الآية ٥٩ من سورة النحل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ٥٩ من سورة النحل

يَتَوَٰرَىٰ مِنَ ٱلْقَوْمِ مِن سُوٓءِ مَا بُشِّرَ بِهِۦٓ ۚ أَيُمْسِكُهُۥ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُۥ فِى ٱلتُّرَابِ ۗ أَلَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ٥٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 86 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٩ من سورة النحل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٩ من سورة النحل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( يتوارى من القوم ) أي : يكره أن يراه الناس ( من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ) أي : إن أبقاها أبقاها مهانة لا يورثها ، ولا يعتني بها ، ويفضل أولاده الذكور عليها ، ( أم يدسه في التراب ) أي : يئدها : وهو : أن يدفنها فيه حية ، كما كانوا يصنعون في الجاهلية ، أفمن يكرهونه هذه الكراهة ويأنفون لأنفسهم عنه يجعلونه لله ؟

!

( ألا ساء ما يحكمون ) أي : بئس ما قالوا ، وبئس ما قسموا ، وبئس ما نسبوا إليه ، كما قال تعالى : ( وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم ) [ الزخرف : 17 ]

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: يتوارى هذا المبشر بولادة الأنثى من الولد له من القوم، فيغيب عن أبصارهم ( مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ ) يعني: من مساءته إياه مميلا بين أن يمسكه على هون: أي على هوان، وكذلك ذلك في لغة قريش فيما ذكر لي، يقولون للهوان: الهون ؛ ومنه قول الحطيئة: فلمَّـا خَشِـيتُ الهُـونَ والعَـيْرُ مُمْسِكٌ عـلى رَغْمِـهِ مـا أثبتَ الحبلَ حافِرُه (1) وبعض بني تميم جعل الهون مصدرا للشيء الهين ، ذكر الكسائي أنه سمعهم يقولون: إن كنت لقليل هون المؤنة منذ اليوم قال: وسمعت: الهوان في مثل هذا المعنى، سمعت منهم قائلا يقول لبعير له: ما به بأس غير هوانه، يعني خفيف الثمن، فإذا قالوا: هو يمشي على هونه، لم يقولوه إلا بفتح الهاء، كما قال تعالى وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا .( أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ ) يقول: يدفنه حيا في التراب فيئده.

كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج ( أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ ) يئد ابنته.

وقوله ( أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ) يقول: ألا ساء الحكم الذي يحكم هؤلاء المشركون ، وذلك أن جعلوا لله ما لا يرضون لأنفسهم، وجعلوا لما لا ينفعهم ولا يضرهم شركا فيما رزقهم الله، وعبدوا غير من خلقهم وأنعم عليهم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون [ ص: 105 ] قوله تعالى : يتوارى من القوم أي يختفي ويتغيب .من سوء ما بشر به أي من سوء الحزن والعار والحياء الذي يلحقه بسبب البنت .أيمسكه ذكر الكناية لأنه مردود على ما .على هون أم يدسه في التراب أي هوان .

وكذا قرأ عيسى الثقفي " على هوان " والهون الهوان بلغة قريش ; قاله اليزيدي وحكاه أبو عبيد عن الكسائي .

وقال الفراء : هو القليل بلغة تميم .

وقال الكسائي : هو البلاء والمشقة .

وقالت الخنساء :نهين النفوس وهون النفو س يوم الكريهة أبقى لهاوقرأ الأعمش " أيمسكه على سوء " ذكره النحاس ، قال : وقرأ الجحدري " أم يدسها في التراب " يرده على قوله : بالأنثى ويلزمه أن يقرأ " أيمسكها " .

وقيل : يرجع الهوان إلى البنت ; أي أيمسكها وهي مهانة عنده .

وقيل : يرجع إلى المولود له ; أيمسكه على رغم أنفه أم يدسه في التراب ، وهو ما كانوا يفعلونه من دفن البنت حية .

قال قتادة : كان مضر وخزاعة يدفنون البنات أحياء ; وأشدهم في هذا تميم .زعموا خوف القهر عليهم وطمع غير الأكفاء فيهن.

وكان صعصعة بن ناجية عم الفرزدق إذا أحس بشيء من ذلك وجه إلى والد البنت إبلا يستحييها بذلك .

فقال الفرزدق يفتخر :وعمي الذي منع الوائدات وأحيا الوئيد فلم يوأدوقيل : دسها إخفاؤها عن الناس حتى لا تعرف ، كالمدسوس في التراب لإخفائه عن الأبصار ; وهذا محتمل .مسألة : ثبت في صحيح مسلم عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : جاءتني امرأة ومعها ابنتان لها ، فسألتني فلم تجد عندي غير تمرة واحدة ، فأعطيتها إياها فأخذتها فقسمتها بين ابنتيها ولم تأكل منها شيئا ، ثم قامت فخرجت وابنتاها ، فدخل علي النبي - صلى الله عليه وسلم - فحدثته حديثها ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : من ابتلي من البنات بشيء فأحسن إليهن كن له سترا من النار .

ففي هذا [ ص: 106 ] الحديث ما يدل على أن البنات بلية ، ثم أخبر أن في الصبر عليهن والإحسان إليهن ما يقي من النار .

وعن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت : جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها ، فأطعمتها ثلاث تمرات فأعطت كل واحدة منهما تمرة ، ورفعت إلى فيها تمرة لتأكلها فاستطعمتها ابنتاها فشقت التمرة التي كانت تريد أن تأكلها بينهما ; فأعجبني شأنها ، فذكرت الذي صنعت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : إن الله - عز وجل - قد أوجب لها بها الجنة أو أعتقها بها من النار .

وعن أنس بن مالك قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو وضم أصابعه ، خرجهما أيضا مسلم - رحمه الله - وخرج أبو نعيم الحافظ من حديث الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من كانت له بنت فأدبها فأحسن أدبها وعلمها فأحسن تعليمها وأسبغ عليها من نعم الله التي أسبغ عليه كانت له سترا أو حجابا من النار .

وخطب إلى عقيل بن علفة ابنته الجرباء فقال :إني وإن سيق إلي المهر ألف وعبدان وخور عشرأحب أصهاري إلي القبروقال عبد الله بن طاهر :لكل أبي بنت يراعي شؤونها ثلاثة أصهار إذا حمد الصهرفبعل يراعيها وخدر يكنها وقبر يواريها وخيرهم القبرألا ساء ما يحكمون أي في إضافة البنات إلى خالقهم وإضافة البنين إليهم .

نظيره ألكم الذكر وله الأنثى .

تلك إذا قسمة ضيزى أي جائرة ، وسيأتي .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم يعمل فكره ورأيه الفاسد فيما يصنع بتلك البنت التي بشّر بها { أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ } أي: يتركها من غير قتل على إهانة وذل { أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ } أي: يدفنها وهي حية وهو الوأد الذي ذم الله به المشركين، { أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ } إذ وصفوا الله بما لا يليق بجلاله من نسبة الولد إليه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

يتوارى ) أي : يختفي ، ( من القوم من سوء ما بشر به ) من الحزن والعار ، ثم يتفكر : ( أيمسكه ) ذكر الكناية ردا على " ما " ( على هون ) أي : هوان ، ( أم يدسه في التراب ) أي : يخفيه منه ، فيئده .

وذلك : أن مضر وخزاعة وتميما كانوا يدفنون البنات أحياء ، خوفا من الفقر عليهم ، وطمع غير الأكفاء فيهن ، وكان الرجل من العرب إذا ولدت له بنت وأراد أن يستحييها ألبسها جبة من صوف أو شعر ، وتركها ترعى له الإبل والغنم في البادية ، وإذا أراد أن يقتلها تركها حتى إذا صارت سداسية ، قال لأمها : زينيها حتى أذهب بها إلى أحمائها ، وقد حفر لها بئرا في الصحراء ، فإذا بلغ بها البئر قال لها : انظري إلى هذه البئر ، فيدفعها من خلفها في البئر ، ثم يهيل على رأسها التراب حتى يستوي البئر بالأرض ، فذلك قوله عز وجل : ( أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ) وكان صعصعة عم الفرزدق إذا أحس بشيء من ذلك وجه إلى والد البنت إبلا يحييها بذلك ، فقال الفرزدق يفتخر به .

وعمي الذي منع الوائدات فأحيا الوئيد فلم توأد ( ألا ساء ما يحكمون ) بئس ما يقضون لله البنات ولأنفسهم البنين ، نظيره : " ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى " ( النجم - 22 ) ، وقيل : بئس حكمهم وأد البنات .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يتوارى» يختفي «من القوم» أي قومه «من سوء ما بشر به» خوفاً من التعيير متردداً فيما يفعل به «أيمسكه» يتركه بلا قتل «على هون» هوان وذل «أم يدسه في التراب» بأن يئده «ألا ساء» بئس «ما يحكمون» حكمهم هذا حيث نسبوا لخالقهم البنات اللاتي هن عندهم بهذا المحل.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يستخفي مِن قومه كراهة أن يلقاهم متلبسًا بما ساءه من الحزن والعار؛ بسبب البنت التي وُلِدت له، ومتحيرًا في أمر هذه المولودة: أيبقيها حية على ذلٍّ وهوان، أم يدفنها حية في التراب؟

ألا بئس الحكم الذي حكموه مِن جَعْل البنات لله والذكور لهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وأصبح يتوارى ويتخفى عن أعين الناس خجلا وحياء ، من أجل أن زوجته ولدت له أنثى ولم تلد له ذكرا .وقوله - سبحانه - : ( أَيُمْسِكُهُ على هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التراب ) تصوير بليغ لموقف ذلك المشرك مما بشر به وهو ولادة الأنثى .فالضمير المنصوب فى قوله " أيمسكه ، ويدسه " يعود على المبشر به وهو الأنثى .والهون بمعنى الهوان والذل .ويدسه من الدس بمعنى الإِخفاء للشئ فى غيره .

والمراد به .

دفن الأنثى حية فى التراب حتى تموت ، وهو المشار إليه فى قوله - تعالى - : ( وَإِذَا الموءودة سُئِلَتْ بِأَىِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ ) أى : أن هذا المشرك بعد أن يبشر بولادة الأنثى ، يدور بذهنه أحد أمرين : إما أن يمسكها ويبقيها على هوان وذل ، وإما أن يدسها ويخفيها فى التراب ، بأن يدفنها فيه وهى حية حتى تموت .والجار والمجرور فى قوله ( على هون ) يصح أن يكون حالا من الفاعل وهو المشرك : أى أيمسك المبشر به مع رضاه - أى المشرك - بهوان نفسه وذلتها بسبب هذا الإِمساك .ويصح أن يكون حالا من المفعول وهو الضمير المنصوب .

أى أيمسك هذه الأنثى ويبقيها بقاء ذلة وهوان لها ، بحيث لا يورثها شيئا من ماله ، ولا يعاملها معاملة حسنة .ومن بلاغة القرآن أنه عبر بقوله ( أَيُمْسِكُهُ على هُونٍ ) ليشمل حالة المشرك وحالة المبشر به وهو الأنثى .وقوله - تعالى - : ( أَلاَ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ) .

ذم لهم على صنيعهم السيئ ، وعلى جهلهم الفاضح .أى : بئس الحكم حكمهم ، وبئس الفعل فعلهم ، حيث نسبوا البنات إلى الله - تعالى - ، وظلموهن ظلما شنيعا ، حيث كرهوا وجودهن ، وأقدموا على قتلهن بدون ذنب أو ما يشبه الذنب .وصدر - سبحانه - هذا الحكم العادل عليهم بحرف " ألا " الاستفتاحية : لتأكيد هذا الحكم ، ولتحقيق أن ما أقدموا عليه ، إنما هو جور عظيم ، قد تمالئوا عليه بسبب جهلهم الفاضح ، وتفكيرهم السيئ .أسند - سبحانه - الحكم إلى جميعهم ، مع أن من فعل ذلك كان بعضا منهم ، لأن ترك هذا البعض يفعل ذلك الفعل القبيح ، هذا الترك هو فى ذاته جريمة يستحق عليها جميع العقوبة ، لأن سكوتهم على هذا الفعل مع قدرتهم على منعه يعتبر رضا به .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بين بالدلائل القاهرة فساد أقوال أهل الشرك والتشبيه، شرح في هذه الآية تفاصيل أقوالهم وبين فسادها وسخافتها.

فالنوع الأول: من كلماتهم الفاسدة أنهم يجعلون لما لا يعلمون نصيباً وفيه مسالتان: المسألة الأولى: الضمير في قوله: ﴿ لما لا يعلمون ﴾ إلى ماذا يعود؟

فيه قولان: الأول: أنه عائد إلى المشركين المذكورين في قوله: ﴿ إذا فريق منكم بربهم يشركون  ﴾ والمعنى أن المشركين لا يعلمون.

والثاني: أنه عائد إلى الأصنام أي لا يعلم الأصنام ما يفعل عبادها قال بعضهم: الأول أولى لوجوه: أحدها: أن نفي العلم عن الحي حقيقة وعن الجماد مجاز.

وثانيها: أن الضمير في قوله: ﴿ ويجعلون ﴾ عائد إلى المشركين فكذلك في قوله: ﴿ لما لا يعلمون ﴾ يجب أن يكون عائد إليهم.

وثالثها: أن قوله: ﴿ لما لا يعلمون ﴾ جمع بالواو والنون.

وهو بالعقلاء أليق منه بالأصنام التي هي جمادات، ومنهم من قال بل القول الثاني أولى لوجوه: الأول: أنا إذا قلنا إنه عائد إلى المشركين افتقرنا إلى إضمار، فإن التقدير: ويجعلون لما لا يعلمون إلهاً، أو لما لا يعلمون كونه نافعاً ضاراً، وإذا قلنا إنه عائد إلى الأصنام، لم نفتقر إلى الإضمار لأن التقدير: ويجعلون لما لا علم لها ولا فهم.

والثاني: أنه لو كان العلم مضافاً غلى المشركين لفسد المعنى، لأن من المحال أن يجعلوا نصيباً من رزقهم لما لا يعلمونه، فهذا ما قيل في ترجيح أحد هذين القولين على الآخر.

واعلم أنا إذا قلنا بالقول الأول افتقرنا فيه إلى الإضمار، وذلك يحتمل وجوهاً: أحدها: ويجعلون لما لا يعلمون له حقاً، ولا يعلمون في طاعته نفعاً ولا في الإعراض عنه ضرراً، قال مجاهد: يعلمون أن الله خلقهم ويضرهم وينفعهم، ثم يجعلون لما لا يعلمون أنه ينفعهم ويضرهم نصيباً.

وثانيها: ويجعلون لما لا يعلمون إلهيتها.

وثالثها: ويجعلون لما لا يعلمون السبب في صيرورتها معبودة.

ورابعها: المراد استحقار الأصنام حتى كأنها لقلتها لا تعلم.

المسألة الرابعة: في تفسير ذلك النصيب احتمالات: الأول: المراد منه أنهم جعلوا لله نصيباً من الحرث والأنعام يتقربون إلى الله تعالى به، ونصيباً إلى الأصنام يتقربون به إليها، وقد شرحنا ذلك في آخر سورة الأنعام.

والثاني: أن المراد من هذا النصيب، البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام، وهو قول الحسن.

والثالث: ربما اعتقدوا في بعض الأشياء أنه إنما حصل بإعانة بعض تلك الأصنام، كما أن المنجمين يوزعون موجودات هذا العالم علىلكواكب السبعة، فيقولون لزحل كذا من المعادن والنبات والحيوانات، وللمشتري أشياء أخرى فكذا هاهنا.

