الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٥٩٧٤
الحديث رقم ٥٩٧٤ من كتاب «كتاب الأدب» في صحيح البخاري، تحت باب: باب إجابة دعاء من بر والديه.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
⦗٤⦘
وَلَا تَهْزَأْ بِي، فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَهْزَأُ بِكَ، فَخُذْ ذَلِكَ الْبَقَرَ وَرَاعِيَهَا، فَأَخَذَهُ فَانْطَلَقَ بِهَا، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ مَا بَقِيَ، فَفَرَجَ اللهُ عَنْهُمْ.»
٥٩٧٤ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ:
خرج ثلاثة من الناس يمشون فأمطرت عليهم السماء، فدخلوا في غار ليحتموا به من شدة المطر، فوقعت صخرة فسدت باب الغار، فقال بعضهم لبعض: ادعوا الله بأفضل عمل عملتموه؛ لعل الله أن يفرج عنكم ويزيل هذه الصخرة، فقال أحد الثلاثة: اللهم إنه كان لي أب وأم كبيران في السن، وكنت أخرج إلى المرعى فأرعى إبلي، ثم أجيء من المرعى، فأحلب إبلي، فأجيء باللبن فآتي به أبي وأمي فأناولهما إياه فيشربان، ثم أسقي أولادي الصغار وزوجتي وبقية أهلي من أخ وأخت، فتأخرت ليلة من الليالي بسبب أمر عرض لي، فإذا أبي وأمي نائمان، فحلبت كما كنت أحلب، فقمت عند رؤوسهما أكره أن أوقظهما، وأكره أن أسقي أولادي وأهلي قبلهما، وكان أولادي يبكون ويصرخون من شدة الجوع عند رجلي، فلم يزل ذلك شأني وشأنهما حتى طلع الفجر واستيقظا فسقيتهما ثم سقيت أولادي، فاللهم إن كنتَ تعلم أني فعلت ذلك طلبًا لمرضاتك، فأزح عنا هذه الصخرة قليلا حتى نرى السماء، ففرج الله عنهم فرجة رأوا منها السماء.
وقال الثاني: اللهم إني كنت أحب أمرأة من بنات عمي حبًّا شديدًا، فراودتها عن نفسها فامتنعت مني إلا أن أعطيها مائة دينار، فحصَّلت المائة دينار، ثم أعطيتها لها، فلما تمكنت منها وقعدت بين رجليها، قالت لي: خف الله ولا ترتكب الحرام، ولا تُزل بكارتي إلا بالحلال، فقمت من بين رجليها وتركتها، ولم أفعل بها شيئا، فاللهم إن كنتَ تعلم أني فعلت ذلك طلبا لمرضاتك، فأزح عنا من هذه الصخرة، ففرج الله عنهم ثلثي الموضع الذي عليه الصخرة.
وقال الثالث: اللهم إني استأجرتُ أجيرًا ليعمل لي عملا على أن أُعطيه ستة عشر رطلا من الذرة، فلما انتهى من عمله، أعطيته أجره فامتنع أن يأخذه، فأخذت الذرة فزرعتها، ولم أزل أزرعها وأبيعها حتى اشتريت منها بقرا وراعيها، ثم جاء الأجير بعد مدة فقال: يا عبد الله أعطني حقي. فقلت: انطلق إلى تلك البقر وراعيها فإنها لك فخذها جميعًا. فقال الأجير: أتسخر مني؟ فقلت: إني لا أسخر منك، ولكنها لك، فاللهم إن كنتَ تعلم أني فعلت ذلك طلبا لمرضاتك، ففرج عنا هذه الصخرة، ففرج الله عنهم ما بقي من باب المغارة، فخرجوا منها.
درجة الحديث: صحيح
المصدر: HadeethEnc.com — شرح مبسّط
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْأَكْثَرِ لَكِنْ قَدْ يَقَعُ مِنْهُ التَّسَبُّبُ فِيهِ وَهُوَ مِمَّا يُمْكِنُ وُقُوعَهُ كَثِيرًا. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ فِي سَدِّ الذَّرَائِعِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ آلَ فِعْلُهُ إِلَى مُحَرَّمٍ يَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْفِعْلُ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ إِلَى مَا يَحْرُمُ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الْآيَةَ. وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ الْمَاوَرْدِيُّ مَنْعَ بَيْعِ الثَّوْبِ الْحَرِيرِ مِمَّنْ يَتَحَقَّقُ أَنَّهُ يَلْبَسُهُ، وَالْغُلَامِ الْأَمْرَدِ مِمَّنْ يَتَحَقَّقُ أَنَّهُ يَفْعَلُ بِهِ الْفَاحِشَةَ، وَالْعَصِيرِ مِمَّنْ يَتَحَقَّقُ أَنَّهُ يَتَّخِذَهُ خَمْرًا. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى عِظَمِ حَقِّ الْأَبَوَيْنِ. وَفِيهِ الْعَمَلُ بِالْغَالِبِ لِأَنَّ الَّذِي يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ يَجُوزُ أَنْ يَسُبَّ الْآخَرُ أَبَاهُ وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَفْعَلَ، لَكِنَّ الْغَالِبَ أَنْ يُجِيبَهُ بِنَحْوِ قَوْلِهِ. وَفِيهِ مُرَاجَعَةُ الطَّالِبِ لِشَيْخِهِ فِيمَا يَقُولُهُ مِمَّا يُشْكِلُ عَلَيْهِ، وَفِيهِ إِثْبَاتُ الْكَبَائِرِ وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ قَرِيبًا، وَفِيهِ أَنَّ الْأَصْلَ يَفْضُلُ الْفَرْعَ بِأَصْلِ الْوَضْعِ وَلَوْ فَضَلَهُ الْفَرْعُ بِبَعْضِ الصِّفَاتِ.
٥ - بَاب إِجَابَةِ دُعَاءِ مَنْ بَرَّ وَالِدَيْهِ
٥٩٧٤ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قال: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: بَيْنَمَا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ يَتَمَاشَوْنَ أَخَذَهُمْ الْمَطَرُ، فَمَالُوا إِلَى غَارٍ فِي الْجَبَلِ، فَانْحَطَّتْ عَلَى فَمِ غَارِهِمْ صَخْرَةٌ مِنْ الْجَبَلِ فَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا لِلَّهِ صَالِحَةً فَادْعُوا اللَّهَ بِهَا لَعَلَّهُ يَفْرُجُهَا. فَقَالَ أَحَدُهُمْ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَلِي صِبْيَةٌ صِغَارٌ كُنْتُ أَرْعَى عَلَيْهِمْ، فَإِذَا رُحْتُ عَلَيْهِمْ فَحَلَبْتُ بَدَأْتُ بِوَالِدَيَّ أَسْقِيهِمَا قَبْلَ وَلَدِي، وَإِنَّهُ نَاءَ بِيَ الشَّجَرُ فَمَا أَتَيْتُ حَتَّى أَمْسَيْتُ، فَوَجَدْتُهُمَا قَدْ نَامَا، فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ، فَجِئْتُ بِالْحِلَابِ فَقُمْتُ عِنْدَ رُءُوسِهِمَا، أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا مِنْ نَوْمِهِمَا، وَأَكْرَهُ أَنْ أَبْدَأَ بِالصِّبْيَةِ قَبْلَهُمَا وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمَيَّ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي وَدَأْبَهُمْ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ. فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا فُرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ، فَفَرَجَ اللَّهُ لَهُمْ فُرْجَةً حَتَّى يَرَوْنَ مِنْهَا السَّمَاءَ.
