«إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ، قِيلَ…

الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٩٧٣

الحديث رقم ٥٩٧٣ من كتاب «كتاب الأدب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب لا يسب الرجل والديه.

آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14

نصّ حديث: «إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه…

«إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ وَيَسُبُّ أُمَّهُ.»

سند حديث: ٥٩٧٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ…

٥٩٧٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ :

رواة الحديث

شرح مبسّط لحديث: «إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه…

الحديث دليل على عظم حق الأبوين، وأن التسبب إلى أذيتهما وشتمهما من كبائر الذنوب، وإذا كان هذا في التسبب إلى شتمهما ولعنهما فإن لعنهما مباشرة أقبح.
فبعد أن أخبر أن شتمهما من الكبائر تعجب الحاضرون من ذلك، لأنه بعيدٌ عن أذهانهم أن يسب الرجل والديه مباشرة، فأخبرهم أن ذلك قد يقع عن طريق التسبب في شتمهما، حين يشتم أبا الرجل وأمه فيسب الرجل أباه وأمه.

الفوائد المستفادة من الحديث

  • الواجب على الإنسان الكف عن سب الناس، وسب آبائهم؛ لأنه من الكلام المحرم، ولأنه سبب يؤدي إلى سب أبيه وأمه فيكون عاقًّا لهما بذلك.
  • المتسبب يشارك المباشر في عمله في الخير والشر.
  • شتم الرجل أباه وأمه من كبائر الذنوب.
  • الدلالة على قاعدتين من قواعد الشريعة: الأولى: قاعدة سد الذرائع، فما كان ذريعة ووسيلة إلى محرم فهو محرم. الثانية: قاعدة الوسائل لها أحكام المقاصد.

درجة الحديث: صحيح

المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط

شرح حديث: «إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه…

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) بن العاصي ، أنَّه (قَالَ: قَالَ رَجُلٌ) لم يُسمَّ، ويحتملُ أن يكونَ جَاهِمَة (١) بن العبَّاس (لِلنَّبِيِّ : أُجَاهِدُ؟) بضم الهمزة. (قَالَ) له: (ألَكَ أَبَوَانِ) لم يُسمَّيا (قَالَ: نَعَمْ. قَالَ) : إن كان لك أبوان (فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ) أي: ارجعْ فابلغْ جهدَك في برِّهما والإحسانِ إليهما، فإنَّ ذلك يكونُ لك مَقام قتالِ الكفَّار.

وهذا الحديثُ قد سبقَ في «بابِ الجهادِ بإذنِ الأبوينِ» من «كتاب الجهاد» [خ¦٣٠٠٤].

(٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (لَا يَسُبُّ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ) ولا أحدهما، أي: لا يكونُ سببًا لذلك، فالإسناد مجازيٌّ.

٥٩٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) هو أحمدُ بن عبد الله بن يونس الكوفيُّ، ونسبه لجدِّه، قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ) سعدِ بن عبد الرَّحمن بنِ عوف (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) أي ابن العاصي () أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «النَّبيُّ» (: إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الكَبَائِرِ) وللتِّرمذيِّ «من الكبائر» والأولى تقتضِي أنَّ الكبائر متفاوتةٌ بعضها أكبر من بعضٍ، وإليه ذهب الجمهورُ، وإنَّما كان السَّبب من أكبر الكبائر؛ لأنَّه نوعٌ من العقوقِ، وهو إساءةٌ في مقابلةِ إحسان الوالدين، وكفرانٌ لحقوقهما (أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ) ترجم بلفظ السَّبِّ، وساقه بلفظ اللَّعن إشارةً إلى ما وقع في بقيَّة الحديث (قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟) هو استبعادٌ من السَّائل لأنَّ الطَّبع المستقيم يأبى ذلك (قَالَ) : (يَسُبُّ الرَّجُلُ) سقط لفظ «الرَّجل» للأَصيليِّ ولأبي (٢) الوقتِ (أَبَا الرَّجُلِ (٣)،

فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أَمَّهُ) زاد أبو ذرٍّ والأَصيليُّ وأبو الوقتِ: «فيسبُّ أمَّه» فبيَّن أنَّه وإن لم يتعاطَ السَّبَّ بنفسه فقد يقعُ منه التَّسبب، فإذا كان التَّسبب في لعنِ الوالدين من أكبرِ الكبائر، فالتَّصريح بلعنهما أشدُّ.

وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الإيمان» وأبو داود في «الأدبِ» والتِّرمذيُّ في «البرِّ».

(٥) (بابُ إِجَابَةِ دُعَاءِ مَنْ بَرَّ وَالِدَيْهِ).

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

أَن صعوبة الْحمل والوضع وَالرّضَاع والتربية تنفرد بهَا الْأُم وتشقى بهَا دون الْأَب، فَهَذِهِ ثَلَاث منَازِل يَخْلُو مِنْهَا الْأَب، وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة يدل على أَن طَاعَة الْأُم مُقَدّمَة وَهُوَ حجَّة على من خَالفه، وَزعم المحاسبي أَن تَفْضِيل الْأُم على الْأَب فِي الْبر وَالطَّاعَة هُوَ إِجْمَاع الْعلمَاء، وَقيل لِلْحسنِ: مَا بر الْوَالِدين؟ قَالَ: تبذل لَهما مَا ملكت وتطعيهما فِيمَا أمراك مَا لم يكن مَعْصِيّة.

قَوْله: (قَالَ ابْن شبْرمَة) أَي: قَالَ عبد الله بن شبْرمَة قَاضِي الْكُوفَة عَم عمَارَة كَمَا ذكرنَا، وَيحيى بن أَيُّوب حفيد أبي زرْعَة بن عَمْرو بن جرير شَيْخه فِي هَذَا الحَدِيث كِلَاهُمَا رويا بِالتَّعْلِيقِ عَن أبي زرْعَة الْمَذْكُور. قَوْله: (مثله) أَي: مثل الحَدِيث الْمَذْكُور، وَأما تَعْلِيق ابْن شبْرمَة فوصله مُسلم عَن أبي شيبَة: حَدثنَا شريك عَن عمَارَة وَابْن شبْرمَة عَن أبي زرْعَة فَذكره، وَأما تَعْلِيق يحيى بن أَيُّوب فوصله الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من حَدِيثه عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد عَن مُحَمَّد بن حَفْص: حَدثنَا سهل بن حَمَّاد حَدثنَا يحيى بن أَيُّوب عَن أبي زرْعَة بن عَمْرو بن جرير حَدثنَا جدي أَبُو زرْعَة بِهِ.

