الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٦٥٩٦
الحديث رقم ٦٥٩٦ من كتاب «كتاب القدر» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب جف القلم على علم الله وأضله الله على علم.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
بَابٌ: اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ
٦٥٩٦ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ الرِّشْكُ قَالَ: سَمِعْتُ مُطَرِّفَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخِّيرِ يُحَدِّثُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْأَقْدَارَ غَالِبَةٌ وَالْعَاقِبَةُ غَائِبَةٌ، فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَغْتَرَّ بِظَاهِرِ الْحَالِ، وَمِنْ ثَمَّ شُرِعَ الدُّعَاءُ بِالثَّبَاتِ عَلَى الدِّينِ وَبِحُسْنِ الْخَاتِمَةِ، وَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ الْآتِي بَعْدَ بَابَيْنِ سُؤَالُ الصَّحَابَةِ عَنْ فَائِدَةِ الْعَمَلِ مَعَ تَقَدُّمِ التَّقْدِيرِ وَالْجَوَابِ عَنْهُ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، وَظَاهِرُهُ قَدْ يُعَارِضُ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا حَمْلُ حَدِيثِ عَلِيٍّ عَلَى الْأَكْثَرِ الْأَغْلَبِ، وَحَمْلُ حَدِيثِ الْبَابِ عَلَى الْأَقَلِّ، وَلَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ جَائِزًا تَعَيَّنَ طَلَبُ الثَّبَاتِ.
وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَمَّا سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ أَنْكَرَهُ، وَقَالَ: كَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يَعْمَلَ الْعَبْدُ عُمُرَهُ الطَّاعَةَ ثُمَّ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ انْتَهَى، وَتَوَقَّفَ شَيْخُنَا ابْنُ الْمُلَقِّنِ فِي صِحَّةِ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَظَهَرَ لِي أَنَّهُ إِنْ ثَبَتَ عَنْهُ حُمِلَ عَلَى أَنَّ رَاوِيَهُ حَذَفَ مِنْهُ قَوْلَهُ فِي آخِرِهِ: فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، فَيَدْخُلُهَا، أَوْ أَكْمَلَ الرَّاوِي لَكِنِ اسْتَبْعَدَ عُمَرُ وُقُوعَهُ، وَإِنْ كَانَ جَائِزًا، وَيَكُونُ إِيرَادُهُ عَلَى سَبِيلِ التَّخْوِيفِ مِنْ سُوءِ الْخَاتِمَةِ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي حَدِيثُ أَنَسٍ، قَوْلُهُ: (حَمَّاد) هُوَ ابْنُ زَيْدٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَيِ ابْنُ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ.
قَوْلُهُ: وَكَّلَ اللَّهُ بِالرَّحِمِ مَلَكًا فَيَقُولُ: أَيْ: رَبِّ نُطْفَةً، أَيْ رَبِّ عَلَقَةً … إِلَخْ، أَيْ يَقُولُ كُلَّ كَلِمَةٍ مِنْ ذَلِكَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي تَصِيرُ فِيهِ كَذَلِكَ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَقَدْ مَضَى شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِيهِ، وَتَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْهُ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ، وَيَجُوزُ فِي قَوْلِهِ نُطْفَةً النَّصْبُ عَلَى إِضْمَارِ فِعْلٍ، وَالرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وَفَائِدَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَسْتَفْهِمُ هَلْ يَتَكَوَّنُ مِنْهَا أَوْ لَا؟ وَقَوْلُهُ: أَنْ يَقْضِيَ خَلْقَهَا أَيْ يَأْذَنَ فِيهِ.
٢ - بَاب جَفَّ الْقَلَمُ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ وقوله: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ: جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ، وقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَهَا سَابِقُونَ﴾ سَبَقَتْ لَهُمْ السَّعَادَةُ.
٦٥٩٦ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ الرِّشْكُ، قَالَ: سَمِعْتُ مُطَرِّفَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ يُحَدِّثُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُعْرَفُ أَهْلُ الْجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَلِمَ يَعْمَلُ الْعَامِلُونَ؟ قَالَ: كُلٌّ يَعْمَلُ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أَوْ لِمَا يُسِّرَ لَهُ.