واعلم أنه تعالى لما حكى عن المشركين هذا المذهب قال: ﴿ تالله لتسألن ﴾ وهذا في هؤلاء الأقوم خاصة بمنزلة قوله: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْـَٔلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ  عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ  ﴾ وعلى التقديرين فأقسم الله تعالى بنفسه أنه يسألهم، وهذا تهديد منه شديد، لأن المراد أنه يسألهم سؤال توبيخ وتهديد، وفي وقت هذا السؤال احتمالان: الأول: أنه يقع ذلك السؤال عند القرب من الموت ومعاينة ملائكة العذاب، وقيل عند عذاب القبر.

والثاني: أنه يقع ذلك في الآخرة، وهذا أولى لأنه تعالى قد أخبر بما يجري هناك من ضروب التوبيخ عند المسألة فهو إلى الوعيد أقرب.

النوع الثاني: من كلماتهم الفاسدة أنهم يجعلون لله البنات، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً  ﴾ كانت خزاعة وكنانة تقول: الملائكة بنات الله.

أقول أظن أن العرب إنما أطلقوا لفظ البنات لأن الملائكة لما كانوا مستترين عن العيون أشبهوا النساء في الاستتار فأطلقوا عليهم لفظ البنات.

وأيضاً قرص الشمس يجري مجرى المستتر عن العيون بسبب ضوئه الباهر ونوره القاهر فأطلقوا عليه لفظ التأنيث فهذا ما يغلب على الظن في سبب إقدامهم على هذا القول الفاسد والمذهب الباطل، ولما حكى الله تعالى عنهم هذا القول قال: ﴿ سبحانه ﴾ وفيه وجوه: الأول: أن يكون المراد تنزيه ذاته عن نسبة الولد إليه.

والثاني: تعجيب الخلق من هذا الجهل القبيح، وهو وصف الملائكة بالأنوثة ثم نسبتها بالولدية إلى الله تعالى.

والثالث: قيل في التفسير معناه معاذ الله وذلك مقارب للوجه الأول.

ثم قال تعالى: ﴿ ولهم ما يشتهون ﴾ أجاز الفراء في ما وجهين: الأول: أن يكون في محل النصب على معنى ويجعلون لأنفسهم ما يشتهون.

والثاني: أن يكون رفعاً على الابتداء كأنه تم الكلام عند قوله: ﴿ سبحانه ﴾ ثم ابتدأ فقال: ﴿ ولهم ما يشتهون ﴾ يعني البنين وهوكقوله: ﴿ أم له البنات ولكم البنون  ﴾ ثم اختار الوجه الثاني وقال: لو كان نصيباً لقال ولأنفسهم ما يشتهون، لأنك تقول جعلت لنفسك كذا وكذا، ولا تقول جعلت لك، وأبى الزجاج إجازة الوجه الأول، وقال ما في موضع رفع لا غير، والتقدير: ولهم الشيء الذي يشتهونه، ولا يجوز النصب لأن العرب تقول جعل لنفسه ما تشتهي، ولا تقول جعل له ما يشتهي وهو يعني نفسه.

ثم إنه تعالى ذكر أن الواحد من هؤلاء المشركين لا يرضى بالولد البنت لنفسه فما لا يرتضيه لنفسه كيف ينسبه لله تعالى فقال: ﴿ وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: التبشير في عرف اللغة مختص بالخبر الذي يفيد السرور إلا أنه بحسب أصل اللغة عبارة عن الخبر الذي يؤثر في تغير بشرة الوجه، ومعلوم أن السرور كما يوجب تغير البشرة فكذلك الحزن يوجبه.

فوجب أن يكون لفظة التبشير حقيقة في القسمين، ويتأكد هذا بقوله: ﴿ فبشرهم بعذاب أليم  ﴾ ومنهم من قال: المراد بالتبشير هاهنا الإخبار، والقول الأول أدخل في التحقيق.

أما قوله: ﴿ ظل وجهه مسوداً ﴾ فالمعنى أنه يصير متغيراً تغير مغتم، ويقال لمن لقي مكروهاً قد اسود وجهه غماً وحزناً، وأقول إنما جعل اسوداد الوجه كناية عن الغم، وذلك لأن الإنسان إذا قوي فرحه انشرح صدره وانبسط روح قلبه من داخل القلب، ووصل إلى الأطراف، ولا سيما إلى الوجه لما بينهما من التعلق الشديد، وإذا وصل الروح إلى ظاهر الوجه أشرق الوجه وتلألأ واستنار، وأما إذا قوي غم الإنسان احتقن الروح في باطن القلب ولم يبق منه أثر قوي في ظاهر الوجه، فلا جرم يربد الوجه ويصفر ويسود ويظهر فيه أثر الأرضية والكثافة، فثبت أن من لوازم الفرح استنارة الوجه وإشراقه، ومن لوازم الغم كمودة الوجه وغبرته وسواده، فلهذا السبب جعل بياض الوجه إشراقه كناية عن الفرح وغبرته وكمودته وسواده كناية عن الغم والحزن والكراهية، ولهذا المعنى قال: ﴿ ظل وجهه مسوداً وهو كظيم ﴾ أي ممتلئ غماً وحزناً.

ثم قال تعالى: ﴿ يتوارى من القوم من سوء ﴾ أي يختفي ويتغيب من سوء ما بشر به، قال المفسرون: كان الرجل في الجاهلية إذا ظهر آثار الطلق بامرأته توارى واختفى عنا لقوم إلى أن يعلم ما يولد له فإن كان ذكراً ابتهج به، وإن كان أنثى حزن ولم يظهر للناس أياماً يدبر فيها أنه ماذا يصنع بها؟

وهو قوله: ﴿ أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ﴾ والمعنى: أيحسبه؟

والإمساك هاهنا بمعنى بمعنى الحبس كقوله: ﴿ أمسك عليك زوجك  ﴾ وإنما قال: ﴿ أيمسكه ﴾ ذكره بضمير الذكران لأن هذا الضمير عائد على ما في قوله: ﴿ ما بشر به ﴾ والهون الهوان قال النضر بن شميل يقال إنه أهون عليه هوناً وهواناً، وأهنته هوناً وهواناً، وذكرنا هذا في سورة الأنعام عند قوله؛ ﴿ عذاب الهون  ﴾ وفي أن هذا الهون صفة من؟

قولان: الأول: أنه صفة المولودة، ومعناه أنه يمسكها عن هون منه لها.

والثاني: قال عطاء عن ابن عباس: أنه صفة للأب، ومعناه أنه يمسكها مع الرضا بهوان نفسه وعلى رغم أنفه.

ثم قال: ﴿ أم يدسه في التراب ﴾ والدس إخفاء الشيء في الشيء.

يروى أن العرب كانوا يحفرون حفيرة ويجعلونها فيها حتى تموت.

وروي عن قيس بن عاصم أنه قال: يا رسول الله إني واريت ثماني بنات في الجاهلية فقال عليه السلام: «أعتق عن كل واحدة منهن رقبة» فقال: يا نبي الله إني ذو إبل، فقال: «أهد عن كل واحدة منهن هدياً».

وروي أن رجلاً قال يا رسول الله: ما أجد حلاوة الإسلام منذ أسلمت، فقد كانت لي في الجاهلية ابنة فأمرت امرأتي أن تزينها فأخرجتها إلي فانتهيت بها إلى واد بعيد القعر فألقيتها فيه، فقالت: يا أبت قتلتني، فكلما ذكرت قولها لم ينفعني شيء، فقال عليه السلام: «ما كان في الجاهلية فقد هدمه الإسلام وما كان في الإسلام يهدمه الاستغفار».

واعلم أنهم كانوا مختلفين في قتل البنات فمنهم من يحفر الحفيرة ويدفنها فيها إلى أن تموت، ومنهم من يرميها من شاهق جبل، ومنهم من يغرقها ومنهم من يذبحها، وهم كانوا يفعلون ذلك تارة للغيرة والحمية، وتارة خوفاً من الفقر والفاقة ولزوم النفقة، ثم إنه قال: ﴿ ألا ساء ما يحكمون ﴾ وذلك لأنهم بلغوا في الاستنكاف من البنت إلى أعظم الغايات، فأولها: أنه يسود وجهه.

وثانيها: أنه يختفي عن القوم من شدة نفرته عن البنت.

وثالثها: أن الولد محبوب بحسب الطبيعة، ثم إنه بسبب شدة نفرته عنها يقدم على قتلها، وذلك يدل على أن النفرة عن البنت والاستنكاف عنها قد بلغ مبلغاً لا يزداد عليه.

إذا ثبت هذا فالشيء الذي بلغ الاستنكاف منه إلى هذا الحد العظيم كيف يليق بالعاقل أن ينسبه لإله العالم المقدس العالي عن مشابهة جميع المخلوقات؟

ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿ أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلْأُنثَىٰ  تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَىٰٓ  ﴾ .

المسألة الثانية: قال القاضي: هذه الآية تدل على بطلان الجبر، لأنهم يضيفون إلى الله تعالى من الظلم والفواحش ما إذا أضيف إلى أحدهم أجهد نفسه في البراءة منه والتباعد عنه، فحكمهم في ذلك مشابه لحكم هؤلاء المشركين، ثم قال: بل أعظم، لأن إضافة البنات إليه إضافة قبح واحد، وذلك أسهل من إضافة كل القبائح والفواحش إلى الله تعالى.

فيقال للقاضي، إنه لما ثبت بالدليل استحالة الصاحبة والولد على الله تعالى أردفة الله بذكر هذا الوجه الإقناعي، وإلا فليس كل ما قبح منا في العرف قبح من الله تعالى ألا ترى أن رجلاً زين إماءه وعبيده وبالغ في تحسين صورهن ثم بالغ في تقوية الشهوة فيهم وفيهن، ثم جمع بين الكل وأزال الحائل والمانع فإن هذا بالإتفاق حسن من الله تعالى وقبيح من كل الخلق، فعلمنا أن التعويل على هذه الوجوه المبينة على العرف، إنما يحسن إذا كانت مسبوقة بالدلائل القطعية اليقينية، وقد ثبت بالبراهين القطعية امتناع الولد على الله، فلا جرم حسنت تقويتها بهذه الوجوه الإقناعية.

أما أفعال العباد فقد ثبت بالدلائل اليقينية القاطعة أن خالقها هو الله تعالى، فكيف يمكن إلحاق أحد البابين بالآخر لولا شدة التعصب؟

والله أعلم.

ثم قال تعالى: ﴿ للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى ﴾ والمثل السوء عبارة عن الصفة السوء وهي احتياجهم إلى الولد، وكراهتهم الإناث خوف الفقر والعار: ﴿ ولله المثل الأعلى ﴾ أي الصفة العالية المقدسة، وهي كونه تعالى منزهاً عن الولد.

فإن قيل: كيف جاء: ﴿ ولله المثل الأعلى ﴾ مع قوله: ﴿ فلا تضربوا لله الأمثال ﴾ .

قلنا: المثل الذي يذكره الله حق وصدق والذي يذكره غيره فهو الباطل، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

كانت خزاعة وكنانة تقول: الملائكة بنات الله ﴿ سبحانه ﴾ تنزيه لذاته من نسبة الوالد إليه.

أو تعجب من قولهم ﴿ وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ ﴾ يعني البنين.

ويجوز في ﴿ مَّا يَشْتَهُونَ ﴾ الرفع على الابتداء، والنصب على أن يكون معطوفاً على البنات، أي: وجعلوا لأنفسهم ما يشتهون من الذكور.

و ﴿ ظَلَّ ﴾ بمعنى صار كما يستعمل بات وأصبح وأمسى بمعنى الصيرورة.

ويجوز أن يجيء ظل؛ لأن أكثر الوضع يتفق بالليل، فيظل نهاره مغتما مربد الوجه من الكآبة والحياء من الناس ﴿ وَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ مملوء حنقاً على المرأة ﴿ يتوارى مِنَ القوم ﴾ يستخفي منهم ﴿ مِنْ ﴾ أجل ﴿ سُوء ﴾ المبشر به، ومن أجل تعييرهم، ويحدث نفسه وينظر أيمسك ما بشر به ﴿ على هُونٍ ﴾ على هوان وذل ﴿ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التراب ﴾ أم يئده.

وقرئ: ﴿ أيمسكها على هون أم يدسها ﴾ ، على التأنيث.

وقرئ: ﴿ على هوان ﴾ ﴿ أَلاَ سَآء مَا يَحْكُمُونَ ﴾ حيث يجعلون الولد الذي هذا محله عندهم لله، ويجعلون لأنفسهم من هو على عكس هذا الوصف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى ﴾ أُخْبِرَ بِوِلادَتِها.

﴿ ظَلَّ وجْهُهُ ﴾ صارَ أوْ دامَ النَّهارَ كُلَّهُ.

﴿ مُسْوَدًّا ﴾ مِنَ الكَآبَةِ والحَياءِ مِنَ النّاسِ.

واسْوِدادُ الوَجْهِ كِنايَةٌ عَنِ الِاغْتِمامِ والتَّشْوِيرِ.

﴿ وَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ مَمْلُوءٌ غَيْظًا مِنَ المَرْأةِ.

﴿ يَتَوارى مِنَ القَوْمِ ﴾ يَسْتَخْفِي مِنهم.

﴿ مِن سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ ﴾ .

مِن سُوءِ المُبَشَّرِ بِهِ عُرْفًا.

﴿ أيُمْسِكُهُ ﴾ مُحَدِّثًا نَفْسَهُ مُتَفَكِّرًا في أنْ يَتْرُكَهُ.

﴿ عَلى هُونٍ ﴾ ذُلٍّ ﴿ أمْ يَدُسُّهُ في التُّرابِ ﴾ أيْ يُخْفِيهِ فِيهِ ويَئِدُهُ، وتَذْكِيرُ الضَّمِيرِ لِلَفْظِ ﴿ ما ﴾ وقُرِئَ بِالتَّأْنِيثِ فِيهِما.