٣ - (بابٌ لَا يجاهِدُ إلَاّ بإذْنِ الأبَوَيْنِ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: لَا يُجَاهد الرجل إلَاّ بِإِذن أَبَوَيْهِ.

٥٩٧٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدّثنا يَحْيَى عَنْ سُفْيانَ وشُعْبَةَ، قَالَا: حَدثنَا حَبِيبُ.

(ح) قَالَ: وَحدثنَا مُحَمَّدُ بنُ كَثِير أخْبَرنا سُفْيانُ عَنْ حَبِيب عَنْ أبِي العَبَّاسِ عَنْ عَبْدِ الله بنِ عَمْروٍ قَالَ: قَالَ رجُلٌ لِلنبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أجاهِدُ؟ قَالَ: لَكَ أبَوَانِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: ففِيهِما فَجاهِدْ. (انْظُر الحَدِيث ٣٠٠٤) .

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا أمره بِالْجِهَادِ إلَاّ فِي أَبَوَيْهِ، فيفهم مِنْهُ أَنه لَا يُجَاهد إلَاّ إِذا أذنا لَهُ بِالْجِهَادِ فيجاهد فَيكون جهاده مَوْقُوفا على إذنهما.

وَأخرجه من طَرِيقين: الأول: عَن مُسَدّد عَن يحيى الْقطَّان عَن سُفْيَان الثَّوْريّ وَشعْبَة بن الْحجَّاج كِلَاهُمَا يرويان عَن حبيب بن أبي ثَابت. الثَّانِي: عَن مُحَمَّد بن كثير بالثاء الْمُثَلَّثَة عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن حبيب عَن أبي الْعَبَّاس السَّائِب الشَّاعِر الْمَكِّيّ عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ، والْحَدِيث قد مر فِي الْجِهَاد فِي: بَاب الْجِهَاد بِإِذن الْأَبَوَيْنِ.

قَوْله: (ففيهما فَجَاهد) ، الْجَار وَالْمَجْرُور مُتَعَلق بمقدور وَهُوَ: جَاهد، وَالْمَذْكُور مُفَسّر لَهُ وَتَقْدِيره: إِن كَانَ لَك أَبَوَانِ فَجَاهد فيهمَا.

٤ - (بابٌ لَا يَسُبُّ الرَّجُلُ والدَيْهِ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: لَا يسب الرجل وَالِديهِ، وَهَذَا الْإِسْنَاد مجازي لِأَنَّهُ صَار سَببا لسب وَالِديهِ.

٥٩٧٣ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ حَدثنَا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ حُمَيْد بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ عَنْ عَبْدِ الله بنِ عَمْروٍ رَضِي الله عنهُما، قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إنَّ مِنْ أكْبَرِ الكَبائِرِ أنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ والدَيْهِ. قيل: يَا رسولَ الله! وكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ والِدَيْهِ؟ قَالَ: يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أباهُ ويَسُبُّ أُمَّهُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة تفهم من معنى الحَدِيث. وَأحمد بن يُونُس هُوَ أَحْمد بن عبد الله بن يُونُس الْكُوفِي، وَإِبْرَاهِيم بن سعد يروي عَن أَبِيه سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَسعد يروي عَن حميد بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الْقرشِي الزُّهْرِيّ.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن قُتَيْبَة وَآخَرين. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَدَب عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر بن زِيَاد وَغَيره. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْبر عَن قُتَيْبَة بِهِ.

قَوْله: (من أكبر الْكَبَائِر أَن يلعن الرجل وَالِديهِ) ، وَلَفظ التِّرْمِذِيّ: (من الْكَبَائِر أَن يشْتم الرجل وَالِديهِ) ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَن سبّ الرجل وَالِديهِ كَبِيرَة، وَرِوَايَة البُخَارِيّ تَقْتَضِي أَنه من أكبر الْكَبَائِر وَبَينهمَا فرق من حَيْثُ إِن الْكَبَائِر مُتَفَاوِتَة وَبَعضهَا أكبر من بعض، وَهُوَ قَول الْعلمَاء، وعد أكبر الْكَبَائِر فِي حَدِيث أبي بكرَة على مَا يَجِيء ثَلَاثَة: الْإِشْرَاك بِاللَّه وعقوق الْوَالِدين وَقَول الزُّور، وَهُوَ شَهَادَة الزُّور وَاقْتصر فِي أكبر الْكَبَائِر على هَذِه الثَّلَاثَة، وَزَاد فِي حَدِيث بُرَيْدَة رَوَاهُ الْبَزَّار: منع فضل المَاء وَمنع الفجل، فَصَارَ كل ذَلِك خَمْسَة، وروى التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة أبي أُمَامَة عَن

عبد الله بن أنيس بِلَفْظ: إِن من أكبر الْكَبَائِر: الشّرك بِاللَّه وعقوق الْوَالِدين وَالْيَمِين الْغمُوس، فَصَارَ سِتَّة. وَحَدِيث عَمْرو بن حزم الطَّوِيل فِي الْمِائَة المنتقاة: (إِن أكبر الْكَبَائِر عِنْد الله يَوْم الْقِيَامَة: الشّرك بِاللَّه، وَقتل النَّفس المؤمنة بِغَيْر حق، والفرار فِي سَبِيل الله يَوْم الزَّحْف، وعقوق الْوَالِدين، وَرمي المحصنة، وَتعلم السحر، وَأكل الرِّبَا، وَأكل مَال الْيَتِيم) . فَصَارَت اثْنَي عشر، وروى الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من حَدِيث ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا: (الْخمر أم الْفَوَاحِش وأكبر الْكَبَائِر) ، وروى أَيْضا فِيهِ مَوْقُوفا على عبد الله بن عَمْرو: (أعظم الْكَبَائِر شرب الْخمر) ، وَمثله لَا يُقَال من قبل الرَّأْي، وَرُوِيَ أَيْضا فِي (الْكَبِير) من حَدِيث وَاثِلَة بن الْأَسْقَع قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَقُول: (إِن من أكبر الْكَبَائِر أَن يَقُول الرجل عَليّ مَا لم أقل) ، فَصَارَ الْمَجْمُوع أَربع عشر. وَأما مَا ورد فِي تعديد الْكَبَائِر من غير تَقْيِيد بأكبرها فَفِي (الصَّحِيحَيْنِ) من حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (اجتنبوا السَّبع الموبقات {قَالُوا: يَا رَسُول الله} مَا هِيَ؟ قَالَ: الشّرك بِاللَّه، وَالسحر، وَقتل النَّفس الَّتِي حرم الله إلاّ بِالْحَقِّ، وَأكل الرِّبَا وَأكل مَال الْيَتِيم والتولي يَوْم الزَّحْف، وَقذف الْمُحْصنَات الْغَافِلَات الْمُؤْمِنَات) . وروى الْبَزَّار من حَدِيث ابْن عَبَّاس بِإِسْنَاد حسن: أَن رجلا قَالَ: يَا رَسُول الله {مَا الْكَبَائِر؟ قَالَ: الشّرك بِاللَّه، واليأس من روح الله، والقنوط من رَحْمَة الله. وروى الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) : من رِوَايَة عبيد بن عُمَيْر عَن أَبِيه أَنه حَدثهُ وَكَانَت لَهُ صُحْبَة: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ فِي حجَّة الْوَدَاع ... الحَدِيث، وَفِيه: ويجتنب الْكَبَائِر، فَقَالَ: هِيَ تسع وَذكر مَا فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَزَاد: استحلال بَيت الله الْحَرَام قبلتكم أَحيَاء وأمواتاً، وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: (كل مَا نهى الله عَنهُ فَهُوَ كَبِيرَة) وَحكى الطَّبَرِيّ عَنهُ، قَالَ: (كل ذَنْب خَتمه الله بِنَار أَو لعنة أَو غضب فَهُوَ كَبِيرَة) وَقَالَ طَاوُوس: قيل لِابْنِ عَبَّاس: الْكَبَائِر سبغ؟ قَالَ: هِيَ إِلَى السّبْعين أقرب، وَقَالَ سعيد ابْن جُبَير: قَالَ رجل لِابْنِ عَبَّاس: الْكَبَائِر سبغ؟ قَالَ: هِيَ إِلَى السبعمائة أقرب مِنْهَا إِلَى السَّبع، غير أَنه لَا كَبِيرَة مَعَ اسْتِغْفَار وَلَا صَغِيرَة مَعَ إِصْرَار، وروى الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من حَدِيث سهل بن أبي خَيْثَمَة، قَالَ: سَمِعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَقُول: اجتنبوا السَّبع الْكَبَائِر ... الحَدِيث. وَفِيه: والتغرب بعد الْهِجْرَة، وروى الْبَيْهَقِيّ عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: الْكَبَائِر ... فَذكر أَشْيَاء مِنْهَا: الْيَمين الْغمُوس الْفَاجِرَة، والغلول، وَمنع الزَّكَاة، وكتمان الشَّهَادَة، وَترك الصَّلَاة مُتَعَمدا وَأَشْيَاء مِمَّا فَرضهَا الله وَنقض الْعَهْد. وروى ابْن أبي الدُّنْيَا فِي (كتاب التَّوْبَة) عَن ابْن عَبَّاس: قَالَ: كل ذَنْب أصر عَلَيْهِ العَبْد كَبِيرَة، وَفِيه الرّبيع بن صبيح، وَقد اخْتلف فِيهِ. وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين رَحمَه الله: اجْتمع من مَجْمُوع هَذِه الْأَحَادِيث المرفوعة والموقوفة نَحْو أَرْبَعِينَ من الْكَبَائِر ثمَّ ذكرهَا، فلنذكر مَا لم يذكر هَهُنَا، وَهُوَ: ادِّعَاء الرجل إِلَى غير أَبِيه، وإراءة عَيْنَيْهِ، والإصرار على الصَّغِيرَة، والانتفاء من ولد لَهُ، وبهت الْمُؤمن، والحقد، وَالزِّنَا، وَالسَّرِقَة، والسعاية ببرىء إِلَى ذِي سُلْطَان فيقتله، والغلول، والغيبة، واللواطة، ونسيان سُورَة أَو آيَة من الْقُرْآن، والنميمة. وَحكى الرَّافِعِيّ عَن جمَاعَة أَنهم عدوا من الْكَبَائِر: غصب المَال، والهروي شَرط فِي الْمَغْصُوب كَونه نِصَابا، وَحكي عَن صَاحب (الْعدة) أَنه أضَاف إِلَيْهَا: الْإِفْطَار فِي رَمَضَان بِلَا عذر، والخيانة فِي كيل أَو وزن، وَتَقْدِيم الصَّلَاة عَن وَقتهَا أَو تَأْخِيرهَا عَنهُ بِلَا عذر، وَضرب مُسلم بِلَا حق، وَسَب الصَّحَابَة، وَأخذ الرِّشْوَة، والدياثة، والقيادة من الرجل وَالْمَرْأَة، وَترك الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر مَعَ الْقُدْرَة، وإحراق الْحَيَوَان، وَامْتِنَاع الْمَرْأَة من زَوجهَا بِلَا سَبَب، وَيُقَال: والوقيعة فِي أهل الْعلم وَحَملَة الْقُرْآن. وَمِمَّا عد من الْكَبَائِر: أكل لحم الْخِنْزِير وَالْميتَة بِلَا عذر، حَكَاهُ الرَّافِعِيّ، وَنقل عَن الشَّافِعِي: أَن الْوَطْء فِي الْحيض كَبِيرَة. وَاخْتلفُوا فِي سَماع الأوتار وَلبس الْحَرِير وَالْجُلُوس عَلَيْهِ وَنَحْوهَا هَل هُوَ من الْكَبَائِر أَو الصَّغَائِر؟ فَمَال إِمَام الْحَرَمَيْنِ إِلَى أَنه من الْكَبَائِر، وَصحح الرَّافِعِيّ أَنه من الصَّغَائِر، وَالله أعلم. قَوْله: (قيل: يَا رَسُول الله} وَكَيف يلعن الرجل وَالِديهِ؟) هَذَا استبعاد من السَّائِل، لِأَن الطَّبْع الْمُسْتَقيم يَأْبَى ذَلِك، فَبين فِي الْجَواب أَنه وَإِن لم يتعاطى ذَلِك بِنَفسِهِ وَلكنه يكون سَببا لذَلِك، وَفِي هَذَا الزَّمَان من النَّاس الطَّعَام من يسب وَالِديهِ بل يضربهما، وَلَقَد شَاهد جمَاعَة ذَلِك من العققة الفجرة، وَرُبمَا

ذبح وَالِده، أَخْبرنِي بذلك جمَاعَة، وَكَثُرت هَذِه الْمُصِيبَة فِي الديار المصرية، نسْأَل الله الْعَفو والعافية.