وَقَالَ الثَّانِي: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَتْ لِي ابْنَةُ عَمٍّ أُحِبُّهَا كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ، فَطَلَبْتُ إِلَيْهَا نَفْسَهَا فَأَبَتْ حَتَّى آتِيَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَسَعَيْتُ حَتَّى جَمَعْتُ مِائَةَ دِينَارٍ فَلَقِيتُهَا بِهَا، فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا قَالَتْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَفْتَحْ الْخَاتَمَ إلا بحقه، فَقُمْتُ عَنْهَا، اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي قَدْ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا، فَفَرَجَ لَهُمْ فُرْجَةً. وَقَالَ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنِّي كُنْتُ اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرَقِ أَرُزٍّ، فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ، قَالَ: أَعْطِنِي حَقِّي، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَقَّهُ، فَتَرَكَهُ وَرَغِبَ عَنْهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعُهُ حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَرَاعِيَهَا، فَجَاءَنِي وقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَظْلِمْنِي وَأَعْطِنِي حَقِّي. فَقُلْتُ: اذْهَبْ إِلَى تلكَ الْبَقَرِ وَرَاعِيهَا. فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَهْزَأْ بِي. فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَهْزَأُ بِكَ، فَخُذْ ذَلِكَ الْبَقَرَ وَرَاعِيَهَا، فَأَخَذَهُ فَانْطَلَقَ. فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ مَا بَقِيَ، فَرَجَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٥٩٧٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيدُ بن الحَكَم بن محمَّد بن سالم (١) بن أبي مريم، أبو محمَّدٍ الجُمَحيُّ، مَولاهم المصريُّ (٢) قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ) الأسديُّ مَولاهم، أبو إسحاقُ المدنيُّ الثِّقة، تُكُلِّمَ فيه بلا حجَّةٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «أَخْبرنا» (نَافِعٌ) مولى ابنِ عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ) أنَّه (قَالَ: بَيْنَمَا) بالميم (ثَلَاثَةُ نَفَرٍ) ممَّن كان قبلكم (يَتَمَاشَوْنَ أَخَذَهُمُ المَطَرُ، فَمَالُوا) وللأَصيليِّ: «فأووا» (إِلَى غَارٍ فِي الجَبَلِ) وللأَصيليِّ: «في جبلٍ» (فَانْحَطَّتْ) بالحاء والطاء المشددة المهملتين (عَلَى فَمِ غَارِهِمْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «على بابِ غارهِم» (صَخْرَةٌ مِنَ الجَبَلِ، فَأَطْبَقَتْ) بهمزة قطعٍ مفتوحة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «فتطابقتْ» (عَلَيْهِمْ) من أَطْبَقْتُ الشَّيء إذا غطَّيتُه (فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا لِلَّهِ صَالِحَةً) أي خالصةً لوجههِ لا رياءَ فيها ولا سُمْعة، كما يدلُّ عليه قوله بعدُ: ابتغاءِ وجهكَ (فَادْعُوا اللهَ بِهَا لَعَلَّهُ يَفْرُجُهَا) بفتح أوله وسكون الفاء وضم الراء، كذا في الفرع مُصَلَّحةً على كشطٍ لفتحةِ أوَّله، وقال العينيُّ: بكسر الراءِ. قال: وقال ابن التين: وكذا قرأناهُ (فَقَالَ أَحَدُهُمُ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَلِي صِبْيَةٌ صِغَارٌ) بكسر الصاد، جمع صبيٍّ (كُنْتُ أَرْعَى عَلَيْهِمْ) ضمَّن «أرعى» مَعنى الإنفاق، وعدَّاه بعلى، أي: أنفقُ عليهم راعيًا الغنيمات (فَإِذَا رُحْتُ عَلَيْهِمْ (٣)) أي إذا رددتُ الماشية من المرعى إلى موضع مبيتِها، فضمَّن «رُحْت» معنى رَدَدت (فَحَلَبْتُ) عطف على «رُحْت» وجواب «فإذا» قوله: (بَدَأْتُ بِوَالِدَيَّ) بفتح الدال على التَّثنية، حالَ كوني (أَسْقِيهِمَا) أو أسقيهما استئنافُ بيانٍ للعلَّة (قَبْلَ وَلَدِي) بكسر الدال وتخفيف التَّحتية (وَإِنَّهُ نَأَى) بتقديم النون على الهمزة، أي: بَعُد (بِيَ الشَّجَرُ) الَّتي ترعاهُ (٤) المواشي، والشَّجر: بالشين المعجمة والجيم، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «السَّحر» بالسين والحاء المهملتين. قال في «الفتح»: والأوَّل أولى، فإنَّ في الخبرِ أنَّه رجعَ بعد أن نامَا (٥) فأقامَ ينتظرُ استيقاظهما إلى
الصَّباح حتَّى انتبها من قبل أنفسهمَا، وزاد المُستملي: «يومًا» (فَمَا أَتَيْتُ) من المرعى (حَتَّى أَمْسَيْتُ، فَوَجَدْتُهُمَا قَدْ نَامَا، فَحَلَبْتُ) بفتح اللام (كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ) بضم اللام (فَجِئْتُ بِالحِلَابِ) بكسر الحاء المهملة، أي: الإناء الَّذي يُحْلَبُ فيه أو باللَّبن المحلوب (فَقُمْتُ عِنْدَ رُؤُوسِهِمَا، أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا) بضم الهمزة (مِنْ نَوْمِهِمَا، وَأَكْرَهُ أَنْ أَبْدَأَ بِالصِّبْيَةِ) في السَّقي (قَبْلَهُمَا، وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ) بالضاد والغين المعجمتين المفتوحتين بينهما ألف وبعد الواو الساكنة نون، يضجُّون ويصيحون من الجوعِ (عِنْدَ قَدَمَيَّ) بلفظ التَّثنية، ولعلَّه (١) كان في شريعتِهم تقديمُ نفقةِ الأصول على الفروعِ (فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي وَدَأْبَهُمْ) أي: دأبَ الوالدين والصِّبيَّة (حَتَّى طَلَعَ الفَجْرُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ) بضم الراء (لَنَا) في هذه الصَّخرة (فُرْجَةً) بضم الفاء وسكون الراء (نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ، فَفَرَجَ اللهُ) ﷿، بتخفيف الراء من ففرجَ الله (لَهُمْ فُرْجَةً حَتَّى يَرَوْنَ مِنْهَا السَّمَاءَ) بإثبات النون لأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي، وبحذفها له عن الكُشميهنيِّ، وسقط للأَصيليِّ لفظ «فُرْجة» (وَقَالَ الثَّانِي: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانت لِي ابْنَةُ عَمٍّ) ولأبي ذرٍّ: «بنت عمٍّ» (أُحِبُّهَا) بضم الهمزة وكسر الحاء المهملة (كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «الرجل» بالإفراد، وأشدُّ صفة مصدرٍ محذوفٍ، و «ما» مصدريَّة، أي: أحبُّها حبًّا مثل أشدِّ حبِّ الرِّجال النِّساء (فَطَلَبْتُ إِلَيْهَا نَفْسَهَا) قال في «النهاية»: يقال: طلب إليَّ (٢) فلانٌ فأَطْلَبتُه، أي: أسعفْتُه بما طلبَ، والطَّلِبَة (٣) الحاجةُ، والإطلابُ إنجازُها، وقال في «شرح المشكاة»: يجوز أن يضمنَ فيه مَعنى الإرسال، أي: أرسلتُ إليها طالبًا نفسها (فَأَبَتْ) أي: فامتنعَتْ (٤) (حَتَّى آتِيَهَا بِمِئَةِ دِينَارٍ، فَسَعَيْتُ حَتَّى جَمَعْتُ مِئَةَ دِينَارٍ، فَلَقِيتُهَا بِهَا) بكسر القاف، أي: فلقيتُ ابنة عمِّي بالمئة دينارٍ (فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا، قَالَتْ: يَا عَبْدَ اللهِ اتَّقِ اللهَ، وَلَا تَفْتَحِ الخَاتَمَ) كنايةً عن البكارةِ، إلَّا بحقِّه (فَقُمْتُ عَنْهَا) وهي أحبُّ النَّاس إليَّ (اللَّهُمَّ فَإِنْ) قال في «شرح المشكاة»: عطف على مقدَّر، أي: اللَّهم فعلت ذلك فإن (كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي قَدْ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ) وسقط «قد»
للأَصيليِّ وأبي ذرٍّ (١) (فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا) من الصَّخرة فُرْجة (فَفَرَجَ) الله (لَهُمْ فُرْجَةً). ويجوز أن تكون «اللَّهم» مُقحمة بين المعطوفِ والمعطوفِ عليه؛ لتأكيدِ الابتهال والتَّضرُّع إلى الله تعالى، فلا يُقدَّر معطوفٌ عليه، ويدلُّ عليه القرينةُ السَّابقة واللَّاحقة، وإنَّما كرَّر «اللَّهم» في هذهِ القرينةِ دون أختيهَا لأنَّ هذا المقام أصعبُ المقاماتِ وأشقُّها، فإنَّه ردعٌ لهوى النَّفس خوفًا من الله تعالى ومقامه. قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى. فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١] قال (٢) الشَّيخ أبو حامد: شهوة الفرجِ أغلبُ الشَّهوات على الإنسانِ وأَعْصاها عند الهيجانِ على العقلِ، فمن تركَ الزِّنا خوفًا من الله مع القدرةِ، وارتفاعِ الموانعِ، وتيسُّر الأسبابِ لا سيَّما عند صدقِ الشَّهوة نالَ درجةَ الصِّديقين (وَقَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنِّي كُنْتُ اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا) واحدًا (بِفَرَقِ أَرُزٍّ) بفتح الهمزة وضم الراء وتشديد الزاي، والفرَق -بفتح الراء- مكيالٌ يسعُ تسعة عشر رطلًا، وهي اثنا عشر مدًّا وثلاثة آصُع عندَ أهل الحجازِ (فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ، قَالَ: أَعْطِنِي حَقِّي) بقطع الهمزة (فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَقَّهُ، فَتَرَكَهُ وَرَغِبَ عَنْهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعُهُ حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَرَاعِيَهَا، فَجَاءَنِي فَقَالَ: اتَّقِ اللهَ وَلَا تَظْلِمْنِي، وَأَعْطِنِي حَقِّي) بفتح الهمزة (فَقُلْتُ: اذْهَبْ إِلَى ذَلِكَ البَقَرِ) بالتَّذكير، وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ: «إلى تلك البقر» اسمُ جمع (٣) يجوزُ تذكيرهُ وتأنيثُه (وَرَاعِيهَا. فَقَالَ: اتَّقِ اللهَ وَلَا تَهْزَأْ بِي) بهمزةٍ ساكنةٍ، مجزومًا (٤) على النَّهي (فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَهْزَأُ بِكَ، فَخُذْ ذَلِكَ) وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «تلك» (البَقَرَ وَرَاعِيَهَا، فَأَخَذَهُ فَانْطَلَقَ بِهَا (٥)، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ) لنا (مَا بَقِيَ) من هذه الصَّخرة (فَفَرَجَ اللهُ) ﷿ (عَنْهُمْ) وسقط من قولهِ: «وقال الثَّاني … » إلى آخره لأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي، وقال بعد قولهِ: يرون منها السَّماء: «وقصَّ الحديثَ بطولهِ».
وهذا الحديثُ سبقَ في «باب إذا اشترى شيئًا لغيره بغير إذنه» من «كتاب البيوع» [خ¦٢٢١٥].
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
ذبح وَالِده، أَخْبرنِي بذلك جمَاعَة، وَكَثُرت هَذِه الْمُصِيبَة فِي الديار المصرية، نسْأَل الله الْعَفو والعافية.
٥ - (بابُ إجابَةِ دُعاءِ مَنْ بَرَّ والِدَيْهِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِجَابَة دُعَاء أَي قبُول دُعَاء من بر وَالِديهِ أَي: من أحسن إِلَيْهِمَا وَقَامَ بطاعتهما.