[الحديث ٦٥٩٦ - طرفه في ٧٥٥١]
قَوْلُهُ: بَابُ بِالتَّنْوِينِ، جَفَّ الْقَلَمُ: أَيْ فَرَغَتِ الْكِتَابَةُ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الَّذِي كُتِبَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ لَا يَتَغَيَّرُ حُكْمُهُ، فَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْفَرَاغِ مِنَ الْكِتَابَةِ ; لِأَنَّ الصَّحِيفَةَ حَالَ كِتَابَتِهَا تَكُونُ رَطْبَةً أَوْ بَعْضَهَا، وَكَذَلِكَ الْقَلَمُ، فَإِذَا انْتَهَتِ الْكِتَابَةُ جَفَّتِ الْكِتَابَةُ وَالْقَلَمُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ مِنْ إِطْلَاقِ اللَّازِمِ عَلَى الْمَلْزُومِ ; لِأَنَّ الْفَرَاغَ مِنَ الْكِتَابَةِ يَسْتَلْزِمُ جَفَافَ الْقَلَمِ عِنْدَ مِدَادِهِ، قُلْتُ: وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ كِتَابَةَ ذَلِكَ انْقَضَتْ مِنْ أَمَدٍ بَعِيدٍ، وَقَالَ عِيَاضٌ: مَعْنَى جَفَّ الْقَلَمُ، أَيْ: لَمْ يَكْتُبْ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْئًا، وَكِتَابُ اللَّهِ وَلَوْحُهُ وَقَلَمُهُ مِنْ غَيْبِهِ وَمِنْ عِلْمِهِ الَّذِي يَلْزَمُنَا الْإِيمَانُ بِهِ، وَلَا يَلْزَمُنَا مَعْرِفَةُ صِفَتِهِ، وَإِنَّمَا خُوطِبْنَا بِمَا عَهِدْنَا فِيمَا فَرَغْنَا مِنْ كِتَابَتِهِ أَنَّ الْقَلَمَ يَصِيرُ جَافًّا لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (عَلَى عِلْمِ اللَّهِ) أَيْ عَلَى حُكْمِهِ؛ لِأَنَّ مَعْلُومَهُ لَا بُدَّ أَنْ يَقَعَ، فَعِلْمُهُ بِمَعْلُومٍ يَسْتَلْزِمُ الْحُكْمَ بِوُقُوعِهِ، وَهَذَا لَفْظُ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الدَّيْلَمِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ ﷿ خَلَقَ خَلْقَهُ فِي ظُلْمَةٍ ثُمَّ أَلْقَى عَلَيْهِمْ مِنْ نُورِهِ، فَمَنْ أَصَابَهُ مِنْ نُورِهِ يَوْمَئِذٍ اهْتَدَى، وَمَنْ أَخْطَأَهُ ضَلَّ، فَلِذَلِكَ
أَقُولُ: جَفَّ الْقَلَمُ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي الدَّيْلَمِيِّ نَحْوَهُ، وَفِي آخِرِهِ أَنَّ الْقَائِلَ فَلِذَلِكَ أَقُولُ، هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وَلَفْظُهُ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: بَلَغَنِي أَنَّكَ تَقُولُ: إِنَّ الْقَلَمَ قَدْ جَفَّ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ - فَلِذَلِكَ أَقُولُ: جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ. وَيُقَالُ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ طَاهِرٍ أَمِيرَ خُرَاسَانَ لِلْمَأْمُونِ سَأَلَ الْحُسَيْنَ بْنَ الْفَضْلِ عَنْ قَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ مَعَ هَذَا الْحَدِيثِ، فَأَجَابَ: هِيَ شُئُونٌ يُبْدِيهَا لَا شُئُونَ يَبْتَدِيهَا ; فَقَامَ إِلَيْهِ وَقَبَّلَ رَأْسَهُ.
