الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث 6618
الحديث رقم 6618 من كتاب «كتاب القدر» في صحيح البخاري، تحت باب: باب يحول بين المرء وقلبه.
آخر تحديث 18 يوليو 2026 - 19:14
٦٦١٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ، وَبِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
والحديث أخرجه أيضًا في «التَّوحيد» [خ¦٧٣٩١] و «الأيمان والنُّذور» [خ¦٦٦٢٨]، والتِّرمذيُّ في «الأيمان»، والنَّسائيُّ (١) وابن ماجه في «الكفَّارات».
٦٦١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ) المروزيُّ (وَبِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، السَّخْتِيانيُّ المروزيُّ (قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بفتح الميمين بينهما عين مهملة ساكنة، ابنُ راشد (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بنِ مسلمٍ (عَنْ سَالِمٍ) هو ابنُ عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لاِبْنِ صَيَّادٍ) صاف: (خَبَأْتُ لَكَ خَبِيْئًا) بفتح المعجمة وكسر الموحدة بعدها تحتية ساكنة، ولأبي ذرٍّ: «خبْأً» بسكون الموحدة من غير تحتية (قَالَ) ابنُ صيَّاد: هو (الدُّخُّ) بضم الدال المهملة والخاء المعجمة المشدَّدة، أراد أن يقول: الدُّخان، فلم يستطع أن يقول ذلك تامًّا على عادة الكُهَّان من اختطافِ بعض الكلماتِ من أوليائهم مِن الجنِّ (قَالَ) النَّبيُّ ﷺ له خطابَ زجرٍ وإهانةٍ: (اخْسَأْ) بالخاء المعجمة والهمزة الساكنة بينهما سين مهملة مفتوحة، أي: اسكتْ صاغرًا مطرودًا (فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ) بالعين المهملة (قَالَ عُمَرُ) بنُ الخطاب ﵁: يا رسولَ الله (ائْذَنْ لِي فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، قَالَ) ﷺ: (دَعْهُ) اتركه (إِنْ يَكُنْ هُوَ) الدَّجَّال (فَلَا تُطِيقُهُ) لأنَّه إن كان سبقَ في علمِ الله تعالى أنَّه يخرجُ ويفعلُ ما يفعلُ، فإنَّه تعالى لا يُقْدِرك على قتلِ من سبقَ في علمهِ أنَّه سيحيى إلى أن يفعلَ ما يفعل؛ إذ لو أقدَرك (٢) على ذلك لكان فيه انقلابُ علمه، والله تعالى منزَّهٌ عن ذلك، قاله ابنُ بطال. وفي «الجنائز»: «فلنْ تُسَلَّطْ عليه» [خ¦١٣٥٤] بالجزمِ على لغةِ من
يجزمُ بـ «لن» (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ، فَلَا خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ) و «يكن» هو بضمير الفصلِ (١) في الموضعين، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «يكنه» بالضَّمير المتَّصل، واختارَ الأوَّل ابنُ مالكٍ في «التَّسهيل»، والثَّاني في «الخلاصة» فعلى الأولى لفظ «هو» تأكيدٌ للضَّمير المستتر و «كان» تامَّة، وقول الزَّركشيِّ في «التنقيح»: إن يكنه، استدلَّ به ابنُ مالك على اتِّصال الضَّمير إذا وقعَ خبرًا لكان، لكن في روايةٍ: «إن يكن هو» فلا دليل فيه؛ تعقَّبه في «المصابيح» فقال: هذا من أعجبِ ما يُسمع، كيف تكون الرِّواية الثَّانية مقتضيةً لعدم الدَّليل في الرِّواية الأولى، والفرض أنَّ الضَّمير المنفصل المرفوع في الثَّانية تأكيدٌ للضَّمير المستكنّ في «يكن»، وهو اسم «كانَ» وخبرها محذوفٌ، أي: إن يكن هو الدَّجَّال، والضَّمير المتَّصل في الرِّواية الأخرى خبرُ «كان» فبهذا وقعَ الاستدلالُ في محلِّ النِّزاع، وهل هو (٢) الأولى في خبرِ «كان» إذا وقعَ ضميرًا أن يكون متَّصلًا أو منفصلًا، فهذا الحديثُ شاهدٌ لاختيارِ الاتصالِ، وأمَّا «إن يكن هو» فليستْ من محلِّ النِّزاع في شيءٍ؛ إذ ليس الضَّمير فيها خبر «كان» قطعًا.
والحديث سبق في «باب إذا أسلم الصَّبي فمات هل يصلَّى عليه» من «كتاب الجنائز» [خ¦١٣٥٤].