٥ - (بابُ إجابَةِ دُعاءِ مَنْ بَرَّ والِدَيْهِ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِجَابَة دُعَاء أَي قبُول دُعَاء من بر وَالِديهِ أَي: من أحسن إِلَيْهِمَا وَقَامَ بطاعتهما.

٥٩٧٤ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ أبي مَرْيَمَ حَدثنَا إسْماعِيلُ بنُ إبْرَاهِيمَ بنِ عُقْبَةَ، قَالَ: أَخْبرنِي نافِعٌ عَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهما، عَنْ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: بَيْنَما ثَلَاثَةُ نَفَر يَتَماشَوْن أخَذَهُمُ المَطَرُ فَمالُوا إِلَى غارٍ فِي الجَبَلِ فانْحَطتْ عَلَى فَمِ غارِهِمْ صَخْرَةٌ مِنَ الجَبَلِ فأطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا أعْمالاً عَمِلْتُمُوها لله صالِحَةً فادْعُوا الله بِها لَعَلَّهُ يَفْرِجُها، فَقَالَ أحَدُهُمْ: أللَّهُمَّ إنَّهُ كانَ لي والِدَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ ولي صِبْيَةٌ صغارٌ كُنْتُ أرْعَى عَلَيْهِمْ فإذَا رُحْتُ عَلَيْهِمْ فَحَلَبْتُ بَدَأتُ بِوَالِدَيَّ أسْقِيهِما قَبْلَ وَلَدي، وإنَّهُ نأَى بِي الشَّجَرُ فَما أتَيْتُ حَتَّى أمْسَيْتُ فَوَجَدْتُهُما قَدْ ناا، فَحَلَبْتُ كَما كُنْتُ أحْلُبُ فَجِئْتُ بالخلَابِ فَقُمْتُ عِنْدَ رُؤُوسِهِما أكْرَهُ أنْ أُوقظَهُما مِنْ نَوْمِهِما وأكْرَهُ أنْ أبْدَأ بالصِّبْيَةِ قَبْلهُما، والصِّبْيَةُ يَتضاغوْنَ عِنْدَ قَدَمَيَّ، فَلَمْ يَزَلْ ذَاكَ دأبي ودَأبَهُمْ حَتَّى طَلَعَ الفَجْرُ فإنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنِّي فَعَلْتُ ذالِكَ ابْتِغاءَ وَجْهِكَ فافْرُجْ لَنا فُرْجَةً نَراى مِنْها السَّماءَ، فَفَرَجَ الله لَهُمْ فُرْجَةً حَتَّى يَرَوْنَ مِنْها السَّماءَ. وَقَالَ الثَّاني: اللَّهُمَّ إنَّهُ كانَتْ لِي ابْنَةُ عَمّ أحِبُّها كأشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجالُ النّساءَ فَطَلَبْتُ إلَيْها نَفْسها فأبَتْ حَتّى آتِيهَا بِمائَةِ دِينارٍ، فَسَعَيْتُ حَتَّى جَمَعْتُ مائَةَ دِينارٍ فَلَقِيتُها بِها، فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْلَيْها قالَتْ: يَا عَبْدَ الله! اتَّقِ الله وَلَا تَفْتَحِ الخاتَمَ، فَقُمْتُ عَنْها. أللَّهُمَّ فإنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنّي قَدْ فَعَلْتُ ذالِكَ ابْتِغاءَ وَجْهكَ فافْرُجْ لَنا مِنْها، فَفَرَج لَهُمْ فُرْجَةً. وَقَالَ الآخَرُ: أللَّهُمَّ إنِّي كُنْتُ أسْتَأْجَرْتُ أجِيراً بِفرَقِ أرُزّ، فَلمَّا قَضَى عَمَلَهُ قَالَ: أعْطِنِي حَقِّي فَعَرَضتُ عَلَيْهِ حَقَّهُ فَتَرَكَهُ ورَغَبَ عَنْهُ، فَلَمْ أزَلْ أزْرَعُهُ حَتَّى جَمعْتُ مِنْهُ بَقَراً وراعِيَها، فَجاءَنِي فَقَالَ: اتَّقِ الله وَلَا تَظْلِمْنِي وأعْطِني حَقِّي. فَقُلْتُ: اذْهَبْ إِلَى ذَاك البَقَرِ وراعِيها، فَقَالَ: اتَّقِ الله وَلَا تَهْزَأْ بِي، فَقُلْتُ: إنِّي لَا أهْزَأُ بِكَ فَخُذْ ذالِكَ البَقَرَ وراعِيهَا. فأخَذَهُ فانْطَلَقَ بِها، فإنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنِّي فَعَلْتُ ذالِكَ ابْتِغاءَ وَجْهِكَ فافْرُجْ مَا بَقِيَ، فَفَرَجَ الله عَنْهُمْ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة فِي الرجل الأول من الثَّلَاثَة. والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب إِذا اشْترى شَيْئا لغيره بِغَيْر إِذْنه، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم عَن ابْن جريج عَن مُوسَى بن عقبَة عَن نَافِع عَن ابْن عمر، وَمضى أَيْضا فِي الْمُزَارعَة فِي: بَاب إِذا زرع بِمَال قوم بِغَيْر إذْنهمْ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر عَن أبي ضَمرَة عَن مُوسَى بن عقبَة عَن نَافِع إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ، ولنذكر بعض شَيْء لبعد الْمسَافَة.