قَوْلُهُ: وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ لِيَ النَّبِيُّ ﷺ: جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ، هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ ذَكَرَ أَصْلَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَجُلٌ شَابٌّ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَى نَفْسِي الْعَنَتَ وَلَا أَجِدُ مَا أَتَزَوَّجُ بِهِ النِّسَاءَ، فَسَكَتَ عَنِّي الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ، فَاخْتَصِ عَلَى ذَلِكَ أَوْ ذَرْ، أَخْرَجَهُ فِي أَوَائِلِ النِّكَاحِ فَقَالَ: قَالَ أَصْبَغٌ - يَعْنِي ابْنُ الْفَرَجِ - أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَوَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَالْجَوْزَقِيُّ، وَالْفِرْيَابِيُّ فِي كِتَابِ الْقَدَرِ كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ أَصْبَغٍ بِهِ، وَقَالُوا كُلُّهُمْ بَعْدَ قَوْلِهِ: الْعَنَتَ، فَأَذِنَ لِي أَنْ أَخْتَصِيَ، وَوَقَعَ لَفْظُ: جَفَّ الْقَلَمُ أَيْضًا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: قَالَ سُرَاقَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِيمَ الْعَمَلُ أَفِيمَا جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَامُ وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ، الْحَدِيثَ، وَفِي آخَرِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي فِيهِ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ فَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ جَفَّتِ الْأَقْلَامُ وَطُوِيَتِ الصُّحُفُ وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي حَدِيثِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَلَمَ قَدْ جَفَّ بِمَا هُوَ كَائِنٌ، وَفِي حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ عَلَيٍّ عِنْدَ الْفِرْيَابِيِّ: رُفِعَ الْكِتَابُ وَجَفَّ الْقَلَمُ.
قَوْلُهُ: وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَهَا سَابِقُونَ، سَبَقَتْ لَهُمُ السَّعَادَةُ، وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ قَالَ: سَبَقَتْ لَهُمُ السَّعَادَةُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ سَارَعُوا إِلَى الْخَيْرَاتِ بِمَا سَبَقَ لَهُمْ مِنَ السَّعَادَةِ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ، وَنُقِلَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ اللَّامَ فِي لَهَا بِمَعْنَى الْبَاءِ، فَقَالَ: مَعْنَاهُ سَابِقُونَ بِهَا، فَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: وَتَأَوَّلَهَا بَعْضُهُمْ - أَيِ اللَّامَ - بِأَنَّهَا بِمَعْنَى إِلَى وَبَعْضُهُمْ أَنَّ الْمَعْنَى: وَهُمْ مِنْ أَجْلِهَا، وَنَقَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ أَنَّ الضَّمِيرَ لِلْخَيْرَاتِ، وَأَجَازَ غَيْرُهُ أَن لِلسَّعَادَةِ، وَالَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ تَفْسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَظَاهِرِ الْآيَةِ أَنَّ السَّعَادَةَ سَابِقَةٌ، وَأَنَّ أَهْلَهَا سَبَقُوا إِلَيْهَا لَا أَنَّهُمْ سَبَقُوهَا.
قَوْلُهُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ الرِّشْكِ، بِكَسْرِ الرَّاءِ، وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ، بَعْدَهَا كَافٌ كُنْيَتُهُ أَبُو الْأَزْهَرِ، وَحَكَى الْكَلَابَاذِيُّ أَنَّ اسْمَ وَالِدِهِ سِنَانٌ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَنُونَيْنِ، وَهُوَ بَصْرِيٌّ تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ، قِيلَ: كَانَ كَبِيرَ اللِّحْيَةِ، فَلُقِّبَ الرِّشْكُ. وَهُوَ بِالْفَارِسِيَّةِ كَمَا زَعَمَ أَبُو عَلِيٍّ الْغَسَّانِيُّ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ الْكَبِيرُ اللِّحْيَةِ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: كَانَ غَيُورًا فَقِيلَ لَهُ: إِرْشَكَ بِالْفَارِسِيَّةِ فَمَضَى عَلَيْهِ الرِّشْكُ، وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: بَلِ الرِّشْكُ بِالْفَارِسِيَّةِ الْقَمْلُ الصَّغِيرُ الْمُلْتَصِقُ بِأُصُولِ شَعْرِ اللِّحْيَةِ، وَذَكَرَ الْكَلَابَاذِيُّ أَنَّ الرِّشْكَ الْقَسَّامُ. قُلْتُ: بَلْ كَانَ يَزِيدُ يَتَعَانَى مَسَّاحَةَ الْأَرْضِ فَقِيلَ لَهُ: الْقَسَّامُ، وَكَانَ يُلَقَّبُ الرِّشْكُ لَا أَنَّ مَدْلُولَ الرِّشْكِ الْقَسَّامُ، بَلْ هُمَا لَقَبٌ وَنِسْبَةٌ إِلَى صَنْعَةٍ، وَالْمُعْتَمَدُ فِي أَمْرِهِ مَا قَالَ أَبُو حَاتِمٍ، وَمَا لِيَزِيدَ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ، أَوْرَدَهُ هُنَا وَفِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ.