﴿ ألا ساءَ ما يَحْكُمُونَ ﴾ حَيْثُ يَجْعَلُونَ لِمَن تَعالى عَنِ الوَلَدِ ما هَذا مَحَلُّهُ عِنْدَهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يتوارى مِنَ القوم مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ} يستخفى منهم من أجل سوء المبشر به ومن أجل تعييرهم ويحدث نفسه وينظر {أَيُمْسِكُهُ على هُونٍ} أيمسك ما بشر به على هون وذل {أَمْ يَدُسُّهُ فِى التراب} أم يئده {أَلاَ سَآء مَا يَحْكُمُونَ} حيث يجعلون الولد الذي هذا محله عندهم لله ويجعلون لأنفسهم من هو على عكس هذا الوصف

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يَتَوارى مِنَ القَوْمِ ﴾ يَسْتَخْفِي مِن قَوْمِهِ ﴿ مِن سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ ﴾ عُرْفًا وهو الأُنْثى، والتَّعْبِيرُ عَنْهُما- بِما- لِإسْقاطِها بِزَعْمِهِمْ عَنْ دَرَجَةِ العُقَلاءِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ حالٌ عَلى الأوْجُهِ السّابِقَةِ في وهو كَظِيمٌ إلّا كَوْنَهُ مِن وجْهِهِ، والجارّانِ مُتَعَلِّقانِ- بِيَتَوارى- (ومِنَ) الأُولى ابْتِدائِيَّةٌ، والثّانِيَةُ تَعْلِيلِيَّةٌ أيْ يَتَوارى مِن أجْلِ ذَلِكَ، ويُرْوى أنَّ بَعْضَ الجاهِلِيَّةِ يَتَوارى في حالِ الطَّلْقِ فَإنْ أُخْبِرَ بِذَكَرٍ ابْتَهَجَ أوْ بِأُنْثى حَزِنَ وبَقِيَ مُتَوارِيًا أيّامًا يُدَبِّرُ فِيها ما يَصْنَعُ ﴿ أيُمْسِكُهُ ﴾ أيَتْرُكُهُ ويُرَبِّيهِ ﴿ عَلى هُونٍ ﴾ أيْ ذُلٍّ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الفاعِلِ ولِذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: مَعْناهُ أيُمْسِكُهُ مَعَ رِضاهُ بِهَوانِ نَفْسِهِ وعَلى رَغْمِ أنْفِهِ، وقِيلَ: حالٌ مِنَ المَفْعُولِ بِهِ أيْ أيُمْسِكُ المُبَشَّرُ بِهِ وهو الأُنْثى مُهانًا ذَلِيلًا، وجُمْلَةُ ﴿ أيُمْسِكُهُ ﴾ مَعْمُولَةٌ لِمَحْذُوفٍ مُعَلَّقٍ بِالِاسْتِفْهامِ عَنْها وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ ﴿ يَتَوارى ﴾ أيْ مُحَدِّثًا نَفْسَهُ مُتَفَكِّرًا في أنْ يَتْرُكَهُ ﴿ أمْ يَدُسُّهُ ﴾ يُخْفِيهِ ﴿ فِي التُّرابِ ﴾ والمُرادُ يَئِدُهُ ويَدْفِنُهُ حَيًّا حَتّى يَمُوتَ وإلى هَذا ذَهَبَ السُّدِّيُّ وقَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ وغَيْرُهُمْ، وقِيلَ: المُرادُ إهْلاكُهُ سَواءٌ كانَ بِالدَّفْنِ حَيًّا أمْ بِأمْرٍ آخَرَ فَقَدْ كانَ بَعْضُهم يُلْقِي الأُنْثى مِن شاهِقٍ.

رُوِيَ أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ ما أجِدُ حَلاوَةَ الإسْلامِ مُنْذُ أسْلَمْتُ، وقَدْ كانَتْ لِي في الجاهِلِيَّةِ بِنْتٌ وأمَرْتُ امْرَأتِي أنْ تُزَيِّنَها وأخْرَجْتُها فَلَمّا انْتَهَيْتُ إلى وادٍ بَعِيدِ القَعْرِ ألْقَيْتُها فَقالَتْ: يا أبَتِ قَتَلْتَنِي فَكُلَّما ذَكَرْتُ قَوْلَها لَمْ يَنْفَعْنِي شَيْءٌ فَقالَ  : ««ما في الجاهِلِيَّةِ فَقَدْ هَدَمَهُ الإسْلامُ وما في الإسْلامِ يَهْدِمُهُ الِاسْتِغْفارُ»».

وكانَ بَعْضُهم يُغْرِقُها، وبَعْضُهم يَذْبَحُها إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ولَمّا كانَ الكُلُّ إماتَةً تُفْضِي إلى الدَّفْنِ في التُّرابِ قِيلَ: ﴿ أمْ يَدُسُّهُ في التُّرابِ ﴾ وقِيلَ: المُرادُ إخْفاؤُهُ عَنِ النّاسِ حَتّى لا يُعْرَفَ كالمَدْسُوسِ في التُّرابِ، وتَذْكِيرُ الضَّمِيرَيْنِ لِلَّفْظِ (ما).

وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ بِالتَّأْنِيثِ فِيهِما عَوْدًا عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ بِالأُنْثى ﴾ أوْ عَلى مَعْنى ما.

وقُرِئَ بِتَذْكِيرِ الأوَّلِ وتَأْنِيثِ الثّانِي، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ أيْضًا، وعِيسى «هَوانٍ» بِفَتْحِ الهاءِ وألِفٍ بَعْدَ الواوِ، وقُرِئَ «عَلى هَوْنٍ» بِفَتْحِ الهاءِ وإسْكانِ الواوِ وهو بِمَعْنى الذُّلِّ أيْضًا، ويَكُونُ بِمَعْنى الرِّفْقِ واللِّينِ ولَيْسَ بِمُرادٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ «عَلى سُوءٍ» وهي عِنْدَ أبِي حَيّانَ تَفْسِيرٌ لا قِراءَةٌ لِمُخالَفَتِها السَّوادَ ﴿ ألا ساءَ ما يَحْكُمُونَ ﴾ حَيْثُ يَجْعَلُونَ لِمَن تَنَزَّهَ عَنِ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ ما هَذا شَأْنُهُ عِنْدَهم والحالُ أنَّهم يَتَحاشَوْنَ عَنْهُ ويَخْتارُونَ لِأنْفُسِهِمُ البَنِينَ، فَمَدارُ الخَطَأِ جَعْلُهم ذَلِكَ لِلَّهِ تَعالى شَأْنُهُ مَعَ إبِائِهِمْ إيّاهُ لا جَعْلُهُمُ البَنِينَ لِأنْفُسِهِمْ ولا عَدَمُ جَعْلِهِمْ لَهُ سُبْحانَهُ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَدارُهُ التَّعْكِيسَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى ﴾ ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا اسْتِقْباحٌ مِنهُ تَعالى شَأْنُهُ لِسُوءِ فِعْلِهِمْ وحُكْمِهِمْ في بَناتِهِمْ بِالإمْساكِ عَلى هُونٍ أوِ الوَأْدِ مَعَ أنَّ رِزْقَ الجَمِيعِ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ألا ساءَ ما يَحْكُمُونَ في بَناتِهِمْ وهو خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا، ورُوِيَ الأوَّلُ عَنِ السُّدِّيِّ وعَلَيْهِ الجُمْهُورُ، والآيَةُ ظاهِرَةٌ في ذَمِّ مَن يَحْزَنُ إذا بُشِّرَ بِالأُنْثى حَيْثُ أخْبَرَتْ أنَّ ذَلِكَ فِعْلُ الكَفَرَةِ، وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وإذا بُشِّرَ ﴾ إلَخْ هَذا صَنِيعُ مُشْرِكِي العَرَبِ أخْبَرَكُمُ اللَّهُ تَعالى بِخُبْثِهِ فَأمّا المُؤْمِنُ فَهو حَقِيقٌ أنْ يَرْضى بِما قَسَمَ اللَّهُ تَعالى لَهُ وقَضاءُ اللَّهِ تَعالى خَيْرٌ مِن قَضاءِ المَرْءِ لِنَفْسِهِ، ولَعَمْرِي ما نَدْرِي أيَّ خَبَرٍ لَرُبَّ جارِيَةٍ خَيْرٌ لِأهْلِها مِن غُلامٍ، وإنَّما أخْبَرَكُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِصَنِيعِهِمْ لِتَجْتَنِبُوهُ ولِتَنْتَهُوا عَنْهُ.

واسْتَدَلَّ القاضِي بِالآيَةِ عَلى بُطْلانِ مَذْهَبِ القائِلِينَ بِنِسْبَةِ أفْعالِ العِبادِ إلَيْهِ تَعالى لِأنَّ في ذَلِكَ إضافَةَ فَواحِشَ لَوْ أُضِيفَتْ إلى أحَدِهِمْ أجْهَدَ نَفْسَهُ في البَراءَةِ مِنها والتَّباعُدِ عَنْها قالَ: فَحُكْمُ هَؤُلاءِ القائِلِينَ مُشابِهٌ لِحُكْمِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ بَلْ أعْظَمُ لِأنَّ إضافَةَ البَناتِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ إضافَةٌ لِقَبِيحٍ واحِدٍ وهو أسْهَلُ مِن إضافَةِ كُلِّ القَبائِحِ والفَواحِشِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ.

وأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّهُ لَمّا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ اسْتِحالَةُ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ أرْدَفَهُ عَزَّ وجَلَّ بِذِكْرِ هَذا الوَجْهِ الإقْناعِيِّ وإلّا فَلَيْسَ كُلُّ ما قَبُحَ مِنّا في العُرْفِ قَبْحُ مِنهُ تَعالى، ألا تَرى أنَّ رَجُلًا لَوْ زَيَّنَ إماءَهُ وعَبِيدَهُ وبالَغَ في تَحْسِينِ صُوَرِهِمْ وصُوَرِهِنَّ ثُمَّ بالَغَ في تَقْوِيَةِ الشَّهْوَةِ فِيهِمْ وفِيهِنَّ ثُمَّ جَمَعَ بَيْنَ الكُلِّ وأزالَ الحائِلَ والمانِعَ وبَقِيَ يَنْظُرُ ما يَحْدُثُ بَيْنَهم مِنَ الوِقاعِ وغَيْرِهِ عُدَّ مِن أسْفَهِ السُّفَهاءِ وعُدَّ صَنِيعُهُ أقْبَحَ كُلِّ صَنِيعٍ مَعَ أنَّ ذَلِكَ لا يُقْبَحُ مِنهُ تَعالى بَلْ قَدْ صَنَعَهُ جَلَّ جَلالُهُ فَعُلِمَ أنَّ التَّعْوِيلَ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الوُجُوهِ المَبْنِيَّةِ عَلى العُرْفِ إنَّما يَحْسُنُ إذا كانَتْ مَسْبُوقَةً بِالدَّلائِلِ القَطْعِيَّةِ، وقَدْ ثَبَتَ بِها امْتِناعُ الوَلَدِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ فَلا جَرَمَ حَسُنَتْ تَقْوِيَتُها لِهَذِهِ الوُجُوهِ الإقْناعِيَّةِ، وأمّا أفْعالُ العِبادِ فَقَدْ ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ القاطِعَةِ أنَّ خالِقَها هو اللَّهُ تَعالى فَكَيْفَ يُمْكِنُ إلْحاقُ أحَدِ البابَيْنِ بِالآخَرِ لَوْلا سُوءُ التَّعَصُّبِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله: وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ يعني: يصفون لله ويقولون: الملائكة بنات الله فقال: سُبْحانَهُ أي: تنزيهاً له عن الولد وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ يعني: الأولاد الذكور، أي: يصفون لغيرهم البنات، ولأنفسهم الذكور.

ثم وصف كراهتهم البنات لأنفسهم فقال: وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى يقول: إذا بشر أحد الكفار بالأنثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا أي: صار وجهه متغيراً من الحزن والخجل، وَهُوَ كَظِيمٌ أي: مكروباً مغموماً من الحزن، يتردد حزنه في جوفه.

ثم قال: يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ يعني: يكتم ما به من القوم ويستتر ويختفي من سوء مَا بُشّرَ بِهِ أي: ما ظهر على وجهه من الكراهية، ويدبر في نفسه كيف أصنع بها أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أي: الأنثى التي ولدت له على هوان، يعني: أيحفظه على هوان أَمْ يَدُسُّهُ أي: يدفنه فِي التُّرابِ أَلا ساءَ مَا يَحْكُمُونَ أي: بئسما يقضون به، لأنفسهم الذكور وله الإناث.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: وَيَجْعَلُونَ لِما لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمَّا رَزَقْناهُمْ: أي: لما لا يعلمون له حُجَّةً، ولا برهاناً، ويحتمل أن يريد بنفي العِلْم الأصنامَ، أي: لجماداتٍ لا تعلم شيئاً نصيباً، و «النصيب» المشار إِليه هو ما كانت العرب سنّته من الذبحِ لأصنامها، والقَسْمِ من الغَلاَّتِ وغيره.

وقوله سبحانه: وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ ...

الآية: تعديدٌ لقبائحِ الكَفَرة في قولهم: «الملائكةُ بناتُ اللَّه» ، تعالَى اللَّه عن قولهم، والمراد بقوله: وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ، الذُّكْرَانُ من الأولاد.

وقوله: ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا: عبارة عما/ يعلو وجْهَ المغموم.

قال ص: «ظَلَّ» : تكون بمعنى «صَارَ» ، وبمعنى «أقام نهاراً» على الصفة المسنَدَةِ إِلى اسمها، وتحتمل هنا الوجهين.

انتهى، وكَظِيمٌ: بمعنى: كاظمٍ، والمعنى:

أنه يُخْفي وجْدَه وهمَّه بالأنثى، ومعنى يَتَوارى: يتغيَّب من القومِ، وقرأ «١» الجَحْدَرِيُّ:

«أَيُمْسِكُهَا أَمْ يَدُسُّها» ، وقرأ الجمهور «٢» : «علَى هُونٍ» ، وقرأ عاصمٌ الجَحْدَرِيُّ «٣» : «عَلَى هَوَانٍ» ، ومعنى الآية: يُدْبِرُ، أيمسِكُ هذه الأنثَى على هوانٍ يتحمَّله، وهمٍّ يتجلَّد له، أمْ يَئِدُها فيدفنُها حيّة، وهو الدسّ في التراب.

لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٠) وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَّا تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٦١) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (٦٢)

وقوله سبحانه: لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ: قالت فرقة: مَثَلُ، في هذه الآية: بمعنى صفة، أي: لهؤلاء صفَةُ السَّوْء وللَّه المثل الأعلى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ ﴾ يَعْنِي: الأوْثانَ.

وَفِي الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ الجاعِلُونَ، وهُمُ المُشْرِكُونَ، والمَعْنى: لِما لا يَعْلَمُونَ لَها ضَرًّا ولا نَفْعًا؛ فَمَفْعُولُ العِلْمِ مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ: ما قُلْنا، هَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّها الأصْنامُ الَّتِي لا تَعْلَمُ شَيْئًا، ولَيْسَ لَها حِسٌّ ولا مَعْرِفَةٌ، وإنَّما قالَ: يَعْلَمُونَ، لِأنَّهم لَمّا نَحَلُوها الفَهْمَ، أجْراها مَجْرى مَن يَعْقِلُ عَلى زَعْمِهِمْ، قالَهُ جَماعَةٌ مِن أهْلِ المَعانِي.

قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَؤُلاءِ مُشْرِكُوالعَرَبِ جَعَلُوا لِأوْثانِهِمْ جُزْءًا مِن أمْوالِهِمْ، كالبَحِيرَةِ، والسّائِبَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا شَرَحْناهُ في (الأنْعامِ:١٣٩) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تاللَّهِ لَتُسْألُنَّ ﴾ رَجَعَ عَنِ الإخْبارِ عَنْهم إلى الخِطابِ لَهم، وهَذا سُؤالُ تَوْبِيخٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: يَعْنِي: خُزاعَةَ وكِنانَةَ، زَعَمُوا أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ ﴿ سُبْحانَهُ ﴾ أيْ: تَنَـزَّهَ عَمّا زَعَمُوا.

﴿ وَلَهم ما يَشْتَهُونَ ﴾ يَعْنِي: البَنِينَ.

قالَ أبُو سُلَيْمانَ: المَعْنى: ويَتَمَنَّوْنَ لِأنْفُسِهِمُ الذُّكُورَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى ﴾ أيْ: أُخْبِرَ أنَّهُ قَدْ وُلِدَ لَهُ بِنْتٌ ﴿ ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: مُتَغَيِّرًا تَغَيُّرَ مُغْتَمٍّ، يُقالُ لِكُلِّ مَن لَقِيَ مَكْرُوهًا: قَدِ اسْوَدَّ وجْهُهُ غَمًّا وحُزْنًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ أيْ: يَكْظِمُ شِدَّةَ وجْدِهِ، فَلا يُظْهِرُهُ، وقَدْ شَرَحْناهُ في سُورَةِ (يُوسُفَ:٨٤) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَتَوارى مِنَ القَوْمِ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذا صَنِيعُ مُشْرِكِي العَرَبِ، كانَ أحَدُهم إذا ضَرَبَ امْرَأتَهُ المَخاضُ، تَوارى إلى أنْ يَعْلَمَ ما يُولَدُ لَهُ، فَإنْ كانَ ذَكَرًا، سُرَّ بِهِ، وإنْ كانَتْ أُنْثى، لَمْ يَظْهَرْ أيّامًا يُدَبِّرُ كَيْفَ يَصْنَعُ في أمْرِها، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ ﴾ فالهاءُ تَرْجِعُ إلى ما في قَوْلِهِ: ﴿ ما بُشِّرَ بِهِ ﴾ ، والهُونُ في كَلامِ العَرَبِ: الهَوانُ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، والجَحْدَرِيُّ: " عَلى هَوانِ "، والدَّسُّ: إخْفاءُ الشَّيْءِ في الشَّيْءِ، وكانُوا يَدْفِنُونَ البِنْتَ وهي حَيَّةٌ ﴿ ألا ساءَ ما يَحْكُمُونَ ﴾ إذْ جَعَلُوا لِلَّهِ البَناتِ اللّاتِي مَحَلُّهُنَّ مِنهم هَذا، ونَسَبُوهُ إلى الوَلَدِ، وجَعَلُوا لِأنْفُسِهِمُ البَنِينَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمّا رَزَقْناهم تاللهِ لَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ ﴾ ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ سُبْحانَهُ ولَهم ما يَشْتَهُونَ ﴾ ﴿ وَإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ ﴾ ﴿ يَتَوارى مِنَ القَوْمِ مِنَ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أمْ يَدُسُّهُ في التُرابِ ألا ساءَ ما يَحْكُمُونَ ﴾ الضَمِيرُ في "يَجْعَلُونَ" لِلْكُفّارِ، ويُرِيدُ بِـ "ما لا يَعْلَمُونَ " الأصْنامَ، أيْ: لا يَعْلَمُونَ فِيهِمْ حُجَّةً ولا بُرْهانًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: "يَعْلَمُونَ" الأصْنامَ، أيْ: يَجْعَلُونَ لِجَماداتٍ وهي لا تَعْلَمُ شَيْئًا- نَصِيبًا، فالمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، ثُمَّ عَبَّرَ عنهم بِعِبارَةِ مَن يَعْقِلُ بِحَسَبِ مَذْهَبِ الكُفّارِ الَّذِينَ يُسْنِدُونَ إلَيْها ما يُسْنَدُ إلى مَن يَعْقِلُ، وبِحَسَبِ أنَّهُ إسْنادٌ مَنفِيٌّ، وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ.

و"النَصِيبُ" المُشارُ إلَيْهِ هو ما كانَتِ العَرَبُ سَنَّتَهُ مِنَ الذَبْحِ لِأصْنامِها، والإهْداءِ إلَيْها، والقَسَمِ لَها مِنَ الغَلّاتِ.

ثُمَّ أمْرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنْ يُقْسِمَ لَهم أنَّهم سَيُسْألُونَ عَلى افْتِرائِهِمْ في أنَّ تِلْكَ السُنَنَ هي الحَقُّ الَّذِي أمَرَ اللهٌ بِهِ كَما قالَ بَعْضُهُمْ، و"الفِرْيَةُ" اخْتِلاقُ الكَذِبِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ ﴾ الآيَةُ.

هَذا تَعْدِيدٌ لِقُبْحِ قَوْلِ الكُفّارِ: "المَلائِكَةُ بَناتُ اللهِ"، ورَدَّ عَلَيْهِمْ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما نِسْبَةُ النَسْلِ إلى اللهِ تَعالى عن ذَلِكَ، والآخِرُ أنَّهم نَسَبُوا مِنَ النَسْلِ الأخَسِّ المَكْرُوهِ عِنْدَهُمْ، و"ما" في قَوْلِهِ: ﴿ ما يَشْتَهُونَ ﴾ مُرْتَفِعَةٌ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ في المَجْرُورِ، وأجازَ الفَرّاءُ أنَّ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى "البَناتِ"، والبَصْرِيُّونَ لا يُجِيزُونَ هَذِهِ الآيَةَ مِن بابِ: ضَرَبَنِي، وكانَ يَلْزَمُ عِنْدَهم أنْ يَكُونَ: "وَلِأنْفُسِهِمْ ما يَشْتَهُونَ"، والمُرادُ بِـ ﴿ ما يَشْتَهُونَ ﴾ الذَكُرانُ مِنَ الأولادِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا بُشِّرَ أحَدُهُمْ ﴾ الآيَةُ.

لَمّا صَرَّحَ بِالشَيْءِ المُبَشَّرِ بِهِ حَسُنَ ذِكْرُ البِشارَةِ فِيهِ، وإلّا فالبِشارَةُ مُطْلَقَةٌ لا تَكُونُ إلّا في خَيْرٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا ﴾ عِبارَةٌ عَنِ العُبُوسِ والقُطُوبِ الَّذِي يَلْحَقُ المَغْمُومَ، وقَدْ يَعْلُو وجْهَ المَغْمُومِ سَوادٌ وَزَبَدٌ، وتَذْهَبُ شَراقَتُهُ، فَلِذَلِكَ يَذْكُرُ لَهُ السَوادَ.

و"كَظِيمٌ" بِمَعْنى كاظِمٍ كَعَلِيمٍ وعالِمٍ، والمَعْنى أنَّهُ يُخْفِي وجْهَهُ وهَمَّهُ بِالأُنْثى.

وقَوْلُهُ: ﴿ يَتَوارى مِنَ القَوْمِ ﴾ الآيَةُ، هَذا التَوارِي الَّذِي ذَكَرَ اللهَ تَعالى إنَّما هو بَعْدَ البِشارَةِ بِالأُنْثى، وما يُحْكى أنَّ الرَجُلَ مِنهم كانَ إذا أصابَ امْرَأتَهُ الطَلْقُ؛ تَوارى حَتّى يُخْبَرَ بِأحَدِ الأمْرَيْنِ.

فَلَيْسَ المُرادُ في الآيَةِ.

ويُشْبِهُ أنَّ ذَلِكَ كانَ لِكَيْ: إذَنْ أخْبَرَ بِسارٍّ خَرَجَ، وإنْ أخْبَرَ بِسُوءٍ بَقِيَ عَلى تَوارِيهِ ولَمْ يَحْتَجْ إلى إحْداثِهِ.

ومَعْنى "يَتَوارى": يَتَغَيَّبُ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: يَتَوارى مِنَ القَوْمِ مُدْبِرًا، أيُمْسِكُهُ أمْ يَدُسُّها؟

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "أيُمْسِكُهُ" عَلى لَفْظِ "ما"، "أمْ يَدُسُّها" عَلى مَعْنى الأُنْثى.

وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "أيُمْسِكُها"، "أمْ يَدُسُّها" عَلى مَعْنى الأُنْثى في المَوْضِعَيْنِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "عَلى هَوْنٍ" بِضَمِّ الهاءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِفَتْحِها، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "عَلى هَوانٍ" وهي قِراءَةُ عاصِمِ الجَحْدَرِيِّ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "عَلى سُوءٍ"، ومَعْنى الآيَةِ: يُدَبِّرُ: أيُمْسِكُ هَذِهِ الأُنْثى عَلى هَوانٍ يَتَحَمَّلُهُ، وهَمٍّ يَتَخَلَّدُ لَهُ، أمْ يَئِدُها فَيَدْفِنُها حَيَّةً، فَهو الدَسُّ في التُرابِ، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ اللهُ تَعالى الإخْبارَ عن سُوءِ فِعْلِهِمْ وحُكْمِهِمْ بِهَذا في بَناتِهِمْ ورِزْقُ الجَمِيعِ عَلى اللهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الواو في قوله تعالى: ﴿ وإذا بشر أحدهم بالأنثى ﴾ يجوز أن تكون واو الحال.

ويجوز أن تكون الجملة معترضة والواو اعتراضية اقتضى الإطالة بها أنها من تفاريع شركهم، فهي لذلك جديرة بأن تكون مقصودة بالذكر كأخواتها.

وهذا أولى من أن تجعل معطوفة على جملة ﴿ ولهم ما يشتهون ﴾ [سورة النحل: 57] التي هي في موضع الحال، لأن ذلك يفيت قصدها بالعدّ.

وهذا القصد من مقتضيات المقام وإن كان مآل الاعتبارين واحداً في حاصل المعنى.

والتّعبير عن الإعلام بازدياد الأنثى بفعل ﴿ بشر ﴾ في موضعين لأنه كذلك في نفس الأمر إذ ازدياد المولود نعمة على الوالد لما يترقّبه من التأنّس به ومزاحِه والانتفاع بخدمته وإعانته عند الاحتياج إليه، ولما فيه من تكثير نسل القبيلة الموجب عزّتها، وآصرة الصهر.

ثم إن هذا مع كونه بشارة في نفس الأمر فالتّعبير به يفيد تعريضاً بالتهكّم بهم إذ يعُدون البشارة مُصيبة وذلك من تحريفهم الحقائق.

والتّعريض من أقسام الكناية والكناية تجامع الحقيقة.

والباء في ﴿ بالأنثى ﴾ لتعدية فعل البشارة وعلّقت بذات الأنثى.

والمراد؛ بولادتها، فهو على حذف مضاف معلوم.

وفعل ﴿ ظل ﴾ من أفعال الكون أخوات كان التي تدلّ على اتّصاف فاعلها بحالة لازمة فلذلك تقتضي فاعلاً مرفوعاً يدعى اسماً وحالاً لازماً له منصوباً يدعى خبراً لأنه شبيه بخبر المبتدإ.

وسمّاها النّحاة لذلك نواسخ لأنها تعمل فيما لولاها لكان مبتدأً وخبراً فلما تغيّر معها حكم الخبر سمّيت ناسخة لرفعه، كما سميت (إنّ) وأخواتها و(ظنّ) وأخواتها كذلك.

وهو اصطلاح تقريبي وليس برشيق.

ويستعمل ﴿ ظَلّ ﴾ بمعنى صار.

وهو المراد هنا.

واسوداد الوجه: مستعمل في لون وجه الكئيب إذ ترهقه غبرة، فشبّهت بالسّواد مبالغة.

والكظيم: الغضبان المملوء حنقاً.

وتقدم في قوله تعالى: ﴿ فهو كظيم ﴾ في سورة يوسف (84)، أي أصبح حنقاً على امرأته.

وهذا من جاهليتهم الجهلاء وظلمهم، إذ يعاملون المرأة معاملة من لو كانت ولادة الذكور باختيارها، ولماذا لا يحنق على نفسه إذ يلقح امرأته بأنثى، قالت إحدى نسائهم أنشده الأصمعي تذكر بعلها وقد هجرها لأنها تلد البنات: يَغْضَبُ إنْ لم نلد البنينا *** وإنما نُعطي الذي أعطينا والتّواري: الاختفاء، مضارع واراه، مشتقّ من الوراء وهو جهة الخلف.

و ﴿ مِن ﴾ في قوله تعالى: ﴿ من سوء ما بشر به ﴾ للابتداء المجازي المفيد معنى التعليل، لأنه يقال: فعلت كذا من أجل كذا، قال تعالى: ﴿ ولا تقتلوا أولادكم من إملاق ﴾ [سورة الأنعام: 151]، أي يتوارى من أجل تلك البشارة.

وجملة أيمسكه } بدل اشتمال من جملة ﴿ يتوارى ﴾ ، لأنه يتوارى حياء من الناس؛ فيبقى متوارياً من قومه أياماً حتى تُنسى قضيّته.

وهو معنى قوله تعالى: ﴿ أيمسكه ﴾ الخ، أي يتوارى ويتردّد بين أحد هذين الأمرين بحيث يقول في نفسه: أأمسكه على هُون أم أدسّه في التراب.

والمراد: التردّد في جواب هذا الاستفهام.

والهُون: الذلّ.

وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ فاليوم تجزون عذاب الهون ﴾ في سورة الأنعام (93).

والدسّ: إخفاء الشيء بين أجزاء شيء آخر كالدفن.

والمراد: الدّفن في الأرض وهو الوأد.

وكانوا يَئِدون بناتهم، بعضُهم يئد بحدثان الولادة، وبعضهم يئد إذا يفعت الأنثى ومشت وتكلّمت، أي حين تظهر للناس لا يمكن إخفاؤها.

وذلك من أفظع أعمال الجاهلية، وكانوا متمالئين عليه ويحسبونه حقّاً للأب فلا ينكرها الجماعة على الفاعل.

ولذلك سمّاه الله حكماً بقوله تعالى: ألا ساء ما يحكمون } .

وأعلن ذمّهُ بحَرف ﴿ ألاَ ﴾ لأنه جور عظيم قد تَمَالأُوا عليه وخوّلوه للناس ظلماً للمخلوقات، فأسند الحكم إلى ضمير الجماعة مع أن الكلام كان جارياً على فعل واحد غير معيّن قضاءً لحقّ هذه النكتة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ ﴾ في قَوْلِهِ ﴿ مُسْوَدًّا ﴾ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مُسْوَدُّ اللَّوْنِ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

الثّانِي: مُتَغَيِّرُ اللَّوْنِ بِسَوادٍ أوْ غَيْرِهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّالِثُ: أنَّ العَرَبَ تَقُولُ لِكُلِّ مَن لَقِيَ مَكْرُوهًا قَدِ اسْوَدَّ وجْهُهُ غَمًّا وحُزْنًا، قالَهُ الزَّجّاجُ.

وَمِنهُ: سَوَّدْتَ وجْهَ فُلانٍ، إذا سُؤْتَهُ.

﴿ وَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ الكَظِيمَ الحَزِينُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُ الَّذِي يَكْظِمُ غَيْظَهُ فَلا يَظْهَرُ، قالَهُ الأخْفَشُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ المَغْمُومُ الَّذِي يُطْبِقُ فاهُ فَلا يَتَكَلَّمُ مِنَ الفَمِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الكِظامَةِ وهو سَدُّ فَمِ القِرْبَةِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

﴿ أيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: هو الهَوانُ بِلُغَةِ قُرَيْشٍ، قالَهُ اليَزِيدِيُّ.

الثّانِي: هو القَلِيلُ بِلُغَةِ تَمِيمٍ، قالَهُ الفَرّاءُ.

الثّالِثُ: هو البَلاءُ والمَشَقَّةُ، قالَهُ الكِسائِيُّ.

قالَتِ الخَنْساءُ: نُهِينُ النُّفُوسَ وهَوْنُ النُّفُو سِ يَوْمَ الكَرِيهَةِ أبْقى لَها ﴿ أمْ يَدُسُّهُ في التُّرابِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها المَوْءُودَةُ الَّتِي تُدَسُّ في التُّرابِ قَتْلًا لَها.

الثّانِي: أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى إخْفائِهِ عَنِ النّاسِ حَتّى لا يَعْرِفُوهُ كالمَدْسُوسِ في التُّرابِ لِخَفائِهِ عَنِ الأبْصارِ.

وَهو مُحْتَمَلٌ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: صِفَةُ السَّوْءِ مِنَ الجَهْلِ والكُفْرِ.

الثّانِي: وصَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالسَّوْءِ مِنَ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ.

﴿ وَلِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الصِّفَةُ العُلْيا بِأنَّهُ خالِقٌ ورَزّاقٌ وقادِرٌ ومُجازٍ.

الثّانِي: الإخْلاصُ والتَّوْحِيدُ، قالَهُ قَتادَةُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ويجعلون لله البنات...

﴾ الآيات.

يقول: يجعلون له البنات، يرضونهن له ولا يرضونهن لأنفسهم.

وذلك أنهم كانوا في الجاهلية إذا ولد للرجل منهم جارية أمسكها على هون أو دسّها في التراب وهي حية.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله: ﴿ ولهم ما يشتهون ﴾ قال: يعني به البنين.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم ﴾ قال: هذا صنيع مشركي العرب، أخبرهم الله بخبث صنيعهم.

فأما المؤمن، فهو حقيق أن يرضى بما قسم الله له، وقضاء الله خير من قضاء المرء لنفسه.

ولعمري ما ندري أنه لخير لرب جارية خير لأهلها من غلام، وإنما أخبركم الله بصنيعهم لتجتنبوه وتنتهوا عنه، فكان أحدهم يغذو كلبه ويئد ابنته.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال: كانت العرب يقتلون ما ولد لهم من جارية فيدسونها في التراب وهي حية حتى تموت.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ على هون ﴾ أي هوان بلغة قريش.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن جريج في قوله: ﴿ أم يدسه في التراب ﴾ قال: يئد ابنته.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ ألا ساء ما يحكمون ﴾ قال: بئس ما حكموا.

يقول: شيء لا يرضونه لأنفسهم، فكيف يرضونه لي....؟

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ ولله المثل الأعلى ﴾ قال: شهادة أن لا إله إلا الله.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولله المثل الأعلى ﴾ قال: يقول ليس كمثله شيء.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَتَوَارَى ﴾ ، أي: يختفي ويتغيب، وقد ذكرنا هذا الحرف وتفسيره في قوله: ﴿ مَا وُورِيَ عَنْهُمَا  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ ﴾ قال المفسرون: كان الرجل في الجاهلية إذا ضرب امرأتَه المخاضُ توارى إلى أن يعلم ما يُولدُ له، فإن كان ذكرًا سُرَّ به وابتهج، وإن كانت أُنثى اكتأب لها وحزن ولم يظهر للناس أيامًا، يُدبِّر كيف يصنع في أمرها (١) ﴿ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ ﴾ أي أيحبسه، والإمساك هاهنا بمعنى الحبس، كقوله: ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ  ﴾ ، والكناية تعود على ما في قوله: ﴿ مَا بُشِّرَ بِهِ ﴾ ، والهُون: الهَوَان (٢) قال ابن شميل: إنه لَيَهُون علي هَوْنًا وهَوانًا (٣) ﴿ عَذَابَ الْهُونِ  ﴾ .

قال المفسرون: كان أحدُهم في الجاهلية إذا وُلِدت له بنتٌ ضاق بها ذرعًا، فلم يدر ما يصنع بها؛ أَيَدُسُّها تحت التراب أو يتهاون بها فيُلْقِيها (٤) وقال عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ ﴾ يريد على رغم أنفه وعلى الكراهية منه (٥) (٦) (٧) وقوله تعالى: ﴿ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ ﴾ أي يخفيه، والدس: إخفاء الشيء (٨) (٩) ﴿ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ ﴾ مقدرًا: أيمسكه أم يدسه، أو مفكرًا أو مدبرًا، أي يُقَلِّبُ رأيه في أحد الأمرين.

وقال صاحب النظم: قوله: ﴿ أَيُمْسِكُهُ ﴾ متصل في النظم بقوله: ﴿ وَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ ، والكظيم بمعنى الكاظم، ومعنى الكظم: ستر الشيء في القلب وترك إظهاره (١٠) ﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ  ﴾ ، والتأويل: وهو كاظم، ﴿ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ ﴾ ، أي: أن هذا المعنى في قلبه من شدة الغَمّ وهو يكظمه ولا يظهره.

وقوله تعالى: ﴿ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾ قال ابن عباس والمفسرون: بئس ما حكموا أن جعلوا لمن يعرفون بأنه خالقهم البنات؛ اللاتي محلهن منهم هذا المحل، ونسبوه إلى اتخاذ الولد، وجعلوا لأنفسهم البنين (١١) ﴿ أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (21) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى  ﴾ .

(١) ورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 75، بنحوه، وانظر: "تفسير ابن عطية" 8/ 446، وابن الجوزي 4/ 458، والفخر الرازي 20/ 55، والخازن 3/ 120، وأبي حيان 5/ 504.

(٢) لم يفرق بعضهم بين الهَوْن والهُون، وذهب الكثير إلى التفريق بينهما؛ فقال بعضهم: الهُون: الهوان، والهَون: الرفق.

وقال آخرون: الهُون: العذاب، والهَون: الرفق.

وقال الليث: الهَون: مصدر الهيِّن في معنى السكينة والوقار.

وقال شمر: الهَوْنُ: الرفق والدعة.

وقال الفراء: الهُوْنُ في لغة قريش: الهَوَانُ، وبعض تميم يجعل الهُون مصدرًا للشيء الهيّن؛ أي القليل.

انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 106، و"تهذيب اللغة" (هان) 4/ 3699، و"اتفاق المباني وافتراق المعاني" ص 99.

(٣) ورد في "تهذيب اللغة" (هان) 4/ 3699، بنصه.

(٤) ورد بنحوه في "تفسير مقاتل" 1/ 204 أ، والطبري 14/ 124، والسمرقندي 2/ 239، وهود 2/ 374، والثعلبي 2/ 158 أ، ولعل المقصود بقوله: (فيلقيها)، أي: يلقيها من شاهق، فقد ذكر الرازي عدة وسائل كانوا يسلكونها في قتل البنات، أشهرها: أن يحفر لها الحفيرة ويدفنها حتى تموت، ومنهم من يرميها من شاهق جبل، ومنهم من يغرقها، ومنهم من يذبحها.

انظر: "تفسير الرازي" 20/ 56.

(٥) انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 55.

(٦) في جميع النسخ: (الولد) والصحيح (الوالد)؛ لأن هذا هو المعنى الثاني، وفي الأول عاد الهوان على الولد، ويؤيده التعليل بعده.

(٧) "معانى القرآن" للفراء 2/ 107، بنصه.

(٨) انظر: (دس) في "تهذيب اللغة" 2/ 1183، و"المحيط في اللغة" 12/ 235، و"الأساس" 1/ 271، و"عمدة الألفاظ" 2/ 8.

(٩) في جميع النسخ: (و)، وما أثبته هو الصواب، والظاهر أن الألف سقطت أو تصحفت.

(١٠) أصل الكَظْم: اجتراعُ الغَيْظ، والكَظَمُ: مخرجُ النفس، يقال: أخذ بكَظَمِه، والكُظُومُ: السكوت، والكُظومُ: إمساكُ البعيرِ عن الجِرَّةِ.

انظر: (كظم) في "العين" 5/ 345، و"تهذيب اللغة" 4/ 3151، و"المحيط في اللغة" 6/ 233، و"مجمل اللغة" 2/ 786، و"عمدة الحفاظ" 3/ 469.

(١١) ورد بمعناه غير منسوب في "تفسير مقاتل" 1/ 204 أ، والطبري 14/ 124، والسمرقندي 2/ 239، والثعلبي 2/ 158 أ، والطوسي 6/ 394، وانظر: "تفسير الزمخشري" 2/ 333، وابن الجوزي 4/ 459، و"تفسير القرطبي" 10/ 118، والخازن 3/ 120، وأبي حيان 5/ 504.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بالأنثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ إخبار عن حال العرب في كراهتهم البنات، وظل هنا يحتمل أن تكون على بابها، أو بمعنى صار، والسواد عبارة عن العبوس والغم، وقد يكون معه سواد حقيقة، وكظيم قد ذكر في [يوسف: 84] ﴿ يتوارى مِنَ القوم ﴾ أي يستخفي من أجل سوء ما بشر به ﴿ أَيُمْسِكُهُ على هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التراب ﴾ المعنى يدبر وينظر هل يمسك الأنثى التي بشر بها على هوان وذل لها، أو يدفنها في التراب حية، وهي المؤودة، وهذا معنى يدسه في التراب ﴿ مَثَلُ السوء ﴾ أي صفة السوء من الحاجة إلى الأولاد وغير ذلك من الافتقار والنقص ﴿ وَلِلَّهِ المثل الأعلى ﴾ أي الوصف الأعلى من الغنى عن كل شيء، والنزاهة عن صفات المخلوقين.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ نوحي ﴾ بالنون: حفص غير الخزاز.

الباقون بالياء مجهولاً ﴿ أو لم تروا ﴾ بتاء الخطاب: حمزة وعلي وخلف ﴿ تتفيؤ ﴾ بتاء التأنيث: أبو عمرو وسهل ويعقوب، الآخرون على الغيبة.

الوقوف: ﴿ لا تعلمون ﴾ ه لا لتعلق الباء ﴿ والزبر ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ لا يشعرون ﴾ ه لا للعطف ﴿ بمعجزين ﴾ ه لا كذلك ﴿ على تخوّف ﴾ ط للفصل بين الاستخبار والإخبار ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ داخرون ﴾ ه ﴿ لا يستكبرون ﴾ ه ﴿ ما يؤمرون ﴾ ه ﴿ اثنين ﴾ ج للابتداء بانما مع اتحاد القائل ﴿ واحد ﴾ ج للعدول مع الفاء ﴿ فارهبون ﴾ ه ﴿ واصباً ﴾ ط ﴿ تتقون ﴾ ه ﴿ تجأرون ﴾ ه ج لأن "ثم" لترتيب الأخبار مع شدة اتصال المعنى ﴿ يشركون ﴾ ه لا لتعلق لام كي ﴿ آتيناهم ﴾ ط للعدول والفاء للاستئناف ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ رزقناهم ﴾ ط ﴿ تفترون ﴾ ه {  } لا لأن ما بعده من جملة مفعول ﴿ يجعلون ﴾ و {  } معترض للتنزيه ﴿ يشتهون ﴾ ه ﴿ كظيم ﴾ ه ج لاحتمال أن ما بعد وصف ﴿ لكظيم ﴾ أو استنئاف.

﴿ ما بشر به ﴾ ط لأن التقدير يتفكر في نفسه المسألة ﴿ في التراب ﴾ ط ﴿ ما يحكمون ﴾ ه ﴿ السوء ﴾ ج لتضاد الجملتين معنى مع العطف لفظاً ﴿ الأعلى ﴾ ط ﴿ الحكيم ﴾ ه.

التفسير: الشبهة الخامسة أن قريشاً كانوا يقولون الله أعلى وأجل من أن يكون رسوله بشراً فأجاب  بقوله: ﴿ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً ﴾ والمراد أن هذه عادة مستمرة من أوّل زمان الخلق والتكليف.

وزعم أبو علي الجبائي أنه لم يبعث إلى الأنبياء إلا من هو بصورة الرجال من الملائكة.

قال القاضي: ولعله أراد الملك الذي يرسل إلى الأنبياء بحضرة أممهم كما روي أن جبرائيل  كان يأتي في صورة دحية وفي صورة سراقة، وإنما قيدنا بحضرة الأمم لأن الملائكة قد يبعثون على صورتهم الأصلية عند إبلاغ الرسالة من الله إلى نبيه كما روي أنه  رآى جبرائيل على صورته التي هو عليها مرتين.

وعليه تأوّلوا قوله: ﴿ ولقد رآه نزلة أخرى  ﴾ ثم إنهم كانوا مقرين بأن اليهود والنصارى أصحاب العلوم والكتب فأمرهم الله - أعني قريشاً - بأن يرجعوا إليهم في هذه المسألة ليبينوا لهم ضعف هذه الشبهة وسقوطها وذلك قوله: ﴿ فاسئلوا أهل الذكر ﴾ قال بعض الأصولين: فيه دليل على أنه يجوز للمجتهد تقليد مجتهد آخر فيما يشتبه عليه.

واحتج نفاة القياس بالآية قالوا: لو كان حجة لما وجب على المكلف السؤال بل كان عليه أن يستنبط ذلك الحكم بواسطة القياس.

وأجيب بأنه قد ثبت العمل بالقياس لإجماع الصحابة، والإجماع أقوى من ظاهر النص.

أما قوله: ﴿ بالبينات ﴾ ففي متعلقه وجوه منها: أن يتعلق بـ ﴿ أرسلنا ﴾ داخلاً تحت حكم الاستثناء مع ﴿ رجالاً ﴾ وأنكر الفراء ذلك قال: إن صلة ما قبل "إلا" لا تتأخر على ما بعد "إلا" لأن المستثنى منه هو مجموع ما قبل إلا مع صلته كما لو قيل: ما أرسلنا بالبينات إلا رجالاً.

ولما لم يصر هذا المجموع مذكوراً بتمامه امتنع إدخال الاستثناء عليه.

ومنها أن يتعلق بـ ﴿ رجالاً ﴾ صفة له أي رجالاً متلبسين بالبينات.

ومنها أن يتعلق بـ ﴿ أرسلنا ﴾ مضمراً نظيره "ما مر إلا أخوك"، ثم تقول "مرَّ بزيد" قاله الفراء.

ومنها أن يتعلق بـ ﴿ بيوحى ﴾ أي يوحى إليهم بالبينات.

ومنها أن يتعلق بالذكر بناء على أنه بمعنى العلم.

ومنها أن يتعلق بـ ﴿ لا تعلمون ﴾ أي إن كنتم لا تعلمون بالبينات وبالزبر فاسألوا.

وقال في الكشاف: الشرط ههنا في معنى التبكيت والإلزام كقول الأجير: إن كنت عملت لك فأعطني حقي.

قلت: أراد أن عدم علمهم مقرر كما أن عمل الأجير ثابت.

وسلم جار الله أن مثل قوله: ﴿ فاسألوا ﴾ جواب الشرط على هذا الوجه.

وأما على الوجوه المتقدمة فجزم أنه اعتراض بناء على أن جواب الشرط هو ما دل عليه قوله ﴿ وما أرسلنا ﴾ الخ.

وعندي أن هذا الجزم ليس بحتم ويجوز على كل الوجوه أن يكون مثل ﴿ فاسألوا ﴾ جواباً والله أعلم.

وأهل الذكر أهل التوراة.

كقوله: ﴿ ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر  ﴾ يعني التوراة.

وقال الزجاج: سلوا كل من يذكر بعلم وتحقيق.

وقوله: ﴿ بالبينات والزبر ﴾ لفظ جامع لكل ما تتكامل به الرسالة لأن مدارها على المعجزات الدالة على صدق من يدعي الرسالة وهي البينات، وعلى التكاليف التي تعتبر في باب العبادة وهي للزبر.

ثم قال: ﴿ وأنزلنا إليك الذكر ﴾ أي القرآن الذي هو موعظة وتنبيه وتذكير لأهل الغفلة والنسيان، وبيّن الغاية المترتبة على الإنزال وهي تبيين الأحكام والشرائع بالنسبة إلى الرسول وإرادة التأمل والتفكر في المبدإ والمعاد بالإضافة إلى المكلفين.

وفي ظاهر هذا النص دلالة على أن القرآن كله مجمل، ومن هنا ذهب بعضهم إلى أنه متى وقع التعارض بين القرآن والخبر وجب تقديم الخبر لأن القرآن مجمل والخبر مبين له.

وأجيب بمنع الكلية فمن القرآن ما هو محكم، وقوله: ﴿ لتبين ﴾ محمول على المتشابهات المجملات.

قال بعض من نفى القياس: لو كان القياس حجة لما وجب على الرسول أن يبين للمكلفين ما أنزل الله عليه من الأحكام بل كان له أن يفوض بعضها إلى رأي القائس، وأجيب بأنه لما بيّن أن القياس من جملة الحجج فالقياس أيضاً راجع إلى بيان الرسول.

ثم لما ذكر شبهات المنكرين مع أجوبتها شرع في التهديد والوعيد والإنذار والتنبيه فقال ﴿ أفأمن الذين مكروا السيئات ﴾ أي المكرات السيئات أراد أهل مكة ومن حول المدينة.

قال الكلبي: عنى بهذا المكر اشتغالهم بعبادة غير الله، والأقرب أن المراد سعيهم في إيذاء الرسول  وإيذاء أصحابه على سبيل الخفية ﴿ أن يخسف الله بهم الأرض ﴾ كما خسف بقارون ﴿ أو يأتيهم العذاب ﴾ أو ملائكة العذاب من السماء ﴿ من حيث لا يشعرون ﴾ كما فعل بقوم لوط ﴿ أو يأخذهم في تقلبهم فيما هم بمعجزين ﴾ فائتين الله، وذكر المفسرون في هذا التقلب وجوهاً منها: أنه  يأخذهم في أسفارهم ومتاجرهم فإنه قادر على أن يهلكهم في السفر كما أنه قادر على أن يهلكهم في الحضر وهم لا يفوتون الله بسبب ضربهم في البلاد البعيدة.

ومنها أنه يأخذهم بالليل والنهار في أحوال إقبالهم وإدبارهم وذهابهم ومجيئهم، وحقيقته في حال تصرفهم في الأمور التي يتصرف فيها أمثالهم.

ومنها أنه أراد في حال ما يتقلبون في قضاء أوطارهم بوجوه الحيل فيحول الله بينهم وبين مقاصدهم وحيلهم.

والتقلب بالمعنى الأوّل مأخوذ من قوله: ﴿ لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد  ﴾ وبالمعنى الثالث من قرأ ﴿ وقلبوا لك الأمور ﴾ {التوبة: 48].

﴿ أو يأخذهم على تخوف ﴾ على حالة تخوفهم وتوقعهم للبلاء بأن يكون قد أهلك قوماً قبلهم فكان أثر الخوف باقياً فيهم ظاهراً عليهم فهو خلاف قوله: ﴿ من حيث لا يشعرون ﴾ وقيل: التخوف التنقص والمعنى أنه يأخذهم بطريق النقص شيئاً بعد شيء في ديارهم وأموالهم وأنفسهم حتى يأتي الفناء على الكل.

عن عمر أنه قال على المنبر: ما تقولون فيها؟

فسكتوا: فقام شيخ من هذيل فقال: هذه لغتنا التخوف التنقص فقال: فهل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟

قال: نعم قال شاعرنا زهير: تخوّف الرحل منها تامكاً قرداً *** كما تخوف عود النبعة السفن قوله تامكا قرداً أي سناماً مرتفعاً متراكماً، والسفن ما ينحت به الشيء ومنه السفينة لأنها تسفن وجه الماء بالمر في البحر.

فقال عمر: أيها الناس عليكم بديوانكم.

قالوا: وما ديواننا؟

قال: شعر الجاهلية فإن فيه تفسير كتابكم.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ فإن ربكم لرءُوف رحيم ﴾ فذهب المفسرون إلى أن معناه أنه يمهل في أكثر الأمر لأنه رءُوف رحيم فلا يعجل بالعذاب.

وأقول: يحتمل أن يكون قوله "فإن" تعليلاً لقوله ﴿ أفأمن ﴾ كقوله: { ﴿ ما غرك بربك الكريم  ﴾ .

ولما خوف الماكرين بما خوف أتبعه ذكر ما يدل على كمال قدرته في تدبير أحوال العالم العلوي والسفلي وسكانهما فقال ﴿ أو لم يروا إلى ما خلق الله ﴾ قال جار الله: "ما" مبهمة بيانه ﴿ من شيء ﴾ وقال أهل المعاني: قوله: ﴿ يتفيؤ ظلاله ﴾ إخبار عن شيء وليس بوصف له.

ويتفيأ "يتفعل" من الفيء وأصله الرجوع ومنه فيئة المولى.

وقال الأزهري: تفيؤ الظلال رجوعها بعد انتصاف النهار.

فالتفيؤ لا يكون إلا بالعشيّ، وما انصرف عنه الشمس والقمر والذي يكون بالغداة ظل.

وقال ثعلب: أخبرت عن أبي عبيدة أن رؤبة قال: كل ما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو فيء وظل، وما لم يكن عليه الشمس فهو ظل.

وقوله: ﴿ ظلاله ﴾ أضاف الظلال إلى مفرد ومعناه الإضافة إلى ذوي الظلال ووجه حسنه كون المرجوع إليه واحداً في اللفظ وإن كان كثيراً في المعنى وهو قوله: ﴿ إلى ما خلق ﴾ نظيره ﴿ لتستووا على ظهوره  ﴾ أضاف الظهور - وهو جمع - إلى ضمير مفرد لأنه يعود إلى واحد أريد به الكثرة وهو ما تركبون.

قال الجوهري: تفيأت الظلال أي تقلبت.وقوله ﴿ عن اليمين والشمائل ﴾ قال أهل التفسير ومنهم الفراء: إنه وحد اليمين لأنه أراد واحداً من ذوات الأظلال، وجمع الشمائل لأنه أراد كلها لأن قوله ﴿ ما خلق الله ﴾ لفظ مفرد ومعناه جمع، وقيل: إن العرب إذا ذكرت صيغتي جمع عبرت عن إحداهما بلفظ الواحد كقوله ﴿ وجعل الظلمات والنور  ﴾ ﴿ وختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم  ﴾ وقيل: المراد باليمين النقطة التي هي مشرق الشمس وإنها واحدة، والشمائل عبارة عن الانحراف الواقع في تلك الأظلال بعد وقوعها على الأرض وهي كثيرة.

وإنما عبر عن المشرق باليمين لأن أقوى جانبي الإنسان يمينه ومنه تظهر الحركة القوية، وكذا جانب الشرق أقوى جوانب الفلك ومنه تظهر الحركة اليومية التي هي أسرع الحركات وأقواها.

ويمكن أن يقال: إن الإنسان إذا توجه إلى الشرق الذي هو أولى الجوانب بالاعتبار لشرفه كان الجنوب يمينه والشمال شماله، ولا ريب أن وصول الشمس إلى فلك نصف النهار يختلف بحسب البلاد.

وقد يتفق انتقالها من الجنوب إلى الشمال وبالعكس في بلد واحد إذا كان عرضه ناقصاً عن الميل الكلي.

ومن المعلوم أن الشمس حين وصولها إلى نصف النهار إن كانت في جنوب سمت الرأس وقع ظلها إلى جانب الشمال، وإن كانت في شماله وقع ظلها إلى الجنوب، فيحتمل أن يراد بتفيؤ الأظلال تقلبها في هاتين الجهتين والله أعلم.

أما قوله ﴿ سجداً لله ﴾ فإنه حال من الظلال، ومعنى سجودها انقيادها لأمر الله منتقلة من جانب إلى جانب حسب تحرك النير على نسب مخصوصة ومقادير معلومة ذكرنا بعضها في كتبنا النجومية.

وقد نبى المتأخرون على الأظلال مسائل كثيرة منها: الشكل الموسوم بالظلي مع فروعه، وذكر بعضهم في تفسير هذا السجود أن هذه الأظلال واقعة على الأرض ملصقة بها على هيئة الساجد.

وقوله ﴿ وهم داخرون ﴾ حال أخرى من الظلال.

وإنما جمع بالواو والنون لأنهم أشبهوا العقلاء من حيث طاعتها لله  .

وقال جار الله: اليمين والشمائل استعارة عن يمين الإنسان وشماله بجانبي الشيء أي ترجع الظلال من جانب إلى جانب منقادة لله غير ممتنعة عليه فيما سخرها له من التفيؤ.

والأجرام في أنفسها داخرة أيضاً صاغرة منقادة لأفعال الله فيها لا تمتنع ﴿ ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة ﴾ قال الأخفش: أي من الدواب: وأخبر بالواحد كما تقول: ما أتاني من رجل مثله وما أتاني من الرجال مثله.

وقال ابن عباس: يريد كل ما دب على الأرض، والوجه في تخصيص الدابة والملائكة بالذكر أنه علم من آية الظلال أن الجمادات بأسرها منقادة له، فبين في هذه الآية أن الحيوانات بأسرها أيضاً كذلك.

ثم عطف عليها الملائكة إما لشرفها وإما لأنها ليست مما يدب ولكنها تطير بالجناحين، وبين النوعين مغايرة لقوله: ﴿ وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه  ﴾ وعلى قاعدة الحكماء: وجه المغايرة أنها أرواح مجردة ليست من شأنها الحركة والدب.

قال جار الله: ومن دابة يجوز أن يكون بياناً لما في السموات وما في الأرض جميعاً، على أن في السموات خلقاً لله يدبون فيها كما يدب الأناسيّ في الأرض، وأن يكون بياناً لما في الأرض وحده ويراد بما في السموات الخلق الذي يقال له الروح، وأن يكون بياناً لما في الأرض وحده ويراد بما في السموات الملائكة.

وكرر ذكرهم على معنى والملائكة خصوصاً من بين الساجدين لأنهم أطوع الخلق وأعدلهم، ويجوز أن يراد بما في السموات ملائكتهن، وبقوله: ﴿ والملائكة ﴾ ملائكة الأرض من الحفظة وغيرهم انتهى كلامه.

ثم شرع  في صفة الملائكة وذكر عصمتهم قال: ﴿ وهم لا يستكبرون يخافون ﴾ على أنه حال منهم أو بيان لنفي استكبارهم لأن الخوف أثره عدم الاستكبار.

وقوله ﴿ من فوقهم ﴾ إما أن يتعلق بـ[يخافون} والمعنى يخافون ربهم أن يرسل عليهم عذاباً من فوقهم، وإما أن يكون حالاً من الرب أي يخافونه غالباً قاهراً.

وبحث الفوقية قد تقدم في الأنعام في قوله: ﴿ وهو القاهر فوق عباده ﴾ {الأنعام: 18] زعم بعض الطاعنين في عصمة الملائكة أنه  وصفهم بالخوف وحصول الخوف نتيجة تجويز الإقدام على الذنوب، وهب أنهم فعلوا كل ما أمروا به فمن أين علم أنهم تركوا كل ما نهوا عنه؟

والجواب عن الأوّل أنهم إنما يخافون من العذاب لقوله  : ﴿ ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم  ﴾ فمن هذا الخوف يتركون الذنب.

وعن ابن عباس أن هذا الخوف خوف الإجلال كقوله: ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء  ﴾ ولا ريب أنه كلما كانت معرفة جلال الله أتم كانت الهيبة والحيرة أعظم.

وعن الثاني أن النهي عن الشيء أمر بتركه، وفي الآية دلالة على أن إبليس لم يكن من الملائكة لأنه أبى واستكبر وإنهم لا يستكبرون.

وقد يستدل بها على أن الملك أفضل من البشر بل من كل المخلوقات وإلا لما خصهم بالذكر من بينها، ولخلو بواطنهم وظواهرهم عن الأخلاق الذميمة وانغماس البشر في الدواعي الشهوية والغضبية، ولهذا ورد في حقه ﴿ قتل الإنسان ما أكفره  ﴾ وقال  : "ما منا إلا من قد عصى أو هم بمعصية غير يحيى بن زكريا" وقال أيضاً  "الشيخ في قومه كالنبي في أمته" فضل الشيخ على الشاب لتقادم عهده وطول مدته، ولا شك أن الملائكة خلقوا قبل البشر بسنين متطاولة وقرون متمادية، وأنهم سنوا الطاعة والعبودية ومن سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها.

وتمام البحث في هذه المسألة مذكور في أول سورة البقرة.

وفي قوله: ﴿ ما يؤمرون ﴾ دلالة على أن الملائكة مكلفون بالأمر والنهي والوعد والوعيد راجين خائفين.

ولما بين أن كل ما سواه في عالمي الأرواح والأجسام فإنه منقاد خاضع لجلاله وكبريائه أتبعه النهي عن الشرك قائلاً ﴿ وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد ﴾ فسئل أن التثنية والواحد حيث كانا يدلان على العدد الخاص، فما الفائدة في وصف إلهين باثنين ووصف إله بواحد؟

وأجيب بوجوه منها: قول صاحب النظم أن فيه تقديماً وتأخيراً أي لا تتخذوا اثنين إلهين.

ومنها أنه كررت العبارة لأجل المبالغة في التنفير عن اتخاذ الشريك.

ومنها قول لأهل المعاني إن فائدة الوصف والبيان هي أن يعلم أن النهي راجع إلى التعدد لا إلى الجنسية، ولهذا لو قلت: إنما هو إله ولم تؤكده بواحد سبق إلى الوهم إنك تثبت الإلهية لا الوحدانية.

وكيف لا يحتاج المقام إلى التوكيد والأثنينية منافية للإلهية لاستلزام تعدد الواجب كون كل منهما مركباً من جزأين ما به الاشتراك في الوجوب الذاتي، وما به الامتياز ولكن التركيب يوجب الافتقار إلى البسائط والافتقار ينافي الوجوب.

ودليل التمانع أيضاً يعين على المطلوب كما لو أراد أحدهما تحريك جسم معين وأراد الآخر تسكينه، أو قوي أحدهما على مخالفة الآخر أو لا يقوى، أو قدر أحدهما على أن يستر ملكه عن الآخر أو لا يقدر.

ثم نقل الكلام عن الغيبة إلى التكلم على طريقة الالتفات قائلاً: ﴿ فإياي فارهبون ﴾ وقد مر مثله في أوّل "البقرة" ثم لما قرر وحدته وأنه يجب أن يخص بالرهبة منه والرغبة إليه ذكر أن الكل ملكه فقال: ﴿ وله ما في السموات والأرض ﴾ فقالت الأشاعرة: ليس المراد من كونها لله أنها مفعولة لأجله ولغرض طاعته لأن فيها المباحات والمحظورات التي يؤتى بها لغرض الشهوة واللذة لا لغرض الطاعة، فالمراد أن كلها بتخليقه وتكوينه ومن جملة ذلك أفعال العباد، ثم قال ﴿ وله الدين واصباً ﴾ فالدين الطاعة، والواصب الدائم، ومفازة واصبة بعيدة لا غاية لها.

ويقال للمريض وصب لكون ذلك المرض لازماً له.

وانتصابه على الحال والعامل فيه ما في الظرف من معنى الفعل.

قال ابن قتيبة: ليس من أحد يدان له ويطاع إلا انقطع ذلك بسبب في حال الحياة أو الموت إلا الحق  ، فإن طاعته واجبة أبداً.

ويحتمل أن يكون الدين بمعنى الملة أي وله الدين ذا كلفة ومشقة ولذلك سمي تكليفاً، أو وله الجزاء سرمداً لا يزول يعني الثواب والعقاب.

وقال بعض المتكلمين المحققين: قوله ﴿ وله ما في السموات والأرض ﴾ إشارة إلى احتياج الكل إليه في حال حدوثه.

وقوله: ﴿ وله الدين ﴾ أي الانقياد ﴿ واصباً ﴾ إشارة إلى أن جميع الممكنات مفتقرة إلى فيض وجوده في حال وجوده لأن الصحيح أن الممكن حال بقائه لا يستغني عن المرحج.

