الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 17 الإسراء > الآية ٦٢
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 7 دقيقة قراءةقوله تعالى: ﴿ قَالَ ﴾ يعني إبليس، ﴿ أَرَأَيْتَكَ ﴾ قال الزجاج: هو في معنى أخبرني، والكاف لا موضح لها؛ لأنها ذكرت في المخاطبة توكيدًا (١) ﴿ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ ﴾ : لِمَ كرمته عليّ؟!
قال: موضح هذا نصب بأَرَأَيْتَ، والجواب محذوف، والمعنى أخبرني عن هذا الذي كرمت عليّ لم كَرَّمْتَه عَليَّ، وقد خلقتني من نار وخلقته من طين؟!
فَحُذف هذا؛ لأن في الكلام دليلًا عليه (٢) ﴿ كَرَّمْتَ عَلَيَّ ﴾ : أي فَضَّلت، قال ابن عباس: والكرم اسم جامع لكل ما يحمد (٣) وقوله تعالى: ﴿ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ ﴾ قال ابن عباس في رواية الوالبي: لأستولين (٤) وقال الحسن: لأغوينَّ (٥) (٦) (٧) وقال ابن زيد: لأضلنهم (٨) (٩) فأما كلام أهل اللغة في هذا الحرف، فروى محمد بن سَلاَّم أنه سأل يونس عن هذه الآية فقال: يقال: كأن في الأرض كلأً فاحتنكه الجراد؛ أي أتى عليه، ويقول أحدُهُم: لم أجد لِجاماً فاحْتَنَكْتُ دَابَّتي، أي ألقيتُ في حَنَكها حبلًا قُدْتُها به (١٠) وتفسير هذا الحرف لا يخرج عن هذين الأصلين الذين ذكرهما يونس، فمن قال: لأستأصلنهم ولأستولين عليهم، فأصله من احتِناكِ الجرادِ الزرعَ، وهو أن يأكلها ويستأصلها باحتناكها فيفسدها، ومن هذا يقال للجماعة المنتجعين: الحنك، يقال: ما تركَ الأحْنَاكُ في أرضنا شيئًا، يعنون: الجماعات المارة، ومنه قول أبي نُخَيْلَة (١١) إنا وكُنَّا حَنَكًا نَجْدِيًّا (١٢) (١٣) هذا هو الأصل، ثم يُسمى الاستيلاء على الشيء وأخذ كله احتناكًا، حتى يقال: احتَنَكَ ما عند فلان، أي أخذه كله من علم أو مال أو غير ذلك (١٤) (١٥) واحْتَنَكَتْ أموالَنَا وجلَّفَتْ (١٦) ومن قال: لأغوينّهم ولأقودنّهم إلى المعاصي؛ كما روي عن مجاهد أنه قال: مثل الزِّياق، فأصله من قولهم: حَنَكَ الدابةَ يَحْنُكُها، إذا ربط في حنكِها الأسفل حَبْلًا يقودها به (١٧) (١٨) فإنَّ لدَينا مُلْجِمِينَ وحانِكًا (١٩) والمعنى على هذا الأصل: لأقودنّهم حيث شئت، كمن يُربط في حَنَكه الزياق فيقاد.
قال الأخفش في قوله: ﴿ لَأَحْتَنِكَنَّ ﴾ : لأستأصلَنَّهم ولأستميلَنَّهم (٢٠) (٢١) (٢٢) وقوله تعالى ﴿ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ يعني المعصومين، قال ابن عباس: يريد بالقليل أولياء الله الذين عصمهم (٢٣) ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾ فإن قيل: كيف ظن إبليس هذا الظن الصادق بذرية آدم؟
فالجواب عن هذا: أن الله تعالى كان قد أخبر الملائكة أنه سيجعل في الأرض من يفسد فيها ويسفك (٢٤) (٢٥) (٢٦) (١) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 249، بنصه.
(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 249، بنصه.
(٣) انظر: "تفسير القرطبي" 10/ 287، بلا نسبة.
(٤) أخرجه "الطبري" 15/ 117 بلفظه من طريق ابن أبي طلحة (صحيحة)، وورد بلفظه في "تفسير الماوردي" 3/ 254، و"الطوسي" 6/ 497، انظر: "تفسير ابن كثير" 3/ 56، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 347 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٥) لم أقف على هذا القول، وورد عنه تفسيره بـ: لأستأصلن ذريته، في "تفسير هود الهواري" 2/ 429.
(٦) "تفسير مجاهد" 1/ 365 بلفظه، وأخرجه "الطبري" 15/ 117 بلفظه من طريقين، وورد بلفظه في "تفسير هود الهواري" 2/ 429، و"الطوسي" 6/ 497، أورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 347 وزاد نسبته إلى ابن المنذر.
(٧) لم أقف عليه، والزياق: هو ما أحاط بالعمق من القميص.
انظر (زيق) في: "الصحاح" 4/ 1492، و"اللسان" 3/ 190، و"متن اللغة" 3/ 80.
(٨) أخرجه "الطبري" 15/ 117 بنصه، وورد في "تفسير الطوسي" 6/ 497 - بلفظه، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 57، و"القرطبي" 10/ 287، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 347 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.
(٩) ورد بنصه في "تفسير الثعلبي" 7/ 113 ب، و"الماوردي" 3/ 254، انظر: "تفسير الزمخشري" 2/ 366، و"الفخر الرازي" 21/ 4.
(١٠) ورد في "تهذيب اللغة" (حنك) 1/ 944، بنصه.
(١١) الرَّاجز أبو نُخيلة، اسمه يَعْمر، وكني أبا نُخَيلة لأن أمه ولدته إلى جنب نخلة -كما قال ابن قتيبة- وفي "الأغاني" عن الأصمعي وابن حبيب أنه لا يعرف له اسم غيره، وله كنينان: أبو الجُنيد وأبو العِرماس، كان عاقًا لأبيه فنفاه أبوه عن نفسه، فخرج إلى الشام وأقام هناك إلى أن مات أبوه، ثم عاد وبقي مشكوكًا في نسبه، مطعونًا عليه، مات سنة (145 هـ) انظر: "الشعر والشعراء" ص 399، و"الأغاني" 20/ 403، و"الخزانة" 1/ 165.
(١٢) وعجزه: لمَّا انْتَجَعْنا الورقَ المرْعِيَّا ورد في "الأساس" ص 203، و"اللسان" (حنك) 2/ 1028.
(١٣) ورد في "تهذيب اللغة" (حنك) 1/ 943، بنصه.
(١٤) ورد نحوه في "مجاز القرآن" 1/ 384.
(١٥) زيادة يقتضيها السياق؛ كما في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 249.
(١٦) ورد بلا نسبة في "مجاز القرآن" 1/ 384، و"تفسير الطبري" 15/ 116، و"معاني القرآن وإعرابه" 3/ 249، و"تفسير الثعلبي" 7/ 113 ب، و"الماوردي" 3/ 254، و"الطوسي" 6/ 497، و"ابن عطية" 9/ 134، و"القرطبي" 10/ 287، و"الدر المصون" 7/ 380، في بعض الروايات: جَنَّفَتْ واجتلفت بدل جلَّفَتْ؛ (الجَلْفُ): القَشْرُ، والجالفةُ: السَّنة التي تذهبُ بأموال الناس؛ من جلفت الشيءَ: إذا قلَعْتَه واستأصلْتَه.
"العباب الزاخر" ف/ 67.
(١٧) ذكره ابن السكيت في "الإصلاح" ص 71 بنصه، وورد بنحوه في "الغريب" لابن قتيبة 1/ 258، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 171، انظر (حنك) في: "تهذيب اللغة" 1/ 944، و"المحيط في اللغة" 2/ 383.
(١٨) البيت لزَبَّان بن سَيَّار الفزَاري، كما في "تهذيب اللغة" (حنك) 1/ 944، وتصحفت في اللسان إلى: زياد، والصحيح أنه زبان، كما في "الاشتقاق" ص 283.
(١٩) صدره: فإن كنتَ تُشْكَى بالجِماع ابنَ جعفر ورد في "تهذيب اللغة" (حنك) 1/ 944 ، و"اللسان" (حنك) 2/ 1028.
(٢٠) ليس في معانيه، وورد في "تهذيب اللغة" (حنك) 1/ 944، بنصه.
(٢١) "مجاز القرآن" 1/ 384، بنصه (٢٢) "معاني القرآن" للفراء 2/ 127، و"معاني القرآن وإعرابه" 3/ 249، و"الغريب" لابن قتيبة 1/ 260.
(٢٣) انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 57، بنصه.
(٢٤) في (أ)، (د): (ولا يسفك) بزيادة (لا) والمثبت من (ش)، (ع) وهو الصحيح المتسق مع السياق.
(٢٥) ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 497، بنصه.
(٢٦) ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 498 بنصه، انظر: "تفسير القرطبي" 10/ 287، و"أبي حيان" 6/ 58 وقال: وهذا ليس بظاهر؛ لأن قول ذلك كان قبل وسوسته لآدم في أكل الشجرة.
وما قاله أبو حيات متوجه، إلا أن يكون الحسن أراد بقوله ما ورد عن أنس - - أن رسول الله - - قال: "لما صوَّر الله آدم في الجنة تركه ما شاء الله أن يتركه، فجعل إبليس يطيف به ينظر ما هو، فلما رآه أجوف عرف أنه خلق خلقًا لا يتمالك" أخرجه مسلم (2611) كتاب: البر والصلة، باب.
خلق الإنسان خلقًا لا يتمالك.
<div class="verse-tafsir"