(١٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه قوله تعالى: (﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١]) أي: (قَضَى) لنا من خيرٍ أو شرٍّ، كما قدَّر في الأزل وكتبَ في اللَّوح المحفوظ، و ﴿لَنَا﴾ مفيدةٌ معنى الاختصاص كأنَّه قيل: لن يُصيبنا إلَّا ما اختصَّنا الله بإثباتهِ وإيجابهِ. وقال الرَّاغب: عبَّر بقولهِ: ﴿لَنَا﴾ ولم يعبِّر بقولهِ: علينَا؛ تنبيهًا على أنَّ الَّذي يُصيبنَا نعدُّه نعمةً لا نقمةً.
(قَالَ مُجَاهِدٌ) في تفسير قولهِ تعالى: ﴿مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ﴾ (﴿بِفَاتِنِينَ﴾ [الصافات: ١٦٢]) أي: ما أنتم (بِمُضِلِّينَ إِلَّا مَنْ كَتَبَ اللهُ) عليه في السَّابقة (أَنَّهُ يَصْلَى الجَحِيمَ) أي: يدخلُ النَّار، وهذا وصلَه عبدُ بن حُميد بمعناه.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
المَال وَكَثْرَة الْعِيَال وَفِي التَّوْضِيح جهد الْبلَاء أقْصَى مَا يبلغ وَهُوَ الْجهد بِضَم الْجِيم وَفتحهَا قَوْله وشماتة الْأَعْدَاء الشماتة هِيَ الْحزن يفرح الْعَدو والفرح يحزنهُ
(بَاب يحول بَين الْمَرْء وَقَلبه)
أَي هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى يحول بَين الْمَرْء وَقَلبه وأوله {وَاعْلَمُوا أَن الله يحول بَين الْمَرْء وَقَلبه وَأَنه إِلَيْهِ تحشرون} وَعَن سعيد بن جُبَير مَعْنَاهُ يحول بَين الْكَافِر أَن يُؤمن وَبَين الْمُؤمن أَن يكفر وَعَن ابْن عَبَّاس يحول بَين الْكَافِر وطاعته وَبَين الْمُؤمن ومعصيته وَكَذَا روى عَن الضَّحَّاك وَعَن مُجَاهِد يحول بَين الْمَرْء وَقَلبه فَلَا يعقل وَلَا يدْرِي مَا يعلم وَالْغَرَض من هَذِه التَّرْجَمَة الْإِشَارَة إِلَى أَن الله خَالق لجَمِيع كسب الْعباد من الْخَيْر وَالشَّر وَأَنه قَادر على أَن يحول بَين الْكَافِر وَالْإِيمَان وَلم يقدره إِلَّا على ضِدّه وَهُوَ الْكفْر وعَلى أَن يحول بَين الْمُؤمن وَالْكفْر وأقدره على ضِدّه وَهُوَ الْإِيمَان وَفعل الله عدل فِيمَن أضلّهُ لِأَنَّهُ لم يمنعهُم حَقًا وَجب عَلَيْهِ وخلقهم على إِرَادَته لَا على إرادتهم وَكَانَ من خلق فيهم من قُوَّة الْهِدَايَة والتوفيق على وَجه التَّفْصِيل
٢٤ - (حَدثنَا مُحَمَّد بن مقَاتل أَبُو الْحسن أخبرنَا عبد الله أخبرنَا مُوسَى بن عقبَة عَن سَالم عَن عبد الله قَالَ كثيرا مِمَّا كَانَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يحلف لَا ومقلب الْقُلُوب) مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن معنى مُقَلِّب الْقُلُوب تقليبه قلب عَبده عَن إِيثَار الْإِيمَان إِلَى إِيثَار الْكفْر وَعَكسه وَفعل الله عدل فِي ذَلِك كَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك ومُوسَى بن عقبَة بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْقَاف وَسَالم هُوَ ابْن عبد الله يروي عَن أَبِيه عبد الله بن عمر بن الْخطاب والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّوْحِيد عَن سعيد بن سُلَيْمَان وَفِي الْإِيمَان وَالنُّذُور عَن مُحَمَّد بن يُوسُف وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْإِيمَان عَن عَليّ بن حجر وَعبد الله بن جَعْفَر وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن أَحْمد بن سُلَيْمَان وَغَيره وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْكَفَّارَات عَن عَليّ بن مُحَمَّد الطنافسي قَوْله كثيرا نصب على أَنه صفة لمصدر مَحْذُوف تَقْدِيره يحلف حلفا كثيرا مِمَّا كَانَ يُرِيد أَن يحلف بِهِ من أَلْفَاظ الْحلف قَوْله لَا فِيهِ حذف نَحْو لَا أفعل أَو لَا أترك وَحقّ مُقَلِّب الْقُلُوب وَهُوَ الله عز وَجل وَالْوَاو فِيهِ للقسم قَالَ الْكرْمَانِي مُقَلِّب الْقُلُوب أَي يقلب أغراضها وَأَحْوَالهَا من الْإِرَادَة وَغَيرهَا إِذْ حَقِيقَة الْقلب لَا تنْقَلب وَفِيه دلَالَة على أَن أَعمال الْقُلُوب من الإرادات والدواعي وَسَائِر الْأَغْرَاض بِخلق الله تَعَالَى كأفعال الْجَوَارِح
٢٥ - (حَدثنَا عَليّ بن حَفْص وَبشر بن مُحَمَّد قَالَا أخبرنَا عبد الله قَالَ أخبرنَا معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ قَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِابْنِ صياد خبأت لَك خبيئا قَالَ الدخ قَالَ اخْسَأْ فَلَنْ تعدو قدرك قَالَ عمر ائْذَنْ لي فَأَضْرب عُنُقه قَالَ دَعه إِن يكن هُوَ لَا تُطِيقهُ وَإِن لم يكن هُوَ فَلَا خير لَك فِي قَتله) مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله إِن يكن هُوَ إِلَى آخِره يَعْنِي إِن كَانَ الَّذِي قَالَ قد سبق فِي علم الله خُرُوجه وإضلاله النَّاس فَلَنْ يقدرك خالقك على قتل من سبق فِي علمه أَنه يخرج ويضل النَّاس إِذْ لَو أقدرك على هَذَا لَكَانَ فِيهِ انقلاب علمه وَالله تَعَالَى عَن ذَلِك وَعلي بن حَفْص الْمروزِي سكن عسقلان وَبشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة ابْن مُحَمَّد أَبُو مُحَمَّد السّخْتِيَانِيّ الْمروزِي وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي وَمعمر بِفَتْح الميمين ابْن رَاشد وَالزهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم وَسَالم بن عبد الله بن عمر والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْجَنَائِز فِي بَاب إِذا أسلم الصَّبِي فَمَاتَ هَل يصلى عَلَيْهِ فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ مطولا وَمضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوْفِي قَوْله لِابْنِ صياد اسْمه صَاف قَوْله خبيئا ويروى خبا قَوْله الدخ بِضَم
الدَّال الْمُهْملَة وَتَشْديد الْخَاء الْمُعْجَمَة الدُّخان، وَقيل: أَرَادَ أَن يَقُول: الدُّخان، فَلم يُمكنهُ لهيبة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَو زَجره رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَلم يسْتَطع أَن يخرج الْكَلِمَة تَامَّة. قَوْله: (اخْسَأْ) بِالْهَمْزَةِ يُقَال خسأ الْكَلْب إِذا بعد، وأخسأ أَمر مِنْهُ وَهُوَ خطاب زجر وإهانة. قَوْله: (فَلَنْ تعدو) ويروى بِحَذْف الْوَاو تَخْفِيفًا، أَو بِتَأْوِيل: لن، بِمَعْنى: لم، والجزم بلن لُغَة حَكَاهَا الْكسَائي. قَوْله: (إِن يكن هُوَ) ويروى: إِن يكنه، وَفِيه رد على النَّحْوِيّ حَيْثُ قَالَ: وَالْمُخْتَار فِي خبر: كَانَ، الِانْفِصَال. قَوْله: (فَلَا تُطِيقهُ) أَي: لَا تطِيق قَتله إِذا الْمُقدر أَنه يخرج فِي آخر الزَّمَان خُرُوجًا يفْسد فِي الأَرْض ثمَّ يقْتله عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام. قَوْله: (فَلَا خير لَك) قيل: كَانَ يَدعِي النُّبُوَّة فَلم لَا يكون قَتله خيرا؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ كَانَ غير بَالغ، أَو كَانَ فِي مهادنة أَيَّام الْيَهُود وحلفائهم، وَأما امتحانه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالخبء فلإظهار بطلَان حَاله للصحابة، وَأَن مرتبته لَا تتجاوز عَن الكهانة.
٥١ - (بابُ {قل لن يصيبنا إِلَّا مَا كتب الله لنا} (التَّوْبَة: ١٥) قَضَى.)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {قل لن يصيبنا} . . إِلَى آخِره. قَوْله: قضى، تَفْسِير لقَوْله: كتب، وَأَشَارَ بِهَذِهِ الْآيَة إِلَى أَن الله تَعَالَى أعلم عباده أَن مَا يصيبهم فِي الدُّنْيَا من الشدائد والمحن والضيق وَالْخصب والجدب إِن ذَلِك كُله فعل الله تَعَالَى، يفعل من ذَلِك مَا يَشَاء لِعِبَادِهِ ويبتليهم بِالْخَيرِ وَالشَّر، وَذَلِكَ كُله مَكْتُوب فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ.
