تفسير سورة البقرة الآية ١٤٤ عند البسيط

الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 2 البقرة > الآية ١٤٤

قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى ٱلسَّمَآءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةًۭ تَرْضَىٰهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُۥ ۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ١٤٤

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 9 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قوله تعالى: ﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ﴾ الآية.

قال المفسرون: كانت الكعبة أحبَّ القبلتين إلى رسول الله  .

قال ابن عباس: لأنها كانت قبلة أبيه إبراهيم (١) وقال مجاهد (٢) (٣) (٤) (٥) وقال عامة المفسرين: إن رسول الله  وأصحابه كانوا بمكة يصلّون إلى الكعبة، فلما هاجروا إلى المدينة أمره الله أن يصلي نحو صخرة بيت المقدس؛ ليكون أقرب إلى تصديق اليهود إياه إذا صلى إلى قبلتهم (٦) وقال ابن زيد: قال الله لنبيه  : ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ﴾ فقال: هؤلاء اليهود يستقبلون بيتًا من بيوت الله، فلو استقبلناه، فاستقبله النبي  سبعة عشر شهرًا (٧) ثم رأى أن الصلاة إلى الكعبة أدعى لقومه إلى الإسلام، فقال لجبريل: وددت (٨) ﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ﴾ (٩) قال أصحاب المعاني: أراد: تَقَلُّبَ عينيك، فذكرهما بلفظ الوجه، كما ذكر الأعين بلفظ الوجوه في قوله: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ  ﴾ ، وذلك أنّ ما تقع به المواجهة يسمّى وجهًا، كاللحية قد يطلق عليها اسم الوجه.

ويجوز أن يريد نفس الوجه؛ لأنه كما يقلب عينيه في السماء يقلب وجهه (١٠) وقوله تعالى: ﴿ فِي السَّمَاءِ ﴾ أي: في النظر إلى السماء.

وقوله تعالى: ﴿ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً ﴾ يقال، وَلَّيْتُكَ القبلة،: إذا صيرتَه يستقبلها (١١) (١٢) (١٣) (١٤) وقد جاءت هذه الكلمة مستعملة على خلاف المقابلة والمواجهة، وذلك نحو: ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ  ﴾ ﴿ وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى  ﴾ ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ  ﴾ ﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّى  ﴾ ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا  ﴾ ، فهذه مع (١٥) ﴿ وَلَّى مُدْبِرًا  ﴾ ، وقوله: ﴿ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ مُدْبِرِينَ ﴾ حال مؤكدة؛ لأن في ﴿ وَلَّيْتُمْ ﴾ دلالة على أنهم مدبرون، وهذا على نحوين: أما ما لحق التاءُ أولَّه، فإنه يجوز أن يكون من باب: تَحَوَّب (١٦) (١٧) (١٨) وقوله تعالى: ﴿ تَرْضَاهَا ﴾ أي: تحبها وتهواها (١٩)  كان راضيًا بالقبلة الأولى، مطيعًا لله في حال صلاته إليها (٢٠) (٢١) (٢٢) وقوله تعالى: ﴿ فَوَلِّ وَجْهَكَ ﴾ أي: أقبل وجهك نحوه.

وقوله تعالى: ﴿ شَطْرَ الْمَسْجِدِ ﴾ أي: قصدَه ونحوَه، ومعنى الشطر: النحو عند أهل اللغة، يقولون: وَلِّ وجْهَك نحوَ الموضع، وشطرَه، وتلِقَاءه بمعنًى.

قال الشاعر: وأظعنُ بالقوم شَطْر الملوك ...

حتى إذا خَفَق المِجْدَحُ (٢٣) وقال آخر: أقول لأم زِنباعَ أقيمي ...

صُدورَ العِيس شَطْرَ بني تميمِ (٢٤) أقِمْ قصدَ وجهك شطرَ العراق ...

وخالَ الخليفة فاستَمْطِرِ (٢٥) قال أبو اسحاق: لا اختلاف بين أهل اللغة أن الشطر معناه: النحو.

قال: وقول الناس: فلان شاطر، معناه: إنه قد أخذ في نحو غير الاستواء.