٥٩٧٤ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ أبي مَرْيَمَ حَدثنَا إسْماعِيلُ بنُ إبْرَاهِيمَ بنِ عُقْبَةَ، قَالَ: أَخْبرنِي نافِعٌ عَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهما، عَنْ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: بَيْنَما ثَلَاثَةُ نَفَر يَتَماشَوْن أخَذَهُمُ المَطَرُ فَمالُوا إِلَى غارٍ فِي الجَبَلِ فانْحَطتْ عَلَى فَمِ غارِهِمْ صَخْرَةٌ مِنَ الجَبَلِ فأطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا أعْمالاً عَمِلْتُمُوها لله صالِحَةً فادْعُوا الله بِها لَعَلَّهُ يَفْرِجُها، فَقَالَ أحَدُهُمْ: أللَّهُمَّ إنَّهُ كانَ لي والِدَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ ولي صِبْيَةٌ صغارٌ كُنْتُ أرْعَى عَلَيْهِمْ فإذَا رُحْتُ عَلَيْهِمْ فَحَلَبْتُ بَدَأتُ بِوَالِدَيَّ أسْقِيهِما قَبْلَ وَلَدي، وإنَّهُ نأَى بِي الشَّجَرُ فَما أتَيْتُ حَتَّى أمْسَيْتُ فَوَجَدْتُهُما قَدْ ناا، فَحَلَبْتُ كَما كُنْتُ أحْلُبُ فَجِئْتُ بالخلَابِ فَقُمْتُ عِنْدَ رُؤُوسِهِما أكْرَهُ أنْ أُوقظَهُما مِنْ نَوْمِهِما وأكْرَهُ أنْ أبْدَأ بالصِّبْيَةِ قَبْلهُما، والصِّبْيَةُ يَتضاغوْنَ عِنْدَ قَدَمَيَّ، فَلَمْ يَزَلْ ذَاكَ دأبي ودَأبَهُمْ حَتَّى طَلَعَ الفَجْرُ فإنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنِّي فَعَلْتُ ذالِكَ ابْتِغاءَ وَجْهِكَ فافْرُجْ لَنا فُرْجَةً نَراى مِنْها السَّماءَ، فَفَرَجَ الله لَهُمْ فُرْجَةً حَتَّى يَرَوْنَ مِنْها السَّماءَ. وَقَالَ الثَّاني: اللَّهُمَّ إنَّهُ كانَتْ لِي ابْنَةُ عَمّ أحِبُّها كأشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجالُ النّساءَ فَطَلَبْتُ إلَيْها نَفْسها فأبَتْ حَتّى آتِيهَا بِمائَةِ دِينارٍ، فَسَعَيْتُ حَتَّى جَمَعْتُ مائَةَ دِينارٍ فَلَقِيتُها بِها، فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْلَيْها قالَتْ: يَا عَبْدَ الله! اتَّقِ الله وَلَا تَفْتَحِ الخاتَمَ، فَقُمْتُ عَنْها. أللَّهُمَّ فإنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنّي قَدْ فَعَلْتُ ذالِكَ ابْتِغاءَ وَجْهكَ فافْرُجْ لَنا مِنْها، فَفَرَج لَهُمْ فُرْجَةً. وَقَالَ الآخَرُ: أللَّهُمَّ إنِّي كُنْتُ أسْتَأْجَرْتُ أجِيراً بِفرَقِ أرُزّ، فَلمَّا قَضَى عَمَلَهُ قَالَ: أعْطِنِي حَقِّي فَعَرَضتُ عَلَيْهِ حَقَّهُ فَتَرَكَهُ ورَغَبَ عَنْهُ، فَلَمْ أزَلْ أزْرَعُهُ حَتَّى جَمعْتُ مِنْهُ بَقَراً وراعِيَها، فَجاءَنِي فَقَالَ: اتَّقِ الله وَلَا تَظْلِمْنِي وأعْطِني حَقِّي. فَقُلْتُ: اذْهَبْ إِلَى ذَاك البَقَرِ وراعِيها، فَقَالَ: اتَّقِ الله وَلَا تَهْزَأْ بِي، فَقُلْتُ: إنِّي لَا أهْزَأُ بِكَ فَخُذْ ذالِكَ البَقَرَ وراعِيهَا. فأخَذَهُ فانْطَلَقَ بِها، فإنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنِّي فَعَلْتُ ذالِكَ ابْتِغاءَ وَجْهِكَ فافْرُجْ مَا بَقِيَ، فَفَرَجَ الله عَنْهُمْ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة فِي الرجل الأول من الثَّلَاثَة. والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب إِذا اشْترى شَيْئا لغيره بِغَيْر إِذْنه، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم عَن ابْن جريج عَن مُوسَى بن عقبَة عَن نَافِع عَن ابْن عمر، وَمضى أَيْضا فِي الْمُزَارعَة فِي: بَاب إِذا زرع بِمَال قوم بِغَيْر إذْنهمْ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر عَن أبي ضَمرَة عَن مُوسَى بن عقبَة عَن نَافِع إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ، ولنذكر بعض شَيْء لبعد الْمسَافَة.
قَوْله: (ثَلَاثَة نفر) النَّفر عدَّة رجال من ثَلَاثَة إِلَى عشرَة. قَوْله: (فمالوا إِلَى غَار) ويروى: فأووا إِلَى غَار، وَهُوَ الْكَهْف. قَوْله: (على فَم غارهم) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: على بَاب غارهم. قَوْله: (فأطبقت) فِي رِوَايَة الْكشميهني. فتطابقت من أطبقت الشَّيْء إِذا غطيته، وطبق الْغَيْم إِذا أصَاب مطره جَمِيع الأَرْض. قَوْله: (لَعَلَّه يفرجها) بِكَسْر الرَّاء، وَقَالَ ابْن التِّين: وَكَذَا قرأناه. قَوْله: (صبية) جمع: صبي وَهُوَ الْغُلَام. قَوْله: (فَإِذا رحت) من الرواح وَهُوَ الْمَجِيء آخر النَّهَار. قَوْله: (نأى بِي الشّجر) بالشين الْمُعْجَمَة وَالْجِيم عِنْد أَكثر الروَاة وَمَعْنَاهُ: تبَاعد عَن مكانتا الشّجر الَّتِي ترعاها مواشينا، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: السحر بالمهملتين. قَوْله: (أحلب) بِضَم اللَّام. قَوْله: (بالحلاب) بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة
وَتَخْفِيف اللَّام وبالباء الْمُوَحدَة أَي: المحلوب، وَقيل: هُوَ الْإِنَاء الَّتِي يحلب فِيهَا. قَوْله: (أَن أوقظهما) بِضَم الْهمزَة من الإيقاظ قَوْله: (يتضاغون) بالضاد وبالغين المعجمتين أَي: يصيحون، من ضغا إِذا صَاح وكل صَوت ذليل مقهور يُسمى ضغواً، تَقول: ضغا يضغو ضغواً وضغاء، وَقَالَ الدَّاودِيّ: يتضاغون أَي: يَبْكُونَ ويتوجعون، قيل: نَفَقَة الْأَوْلَاد مُقَدّمَة على نَفَقَة الْأُصُول. وَأجِيب بِأَن دينهم لَعَلَّه كَانَ بِخِلَاف ذَلِك أَو كَانُوا يطْلبُونَ الزَّائِد على سد الرمق، أَو كَانَ صِيَاحهمْ لغير ذَلِك. قَوْله: (فافرج لنا فُرْجَة) بِضَم الْفَاء من فُرْجَة الْحَائِط وَهُوَ المُرَاد هُنَا، وَأما الفرجة بِالْفَتْح فَهِيَ عَن الكرب والهم. قَوْله: (حَتَّى يرَوْنَ) وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ: حَتَّى رَأَوْا. قَوْله: (مَا يحب الرِّجَال) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: الرجل، بِالْإِفْرَادِ. قَوْله: (لَا تفتح الْخَاتم) ، كِنَايَة عَن إِزَالَة الْبكارَة. قَوْله: (اللَّهُمَّ) كرر هَذِه اللَّفْظَة لِأَن هَذَا الْمقَام أصعب المقامات، فَإِنَّهُ ردع لهوى النَّفس. قَوْله: (بفرق) بِفَتْح الرَّاء وَقد تسكن، وَأنكر القتبي إسكانها وَهُوَ مَكِيل مَعْرُوف بِالْمَدِينَةِ: سِتَّة عشر رطلا. قَوْله: (أرز) قد مر فِيمَا مضى أَن فِيهِ تسع لُغَات فَإِن قلت: بَاب الْبيُوع: من ذرة، وَهنا وَفِي بَاب الْإِجَارَة: فرق أرز؟ قلت: لَعَلَّه كَانَ بعضه من ذرة وَبَعضه من أرز. قَوْله: (إذهب إِلَى ذَلِك الْبَقر) ذكر إسم الْإِشَارَة بِاعْتِبَار السوَاد المرئي، وأنث الضَّمِير الرَّاجِع إِلَى الْبَقر بِاعْتِبَار جمعية الْجِنْس. قَوْله: (فَأَخذه وَانْطَلق بهَا) ذكر الضَّمِير فِي: أَخذه، وأنَّثه فِي: بهَا، وَوَجهه مَا ذَكرْنَاهُ، ويروى: فَأَخذهَا، وَرُوِيَ: فَخذ تِلْكَ الْبَقر.
