الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 16 النحل > الآية ٥٩
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 5 دقيقة قراءةقوله تعالى: ﴿ يَتَوَارَى ﴾ ، أي: يختفي ويتغيب، وقد ذكرنا هذا الحرف وتفسيره في قوله: ﴿ مَا وُورِيَ عَنْهُمَا ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ ﴾ قال المفسرون: كان الرجل في الجاهلية إذا ضرب امرأتَه المخاضُ توارى إلى أن يعلم ما يُولدُ له، فإن كان ذكرًا سُرَّ به وابتهج، وإن كانت أُنثى اكتأب لها وحزن ولم يظهر للناس أيامًا، يُدبِّر كيف يصنع في أمرها (١) ﴿ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ ﴾ أي أيحبسه، والإمساك هاهنا بمعنى الحبس، كقوله: ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ ﴾ ، والكناية تعود على ما في قوله: ﴿ مَا بُشِّرَ بِهِ ﴾ ، والهُون: الهَوَان (٢) قال ابن شميل: إنه لَيَهُون علي هَوْنًا وهَوانًا (٣) ﴿ عَذَابَ الْهُونِ ﴾ .
قال المفسرون: كان أحدُهم في الجاهلية إذا وُلِدت له بنتٌ ضاق بها ذرعًا، فلم يدر ما يصنع بها؛ أَيَدُسُّها تحت التراب أو يتهاون بها فيُلْقِيها (٤) وقال عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ ﴾ يريد على رغم أنفه وعلى الكراهية منه (٥) (٦) (٧) وقوله تعالى: ﴿ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ ﴾ أي يخفيه، والدس: إخفاء الشيء (٨) (٩) ﴿ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ ﴾ مقدرًا: أيمسكه أم يدسه، أو مفكرًا أو مدبرًا، أي يُقَلِّبُ رأيه في أحد الأمرين.
وقال صاحب النظم: قوله: ﴿ أَيُمْسِكُهُ ﴾ متصل في النظم بقوله: ﴿ وَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ ، والكظيم بمعنى الكاظم، ومعنى الكظم: ستر الشيء في القلب وترك إظهاره (١٠) ﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ ﴾ ، والتأويل: وهو كاظم، ﴿ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ ﴾ ، أي: أن هذا المعنى في قلبه من شدة الغَمّ وهو يكظمه ولا يظهره.
وقوله تعالى: ﴿ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: بئس ما حكموا أن جعلوا لمن يعرفون بأنه خالقهم البنات؛ اللاتي محلهن منهم هذا المحل، ونسبوه إلى اتخاذ الولد، وجعلوا لأنفسهم البنين (١١) ﴿ أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (21) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى ﴾ .
(١) ورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 75، بنحوه، وانظر: "تفسير ابن عطية" 8/ 446، وابن الجوزي 4/ 458، والفخر الرازي 20/ 55، والخازن 3/ 120، وأبي حيان 5/ 504.
(٢) لم يفرق بعضهم بين الهَوْن والهُون، وذهب الكثير إلى التفريق بينهما؛ فقال بعضهم: الهُون: الهوان، والهَون: الرفق.
وقال آخرون: الهُون: العذاب، والهَون: الرفق.
وقال الليث: الهَون: مصدر الهيِّن في معنى السكينة والوقار.
وقال شمر: الهَوْنُ: الرفق والدعة.
وقال الفراء: الهُوْنُ في لغة قريش: الهَوَانُ، وبعض تميم يجعل الهُون مصدرًا للشيء الهيّن؛ أي القليل.
انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 106، و"تهذيب اللغة" (هان) 4/ 3699، و"اتفاق المباني وافتراق المعاني" ص 99.
(٣) ورد في "تهذيب اللغة" (هان) 4/ 3699، بنصه.
(٤) ورد بنحوه في "تفسير مقاتل" 1/ 204 أ، والطبري 14/ 124، والسمرقندي 2/ 239، وهود 2/ 374، والثعلبي 2/ 158 أ، ولعل المقصود بقوله: (فيلقيها)، أي: يلقيها من شاهق، فقد ذكر الرازي عدة وسائل كانوا يسلكونها في قتل البنات، أشهرها: أن يحفر لها الحفيرة ويدفنها حتى تموت، ومنهم من يرميها من شاهق جبل، ومنهم من يغرقها، ومنهم من يذبحها.
انظر: "تفسير الرازي" 20/ 56.
(٥) انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 55.
(٦) في جميع النسخ: (الولد) والصحيح (الوالد)؛ لأن هذا هو المعنى الثاني، وفي الأول عاد الهوان على الولد، ويؤيده التعليل بعده.
(٧) "معانى القرآن" للفراء 2/ 107، بنصه.
(٨) انظر: (دس) في "تهذيب اللغة" 2/ 1183، و"المحيط في اللغة" 12/ 235، و"الأساس" 1/ 271، و"عمدة الألفاظ" 2/ 8.
(٩) في جميع النسخ: (و)، وما أثبته هو الصواب، والظاهر أن الألف سقطت أو تصحفت.
(١٠) أصل الكَظْم: اجتراعُ الغَيْظ، والكَظَمُ: مخرجُ النفس، يقال: أخذ بكَظَمِه، والكُظُومُ: السكوت، والكُظومُ: إمساكُ البعيرِ عن الجِرَّةِ.
انظر: (كظم) في "العين" 5/ 345، و"تهذيب اللغة" 4/ 3151، و"المحيط في اللغة" 6/ 233، و"مجمل اللغة" 2/ 786، و"عمدة الحفاظ" 3/ 469.
(١١) ورد بمعناه غير منسوب في "تفسير مقاتل" 1/ 204 أ، والطبري 14/ 124، والسمرقندي 2/ 239، والثعلبي 2/ 158 أ، والطوسي 6/ 394، وانظر: "تفسير الزمخشري" 2/ 333، وابن الجوزي 4/ 459، و"تفسير القرطبي" 10/ 118، والخازن 3/ 120، وأبي حيان 5/ 504.
<div class="verse-tafsir"