قَوْلُهُ: قَالَ رَجُلٌ، هُوَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ رَاوِي الْخَبَرِ، بَيَّنَهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ يَزِيدَ الرِّشْكِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَذَكَرَهُ، وَسَيَأْتِي مَوْصُولًا فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، وَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ آخَرُونَ، وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَسْطٍ فِيهِ فِي شَرْحِ حَدِيثِ عَلِيٍّ قَرِيبًا.
قَوْلُهُ: أَيُعْرَفُ أَهْلُ الْجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ يَزِيدَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ: أَعُلِمَ، بِضَمِّ الْعَيْنِ، وَالْمُرَادُ بِالسُّؤَالِ مَعْرِفَةُ الْمَلَائِكَةِ أَوْ مَنْ أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ ; وَأَمَّا مَعْرِفَةُ الْعَامِلِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٦٥٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بنُ أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ) من الزِّيادة (الرِّشْكُ) بكسر الراء وسكون المعجمة والكاف، رُفِع صفة لـ «يزيدَ» لُقِّب به، قيل: لكِبَر لحيتهِ وهو بالفارسيَّة، ويقال: إنَّه بلغ من طولِ لحيتهِ إلى أن دخلتْ فيها عقربٌ، ومكثت ثلاثة أيامٍ لا يدري بها. ورجَّح في الفتح قول أبي حاتم الرَّازيِّ أنَّه كان غيورًا، فقيل له: ارشك بالفارسيَّة فمضى عليه الرِّشك. وقال الكِرْمانيُّ: هو بالفارسيَّة القَمْل الصَّغير الملتصق بأصولِ شعرِ اللِّحية (قَالَ: سَمِعْتُ مُطَرِّفَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) بكسر الراء المشدَّدة (ابْنِ الشِّخِّيرِ) بكسر الشين والخاء المشددة المعجمتين (يُحَدِّثُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين (قَالَ: قَالَ رَجُلٌ) هو عمران بنُ حُصين، كما بيَّنه مسدَّد في «مسنده» (يَا رَسُولَ اللهِ (١) أَيُعْرَفُ) بفتح الهمزة وضم التحتية وفتح الراء (أَهْلُ الجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ؟) أي: أيميَّز ويفرَّقُ بينهما بحسب قضاءِ الله وقدرهِ (قَالَ) ﷺ: (نَعَمْ. قَالَ) عمران: يا رسول الله (فَلِمَ يَعْمَلُ العَامِلُونَ)؟ أي: إذا سبق القلمُ بذلك، فلا يحتاجُ العامل إلى العملِ؛ لأنَّه سيصيرُ إلى ما قدِّر له (قَالَ) ﷺ: (كُلٌّ يَعْمَلُ لِمَا) للَّذي (خُلِقَ لَهُ) بضم الخاء وكسر اللام (ولِمَا) بالواو المفتوحة، وفي «الفتح»: «أو لِمَا» (يُسِّرَ لَهُ) بضم أوله وكسر السِّين المهملة المشددة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ييسَّرُ له» بتحتيَّتين وفتح السِّين، فعلى المكلَّف أنْ يدأبَ في الأعمالِ الصَّالحة، فإنَّ عملَه أمارة إلى ما يؤولُ إليهِ أمره غالبًا، وربُّك يفعلُ ما يشاءُ، فالعبدُ مِلْكه يتصرَّف فيه بما شاءَ، لا يسألُ عمَّا يفعل لا إله إلَّا هو عليه توكَّلت وبوجههِ الكريم أستجيرُ من عذابهِ الأليم، وأسألهُ جنَّات النَّعيم إنَّه الجوادُ الرَّحيم، وصلى الله على سيدنا محمَّد وعلى (٢) آله وصحبه وسلِّم أفضل الصَّلاة وأتمَّ (٣) التَّسليم.
وهذا الحديث أخرجهُ المؤلِّف أيضًا في «التَّوحيد» [خ¦٧٥٥١]، ومسلمٌ في «القدر»، وأبو داود في «السُّنَّة»، والنَّسائيُّ في «التَّفسير».
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
الْأَقْدَارَ غَالِبَةٌ وَالْعَاقِبَةُ غَائِبَةٌ، فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَغْتَرَّ بِظَاهِرِ الْحَالِ، وَمِنْ ثَمَّ شُرِعَ الدُّعَاءُ بِالثَّبَاتِ عَلَى الدِّينِ وَبِحُسْنِ الْخَاتِمَةِ، وَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ الْآتِي بَعْدَ بَابَيْنِ سُؤَالُ الصَّحَابَةِ عَنْ فَائِدَةِ الْعَمَلِ مَعَ تَقَدُّمِ التَّقْدِيرِ وَالْجَوَابِ عَنْهُ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، وَظَاهِرُهُ قَدْ يُعَارِضُ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا حَمْلُ حَدِيثِ عَلِيٍّ عَلَى الْأَكْثَرِ الْأَغْلَبِ، وَحَمْلُ حَدِيثِ الْبَابِ عَلَى الْأَقَلِّ، وَلَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ جَائِزًا تَعَيَّنَ طَلَبُ الثَّبَاتِ.
وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَمَّا سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ أَنْكَرَهُ، وَقَالَ: كَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يَعْمَلَ الْعَبْدُ عُمُرَهُ الطَّاعَةَ ثُمَّ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ انْتَهَى، وَتَوَقَّفَ شَيْخُنَا ابْنُ الْمُلَقِّنِ فِي صِحَّةِ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَظَهَرَ لِي أَنَّهُ إِنْ ثَبَتَ عَنْهُ حُمِلَ عَلَى أَنَّ رَاوِيَهُ حَذَفَ مِنْهُ قَوْلَهُ فِي آخِرِهِ: فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، فَيَدْخُلُهَا، أَوْ أَكْمَلَ الرَّاوِي لَكِنِ اسْتَبْعَدَ عُمَرُ وُقُوعَهُ، وَإِنْ كَانَ جَائِزًا، وَيَكُونُ إِيرَادُهُ عَلَى سَبِيلِ التَّخْوِيفِ مِنْ سُوءِ الْخَاتِمَةِ.
الْحَدِيثُ الثَّانِي حَدِيثُ أَنَسٍ، قَوْلُهُ: (حَمَّاد) هُوَ ابْنُ زَيْدٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَيِ ابْنُ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ.
قَوْلُهُ: وَكَّلَ اللَّهُ بِالرَّحِمِ مَلَكًا فَيَقُولُ: أَيْ: رَبِّ نُطْفَةً، أَيْ رَبِّ عَلَقَةً … إِلَخْ، أَيْ يَقُولُ كُلَّ كَلِمَةٍ مِنْ ذَلِكَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي تَصِيرُ فِيهِ كَذَلِكَ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَقَدْ مَضَى شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِيهِ، وَتَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْهُ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ، وَيَجُوزُ فِي قَوْلِهِ نُطْفَةً النَّصْبُ عَلَى إِضْمَارِ فِعْلٍ، وَالرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وَفَائِدَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ يَسْتَفْهِمُ هَلْ يَتَكَوَّنُ مِنْهَا أَوْ لَا؟ وَقَوْلُهُ: أَنْ يَقْضِيَ خَلْقَهَا أَيْ يَأْذَنَ فِيهِ.
٢ - بَاب جَفَّ الْقَلَمُ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ وقوله: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ: جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ، وقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَهَا سَابِقُونَ﴾ سَبَقَتْ لَهُمْ السَّعَادَةُ.
٦٥٩٦ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ الرِّشْكُ، قَالَ: سَمِعْتُ مُطَرِّفَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ يُحَدِّثُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُعْرَفُ أَهْلُ الْجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَلِمَ يَعْمَلُ الْعَامِلُونَ؟ قَالَ: كُلٌّ يَعْمَلُ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أَوْ لِمَا يُسِّرَ لَهُ.
[الحديث ٦٥٩٦ - طرفه في ٧٥٥١]
قَوْلُهُ: بَابُ بِالتَّنْوِينِ، جَفَّ الْقَلَمُ: أَيْ فَرَغَتِ الْكِتَابَةُ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الَّذِي كُتِبَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ لَا يَتَغَيَّرُ حُكْمُهُ، فَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْفَرَاغِ مِنَ الْكِتَابَةِ ; لِأَنَّ الصَّحِيفَةَ حَالَ كِتَابَتِهَا تَكُونُ رَطْبَةً أَوْ بَعْضَهَا، وَكَذَلِكَ الْقَلَمُ، فَإِذَا انْتَهَتِ الْكِتَابَةُ جَفَّتِ الْكِتَابَةُ وَالْقَلَمُ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ مِنْ إِطْلَاقِ اللَّازِمِ عَلَى الْمَلْزُومِ ; لِأَنَّ الْفَرَاغَ مِنَ الْكِتَابَةِ يَسْتَلْزِمُ جَفَافَ الْقَلَمِ عِنْدَ مِدَادِهِ، قُلْتُ: وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ كِتَابَةَ ذَلِكَ انْقَضَتْ مِنْ أَمَدٍ بَعِيدٍ، وَقَالَ عِيَاضٌ: مَعْنَى جَفَّ الْقَلَمُ، أَيْ: لَمْ يَكْتُبْ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْئًا، وَكِتَابُ اللَّهِ وَلَوْحُهُ وَقَلَمُهُ مِنْ غَيْبِهِ وَمِنْ عِلْمِهِ الَّذِي يَلْزَمُنَا الْإِيمَانُ بِهِ، وَلَا يَلْزَمُنَا مَعْرِفَةُ صِفَتِهِ، وَإِنَّمَا خُوطِبْنَا بِمَا عَهِدْنَا فِيمَا فَرَغْنَا مِنْ كِتَابَتِهِ أَنَّ الْقَلَمَ يَصِيرُ جَافًّا لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ.
قَوْلُهُ: (عَلَى عِلْمِ اللَّهِ) أَيْ عَلَى حُكْمِهِ؛ لِأَنَّ مَعْلُومَهُ لَا بُدَّ أَنْ يَقَعَ، فَعِلْمُهُ بِمَعْلُومٍ يَسْتَلْزِمُ الْحُكْمَ بِوُقُوعِهِ، وَهَذَا لَفْظُ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الدَّيْلَمِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ ﷿ خَلَقَ خَلْقَهُ فِي ظُلْمَةٍ ثُمَّ أَلْقَى عَلَيْهِمْ مِنْ نُورِهِ، فَمَنْ أَصَابَهُ مِنْ نُورِهِ يَوْمَئِذٍ اهْتَدَى، وَمَنْ أَخْطَأَهُ ضَلَّ، فَلِذَلِكَ
أَقُولُ: جَفَّ الْقَلَمُ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي الدَّيْلَمِيِّ نَحْوَهُ، وَفِي آخِرِهِ أَنَّ الْقَائِلَ فَلِذَلِكَ أَقُولُ، هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وَلَفْظُهُ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: بَلَغَنِي أَنَّكَ تَقُولُ: إِنَّ الْقَلَمَ قَدْ جَفَّ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ - فَلِذَلِكَ أَقُولُ: جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ. وَيُقَالُ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ طَاهِرٍ أَمِيرَ خُرَاسَانَ لِلْمَأْمُونِ سَأَلَ الْحُسَيْنَ بْنَ الْفَضْلِ عَنْ قَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ مَعَ هَذَا الْحَدِيثِ، فَأَجَابَ: هِيَ شُئُونٌ يُبْدِيهَا لَا شُئُونَ يَبْتَدِيهَا ; فَقَامَ إِلَيْهِ وَقَبَّلَ رَأْسَهُ.
قَوْلُهُ: وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ لِيَ النَّبِيُّ ﷺ: جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ، هُوَ طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ ذَكَرَ أَصْلَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَجُلٌ شَابٌّ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَى نَفْسِي الْعَنَتَ وَلَا أَجِدُ مَا أَتَزَوَّجُ بِهِ النِّسَاءَ، فَسَكَتَ عَنِّي الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ، فَاخْتَصِ عَلَى ذَلِكَ أَوْ ذَرْ، أَخْرَجَهُ فِي أَوَائِلِ النِّكَاحِ فَقَالَ: قَالَ أَصْبَغٌ - يَعْنِي ابْنُ الْفَرَجِ - أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَوَصَلَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَالْجَوْزَقِيُّ، وَالْفِرْيَابِيُّ فِي كِتَابِ الْقَدَرِ كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ أَصْبَغٍ بِهِ، وَقَالُوا كُلُّهُمْ بَعْدَ قَوْلِهِ: الْعَنَتَ، فَأَذِنَ لِي أَنْ أَخْتَصِيَ، وَوَقَعَ لَفْظُ: جَفَّ الْقَلَمُ أَيْضًا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ: قَالَ سُرَاقَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِيمَ الْعَمَلُ أَفِيمَا جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَامُ وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ، الْحَدِيثَ، وَفِي آخَرِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي فِيهِ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ فَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ جَفَّتِ الْأَقْلَامُ وَطُوِيَتِ الصُّحُفُ وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي حَدِيثِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَلَمَ قَدْ جَفَّ بِمَا هُوَ كَائِنٌ، وَفِي حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ عَلَيٍّ عِنْدَ الْفِرْيَابِيِّ: رُفِعَ الْكِتَابُ وَجَفَّ الْقَلَمُ.
قَوْلُهُ: وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَهَا سَابِقُونَ، سَبَقَتْ لَهُمُ السَّعَادَةُ، وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ قَالَ: سَبَقَتْ لَهُمُ السَّعَادَةُ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ سَارَعُوا إِلَى الْخَيْرَاتِ بِمَا سَبَقَ لَهُمْ مِنَ السَّعَادَةِ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ، وَنُقِلَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّ اللَّامَ فِي لَهَا بِمَعْنَى الْبَاءِ، فَقَالَ: مَعْنَاهُ سَابِقُونَ بِهَا، فَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: وَتَأَوَّلَهَا بَعْضُهُمْ - أَيِ اللَّامَ - بِأَنَّهَا بِمَعْنَى إِلَى وَبَعْضُهُمْ أَنَّ الْمَعْنَى: وَهُمْ مِنْ أَجْلِهَا، وَنَقَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ أَنَّ الضَّمِيرَ لِلْخَيْرَاتِ، وَأَجَازَ غَيْرُهُ أَن لِلسَّعَادَةِ، وَالَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ تَفْسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَظَاهِرِ الْآيَةِ أَنَّ السَّعَادَةَ سَابِقَةٌ، وَأَنَّ أَهْلَهَا سَبَقُوا إِلَيْهَا لَا أَنَّهُمْ سَبَقُوهَا.
قَوْلُهُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ الرِّشْكِ، بِكَسْرِ الرَّاءِ، وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ، بَعْدَهَا كَافٌ كُنْيَتُهُ أَبُو الْأَزْهَرِ، وَحَكَى الْكَلَابَاذِيُّ أَنَّ اسْمَ وَالِدِهِ سِنَانٌ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَنُونَيْنِ، وَهُوَ بَصْرِيٌّ تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ، قِيلَ: كَانَ كَبِيرَ اللِّحْيَةِ، فَلُقِّبَ الرِّشْكُ. وَهُوَ بِالْفَارِسِيَّةِ كَمَا زَعَمَ أَبُو عَلِيٍّ الْغَسَّانِيُّ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ الْكَبِيرُ اللِّحْيَةِ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: كَانَ غَيُورًا فَقِيلَ لَهُ: إِرْشَكَ بِالْفَارِسِيَّةِ فَمَضَى عَلَيْهِ الرِّشْكُ، وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ: بَلِ الرِّشْكُ بِالْفَارِسِيَّةِ الْقَمْلُ الصَّغِيرُ الْمُلْتَصِقُ بِأُصُولِ شَعْرِ اللِّحْيَةِ، وَذَكَرَ الْكَلَابَاذِيُّ أَنَّ الرِّشْكَ الْقَسَّامُ. قُلْتُ: بَلْ كَانَ يَزِيدُ يَتَعَانَى مَسَّاحَةَ الْأَرْضِ فَقِيلَ لَهُ: الْقَسَّامُ، وَكَانَ يُلَقَّبُ الرِّشْكُ لَا أَنَّ مَدْلُولَ الرِّشْكِ الْقَسَّامُ، بَلْ هُمَا لَقَبٌ وَنِسْبَةٌ إِلَى صَنْعَةٍ، وَالْمُعْتَمَدُ فِي أَمْرِهِ مَا قَالَ أَبُو حَاتِمٍ، وَمَا لِيَزِيدَ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْحَدِيثُ، أَوْرَدَهُ هُنَا وَفِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ.
قَوْلُهُ: قَالَ رَجُلٌ، هُوَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ رَاوِي الْخَبَرِ، بَيَّنَهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ يَزِيدَ الرِّشْكِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَذَكَرَهُ، وَسَيَأْتِي مَوْصُولًا فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، وَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ آخَرُونَ، وَسَيَأْتِي مَزِيدُ بَسْطٍ فِيهِ فِي شَرْحِ حَدِيثِ عَلِيٍّ قَرِيبًا.
قَوْلُهُ: أَيُعْرَفُ أَهْلُ الْجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ يَزِيدَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ: أَعُلِمَ، بِضَمِّ الْعَيْنِ، وَالْمُرَادُ بِالسُّؤَالِ مَعْرِفَةُ الْمَلَائِكَةِ أَوْ مَنْ أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ ; وَأَمَّا مَعْرِفَةُ الْعَامِلِ
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
٦٥٩٦ - وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ) بنُ أبي إياسٍ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج قال: (حَدَّثَنَا يَزِيدُ) من الزِّيادة (الرِّشْكُ) بكسر الراء وسكون المعجمة والكاف، رُفِع صفة لـ «يزيدَ» لُقِّب به، قيل: لكِبَر لحيتهِ وهو بالفارسيَّة، ويقال: إنَّه بلغ من طولِ لحيتهِ إلى أن دخلتْ فيها عقربٌ، ومكثت ثلاثة أيامٍ لا يدري بها. ورجَّح في الفتح قول أبي حاتم الرَّازيِّ أنَّه كان غيورًا، فقيل له: ارشك بالفارسيَّة فمضى عليه الرِّشك. وقال الكِرْمانيُّ: هو بالفارسيَّة القَمْل الصَّغير الملتصق بأصولِ شعرِ اللِّحية (قَالَ: سَمِعْتُ مُطَرِّفَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) بكسر الراء المشدَّدة (ابْنِ الشِّخِّيرِ) بكسر الشين والخاء المشددة المعجمتين (يُحَدِّثُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين (قَالَ: قَالَ رَجُلٌ) هو عمران بنُ حُصين، كما بيَّنه مسدَّد في «مسنده» (يَا رَسُولَ اللهِ (١) أَيُعْرَفُ) بفتح الهمزة وضم التحتية وفتح الراء (أَهْلُ الجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ؟) أي: أيميَّز ويفرَّقُ بينهما بحسب قضاءِ الله وقدرهِ (قَالَ) ﷺ: (نَعَمْ. قَالَ) عمران: يا رسول الله (فَلِمَ يَعْمَلُ العَامِلُونَ)؟ أي: إذا سبق القلمُ بذلك، فلا يحتاجُ العامل إلى العملِ؛ لأنَّه سيصيرُ إلى ما قدِّر له (قَالَ) ﷺ: (كُلٌّ يَعْمَلُ لِمَا) للَّذي (خُلِقَ لَهُ) بضم الخاء وكسر اللام (ولِمَا) بالواو المفتوحة، وفي «الفتح»: «أو لِمَا» (يُسِّرَ لَهُ) بضم أوله وكسر السِّين المهملة المشددة، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «ييسَّرُ له» بتحتيَّتين وفتح السِّين، فعلى المكلَّف أنْ يدأبَ في الأعمالِ الصَّالحة، فإنَّ عملَه أمارة إلى ما يؤولُ إليهِ أمره غالبًا، وربُّك يفعلُ ما يشاءُ، فالعبدُ مِلْكه يتصرَّف فيه بما شاءَ، لا يسألُ عمَّا يفعل لا إله إلَّا هو عليه توكَّلت وبوجههِ الكريم أستجيرُ من عذابهِ الأليم، وأسألهُ جنَّات النَّعيم إنَّه الجوادُ الرَّحيم، وصلى الله على سيدنا محمَّد وعلى (٢) آله وصحبه وسلِّم أفضل الصَّلاة وأتمَّ (٣) التَّسليم.
وهذا الحديث أخرجهُ المؤلِّف أيضًا في «التَّوحيد» [خ¦٧٥٥١]، ومسلمٌ في «القدر»، وأبو داود في «السُّنَّة»، والنَّسائيُّ في «التَّفسير».