٦ - (بابٌ عُقُوقُ الوالِدَيْنِ مِنَ الكَبائِرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن عقوق الْوَالِدين من الْكَبَائِر، وَقَالَ بَعضهم: بَاب، التَّنْوِين. قلت: لَا يَصح بِالتَّنْوِينِ إلَاّ بِشَيْء مُقَدّر لِأَن شَرط الْإِعْرَاب التَّرْكِيب. والعقوق مُشْتَقّ من العق وَهُوَ الشق وَالْقطع، وَقد فرق الْجَوْهَرِي بَين مصدر قَوْله: عق عَن وَلَده، وَبَين مصدر: عق وَالِده، فَقَالَ: وعق عَن وَلَده يعق عقاً إِذا ذبح عَنهُ يَوْم أسبوعه، وَكَذَلِكَ إِذا حلق عقيقته، وعق وَالِده عقوقاً ومعقة فَهُوَ عَاق وعقق وَالْجمع عققة. مثل كفرة. وَأما صَاحب (الْمُحكم) فصدر كَلَامه بالتسوية بَينهمَا، وَقَالَ: عقه يعقه عقاً فَهُوَ معقق وعقيق شقَّه، قَالَ: وعق عَن ابْنه يعق ويعق حلق عقيقته أَو ذبح عَنهُ شَاة، وَاسم تِلْكَ الشَّاة: الْعَقِيقَة قَالَ: وعق وَالِده يعقه عقوقاً شقّ عَصا طَاعَته، قَالَ: وَرجل عُقُق وعقق وعق وعاقٍ، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: عق وَالِده إِذا آذاه وَعَصَاهُ وَخرج عَلَيْهِ، قَالَ: وَهُوَ ضد الْبر، وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: ضبط الْوَاجِب من الطَّاعَة لَهما وَالْمحرم من العوق مَا لَهما فِيهِ عسر. ورتب العقوق مُخْتَلفَة، وَقَالَ ابْن عبد السَّلَام: لم أَقف فِي عقوق الْوَالِدين وَلَا فِيمَا يختصان بِهِ من الْحُقُوق على ضَابِط اعْتمد عَلَيْهِ، فأيما يحرم فِي حق الْأَجَانِب فَهُوَ حرَام فِي حَقّهمَا وَمَا يجب للأجانب فَهُوَ وَاجِب لَهما، وَلَا يجب على الْوَلَد طاعتهما فِي كل مَا يأمران بِهِ وَلَا فِي كل مَا ينهيان عَنهُ بِاتِّفَاق الْعلمَاء، وَقَالَ الشَّيْخ تفي الدّين السُّبْكِيّ: إِن ضَابِط العقوق إيذاؤهما بِأَيّ نوع كَانَ من أَنْوَاع الْأَذَى. قل أَو كثر، نهيا عَنهُ أَو لم ينهيا أَو يخالفهما فِيمَا يأمران أَو ينهيان بِشَرْط انْتِفَاء الْمعْصِيَة فِي الْكل، وَحكى قَول الْغَزالِيّ: أَن أَكثر الْعلمَاء على وجوب طاعتهما فِي الشُّبُهَات، وَوَافَقَهُمَا عَلَيْهِ، وَحكى قَول الطرطوسي من الْمَالِكِيَّة: أَنَّهُمَا إِذا نهياه عَن سنية راتبة الْمرة بعد الْمرة أَطَاعَهُمَا، وَإِن كَانَ ذَلِك على الدَّوَام فَلَا طَاعَة لَهما فِيهِ لما فِيهِ من إماتة الشَّرْع، وَوَافَقَهُ على ذَلِك أَيْضا.
قالَهُ ابْنُ عُمَرَ عَنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
هَذَا التَّعْلِيق وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر عمر بِضَم الْعين وَوَقع للأصيلي: عمر، وَبِفَتْحِهَا وَكَذَا فِي بعض النّسخ عَن أبي ذَر، وَهُوَ الْمَحْفُوظ، وَوَصله البُخَارِيّ فِي كتاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور من رِوَايَة الشّعبِيّ عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: الْكَبَائِر الْإِشْرَاك بِاللَّه وعقوق الْوَالِدين وَقتل النَّفس وَالْيَمِين الْغمُوس، وَأخرج النَّسَائِيّ لِابْنِ عمر حَدِيثا فِي الْعَاق بِلَفْظ: ثَلَاثَة لَا ينظر الله إِلَيْهِم يَوْم الْقِيَامَة: الْعَاق لوَالِديهِ ومدمن الْخمر والمنان، وَأخرجه الْبَزَّار أَيْضا وَابْن حبَان وَصَححهُ وَالْحَاكِم كَذَلِك.
٥٩٧٥ - حدَّثنا سَعْدُ بنُ حَفْصٍ حَدثنَا شَيْبانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنِ المُسَيَّبِ عَنْ ورَّادٍ عَنِ المُغِيرَةِ
عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: إنَّ الله حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الأُمَّهاتِ ومَنْعَ وهاتِ وَوَأْدَ البَناتِ، وكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ وكَثْرَةَ السُّؤَالِ وإضاعَة المَالِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة فِي عقوق الْأُمَّهَات. والترجمة فِي عقوق الْوَالِدين، وَلَا اعْتِرَاض من هَذِه الْحَيْثِيَّة لِأَن ذكر الْأُمَّهَات فِي الحَدِيث لَيْسَ للتخصيص بالحكم، بل لِأَن الْغَالِب ذَلِك لعجزهن، وَقيل: لِأَن لعقوق الْأُمَّهَات مزية فِي الْقبْح أَو اكْتفى بِذكر أحد الْوَالِدين عَن الآخر.
وَسعد بن حَفْص أَبُو مُحَمَّد الطلحي الْكُوفِي، يُقَال لَهُ الضخم، وَانْفَرَدَ بِهِ البُخَارِيّ عَن الْخَمْسَة وَلَيْسَ فِي شيوخهم من اسْمه سعد سَوَاء، مَاتَ سنة خمس عشرَة وَمِائَتَيْنِ، وشيبان بن عبد الرَّحْمَن النَّحْوِيّ، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَالْمُسَيب على وزن إسم الْمَفْعُول من التسييب ابْن رَافع الْكَاهِلِي، ووراد بِفَتْح الْوَاو وَتَشْديد الرَّاء مولى الْمُغيرَة، والمغيرة هُوَ ابْن شُعْبَة، وَفِي بعض النّسخ ذكر وَالِده.
والْحَدِيث مضى فِي الزَّكَاة فِي: بَاب قَول الله عز وَجل: { (٢) لَا يسْأَلُون النَّاس إلحافاً} (الْبَقَرَة: ٢٧٣) وَمضى فِي الاستقراض أَيْضا عَن عُثْمَان عَن جرير، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (وَمنع وهات) ، أَي: حرم عَلَيْكُم منع مَا عَلَيْكُم إِعْطَاؤُهُ وَطلب مَا لَيْسَ لكم أَخذه، وَقيل: نهى عَن منع الْوَاجِب من مَاله وأقواله وأفعاله وَعَن استدعاء مَا لَا يجب عَلَيْهِم من الْحُقُوق، وَمنع بِغَيْر تَنْوِين وَقع فِيمَا تقدم. قَوْله: (وهات) بِكَسْر التَّاء فعل أَمر من الإيتاء، وَقَالَ الْخَلِيل: أصل هَات آتٍ فقلبت الْهمزَة هَاء، وَقَالَ بَعضهم: فقلبت الْألف وَهَذَا غلط لَا يخفى. قَوْله: (ووأد الْبَنَات) أَي: وَحرم أَيْضا، وأد الْبَنَات وَهُوَ دفنهن بِالْحَيَاةِ، يُقَال: وأدها يئدها وأداً فَهِيَ مؤودة، ذكرهَا الله فِي كِتَابه، وَكَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يَفْعَلُونَ ذَلِك كَرَاهَة فِيهِنَّ. وَيُقَال: إِن أول من فعل ذَلِك قيس بن عَاصِم التَّمِيمِي، وَكَانَ بعض أعدائه أغار عَلَيْهِ فَأسر بنته فاتخذها لنَفسِهِ ثمَّ حصل بَينهم صلح فَخير ابْنَته فَاخْتَارَتْ زَوجهَا، فآلى قيس على نَفسه أَن لَا تولد لَهُ بنت إلَاّ دَفنهَا حَيَّة، فَتَبِعَهُ الْعَرَب على ذَلِك، وَكَانَ من الْعَرَب فريق ثَان يقتلُون أَوْلَادهم مُطلقًا إِمَّا نفاسة مِنْهُ على مَا ينقصهُ من مَاله، وَإِمَّا من عدم مَا يُنْفِقهُ عَلَيْهِ، وَقد ذكر الله أَمرهم فِي الْقُرْآن، وَكَانَ صعصعة بن نَاجِية التَّمِيمِي جد الفرزدق همام بن غَالب بن صعصعة أول من فدى المؤودة، وَذَلِكَ أَنه كَانَ يعمد إِلَى من يفعل ذَلِك فيفدي الْوَلَد مِنْهُ بِمَال يتفقان عَلَيْهِ، وَإِلَى ذَلِك أَشَارَ الفرزدق بقوله:
(وجدى الَّذِي منع الوائدات ... وأحي الوئيد فَلم يؤدٍ)
قَوْله: (قيل) وَقَالَ فِيهِ ثَلَاثَة أوجه. الأول: أَن يكون كِلَاهُمَا مصدرين، يُقَال: قَالَ قولا وقيلاً وَقَالا، وَلم يكتبا بِالْألف لِأَنَّهَا لُغَة ربيعَة، وَفِي (التَّوْضِيح) كَذَا روينَاهُ بِغَيْر صرف، يَعْنِي بِغَيْر تَنْوِين، ويروى بِالتَّنْوِينِ. قلت: الأَصْل أَن يكون بِالتَّنْوِينِ لِأَنَّهُ إسم وَقع مَفْعُولا وَحقه النصب بِالتَّنْوِينِ وَمَعْنَاهُ: النَّهْي عَن كَثْرَة القَوْل فِيمَا لَا يَعْنِي، وَكرر للتَّأْكِيد. الثَّانِي: أَن يكون كِلَاهُمَا فعلين: الأول: مَجْهُول الْفِعْل الْمَاضِي، وَالثَّانِي: مَعْلُوم الْمَاضِي وهما مبنيان متضمنان للضمير وَمَعْنَاهُ، قيل لفُلَان كَذَا وَقَالَ فلَان كَذَا، وَذَلِكَ للزجر عَن الاستكثار. الثَّالِث: أَن يَكُونَا حِكَايَة أقاويل النَّاس: قَالَ فلَان كَذَا وَقيل كَذَا، أَو فِي أُمُور الَّذين بِأَن ينْقل من غير احْتِيَاط وَدَلِيل. قَوْله: (وَكَثْرَة السُّؤَال) أَي: فِي الْمسَائِل الَّتِي لَا حَاجَة لَهُ إِلَيْهَا أَو من الْأَمْوَال أَو عَن أَحْوَال النَّاس. قَوْله: و (إِضَاعَة المَال) وَهُوَ الْإِسْرَاف فِي الْإِنْفَاق وَقيل: الْإِنْفَاق فِي الْحَرَام.