قَوْله: (ثَلَاثَة نفر) النَّفر عدَّة رجال من ثَلَاثَة إِلَى عشرَة. قَوْله: (فمالوا إِلَى غَار) ويروى: فأووا إِلَى غَار، وَهُوَ الْكَهْف. قَوْله: (على فَم غارهم) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: على بَاب غارهم. قَوْله: (فأطبقت) فِي رِوَايَة الْكشميهني. فتطابقت من أطبقت الشَّيْء إِذا غطيته، وطبق الْغَيْم إِذا أصَاب مطره جَمِيع الأَرْض. قَوْله: (لَعَلَّه يفرجها) بِكَسْر الرَّاء، وَقَالَ ابْن التِّين: وَكَذَا قرأناه. قَوْله: (صبية) جمع: صبي وَهُوَ الْغُلَام. قَوْله: (فَإِذا رحت) من الرواح وَهُوَ الْمَجِيء آخر النَّهَار. قَوْله: (نأى بِي الشّجر) بالشين الْمُعْجَمَة وَالْجِيم عِنْد أَكثر الروَاة وَمَعْنَاهُ: تبَاعد عَن مكانتا الشّجر الَّتِي ترعاها مواشينا، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: السحر بالمهملتين. قَوْله: (أحلب) بِضَم اللَّام. قَوْله: (بالحلاب) بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة

📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني

(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) بن العاصي ، أنَّه (قَالَ: قَالَ رَجُلٌ) لم يُسمَّ، ويحتملُ أن يكونَ جَاهِمَة (١) بن العبَّاس (لِلنَّبِيِّ : أُجَاهِدُ؟) بضم الهمزة. (قَالَ) له: (ألَكَ أَبَوَانِ) لم يُسمَّيا (قَالَ: نَعَمْ. قَالَ) : إن كان لك أبوان (فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ) أي: ارجعْ فابلغْ جهدَك في برِّهما والإحسانِ إليهما، فإنَّ ذلك يكونُ لك مَقام قتالِ الكفَّار.

وهذا الحديثُ قد سبقَ في «بابِ الجهادِ بإذنِ الأبوينِ» من «كتاب الجهاد» [خ¦٣٠٠٤].

(٤) هذا (بابٌ) بالتَّنوين: (لَا يَسُبُّ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ) ولا أحدهما، أي: لا يكونُ سببًا لذلك، فالإسناد مجازيٌّ.

٥٩٧٣ - وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ يُونُسَ) هو أحمدُ بن عبد الله بن يونس الكوفيُّ، ونسبه لجدِّه، قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ) سعدِ بن عبد الرَّحمن بنِ عوف (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) أي ابن العاصي () أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ) ولأبي ذرٍّ: «النَّبيُّ» (: إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الكَبَائِرِ) وللتِّرمذيِّ «من الكبائر» والأولى تقتضِي أنَّ الكبائر متفاوتةٌ بعضها أكبر من بعضٍ، وإليه ذهب الجمهورُ، وإنَّما كان السَّبب من أكبر الكبائر؛ لأنَّه نوعٌ من العقوقِ، وهو إساءةٌ في مقابلةِ إحسان الوالدين، وكفرانٌ لحقوقهما (أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ) ترجم بلفظ السَّبِّ، وساقه بلفظ اللَّعن إشارةً إلى ما وقع في بقيَّة الحديث (قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟) هو استبعادٌ من السَّائل لأنَّ الطَّبع المستقيم يأبى ذلك (قَالَ) : (يَسُبُّ الرَّجُلُ) سقط لفظ «الرَّجل» للأَصيليِّ ولأبي (٢) الوقتِ (أَبَا الرَّجُلِ (٣)،

فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أَمَّهُ) زاد أبو ذرٍّ والأَصيليُّ وأبو الوقتِ: «فيسبُّ أمَّه» فبيَّن أنَّه وإن لم يتعاطَ السَّبَّ بنفسه فقد يقعُ منه التَّسبب، فإذا كان التَّسبب في لعنِ الوالدين من أكبرِ الكبائر، فالتَّصريح بلعنهما أشدُّ.

وهذا الحديث أخرجه مسلمٌ في «الإيمان» وأبو داود في «الأدبِ» والتِّرمذيُّ في «البرِّ».

(٥) (بابُ إِجَابَةِ دُعَاءِ مَنْ بَرَّ وَالِدَيْهِ).

📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني

أَن صعوبة الْحمل والوضع وَالرّضَاع والتربية تنفرد بهَا الْأُم وتشقى بهَا دون الْأَب، فَهَذِهِ ثَلَاث منَازِل يَخْلُو مِنْهَا الْأَب، وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة يدل على أَن طَاعَة الْأُم مُقَدّمَة وَهُوَ حجَّة على من خَالفه، وَزعم المحاسبي أَن تَفْضِيل الْأُم على الْأَب فِي الْبر وَالطَّاعَة هُوَ إِجْمَاع الْعلمَاء، وَقيل لِلْحسنِ: مَا بر الْوَالِدين؟ قَالَ: تبذل لَهما مَا ملكت وتطعيهما فِيمَا أمراك مَا لم يكن مَعْصِيّة.

قَوْله: (قَالَ ابْن شبْرمَة) أَي: قَالَ عبد الله بن شبْرمَة قَاضِي الْكُوفَة عَم عمَارَة كَمَا ذكرنَا، وَيحيى بن أَيُّوب حفيد أبي زرْعَة بن عَمْرو بن جرير شَيْخه فِي هَذَا الحَدِيث كِلَاهُمَا رويا بِالتَّعْلِيقِ عَن أبي زرْعَة الْمَذْكُور. قَوْله: (مثله) أَي: مثل الحَدِيث الْمَذْكُور، وَأما تَعْلِيق ابْن شبْرمَة فوصله مُسلم عَن أبي شيبَة: حَدثنَا شريك عَن عمَارَة وَابْن شبْرمَة عَن أبي زرْعَة فَذكره، وَأما تَعْلِيق يحيى بن أَيُّوب فوصله الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من حَدِيثه عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد عَن مُحَمَّد بن حَفْص: حَدثنَا سهل بن حَمَّاد حَدثنَا يحيى بن أَيُّوب عَن أبي زرْعَة بن عَمْرو بن جرير حَدثنَا جدي أَبُو زرْعَة بِهِ.

٣ - (بابٌ لَا يجاهِدُ إلَاّ بإذْنِ الأبَوَيْنِ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: لَا يُجَاهد الرجل إلَاّ بِإِذن أَبَوَيْهِ.

٥٩٧٢ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ حدّثنا يَحْيَى عَنْ سُفْيانَ وشُعْبَةَ، قَالَا: حَدثنَا حَبِيبُ.

(ح) قَالَ: وَحدثنَا مُحَمَّدُ بنُ كَثِير أخْبَرنا سُفْيانُ عَنْ حَبِيب عَنْ أبِي العَبَّاسِ عَنْ عَبْدِ الله بنِ عَمْروٍ قَالَ: قَالَ رجُلٌ لِلنبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أجاهِدُ؟ قَالَ: لَكَ أبَوَانِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: ففِيهِما فَجاهِدْ. (انْظُر الحَدِيث ٣٠٠٤) .

مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا أمره بِالْجِهَادِ إلَاّ فِي أَبَوَيْهِ، فيفهم مِنْهُ أَنه لَا يُجَاهد إلَاّ إِذا أذنا لَهُ بِالْجِهَادِ فيجاهد فَيكون جهاده مَوْقُوفا على إذنهما.

وَأخرجه من طَرِيقين: الأول: عَن مُسَدّد عَن يحيى الْقطَّان عَن سُفْيَان الثَّوْريّ وَشعْبَة بن الْحجَّاج كِلَاهُمَا يرويان عَن حبيب بن أبي ثَابت. الثَّانِي: عَن مُحَمَّد بن كثير بالثاء الْمُثَلَّثَة عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن حبيب عَن أبي الْعَبَّاس السَّائِب الشَّاعِر الْمَكِّيّ عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ، والْحَدِيث قد مر فِي الْجِهَاد فِي: بَاب الْجِهَاد بِإِذن الْأَبَوَيْنِ.

قَوْله: (ففيهما فَجَاهد) ، الْجَار وَالْمَجْرُور مُتَعَلق بمقدور وَهُوَ: جَاهد، وَالْمَذْكُور مُفَسّر لَهُ وَتَقْدِيره: إِن كَانَ لَك أَبَوَانِ فَجَاهد فيهمَا.

٤ - (بابٌ لَا يَسُبُّ الرَّجُلُ والدَيْهِ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ: لَا يسب الرجل وَالِديهِ، وَهَذَا الْإِسْنَاد مجازي لِأَنَّهُ صَار سَببا لسب وَالِديهِ.

٥٩٧٣ - حدَّثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ حَدثنَا إبْرَاهِيمُ بنُ سَعْدٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ حُمَيْد بنِ عَبْدِ الرَّحْمانِ عَنْ عَبْدِ الله بنِ عَمْروٍ رَضِي الله عنهُما، قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: إنَّ مِنْ أكْبَرِ الكَبائِرِ أنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ والدَيْهِ. قيل: يَا رسولَ الله! وكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ والِدَيْهِ؟ قَالَ: يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أباهُ ويَسُبُّ أُمَّهُ.

مطابقته للتَّرْجَمَة تفهم من معنى الحَدِيث. وَأحمد بن يُونُس هُوَ أَحْمد بن عبد الله بن يُونُس الْكُوفِي، وَإِبْرَاهِيم بن سعد يروي عَن أَبِيه سعد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَسعد يروي عَن حميد بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الْقرشِي الزُّهْرِيّ.

والْحَدِيث أخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن قُتَيْبَة وَآخَرين. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَدَب عَن مُحَمَّد بن جَعْفَر بن زِيَاد وَغَيره. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْبر عَن قُتَيْبَة بِهِ.

قَوْله: (من أكبر الْكَبَائِر أَن يلعن الرجل وَالِديهِ) ، وَلَفظ التِّرْمِذِيّ: (من الْكَبَائِر أَن يشْتم الرجل وَالِديهِ) ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَن سبّ الرجل وَالِديهِ كَبِيرَة، وَرِوَايَة البُخَارِيّ تَقْتَضِي أَنه من أكبر الْكَبَائِر وَبَينهمَا فرق من حَيْثُ إِن الْكَبَائِر مُتَفَاوِتَة وَبَعضهَا أكبر من بعض، وَهُوَ قَول الْعلمَاء، وعد أكبر الْكَبَائِر فِي حَدِيث أبي بكرَة على مَا يَجِيء ثَلَاثَة: الْإِشْرَاك بِاللَّه وعقوق الْوَالِدين وَقَول الزُّور، وَهُوَ شَهَادَة الزُّور وَاقْتصر فِي أكبر الْكَبَائِر على هَذِه الثَّلَاثَة، وَزَاد فِي حَدِيث بُرَيْدَة رَوَاهُ الْبَزَّار: منع فضل المَاء وَمنع الفجل، فَصَارَ كل ذَلِك خَمْسَة، وروى التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة أبي أُمَامَة عَن