قال: ونصب قوله: ﴿ شَطْرَ الْمَسْجِدِ ﴾ على الظرف (٢٦) وقوله تعالى: ﴿ اَلْحَرَامِ ﴾ بمعنى المحرم، وأصله: من المنع، وسمِّيت تلك البقعة حرامًا لما منع فيها من أشياء لم تمنع في غيرها (٢٧) ﴿ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ ﴾ في بر أو بحر (٢٨) ﴿ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ  ﴾ .

﴿ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾ فيه إضمار واختصار، أي: وحيثما كنتم، وأردتم الصلاة، فولّوا وجوهكم شطره.

قال المفسرون: إن أول ما نسخ من أمور الشرع أمر القبلة (٢٩)  في مسجد بني سلمة، وقد صلّى بأصحابه (٣٠) (٣١) ﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ﴾ (٣٢) ﴿ أَنَّهُ ﴾ يجوز أن ترجع إلى المسجد الحرام، أي: إنهم عالمون أن المسجد الحرام قِبْلَة إبراهيم وأنه حق.

ويجوز أن تعود الكناية إلى التولية (٣٣) ﴿ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ ﴾ دل على المصدر، كما أن قوله: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ  ﴾ دل على البخل، فكنى عنه بقوله: ﴿ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ .

والتولية وإن كان في لفظ المؤنث فهو مصدر، وحكى ابن الأنباري: أن أبا عمرو الدوري روى عن الكسائي: أن الهاء تعود على الشطر (٣٤) (٣٥) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾ قال ابن عباس: يريد أنكم يا معشر المؤمنين تطلبون مرضاتي، وما أنا بغافل عن ثوابكم وجزائكم.

وإن اليهود يطلبون سخطي، وما أنا بغافل عن خِزْيِهم في الدنيا والآخرة (٣٦) (١) رواه عنه الطبري 2/ 20، وابن أبي حاتم 1/ 253، وذكره الثعلبي 1/ 1242.

(٢) رواه عنه الطبري 2/ 20، وذكره الثعلبي 1/ 1242، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" 1/ 269 إلى عبد بن حميد.

(٣) ذكره الثعلبي 1/ 1242، والحيري في "الكفاية" 1/ 80.

(٤) رواه عنه الطبري 2/ 20، وذكره الثعلبي 1/ 1242.

(٥) وثم قول ثالث روي عن السدي، وهو ليتألف العرب لمحبتها في الكعبة.

ينظر "البحر المحيط" 1/ 428.

(٦) عزاه لعامة المفسرين: الثعلبي 1/ 1241.

وينظر: "الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد برقم 21، "صحيح البخاري مع الفتح" 1/ 95، ومسلم (525) كتاب المساجد، باب: تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة، "تفسير الطبري" 2/ 20، "الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه" لمكي ص 126، "تفسير البغوي" 1/ 161، "التفسير الكبير" 3/ 109، "تفسير الخازن" 1/ 120، "العجاب" لابن حجر 1/ 396.

(٧) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 20 بلفظ: ستة عشر شهرًا، وذكره الثعلبي 1/ 1242، ويوحي صنيع الواحدي أن ما بعده تبع له، وليس الأمر كذلك.

(٨) في (م): (وودت).

(٩) كذا في "تفسير مقاتل" 1/ 144، "تفسير الثعلبي" 1/ 1243، "تفسير البغوي"، عن مجاهد 1/ 161، "العجاب" لابن حجر 1/ 395، وقال في "الدر المنثور" 1/ 269: أخرجه أبو داود في "ناسخه" عن أبي العالية.

وذكره الواحدي ص 46، == عن ابن عباس من رواية الكلبي، وأخرج بعضه الطبري في "تفسيره" 2/ 20، والنحاس في "الناسخ والمنسوخ" ص 15، من طريق علي بن طلحة عن ابن عباس.

(١٠) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 221، "تفسير الثعلبي" 1/ 1243، "المحرر الوجيز" 2/ 13، "تفسير القرطبي" 2/ 145، والوجه الثاني هو الذي ذكره الطبري في "تفسيره" 2/ 20.

(١١) في (م): (مستقبلها).

(١٢) في (ش): كأنها (يمارض).

(١٣) في (ش): (فيه دلالة).

(١٤) من كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 230.

(١٥) في (ش): فهذا (دخول).