قَالَ مُجاهِدِ: بِفاتِنِينَ بِمُضِلِّينَ، إلاّ مَنْ كَتَب الله. أنَّهُ يَصْلَى الجَحِيمَ.
أَي قَالَ مُجَاهِد فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: {مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ إِلَاّ مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ} (الصافات: ٢٦١ ٣٦١) أَي: مَا أَنْتُم عَلَيْهِ بمضلين إلَاّ من كتب الله تَعَالَى أَنه يُصَلِّي أَي: يدْخل الْجَحِيم، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله عبد بن حميد بِمَعْنَاهُ من طَرِيق إِسْرَائِيل عَن مَنْصُور فِي هَذِه الْآيَة، قَالَ: لَا يفتنون إلَاّ من كتب عَلَيْهِ الضَّلَالَة.
قَدَّرَ فَهَدَى. قَدَّرَ الشَّقاءَ والسَّعادَةَ وهَدَى الأنْعامَ لِمَرَاتِعِها.
أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {وَالَّذِي قدر فهدى} (الْأَعْلَى: ٣) وَفَسرهُ بقوله: قدر الشَّقَاء والسعادة، وَوَصله الْفرْيَابِيّ عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد. قَوْله: الْأَنْعَام لمراتعها، لَيْسَ لَهُ تعلق بِمَا قبله بل هُوَ تَفْسِير لمثل قَوْله تَعَالَى: {رَبنَا الَّذِي أعْطى كل شَيْء خلقه ثمَّ هدى} (طه: ٠٥) .
٩١٦٦ - حدّثني إسْحَاقُ بنُ إبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِيُّ أخبرنَا النَّضْرُ حدّثنا داوُدُ بنُ أبي الفُراتِ عنْ عَبْدِ الله بنِ بُرَيْدَةَ عنْ يَحْيَاى بنِ يَعْمَرُ أنَّ عائِشَةَ رَضِي الله عَنْهَا، أخْبَرَتْهُ أنَّها سَألَتْ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عنِ الطَّاعُونِ. فَقَالَ: (كَانَ عَذاباً يَبْعَثُهُ الله عَلى مَنْ يَشَاءُ، فَجَعَلَهُ الله رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، مَا مِنْ عَبْدٍ يَكُونُ فِي بَلْدَةٍ يَكُونُ فِيها ويَمْكُثُ فِيها لَا يخْرُجُ مِنَ البَلْدَةِ صابِراً مُحْتَسِباً، يَعْلَمُ أنّهُ لَا يُصِيبُهُ إلاّ مَا كَتَبَ الله لهُ، إلَاّ كانَ لهُ مِثْلُ أجْرِ شَهِيدٍ) . (انْظُر الحَدِيث ٧٤٣ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث. وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم هُوَ ابْن رَاهَوَيْه، ونسبته إِلَى حَنْظَلَة بن مَالك بن زيد منات بن تَمِيم بطن عامتهم بِالْبَصْرَةِ، وَالنضْر بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة ابْن شُمَيْل، وَدَاوُد بن أبي الْفُرَات بِضَم الْفَاء وَتَخْفِيف الرَّاء الْمروزِي تحول إِلَى الْبَصْرَة، وَعبد الله بن بُرَيْدَة مصغر الْبردَة الْأَسْلَمِيّ قَاضِي مرو، وَيحيى بن يعمر بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَضم الْمِيم وبالراء القَاضِي أَيْضا بمرو، وَالرِّجَال كلهم مروزيون. وَهُوَ من الغرائب.
والْحَدِيث مضى فِي التَّفْسِير وَفِي ذكر بني إِسْرَائِيل وَفِي الطِّبّ عَن إِسْحَاق عَن حبَان. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطِّبّ عَن الْعَبَّاس بن مُحَمَّد وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (الطَّاعُون) الوباء قَالَه أهل اللُّغَة، وَقَالَ الدَّاودِيّ: إِنَّه حب ينْبت فِي الأرفاغ، وَقيل: هُوَ بِئْر مؤلم جدا يخرج غَالِبا من الآباط مَعَ اسوداد حواليه وخفقان الْقلب. قَوْله: (رَحْمَة) قيل مَا معنى كَون الْعَذَاب رَحْمَة؟ . وَأجِيب بِأَنَّهُ وَإِن كَانَ هُوَ محنة فِي
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
والحديث أخرجه أيضًا في «التَّوحيد» [خ¦٧٣٩١] و «الأيمان والنُّذور» [خ¦٦٦٢٨]، والتِّرمذيُّ في «الأيمان»، والنَّسائيُّ (١) وابن ماجه في «الكفَّارات».