٥٩٧٦ - حدَّثني إسْحاقُ حَدثنَا خالِدٌ الواسِطِيُّ عَنِ الجُرَيْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ أبي بَكْرَة عَنْ أبِيهِ رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: ألَا أُنَبِّئُكُمْ بأكْبَرِ الكَبائِرِ؟ قُلنا: بَلَى يَا رسُولَ الله! قَالَ: الإشْرَاك بِاللَّه وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ، وكانَ مُتَّكِئاً فَجَلَسَ فَقَالَ: ألَا وَقَوْلُ الزُّورِ وشَهادَةُ الزُّورِ، أَلا وقَوْلُ الزُّورِ وشَهادَةُ الزُّورِ، فَما زَالَ يَقُولُها حَتَّى قُلْتُ لَا يَسْكُتُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وعقوق الْوَالِدين) وَإِسْحَاق هُوَ ابْن شاهين الوَاسِطِيّ، وخَالِد هُوَ ابْن عبد الله الطَّحَاوِيّ الوَاسِطِيّ، والجريري بِضَم الْجِيم وَفتح الرَّاء الأولى نِسْبَة إِلَى جرير بن عباد أخي الْحَارِث بن عباد بن ضبيعة بن قيس بن بكر بن
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْأَكْثَرِ لَكِنْ قَدْ يَقَعُ مِنْهُ التَّسَبُّبُ فِيهِ وَهُوَ مِمَّا يُمْكِنُ وُقُوعَهُ كَثِيرًا. قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ فِي سَدِّ الذَّرَائِعِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ آلَ فِعْلُهُ إِلَى مُحَرَّمٍ يَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْفِعْلُ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ إِلَى مَا يَحْرُمُ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الْآيَةَ. وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ الْمَاوَرْدِيُّ مَنْعَ بَيْعِ الثَّوْبِ الْحَرِيرِ مِمَّنْ يَتَحَقَّقُ أَنَّهُ يَلْبَسُهُ، وَالْغُلَامِ الْأَمْرَدِ مِمَّنْ يَتَحَقَّقُ أَنَّهُ يَفْعَلُ بِهِ الْفَاحِشَةَ، وَالْعَصِيرِ مِمَّنْ يَتَحَقَّقُ أَنَّهُ يَتَّخِذَهُ خَمْرًا. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى عِظَمِ حَقِّ الْأَبَوَيْنِ. وَفِيهِ الْعَمَلُ بِالْغَالِبِ لِأَنَّ الَّذِي يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ يَجُوزُ أَنْ يَسُبَّ الْآخَرُ أَبَاهُ وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَفْعَلَ، لَكِنَّ الْغَالِبَ أَنْ يُجِيبَهُ بِنَحْوِ قَوْلِهِ. وَفِيهِ مُرَاجَعَةُ الطَّالِبِ لِشَيْخِهِ فِيمَا يَقُولُهُ مِمَّا يُشْكِلُ عَلَيْهِ، وَفِيهِ إِثْبَاتُ الْكَبَائِرِ وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ قَرِيبًا، وَفِيهِ أَنَّ الْأَصْلَ يَفْضُلُ الْفَرْعَ بِأَصْلِ الْوَضْعِ وَلَوْ فَضَلَهُ الْفَرْعُ بِبَعْضِ الصِّفَاتِ.
٥ - بَاب إِجَابَةِ دُعَاءِ مَنْ بَرَّ وَالِدَيْهِ
٥٩٧٤ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قال: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: بَيْنَمَا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ يَتَمَاشَوْنَ أَخَذَهُمْ الْمَطَرُ، فَمَالُوا إِلَى غَارٍ فِي الْجَبَلِ، فَانْحَطَّتْ عَلَى فَمِ غَارِهِمْ صَخْرَةٌ مِنْ الْجَبَلِ فَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا لِلَّهِ صَالِحَةً فَادْعُوا اللَّهَ بِهَا لَعَلَّهُ يَفْرُجُهَا. فَقَالَ أَحَدُهُمْ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَلِي صِبْيَةٌ صِغَارٌ كُنْتُ أَرْعَى عَلَيْهِمْ، فَإِذَا رُحْتُ عَلَيْهِمْ فَحَلَبْتُ بَدَأْتُ بِوَالِدَيَّ أَسْقِيهِمَا قَبْلَ وَلَدِي، وَإِنَّهُ نَاءَ بِيَ الشَّجَرُ فَمَا أَتَيْتُ حَتَّى أَمْسَيْتُ، فَوَجَدْتُهُمَا قَدْ نَامَا، فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ، فَجِئْتُ بِالْحِلَابِ فَقُمْتُ عِنْدَ رُءُوسِهِمَا، أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا مِنْ نَوْمِهِمَا، وَأَكْرَهُ أَنْ أَبْدَأَ بِالصِّبْيَةِ قَبْلَهُمَا وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمَيَّ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي وَدَأْبَهُمْ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ. فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا فُرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ، فَفَرَجَ اللَّهُ لَهُمْ فُرْجَةً حَتَّى يَرَوْنَ مِنْهَا السَّمَاءَ.
وَقَالَ الثَّانِي: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَتْ لِي ابْنَةُ عَمٍّ أُحِبُّهَا كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ، فَطَلَبْتُ إِلَيْهَا نَفْسَهَا فَأَبَتْ حَتَّى آتِيَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَسَعَيْتُ حَتَّى جَمَعْتُ مِائَةَ دِينَارٍ فَلَقِيتُهَا بِهَا، فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا قَالَتْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَفْتَحْ الْخَاتَمَ إلا بحقه، فَقُمْتُ عَنْهَا، اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي قَدْ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا، فَفَرَجَ لَهُمْ فُرْجَةً. وَقَالَ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنِّي كُنْتُ اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرَقِ أَرُزٍّ، فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ، قَالَ: أَعْطِنِي حَقِّي، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَقَّهُ، فَتَرَكَهُ وَرَغِبَ عَنْهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعُهُ حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَرَاعِيَهَا، فَجَاءَنِي وقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَظْلِمْنِي وَأَعْطِنِي حَقِّي. فَقُلْتُ: اذْهَبْ إِلَى تلكَ الْبَقَرِ وَرَاعِيهَا. فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَهْزَأْ بِي. فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَهْزَأُ بِكَ، فَخُذْ ذَلِكَ الْبَقَرَ وَرَاعِيَهَا، فَأَخَذَهُ فَانْطَلَقَ. فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ مَا بَقِيَ، فَرَجَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٥٩٧٤ - وبه قال: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هو سعيدُ بن الحَكَم بن محمَّد بن سالم (١) بن أبي مريم، أبو محمَّدٍ الجُمَحيُّ، مَولاهم المصريُّ (٢) قال: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ) الأسديُّ مَولاهم، أبو إسحاقُ المدنيُّ الثِّقة، تُكُلِّمَ فيه بلا حجَّةٍ (قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد، ولأبي ذرٍّ: «أَخْبرنا» (نَافِعٌ) مولى ابنِ عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ) أنَّه (قَالَ: بَيْنَمَا) بالميم (ثَلَاثَةُ نَفَرٍ) ممَّن كان قبلكم (يَتَمَاشَوْنَ أَخَذَهُمُ المَطَرُ، فَمَالُوا) وللأَصيليِّ: «فأووا» (إِلَى غَارٍ فِي الجَبَلِ) وللأَصيليِّ: «في جبلٍ» (فَانْحَطَّتْ) بالحاء والطاء المشددة المهملتين (عَلَى فَمِ غَارِهِمْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «على بابِ غارهِم» (صَخْرَةٌ مِنَ الجَبَلِ، فَأَطْبَقَتْ) بهمزة قطعٍ مفتوحة، ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «فتطابقتْ» (عَلَيْهِمْ) من أَطْبَقْتُ الشَّيء إذا غطَّيتُه (فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا لِلَّهِ صَالِحَةً) أي خالصةً