عبد الله بن أنيس بِلَفْظ: إِن من أكبر الْكَبَائِر: الشّرك بِاللَّه وعقوق الْوَالِدين وَالْيَمِين الْغمُوس، فَصَارَ سِتَّة. وَحَدِيث عَمْرو بن حزم الطَّوِيل فِي الْمِائَة المنتقاة: (إِن أكبر الْكَبَائِر عِنْد الله يَوْم الْقِيَامَة: الشّرك بِاللَّه، وَقتل النَّفس المؤمنة بِغَيْر حق، والفرار فِي سَبِيل الله يَوْم الزَّحْف، وعقوق الْوَالِدين، وَرمي المحصنة، وَتعلم السحر، وَأكل الرِّبَا، وَأكل مَال الْيَتِيم) . فَصَارَت اثْنَي عشر، وروى الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من حَدِيث ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا: (الْخمر أم الْفَوَاحِش وأكبر الْكَبَائِر) ، وروى أَيْضا فِيهِ مَوْقُوفا على عبد الله بن عَمْرو: (أعظم الْكَبَائِر شرب الْخمر) ، وَمثله لَا يُقَال من قبل الرَّأْي، وَرُوِيَ أَيْضا فِي (الْكَبِير) من حَدِيث وَاثِلَة بن الْأَسْقَع قَالَ: سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَقُول: (إِن من أكبر الْكَبَائِر أَن يَقُول الرجل عَليّ مَا لم أقل) ، فَصَارَ الْمَجْمُوع أَربع عشر. وَأما مَا ورد فِي تعديد الْكَبَائِر من غير تَقْيِيد بأكبرها فَفِي (الصَّحِيحَيْنِ) من حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: (اجتنبوا السَّبع الموبقات {قَالُوا: يَا رَسُول الله} مَا هِيَ؟ قَالَ: الشّرك بِاللَّه، وَالسحر، وَقتل النَّفس الَّتِي حرم الله إلاّ بِالْحَقِّ، وَأكل الرِّبَا وَأكل مَال الْيَتِيم والتولي يَوْم الزَّحْف، وَقذف الْمُحْصنَات الْغَافِلَات الْمُؤْمِنَات) . وروى الْبَزَّار من حَدِيث ابْن عَبَّاس بِإِسْنَاد حسن: أَن رجلا قَالَ: يَا رَسُول الله {مَا الْكَبَائِر؟ قَالَ: الشّرك بِاللَّه، واليأس من روح الله، والقنوط من رَحْمَة الله. وروى الْحَاكِم فِي (الْمُسْتَدْرك) : من رِوَايَة عبيد بن عُمَيْر عَن أَبِيه أَنه حَدثهُ وَكَانَت لَهُ صُحْبَة: أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ فِي حجَّة الْوَدَاع ... الحَدِيث، وَفِيه: ويجتنب الْكَبَائِر، فَقَالَ: هِيَ تسع وَذكر مَا فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَزَاد: استحلال بَيت الله الْحَرَام قبلتكم أَحيَاء وأمواتاً، وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: (كل مَا نهى الله عَنهُ فَهُوَ كَبِيرَة) وَحكى الطَّبَرِيّ عَنهُ، قَالَ: (كل ذَنْب خَتمه الله بِنَار أَو لعنة أَو غضب فَهُوَ كَبِيرَة) وَقَالَ طَاوُوس: قيل لِابْنِ عَبَّاس: الْكَبَائِر سبغ؟ قَالَ: هِيَ إِلَى السّبْعين أقرب، وَقَالَ سعيد ابْن جُبَير: قَالَ رجل لِابْنِ عَبَّاس: الْكَبَائِر سبغ؟ قَالَ: هِيَ إِلَى السبعمائة أقرب مِنْهَا إِلَى السَّبع، غير أَنه لَا كَبِيرَة مَعَ اسْتِغْفَار وَلَا صَغِيرَة مَعَ إِصْرَار، وروى الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من حَدِيث سهل بن أبي خَيْثَمَة، قَالَ: سَمِعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، يَقُول: اجتنبوا السَّبع الْكَبَائِر ... الحَدِيث. وَفِيه: والتغرب بعد الْهِجْرَة، وروى الْبَيْهَقِيّ عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ: الْكَبَائِر ... فَذكر أَشْيَاء مِنْهَا: الْيَمين الْغمُوس الْفَاجِرَة، والغلول، وَمنع الزَّكَاة، وكتمان الشَّهَادَة، وَترك الصَّلَاة مُتَعَمدا وَأَشْيَاء مِمَّا فَرضهَا الله وَنقض الْعَهْد. وروى ابْن أبي الدُّنْيَا فِي (كتاب التَّوْبَة) عَن ابْن عَبَّاس: قَالَ: كل ذَنْب أصر عَلَيْهِ العَبْد كَبِيرَة، وَفِيه الرّبيع بن صبيح، وَقد اخْتلف فِيهِ. وَقَالَ شَيخنَا زين الدّين رَحمَه الله: اجْتمع من مَجْمُوع هَذِه الْأَحَادِيث المرفوعة والموقوفة نَحْو أَرْبَعِينَ من الْكَبَائِر ثمَّ ذكرهَا، فلنذكر مَا لم يذكر هَهُنَا، وَهُوَ: ادِّعَاء الرجل إِلَى غير أَبِيه، وإراءة عَيْنَيْهِ، والإصرار على الصَّغِيرَة، والانتفاء من ولد لَهُ، وبهت الْمُؤمن، والحقد، وَالزِّنَا، وَالسَّرِقَة، والسعاية ببرىء إِلَى ذِي سُلْطَان فيقتله، والغلول، والغيبة، واللواطة، ونسيان سُورَة أَو آيَة من الْقُرْآن، والنميمة. وَحكى الرَّافِعِيّ عَن جمَاعَة أَنهم عدوا من الْكَبَائِر: غصب المَال، والهروي شَرط فِي الْمَغْصُوب كَونه نِصَابا، وَحكي عَن صَاحب (الْعدة) أَنه أضَاف إِلَيْهَا: الْإِفْطَار فِي رَمَضَان بِلَا عذر، والخيانة فِي كيل أَو وزن، وَتَقْدِيم الصَّلَاة عَن وَقتهَا أَو تَأْخِيرهَا عَنهُ بِلَا عذر، وَضرب مُسلم بِلَا حق، وَسَب الصَّحَابَة، وَأخذ الرِّشْوَة، والدياثة، والقيادة من الرجل وَالْمَرْأَة، وَترك الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر مَعَ الْقُدْرَة، وإحراق الْحَيَوَان، وَامْتِنَاع الْمَرْأَة من زَوجهَا بِلَا سَبَب، وَيُقَال: والوقيعة فِي أهل الْعلم وَحَملَة الْقُرْآن. وَمِمَّا عد من الْكَبَائِر: أكل لحم الْخِنْزِير وَالْميتَة بِلَا عذر، حَكَاهُ الرَّافِعِيّ، وَنقل عَن الشَّافِعِي: أَن الْوَطْء فِي الْحيض كَبِيرَة. وَاخْتلفُوا فِي سَماع الأوتار وَلبس الْحَرِير وَالْجُلُوس عَلَيْهِ وَنَحْوهَا هَل هُوَ من الْكَبَائِر أَو الصَّغَائِر؟ فَمَال إِمَام الْحَرَمَيْنِ إِلَى أَنه من الْكَبَائِر، وَصحح الرَّافِعِيّ أَنه من الصَّغَائِر، وَالله أعلم. قَوْله: (قيل: يَا رَسُول الله} وَكَيف يلعن الرجل وَالِديهِ؟) هَذَا استبعاد من السَّائِل، لِأَن الطَّبْع الْمُسْتَقيم يَأْبَى ذَلِك، فَبين فِي الْجَواب أَنه وَإِن لم يتعاطى ذَلِك بِنَفسِهِ وَلكنه يكون سَببا لذَلِك، وَفِي هَذَا الزَّمَان من النَّاس الطَّعَام من يسب وَالِديهِ بل يضربهما، وَلَقَد شَاهد جمَاعَة ذَلِك من العققة الفجرة، وَرُبمَا

ذبح وَالِده، أَخْبرنِي بذلك جمَاعَة، وَكَثُرت هَذِه الْمُصِيبَة فِي الديار المصرية، نسْأَل الله الْعَفو والعافية.

٥ - (بابُ إجابَةِ دُعاءِ مَنْ بَرَّ والِدَيْهِ)

أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِجَابَة دُعَاء أَي قبُول دُعَاء من بر وَالِديهِ أَي: من أحسن إِلَيْهِمَا وَقَامَ بطاعتهما.