٦٦١٨ - وبه قال: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ) المروزيُّ (وَبِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، السَّخْتِيانيُّ المروزيُّ (قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ) بن المبارك المروزيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بفتح الميمين بينهما عين مهملة ساكنة، ابنُ راشد (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بنِ مسلمٍ (عَنْ سَالِمٍ) هو ابنُ عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄) أنَّه (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لاِبْنِ صَيَّادٍ) صاف: (خَبَأْتُ لَكَ خَبِيْئًا) بفتح المعجمة وكسر الموحدة بعدها تحتية ساكنة، ولأبي ذرٍّ: «خبْأً» بسكون الموحدة من غير تحتية (قَالَ) ابنُ صيَّاد: هو (الدُّخُّ) بضم الدال المهملة والخاء المعجمة المشدَّدة، أراد أن يقول: الدُّخان، فلم يستطع أن يقول ذلك تامًّا على عادة الكُهَّان من اختطافِ بعض الكلماتِ من أوليائهم مِن الجنِّ (قَالَ) النَّبيُّ ﷺ له خطابَ زجرٍ وإهانةٍ: (اخْسَأْ) بالخاء المعجمة والهمزة الساكنة بينهما سين مهملة مفتوحة، أي: اسكتْ صاغرًا مطرودًا (فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ) بالعين المهملة (قَالَ عُمَرُ) بنُ الخطاب ﵁: يا رسولَ الله (ائْذَنْ لِي فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، قَالَ) ﷺ: (دَعْهُ) اتركه (إِنْ يَكُنْ هُوَ) الدَّجَّال (فَلَا تُطِيقُهُ) لأنَّه إن كان سبقَ في علمِ الله تعالى أنَّه يخرجُ ويفعلُ ما يفعلُ، فإنَّه تعالى لا يُقْدِرك على قتلِ من سبقَ في علمهِ أنَّه سيحيى إلى أن يفعلَ ما يفعل؛ إذ لو أقدَرك (٢) على ذلك لكان فيه انقلابُ علمه، والله تعالى منزَّهٌ عن ذلك، قاله ابنُ بطال. وفي «الجنائز»: «فلنْ تُسَلَّطْ عليه» [خ¦١٣٥٤] بالجزمِ على لغةِ من
يجزمُ بـ «لن» (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ، فَلَا خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ) و «يكن» هو بضمير الفصلِ (١) في الموضعين، ولأبي ذرٍّ عن الحَمُّويي والمُستملي: «يكنه» بالضَّمير المتَّصل، واختارَ الأوَّل ابنُ مالكٍ في «التَّسهيل»، والثَّاني في «الخلاصة» فعلى الأولى لفظ «هو» تأكيدٌ للضَّمير المستتر و «كان» تامَّة، وقول الزَّركشيِّ في «التنقيح»: إن يكنه، استدلَّ به ابنُ مالك على اتِّصال الضَّمير إذا وقعَ خبرًا لكان، لكن في روايةٍ: «إن يكن هو» فلا دليل فيه؛ تعقَّبه في «المصابيح» فقال: هذا من أعجبِ ما يُسمع، كيف تكون الرِّواية الثَّانية مقتضيةً لعدم الدَّليل في الرِّواية الأولى، والفرض أنَّ الضَّمير المنفصل المرفوع في الثَّانية تأكيدٌ للضَّمير المستكنّ في «يكن»، وهو اسم «كانَ» وخبرها محذوفٌ، أي: إن يكن هو الدَّجَّال، والضَّمير المتَّصل في الرِّواية الأخرى خبرُ «كان» فبهذا وقعَ الاستدلالُ في محلِّ النِّزاع، وهل هو (٢) الأولى في خبرِ «كان» إذا وقعَ ضميرًا أن يكون متَّصلًا أو منفصلًا، فهذا الحديثُ شاهدٌ لاختيارِ الاتصالِ، وأمَّا «إن يكن هو» فليستْ من محلِّ النِّزاع في شيءٍ؛ إذ ليس الضَّمير فيها خبر «كان» قطعًا.
والحديث سبق في «باب إذا أسلم الصَّبي فمات هل يصلَّى عليه» من «كتاب الجنائز» [خ¦١٣٥٤].
(١٥) هذا (بابٌ) بالتَّنوين يذكرُ فيه قوله تعالى: (﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١]) أي: (قَضَى) لنا من خيرٍ أو شرٍّ، كما قدَّر في الأزل وكتبَ في اللَّوح المحفوظ، و ﴿لَنَا﴾ مفيدةٌ معنى الاختصاص كأنَّه قيل: لن يُصيبنا إلَّا ما اختصَّنا الله بإثباتهِ وإيجابهِ. وقال الرَّاغب: عبَّر بقولهِ: ﴿لَنَا﴾ ولم يعبِّر بقولهِ: علينَا؛ تنبيهًا على أنَّ الَّذي يُصيبنَا نعدُّه نعمةً لا نقمةً.
(قَالَ مُجَاهِدٌ) في تفسير قولهِ تعالى: ﴿مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ﴾ (﴿بِفَاتِنِينَ﴾ [الصافات: ١٦٢]) أي: ما أنتم (بِمُضِلِّينَ إِلَّا مَنْ كَتَبَ اللهُ) عليه في السَّابقة (أَنَّهُ يَصْلَى الجَحِيمَ) أي: يدخلُ النَّار، وهذا وصلَه عبدُ بن حُميد بمعناه.
📚 عمدة القاري شرح صحيح البخاري - الإمام بدر الدين العيني
المَال وَكَثْرَة الْعِيَال وَفِي التَّوْضِيح جهد الْبلَاء أقْصَى مَا يبلغ وَهُوَ الْجهد بِضَم الْجِيم وَفتحهَا قَوْله وشماتة الْأَعْدَاء الشماتة هِيَ الْحزن يفرح الْعَدو والفرح يحزنهُ
(بَاب يحول بَين الْمَرْء وَقَلبه)
أَي هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى يحول بَين الْمَرْء وَقَلبه وأوله {وَاعْلَمُوا أَن الله يحول بَين الْمَرْء وَقَلبه وَأَنه إِلَيْهِ تحشرون} وَعَن سعيد بن جُبَير مَعْنَاهُ يحول بَين الْكَافِر أَن يُؤمن وَبَين الْمُؤمن أَن يكفر وَعَن ابْن عَبَّاس يحول بَين الْكَافِر وطاعته وَبَين الْمُؤمن ومعصيته وَكَذَا روى عَن الضَّحَّاك وَعَن مُجَاهِد يحول بَين الْمَرْء وَقَلبه فَلَا يعقل وَلَا يدْرِي مَا يعلم وَالْغَرَض من هَذِه التَّرْجَمَة الْإِشَارَة إِلَى أَن الله خَالق لجَمِيع كسب الْعباد من الْخَيْر وَالشَّر وَأَنه قَادر على أَن يحول بَين الْكَافِر وَالْإِيمَان وَلم يقدره إِلَّا على ضِدّه وَهُوَ الْكفْر وعَلى أَن يحول بَين الْمُؤمن وَالْكفْر وأقدره على ضِدّه وَهُوَ الْإِيمَان وَفعل الله عدل فِيمَن أضلّهُ لِأَنَّهُ لم يمنعهُم حَقًا وَجب عَلَيْهِ وخلقهم على إِرَادَته لَا على إرادتهم وَكَانَ من خلق فيهم من قُوَّة الْهِدَايَة والتوفيق على وَجه التَّفْصِيل
٢٤ - (حَدثنَا مُحَمَّد بن مقَاتل أَبُو الْحسن أخبرنَا عبد الله أخبرنَا مُوسَى بن عقبَة عَن سَالم عَن عبد الله قَالَ كثيرا مِمَّا كَانَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يحلف لَا ومقلب الْقُلُوب) مطابقته للتَّرْجَمَة من حَيْثُ أَن معنى مُقَلِّب الْقُلُوب تقليبه قلب عَبده عَن إِيثَار الْإِيمَان إِلَى إِيثَار الْكفْر وَعَكسه وَفعل الله عدل فِي ذَلِك كَمَا ذَكرْنَاهُ الْآن وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك ومُوسَى بن عقبَة بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْقَاف وَسَالم هُوَ ابْن عبد الله يروي عَن أَبِيه عبد الله بن عمر بن الْخطاب والْحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي التَّوْحِيد عَن سعيد بن سُلَيْمَان وَفِي الْإِيمَان وَالنُّذُور عَن مُحَمَّد بن يُوسُف وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْإِيمَان عَن عَليّ بن حجر وَعبد الله بن جَعْفَر وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن أَحْمد بن سُلَيْمَان وَغَيره وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْكَفَّارَات عَن عَليّ بن مُحَمَّد الطنافسي قَوْله كثيرا نصب على أَنه صفة لمصدر مَحْذُوف تَقْدِيره يحلف حلفا كثيرا مِمَّا كَانَ يُرِيد أَن يحلف بِهِ من أَلْفَاظ الْحلف قَوْله لَا فِيهِ حذف نَحْو لَا أفعل أَو لَا أترك وَحقّ مُقَلِّب الْقُلُوب وَهُوَ الله عز وَجل وَالْوَاو فِيهِ للقسم قَالَ الْكرْمَانِي مُقَلِّب الْقُلُوب أَي يقلب أغراضها وَأَحْوَالهَا من الْإِرَادَة وَغَيرهَا إِذْ حَقِيقَة الْقلب لَا تنْقَلب وَفِيه دلَالَة على أَن أَعمال الْقُلُوب من الإرادات والدواعي وَسَائِر الْأَغْرَاض بِخلق الله تَعَالَى كأفعال الْجَوَارِح
٢٥ - (حَدثنَا عَليّ بن حَفْص وَبشر بن مُحَمَّد قَالَا أخبرنَا عبد الله قَالَ أخبرنَا معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا قَالَ قَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لِابْنِ صياد خبأت لَك خبيئا قَالَ الدخ قَالَ اخْسَأْ فَلَنْ تعدو قدرك قَالَ عمر ائْذَنْ لي فَأَضْرب عُنُقه قَالَ دَعه إِن يكن هُوَ لَا تُطِيقهُ وَإِن لم يكن هُوَ فَلَا خير لَك فِي قَتله) مطابقته للتَّرْجَمَة تُؤْخَذ من قَوْله إِن يكن هُوَ إِلَى آخِره يَعْنِي إِن كَانَ الَّذِي قَالَ قد سبق فِي علم الله خُرُوجه وإضلاله النَّاس فَلَنْ يقدرك خالقك على قتل من سبق فِي علمه أَنه يخرج ويضل النَّاس إِذْ لَو أقدرك على هَذَا لَكَانَ فِيهِ انقلاب علمه وَالله تَعَالَى عَن ذَلِك وَعلي بن حَفْص الْمروزِي سكن عسقلان وَبشر بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الشين الْمُعْجَمَة ابْن مُحَمَّد أَبُو مُحَمَّد السّخْتِيَانِيّ الْمروزِي وَعبد الله هُوَ ابْن الْمُبَارك الْمروزِي وَمعمر بِفَتْح الميمين ابْن رَاشد وَالزهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم وَسَالم بن عبد الله بن عمر والْحَدِيث مضى فِي كتاب الْجَنَائِز فِي بَاب إِذا أسلم الصَّبِي فَمَاتَ هَل يصلى عَلَيْهِ فَإِنَّهُ أخرجه هُنَاكَ مطولا وَمضى الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوْفِي قَوْله لِابْنِ صياد اسْمه صَاف قَوْله خبيئا ويروى خبا قَوْله الدخ بِضَم
الدَّال الْمُهْملَة وَتَشْديد الْخَاء الْمُعْجَمَة الدُّخان، وَقيل: أَرَادَ أَن يَقُول: الدُّخان، فَلم يُمكنهُ لهيبة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، أَو زَجره رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم، فَلم يسْتَطع أَن يخرج الْكَلِمَة تَامَّة. قَوْله: (اخْسَأْ) بِالْهَمْزَةِ يُقَال خسأ الْكَلْب إِذا بعد، وأخسأ أَمر مِنْهُ وَهُوَ خطاب زجر وإهانة. قَوْله: (فَلَنْ تعدو) ويروى بِحَذْف الْوَاو تَخْفِيفًا، أَو بِتَأْوِيل: لن، بِمَعْنى: لم، والجزم بلن لُغَة حَكَاهَا الْكسَائي. قَوْله: (إِن يكن هُوَ) ويروى: إِن يكنه، وَفِيه رد على النَّحْوِيّ حَيْثُ قَالَ: وَالْمُخْتَار فِي خبر: كَانَ، الِانْفِصَال. قَوْله: (فَلَا تُطِيقهُ) أَي: لَا تطِيق قَتله إِذا الْمُقدر أَنه يخرج فِي آخر الزَّمَان خُرُوجًا يفْسد فِي الأَرْض ثمَّ يقْتله عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام. قَوْله: (فَلَا خير لَك) قيل: كَانَ يَدعِي النُّبُوَّة فَلم لَا يكون قَتله خيرا؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ كَانَ غير بَالغ، أَو كَانَ فِي مهادنة أَيَّام الْيَهُود وحلفائهم، وَأما امتحانه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بالخبء فلإظهار بطلَان حَاله للصحابة، وَأَن مرتبته لَا تتجاوز عَن الكهانة.
٥١ - (بابُ {قل لن يصيبنا إِلَّا مَا كتب الله لنا} (التَّوْبَة: ١٥) قَضَى.)
أَي: هَذَا بَاب فِي قَوْله تَعَالَى: {قل لن يصيبنا} . . إِلَى آخِره. قَوْله: قضى، تَفْسِير لقَوْله: كتب، وَأَشَارَ بِهَذِهِ الْآيَة إِلَى أَن الله تَعَالَى أعلم عباده أَن مَا يصيبهم فِي الدُّنْيَا من الشدائد والمحن والضيق وَالْخصب والجدب إِن ذَلِك كُله فعل الله تَعَالَى، يفعل من ذَلِك مَا يَشَاء لِعِبَادِهِ ويبتليهم بِالْخَيرِ وَالشَّر، وَذَلِكَ كُله مَكْتُوب فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ.
قَالَ مُجاهِدِ: بِفاتِنِينَ بِمُضِلِّينَ، إلاّ مَنْ كَتَب الله. أنَّهُ يَصْلَى الجَحِيمَ.
أَي قَالَ مُجَاهِد فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى: {مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ إِلَاّ مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ} (الصافات: ٢٦١ ٣٦١) أَي: مَا أَنْتُم عَلَيْهِ بمضلين إلَاّ من كتب الله تَعَالَى أَنه يُصَلِّي أَي: يدْخل الْجَحِيم، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله عبد بن حميد بِمَعْنَاهُ من طَرِيق إِسْرَائِيل عَن مَنْصُور فِي هَذِه الْآيَة، قَالَ: لَا يفتنون إلَاّ من كتب عَلَيْهِ الضَّلَالَة.
قَدَّرَ فَهَدَى. قَدَّرَ الشَّقاءَ والسَّعادَةَ وهَدَى الأنْعامَ لِمَرَاتِعِها.
أَشَارَ بِهِ إِلَى تَفْسِير مُجَاهِد فِي قَوْله تَعَالَى: {وَالَّذِي قدر فهدى} (الْأَعْلَى: ٣) وَفَسرهُ بقوله: قدر الشَّقَاء والسعادة، وَوَصله الْفرْيَابِيّ عَن وَرْقَاء عَن ابْن أبي نجيح عَن مُجَاهِد. قَوْله: الْأَنْعَام لمراتعها، لَيْسَ لَهُ تعلق بِمَا قبله بل هُوَ تَفْسِير لمثل قَوْله تَعَالَى: {رَبنَا الَّذِي أعْطى كل شَيْء خلقه ثمَّ هدى} (طه: ٠٥) .
٩١٦٦ - حدّثني إسْحَاقُ بنُ إبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِيُّ أخبرنَا النَّضْرُ حدّثنا داوُدُ بنُ أبي الفُراتِ عنْ عَبْدِ الله بنِ بُرَيْدَةَ عنْ يَحْيَاى بنِ يَعْمَرُ أنَّ عائِشَةَ رَضِي الله عَنْهَا، أخْبَرَتْهُ أنَّها سَألَتْ رسولَ الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عنِ الطَّاعُونِ. فَقَالَ: (كَانَ عَذاباً يَبْعَثُهُ الله عَلى مَنْ يَشَاءُ، فَجَعَلَهُ الله رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، مَا مِنْ عَبْدٍ يَكُونُ فِي بَلْدَةٍ يَكُونُ فِيها ويَمْكُثُ فِيها لَا يخْرُجُ مِنَ البَلْدَةِ صابِراً مُحْتَسِباً، يَعْلَمُ أنّهُ لَا يُصِيبُهُ إلاّ مَا كَتَبَ الله لهُ، إلَاّ كانَ لهُ مِثْلُ أجْرِ شَهِيدٍ) . (انْظُر الحَدِيث ٧٤٣ وطرفه) .
مطابقته للتَّرْجَمَة فِي آخر الحَدِيث. وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم هُوَ ابْن رَاهَوَيْه، ونسبته إِلَى حَنْظَلَة بن مَالك بن زيد منات بن تَمِيم بطن عامتهم بِالْبَصْرَةِ، وَالنضْر بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة ابْن شُمَيْل، وَدَاوُد بن أبي الْفُرَات بِضَم الْفَاء وَتَخْفِيف الرَّاء الْمروزِي تحول إِلَى الْبَصْرَة، وَعبد الله بن بُرَيْدَة مصغر الْبردَة الْأَسْلَمِيّ قَاضِي مرو، وَيحيى بن يعمر بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَضم الْمِيم وبالراء القَاضِي أَيْضا بمرو، وَالرِّجَال كلهم مروزيون. وَهُوَ من الغرائب.
والْحَدِيث مضى فِي التَّفْسِير وَفِي ذكر بني إِسْرَائِيل وَفِي الطِّبّ عَن إِسْحَاق عَن حبَان. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطِّبّ عَن الْعَبَّاس بن مُحَمَّد وَمضى الْكَلَام فِيهِ.
قَوْله: (الطَّاعُون) الوباء قَالَه أهل اللُّغَة، وَقَالَ الدَّاودِيّ: إِنَّه حب ينْبت فِي الأرفاغ، وَقيل: هُوَ بِئْر مؤلم جدا يخرج غَالِبا من الآباط مَعَ اسوداد حواليه وخفقان الْقلب. قَوْله: (رَحْمَة) قيل مَا معنى كَون الْعَذَاب رَحْمَة؟ . وَأجِيب بِأَنَّهُ وَإِن كَانَ هُوَ محنة فِي
إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ ۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ صَلُّوا۟ عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًا
سورة الأحزاب 33:56