالَ) ﵊: (فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ) ﷺ (حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟) الَّذي تُنْحَر فيه الأضاحي في سائر الأقطار، والهدايا بمنى (قُلْنَا: بَلَى) وتمسَّك به من خصَّ النَّحر بيوم العيد، ووجهه أنَّه ﵊ أضافَ هذا اليوم إلى جنس النَّحر لأنَّ اللام هنا جنسيَّة فتعمُّ، فلا يبقَى نحرٌ إلَّا في ذلك اليوم، لكن قال القرطبيُّ: التَّمسُّك بإضافة النَّحر إلى اليوم الأوَّل ضعيفٌ مع قوله تعالى: (ليَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ) [الحج: ٢٨]. انتهى.
وأَجاب الجمهورُ بأنَّ المراد النَّحر الكامل الفضل، والألف واللَّام كثيرًا ما تستعملُ للكمال، نحو: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ﴾ [البقرة: ١٧٧] و «إنَّما الشَّديد الَّذي يملك نفسه». ولذا قيل: اليوم الأوَّل أفضل الأيام. وقال المالكيَّة: أيَّام النَّحر ثلاثة مبدؤها يوم النَّحر بعد صلاةِ الإمام وذبحه في المصلَّى، وعند الشَّافعية: آخر وقتها غروب الشَّمس من آخر أيَّام التَّشريق لحديث: «في كلِّ أيَّام التَّشريق ذبحٌ» رواه ابن حبَّان، وقال أبو حنيفة وأحمد: يومان بعد النَّحر كقول المالكيَّة.
(قَالَ) ﷺ: (فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ، قَالَ مُحَمَّدٌ) هو ابنُ سيرين: (وَأَحْسِبُهُ) أي: وأحسب ابن أبي بكرة (قَالَ) في حديثه: (وَأَعْرَاضَكُمْ) قال التُّوربشتيُّ: أنفسكم وأحسابكم،
فإنَّ العرضَ يقال للنَّسب والحسب (١). يقال: فلانٌ نقيُّ العرض، أي: بريء أن يُعاب. وتُعُقِّبَ بأنَّه لو كان المراد من الأعراض النُّفوس لكان تكرارًا لأنَّ ذكر الدِّماء كافٍ؛ إذ المراد بها النُّفوس. وقال الطِّيبيُّ (٢): الظَّاهر أنَّ المراد الأخلاق النَّفسانيَّة، فالمراد هنا: الأخلاق، ثمَّ قال: والتَّحقيق ما في «النِّهاية» أنَّ العِرضَ موضع المدح والذَّمِّ من الإنسان (٣)، ولذا قيل: العرض النَّفس إطلاقًا للمحلِّ على الحال (عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا) يوم النَّحر (فِي بَلَدِكُمْ هَذَا) مكَّة (فِي شَهْرِكُمْ هَذَا) ذي الحجَّة، وسقط لفظ «هذا» لأبي ذرٍّ وابن عساكرَ (وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ) يوم القيامة (فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ) فيجازيكُم عليها (أَلَا) بالتَّخفيف (فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي ضُلَّالًا) بضم الضاد المعجمة وتشديد اللام الأولى، جمع: ضالٍّ (يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، أَلَا) بالتَّخفيف (لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ) ما ذكر (فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يَبْلُغُهُ) بفتح التحتية وسكون الموحدة (أَنْ يَكُونَ أَوْعَى) بالواو الساكنة بعد الهمزة المفتوحة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «أرعى» بالراء بدل الواو (لَهُ) للَّذي ذكر (مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ) منِّي (وَكَانَ) بالواو، ولأبي ذرٍّ وابن عساكرَ: «فكان» (مُحَمَّدٌ) أي: ابن سيرين (إِذَا ذَكَرَهُ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «ذكر» بحذف الضَّمير المنصوب (قَالَ: صَدَقَ النَّبِيُّ ﷺ، ثُمَّ قَالَ) النَّبيُّ ﷺ: (أَلَا) بتخفيف اللام (هَلْ بَلَّغْتُ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ) زاد أبو ذرٍّ عن المُستملي: «مرَّتين» وهو من الحديث فصل بينه الرَّاوي وبين ما قبله بقوله: وكان محمَّد إذا ذكرهُ قال: صدق النَّبيُّ ﷺ.
وهذا الحديث تقدَّم في «العلم» [خ¦١٠٥] و «الحجِّ» [خ¦١٧٤١] وتفسيره «براءة» مفرقًا [خ¦٤٦٦٢].
(٦) (بابُ) بيانِ كون (الأَضْحَى وَالمَنْحَرِ بِالمُصَلَّى) موضع صلاةِ العيد لئلا يذبحَ أحدٌ قبل الإمام فيذبحوا بعدَه بيقين، مع ما فيه من تعليمِهِم صفةَ الذَّبح، وفي بعض النُّسخ: «والنَّحر» بغير ميم.