لوجههِ لا رياءَ فيها ولا سُمْعة، كما يدلُّ عليه قوله بعدُ: ابتغاءِ وجهكَ (فَادْعُوا اللهَ بِهَا لَعَلَّهُ يَفْرُجُهَا) بفتح أوله وسكون الفاء وضم الراء، كذا في الفرع مُصَلَّحةً على كشطٍ لفتحةِ أوَّله، وقال العينيُّ: بكسر الراءِ. قال: وقال ابن التين: وكذا قرأناهُ (فَقَالَ أَحَدُهُمُ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَلِي صِبْيَةٌ صِغَارٌ) بكسر الصاد، جمع صبيٍّ (كُنْتُ أَرْعَى عَلَيْهِمْ) ضمَّن «أرعى» مَعنى الإنفاق، وعدَّاه بعلى، أي: أنفقُ عليهم راعيًا الغنيمات (فَإِذَا رُحْتُ عَلَيْهِمْ (٣)) أي إذا رددتُ الماشية من المرعى إلى موضع مبيتِها، فضمَّن «رُحْت» معنى رَدَدت (فَحَلَبْتُ) عطف على «رُحْت» وجواب «فإذا» قوله: (بَدَأْتُ بِوَالِدَيَّ) بفتح الدال على التَّثنية، حالَ كوني (أَسْقِيهِمَا) أو أسقيهما استئنافُ بيانٍ للعلَّة (قَبْلَ وَلَدِي) بكسر الدال وتخفيف التَّحتية (وَإِنَّهُ نَأَى) بتقديم النون على الهمزة، أي: بَعُد (بِيَ الشَّجَرُ) الَّتي ترعاهُ (٤) المواشي، والشَّجر: بالشين المعجمة والجيم، ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: «السَّحر» بالسين والحاء المهملتين. قال في «الفتح»: والأوَّل أولى، فإنَّ في الخبرِ أنَّه رجعَ بعد أن نامَا (٥) فأقامَ ينتظرُ استيقاظهما إلى
الصَّباح حتَّى انتبها من قبل أنفسهمَا، وزاد المُستملي: «يومًا» (فَمَا أَتَيْتُ) من المرعى (حَتَّى أَمْسَيْتُ، فَوَجَدْتُهُمَا قَدْ نَامَا، فَحَلَبْتُ) بفتح اللام (كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ) بضم اللام (فَجِئْتُ بِالحِلَابِ) بكسر الحاء المهملة، أي: الإناء الَّذي يُحْلَبُ فيه أو باللَّبن المحلوب (فَقُمْتُ عِنْدَ رُؤُوسِهِمَا، أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا) بضم الهمزة (مِنْ نَوْمِهِمَا، وَأَكْرَهُ أَنْ أَبْدَأَ بِالصِّبْيَةِ) في السَّقي (قَبْلَهُمَا، وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ) بالضاد والغين المعجمتين المفتوحتين بينهما ألف وبعد الواو الساكنة نون، يضجُّون ويصيحون من الجوعِ (عِنْدَ قَدَمَيَّ) بلفظ التَّثنية، ولعلَّه (١) كان في شريعتِهم تقديمُ نفقةِ الأصول على الفروعِ (فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي وَدَأْبَهُمْ) أي: دأبَ الوالدين والصِّبيَّة (حَتَّى طَلَعَ الفَجْرُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ) بضم الراء (لَنَا) في هذه الصَّخرة (فُرْجَةً) بضم الفاء وسكون الراء (نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ، فَفَرَجَ اللهُ) ﷿، بتخفيف الراء من ففرجَ الله (لَهُمْ فُرْجَةً حَتَّى يَرَوْنَ مِنْهَا السَّمَاءَ) بإثبات النون لأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي، وبحذفها له عن الكُشميهنيِّ، وسقط للأَصيليِّ لفظ «فُرْجة» (وَقَالَ الثَّانِي: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانت لِي ابْنَةُ عَمٍّ) ولأبي ذرٍّ: «بنت عمٍّ» (أُحِبُّهَا) بضم الهمزة وكسر الحاء المهملة (كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «الرجل» بالإفراد، وأشدُّ صفة مصدرٍ محذوفٍ، و «ما» مصدريَّة، أي: أحبُّها حبًّا مثل أشدِّ حبِّ الرِّجال النِّساء (فَطَلَبْتُ إِلَيْهَا نَفْسَهَا) قال في «النهاية»: يقال: طلب إليَّ (٢) فلانٌ فأَطْلَبتُه، أي: أسعفْتُه بما طلبَ، والطَّلِبَة (٣) الحاجةُ، والإطلابُ إنجازُها، وقال في «شرح المشكاة»: يجوز أن يضمنَ فيه مَعنى الإرسال، أي: أرسلتُ إليها طالبًا نفسها (فَأَبَتْ) أي: فامتنعَتْ (٤) (حَتَّى آتِيَهَا بِمِئَةِ دِينَارٍ، فَسَعَيْتُ حَتَّى جَمَعْتُ مِئَةَ دِينَارٍ، فَلَقِيتُهَا بِهَا) بكسر القاف، أي: فلقيتُ ابنة عمِّي بالمئة دينارٍ (فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا، قَالَتْ: يَا عَبْدَ اللهِ اتَّقِ اللهَ، وَلَا تَفْتَحِ الخَاتَمَ) كنايةً عن البكارةِ، إلَّا بحقِّه (فَقُمْتُ عَنْهَا) وهي أحبُّ النَّاس إليَّ (اللَّهُمَّ فَإِنْ) قال في «شرح المشكاة»: عطف على مقدَّر، أي: اللَّهم فعلت ذلك فإن (كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي قَدْ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ) وسقط «قد»
للأَصيليِّ وأبي ذرٍّ (١) (فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا) من الصَّخرة فُرْجة (فَفَرَجَ) الله (لَهُمْ فُرْجَةً). ويجوز أن تكون «اللَّهم» مُقحمة بين المعطوفِ والمعطوفِ عليه؛ لتأكيدِ الابتهال والتَّضرُّع إلى الله تعالى، فلا يُقدَّر معطوفٌ عليه، ويدلُّ عليه القرينةُ السَّابقة واللَّاحقة، وإنَّما كرَّر «اللَّهم» في هذهِ القرينةِ دون أختيهَا لأنَّ هذا المقام أصعبُ المقاماتِ وأشقُّها، فإنَّه ردعٌ لهوى النَّفس خوفًا من الله تعالى ومقامه. قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى. فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١] قال (٢) الشَّيخ أبو حامد: شهوة الفرجِ أغلبُ الشَّهوات على الإنسانِ وأَعْصاها عند الهيجانِ على العقلِ، فمن تركَ الزِّنا خوفًا من الله مع القدرةِ، وارتفاعِ الموانعِ، وتيسُّر الأسبابِ لا سيَّما عند صدقِ الشَّهوة نالَ درجةَ الصِّديقين (وَقَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنِّي كُنْتُ اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا) واحدًا (بِفَرَقِ أَرُزٍّ) بفتح الهمزة وضم الراء وتشديد الزاي، والفرَق -بفتح الراء- مكيالٌ يسعُ تسعة عشر رطلًا، وهي اثنا عشر مدًّا وثلاثة آصُع عندَ أهل الحجازِ (فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ، قَالَ: أَعْطِنِي حَقِّي) بقطع الهمزة (فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَقَّهُ، فَتَرَكَهُ وَرَغِبَ عَنْهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعُهُ حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَرَاعِيَهَا، فَجَاءَنِي فَقَالَ: اتَّقِ اللهَ وَلَا تَظْلِمْنِي، وَأَعْطِنِي حَقِّي) بفتح الهمزة (فَقُلْتُ: اذْهَبْ إِلَى ذَلِكَ البَقَرِ) بالتَّذكير، وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ: «إلى تلك البقر» اسمُ جمع (٣) يجوزُ تذكيرهُ وتأنيثُه (وَرَاعِيهَا. فَقَالَ: اتَّقِ اللهَ وَلَا تَهْزَأْ بِي) بهمزةٍ ساكنةٍ، مجزومًا (٤) على النَّهي (فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَهْزَأُ بِكَ، فَخُذْ ذَلِكَ) وللأَصيليِّ وأبي ذرٍّ عن الكُشميهنيِّ: «تلك» (البَقَرَ وَرَاعِيَهَا، فَأَخَذَهُ فَانْطَلَقَ بِهَا (٥)، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ) لنا (مَا بَقِيَ) من هذه الصَّخرة (فَفَرَجَ اللهُ) ﷿ (عَنْهُمْ) وسقط من قولهِ: «وقال الثَّاني … » إلى آخره لأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي، وقال بعد قولهِ: يرون منها السَّماء: «وقصَّ الحديثَ بطولهِ».
وهذا الحديثُ سبقَ في «باب إذا اشترى شيئًا لغيره بغير إذنه» من «كتاب البيوع» [خ¦٢٢١٥].
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
ذبح وَالِده، أَخْبرنِي بذلك جمَاعَة، وَكَثُرت هَذِه الْمُصِيبَة فِي الديار المصرية، نسْأَل الله الْعَفو والعافية.
٥ - (بابُ إجابَةِ دُعاءِ مَنْ بَرَّ والِدَيْهِ)
أَي: هَذَا بَاب يذكر فِيهِ إِجَابَة دُعَاء أَي قبُول دُعَاء من بر وَالِديهِ أَي: من أحسن إِلَيْهِمَا وَقَامَ بطاعتهما.
