سيرة جندب بن كعب
بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ الآية (١) [النساء: ١٠٠].
[٢٩٣] جُنْدَبُ (٢) بنُ كعبٍ العَبدِيُّ (٣)، ويُقالُ: الأَزْدِيُّ (٤)، ويُقالُ: الغَامِدِيُّ (٥)، وهو عندَ أكثرِهِم قاتِلُ السَّاحِرِ بين يَدي الوليدِ بن عُقبةَ.
حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ محمدِ بن عبدِ المؤمنِ، قال: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عثمانَ بن ثابتٍ الصَّيدَلانِيُّ ببغدادَ، قال: حَدَّثَنَا إسماعيلُ بنُ إسحاقَ قال: قال لنا عليُّ بنُ المَدِينِيِّ: جُنْدَبُ بنُ كَعبٍ الغامِديُّ له صُحبةٌ، روَى عنه أبو عثمانَ النَّهْدِيُّ، وحارثةُ بنُ مُضَرِّبٍ، وهو الذي قتَل السَّاحِرَ بينَ يَدَيِ الوليدِ بن عُقبَةَ.
قال أبو عُمَرَ: روَى الحسنُ البَصْرِيُّ (٦) عن جُنْدَبٍ أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "حَدُّ السَّاحِرِ ضَربةٌ (١) بالسَّيفِ" (٢)، فقيل: إِنَّه جُنْدَبُ بنُ كعبٍ، وقيل: إنَّه جُنْدَبُ بنُ زُهَيرٍ، وقد اختُلِفَ فِي صُحبةِ جُندَبِ بن زُهَيْرٍ، وقيل: حدِيثُه هذا مُرسَلٌ، وتكلَّموا فيه مِن أجلِ السَّرِيِّ بن إسماعيلَ (٣).
وذكَرَ حَمَّادُ بنُ سَلَمةَ، عن عَليِّ بن زيدٍ، عن الحسنِ، أَنْ جُنْدَبَ بنَ كعبٍ كان مع عَليٍّ رضي الله عنه بصِفِّينَ (٤).
وممَّن قال: إِنَّ قاتِلَ السَّاحِرِ جُنْدَبُ بنُ زُهَيْرٍ: الزَّبيرُ بنُ بَكَّارٍ في خبرِ ذكَرَه في قتلِه السَّاحِرَ بين يَدِي الوليدِ بن عُقْبَةَ (٥)، والصَّحِيحُ عندَنا أَنَّه جُنْدَبُ بنُ كَعبٍ (١).
وذكرَ عَلِيُّ بنُ المدِينيِّ: حَدَّثَنَا المغيرةُ بن سَلَمَةَ، عن عبدِ الواحدِ بن زِيادٍ، عن عاصمٍ، عن أبي عثمانَ، قال: رأيتُ الذي يَلْعَبُ بينَ يَدَيِ الوليدِ بن عقبةَ، فيُرِي أنَّه يَقطَعُ رَأسَ رَجُلٍ ثم يُعِيدُه، فقام إليه جُنْدَبُ بنُ كعبٍ فَضَرَبَ وسطَه بالسَّيفِ، وقال: قولوا له: فَليُحْيِ نفسَه الآنَ، قال: فَحَبَسَ الوليدُ جُنْدَبًا، وكتَبَ إلى عثمانَ، فكتَب عثمانُ أَنْ خَلِّ سبيلَه، فترَكه (٢).
قال: وحدَّثنا جريرُ بنُ عبدِ الحميدِ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ قال: كان ساحرٌ يَلْعَبُ بينَ يَدَيِ الوليدِ يُرِيهم أنَّه يَدخُلُ في فَمِ الحمارِ ويَخرُجُ مِن ذَنَبِه (٣) أو مِن دُبُرِه، ويَدخُلُ في استِ الحمارِ ويَخرُجُ مِن فِيهِ، ويُرِيهم أنَّهُ يَضْرِبُ رأسَ نفسِه فيَرمِي به، ثُمَّ يَشتَدُّ فيأخُذُه ثُمَّ يُعِيدُهُ مكانَه، فانطَلَقَ جُنْدَبٌ إِلى الصَّيقَلِ (٤)، وسيفُهُ عندَه، فقال: وجَبَ أَجْرُك، فهَاتِهِ، قال: فأخَذه فاشتَمَلَ عليه، ثُمَّ جاء إلى السَّاحِرِ مع أصحابِه وهو في بعضِ ما كان يصنَعُ، فضرَبَ عُنُقَه، فتفَرَّقَ أَصحابُ الوليدِ، ودخَل هو البيتَ، وأُخِذَ جُنْدَبٌ وأصحابُه فسُجِنوا، فقال لصاحبِ السِّجنِ: قد عرَفتَ السَّبَبَ الذي سُجِنَّا فيه، فخَلِّ سبيلَ أحدِنا حتَّى يأتيَ عُثمانَ، فخَلَّى سبيلَ أحدِهم، فبلَغَ ذلك الوليدَ، فأخَذ صاحبَ السِّجن فصلَبَه، قال: وجاء كتابُ عثمانَ أن خَلِّ سبيلَهم ولا تَعْرِضْ لهم، ووافَى كتابُ عثمانَ قبلَ قتلِ المصلوبِ فخَلَّى سبيلَهُ (١).
وأخبَرنا خلفُ بنُ سعيدٍ، حَدَّثَنَا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ، حَدَّثَنَا أحمدُ بن خالدٍ، حَدَّثَنَا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، حَدَّثَنَا عبدُ الرَّزَّاقِ، قال: حَدَّثَنَا ابن جُرَيجٍ، عن عمرِو بن دينارٍ، قال: سَمِعْتُ بَجَالَةَ التَّمِيمِيَّ، فذكَرَ حديثَ (٢): "اقتُلوا كُلَّ ساحِرٍ وساحِرةٍ"، قال: وأَمَّا شَأْنُ أبي بُستانٍ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال لجُندَبِ: "جُنْدَبٌ وما جُنْدَبٌ؛ يَضْرِبُ ضَرْبةٌ يُفرِّقُ بها بين الحقِّ والباطِل"، فإذا أبو بُستانٍ يلعبُ في أسفلِ الحصنِ عندَ الوليدِ بن عُقبةَ وهو أميرُ الكوفةِ، والنَّاسُ يحسَبونَ أنَّه على سُورِ القَصرِ، يَعني وسَطَ القَصرِ، فقال جُنْدَبٌ: ويْلَكُم أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّمَا (٣) يلعَبُ بكُم، واللهِ إنَّه لفي أسفلِ القَصرِ، ثُمَّ انطَلقَ فاشتَمَلَ على السَّيْفِ ثمَّ ضرَبَهُ به، فمِنهُم مَن يَقُولُ: قتَلَه، ومنهم مَن يقولُ: لم يقتُلْه، وذهَبَ عنه السِّحرُ، فقال أبو بُستانٍ: قد نَفَعَني اللهُ بضَربَتِك، وَسَجَنَ الوَلِيدُ جُنْدَبًا فانقَضَّ ابن أخيه - وكان فارسَ العربِ - حَتَّى حَمَل على صاحبِ السِّجنِ فقَتَلَه وأخرَجَه، فذلك قولُه:
أفي مَضْرَبِ السُّحَارِ يُسْجَنُ جُندَبٌ … ويُقتَلُ أصْحَابُ النَّبِيِّ الأَوَائِلُ فإِن يَكُ ظَنِّي بِابْنِ سَلْمَى ورَهْطِهِ … هو الحَقَّ يُطْلَقْ جُنْدَبٌ أو نُقَاتِلُ (١)
ونالَ مِن عثمانَ رضي الله عنه في قصيدتِه هذه، وانطَلَقَ إلى أرضِ الرُّومِ، فلم يَزِلْ يُقاتِلُ بها أهلَ الشِّركِ حتَّى ماتَ لعَشرِ سنواتٍ مَضَينَ مِن خِلافةِ معاويةَ (٢).