ثم أنكر أن يكون الممكن مع شدة افتقاره إليه يخشى غيره فقال ﴿ أفغير الله تتقون ﴾ ثم منّ عليهم بقوله: ﴿ وما بكم من نعمة فمن الله ﴾ "ما" بمعنى "الذي" وبكم صلته و ﴿ من نعمة ﴾ حال من الضمير في الجار، أو بيان لما وقوله: ﴿ فمن الله ﴾ الخبر.

وقيل: "ما" شرطية وفعل الشرط محذوف أي ما يكن.

وقال جار الله: معناه أي شيء حل بكم أو اتصل بكم من نعمة فهو من الله، قال الأشاعرة: أفضل النعم نعمة الإيمان والآية تفيد العموم فهو من نعم الله.

والنعمة إما دينية وهي معرفة الحق لذاته ومعرفة الخير لأجل العمل به، وإما دنيوية نفسانية أو بدنية أو خارجة كالسعادات المالية وغيرها، وكل واحدة من هذه جنس تحتها أنواع لا حصر لها والكل من الله، فعلى العاقل أن لا يشكر إلا إياه.

ثم بين تلون حال الإنسان بعد استغراقه في بحار نعم الله قائلاً ﴿ ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون ﴾ ما تتضرعون إلا إليه.

والجؤار رفع الصوت بالدعاء والاستغاثة.

﴿ ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون ﴾ قال جار الله: يجوز أن يكون الخطاب في قوله: ﴿ وما بكم ﴾ عاماً، ويريد بالفريق فريق الكفرة وأن الخطاب للمشركين و ﴿ منكم ﴾ للبيان لا للتبعيض كأنه قال: فإذا فريق كافر وهم أنتم، ويجوز أن يكون فيهم من اعتبر كقوله: ﴿ فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد  ﴾ أقول: وأظهر الوجهين الأول والمعنى أن فريقاً منكم يبقى على ما كان عليه عند الضر في أن لا يفزع إلا إلى لله، وفريقاً يتغير عن حاله فيشرك بالله، ولعل هذه صفة لازمة لجوهر الإنسان ولهذا قال: ﴿ ليكفروا ﴾ كأنهم جعلوا غرضهم في الشرك كفران النعمة، ويجوز أن تكون لام العاقبة يعني عاقبة تلك التضرعات ما كانت إلا هذا الكفران.

والمراد بقوله: ﴿ بما آتيناهم ﴾ كشف الضر وإزالة المكروه، أو القرآن والشرائع، أو جميع النعم الظاهرة والباطنة التي أنعم الله بها على الإنسان.

ثم قال على سبيل التهديد وبطريقة الالتفات نظراً إلى أوّل الكلام ﴿ فتمتعوا فسوف تعلمون ﴾ عاقبة كفركم ومثله في "الروم" كما سيجيء، وأما في "العنكبوت" فإنه قال: ﴿ ليكفروا بما أتيناهم وليتمتعوا  ﴾ بالعطف على القياس.

ثم حكى نوعاً آخر من قبائح أعمال بني آدم فقال ﴿ ويجعلون لما لا يعلمون ﴾ الضمير الأوّل للمشركين والثاني قيل لهم وقيل للأصنام التي لا توصف بالعلم والشعور، ورجح الأوّل بأن نفي العلم عن الحي حقيقة وعن الجماد مجاز، وبأن جمع السلامة بالعقلاء أليق، وقد يرجح الثاني بأن الأوّل يفتقر إلى الإضمار كما لو قيل: ويجعلون لما لا يعلمون في طاعته نفعاً ولا في الإعراض عنه ضراً.

وقال مجاهد: يعلمون أن الله خلقهم ويضرهم وينفعهم ثم يجعلون لما لا يعلمون أنه يضرهم ﴿ نصيباً ﴾ أو يجعلون لما لا يعلمون إلاهيتها، أو السبب في صيرورتها معبودة.

والمراد بجعل النصيب ما مر في "الأنعام" في قوله: ﴿ وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا  ﴾ وقيل: البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي.

عن الحسن: وقيل هم المنجمون الذين يوزعون موجودات هذا العالم على الكواكب السبعة فيقولون لزحل كذا وكذا من المعادن والنبات والحيوان، وللمشتري كذا إلى آخر الكواكب.

ثم أوعدهم الله بقوله: ﴿ تالله لتسئلن عما كنتم تفترون ﴾ على الله من أن له شريكاً وأن الأصنام أهل للتقرب إليها مع أنه لا شعور لها بشىء أصلاً، أو المراد بالافتراء قولهم هذا حلال وهذا حرام من غير إذن شرعي، أو قولهم أن لغير الله تأثيراً في هذا العالم.

ومتى يكون هذا السؤال؟

قيل: عند القرب من الموت ومعاينة ملائكة العذاب، وقيل: في القبر.

والأقرب أنه في الآخرة وهذا في هؤلاء الأقوام خاصة كقوله: ﴿ فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون  ﴾ في الأمم عامة.

قوله: ﴿ ويجعلون لله البنات ﴾ نوع آخر من القبائح وكانت خزاعة وكنانة تقول الملائكة بنات الله.

قال الإمام فخر الدين الرازي: أظن أن ذلك لأن الملائكة يستترون عن العيون كالنساء، ومنه إطلاق التأنيث على الشمس لاستتارها عن أن تدرك بالأبصار لضوئها الباهر ونورها القاهر.

{  } تنزيه لذاته عن نسبة الولد إليه أو تعجب من قولهم.

ومحل "ما" في قوله ﴿ ولهم ما يشتهون ﴾ إما الرفع على الابتداء، أو النصب أي وجعلوا لهم ما يشتهون يعني البنين.

وأبى الزجاج جواز النصب وقال: لأن العرب لا تقول جعل له كذا وهو يعني نفسه وإنما تقول جعل لنفسه كذا.

فلو كان منصوباً لقيل: و "لأنفسهم ما يشتهون".

ثم ذكر غاية كراهتهم للإناث التي جعلوها لله  فقال: ﴿ وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه ﴾ أي صار ﴿ مسودّاً ﴾ ويحتمل أن يكون استعمل "ظل" لان وضع الحمل يتفق بالليل غالباً فيظل نهاره مسود الوجه ﴿ وهو كظيم ﴾ مملوء غماً وحزناً وغيظاً على المرأة.

قال أهل المعاني: جعل اسوداد الوجه كناية عن الغم والكآبة لأن الإنسان إذا قوي فرحه انبسط الروح من قلبه ووصل إلى الأطراف ولا سيما إلى الوجه لما بين القلب والدماغ من التعلق الشديد فاستنار الوجه وأشرق، وإذا قوي غمه انحصر الروح في داخل القلب ولم يبق منه أثر قويّ على الوجه فيتربد الوجه لذلك ويصفر أو يسود ﴿ يتوارى ﴾ يستخفي ﴿ من القوم من سوء ما بشر به ﴾ من أجل سوء المبشر به ولم يظهر أياماً يحدث نفسه ويدبر فيها ماذا يصنع بها وذلك قوله: ﴿ أيمسكه ﴾ أي يحبسه ﴿ على هون ﴾ ذل وهوان.

والظاهر أن هذا صفة المولود أي يمسكها على هوان منه لها.

وقال عطاء عن ابن عباس: إنه صفة الأب أي يمسكها مع الرضا بهوان نفسه ﴿ أم يدسه في التراب ﴾ أي بيده.

والدس إخفاء الشيء في الشيء.

وإنما ذكر الضمير في ﴿ يمسكه ﴾ و ﴿ يدسه ﴾ باعتبار ما بشر به.

كانوا مختلفين في قتل البنات فمنهم من يحفر الحفيرة ويدفنها إلى أن تموت، ومنهم من يرميها من شاهق جبل، ومنهم من يغرقها، ومنها من يذبحها.

وكانوا يفعلون ذلك تارة للغيرة والحمية، وأخرى خوفاً من الفقر والفاقة ولزوم النفقة.

روي أن رجلاً قال: يا رسول الله والذين بعثك بالحق ما أجد حلاوة الإسلام وقد كانت لي في الجاهلية ابنة وأمرت امرأتي أن تزينها وأخرجتها، فلما انتهيت إلى وادٍ بعيد القعر ألقيتها فقال: يا أبتي قتلتني.

فكلما ذكرت قولها لم ينفعني شيء.

فقال  : ما في الجاهلية فقد هدمه الإسلام وما في الإسلام يهدمه الاستغفار.

ولا ريب أن الأنثى التي هذا محلها عندهم كانت في غاية الكراهية والتنفير ومع ذلك أثبتوها لله المتعالي عن الصاحبة والولد فلذلك قال: ﴿ ألا ساء ما يحكمون للذين لا يؤمنون بالآخرة ﴾ ولهذا يقدمون على القتل والإيذاء ﴿ مثل السوء ﴾ وصفة السوء وهي الحاجة إلى الأولاد الذكور وكراهة الإناث ووأدهن خشية الإملاق والتزام الشح البالغ ﴿ ولله المثل الأعلى ﴾ وهو أضداد صفات المخلوقين من الغنى الكامل والجود الشامل ﴿ وهو العزيز ﴾ الذي لا يغالب فلا يستضر بأن ينسب إليه ما لا يليق به ﴿ الحكيم ﴾ في خلق الذكور والإناث أو في الوعيد على قتل البنات.

قال القاضي: إن هؤلاء المشركين استحقوا الذم بإضافة البنات إلى الله وإنه أسهل من إضافة الفواحش والقبائح كلها إليه وهذا شأن المجبرة.

وأجابت الأشاعرة بأنه ليس كل ما قبح منافي العرف فإنه يقبح من الله.

ألا ترى أن رجلاً لو زين إماءه وعبيده وبالغ في تحسين صورهن وتقوية الشهوة فيهم وفيهن، ثم جمع بين الكل وأزال الحائل والمانع فإن هذا بالاتفاق حسن من الله  وقبيح من كل الخلق، فعلمنا أن التعويل على هذه الوجوه المبنية على العرف إنما يحسن إذا كانت مسبوقة بالدلائل القطعية اليقينية، وقد ثبت بالبراهين القطعية امتناع الولد على الله  فعلى جرم حسنت تقويتها بهذه الوجوه الإقناعية.

أما أفعال العباد فقد ثبت بالدلائل اليقينية أن خالقها هو الله  فكيف يمكن إلحاق إحدى الصورتين بالأخرى والله أعلم.

التأويل: أن يخسف الله بهم أرض البشرية ودركات السفل أو يأتيهم العذاب بالمكر والاستدراج من حيث لا يشعرون، أنه من أين أتاهم من قبل الأعمال الدنيوية أو من قبل الأعمال الأخروية أو يأخذهم في تقلبهم من أعمال الدنيا إلى أعمال الآخرة بالرياء، ومن أعمال الآخرة إلى أعمال الدنيا بالهوى ﴿ أو يأخذهم على تخوّف ﴾ تنقص من مقاماتهم ودرجاتهم بلا شعورهم ﴿ فإن ربكم لرءُوف ﴾ بالعباد إذ أعطاهم حسن الاستعداد ﴿ رحيم ﴾ حين لا يأخذهم بعد إفساد الاستعداد في الحال لعلهم يتوبون في المآل فيقبل توبتهم بالفضل والنوال.

ما خلق الله من شيء وهو عالم الأجسام فإن عالم الأرواح خلق من لا شيء يتفيأ ظلاله، فإن الأجسام ظلال الأرواح فتارة تميل بعمل أهل السعادة إلى أصحاب اليمين، وأخرى تميل بعمل أهل الشقاء إلى أصحاب الشمال ﴿ سجداً لله ﴾ منقادين لأمره مسخرين لما خلقوا لأجله.

وإنما وحد اليمين وجمع الشمال لكثرة أصحاب الشمال، وسجود كل موجود يناسب حاله كما أن تسبيح كل منهم يلائم لسانه ﴿ وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين ﴾ أراد بالإله الآخر الهوى لقوله  : "ما عبد إله أبغض على الله من الهوى" ﴿ ويجعلون ﴾ يعني أصحاب النفوس والأهواء ﴿ لما لا يعلمون ﴾ لمن لا علم لهم بأحوالهم ﴿ نصيباً ﴾ بالرياء ﴿ مما رزقناهم ﴾ من الطاعات ﴿ تالله ليسئلن عما كنتم تفترون ﴾ والسؤال عن المعاملات إنما هو بتبديل الصفات وتغير الأحوال من سمة السعادة إلى سمة الشقاوةوبالعكس ﴿ ويجعلون لله البنات ﴾ أظن أن البنات إشارة إلى صفات فيها نوع نقص كالتجسيم والتشبيه والحلول والاتحاد، ونسبته إلى الظلم والجور والتعطيل وعدم الاستقلال بالتأثير وغير ذلك مما لا يليق بغاية جلاله ونهاية كماله فلهذا قال  : ﴿ ولهم ما يشتهون ﴾ يعني أن كل أحد يجب أن يوصف بغاية الكمال ويتغير وجهه إذا نبه على عيب فيه ولا يعلم أن مطلق الكمال لا يليق إلا بالواجب بالذات، ونفس الإمكان نقصان يستلزم جميع النقصانات والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ ﴾ .

أي: يقولون: لله البنات، يخبر عن شدة سفههم؛ حيث يأنفون ويستحيون عن البنات، ثم ينسبون ذلك إلى الله ويضيفونها إليه، يصبر رسوله على أذى الكفرة؛ حيث قالوا فيه ما قالوا: إنه ساحر، وإنه مفتر، ونحوه، على علم منهم ويقين أنه ربهم وخالقهم، فمن أنكر رسالته أولى بالصبر على قوله والحلم منه.

﴿ سُبْحَانَهُ ﴾ .

كلمة تنزيه عمّا قالوا فيه، وحرف تعجيب؛ حيث نسبوا إلى الله ما كرهوا لأنفسهم [ ﴿ وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ ﴾ : يجعلون لأنفسهم البنين ويجعلون لله ما يكرهون لأنفسهم].

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ .

قال بعضهم: قول العرب: قبح الله وجهك، وسوّد الله وجهك ليس على إرادة [السواد والقبح]، ولكن على إرادة ما يكرهه.

وقال الحسن: قوله: ﴿ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً ﴾ أي: متغيراً من الغم وهو كظيم: أي: حزين، وهكذا العرف في الناس أنه إذا اشتد بهم الحزن والغم، يظهر ذلك في وجوههم قبحاً وسواداً.

﴿ يَتَوَارَىٰ مِنَ ٱلْقَوْمِ مِن سُوۤءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ ﴾ .

يذكر فيه كيف يصنع به: أيمسكه على هون أي: على هوان يضر به ويسيء صحبته أم يدسّه في التراب وهو حي؛ فيقول: إن ربي اختار البنات فأبعث بها إلى ربي، فإنه أحق بها، وهي الموءودة التي قال الله: ﴿ وَإِذَا ٱلْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ  ﴾ وإنما كانوا يصنعون ذلك خشية إملاق؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاَ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾ في جعلهم لله ما كرهوا لأنفسهم، أو في قولهم: ﴿ وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا  ﴾ ، أو في قولهم: ﴿ هَـٰذَا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـٰذَا لِشُرَكَآئِنَا  ﴾ ونحوه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ مَثَلُ ٱلسَّوْءِ ﴾ .

قال بعضهم: قوله: ﴿ مَثَلُ ٱلسَّوْءِ ﴾ أي: لهم جزاء السوء؛ وهو النار.

وقال الحسن: مثل السوء: أي: صفة السوء التي وصفوا بها ربهم أنه اختار البنات.