٥٩٧٤ - حدَّثنا سَعِيدُ بنُ أبي مَرْيَمَ حَدثنَا إسْماعِيلُ بنُ إبْرَاهِيمَ بنِ عُقْبَةَ، قَالَ: أَخْبرنِي نافِعٌ عَنِ ابنِ عُمَرَ رَضِي الله عَنْهما، عَنْ رسولِ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: بَيْنَما ثَلَاثَةُ نَفَر يَتَماشَوْن أخَذَهُمُ المَطَرُ فَمالُوا إِلَى غارٍ فِي الجَبَلِ فانْحَطتْ عَلَى فَمِ غارِهِمْ صَخْرَةٌ مِنَ الجَبَلِ فأطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا أعْمالاً عَمِلْتُمُوها لله صالِحَةً فادْعُوا الله بِها لَعَلَّهُ يَفْرِجُها، فَقَالَ أحَدُهُمْ: أللَّهُمَّ إنَّهُ كانَ لي والِدَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ ولي صِبْيَةٌ صغارٌ كُنْتُ أرْعَى عَلَيْهِمْ فإذَا رُحْتُ عَلَيْهِمْ فَحَلَبْتُ بَدَأتُ بِوَالِدَيَّ أسْقِيهِما قَبْلَ وَلَدي، وإنَّهُ نأَى بِي الشَّجَرُ فَما أتَيْتُ حَتَّى أمْسَيْتُ فَوَجَدْتُهُما قَدْ ناا، فَحَلَبْتُ كَما كُنْتُ أحْلُبُ فَجِئْتُ بالخلَابِ فَقُمْتُ عِنْدَ رُؤُوسِهِما أكْرَهُ أنْ أُوقظَهُما مِنْ نَوْمِهِما وأكْرَهُ أنْ أبْدَأ بالصِّبْيَةِ قَبْلهُما، والصِّبْيَةُ يَتضاغوْنَ عِنْدَ قَدَمَيَّ، فَلَمْ يَزَلْ ذَاكَ دأبي ودَأبَهُمْ حَتَّى طَلَعَ الفَجْرُ فإنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنِّي فَعَلْتُ ذالِكَ ابْتِغاءَ وَجْهِكَ فافْرُجْ لَنا فُرْجَةً نَراى مِنْها السَّماءَ، فَفَرَجَ الله لَهُمْ فُرْجَةً حَتَّى يَرَوْنَ مِنْها السَّماءَ. وَقَالَ الثَّاني: اللَّهُمَّ إنَّهُ كانَتْ لِي ابْنَةُ عَمّ أحِبُّها كأشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجالُ النّساءَ فَطَلَبْتُ إلَيْها نَفْسها فأبَتْ حَتّى آتِيهَا بِمائَةِ دِينارٍ، فَسَعَيْتُ حَتَّى جَمَعْتُ مائَةَ دِينارٍ فَلَقِيتُها بِها، فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْلَيْها قالَتْ: يَا عَبْدَ الله! اتَّقِ الله وَلَا تَفْتَحِ الخاتَمَ، فَقُمْتُ عَنْها. أللَّهُمَّ فإنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنّي قَدْ فَعَلْتُ ذالِكَ ابْتِغاءَ وَجْهكَ فافْرُجْ لَنا مِنْها، فَفَرَج لَهُمْ فُرْجَةً. وَقَالَ الآخَرُ: أللَّهُمَّ إنِّي كُنْتُ أسْتَأْجَرْتُ أجِيراً بِفرَقِ أرُزّ، فَلمَّا قَضَى عَمَلَهُ قَالَ: أعْطِنِي حَقِّي فَعَرَضتُ عَلَيْهِ حَقَّهُ فَتَرَكَهُ ورَغَبَ عَنْهُ، فَلَمْ أزَلْ أزْرَعُهُ حَتَّى جَمعْتُ مِنْهُ بَقَراً وراعِيَها، فَجاءَنِي فَقَالَ: اتَّقِ الله وَلَا تَظْلِمْنِي وأعْطِني حَقِّي. فَقُلْتُ: اذْهَبْ إِلَى ذَاك البَقَرِ وراعِيها، فَقَالَ: اتَّقِ الله وَلَا تَهْزَأْ بِي، فَقُلْتُ: إنِّي لَا أهْزَأُ بِكَ فَخُذْ ذالِكَ البَقَرَ وراعِيهَا. فأخَذَهُ فانْطَلَقَ بِها، فإنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنِّي فَعَلْتُ ذالِكَ ابْتِغاءَ وَجْهِكَ فافْرُجْ مَا بَقِيَ، فَفَرَجَ الله عَنْهُمْ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة فِي الرجل الأول من الثَّلَاثَة. والْحَدِيث قد مضى فِي كتاب الْبيُوع فِي: بَاب إِذا اشْترى شَيْئا لغيره بِغَيْر إِذْنه، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم عَن ابْن جريج عَن مُوسَى بن عقبَة عَن نَافِع عَن ابْن عمر، وَمضى أَيْضا فِي الْمُزَارعَة فِي: بَاب إِذا زرع بِمَال قوم بِغَيْر إذْنهمْ، فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ عَن إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر عَن أبي ضَمرَة عَن مُوسَى بن عقبَة عَن نَافِع إِلَى آخِره، وَمضى الْكَلَام فِيهِ، ولنذكر بعض شَيْء لبعد الْمسَافَة.
قَوْله: (ثَلَاثَة نفر) النَّفر عدَّة رجال من ثَلَاثَة إِلَى عشرَة. قَوْله: (فمالوا إِلَى غَار) ويروى: فأووا إِلَى غَار، وَهُوَ الْكَهْف. قَوْله: (على فَم غارهم) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: على بَاب غارهم. قَوْله: (فأطبقت) فِي رِوَايَة الْكشميهني. فتطابقت من أطبقت الشَّيْء إِذا غطيته، وطبق الْغَيْم إِذا أصَاب مطره جَمِيع الأَرْض. قَوْله: (لَعَلَّه يفرجها) بِكَسْر الرَّاء، وَقَالَ ابْن التِّين: وَكَذَا قرأناه. قَوْله: (صبية) جمع: صبي وَهُوَ الْغُلَام. قَوْله: (فَإِذا رحت) من الرواح وَهُوَ الْمَجِيء آخر النَّهَار. قَوْله: (نأى بِي الشّجر) بالشين الْمُعْجَمَة وَالْجِيم عِنْد أَكثر الروَاة وَمَعْنَاهُ: تبَاعد عَن مكانتا الشّجر الَّتِي ترعاها مواشينا، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: السحر بالمهملتين. قَوْله: (أحلب) بِضَم اللَّام. قَوْله: (بالحلاب) بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة
وَتَخْفِيف اللَّام وبالباء الْمُوَحدَة أَي: المحلوب، وَقيل: هُوَ الْإِنَاء الَّتِي يحلب فِيهَا. قَوْله: (أَن أوقظهما) بِضَم الْهمزَة من الإيقاظ قَوْله: (يتضاغون) بالضاد وبالغين المعجمتين أَي: يصيحون، من ضغا إِذا صَاح وكل صَوت ذليل مقهور يُسمى ضغواً، تَقول: ضغا يضغو ضغواً وضغاء، وَقَالَ الدَّاودِيّ: يتضاغون أَي: يَبْكُونَ ويتوجعون، قيل: نَفَقَة الْأَوْلَاد مُقَدّمَة على نَفَقَة الْأُصُول. وَأجِيب بِأَن دينهم لَعَلَّه كَانَ بِخِلَاف ذَلِك أَو كَانُوا يطْلبُونَ الزَّائِد على سد الرمق، أَو كَانَ صِيَاحهمْ لغير ذَلِك. قَوْله: (فافرج لنا فُرْجَة) بِضَم الْفَاء من فُرْجَة الْحَائِط وَهُوَ المُرَاد هُنَا، وَأما الفرجة بِالْفَتْح فَهِيَ عَن الكرب والهم. قَوْله: (حَتَّى يرَوْنَ) وَفِي رِوَايَة الْحَمَوِيّ: حَتَّى رَأَوْا. قَوْله: (مَا يحب الرِّجَال) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: الرجل، بِالْإِفْرَادِ. قَوْله: (لَا تفتح الْخَاتم) ، كِنَايَة عَن إِزَالَة الْبكارَة. قَوْله: (اللَّهُمَّ) كرر هَذِه اللَّفْظَة لِأَن هَذَا الْمقَام أصعب المقامات، فَإِنَّهُ ردع لهوى النَّفس. قَوْله: (بفرق) بِفَتْح الرَّاء وَقد تسكن، وَأنكر القتبي إسكانها وَهُوَ مَكِيل مَعْرُوف بِالْمَدِينَةِ: سِتَّة عشر رطلا. قَوْله: (أرز) قد مر فِيمَا مضى أَن فِيهِ تسع لُغَات فَإِن قلت: بَاب الْبيُوع: من ذرة، وَهنا وَفِي بَاب الْإِجَارَة: فرق أرز؟ قلت: لَعَلَّه كَانَ بعضه من ذرة وَبَعضه من أرز. قَوْله: (إذهب إِلَى ذَلِك الْبَقر) ذكر إسم الْإِشَارَة بِاعْتِبَار السوَاد المرئي، وأنث الضَّمِير الرَّاجِع إِلَى الْبَقر بِاعْتِبَار جمعية الْجِنْس. قَوْله: (فَأَخذه وَانْطَلق بهَا) ذكر الضَّمِير فِي: أَخذه، وأنَّثه فِي: بهَا، وَوَجهه مَا ذَكرْنَاهُ، ويروى: فَأَخذهَا، وَرُوِيَ: فَخذ تِلْكَ الْبَقر.
٦ - (بابٌ عُقُوقُ الوالِدَيْنِ مِنَ الكَبائِرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَن عقوق الْوَالِدين من الْكَبَائِر، وَقَالَ بَعضهم: بَاب، التَّنْوِين. قلت: لَا يَصح بِالتَّنْوِينِ إلَاّ بِشَيْء مُقَدّر لِأَن شَرط الْإِعْرَاب التَّرْكِيب. والعقوق مُشْتَقّ من العق وَهُوَ الشق وَالْقطع، وَقد فرق الْجَوْهَرِي بَين مصدر قَوْله: عق عَن وَلَده، وَبَين مصدر: عق وَالِده، فَقَالَ: وعق عَن وَلَده يعق عقاً إِذا ذبح عَنهُ يَوْم أسبوعه، وَكَذَلِكَ إِذا حلق عقيقته، وعق وَالِده عقوقاً ومعقة فَهُوَ عَاق وعقق وَالْجمع عققة. مثل كفرة. وَأما صَاحب (الْمُحكم) فصدر كَلَامه بالتسوية بَينهمَا، وَقَالَ: عقه يعقه عقاً فَهُوَ معقق وعقيق شقَّه، قَالَ: وعق عَن ابْنه يعق ويعق حلق عقيقته أَو ذبح عَنهُ شَاة، وَاسم تِلْكَ الشَّاة: الْعَقِيقَة قَالَ: وعق وَالِده يعقه عقوقاً شقّ عَصا طَاعَته، قَالَ: وَرجل عُقُق وعقق وعق وعاقٍ، وَقَالَ ابْن الْأَثِير: عق وَالِده إِذا آذاه وَعَصَاهُ وَخرج عَلَيْهِ، قَالَ: وَهُوَ ضد الْبر، وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد: ضبط الْوَاجِب من الطَّاعَة لَهما وَالْمحرم من العوق مَا لَهما فِيهِ عسر. ورتب العقوق مُخْتَلفَة، وَقَالَ ابْن عبد السَّلَام: لم أَقف فِي عقوق الْوَالِدين وَلَا فِيمَا يختصان بِهِ من الْحُقُوق على ضَابِط اعْتمد عَلَيْهِ، فأيما يحرم فِي حق الْأَجَانِب فَهُوَ حرَام فِي حَقّهمَا وَمَا يجب للأجانب فَهُوَ وَاجِب لَهما، وَلَا يجب على الْوَلَد طاعتهما فِي كل مَا يأمران بِهِ وَلَا فِي كل مَا ينهيان عَنهُ بِاتِّفَاق الْعلمَاء، وَقَالَ الشَّيْخ تفي الدّين السُّبْكِيّ: إِن ضَابِط العقوق إيذاؤهما بِأَيّ نوع كَانَ من أَنْوَاع الْأَذَى. قل أَو كثر، نهيا عَنهُ أَو لم ينهيا أَو يخالفهما فِيمَا يأمران أَو ينهيان بِشَرْط انْتِفَاء الْمعْصِيَة فِي الْكل، وَحكى قَول الْغَزالِيّ: أَن أَكثر الْعلمَاء على وجوب طاعتهما فِي الشُّبُهَات، وَوَافَقَهُمَا عَلَيْهِ، وَحكى قَول الطرطوسي من الْمَالِكِيَّة: أَنَّهُمَا إِذا نهياه عَن سنية راتبة الْمرة بعد الْمرة أَطَاعَهُمَا، وَإِن كَانَ ذَلِك على الدَّوَام فَلَا طَاعَة لَهما فِيهِ لما فِيهِ من إماتة الشَّرْع، وَوَافَقَهُ على ذَلِك أَيْضا.