(١٦) في (أ)، (م): (تحرب).

(١٧) في (أ)، (م): (الحرب).

(١٨) من كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 231 - 232 بمعناه.

(١٩) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1243.

(٢٠) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 222.

(٢١) أن ساقطة من (م).

(٢٢) تقدمت في أول الآية.

(٢٣) البيت لدرهم بن زيد الأنصاري، في "تفسير الثعلبي" 1/ 1244، "مجمل اللغة" 1/ 180، "الكشاف" 1/ 201، "أساس البلاغة" 2/ 72، "تاج العروس" 4/ 22 (جرح)، "لسان العرب" 1/ 559، 2/ 1214.

والمجدح: نجم من النجوم كانت العرب تزعم أنها تمطر به، كقولهم الأنواء.

وجواب إذا خفق المجدح، في البيت الذي بعده وهو قوله: أمرت صحابي بأن ينزلوا ...

فناموا قليلًا وقد أصبحوا (٢٤) البيت لأبي زنباع الجذامي، في "الدرر" 3/ 90، "لسان العرب" 4/ 2263 "شطر"، ولأبي ذؤيب الهذلي في "شرح أشعار الهذليين" 1/ 363، وبلا نسبة في "شرح ديوان الحماسة" للمرزوقي 2/ 705.

(٢٥) البيت بلا نسبة في "جمهرة اللغة" 2/ 728.

(٢٦) بتصرف من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 222، ونقل الإجماع على النحو ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 156، وينظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 220 - 221، "التبيان" للعكبري ص 99.

وينظر في معاني الشطر: "تفسير الطبري" 2/ 20 - 21، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة ص 60، "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 64، "المفردات" ص 264، "تفسير القرطبي" 2/ 146.

(٢٧) ينظر: "لسان العرب" 2/ 847 - 848.

(٢٨) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1244.

(٢٩) قاله ابن عباس كما رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 253 عنه، ورواه أبو داود في ناسخه كما في "الدر المنثور" 1/ 269، ورواه الطبري عن الحسن وعكرمة 2/ 4، وينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1241.

(٣٠) في (م): (أصحابه).

(٣١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1244 عن مجاهد وغيره، وينظر: "تفسير البغوي" 1/ 162، (الخازن) 1/ 121.

(٣٢) ذكره مقاتل في "تفسيره" 1/ 146، وذكره هكذا الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1244، والبغوي 1/ 162، وأخرج الطبري 2/ 24 - 25 نحوه عن السدي، وقد اختلفت الروايات كثيرًا في الوقت والمكان والكيفية التي غيرت فيها القبلة، وقد ذكر جملة منها: السيوطي في "الدر المنثور" 1/ 267 - 273.

وقال الحافظ ابن حجر في "الفتح" 1/ 503: اختلفت الرواية في الصلاة التي تحولت القبلة عندها، وكذا في المسجد، فظاهر حديث البراء هذا أنها الظهر، وذكر محمد بن سعد في "الطبقات" قال: يقال: إنه صلى ركعتين من الظهر في مسجده بالمسلمين، ثم أمر أن يتوجه إلى المسجد الحرام، فاستدار إليه، ودار معه المسلمون، ويقال: زار النبي  أم بشر بن البراء بن معرور في بني سلمة، فصنعت له طعامًا، وحانت الظهر، فصلى رسول الله  بأصحابه ركعتين، ثم أمر فاستدار إلى الكعبة، واستقبل الميزاب، فسمي مسجد القبلتين.

قال ابن سعد: قال الواقدي: هذا أثبت عندنا.

وذكر ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 157، خلاف العلماء في وقت تحويل القبلة فلينظر.

(٣٣) وهذا اختيار الطبري في "تفسيره" 2/ 23، وينظر: "زاد المسير" 1/ 156 - 157، "تفسير القرطبي" 2/ 147.

(٣٤) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 430.

(٣٥) ينظر في الأقوال: "تفسير الطبري" 2/ 23، "زاد المسير" 1/ 157، "البحر المحيط" 1/ 430، "الدر المنثور" 1/ 267 - 269.

(٣٦) ذكره البغوي في "تفسيره" 1/ 163.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.2 / 29.5
الإضاءة 28%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله