الإسلام > حديث > صحيح البخاري > حديث ٩٥٤
الحديث رقم ٩٥٤ من كتاب «كتاب العيدين» في صحيح الإمام البخاري، تحت باب: باب الأكل يوم النحر.
آخر تحديث 16 يوليو 2026 - 23:11
٩٥٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
صَنِيعُ الْبُخَارِيِّ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مُتَابَعَةُ مُرَجَّى بْنِ رَجَاءٍ، لِهُشَيْمٍ عَلَى رِوَايَتِهِ لَهُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَقَدْ عَلَّقَهَا الْبُخَارِيُّ هُنَا، وَأَفَادَتْ ثَلَاثَ فَوَائِدَ: الْأُولَى هَذِهِ، وَالثَّانِيَةُ تَصْرِيحُ عُبَيْدِ اللَّهِ فِيهِ بِالْإِخْبَارِ عَنْ أَنَسٍ، وَالثَّالِثَةُ تَقْيِيدُ الْأَكْلِ بِكَوْنِهِ وِتْرًا.
وَقَدْ وَصَلَهَا ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ مُرَجَّى بِلَفْظِ يَخْرُجُ بَدَلَ يَغْدُو، وَالْبَاقِي مِثْلُ لَفْظِ هُشَيْمٍ وَفِيهِ الزِّيَادَةُ، وَكَذَا وَصَلَهُ أَبُو ذَرٍّ فِي زِيَادَاتِهِ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي حَامِدِ بْنِ نُعَيْمٍ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ السِّنْجِيِّ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، وَأَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ حَرَمِيِّ بْنِ عُمَارَةَ، عَنْ مُرَجَّى بِلَفْظِ: وَيَأْكُلُهُنَّ أَفْرَادًا وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ، وَلَهُ رَاوٍ ثَالِثٌ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَيْضًا وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ رِوَايَةِ عُتْبَةَ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْهُ بِلَفْظِ: مَا خَرَجَ يَوْمَ فِطْرٍ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ وِتْرًا، وَهِيَ أَصْرَحُ فِي الْمُدَاوَمَةِ عَلَى ذَلِكَ، قَالَ الْمُهَلَّبُ: الْحِكْمَةُ فِي الْأَكْلِ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَنْ لَا يَظُنَّ ظَانٌّ لُزُومَ الصَّوْمِ حَتَّى يُصَلِّيَ الْعِيدَ، فَكَأَنَّهُ أَرَادَ سَدَّ هَذِهِ الذَّرِيعَةِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: لَمَّا وَقَعَ وُجُوبُ الْفِطْرِ عَقِبَ وُجُوبِ الصَّوْمِ اسْتُحِبَّ تَعْجِيلُ الْفِطْرِ مُبَادَرَةً إِلَى امْتِثَالِ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَيُشْعِرُ بِذَلِكَ اقْتِصَارُهُ عَلَى الْقَلِيلِ مِنْ ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ لِغَيْرِ الِامْتِثَالِ لَأَكَلَ قَدْرَ الشِّبَعِ، وَأَشَارَ إِلَى ذَلِكَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ. وَقَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: لَمَّا كَانَ الْمُعْتَكِفُ لَا يَتِمُّ اعْتِكَافُهُ حَتَّى يَغْدُوَ إِلَى الْمُصَلَّى قَبْلَ انْصِرَافِهِ إِلَى بَيْتِهِ خُشِيَ أَنْ يُعْتَمَدَ فِي هَذَا الْجُزْءِ مِنَ النَّهَارِ بِاعْتِبَارِ اسْتِصْحَابِ الصَّائِمِ مَا يُعْتَمَدُ مِنِ اسْتِصْحَابِ الِاعْتِكَافِ، فَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا بِمَشْرُوعِيَّةِ الْأَكْلِ قَبْلَ الْغُدُوِّ. وَقِيلَ: لِأَنَّ الشَّيْطَانَ الَّذِي يُحْبَسُ فِي رَمَضَانَ لَا يُطْلَقُ إِلَّا بَعْدَ صَلَاةِ الْعِيدِ، فَاسْتُحِبَّ تَعْجِيلُ الْفِطْرِ بِدَارًا إِلَى السَّلَامَةِ مِنْ وَسْوَسَتِهِ. وَسَيَأْتِي تَوْجِيهٌ آخَرُ لِابْنِ الْمُنِيرِ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ. وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: لَا نَعْلَمُ فِي اسْتِحْبَابِ تَعْجِيلِ الْأَكْلِ يَوْمَ الْفِطْرِ اخْتِلَافًا. انْتَهَى.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ التَّخْيِيرَ فِيهِ، وَعَنِ النَّخَعِيِّ أَيْضًا مِثْلَهُ. وَالْحِكْمَةُ فِي اسْتِحْبَابِ التَّمْرِ لِمَا فِي الْحُلْوِ مِنْ تَقْوِيَةِ الْبَصَرِ الَّذِي يُضْعِفُهُ الصَّوْمُ، وَلِأَنَّ الْحُلْوَ مِمَّا يُوَافِقُ الْإِيمَانَ وَيُعَبَّرُ بِهِ الْمَنَامُ وَيَرِقُّ بِهِ الْقَلْبُ وَهُوَ أَيْسَرُ مِنْ غَيْرِهِ، وَمِنْ ثَمَّ اسْتَحَبَّ بَعْضُ التَّابِعِينَ أَنَّهُ يُفْطِرُ عَلَى الْحُلْوِ مُطْلَقًا كَالْعَسَلِ، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، وَابْنِ سِيرِينَ وَغَيْرِهِمَا، وَرُوِيَ فِيهِ مَعْنًى آخَرُ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّهُ يَحْبِسُ الْبَوْلَ، هَذَا كُلُّهُ فِي حَقِّ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، وَإِلَّا فَيَنْبَغِي أَنْ يُفْطِرَ وَلَوْ عَلَى الْمَاءِ لِيَحْصُلَ لَهُ شَبَهٌ مَا مِنَ الِاتِّبَاعِ، أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ. وَأَمَّا جَعْلُهُنَّ وِتْرًا فَقَالَ الْمُهَلَّبُ: فَلِلْإِشَارَةِ إِلَى وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَذَلِكَ كَانَ ﷺ يَفْعَلُهُ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ تَبَرُّكًا بِذَلِكَ.
(تَنْبِيهٌ): مُرَجَّى بِوَزْنِ مُعَلَّى، وَأَبُوهُ بِلَفْظِ رَجَاءٍ ضِدُّ الْخَوْفِ بَصْرِيٌّ مُخْتَلَفٌ فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ غَيْرُ هَذَا الْمَوْضِعِ الْوَاحِدِ.
٥ - بَاب الْأَكْلِ يَوْمَ النَّحْرِ
٩٥٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلْيُعِدْ. فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: هَذَا يَوْمٌ يُشْتَهَى فِيهِ اللَّحْمُ وَذَكَرَ مِنْ جِيرَانِهِ، فَكَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَدَّقَهُ. قَالَ: وَعِنْدِي جَذَعَةٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ، فَرَخَّصَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ، فَلَا أَدْرِي أَبَلَغَتْ الرُّخْصَةُ مَنْ سِوَاهُ أَمْ لَا.
[الحديث ٩٥٤ - أطرافه في: ٥٥٦١. ٥٥٤٩. ٥٥٤٦. ٩٨٤]
٩٥٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄ قَالَ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٥) (بابُ الأَكْلِ يَوْمَ) عيد (النَّحْرِ) بعد صلاته؛ لحديث بُريدة المرويِّ (١) عند أحمد والتِّرمذيِّ وابن ماجه بأسانيد حسنةٍ، وصحَّحه الحاكم وابن حبَّان، قال: «كان رسول الله ﷺ لا يخرج يوم الفطر حتَّى يَطْعَمَ، ولا يَطْعَم يوم النَّحر حتَّى يرجع، فيأكل من نَسيكته» وإنَّما فرَّق بينهما لأنَّ السُّنَّة أن يتصدَّق في عيد الفطر قبل الصَّلاة، فاستُحِبَّ له الأكل ليشارك المساكين في ذلك، والصَّدقة في يوم النَّحر إنَّما هي بعد الصَّلاة من الأضحية، فاستُحِبَّ له موافقتهم، وليتميَّز اليومان عمَّا قبلهما إذ ما قبل يوم الفطر يحرم فيه الأكل بخلاف ما قبل يوم النَّحر.
٩٥٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) ابن عُلَيَّة (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «عن محمَّد بن سيرين» (عَنْ أَنَسٍ) هو ابن مالكٍ ﵁ (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَنْ ذَبَحَ) أضحيَّته (قَبْلَ الصَّلَاةِ) أي: صلاة العيد (فَلْيُعِدْ) أضحيَّته لأنَّ الذَّبح للتَّضحية لا يصحُّ قبلها، واستدلَّ بأمره ﵊ بإعادة التَّضحية (٢) لأبي حنيفة ﵀ على وجوبها لأنَّها لو لم تكن واجبةً لَمَا أمر بإعادتها عند وقوعها في غير محلِّها. (فَقَامَ رَجُلٌ) هو أبو بردة بن نِيَارٍ (فَقَالَ: هَذَا يَوْمٌ يُشْتَهَى فِيهِ
اللَّحْمُ) أطلق اليوم في التَّرجمة كما هنا، وبذلك يحتمل أن تقع المطابقة بينهما (وَذَكَرَ مِنْ جِيرَانِهِ (١)) بكسر الجيم، جمع جارٍ، فقرًا وحاجةً (فَكَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَدَّقَهُ) فيما قال عن جيرانه (قَالَ: وَعِنْدِي جَذَعَةٌ) أي: من المعز -بفتح الجيم والذَّال المعجمة والعين المهملة- الَّتي طعنت في الثَّانية، هي (٢) (أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ) لطيب لحمها، وسِمَنِهَا، وكثرة ثمنها (فَرَخَّصَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ) قال أنسٌ: (فَلَا أَدْرِي أَبَلَغَتِ الرُّخْصَةُ) في تضحية الجَذَعَة (مَنْ سِوَاهُ) أي: الرَّجل، فيكون الحكم عامًّا لجميع المُكلَّفين (أَمْ لَا) فيكون خاصًّا به؟ وهذه المسألة وقع للأصوليِّين فيها خلافٌ؛ وهو أنَّ خطاب الشَّرع للواحد هل يختصُّ به أو يعمُّ؟ والثَّاني: قول الحنابلة، والظَّاهر أنَّ أنسًا لم يبلغه قوله ﵊ المرويّ في «مسلمٍ»: «لا تذبحوا إلَّا مُسِنَّةً».
وحديث أنسٍ هذا رواه المؤلِّف أيضًا في «الأضاحي» [خ¦٥٥٦١] و «العيد» [خ¦٩٨٤]، ومسلمٌ في «الذَّبائح»، والنَّسائيُّ في «الصَّلاة» و «الأضاحي»، وأخرجه ابن ماجه في «الأضاحي» أيضًا.
📚 فتح الباري شرح صحيح البخاري - الإمام ابن حجر العسقلاني
صَنِيعُ الْبُخَارِيِّ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مُتَابَعَةُ مُرَجَّى بْنِ رَجَاءٍ، لِهُشَيْمٍ عَلَى رِوَايَتِهِ لَهُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَقَدْ عَلَّقَهَا الْبُخَارِيُّ هُنَا، وَأَفَادَتْ ثَلَاثَ فَوَائِدَ: الْأُولَى هَذِهِ، وَالثَّانِيَةُ تَصْرِيحُ عُبَيْدِ اللَّهِ فِيهِ بِالْإِخْبَارِ عَنْ أَنَسٍ، وَالثَّالِثَةُ تَقْيِيدُ الْأَكْلِ بِكَوْنِهِ وِتْرًا.
وَقَدْ وَصَلَهَا ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ مُرَجَّى بِلَفْظِ يَخْرُجُ بَدَلَ يَغْدُو، وَالْبَاقِي مِثْلُ لَفْظِ هُشَيْمٍ وَفِيهِ الزِّيَادَةُ، وَكَذَا وَصَلَهُ أَبُو ذَرٍّ فِي زِيَادَاتِهِ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي حَامِدِ بْنِ نُعَيْمٍ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، عَنْ أَبِي دَاوُدَ السِّنْجِيِّ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، وَأَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ حَرَمِيِّ بْنِ عُمَارَةَ، عَنْ مُرَجَّى بِلَفْظِ: وَيَأْكُلُهُنَّ أَفْرَادًا وَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ، وَلَهُ رَاوٍ ثَالِثٌ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَيْضًا وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ مِنْ رِوَايَةِ عُتْبَةَ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْهُ بِلَفْظِ: مَا خَرَجَ يَوْمَ فِطْرٍ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ وِتْرًا، وَهِيَ أَصْرَحُ فِي الْمُدَاوَمَةِ عَلَى ذَلِكَ، قَالَ الْمُهَلَّبُ: الْحِكْمَةُ فِي الْأَكْلِ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَنْ لَا يَظُنَّ ظَانٌّ لُزُومَ الصَّوْمِ حَتَّى يُصَلِّيَ الْعِيدَ، فَكَأَنَّهُ أَرَادَ سَدَّ هَذِهِ الذَّرِيعَةِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: لَمَّا وَقَعَ وُجُوبُ الْفِطْرِ عَقِبَ وُجُوبِ الصَّوْمِ اسْتُحِبَّ تَعْجِيلُ الْفِطْرِ مُبَادَرَةً إِلَى امْتِثَالِ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَيُشْعِرُ بِذَلِكَ اقْتِصَارُهُ عَلَى الْقَلِيلِ مِنْ ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ لِغَيْرِ الِامْتِثَالِ لَأَكَلَ قَدْرَ الشِّبَعِ، وَأَشَارَ إِلَى ذَلِكَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ. وَقَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: لَمَّا كَانَ الْمُعْتَكِفُ لَا يَتِمُّ اعْتِكَافُهُ حَتَّى يَغْدُوَ إِلَى الْمُصَلَّى قَبْلَ انْصِرَافِهِ إِلَى بَيْتِهِ خُشِيَ أَنْ يُعْتَمَدَ فِي هَذَا الْجُزْءِ مِنَ النَّهَارِ بِاعْتِبَارِ اسْتِصْحَابِ الصَّائِمِ مَا يُعْتَمَدُ مِنِ اسْتِصْحَابِ الِاعْتِكَافِ، فَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا بِمَشْرُوعِيَّةِ الْأَكْلِ قَبْلَ الْغُدُوِّ. وَقِيلَ: لِأَنَّ الشَّيْطَانَ الَّذِي يُحْبَسُ فِي رَمَضَانَ لَا يُطْلَقُ إِلَّا بَعْدَ صَلَاةِ الْعِيدِ، فَاسْتُحِبَّ تَعْجِيلُ الْفِطْرِ بِدَارًا إِلَى السَّلَامَةِ مِنْ وَسْوَسَتِهِ. وَسَيَأْتِي تَوْجِيهٌ آخَرُ لِابْنِ الْمُنِيرِ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ. وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: لَا نَعْلَمُ فِي اسْتِحْبَابِ تَعْجِيلِ الْأَكْلِ يَوْمَ الْفِطْرِ اخْتِلَافًا. انْتَهَى.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ التَّخْيِيرَ فِيهِ، وَعَنِ النَّخَعِيِّ أَيْضًا مِثْلَهُ. وَالْحِكْمَةُ فِي اسْتِحْبَابِ التَّمْرِ لِمَا فِي الْحُلْوِ مِنْ تَقْوِيَةِ الْبَصَرِ الَّذِي يُضْعِفُهُ الصَّوْمُ، وَلِأَنَّ الْحُلْوَ مِمَّا يُوَافِقُ الْإِيمَانَ وَيُعَبَّرُ بِهِ الْمَنَامُ وَيَرِقُّ بِهِ الْقَلْبُ وَهُوَ أَيْسَرُ مِنْ غَيْرِهِ، وَمِنْ ثَمَّ اسْتَحَبَّ بَعْضُ التَّابِعِينَ أَنَّهُ يُفْطِرُ عَلَى الْحُلْوِ مُطْلَقًا كَالْعَسَلِ، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، وَابْنِ سِيرِينَ وَغَيْرِهِمَا، وَرُوِيَ فِيهِ مَعْنًى آخَرُ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّهُ يَحْبِسُ الْبَوْلَ، هَذَا كُلُّهُ فِي حَقِّ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، وَإِلَّا فَيَنْبَغِي أَنْ يُفْطِرَ وَلَوْ عَلَى الْمَاءِ لِيَحْصُلَ لَهُ شَبَهٌ مَا مِنَ الِاتِّبَاعِ، أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ. وَأَمَّا جَعْلُهُنَّ وِتْرًا فَقَالَ الْمُهَلَّبُ: فَلِلْإِشَارَةِ إِلَى وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَذَلِكَ كَانَ ﷺ يَفْعَلُهُ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ تَبَرُّكًا بِذَلِكَ.
(تَنْبِيهٌ): مُرَجَّى بِوَزْنِ مُعَلَّى، وَأَبُوهُ بِلَفْظِ رَجَاءٍ ضِدُّ الْخَوْفِ بَصْرِيٌّ مُخْتَلَفٌ فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ غَيْرُ هَذَا الْمَوْضِعِ الْوَاحِدِ.
٥ - بَاب الْأَكْلِ يَوْمَ النَّحْرِ
٩٥٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلْيُعِدْ. فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: هَذَا يَوْمٌ يُشْتَهَى فِيهِ اللَّحْمُ وَذَكَرَ مِنْ جِيرَانِهِ، فَكَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَدَّقَهُ. قَالَ: وَعِنْدِي جَذَعَةٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ، فَرَخَّصَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ، فَلَا أَدْرِي أَبَلَغَتْ الرُّخْصَةُ مَنْ سِوَاهُ أَمْ لَا.
[الحديث ٩٥٤ - أطرافه في: ٥٥٦١. ٥٥٤٩. ٥٥٤٦. ٩٨٤]
٩٥٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄ قَالَ:
📚 إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري - الإمام القسطلاني
(٥) (بابُ الأَكْلِ يَوْمَ) عيد (النَّحْرِ) بعد صلاته؛ لحديث بُريدة المرويِّ (١) عند أحمد والتِّرمذيِّ وابن ماجه بأسانيد حسنةٍ، وصحَّحه الحاكم وابن حبَّان، قال: «كان رسول الله ﷺ لا يخرج يوم الفطر حتَّى يَطْعَمَ، ولا يَطْعَم يوم النَّحر حتَّى يرجع، فيأكل من نَسيكته» وإنَّما فرَّق بينهما لأنَّ السُّنَّة أن يتصدَّق في عيد الفطر قبل الصَّلاة، فاستُحِبَّ له الأكل ليشارك المساكين في ذلك، والصَّدقة في يوم النَّحر إنَّما هي بعد الصَّلاة من الأضحية، فاستُحِبَّ له موافقتهم، وليتميَّز اليومان عمَّا قبلهما إذ ما قبل يوم الفطر يحرم فيه الأكل بخلاف ما قبل يوم النَّحر.
٩٥٤ - وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) ابن عُلَيَّة (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختيانيِّ (عَنْ مُحَمَّدٍ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ: «عن محمَّد بن سيرين» (عَنْ أَنَسٍ) هو ابن مالكٍ ﵁ (قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَنْ ذَبَحَ) أضحيَّته (قَبْلَ الصَّلَاةِ) أي: صلاة العيد (فَلْيُعِدْ) أضحيَّته لأنَّ الذَّبح للتَّضحية لا يصحُّ قبلها، واستدلَّ بأمره ﵊ بإعادة التَّضحية (٢) لأبي حنيفة ﵀ على وجوبها لأنَّها لو لم تكن واجبةً لَمَا أمر بإعادتها عند وقوعها في غير محلِّها. (فَقَامَ رَجُلٌ) هو أبو بردة بن نِيَارٍ (فَقَالَ: هَذَا يَوْمٌ يُشْتَهَى فِيهِ
اللَّحْمُ) أطلق اليوم في التَّرجمة كما هنا، وبذلك يحتمل أن تقع المطابقة بينهما (وَذَكَرَ مِنْ جِيرَانِهِ (١)) بكسر الجيم، جمع جارٍ، فقرًا وحاجةً (فَكَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَدَّقَهُ) فيما قال عن جيرانه (قَالَ: وَعِنْدِي جَذَعَةٌ) أي: من المعز -بفتح الجيم والذَّال المعجمة والعين المهملة- الَّتي طعنت في الثَّانية، هي (٢) (أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ) لطيب لحمها، وسِمَنِهَا، وكثرة ثمنها (فَرَخَّصَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ) قال أنسٌ: (فَلَا أَدْرِي أَبَلَغَتِ الرُّخْصَةُ) في تضحية الجَذَعَة (مَنْ سِوَاهُ) أي: الرَّجل، فيكون الحكم عامًّا لجميع المُكلَّفين (أَمْ لَا) فيكون خاصًّا به؟ وهذه المسألة وقع للأصوليِّين فيها خلافٌ؛ وهو أنَّ خطاب الشَّرع للواحد هل يختصُّ به أو يعمُّ؟ والثَّاني: قول الحنابلة، والظَّاهر أنَّ أنسًا لم يبلغه قوله ﵊ المرويّ في «مسلمٍ»: «لا تذبحوا إلَّا مُسِنَّةً».
وحديث أنسٍ هذا رواه المؤلِّف أيضًا في «الأضاحي» [خ¦٥٥٦١] و «العيد» [خ¦٩٨٤]، ومسلمٌ في «الذَّبائح»، والنَّسائيُّ في «الصَّلاة» و «الأضاحي»، وأخرجه ابن ماجه في «الأضاحي» أيضًا.