قالَهُ ابْنُ عُمَرَ عَنِ النبيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
هَذَا التَّعْلِيق وَقع فِي رِوَايَة أبي ذَر عمر بِضَم الْعين وَوَقع للأصيلي: عمر، وَبِفَتْحِهَا وَكَذَا فِي بعض النّسخ عَن أبي ذَر، وَهُوَ الْمَحْفُوظ، وَوَصله البُخَارِيّ فِي كتاب الْأَيْمَان وَالنُّذُور من رِوَايَة الشّعبِيّ عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: الْكَبَائِر الْإِشْرَاك بِاللَّه وعقوق الْوَالِدين وَقتل النَّفس وَالْيَمِين الْغمُوس، وَأخرج النَّسَائِيّ لِابْنِ عمر حَدِيثا فِي الْعَاق بِلَفْظ: ثَلَاثَة لَا ينظر الله إِلَيْهِم يَوْم الْقِيَامَة: الْعَاق لوَالِديهِ ومدمن الْخمر والمنان، وَأخرجه الْبَزَّار أَيْضا وَابْن حبَان وَصَححهُ وَالْحَاكِم كَذَلِك.
٥٩٧٥ - حدَّثنا سَعْدُ بنُ حَفْصٍ حَدثنَا شَيْبانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنِ المُسَيَّبِ عَنْ ورَّادٍ عَنِ المُغِيرَةِ
عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، قَالَ: إنَّ الله حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الأُمَّهاتِ ومَنْعَ وهاتِ وَوَأْدَ البَناتِ، وكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ وكَثْرَةَ السُّؤَالِ وإضاعَة المَالِ.
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة فِي عقوق الْأُمَّهَات. والترجمة فِي عقوق الْوَالِدين، وَلَا اعْتِرَاض من هَذِه الْحَيْثِيَّة لِأَن ذكر الْأُمَّهَات فِي الحَدِيث لَيْسَ للتخصيص بالحكم، بل لِأَن الْغَالِب ذَلِك لعجزهن، وَقيل: لِأَن لعقوق الْأُمَّهَات مزية فِي الْقبْح أَو اكْتفى بِذكر أحد الْوَالِدين عَن الآخر.
وَسعد بن حَفْص أَبُو مُحَمَّد الطلحي الْكُوفِي، يُقَال لَهُ الضخم، وَانْفَرَدَ بِهِ البُخَارِيّ عَن الْخَمْسَة وَلَيْسَ فِي شيوخهم من اسْمه سعد سَوَاء، مَاتَ سنة خمس عشرَة وَمِائَتَيْنِ، وشيبان بن عبد الرَّحْمَن النَّحْوِيّ، وَمَنْصُور هُوَ ابْن الْمُعْتَمِر، وَالْمُسَيب على وزن إسم الْمَفْعُول من التسييب ابْن رَافع الْكَاهِلِي، ووراد بِفَتْح الْوَاو وَتَشْديد الرَّاء مولى الْمُغيرَة، والمغيرة هُوَ ابْن شُعْبَة، وَفِي بعض النّسخ ذكر وَالِده.
والْحَدِيث مضى فِي الزَّكَاة فِي: بَاب قَول الله عز وَجل: { (٢) لَا يسْأَلُون النَّاس إلحافاً} (الْبَقَرَة: ٢٧٣) وَمضى فِي الاستقراض أَيْضا عَن عُثْمَان عَن جرير، وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (وَمنع وهات) ، أَي: حرم عَلَيْكُم منع مَا عَلَيْكُم إِعْطَاؤُهُ وَطلب مَا لَيْسَ لكم أَخذه، وَقيل: نهى عَن منع الْوَاجِب من مَاله وأقواله وأفعاله وَعَن استدعاء مَا لَا يجب عَلَيْهِم من الْحُقُوق، وَمنع بِغَيْر تَنْوِين وَقع فِيمَا تقدم. قَوْله: (وهات) بِكَسْر التَّاء فعل أَمر من الإيتاء، وَقَالَ الْخَلِيل: أصل هَات آتٍ فقلبت الْهمزَة هَاء، وَقَالَ بَعضهم: فقلبت الْألف وَهَذَا غلط لَا يخفى. قَوْله: (ووأد الْبَنَات) أَي: وَحرم أَيْضا، وأد الْبَنَات وَهُوَ دفنهن بِالْحَيَاةِ، يُقَال: وأدها يئدها وأداً فَهِيَ مؤودة، ذكرهَا الله فِي كِتَابه، وَكَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يَفْعَلُونَ ذَلِك كَرَاهَة فِيهِنَّ. وَيُقَال: إِن أول من فعل ذَلِك قيس بن عَاصِم التَّمِيمِي، وَكَانَ بعض أعدائه أغار عَلَيْهِ فَأسر بنته فاتخذها لنَفسِهِ ثمَّ حصل بَينهم صلح فَخير ابْنَته فَاخْتَارَتْ زَوجهَا، فآلى قيس على نَفسه أَن لَا تولد لَهُ بنت إلَاّ دَفنهَا حَيَّة، فَتَبِعَهُ الْعَرَب على ذَلِك، وَكَانَ من الْعَرَب فريق ثَان يقتلُون أَوْلَادهم مُطلقًا إِمَّا نفاسة مِنْهُ على مَا ينقصهُ من مَاله، وَإِمَّا من عدم مَا يُنْفِقهُ عَلَيْهِ، وَقد ذكر الله أَمرهم فِي الْقُرْآن، وَكَانَ صعصعة بن نَاجِية التَّمِيمِي جد الفرزدق همام بن غَالب بن صعصعة أول من فدى المؤودة، وَذَلِكَ أَنه كَانَ يعمد إِلَى من يفعل ذَلِك فيفدي الْوَلَد مِنْهُ بِمَال يتفقان عَلَيْهِ، وَإِلَى ذَلِك أَشَارَ الفرزدق بقوله:
(وجدى الَّذِي منع الوائدات ... وأحي الوئيد فَلم يؤدٍ)
قَوْله: (قيل) وَقَالَ فِيهِ ثَلَاثَة أوجه. الأول: أَن يكون كِلَاهُمَا مصدرين، يُقَال: قَالَ قولا وقيلاً وَقَالا، وَلم يكتبا بِالْألف لِأَنَّهَا لُغَة ربيعَة، وَفِي (التَّوْضِيح) كَذَا روينَاهُ بِغَيْر صرف، يَعْنِي بِغَيْر تَنْوِين، ويروى بِالتَّنْوِينِ. قلت: الأَصْل أَن يكون بِالتَّنْوِينِ لِأَنَّهُ إسم وَقع مَفْعُولا وَحقه النصب بِالتَّنْوِينِ وَمَعْنَاهُ: النَّهْي عَن كَثْرَة القَوْل فِيمَا لَا يَعْنِي، وَكرر للتَّأْكِيد. الثَّانِي: أَن يكون كِلَاهُمَا فعلين: الأول: مَجْهُول الْفِعْل الْمَاضِي، وَالثَّانِي: مَعْلُوم الْمَاضِي وهما مبنيان متضمنان للضمير وَمَعْنَاهُ، قيل لفُلَان كَذَا وَقَالَ فلَان كَذَا، وَذَلِكَ للزجر عَن الاستكثار. الثَّالِث: أَن يَكُونَا حِكَايَة أقاويل النَّاس: قَالَ فلَان كَذَا وَقيل كَذَا، أَو فِي أُمُور الَّذين بِأَن ينْقل من غير احْتِيَاط وَدَلِيل. قَوْله: (وَكَثْرَة السُّؤَال) أَي: فِي الْمسَائِل الَّتِي لَا حَاجَة لَهُ إِلَيْهَا أَو من الْأَمْوَال أَو عَن أَحْوَال النَّاس. قَوْله: و (إِضَاعَة المَال) وَهُوَ الْإِسْرَاف فِي الْإِنْفَاق وَقيل: الْإِنْفَاق فِي الْحَرَام.
٥٩٧٦ - حدَّثني إسْحاقُ حَدثنَا خالِدٌ الواسِطِيُّ عَنِ الجُرَيْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمانِ بنِ أبي بَكْرَة عَنْ أبِيهِ رَضِي الله عَنهُ، قَالَ: قَالَ رسولُ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: ألَا أُنَبِّئُكُمْ بأكْبَرِ الكَبائِرِ؟ قُلنا: بَلَى يَا رسُولَ الله! قَالَ: الإشْرَاك بِاللَّه وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ، وكانَ مُتَّكِئاً فَجَلَسَ فَقَالَ: ألَا وَقَوْلُ الزُّورِ وشَهادَةُ الزُّورِ، أَلا وقَوْلُ الزُّورِ وشَهادَةُ الزُّورِ، فَما زَالَ يَقُولُها حَتَّى قُلْتُ لَا يَسْكُتُ.
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي قَوْله: (وعقوق الْوَالِدين) وَإِسْحَاق هُوَ ابْن شاهين الوَاسِطِيّ، وخَالِد هُوَ ابْن عبد الله الطَّحَاوِيّ الوَاسِطِيّ، والجريري بِضَم الْجِيم وَفتح الرَّاء الأولى نِسْبَة إِلَى جرير بن عباد أخي الْحَارِث بن عباد بن ضبيعة بن قيس بن بكر بن