٥٩٧٤ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ أبي مَرْيَمَ حَدثنَا إسْماعِيلُ بنُ إبْرَاهِيمَ بنِ عُقْبَةَ، قَالَ: أَخْبرنِي نافِعٌ عَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهما، عَنْ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: بَيْنَما ثَلَاثَةُ نَفَر يَتَماشَوْن أخَذَهُمُ المَطَرُ فَمالُوا إِلَى غارٍ فِي الجَبَلِ فانْحَطتْ عَلَى فَمِ غارِهِمْ صَخْرَةٌ مِنَ الجَبَلِ فأطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا أعْمالاً عَمِلْتُمُوها لله صالِحَةً فادْعُوا الله بِها لَعَلَّهُ يَفْرِجُها، فَقَالَ أحَدُهُمْ: أللَّهُمَّ إنَّهُ كانَ لي والِدَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ ولي صِبْيَةٌ صغارٌ كُنْتُ أرْعَى عَلَيْهِمْ فإذَا رُحْتُ عَلَيْهِمْ فَحَلَبْتُ بَدَأتُ بِوَالِدَيَّ أسْقِيهِما قَبْلَ وَلَدي، وإنَّهُ نأَى بِي الشَّجَرُ فَما أتَيْتُ حَتَّى أمْسَيْتُ فَوَجَدْتُهُما قَدْ ناا، فَحَلَبْتُ كَما كُنْتُ أحْلُبُ فَجِئْتُ بالخلَابِ فَقُمْتُ عِنْدَ رُؤُوسِهِما أكْرَهُ أنْ أُوقظَهُما مِنْ نَوْمِهِما وأكْرَهُ أنْ أبْدَأ بالصِّبْيَةِ قَبْلهُما، والصِّبْيَةُ يَتضاغوْنَ عِنْدَ قَدَمَيَّ، فَلَمْ يَزَلْ ذَاكَ دأبي ودَأبَهُمْ حَتَّى طَلَعَ الفَجْرُ فإنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنِّي فَعَلْتُ ذالِكَ ابْتِغاءَ وَجْهِكَ فافْرُجْ لَنا فُرْجَةً نَراى مِنْها السَّماءَ، فَفَرَجَ الله لَهُمْ فُرْجَةً حَتَّى يَرَوْنَ مِنْها السَّماءَ. وَقَالَ الثَّاني: اللَّهُمَّ إنَّهُ كانَتْ لِي ابْنَةُ عَمّ أحِبُّها كأشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجالُ النّساءَ فَطَلَبْتُ إلَيْها نَفْسها فأبَتْ حَتّى آتِيهَا بِمائَةِ دِينارٍ، فَسَعَيْتُ حَتَّى جَمَعْتُ مائَةَ دِينارٍ فَلَقِيتُها بِها، فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْلَيْها قالَتْ: يَا عَبْدَ الله! اتَّقِ الله وَلَا تَفْتَحِ الخاتَمَ، فَقُمْتُ عَنْها. أللَّهُمَّ فإنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنّي قَدْ فَعَلْتُ ذالِكَ ابْتِغاءَ وَجْهكَ فافْرُجْ لَنا مِنْها، فَفَرَج لَهُمْ فُرْجَةً. وَقَالَ الآخَرُ: أللَّهُمَّ إنِّي كُنْتُ أسْتَأْجَرْتُ أجِيراً بِفرَقِ أرُزّ، فَلمَّا قَضَى عَمَلَهُ قَالَ: أعْطِنِي حَقِّي فَعَرَضتُ عَلَيْهِ حَقَّهُ فَتَرَكَهُ ورَغَبَ عَنْهُ، فَلَمْ أزَلْ أزْرَعُهُ حَتَّى جَمعْتُ مِنْهُ بَقَراً وراعِيَها، فَجاءَنِي فَقَالَ: اتَّقِ الله وَلَا تَظْلِمْنِي وأعْطِني حَقِّي. فَقُلْتُ: اذْهَبْ إِلَى ذَاك البَقَرِ وراعِيها، فَقَالَ: اتَّقِ الله وَلَا تَهْزَأْ بِي، فَقُلْتُ: إنِّي لَا أهْزَأُ بِكَ فَخُذْ ذالِكَ البَقَرَ وراعِيهَا. فأخَذَهُ فانْطَلَقَ بِها، فإنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنِّي فَعَلْتُ ذالِكَ ابْتِغاءَ وَجْهِكَ فافْرُجْ مَا بَقِيَ، فَفَرَجَ الله عَنْهُمْ.

مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة فِي الرجل الأول من الثَّلَاثَة. والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب إِذا اشْترى شَيْئا لغيره بِغَيْر إِذْنه، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم عَن ابْن جريج عَن مُوسَى بن عقبَة عَن نَافِع عَن ابْن عمر، وَمضى أَيْضا فِي الْمُزَارعَة فِي: بَاب إِذا زرع بِمَال قوم بِغَيْر إذْنهمْ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر عَن أبي ضَمرَة عَن مُوسَى بن عقبَة عَن نَافِع إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ، ولنذكر بعض شَيْء لبعد الْمسَافَة.

قَوْله: (ثَلَاثَة نفر) النَّفر عدَّة رجال من ثَلَاثَة إِلَى عشرَة. قَوْله: (فمالوا إِلَى غَار) ويروى: فأووا إِلَى غَار، وَهُوَ الْكَهْف. قَوْله: (على فَم غارهم) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: على بَاب غارهم. قَوْله: (فأطبقت) فِي رِوَايَة الْكشميهني. فتطابقت من أطبقت الشَّيْء إِذا غطيته، وطبق الْغَيْم إِذا أصَاب مطره جَمِيع الأَرْض. قَوْله: (لَعَلَّه يفرجها) بِكَسْر الرَّاء، وَقَالَ ابْن التِّين: وَكَذَا قرأناه. قَوْله: (صبية) جمع: صبي وَهُوَ الْغُلَام. قَوْله: (فَإِذا رحت) من الرواح وَهُوَ الْمَجِيء آخر النَّهَار. قَوْله: (نأى بِي الشّجر) بالشين الْمُعْجَمَة وَالْجِيم عِنْد أَكثر الروَاة وَمَعْنَاهُ: تبَاعد عَن مكانتا الشّجر الَّتِي ترعاها مواشينا، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: السحر بالمهملتين. قَوْله: (أحلب) بِضَم اللَّام. قَوْله: (بالحلاب) بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة

بسم الله الرحمن الرحيم الاثنين 17 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 18.2 / 29.5
الإضاءة 87%
الهلال الجديد بعد 11 يوم
سبحان الله