﴿ وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ ﴾ .

أي: الصفة الأعلى التي ليس لها شبه؛ فإن تلك الصفة من صفته، ويشبه أن يكون قوله: ﴿ مَثَلُ ٱلسَّوْءِ ﴾ بما سمّاهم مرة موتى، ومرة فسقة، ومرة ظلمة، ومرة هم في الظلمات، وأمثاله، لهم ذلك الوصف بما أنكروا الآخرة، وذلك مما توجبه الحكمة والعقل والشريعة، فلهم ذلك الوصف والمثل السوء؛ بما أنكروا ما توجبه الحكمة والعقل والشريعة.

ويحتمل ﴿ مَثَلُ ٱلسَّوْءِ ﴾ : شبه السوء.

ويحتمل ﴿ مَثَلُ ٱلسَّوْءِ ﴾ : النعت والصفة، فإن كان هو على الشبه فهو في الدنيا؛ لما شبههم في غير [آي من القرآن] بالشجرة الخبيثة والكلمة الخبيثة، وبالرماد وبالزبد والتراب، ونحوه.

وإن كان على النعت والصفة فهو في الآخرة، وهو ما ذكر: الذي يحشرون على وجوههم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ ﴾ .

أي: لأولياء الله المثل الأعلى، وهم المؤمنون، لا أن الله وصف المؤمنين بالحياة، والنور، والعدل، وغير ذلك من الأسماء الحسنة، وذلك لله في الحقيقة، لكنه بفضله ومنه وصفهم وسماهم بذلك، فأضيف إلى الله؛ لما بفضله استوجبوا لا باستحقاق أنفسهم.

وكذلك قوله: ﴿ وَللَّهِ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا  ﴾ أضيف ذلك إليه؛ لما بفضله يستوجبون تلك الأسماء التي سماهم.

ويحتمل قوله: ﴿ وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ ﴾ : أي: لأولياء الله المثل الأعلى، كأنه قال: وللذين يؤمنون بالآخرة مثل الأعلى، مقابل ما ذكر؛ حيث قال: ﴿ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ مَثَلُ ٱلسَّوْءِ وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ قال الحسن: العزيز بالغلبة منه في الأشياء كلها على ما أمره، وكل شيء دونه ذليل، الحكيم بالعدل منه في كل قضاء قضى وقد ذكرناه في غير موضع.

وقوله: ﴿ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ في هذا الموضع كأنه قال: وهو العزيز بنفسه لا بخلقه وأوليائه؛ كما يكون لملوك الأرض؛ يكون [عزهم بخدمهم وحشمهم]، فإذا ذهبوا أو عصوه [يصير] مقهوراً مغلوباً، فأمّا الله -  وتعالى - فهو عزيز بذاته.

والحكيم: أي: إنشاؤه العصاة منهم على علم منه بذلك، لم يخرج ذلك على غير الحكمة، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ ﴾ .

دل قوله: ﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ﴾ أنَّ له أن يستأصلهم ويهلكهم بما كان منهم؛ لكنه - بفضله - تركهم إلى المدة التي ضرب لهم؛ لأنه لو لم يكن له ذلك لم يكن للوعيد الذي أوعد معنى.

وقال أبو زيد البلخي: إن الله بما أوعد من الوعيد ليس يوعد لمضرة نفسه ولا لنفع يصل إليه، ولكن يوعد بما توجبه الحكمة، فدل أن الوعيد لازم واجب.

ونحن نقول: يوعد بما توجبه الحكمة، وقد أمهلهم بعد الوعيد، فعلى ذلك يجوز أن يخرجهم من النار بعد ما أدخلهم النار؛ بما ارتكبوا من الكبائر.

ثم في قوله: ﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِمْ...

﴾ الآية - دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنهم يقولون: ليس لله أن يهلك قوماً قد علم منهم الإيمان في وقت، أو يكون في أصلابهم من يؤمن؛ إذ قد كان ممن أوعد ذلك الوعيد من بعضهم الإيمان أو في أصلابهم من قد كان آمن، فدل الوعيد لهم أنه قد يهلك من يعلم أنه يؤمن في آخر عمره؛ إذ لا يوعد إلا بما له أن يفعل لكنه بفضله أخره إلى وقت [وفيه] دلالة أن له أن يفعل بما ليس ذلك بأصلح لهم في الدين.

ثم اختلف في قوله: ﴿ بِظُلْمِهِمْ ﴾ : قال بعضهم: هذا للكفرة خاصة.

وقال بعضهم: لهم وللمؤمنين كل مرتكب زلة؛ إذ ما من أحد ارتكب زلّة إلا وقد استوجب العقوبة بذلك والمؤاخذة به، لكنه بفضله عفا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ ﴾ .

قال بعضهم: أراد بالدابة: الدابة التي خلقها لهم، إذا أهلك الناس فقد أهلك الدواب؛ إذ خلقه إياها لهم.

وقال بعضهم: [قوله]: ما ترك [عليها من دابة]: أي: على ظهر الأرض من دابة؛ لأن الدواب إنما تتعيش بالذي [يتعيش] الناس؛ فإذا هلكوا هم هلكت الدواب أيضاً؛ لما ذهب سبب عيشها.

وجائز أن يكون أراد بالدابة البشر؛ أي: ما تركهم بظلمهم ولكن يهلكهم، وسماهم دابة لأنه إذا ذكرهم في موضع الظلم وإن كان سماهم في غير موضع بالأسماء الحسنة، وهو كما سماهم في موضع آخر دابة؛ حيث قال: ﴿ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا  ﴾ ولا شك أن البشر دخلوا في هذه التسمية، فعلى ذلك جائز دخولهم في الأخرى، وإن كان المراد مما ذكر من الدابة البشر فالأنبياء والرسل إنما يكون هلاكهم بقطع نسلهم؛ لأن الأنبياء أكثرهم ولدوا من الآباء الظلمة؛ فإذا أهلك آباؤهم لم يولد الرسل والأنبياء، فيكون هلاكهم لا بظلم هؤلاء ولكن بقطع النسل.

وإن كان المراد بتلك الدابة الدواب أنفسها فلأن الدواب إنما أنشئت للبشر ولمنافعهم، فإذا أهلكت الدواب أهلك المنشأ لهم، والله أعلم.

وفي قوله: ﴿ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ دلالة [نقض] قول المعتزلة؛ لأنهم يقولون: يجعل الله للخلق آجالا، ثم يجيء كافر فيقتله دون بلوغ الأجل الذي جعله الله؛ حيث أخبر أنهم لا يستأخرون [ساعة] - بعد الأجل المضروب لهم - ولا يستقدمون قبل ذلك، وهم يقولون: بل يستقدمه كافر فيقتله، فذلك سرف في القول.

وهذا يخرج على وجهين: أحدهما: لا يتأخر الأجل الذي جعل لهم ساعة ولا يتقدم عن ذلك.

والثاني: لا يجاب في التأخير ولا في التقديم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ ﴾ .

كانوا يجعلون لله أشياء يكرهون ذلك لأنفسهم من نحو البنات، يقولون: لله البنات؛ ويكرهون لأنفسهم البنات، ويجعلون له الشركاء من عبيده؛ وهم كانوا يكرهون لأنفسهم الشركاء من عبيدهم، وأمثاله؛ كقوله: ﴿ ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ...

﴾ الآية [الروم: 28] يخبر - عز وجل - عن سفههم وسرفهم في القول، ويخبر عن حلمه؛ حيث لم يستأصلهم ولم يهلكهم مما قالوا في الله من عظيم القول من الولد والشريك؛ لنعلم أنه لم يمهلهم لغفلة ولا سهو ولكن لحلم؛ لأن يحلم الخلق في ذات الله ولا يعجلوا بالعقوبة؛ إذ لو أراد إهلاكهم لأهلكهم ساعة قالوا ذلك؛ ولا يمهلهم يعيشون، لكن أخر ذلك ليوم، وهو ما قال: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً...

 ﴾ الآية.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ﴾ أي: يجعلون لأولياء الله مما يكرهون لأنفسهم؛ لأنهم يقولون: إن لهم الحسنى في الآخرة؛ وهي الجنة، وإن للمؤمنين النار؛ بقوله: ﴿ وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ ٱلْكَذِبَ ﴾ .

قال أبو بكر الأصم: يقولون: إنا على دين الله وعلى الحق لعبادتنا، ويقولون: إن لهم الحسنى يعنون أنهم محسنون في أعمالهم، وبما هم عليه من دين.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ أَنَّ لَهُمُ ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ يعنون البنين، لأنهم كانوا يضيفون البنات إلى الله وينسبون البنين إلى أنفسهم، فذلك الحسنى الذي ذكروا.

وقال بعضهم: بأن لهم الحسنى: أي: الجنة؛ كقوله: ﴿ وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّيۤ إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ ...

﴾ الآية [فصلت: 50].

ثم كذبهم في قولهم فقال: ﴿ لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْنَّارَ ﴾ ليس لهم الحسنى على ما زعموا؛ ولكن النار، وقد ذكرنا قوله: ﴿ لاَ جَرَمَ ﴾ فيما تقدم، كان أهل الكفر فرقاً، منهم من ادعى الاشتراك في نعيم الآخرة كما كان لهم اشتراك في نعيم الدنيا؛ كقوله: ﴿ أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَرَحُواْ ٱلسَّيِّئَاتِ  ﴾ ومنهم من ادعى الآخرة لأنفسهم كما كانت لهم الدنيا، فجائز أن يكون قوله: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ ﴾ هم الذين ادعوا الحسنى - وهي الجنة - لأنفسهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنَّهُمْ مُّفْرَطُونَ ﴾ .

هو من الفرط؛ وهو: السبق والتقدم، كأن الآية في الرؤساء [منهم]، أخبر أنهم سابقون أتباعهم إلى النار، وهو كقوله: ﴿ وَقَالَتْ أُولاَهُمْ لأُخْرَاهُمْ  ﴾ الأولى هم المتبوعون، وأخراهم الأتباع.

وقال بعضهم: معجلون إليها بين يدي أتباعهم.

وقال بعضهم: ﴿ مُّفْرَطُونَ ﴾ أي: متروكون، منسيون في النار.

وقال بعضهم: ﴿ مُّفْرَطُونَ ﴾ مبعدون عن رحمة الله لكن هذين ليسا بتأويل ألبتة، إذ كل من في النار [فهو] منسي، متروك فيها، مبعد عن رحمة الله.

وقال بعضهم: وأنهم مدخلون فيها.

والوجه فيه ما ذكرنا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَٱللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ ﴾ .

هذا لا يحتمل أن يكون هذا القسم منه ابتداء؛ [و] لكن كأنه عن إنكار كان منهم للرسالة، فعند ذلك أقسم بقوله: ﴿ تَٱللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ ﴾ وأكد بما أنكروا الرسالة بالقسم الذي ذكر، فقال: ﴿ تَٱللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ ﴾ يا محمد.

قوله: ﴿ تَٱللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَىٰ أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ ﴾ كما أرسلناك إلى أمتك ﴿ فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ ﴾ كما زين لأمتك فهو كان وليهم يومئذ كما هو ولى لأمتك اليوم، يصبّره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ ﴾ يقول ليس هؤلاء بأول من زيّن لهم الشيطان أعمالهم، ولكن كان في الأمم الماضية من زين لهم الشيطان أعمالهم فيكذبون رسلهم، فلست أنت بأول مكذّب، بل كان لك شركاء في التكذيب ﴿ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلْيَوْمَ ﴾ \[قال بعضهم: هو وليهم اليوم\] في الدنيا؛ لأن الدنيا هي دار الولاية بينهم، كقوله: ﴿ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ  ﴾ وقوله: ﴿ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّاغُوتُ  ﴾ ، وأمّا في الآخرة فيصيرون أعداء، كقوله: ﴿ ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ  ﴾ وقوله: ﴿ ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ...

﴾ الآية [العنكبوت: 25]، [وقوله: ﴿ قَالَ قرِينُهُ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ  ﴾ ونحوه، ولا يحتمل أن يكونوا أولياء في الآخرة ثم يلعن بعضهم بعضا] ويتبرأ بعضهم من بعض، فذلك علامة العداوة.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلْيَوْمَ ﴾ في الآخرة، أي: أولى بهم فيقرن بهم، كقوله: ﴿ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ ٱلرَّحْمَـٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ  ﴾ فهو وليهم: أي: صاحبهم، كقوله: ﴿ ٱحْشُرُواْ...

﴾ الآية، وكقوله: ﴿ قَالَ قرِينُهُ رَبَّنَا مَآ أَطْغَيْتُهُ  ﴾ وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ ﴾ .

قال بعضهم: قوله: ﴿ ٱلَّذِي ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ ﴾ : الكتب التي كانت من قبلهم؛ لأنهم اختلفوا في كتبهم، فمنهم من بدّل، ومنهم من غير وحرّف، فيقول - والله أعلم -: ﴿ وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ ﴾ أي: في كتبهم؛ لأن هذا الكتاب أنزله مصدقاً لما بين يديه من الكتاب، يبين هذا الكتاب ما اختلفوا في كتابهم، الحق من الباطل.

وقال بعضهم: ﴿ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ ﴾ أي: في الرسل والأديان وفي الكتاب المنزل عليه، اختلفوا عنه في ذلك كله، يبين لهم الحق من الباطل في جميع ما اختلفوا فيه بالكتاب الذي أنزله عليك؛ إذ فيه أنباء الأمم الماضية، وهو لم يشهدها، ولم يختلف إلى من يخبره عنها ثم أنبأهم على ما كانت، فدل أنه إنما عرف [ذلك] بالله، ومنه نزل ذلك، وفيه دلالة أن الحوادث التي علم الله أنهم يبتلون بها إلى يوم القيامة أنه جعل لهم سبيل الوصول إلى بيانها في الكتاب، إمّا بيان كناية وإما بيان تصريح، حيث قال: ﴿ وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ...

﴾ الآية، حيث لم يدعهم في الاختلاف على غير بيان، فعلى ذلك علم أنهم يبتلون بالحوادث التي ليس لها نصوص في الكتاب لا يحتمل ألا يبين لهم ذلك ويدعهم حيارى، لكن البيان على وجهين: بيان تصريح يعقل بديهة العقل.

وبيان كناية يدرك بالنظر والتأمّل والاستدلال.

وأصله في قوله: ﴿ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ ﴾ أي: إلا لتبين لهم الحق فيما اختلفوا فيه؛ لأنهم اختلفوا في المحق في ذلك؛ لأن كل فريق منهم ادّعى أنه هو المحق، وأن الذي هو عليه الحق، وأن غيره على باطل، فأخبر أنه أنزل الكتاب عليه ليبين لهم الحق فيما اختلفوا فيه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ جعل الله  رسوله وكتابه هدى ورحمة للمؤمنين؛ لأنهم آمنوا بهما، وصدقوهما، وقبلوهما، فصار ذلك [لهم] هدى ورحمة ونوراً، وأمّا من كذبهما ولم يقبلهما فهو عذاب عليهم وعمى، وهو كقوله: ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ...

﴾ الآية [التوبة: 124-125] وهو ما ذكر ﴿ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يختفي ويتغيب عن قومه من سوء ما أُخْبِر به من ميلاد أنثى، تحدثه نفسه: أيمسك هذه البنت على ذل وانكسار أو يَئِدُها، فيخفيها في التراب؟

ما أقبح ما يحكم به المشركون، حيث حكموا لربهم بما يكرهون لأنفسهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.pK9PB"

مزيد من التفاسير لسورة النحل

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله