الآية ١٤٤ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٤٤ من سورة البقرة

قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى ٱلسَّمَآءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةًۭ تَرْضَىٰهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُۥ ۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ١٤٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 224 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٤٤ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٤٤ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : كان أول ما نسخ من القرآن القبلة ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة ، وكان أكثر أهلها اليهود ، فأمره الله أن يستقبل بيت المقدس ، ففرحت اليهود ، فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعة عشر شهرا ، وكان يحب قبلة إبراهيم فكان يدعو إلى الله وينظر إلى السماء ، فأنزل الله : ( قد نرى تقلب وجهك في السماء ) إلى قوله : ( فولوا وجوهكم شطره ) فارتاب من ذلك اليهود ، وقالوا : ( ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب [ يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ] ) وقال : ( فأينما تولوا فثم وجه الله ) [ البقرة : 115 ] وقال الله تعالى : ( وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه ) وروى ابن مردويه من حديث القاسم العمري ، عن عمه عبيد الله بن عمر ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سلم من صلاته إلى بيت المقدس رفع رأسه إلى السماء فأنزل الله : ( فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام ) إلى الكعبة إلى الميزاب ، يؤم به جبرائيل عليه السلام .

وروى الحاكم ، في مستدركه ، من حديث شعبة عن يعلى بن عطاء ، عن يحيى بن قمطة قال : رأيت عبد الله بن عمرو جالسا في المسجد الحرام ، بإزاء الميزاب ، فتلا هذه الآية : ( فلنولينك قبلة ترضاها ) قال : نحو ميزاب الكعبة .

ثم قال : صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه .

ورواه ابن أبي حاتم ، عن الحسن بن عرفة ، عن هشيم ، عن يعلى بن عطاء ، به .

وهكذا قال غيره ، وهو أحد قولي الشافعي ، رحمه الله : إن الغرض إصابة عين القبلة .

والقول الآخر وعليه الأكثرون : أن المراد المواجهة كما رواه الحاكم من حديث محمد بن إسحاق ، عن عمير بن زياد الكندي ، عن علي ، رضي الله عنه ، ( فول وجهك شطر المسجد الحرام ) قال : شطره : قبله .

ثم قال : صحيح الإسناد ولم يخرجاه .

وهذا قول أبي العالية ، ومجاهد ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، وقتادة ، والربيع بن أنس ، وغيرهم .

وكما تقدم في الحديث الآخر : ما بين المشرق والمغرب قبلة .

[ وقال القرطبي : روى ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما بين المشرق والمغرب قبلة لأهل المسجد ، والمسجد قبلة لأهل الحرم ، والحرم قبلة لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها من أمتي " ] .

وقال أبو نعيم الفضل بن دكين : حدثنا زهير ، عن أبي إسحاق ، عن البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى قبل بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا ، وكان يعجبه قبلته قبل البيت وأنه صلى صلاة العصر ، وصلى معه قوم ، فخرج رجل ممن كان يصلي معه ، فمر على أهل المسجد وهم راكعون ، فقال : أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مكة ، فداروا كما هم قبل البيت .

وقال عبد الرزاق : أخبرنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن البراء [ قال ] لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة صلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يحول نحو الكعبة ، فنزلت : ( قد نرى تقلب وجهك في السماء [ فلنولينك قبلة ترضاها ] ) فصرف إلى الكعبة .

وروى النسائي عن أبي سعيد بن المعلى قال : كنا نغدو إلى المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنمر على المسجد فنصلي فيه ، فمررنا يوما ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد على المنبر فقلت : لقد حدث أمر ، فجلست ، فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية : ( قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها ) حتى فرغ من الآية .

فقلت لصاحبي : تعال نركع ركعتين قبل أن ينزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فنكون أول من صلى ، فتوارينا فصليناهما .

ثم نزل النبي صلى الله عليه وسلم فصلى للناس الظهر يومئذ .

وكذا روى ابن مردويه ، عن ابن عمر : أن أول صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة صلاة الظهر ، وأنها الصلاة الوسطى .

والمشهور أن أول صلاة صلاها إلى الكعبة صلاة العصر ، ولهذا تأخر الخبر عن أهل قباء إلى صلاة الفجر .

وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه : حدثنا سليمان بن أحمد ، حدثنا الحسين بن إسحاق التستري ، حدثنا رجاء بن محمد السقطي ، حدثنا إسحاق بن إدريس ، حدثنا إبراهيم بن جعفر ، حدثني أبي ، عن جدته أم أبيه نويلة بنت مسلم ، قالت : صلينا الظهر أو العصر في مسجد بني حارثة ، فاستقبلنا مسجد إيلياء فصلينا ركعتين ، ثم جاء من يحدثنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استقبل البيت الحرام ، فتحول النساء مكان الرجال ، والرجال مكان النساء ، فصلينا السجدتين الباقيتين ، ونحن مستقبلون البيت الحرام .

فحدثني رجل من بني حارثة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أولئك رجال يؤمنون بالغيب " .

وقال ابن مردويه أيضا : حدثنا محمد بن علي بن دحيم ، حدثنا أحمد بن حازم ، حدثنا مالك بن إسماعيل النهدي ، حدثنا قيس ، عن زياد بن علاقة ، عن عمارة بن أوس قال : بينما نحن في الصلاة نحو بيت المقدس ، ونحن ركوع ، إذ أتى مناد بالباب : أن القبلة قد حولت إلى الكعبة .

قال : فأشهد على إمامنا أنه انحرف فتحول هو والرجال والصبيان ، وهم ركوع ، نحو الكعبة .

وقوله : ( وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره ) أمر تعالى باستقبال الكعبة من جميع جهات الأرض ، شرقا وغربا وشمالا وجنوبا ، ولا يستثنى من هذا شيء ، سوى النافلة في حال السفر ، فإنه يصليها حيثما توجه قالبه ، وقلبه نحو الكعبة .

وكذا في حال المسايفة في القتال يصلي على كل حال ، وكذا من جهل جهة القبلة يصلي باجتهاده ، وإن كان مخطئا في نفس الأمر ، لأن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها .

مسألة : وقد استدل المالكية بهذه الآية على أن المصلي ينظر أمامه لا إلى موضع سجوده كما ذهب إليه الشافعي وأحمد وأبو حنيفة ، قال المالكية لقوله : ( فول وجهك شطر المسجد الحرام ) فلو نظر إلى موضع سجوده لاحتاج أن يتكلف ذلك بنوع من الانحناء وهو ينافي كمال القيام .

وقال بعضهم : ينظر المصلي في قيامه إلى صدره .

وقال شريك القاضي : ينظر في حال قيامه إلى موضع سجوده كما قال جمهور الجماعة ، لأنه أبلغ في الخضوع وآكد في الخشوع وقد ورد به الحديث ، وأما في حال ركوعه فإلى موضع قدميه ، وفي حال سجوده إلى موضع أنفه وفي حال قعوده إلى حجره .

وقوله : ( وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم ) أي : واليهود الذين أنكروا استقبالكم الكعبة وانصرافكم عن بيت المقدس يعلمون أن الله تعالى سيوجهك إليها ، بما في كتبهم عن أنبيائهم ، من النعت والصفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته ، وما خصه الله تعالى به وشرفه من الشريعة الكاملة العظيمة ، ولكن أهل الكتاب يتكاتمون ذلك بينهم حسدا وكفرا وعنادا ; ولهذا يهددهم تعالى بقوله : ( وما الله بغافل عما يعملون ) .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: قد نرى يا محمد نحنُ تقلُّبَ وجهك في السماء.

* * * ويعني: ب " التقلب "، التحوُّل والتصرُّف.

ويعني بقوله: " في السماء "، نحو السماء وقِبَلها.

* * * وإنما قيل له ذلك صلى الله عليه وسلم -فيما بلغنا- لأنه كان =قَبل تحويل قبلته من بيت المقدس إلى الكعبة= يرفع بصره إلى السماءِ ينتظر من الله جل ثناؤه أمرَه بالتحويل نحو الكعبة، كما:- 2230- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " قدْ نَرى تَقلُّبَ وجهك في السماء " قال، كان صلى الله عليه وسلم يقلّب وجهه في السماء، يحبّ أن يصرفه الله عز وجل إلى الكعبة، حتى صرَفه الله إليها.

2231- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " قد نَرَى تَقلُّب وجهك في السماء "، فكان نبي الله صلى الله عليه وسلم يُصلّي نحو بيتَ المقدس, يَهوى وَيشتهي القبلةَ نحو البيت الحرام, فوجَّهه الله جل ثناؤه لقبلة كان يهواها وَيشتهيها.

2232- حدثنا المثنى قال، حدثني إسحاق قال، حدثني ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع في قوله: " قد نرى تقلُّب وَجهك في السماء "، يقول: نَظرَك في السماء.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقلِّب وجهه في الصلاة وهو يصلي نحو بيت المقدس, وكان يهوى قبلةَ البيت الحرام, فولاه الله قبلةً كان يهواها.

2233- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: كان الناس يصلون قبَلَ بيت المقدس, فلما قَدِم النبي صلى الله عليه وسلم المدينةَ على رأس ثمانية عشر شهرًا من مُهاجَره, كان إذا صلى رفع رأسه إلى السماء يَنظُر ما يُؤمر, وكان يصلّي قبَل بيت المقدس، فنسختها الكعبةُ.

فكان النبي صلى الله عليه وسلم يُحب أن يصلي قبَل الكعبة، فأنـزل الله جل ثناؤه: " قد نَرَى تقلب وَجهك في السماء " الآية.

* * * ثم اختلف في السبب الذي من أجله كان صلى الله عليه وسلم يهوى قبلة الكعبة.

قال بعضهم: كره قبلةَ بيت المقدس, من أجل أن اليهودَ قالوا: يتَّبع قبلتنا ويُخالفنا في ديننا!

* ذكر من قال ذلك: 2234- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد قال: قالت اليهود: يخالفنا محمد ويتّبع قبلتنا!

فكان يدعو الله جل ثناؤه, ويَستفرض للقبلة، (70) فنـزلت: " قد نَرَى تقلُّب وَجهك في السماء فلنولينك قبلة تَرْضَاها فول وجهك شَطرَ المسجد الحَرَام "، -وانقطع قول يهود: يخالفنا ويتبع قبلتنا!- في صلاة الظهر، (71) .

فجعل الرجالَ مكانَ النساء, والنساءَ مكانَ الرجال.

2235- حدثني يونس قال, أخبرنا ابن وهب قال، سمعته -يعني ابن زيد- يقول: قال الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ .

قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هؤلاء قَومُ يهودَ يستقبلون بيتًا من بيوت الله -لبيت المقدس- ولو أنَّا استقبلناه!

فاستقبله النبي صلى الله عليه وسلم ستة عشر شهرًا, فبلغه أن يهودَ تَقول: والله ما دَرَى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم!

(72) فكره ذلك النبي صلى الله عليه وسلم, ورفع وجهه إلى السماء, فقال الله جل ثناؤه: " قد نَرَى تقلُّب وجهك في السماء فلنوَلينَّك قبلةً ترضَاها فوَلّ وجهك شَطرَ المسجد الحرام " الآية.

(73) * * * وقال آخرون: بل كان يهوى ذلك، من أجل أنه كان قبلةَ أبيه إبراهيم عليه السلام.

* ذكر من قال ذلك: 2236- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثنا معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة، وكان أكثرَ أهلها اليهودُ، أمره الله عز وجل أن يستقبل بيتَ المقدس.

ففرحت اليهودُ.

فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة عشر شهرًا، فكان رسول الله صَلى الله عليه وسلم يُحب قبلةَ إبراهيم, فكان يدعو وينظر إلى السماء, فأنـزل الله عز وجل: " قد نرى تقلُّبَ وجهك في السماء " الآية.

(74) * * * فأما قوله: " فلنوَلينَّك قبلة تَرْضَاها "، فإنه يعني: فلنصرفنَّك عن بيت المقدس، إلى قبلة " ترضاها ": تَهواها وتُحبها.

(75) * * * وأما قوله: " فوَلِّ وجهك "، يعني: اصرف وجهك وَحوِّله.

* * * وقوله: " شَطرَ المسجد الحَرَام "، يعني: ب " الشطر "، النحوَ والقصدَ والتّلقاء, كما قال الهذلي: (76) إنَّ العَسِــيرَ بهَــا دَاء مُخَامِرُهَــا فَشَــطْرَهَا نَظَـــرُ العَيْنَيْـنِ مَحْسُـورُ (77) يعني بقوله: " شَطْرَها "، نحوها.

وكما قال ابن أحمر: تَعْـدُو بِنَـا شَـطْر جَـمْعٍ وهْيَ عَاقِدةٌ, قَـدْ كَارَبَ العَقْــدُ مِـنْ إيفَادِهَـا الحَقَبَـا (78) * * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 2237- حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن داود بن أبي هند, عن أبي العالية: " شَطْرَ المسجد الحَرَام "، يعني: تلقاءه.

2238- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " شطر المسجد الحرام "، نحوَه.

2239- حدثنا محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قوله: " فوَلِّ وجهك شَطر المسجد الحرام "، نَحوَه.

2240- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.

2241- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع, عن سعيد, عن قتادة: " فولِّ وجهك شطرَ المسجد الحرام "، أي تلقاءَ المسجد الحرام.

2242- حدثنا الحسين بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " فولّ وجهك شطرَ المسجد الحرام " قال، نحو المسجد الحرام.

2243- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: " فولِّ وجهك شطرَ المسجد الحرام "، أي تلقاءَه.

2244- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج: أخبرني عمرو بن دينار، عن ابن عباس أنه قال: " شطرَه "، نحوَه.

2245- حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك, عن أبي إسحاق, عن البراء: فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ قال، قِبَله.

2246- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: " شَطْره "، ناحيته، جانبه.

قال: وجوانبه: " شُطوره ".

(79) * * * ثم اختلفوا في المكان الذي أمر الله نبيّه صلى الله عليه وسلم أن يولَّيَ وجهه إليه من المسجد الحرام.

فقال بعضهم: القبلةُ التي حُوِّل إليها النبي صلى الله عليه وسلم، وعناها الله تعالى ذكره بقوله: " فلنولينَّك قبلة تَرْضاها "، حيالَ ميزاب الكعبة.

* ذكر من قال ذلك: 2247- حدثني عبد الله بن أبي زياد قال، حدثنا عثمان قال، أخبرنا شعبة, عن يعلى بن عطاء, عن يحيى بن قمطة, عن عبد الله بن عمرو: " فلنولينَّك قبلة ترضاها "، حيالَ ميزاب الكعبة.

(80) 2248- وحدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، حدثنا هشيم, عن يعلى بن عطاء, عن يحيى بن قمطة قال: رأيت عبد الله بن عمرو جالسًا في المسجد الحرام بإزاء الميزاب, وتلا هذه الآية: " فلنولينك قِبلة ترضاها " قال، هذه القبلة، هي هذه القبلة.

2249- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشيم -بإسناده عن عبد الله بن عمرو، نحوه- إلا أنه قال: استقبل الميزاب فقال: هذه القبلة التي قال الله لنبيه: " فلنولينك قبلة تَرضاها ".

(81) * * * وقال آخرون: بل ذلك البيت كله قبلةٌ, وقبلةُ البيت الباب.

* ذكر من قال ذلك: 2250- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية, عن عطاء بن السائب, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: البيت كله قبلةٌ, وهذه قبلةُ البيت - يعني التي فيها الباب.

(82) * * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي ما قال الله جل ثناؤه: " فوَلِّ وجهك شَطر المسجد الحرام "، فالمولِّي وجهه شطرَ المسجد الحرام، هو المصيبُ القبلةَ.

وإنما عَلى من توجه إليه النيةُ بقلبه أنه إليه متوجِّه, كما أن على من ائتمِّ بإمام فإنما عليه الائتمام به، وإن لم يكن مُحاذيًا بدنُه بدنَه, وإن كان في طَرَف الصّفّ والإمام في طرف آخر، عن يمينه أو عن يساره, بعد أن يكون من خلفه مُؤتمًّا به، مصليًا إلى الوجه الذي يصلِّي إليه الإمام.

فكذلك حكمُ القبلة, وإنْ لم يكن يحاذيها كل مصلّ ومتوَجِّه إليها ببدنه، غير أنه متوجِّه إليها.

فإن كان عن يمينها أو عن يسارها مقابلَها، فهو مستقبلها، بعُد ما بينه وَبينها, أو قَرُب، من عن يمينها أو عن يسارها، بعد أن يكون غيرَ مستدبرها ولا منحرف عنها ببدنه ووَجهه، كما: 2251- حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عميرة بن زياد الكندي, عن علي: " فول وجهك شطر المسجد الحرام " قال، شطُره، قبله.

(83) * * * قال أبو جعفر: وقبلةُ البيت: بابه، كما:- 2252- حدثني يعقوب بن إبراهيم والفضل بن الصَّبَّاح قالا حدثنا هشيم قال، أخبرنا عبد الملك, عن عطاء قال، قال أسامة بن زيد: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرجَ من البيت أقبلَ بوجهه إلى الباب، فقال: هذه القبلةُ, هذه القبلة.

(84) 2253- حدثنا ابن حميد وسفيان بن وكيع قالا حدثنا جرير, عن عبد الملك بن أبي سليمان, عن عطاء, قال، حدثني أسامة بن زيد قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم من البيت, فصلى ركعتين مستقبلا بوجهه الكعبة, فقال: هذه القبلةُ مرتين.

(85) 2254- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان, عن عبد الملك, عن عطاء, عن أسامة بن زيد, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوه.

(86) 2255- حدثنا سعيد بن يحيى الأموي قال، حدثنا أبي قال، حدثنا ابن جريج قال، قلت لعطاء: سمعت ابن عباس يقول: إنما أمرتم بالطَّوَاف ولم تؤمروا بدخوله.

قال: قال: لم يكن ينهَى عن دخوله, ولكني سمعته يقول: أخبرني أسامة بن زيد أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل البيت دَعا في نواحيه كلها, ولم يصلِّ حتى خرج, فلما خرج ركع في قِبَل القبلة ركعتين، وقال: هذه القبلة.

(87) * * * قال أبو جعفر: فأخبر صلى الله عليه وسلم أنّ البيت هو القبلة, وأن قبلة البيت بابه.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك: فأينما كنتم من الأرض أيها المؤمنون فحوِّلوا وجُوهكم في صلاتكم نَحو المسجد الحرام وتلقاءَه.

و " الهاء " التي في" شطرَه "، عائدة إلى المسجد الحرام.

فأوجب جل ثناؤه بهذه الآية على المؤمنين، فرضَ التوجُّه نحو المسجد الحرام في صلاتهم حيث كانوا من أرض الله تبارك وتعالى.

وأدخلت " الفاء " في قوله: " فولوا "، جوابًا للجزاء.

وذلك أن قوله: " حيثما كنتم " جزاء, ومعناه: حيثما تكونوا فولوا وجوهكم شطره.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ يعني بقوله جل ثناؤه: " وإنّ الذين أوتُوا الكتاب " أحبارَ اليهود وعلماء النصارى.

* * * وقد قيل: إنما عنى بذلك اليهودَ خاصةً.

* ذكر من قال ذلك: 2256- حدثنا موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " وإن الذين أوتوا الكتاب "، أنـزل ذلك في اليهود.

* * * وقوله: " ليعلمون أنه الحق من ربهم "، يعني هؤلاء الأحبارَ والعلماءَ من أهل الكتاب, يعلمون أن التوجُّهَ نحو المسجد، الحقُّ الذي فرضه الله عز وجل على إبراهيم وذريته وسائر عباده بعده.

* * * ويعني بقوله: " من رَبِّهم " أنه الفرضُ الواجب على عباد الله تعالى ذكره, وهو الحقُّ من عند ربهم، فَرَضَه عليهم.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144) قال أبو جعفر: يعني بذلك تبارك وتعالى: وليس الله بغافل عما تعملون أيها المؤمنون، في اتباعكم أمرَه، وانتهائكم إلى طاعته، فيما ألزمكم من فرائضه، وإيمانكم به في صَلاتكم نحو بيت المقدس، ثم صلاتكم من بعد ذلك شطرَ المسجد الحرام, ولا هو ساه عنه، (88) ولكنه جَل ثَناؤه يُحصيه لكم ويدّخره لكم عنده، حتى يجازيَكم به أحسن جزاء, ويثيبكم عليه أفضل ثواب.

-------------------- الهوامش : (70) في المطبوعة : "يستعرض للقبلة" ، وأثبت ما في الدر المنثور 1 : 147 وقوله : "يستفرض" أي يطلب فرضها عليه وعلى المؤمنين .

وهذا ما لم تشبه كتب اللغة ، ولكنه صحيح العربية .

أما قوله : "يستعرض للقبلة" ، فليست بشيء .

(71) سياق عبارته : "فنزلت .

.

.

في صلاة الظهر" .

(72) في المطبوعة : "ما درى محمد صلى الله عليه وسلم" ، ولا تقوله يهود ، فرفعته .

وكذلك جاء في رقم : 1838 .

(73) الأثر : 2235- مضى برقم : 1838 .

(74) الأثر : 2236- مضى برقم : 1833 ، ورقم : 2160 .

(75) انظر معاني"ولى" فيما سلف 2 : 162 ، 535 ، وهذا الجزء 3 : 131 .

(76) هو قيس بن العيزارة الهذلي .

والعيزارة أمه ، واسمه قيس بن خويلد بن كاهل .

(77) ديوانه في أشعار الهذليين للسكري : 261 (أوربة) ، ورسالة الشافعي : 35 ، 487 ، وسيرة ابن هشام 2 : 200 ، والكامل 1 : 12 ، 2 : 3 ومجاز القرآن لأبي عبيدة : 60 ، واللسان (شطر) (حسر) ، وغيرها .

ورواية الشافعي في الرسالة : "إن العسيب" بالباء في آخره ، ورواية ديوانه وابن هشام : "إن النعوس" .

والعسير : التي تعسر بذنبها إذا حملت ، من شراستها .

والنعوس : التي تغمض عينيها عند الحلب .

والعسيب : جريد النخل إذا كشط عنه خوصه .

وأرى أنه لم يرد صفة الناقة بأحد هذه الألفاظ الثلاثة ، وإنما هو اسم ناقته .

وكلها صالح أن يكون اسما للناقة .

وقد قال ابن هشام : "النعوس : ناقته ، وكان بها داء فنظر إليها نظر حسير ، من قوله : "وهو حسير" .

ويروى : "داء يخامرها فنحوها .

.

.

" ، ورواية ديوانه"مخزور" .

ومحسور ، هو الحسير : الذي قد أعيى وكل .

ومخزور : من قولهم : "خزر بصره" : إذا دانى بين جفنيه ونظر بلحاظه .

وهو يصف ناقته ، ويذكر حزنه وحبه لها ، فهو من الداء الذي خامرها مشفق عليها ، يطيل النظر إليها حتى تحسر عيناه ويكل .

(78) سيرة ابن هشام 2 : 199 ، والروض الأنف 2 : 38 ، والخزانة 3 : 38 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة : 60 .

وفي المطبوعة : "من إنفادها" ، وهو خطأ .

وقال : قبله : أَنْشَــأتُ أَسْـأَلُه عَـنْ حَـالِ رُفْقَتِـهِ فقـال : حَـيَّ, فَـإِنَّ الرَّكْبَ قَدْ نَصَبَا حي : اعجل .

ونصب : جد في السير : وقوله : "جمع" ، هي مزدلفة ، يريد الحج .

وقوله : عاقدة ، أي : قد عطفت ذنبها بين فخذيها .

وقوله : كارب ، أي أوشك وكاد وقارب ودنا .

وأوفدت الناقة إيفادًا : أسرعت .

والحقب : الحزام يشد به الرحل في بطن البعير مما يلي ثيله لئلا يؤذيه التصدير .

يقول : قد أسرعوا إسراعًا إلى مزدلفة ، فجعلت تعطف ذنبها تسد به فرجها حتى كاد عقد ذنبها يبلغ الحقب .

والناقة تسد فرجها بذنبها في إسراعها ، يقول المخبل السعدي : وإذَ رَفَعْـــتُ السَّــوْطَ, أفْزَعَهَــا تَحْــتَ الضُّلُــوعِ مُــرَوِّعٌ شَـهْمُ وتَسُــدُّ حَاذَيْهَــا بِــذِي خُــصَلٍ عُقِمَــتْ فنــاعَمَ, نَبْتَــهُ العُقْــمُ ويقول المثقب العبدي ، يصف ناقته مسرعة : تَسُــدُّ بِــدَائِمِ الخَــطَرَانِ جَــثْلٍ خَوايَــةَ فَــرْجِ مِقْــلاَتٍ دَهِيــنِ (79) الخبر : 2246- هو وما قبله من الأخبار ، في تفسير (شطره) بأنه : قبله ، أو : نحوه .

وانظر مؤيدًا ذلك ، ما قاله الشافعي في الرسالة ، بتحقيقنا : 105-111 ، 1378-1381 .

(80) الحديث : 2247- عبد الله بن أبي زياد ، شيخ الطبري : نسب إلى جده .

وهو"عبد الله بن الحكم بن أبي زياد القطواني" ، واسم"أبي زياد" : "سليمان" .

وعبد الله هذا : ثقة ، روى عنه أبو زرعة ، وأبو حاتم ، وابن خزيمة ، وغيرهم .

مترجم في التهذيب .

وابن أبي حاتم 2/2/38 .

وشيخه"عثمان" : ما أدري من هو؟

وأغلب الظن أنه محرف ، وصوابه"عفان" .

يحيى بن قمطة : تابعي ثقة ، ترجمه البخاري في الكبير 4/2/229 ، وابن أبي حاتم 4/2/181 ، وذكر أنه حجازي ، ولم يذكرا فيه جرحًا .

وذكر البخاري أنه يروي"عن ابن عمر" .

وذكر ابن أبي حاتم أنه يروي"عن عبد الله بن عمرو" .

وذكره ابن حبان في الثقات ، ص : 371 ، وقال : "يروي عن ابن عمر ، وعبد الله بن عمرو" .

روى عنه يعلى بن عطاء .

واسم أبيه : "قمطة" بالقاف ثم الميم ثم الطاء المهملة .

ولم أجد ما يدل على ضبط هذه الحروف .

لكنه ثبت هكذا في الطبري وتفسير عبد الرزاق ومراجع الترجمة .

ووقع في ابن كثير والمستدرك"قطة" بدون الميم .

وهو خطأ ، لمخالفته ما ذكرنا عن المراجع .

والحديث رواه الحاكم في المستدرك 2 : 269 ، من طريق مسلم بن إبراهيم ، عن شعبة ، بهذا الإسناد ، مطولا بنحو الرواية التي بعد هذه .

وقال الحاكم : "هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه" .

ووافقه الذهبي .

(81) الحديثان : 2248 ، 2249- وهذان إسنادان آخران للحديث قبلهما .

وأولهما من رواية عبد الرزاق ، عن هشيم ، عن يعلى بن عطاء .

وهشيم- بالتصغير : هو ابن بشير ، بفتح الموحدة وكسر الشين المعجمة .

وهو أبو معاوية بن أبي خازم ، وهو حافظ ثقة ثبت .

مترجم في التهذيب .

والكبير 4/2/242 ، وابن سعد 7/2/61 ، 70 .

وابن أبي حاتم 4/2/115-116 .

وتذكرة الحفاظ 1 : 229-230 .

والحديث في تفسير عبد الرزاق ، ص : 13 ، بهذا الإسناد .

وليس فيه كلمة"هي" المزادة هنا بعد قوله : "هذه القبلة" .

وأخشى أن تكون زيادتها غير جيدة ولا ثابتة .

وذكر ابن كثير 1 : 352 ، أنه رواه أيضًا ابن أبي حاتم"عن الحسن بن عرفة ، عن هشيم ، عن يعلى بن عطاء" .

ووقع اسم"هشيم" فيه محرفًا ، فيصحح من هذا الموضع .

والحديث في الدر المنثور أيضًا 1 : 147 ، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة ، وسعيد بن منصور ، وأحمد بن منيع في مسنده ، وابن المنذر ، والطبراني في الكبير .

وهو في مجمع الزوائد 6 : 316 ، وقال : "رواه الطبراني من طريقين ، ورجال إحداهما ثقات" .

(82) الخبر : 2250- نقله السيوطي 1 : 147 ، عن الطبري وحده ، بلفظ : "البيت كله قبلة ، وقبلة البيت الباب" .

(83) الحديث : 2251- أبو إسحاق : هو السبيعي الهمداني .

عميرة -بفتح العين- بن زياد الكندي : تابعي ثقة ، ترجمه ابن سعد في الطبقات 6 : 141 ، وقال : "روى عن عبد الله" .

أراد بذلك عبد الله بن مسعود .

وترجمه البخاري في الكبير 4/1/69 .

وابن أبي حاتم 3/2/24 .

ولم يذكرا فيه جرحًا ، ولا رواية عن غير ابن مسعود .

وذكرا أن الراوي عنه أبو إسحاق .

والحديث رواه الحاكم في المستدرك 2 : 269 ، من طريق محمد بن كثير ، عن سفيان -وهو الثوري- عن أبي إسحاق بهذا الإسناد .

وقال الحاكم : "هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه" .

ووافقه الذهبي .

وكذلك رواه البيهقي في السنن الكبرى ج 2 ص 3 ، عن الحاكم .

وذكره السيوطي 1 : 147 ، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والدينوري في المجالسة .

وذكره ابن كثير 1 : 268 ، نقلا عن الحاكم .

ولفظه عندهم جميعًا : "قال : شطره قبله" ، كما أثبتنا .

ووقع في المطبوعة هنا : "قال : شطره فينا قبلة"!!

وهو خطأ سخيف ، من ناسخ أو طابع .

ووقع في الإسناد في ابن كثير"محمد بن إسحاق" بدل"أبي إسحاق" .

وهو خطأ يخالف ما ثبت هنا ، وما ثبت في سائر المراجع .

ووقع فيه في ابن كثير والمستدرك ومختصره للذهبي -المطبوع والمخطوط-"عمير بن زياد" .

وهو خطأ أيضًا .

وثبت على الصواب في رواية البيهقي عن الحاكم .

(84) الحديث : 2252- الفضل بن الصباح البغدادي : ثقة ، وثقه ابن معين .

وقال أبو القاسم البغوي : "كان من خيار عباد الله" .

مترجم في التهذيب .

وابن أبي حاتم 3/2/63 .

عبد الملك : هو ابن أبي سليمان العرزمي ، مضى في : 1455 .

عطاء : هو ابن أبي رباح ، التابعي الكبير ، الإمام الحجة ، القدوة العلم ، مفتي أهل مكة ومحدثهم .

مترجم في التهذيب .

وابن أبي حاتم 3/1/330-331 .

وتذكرة الحفاظ 1 : 92 : 93 ، وتاريخ الإسلام 4 : 278-280 ، وابن سعد 2/2/133-134 ، و 5 : 344-346 .

أسامة بن زيد بن حارثة : هو حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن حبه .

وقد زعم أبو حاتم -فيما حكاه عنه ابنه في المراسيل : ص : 57- أن عطاء لم يسمع من أسامة .

ولكن الرواية التالية لهذه ، فيها تصريح عطاء بالسماع منه .

ثم المعاصرة كافية في ثبوت الاتصال ، كما هو الراجح عند أهل العلم بالحديث .

وعطاء ولد سنة 27 ومات سنة 114 .

بل ذكر الذهبي أنه مات عن 90 سنة .

وأسامة بن زيد مات سنة 54 .

بل أرخ مصعب الزبيري وفاته في آخر خلافة معاوية سنة 58 أو 59 .

وهذا الحديث رواه أحمد في المسند (5 : 209) ، عن هشيم ، بهذا الإسناد واللفظ .

ثم رواه عقبه ، بالإسناد نفسه مطولا ، بنحوه .

(85) الحديث : 2253- ابن حميد : هو محمد بن حميد بن حيان الرازي الحافظ .

سبقت رواية الطبري عنه مرارًا كثيرة ، ووثقناه في 2028 .

ونزيد هنا أنه وثقه ابن معين وغيره .

وأنكروا عليه أحاديث ، وأجاب عنه ابن معين بأن"هذه الأحاديث التي يحدث بها ، ليس هو من قبله ، إنما هو من قبل الشيوخ الذي يحدث به عنهم" .

وقال الخليلي : "كان حافظًا عالمًا بهذا الشأن ، رضيه أحمد ويحيى" .

وعرض عبد الله بن أحمد على أبيه ما كتبه عنه ، فقال : أما حديثه عن ابن المبارك وجرير ، فصحيح ، وأما حديثه عن أهل الري ، فهو أعلم" .

مترجم في التهذيب ، والكبير 1/1/69-70 ، وابن أبي حاتم 3/2/232-233 ، والخطيب 2 : 259-264 ، وتذكرة الحفاظ 2 : 67-69 .

جرير : هو ابن عبد الحميد بن قرط الرازي ، وهو ثقة حجة .

مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 1/2/214 ، وابن سعد 7/2/110 .

وابن أبي حاتم 1/1/505-507 ، والخطيب 7 : 253-261 ، وتذكرة الحفاظ 1 : 250 .

فهذا إسناد صحيح ، صرح فيه عطاء بالسماع من أسامة بن زيد ، كما أشرفا في الإسناد السابق .

والحديث رواه أحمد في المسند (5 : 210 ح) ، ضمن قصة ، عن يحيى -وهو القطان- عن عبد الملك"حدثنا عطاء ، عن أسامة بن زيد" .

(86) الحديث : 2254- عبد الرحيم بن سليمان : هو المروزي الأشل ، مضت ترجمته : 2030 .

والحديث تكرار لسابقه ، لكن لم يصرح في هذا الإسناد بسماع عطاء من أسامة .

(87) الحديث 2255- سعيد بن يحيى بن سعيد ، الأموي : ثقة ثبت ، بل قال علي بن المديني : "جماعة من الأولاد أثبت عندنا من آبائهم .

.

.

وهذا سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي : أثبت من أبيه" .

وهو من شيوخ البخاري ومسلم وأبي زرعة وأبي حاتم ، مترجم في التهذيب ، والكبير 2/1/477 ، وابن أبي حاتم 2/1/74 ، والخطيب 9 : 90-91 .

أبوه ، يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص : حافظ ثقة .

مترجم في التهذيب ، والكبير 4/2/277 ، وابن سعد 6 : 277-278 ، و 7/2/80-81 .

وابن أبي حاتم 4/2/151-152 ، والخطيب 14 : 132-135 ، وتذكرة الحفاظ 1 : 298 .

والحديث رواه أحمد في المسند (5 : 208ح) ، عن عبد الرزاق ، وروح - كلاهما عن ابن جريج ، بهذا الإسناد نحوه .

رواه قبل ذلك (ص : 201 ح) عن عبد الرزاق وحده ، مختصرًا ، طوى القصة فلم يذكرها .

وليس في هذا الحديث ما ينفي أن يكون عطاء سمع الحديث من أسامة بن زيد ، لأنه -هنا- إنما يجيب السائل عن قوا ابن عباس ، وينفي أن يكون ابن عباس ينهى عن دخول البيت .

فهو يذكر رواية ابن عباس عن أسامة ، من أجل هذا .

ولا يمنع هذا أن يكون الحديث عند عطاء عن أسامة مباشرة .

والحديث رواه أيضًا مسلم 1 : 376-377 ، من طريق محمد بن بكر ، عن ابن جريج ، بهذا الإسناد ، نحو هذه القصة ، أطول منها قليلا .

ورواه البخاري 1 : 420- 421 (فتح الباري) ، من طريق عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، مختصرًا .

لم يذكر القصة ، ولم يذكر أنه عن أسامة ، جعله من حديث ابن عباس .

وذكر الحافظ أنه رواه الإسماعيلي وأبو نعيم ، في مستخرجيهما ، من طريق إسحاق بن راهويه ، عن عبد الرزاق ، بإسناد هذا : "فجعله من رواية ابن عباس عن أسامة بن زيد" .

قال الحافظ : "وهو الأرجح" .

والخلاف في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في الكعبة أو لم يصل - مذكور في الدواوين .

والراجح صلاته فيها .

المثبت مقدم على النافي .

وانظر نصب الراية 2 : 319-322 .

(88) انظر تفسير"غافل" فيما سلف 2 : 243-244 ، 315 ، وهذا الجزء 3 : 127 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملونقال العلماء : هذه الآية مقدمة في النزول على قوله تعالى : سيقول السفهاء من الناس .

ومعنى تقلب وجهك : تحول وجهك إلى السماء ، قاله الطبري .

الزجاج : تقلب عينيك في النظر إلى السماء ، والمعنى متقارب .

وخص السماء بالذكر إذ هي مختصة بتعظيم ما أضيف إليها ويعود منها كالمطر والرحمة والوحي .

ومعنى ترضاها تحبها .

قال السدي : كان إذا صلى نحو بيت المقدس رفع رأسه إلى السماء ينظر ما يؤمر به ، وكان يحب أن يصلي إلى قبل الكعبة فأنزل الله تعالى : قد نرى تقلب وجهك في السماء .

وروى أبو إسحاق عن البراء قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا ، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يوجه نحو الكعبة ، فأنزل الله تعالى : قد نرى تقلب وجهك في السماء .

وقد تقدم هذا المعنى والقول فيه ، والحمد لله .قوله تعالى : فول وجهك شطر المسجد الحرام فيه خمس مسائل : الأولى : قوله تعالى : فول أمر وجهك شطر أي ناحية المسجد الحرام يعني الكعبة ، ولا خلاف في هذا .

قيل : حيال البيت كله ، عن ابن عباس .

وقال ابن عمر : [ ص: 149 ] حيال الميزاب من الكعبة ، قاله ابن عطية .

والميزاب : هو قبلة المدينة وأهل الشام ، وهناك قبلة أهل الأندلس .قلت : قد روى ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : البيت قبلة لأهل المسجد والمسجد قبلة لأهل الحرم والحرم قبلة لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها من أمتي .الثانية : قوله تعالى : شطر المسجد الحرام الشطر له محامل : يكون الناحية والجهة ، كما في هذه الآية ، وهو ظرف مكان ، كما تقول : تلقاءه وجهته .

وانتصب الظرف لأنه فضلة بمنزلة المفعول [ به ] ، وأيضا فإن الفعل واقع فيه .

وقال داود بن أبي هند : إن في حرف ابن مسعود " فول وجهك تلقاء المسجد الحرام " .

وقال الشاعر [ هو أبو زنباع الجذامي ] :أقول لأم زنباع أقيمي صدور العيس شطر بني تميموقال آخر :وقد أظلكم من شطر ثغركم هول له ظلم يغشاكم قطعاوقال آخر :ألا من مبلغ عمرا رسولا وما تغني الرسالة شطر عمرووشطر الشيء : نصفه ، ومنه الحديث : الطهور شطر الإيمان .

ويكون من الأضداد ، يقال : شطر إلى كذا إذا أقبل نحوه ، وشطر عن كذا إذا أبعد منه وأعرض عنه .

فأما الشاطر من الرجال فلأنه قد أخذ في نحو غير الاستواء ، وهو الذي أعيا أهله خبثا ، وقد شطر وشطر ( بالضم ) شطارة فيهما وسئل بعضهم عن الشاطر ، فقال : هو من أخذ في البعد عما نهى الله عنه .الثالثة : لا خلاف بين العلماء أن الكعبة قبلة في كل أفق وأجمعوا على أن من شاهدها وعاينها فرض عليه استقبالها ، وأنه إن ترك استقبالها وهو معاين لها وعالم بجهتها فلا صلاة له ، وعليه إعادة كل ما صلى ذكره أبو عمر .

وأجمعوا على أن كل من غاب عنها أن يستقبل ناحيتها [ ص: 150 ] وشطرها وتلقاءها ، فإن خفيت عليه فعليه أن يستدل على ذلك بكل ما يمكنه من النجوم والرياح والجبال وغير ذلك مما يمكن أن يستدل به على ناحيتها .

ومن جلس في المسجد الحرام فليكن وجهه إلى الكعبة وينظر إليها إيمانا واحتسابا ، فإنه يروى أن النظر إلى الكعبة عبادة ، قاله عطاء ومجاهد .الرابعة : واختلفوا هل فرض الغائب استقبال العين أو الجهة ، فمنهم من قال بالأول .

قال ابن العربي : وهو ضعيف ; لأنه تكليف لما لا يصل إليه .

ومنهم من قال بالجهة ، وهو الصحيح لثلاثة أوجه : الأول : أنه الممكن الذي يرتبط به التكليف .

الثاني : أنه المأمور به في القرآن ، لقوله تعالى : فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم يعني من الأرض من شرق أو غرب فولوا وجوهكم شطره .

الثالث : أن العلماء احتجوا بالصف الطويل الذي يعلم قطعا أنه أضعاف عرض البيت .الخامسة : في هذه الآية حجة واضحة لما ذهب إليه مالك ومن وافقه في أن المصلي حكمه أن ينظر أمامه لا إلى موضع سجوده .

وقال الثوري وأبو حنيفة والشافعي والحسن بن حي .

يستحب أن يكون نظره إلى موضع سجوده .

وقال شريك القاضي : ينظر في القيام إلى موضع السجود ، وفي الركوع إلى موضع قدميه ، وفي السجود إلى موضع أنفه ، وفي القعود إلى حجره .

قال ابن العربي : إنما ينظر أمامه فإنه إن حنى رأسه ذهب بعض القيام المفترض عليه في الرأس وهو أشرف الأعضاء ، وإن أقام رأسه وتكلف النظر ببصره إلى الأرض فتلك مشقة عظيمة وحرج .

وما جعل علينا في الدين من حرج ، أما إن ذلك أفضل لمن قدر عليه .قوله تعالى : وإن الذين أوتوا الكتاب يريد اليهود والنصارى ليعلمون أنه الحق من ربهم يعني تحويل القبلة من بيت المقدس .

فإن قيل : كيف يعلمون ذلك وليس من دينهم ولا في كتابهم ؟

قيل عنه جوابان : أحدهما : أنهم لما علموا من كتابهم أن محمدا صلى الله عليه وسلم نبي علموا أنه لا يقول إلا الحق ولا يأمر إلا به .

الثاني : أنهم علموا من دينهم جواز النسخ وإن جحده بعضهم ، فصاروا عالمين بجواز القبلة .قوله تعالى : وما الله بغافل عما يعملون تقدم معناه .

وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي " تعملون " بالتاء على مخاطبة أهل الكتاب أو أمة محمد صلى الله عليه وسلم .

وعلى الوجهين فهو إعلام بأن الله تعالى لا يهمل أعمال العباد ولا يغفل عنها ، وضمنه الوعيد .

وقرأ الباقون بالياء من تحت .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول الله لنبيه: { قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ } أي: كثرة تردده في جميع جهاته, شوقا وانتظارا لنزول الوحي باستقبال الكعبة، وقال: { وَجْهِكَ } ولم يقل: " بصرك " لزيادة اهتمامه, ولأن تقليب الوجه مستلزم لتقليب البصر.

{ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ } أي: نوجهك لولايتنا إياك، { قِبْلَةً تَرْضَاهَا } أي: تحبها, وهي الكعبة، وفي هذا بيان لفضله وشرفه صلى الله عليه وسلم, حيث إن الله تعالى يسارع في رضاه, ثم صرح له باستقبالها فقال: { فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } والوجه: ما أقبل من بدن الإنسان، { وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ } أي: من بر وبحر, وشرق وغرب, جنوب وشمال.

{ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ } أي: جهته.

ففيها اشتراط استقبال الكعبة, للصلوات كلها, فرضها, ونفلها, وأنه إن أمكن استقبال عينها, وإلا فيكفي شطرها وجهتها، وأن الالتفات بالبدن, مبطل للصلاة, لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده، ولما ذكر تعالى فيما تقدم, المعترضين على ذلك من أهل الكتاب وغيرهم، وذكر جوابهم, ذكر هنا, أن أهل الكتاب والعلم منهم, يعلمون أنك في ذلك على حق وأمر، لما يجدونه في كتبهم, فيعترضون عنادا وبغيا، فإذا كانوا يعلمون بخطئهم فلا تبالوا بذلك، فإن الإنسان إنما يغمه اعتراض من اعترض عليه, إذا كان الأمر مشتبها, وكان ممكنا أن يكون معه صواب.

فأما إذا تيقن أن الصواب والحق مع المعترض عليه, وأن المعترض معاند, عارف ببطلان قوله, فإنه لا محل للمبالاة, بل ينتظر بالمعترض العقوبة الدنيوية والأخروية, فلهذا قال تعالى: { وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ } بل يحفظ عليهم أعمالهم, ويجازيهم عليها، وفيها وعيد للمعترضين, وتسلية للمؤمنين.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى: {قد نرى تقلب وجهك في السماء} هذه الآية وإن كانت متأخرة في التلاوة فهي متقدمة في المعنى فإنها رأس القصة، وأمر القبلة أول ما نسخ من أمور الشرع، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا بمكة إلى الكعبة، فلما هاجر إلى المدينة أمره الله أن يصلي نحو صخرة بيت المقدس ليكون أقرب إلى تصديق اليهود إياه إذا صلى إلى قبلتهم مع ما يجدون من نعته في التوراة فصلى بعد الهجرة ستة عشر أو سبعة عشر شهراً إلى بيت المقدس وكان يحب أن يوجه إلى الكعبة لأنها كانت قبلة أبيه إبراهيم عليه السلام.

وقال مجاهد: "كان يحب ذلك لأجل اليهود لأنهم كانوا يقولون يخالفنا محمد صلى الله عليه وسلم في ديننا ويتبع قبلتنا، فقال لجبريل عليه السلام: وددت لو حولني الله إلى الكعبة فإنها قبلة أبي إبراهيم عليه السلام، فقال جبريل: إنما أنا عبد مثلك وأنت كريم على ربك، فسل أنت ربك فإنك عند الله عز وجل بمكان، فرجع جبريل عليه السلام وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يديم النظر إلى السماء رجاء أن ينزل جبريل بما يحب من أمر القبلة فأنزل الله تعالى {قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة}".

{قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة} فلنحولنك إلى قبلة.

{ترضاها} أي تحبها وتهواها.

{فول} أي حوِّل.

{وجهك شطر المسجد الحرام} أي نحوه وأراد به الكعبة، والحرام المحرم.

{وحيث ما كنتم} من بر أو بحر أو شرق أو غرب.

{فولوا وجوهكم شطره} عند الصلاة.

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا إسحاق بن نصر أخبرنا ابن جريج عن عطاء قال سمعت ابن عباس رضي الله عنهما قال: "لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم البيت دعا في نواحيه كلها ولم يصل حتى خرج منه، فلما خرج ركع ركعتين في قبل الكعبة وقال هذه القبلة".

أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا عمرو بن خالد أخبرنا زهير أخبرنا أبو إسحاق عن البراء: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده أو قال أخواله من الأنصار وأنه صلى قبل بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهراً، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه صلى أول صلاة العصر وصلى معه قوم فخرج رجل ممن صلى معه فمر على أهل مسجد قباء وهم راكعون فقال: أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مكة فداروا كما هم قبل البيت، وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قبل المقدس لأنه قبلة أهل الكتاب، فلما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك"، وقال البراء في حديثه هذا: "أنه مات على القبلة قبل أن تحول رجال وقتلوا فلم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله تعالى {وما كان الله ليضيع إيمانكم}".

وكان تحويل القبلة في رجب بعد زوال الشمس قبل قتال بدر بشهرين، قال مجاهد وغيره: "نزلت هذه الآية و رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد بني سلمة وقد صلى بأصحابه ركعتين من صلاة الظهر، فتحول في الصلاة واستقبل الميزاب وحول الرجال مكان النساء، والنساء مكان الرجال، فسمي ذلك المسجد مسجد القبلتين".

وقيل: كان التحويل خارج الصلاة بين الصلاتين، وأهل قباء وصل إليهم الخبر في صلاة الصبح.

أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي أخبرنا أبو علي زاهر بن أحمد الفقيه السرخسي أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي السامري أخبرنا أبو مصعب أحمد بن أبي بكر الزهري عن مالك بن أنس عن عبد الله بن دينار أن عبد الله بن عمر قال: "بينا الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت وقال لهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة".

فلما تحولت القبلة قالت اليهود: يا محمد إلا شيء تبتدعه من تلقاء نفسك فتارة تصلي إلى بيت المقدس وتارة إلى الكعبة ولو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن تكون صاحبنا الذي ننتظره؟

فأنزل الله {وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه} يعني أمر الكعبة.

{الحق من ربهم} ثم هددهم فقال: {وما الله بغافل عما تعملون} قرأ أبو جعفر وابن عامر والكسائي بالتاء.

قال ابن عباس: "يريد أنكم يا معشر المؤمنين تطلبون مرضاتي وما أنا بغافل عن ثوابكم وجزائكم".

وقرأ الباقون بالياء يعني ما أنا بغافل عما يفعل اليهود فأجازيهم في الدنيا والآخرة.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قد» للتحقيق «نرى تقلُّب» تصرف «وجهك في» جهة «السماء» متطلعا إلى الوحي ومتشوقا للأمر باستقبال الكعبة وكان يود ذلك لأنها قبلة إبراهيم ولأنه دعى إلى إسلام العرب «فلنولينك» نحولنك «قبلة ترضاها» تحبها «فولِّ وجهك» استقبل في الصلاة «شطر» نحو «المسجد الحرام» أي الكعبة «وحيثما كنتم» خطاب للأمة «فولُّوا وجوهكم» في الصلاة «شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه» أي التولي إلى الكعبة «الحق» الثابت «من ربهم» لما في كتبهم من نعت النبي من أنه يتحول إليها «وما الله بغافل عما تعملون» بالتاء أيها المؤمنون من امتثال أمره وبالياء أي اليهود من إنكار أمر القبلة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قد نرى تحوُّل وجهك -أيها الرسول- في جهة السماء، مرة بعد مرة؛ انتظارًا لنزول الوحي إليك في شأن القبلة، فلنصرفنك عن "بيت المقدس" إلى قبلة تحبها وترضاها، وهي وجهة المسجد الحرام بـ "مكة"، فولِّ وجهك إليها.

وفي أي مكان كنتم -أيها المسلمون- وأردتم الصلاة فتوجهوا نحو المسجد الحرام.

وإن الذين أعطاهم الله علم الكتاب من اليهود والنصارى لَيعلمون أن تحويلك إلى الكعبة هو الحق الثابت في كتبهم.

وما الله بغافل عما يعمل هؤلاء المعترضون المشككون، وسيجازيهم على ذلك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السمآء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ ) .والمعنى - قد شاهدنا - يا محمد - وعلمنا تردد وجهك ، وتسريح نظرك إلى السماء تطلعا إلى نزول الوحي عليك ، وتوقعاً لما ألقى في روعك من تحويل القبلة إلى الكعبة سعياً منك وراء استمالة العرب إلى الدخول في أحضان الإِسلام ، ومخالفة اليهود الذين كانوا يقولون : إنه يخالفنا في ديننا ويتبع قبلتنا ، وها نحن قد أجبناك إلى ما طلبت وأعطيناك ما سألت ، ووجهناك إلى قبلة تحبها وتميل إليها ( فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام ) .أي : فاصرف وجهك وحوله نحو المسجد الحرام وجهته .ثم عمم القرآن الكريم هذا التشريع على الأمة الإِسلامية جميعها .

فقال تعالى :( وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ ) .أي : وحيثما كنتم وأينما وجدتم في بر أو بحر فولوا وجوهكم تلقاء المسجد الحرام ونحوه .وقد جاءت هذه الجملة موجهة إلى الأمة قاطبة لدفع توهم أن يكون الخطاب في الأول خاصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم ولأنه لما كان تحويل القبلة أمرا له خطره ، خصهم بخطاب مفرد ليكون ذلك آكد وأبلغ .فالآية الكريمة فيها أمر لكل مسلم أن يجعل الكعبة قبلة له ، فيتوجه بصدره إلى ناحيتها وجهتها حال تأديته الصلاة لربه ، سواء أكان المصلي بالمدينة أم بمكة أو بغيرهما .وفي ذكر المسجد الحرام دون الكعبة ، ما يؤذن بكفالة مراعاة جهتها ولذلك لم يقع خلاف بين العلماء في أن الكعبة قبلة كل أفق .

وأن من عاينها فرض عليه استقبالها ومن غاب عنها فعليه أن يستقبل جهتها .

فإن خفيت عليه تحرى جهتها ما استطاع .وقد سقنا في مطلع هذا البحث بعض الأحاديث الصحيحة التي صرحت بأن الصحابة عندما بلغهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بالتحويل إلى الكعبة استداروا إليها وهم في صلاتهم فجعلوهها قبلتهم .ومما يشهد بقوة إيمانهم وعظيم امتثالهم لشرع الله ما جاء عن نويلة بنت مسلم أنها قالت ." وصلينا الظهر - أو العصر ط في مسجد بني حارثة ، فاستقبلنا مسجد إيلياء - أي بيت المقدس - فصلينا ركعتين ، ثم جاء من يحدثنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استقبل البيت الحرام فتحول النساء مكان الرجال .

والرجال مكان النساء .

فصلينا السجدتين الباقيتين ونحن مستقبلون البيت الحرام .

فحدثني رجل من بني حارثة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أولئك رجال يؤمنون بالغيب " .ثم بينت الآية الكريمة أن أهل الكتاب يعلمون أن التحويل إلى الكعبة هو الحق الذي لا ريب فيه فقال تعالى : ( وَإِنَّ الذين أُوتُواْ الكتاب لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق مِن رَّبِّهِمْ وَمَا الله بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ) .أي : وإن اليهود الذين أنكروا استقبالكم الكعبة ، وانصرافكم عن بيت المقدس ، ليعلمون أن استقبالكم الكعبة حق؛ لأن الذي أخبر به قد قامت الآيات البينات عندهم على أنه رسول من عند الله ، أو أنه يصلي إلى القبلتين ، وما وقفوا من تحويل القبلة هذا الموقف إلا لعنادهم ، وما الله بغافل عن أعمالهم بل هو محيط بها وسيحاسبهم عليها يوم القيامة حساباً عسرياً " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن قوله: ﴿ قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السماء ﴾ فيه قولان: القول الأول: وهو المشهور الذي عليه أكثر المفسرين أن ذلك كان لانتظار تحويله من بيت المقدس إلى الكعبة، والقائلون بهذا القول ذكروا وجوهاً: أحدها: أنه كان يكره التوجه إلى بيت المقدس، ويحب التوجه إلى الكعبة، إلا أنه ما كان يتكلم بذلك فكان يقلب وجهه في السماء لهذا المعنى، روى عن ابن عباس أنه قال: يا جبريل وددت أن الله تعالى صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها فقد كرهتها فقال له جبريل: أنا عبد مثلك فاسأل ربك ذلك فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يديم النظر إلى السماء رجاء مجيء جبريل بما سأل فأنزل الله تعالى هذه الآية، وهؤلاء ذكروا في سبب هذه المحنة أموراً.

الأول: أن اليهود كانوا يقولون: إنه يخالفنا ثم إنه يتبع قبلتنا ولولا نحن لم يدر أين يستقبل، فعند ذلك كره أن يتوجه إلى قبلتهم.

الثاني: أن الكعبة كانت قبلة إبراهيم.

الثالث: أنه عليه السلام كان يقدر أن يصير ذلك سبباً لاستمالة العرب ولدخولهم في الإسلام.

الرابع: أنه عليه السلام أحب أن يحصل هذا الشرف للمسجد الذي في بلدته ومنشئه لا في مسجد آخر، واعترض القاضي على هذا الوجه وقال: أنه لا يليق به عليه السلام أن يكره قبلة أمر أن يصلي إليها، وأن يحب أن يحوله ربه عنها إلى قبلة يهواها بطبعه، ويميل إليها بحسب شهوته لأنه عليه السلام علم وعلم أن الصلاح في خلاف الطبع والميل: واعلم أن هذا التأويل قليل التحصيل، لأن المستنكر من الرسول أن يعرض عما أمره الله تعالى به، ويشتغل بما يدعوه طبعه إليه، فأما أن يميل قلبه إلى شيء فيتمنى في قلبه أن يأذن الله له فيه، فذلك مما لا إنكار عليه، لا سيما إذا لم ينطق به، أي بعد في أن يميل طبع الرسول إلى شيء فيتمنى في قلبه أن يأذن الله له فيه، وهذا مما لا استبعاد فيه بوجه من الوجوه.

الوجه الثاني: أنه عليه السلام قد استأذن جبريل عليه السلام في أن يدعو الله تعالى بذلك فأخبره جبريل بأن الله قد أذن له في هذا الدعاء، وذلك لأن الأنبياء لا يسألون الله تعالى شيئاً إلا بإذن منه لئلا يسألوا ما لا صلاح فيه فلا يجابوا إليه فيفضي ذلك إلى تحقير شأنهم، فلما أذن الله تعالى له في الإجابة علم أنه يستجاب إليه فكان يقلب وجهه في السماء ينتظر مجيء جبريل عليه السلام بالوحي في الإجابة.

الوجه الثالث: قال الحسن: إن جبريل عليه السلام أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره أن الله تعالى سيحول القبلة عن بيت المقدس إلى قبلة أخرى، ولم يبين له إلى أي موضع يحولها، ولم تكن قبلة أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكعبة فكان رسول الله يقلب وجهه في السماء ينتظر الوحي، لأنه عليه السلام علم أن الله تعالى لا يتركه بغير صلاة، فأتاه جبريل عليه السلام فأمره أن يصل نحو الكعبة والقائلون بهذا الوجه اختلفوا فمنهم من قال: إنه عليه السلام منع من استقبال بيت المقدس ولم يعين له القبلة، فكان يخاف أن يرد وقت الصلاة ولم تظهر القبلة فتتأخر صلاته فلذلك كان يقلب وجهه عن الأصم، وقال آخرون: بل وعد بذلك وقبلة بيت المقدس باقية بحيث تجوز الصلاة إليها، لكن لأجل الوعد كان يتوقع ذلك، ولأنه كان يرجو عند التحويل عن بيت المقدس إلى الكعبة وجوهاً كثيرة من المصالح الدينية، نحو: رغبة العرب في الإسلام، والمباينة عن اليهود، وتمييز الموافق من المنافق، فلهذا كان يقلب وجهه، وهذا الوجه أولى، وإلا لما كانت القبلة الثانية ناسخة للأولى، بل كانت مبتدأة، والمفسرون أجمعوا على أنها ناسخة للأولى، ولأنه لا يجوز أن يؤمر بالصلاة إلا مع بيان موضع التوجه.

الرابع: أن تقلب وجهه في السماء هو الدعاء.

القول الثاني: وهو قول أبي مسلم الأصفهاني، قالوا: لولا الأخبار التي دلت على هذا القول وإلا فلفظ الآية يحتمل وجهاً آخر، وهو أنه يحتمل أنه عليه السلام إنما كان يقلب وجهه في أول مقدمه المدينة، فقد روي أنه عليه السلام كان إذا صلى بمكة جعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس، وهذه صلاة إلى الكعبة فلما هاجر لم يعلم أين يتوجه فانتظر أمر الله تعالى حتى نزل قوله: ﴿ فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام ﴾ .

المسألة الثانية: اختلفوا في صلاته إلى بيت المقدس، فقال قوم: كان بمكة يصلي إلى الكعبة فلما صار إلى المدينة أمر بالتوجه إلى بيت المقدس سبعة عشر شهراً، وقال قوم: بل كان بمكة يصلي إلى بيت المقدس، إلا أنه يجعل الكعبة بينه وبينها: وقال قوم: بل كان يصلي إلى بيت المقدس فقط وبالمدينة أولاً سبعة عشر شهراً، ثم أمره الله تعالى بالتوجه إلى الكعبة لما فيه من الصلاح.

المسألة الثالثة: اختلفوا في توجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس هل كان فرضاً لا يجوز غيره، أو كان النبي صلى الله عليه وسلم مخيراً في توجهه إليه وإلى غيره، فقال الربيع بن أنس: قد كان مخيراً في ذلك وقال ابن عباس: كان التوجه إليه فرضاً محققاً بلا تخيير.

واعلم أنه على أي الوجهين كان قد صار منسوخاً، واحتج الذاهبون إلى القول الأول بالقرآن والخبر، أما القرآن فقوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ المشرق والمغرب فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله  ﴾ وذلك يقتضي كونه مخيراً في التوجه إلى أي جهة شاء، وأما الخبر فما روى أبو بكر الرازي في كتاب أحكام القرآن: أن نفراً قصدوا الرسول عليه الصلاة والسلام من المدينة إلى مكة للبيعة قبل الهجرة، وكان فيهم البراء بن معرور، فتوجه بصلاته إلى الكعبة في طريقه، وأبى الآخرون وقالوا: إنه عليه السلام يتوجه إلى بيت المقدس، فلما قدموا مكة سألوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: قد كنت على قبلة يعني بيت المقدس لو ثبت عليها أجزأك ولم يأمره باستئناف الصلاة فدل على أنهم قد كانوا مخيرين، واحتج الذاهبون إلى القول الثاني بأنه تعالى قال: ﴿ فَلَنُوَلّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ﴾ فدل على أنه عليه السلام ما كان يرتضي القبلة الأولى، فلو كان مخيراً بينها وبين الكعبة ما كان يتوجه إليها فحيث توجه إليها مع أنه كان ما يرتضيها علمنا أنه ما كان مخيراً بينها وبين الكعبة.

المسألة الرابعة: المشهور أن التوجه إلى بيت المقدس إنما صار منسوخاً بالأمر بالتوجه إلى الكعبة، ومن الناس من قال: التوجه إلى بيت المقدس صار منسوخاً بقوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ المشرق والمغرب فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله ﴾ ثم إن ذلك صار منسوخاً بقوله: ﴿ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام ﴾ واحتجوا عليه بالقرآن والأثر، أما القرآن فهو أنه تعالى ذكر أولاً قوله: ﴿ وَلِلَّهِ المشرق والمغرب فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله ﴾ ثم ذكر بعد: ﴿ سَيَقُولُ السفهاء مِنَ الناس مَا ولاهم عَن قِبْلَتِهِمُ التى كَانُواْ عَلَيْهَا  ﴾ ثم ذكر بعده: ﴿ فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام ﴾ وهذا الترتيب يقتضي صحة المذهب الذي قلناه بأن التوجه إلى بيت المقدس صار منسوخاً بقوله: ﴿ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام ﴾ فلزم أن يكون قوله تعالى: ﴿ سَيَقُولُ السفهاء مِنَ الناس ﴾ متأخراً في النزول والدرجة عن قوله تعالى: ﴿ فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام ﴾ فحينئذ يكون تقديمه عليه في الترتيب على خلاف الأصل، فثبت ما قلناه، وأما الأثر فما روي عن ابن عباس أمر القبلة أول ما نسخ من القرآن، والأمر بالتوجه إلى بيت المقدس غير مذكور في القرآن، إنما المذكور في القرآن: ﴿ وَلِلَّهِ المشرق والمغرب فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله ﴾ فوجب أن يكون قوله: ﴿ فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام ﴾ ناسخاً لذلك، لا للأمر بالتوجه إلى بيت المقدس.

أما قوله: ﴿ فَلَنُوَلّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: ﴿ فَلَنُوَلّيَنَّكَ ﴾ فلنعطينك ولنمكننك من استقبالها من قولك وليته كذا، إذا جعلته والياً له، أو فلنجعلنك تلي سمتها دون سميت بيت المقدس.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ تَرْضَاهَا ﴾ فيه وجوه: أحدها: ترضاها تحبها وتميل إليها، لأن الكعبة كانت أحب إليه من غيرها بحسب ميل الطبع، قال القاضي: هذا لا يجوز فإنه من المحال أن يقول الله تعالى: فلنولينك قبلة يميل طبعك إليها، لأن ذلك يقدح في حكمته تعالى فيما يكلف، ويقدح في حال النبي عليه الصلاة والسلام فيما يريده في حال التكليف، وهذا الاعتراض ضعيف لأن الطعن إنما يتوجه لو قال الله تعالى: أنا حولناك إلى القبلة التي مال طبعك إليها بمجرد ميل طبعك فأما لو قال: أنا حولناك إلى القبلة التي مال طبعك إليها لأجل أن الحكمة والمصلحة وافقت ميل طبعك فأي ضرر يلزم منه وقال عليه الصلاة والسلام: «وجعلت قرة عيني في الصلاة» فكان طبعه يميل إلى الصلاة مع أن المصلحة كانت موافقة لذلك.

وثانيها: ﴿ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ﴾ أي تحبها بسبب اشتمالها على المصالح الدينية.

وثالثها: قال الأصم: أي كل جهة وجهك الله إليها فهي لك رضا لا يجوز أن تسخط، كما فعل من انقلب على عقيبه من العرب الذين كانوا قد أسلموا، فلما تحولت القبلة ارتدوا.

ورابعها: ﴿ تَرْضَاهَا ﴾ أي ترضى عاقبتها لأنك تعرف بها من يتبعك للإسلام، فمن يتبعك لغير ذلك من دنيا يصيبها أو مال يكتسبه.

أما قوله تعالى: ﴿ فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: المراد من الوجه هاهنا جملة بدن الإنسان لأن الواجب على الإنسان أن يستقبل القبلة بجملته لا بوجهه فقط والوجه يذكر ويراد به نفس الشيء لأن الوجه أشرف الأعضاء ولأن بالوجه تميز بعض الناس عن بعض، فلهذا السبب قد يعبر عن كل الذات بالوجه.

المسألة الثانية: قال أهل اللغة: الشطر اسم مشترك يقع على معنيين.

أحدهما: النصف يقال: شطرت الشيء أي جعلته نصفين، ويقال في المثل أجلب جلباً لك شطره أي نصفه.

والثاني: نحوه وتلقاءه وجهته، واستشهد الشافعي رضي الله عنه في كتاب الرسالة على هذا بأبيات أربعة: قال خقاف بن ندبة: ألا من مبلغ عمراً رسولا *** وما تغني الرسالة شطر عمرو وقال ساعدة بن جؤبة: أقول لأم زنباع: أقيمي *** صدور العيس شطر بني تميم وقال لقيط الأيادي: وقد أظلكم من شطر شعركم *** هول له ظلم يغشاكم قطعا وقال آخر: إن العسير بها داء مخامرها *** فشطرها بصر العينين مسحور قال الشافعي رضي الله عنه: يريد تلقاءها بصر العينين مسحور، إذا عرفت هذا فنقول: في الآية قولان: الأول: وهو قول جمهور المفسرين من الصحابة والتابعين والمتأخرين، واختيار الشافعي رضي الله عنه في كتاب الرسالة: أن المراد جهة المسجد الحرام وتلقاءه وجانبه، قرأ أبي بن كعب تلقاء المسجد الحرام.

القول الثاني: وهو قول الجبائي واختيار القاضي أن المراد من الشطر هاهنا: وسط المسجد ومنتصفه لأن الشطر هو النصف، والكعبة واقعة من المسجد في النصف من جميع الجوانب، فلما كان الواجب هو التوجه إلى الكعبة، وكانت الكعبة واقعة في نصف المسجد حسن منه تعالى أن يقول: ﴿ فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام ﴾ يعني النصف من كل جهة، وكأنه عبارة عن بقعة الكعبة، قال القاضي: ويدل على أن المراد ما ذكرنا وجهان.

الأول: أن المصلي خارج المسجد لو وقف بحيث يكون متوجهاً إلى المسجد، ولكن لا يكون متوجهاً إلى منتصف المسجد الذي هو موضع الكعبة لا تصح صلاته.

الثاني: أنا لو فسرنا الشطر بالجانب لم يبق لذكر الشطر مزيد فائدة لأنك إذا قلت فول وجهك شطر المسجد الحرام فقد حصلت الفائدة المطلوبة، أما لو فسرنا الشطر بما ذكرناه كان لذكره فائدة زائدة، فإنه لو قيل: فول وجهك المسجد الحرام لا يفهم منه وجوب التوجه إلى منتصفه الذي هو موضع الكعبة، فلما قيل: ﴿ فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام ﴾ حصلت هذه الفائدة الزائدة، فكان حمل هذا اللفظ على هذا المحمل أولى فإن قيل: لو حملنا الشطر على الجانب يبقى لذكر الشطر فائدة زائدة، وهي أنه لو قال: فول وجهك المسجد الحرام، لزم تكليف ما لا يطاق، لأن من في أقصى المشرق أو المغرب لا يمكنه أن يولي وجهه المسجد، أما إذا قال: فول وجهك شطر المسجد الحرام، أي جانب المسجد، دخل فيه الحاضرون والغائبون قلنا: هذه الفائدة مستفادة من قوله: ﴿ وحيثمَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾ فلا يبقى لقوله: شطر المسجد الحرام زيادة فائدة هذا تقرير هذا الوجه وفيه إشكال لأنه يصير التقدير فول وجهك نصف المسجد وهذا بعيد لأن هذا التكليف لا تعلق له بالنصف، وفرق بين النصف وبين الموضع الذي عليه يقبل التنصيف والكلام إنما يستقيم لو حمل على الثاني، إلا أن اللفظ لا يدل عليه، وقد اختلفوا في أن المراد من المسجد الحرام أي شيء هو؟

فحكي في كتاب شرح السنة عن ابن عباس أنه قال: البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم والحرم قبلة لأهل المشرق والمغرب وهذا قول مالك.

وقال آخرون: القبلة هي الكعبة والدليل عليه ما أخرج في الصحيحين عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس، قال: أخبرني أسامة بن زيد، قال لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم البيت دعا في نواحيه كلها ولم يصل حتى خرج منه، فلما خرج صلى ركعتين في قبل الكعبة وقال: هذه القبلة، قال القفال: وقد وردت الأخبار الكثيرة في صرف القبلة إلى الكعبة، وفي خبر البراء بن عازب: ثم صرف إلى الكعبة وكان يحب أن يتوجه إلى الكعبة وفي خبر ابن عمر في صلاة أهل قباء: فأتاهم آت فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حول إلى الكعبة وفي رواية ثمامة بن عبد الله بن أنس: جاء منادي رسول الله فنادى: أن القبلة حولت إلى الكعبة وهكذا عامة الروايات وقال آخرون: بل المراد المسجد الحرام كله، قالوا: لأن الكلام يجب إجراؤه على ظاهر لفظه إلا إذا منع منه مانع، وقال آخرون: المراد من المسجد الحرام الحرم كله والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مّنَ المسجد الحرام  ﴾ وهو عليه الصلاة والسلام إنما أسري به خارج المسجد، فدل هذا على أن الحرم كله مسمى بالمسجد الحرام.

المسألة الثالثة: قال صاحب التهذيب: الجماعة إذا صلوا في المسجد الحرام يستحب أن يقف الإمام خلف المقام والقوم يقفون مستديرين بالبيت، فإن كان بعضهم أقرب إلى البيت من الإمام جاز، فلو امتد الصف في المسجد فإنه لا تصح صلاة من خرج عن محاذاة الكعبة، وعند أبي حنيفة تصح، لأن عنده الجهة كافية وهذا اختيار الشيخ الغزالي رحمه الله في كتاب الإحياء، حجة الشافعي رضي الله عنه: القرآن والخبر والقياس، أما القرآن فهو ظاهر هذه الآية وذلك لأنا دللنا على أن المراد من شطر المسجد الحرام جانبه وجانب الشيء هو الذي يكون محاذياً له وواقعاً في سمته والدليل عليه أنه إنما يقال: إن زيداً ولى وجهه إلى جانب عمرو ولو قابل بوجهه وجهه وجعله محاذياً له، حتى أنه لو كان وجه كل واحد منهما إلى جانب المشرق، إلا أنه لا يكون وجه أحدهما محاذياً لوجه الآخر، لا يقال: إنه ولى وجهه إلى جانب عمرو فثبت دلالة الآية على أن استقبال عين الكعبة واجب.

وأما الخبر فما روينا أنه عليه الصلاة والسلام لما خرج من الكعبة ركع ركعتين في قبلة الكعبة وقال: هذه القبلة وهذه الكلمة تفيد الحصر فثبت أنه لا قبلة إلا عين الكعبة وكذلك سائر الأخبار التي رويناها في أن القبلة هي الكعبة، وأما القياس فهو أن مبالغة الرسول صلى الله عليه وسلم في تعظيم الكعبة أمر بلغ مبلغ التواتر والصلاة من أعظم شعائر الدين وتوقيف صحتها على استقبال عين الكعبة بما يوجب حصول مزيد شرف الكعبة فوجب أن يكون مشروعاً ولأن كون الكعبة قبلة أمر معلوم، وكون غيرها قبلة أمر مشكوك، والأولى رعاية الاحتياط في الصلاة فوجب توقيف صحة الصلاة على استقبال الكعبة، واحتج أبو حنيفة بأمور.

الأول: ظاهر هذه الآية وذلك لأنه تعالى أوجب على المكلف أن يولي وجهه إلى جانبه فمن ولى وجهه إلى الجانب الذي حصلت الكعبة فيه فقد أتى بما أمر به سواء كان مستقبلاً للكعبة أم لا فوجب أن يخرج عن العهدة، وأما الخبر فما روى أبو هريرة رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال: ما بين المشرق والمغرب قبلة قال أصحاب الشافعي رحمه الله تعالى: ليس المراد من هذا الحديث أن كل ما يصدق عليه أنه بين مشرق ومغرب فهو قبلة: لأن جانب القطب الشمالي يصدق عليه ذلك وهو بالاتفاق ليس بقبلة بل المراد أن الشيء الذي هو بين مشرق معين ومغرب معين قبلة ونحن نحمل ذلك على الذي يكون بين المشرق الشتوي وبين المغرب الصيفي فإن ذلك قبلة وذلك لأن المشرق الشتوي جنوبي متباعد عن خط الاستواء بمقدار الميل والمغرب الصيفي شمالي متباعد عن خط الاستواء بمقدار الميل والذي بينهما هو سمت مكة قالوا: فهذا الحديث بأن يدل على مذهبنا أولى منه بالدلالة على مذهبكم أما فعل الصحابة فمن وجهين: الأول: أن أهل مسجد قباء كانوا في صلاة الصبح بالمدينة مستقبلين لبيت المقدس، مستدبرين للكعبة، لأن المدينة بينهما فقيل لهم: ألا إن القبلة قد حولت إلى الكعبة، فاستداروا في أثناء الصلاة من غير طلب دلالة، ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم عليهم، وسمي مسجدهم بذي القبلتين، ومقابلة العين من المدينة إلى مكة لا تعرف إلا بأدلة هندسية يطول النظر فيها فكيف أدركوها على البديهة في أثناء الصلاة وفي ظلمة الليل.

الثاني: أن الناس من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بنوا المساجد في جميع بلاد الإسلام، ولم يحضروا قط مهندساً عند تسوية المحراب، ومقابلة العين لا تدرك إلا بدقيق نظر الهندسة.

وأما القياس فمن وجوه: الأول: لو كان استقبال عين الكعبة واجباً إما علماً أو ظناً، وجب أن لا تصح صلاة أحد قط، لأنه إذا كان محاذاة الكعبة مقدار نيف وعشرين ذراعاً فمن المعلوم أن أهل المشرق والمغرب يستحيل أن يقفوا في محاذاة هذا المقدار، بل المعلوم أن الذي يقع منهم في محاذاة هذا القدر القليل قليل بالنسبة إلى كثير، ومعلوم أن العبرة في أحكام الشرع بالغالب، والنادر ملحق به، فوجب أن لا تصح صلاة أحد منهم لا سيما وذلك الذي وقع في محاذاة الكعبة لا يمكنه أن يعرف أنه وقع في محاذاتها، وحيث اجتمعت الأمة على صحة صلاة الكل علمنا أن المحاذاة غير معتبرة فإن قيل: الدائرة وإن كانت عظيمة إلا أن جميع النقط المفروضة عليها تكون محاذية لمركز الدائرة فالصفوف الواقعة في العالم بأسرها كأنها دائرة بالكعبة، والكعبة كأنها نقطة لتلك الدائرة إلا أن الدائرة إذا صغرت صغر التقوس والانحناء في جميعها، وإن اتسعت وعظمت لم يظهر التقوس والانحناء في كل واحد من قسميها، بل نرى كل قطعة منها شبيهاً بالخط المستقيم، فلا جرم صحت الجماعة بصف طويل في المشرق والمغرب يزيد طولها على أضعاف البيت، والكل يسمون متوجهين إلى عين الكعبة، قلنا: هب أن الأمر على ما ذكرتموه ولكن القطعة من الدائرة العظيمة وإن كانت شبيهة بالخط المستقيم في الحس، إلا أنها لابد وأن تكون منحنية في نفسها، لأنها لو كانت في نفسها مستقيمة، وكذا القول في جميع قطع تلك الدائرة، فحينئذ تكون الدائرة مركبة من خطوط مستقيمة يتصل بعضها ببعض، فيلزم أن تكون الدائرة إما مضلعة أو خطأ مستقيماً وكل ذلك محال، فعلمنا أن كل قطعة من الدائرة الكبيرة فهي في نفسها منحنية، فالصفوف المتصلة في أطراف العالم إنما يكون كل واحد منهم مستقبلاً لعين الكعبة لو لم تكن تلك الصفوف واقعة على الخط المستقيم، بل إذا حصل فيها ذلك الانحناء القليل إلا أن ذلك الانحناء القليل الذي لا يفي بإدراكه الحس البتة، لا يمكن أن يكون في محل التكليف، وإذا كان كذلك كان كل واحد من هؤلاء الصفوف جاهلاً بأنه هل هو مستقبل لعين الكعبة أم لا فلو كان استقبال عين الكعبة شرطاً لكان حصول هذا الشرط مجهولاً للكل، والشك في حصول الشرط يقتضي الشك في حصول المشروط، فوجب أن يبقى كل واحد من أهل هذه الصفوف شاكاً في صحة صلاته، وذلك يقتضي أن لا يخرج عن العهدة البتة، وحيث اجتمعت الأمة على أنه ليس كذلك علمنا أن استقبال العين ليس بشرط لا علماً ولا ظناً، وهذا كلام بين.

الثاني: أنه لو كان استقبال عين الكعبة واجباً ولا سبيل إليه إلا بالدلالة الهندسية، وما لا يتأدى الواجب إلا به فهو واجب، فكان يلزم أن يكون تعلم الدلالة الهندسية واجباً على كل أحد، ولما لم يكن كذلك علمنا أن استقبال عين الكعبة غير واجب فإن قيل: عندنا استقبال عين الجهة واجب ظناً لا يقيناً، والمفتقر إلى الدلائل الهندسية هو الاستقبال يقيناً لا ظناً، قلنا: لو كان استقبال عين الكعبة واجباً لكان القادر على تحصيل اليقين لا يجوز له الاكتفاء بالظن، والرجل قادر على تحصيل ذلك بواسطة تعلم الدلائل الهندسية فكان يجب عليه تعلم تلك الدلائل، ولما لم يجب ذلك علمنا أن استقبال عين الكعبة واجب.

الثالث: لو كان استقبال العين واجباً إما علماً أو ظناً، ومعلوم أنه لا سبيل إلى ذلك الظن إلا بنوع من أنواع الأمارات، وما لا يتأدى الواجب إلا به فهو واجب، فكان يلزم أن يكون تعلم تلك الامارات فرض عين على كل واحد من المكلفين، ولما لم يكن كذلك علمنا أن استقبال العين غير واجب.

المسألة الرابعة: في دلائل القبلة: اعلم أن الدلائل إما أرضية وهي الاستدلال بالجبال، والقرى، والأنهار، أو هوائية وهي الاستدلال بالرياح، أو سماوية وهي النجوم.

أما الأرضية والهوائية غير مضبوطة ضبطاً كلياً، فرب طريق فيه جبل مرتفع لا يعلم أنه على يمين المستقبل أو شماله أو قدامه أو خلفه، فكذلك الرياح قد تدل في بعض البلاد ولسنا نقدر على استقصاء ذلك، إذ كل بلد بحكم آخر في ذلك.

أما السماوية فأدلتها منها تقريبية ومنها تحقيقية، أما التقريبية فقد قالوا: هذه الأدلة إما أن تكون نهارية أو ليلية، أما النهارية فالشمس فلابد وأن يراعى قبل الخروج من البلد أن الشمس عند الزوال أهي بين الحاجبين، أم هي على العين اليمنى أم اليسرى، أو تميل إلى الجبين ميلاً أكثر من ذلك، فإن الشمس لا تعدو في البلاد الشمالية هذه المواقع، وكذلك يراعى موقع الشمس وقت العصر، وأما وقت المغرب فإنما يعرف ذلك بموضع الغروب، وهو أن يعرف بأن الشمس تغرب عن يمين المستقبل، أو هي مائلة إلى وجهه أو قفاه، وكذلك يعرف وقت العشاء الآخرة بموضع الشفق، ويعرف وقت الصبح بمشرق الشمس، فكان الشمس تدل على القبلة في الصلوات الخمس، ولكن يختلف حكم ذلك بالشتاء والصيف، فإن المشارق والمغارب كثيرة، وكذلك يختلف الحكم في هذا الباب بحسب اختلاف البلاد، وأما الليلية فهو أن يستدل على القبلة بالكوكب الذي يقال له الجدي، فإنه كوكب كالثابت لا تظهر حركته من موضعه، وذلك إما أن يكون على قفا المستقبل أو منكبه الأيمن من ظهره، أو منكبه الأيسر في البلاد الشمالية من مكة، وفي البلاد الجنوبية منها، كاليمن وما وراءها يقع في مقابلة المستقبل فليعلم ذلك وما عرفه ببلده فليعول عليه في الطريق كله، إلا إذا طال السفر فإن المسافة إذا بعدت اختلف موقع الشمس، وموقع القطر، وموقع المشارق والمغارب إلى أن ينتهي في أثناء سفره إلى بلد، فينبغي أن يسأل أهل البصيرة أو يراقب هذه الكواكب وهو مستقبل محراب جامع البلد حتى يتضح له ذلك فمهما تعلم هذه الأدلة فله أن يعول عليها.

وأما الطريقة اليقينية وهي الوجوه المذكورة في كتب الهيئة قالوا: سمت القبلة نقطة التقاطع بين دائرة الأفق، وبين دائرة عظيمة تمر بسمت رؤسنا ورؤوس أهل مكة، وانحراف القبلة قوس من دائرة الأفق ما بين سمت القبلة دائرة نصف النهار في بلدنا، وما بين سمت القبلة ومغرب الاعتدال تمام الانحراف قالوا: ويحتاج في معرفة سمت القبلة إلى معرفة طول مكة وعرضها، فإن كان طول البلد مساوياً لطول مكة وعرضها مخالف لعرض مكة، كان سمت قبلتها على خط نصف النهار فإن كان البلد شمالياً فإلى الجنوب وإن كان جنوبياً فإلى الشمالي، وأما إذا كان عرض البلد مساوياً لعرض مكة وطوله مخالفاً لطولها فقد يظن أن سمت قبلة ذلك البلد على خط الاعتدال وهو ظن خطأ وقد يمكن أيضاً في البلاد التي أطوالها وعروضها مخالفة لطول مكة وعرضها، أن يكون سمت قبلتها مطلع الاعتدال ومعربه وإذا كان كذلك فلابد من استخراج قدر الانحراف ولذلك طرق أسهلها أن يعرف الجزء الذي يسامت رؤس أهل مكة من فلك البروج وهو (زيح) من الجوزاء (وكج ح) من السرطان فيضع ذلك الجزء على خط وسط السماء في الاسطرلاب المعمول لعرض البلد، ويعلم على المرئي علامة، ثم يدير العنكبوت إلى ناحية المغرب إن كان البلد شرقياً عن مكة كما في بلاد خراسان والعراق بقدر ما بين الطولين من أجزاء الخجرة ثم ينظر أين وقع ذلك الجزء من مقنطرات الارتفاع فما كان فهو الارتفاع الذي عنده يسامت ذلك الجزء رؤوس أهل مكة، ثم يرصد مسامتة الشمس ذلك الجزء فإذا انتهى ارتفاع الشمس إلى ذلك الارتفاع فقد سامتت الشمس رؤس أهل مكة فينصب مقياساً ويخط على ظل المقياس خطاً من مركز العمود إلى طرف الظل فذلك الخط خط الظل فيبني عليه المحراب فهذا هو الكلام في دلائل القبلة.

المسألة الخامسة: معرفة دلائل القبلة فرض على العين أم فرض على الكفاية ففيه وجهان أصحهما فرض على العين، لأن كل مكلف فهو مأمور بالاستقبال ولا يمكنه الاستقبال إلا بواسطة معرفة دلائل القبلة، وما لا يتأدى الواجب إلا به فهو واجب.

المسألة السادسة: اعلم أن قوله تعالى: ﴿ حيثمَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾ عام في الأشخاص والأحوال، إلا أنا أجمعنا على أن الاستقبال خارج الصلاة غير واجب، بل أنه طاعة لقوله عليه السلام: «خير المجالس ما استقبل به القبلة» فبقي أن وجوب الاستقبال من خواص الصلاة، ثم نقول: الرجل إما أن يكون معايناً للقبلة أو غائباً عنها، أما المعاين فقد أجمعوا على أنه يجب عليه الاستقبال، وأما الغائب فإما أن يكون قادر على تحصيل اليقين أو لا يقدر عليه، لكنه يقدر على تحصيل الظن أو لا يقدر على تحصيل اليقين ولا على تحصيل الظن فهذه أقسام ثلاثة: القسم الأول: القادر على تحصيل العلم وفيه بحثان: البحث الأول: قد عرفت أن الغائب عن القبلة لا سبيل له إلى تحصيل اليقين بجهة القبلة إلا بالدلائل الهندسية، وما لا سبيل إلى أداء الواجب إلا به فهو واجب، فيلزم من هذا أن يكون تعلم الدلائل الهندسية فرض عين على كل أحد إلا أن الفقهاء قالوا: إن تعلمها غير واجب بل ربما قالوا: إن تعلمها مكروه أو محرم ولا أدري ما عذرهم في هذا؟

البحث الثاني: المصلي إذا كان بأرض مكة وبينه وبين الكعبة حائل واشتبه عليه فهل له أن يجتهد؟

قال صاحب التهذيب نظر إن كان الحائل أصلياً كالجبال فله الاجتهاد، وإن لم يكن أصلياً كالأبنية فعلى وجهين.

أحدهما: له الاجتهاد لأن بينه وبينها حائلاً يمنع المشاهدة كما في الحائل الأصلي.

والثاني: ليس له الاجتهاد لأن فرضه الرجوع إلى اليقين، وهو قادر على تحصيل اليقين فوجب أن لا يكتفي فيه بالظن، وهذا الوجه هو اللائق بمساق الآية، لأنها لما دلت على وجوب التوجه إلى الكعبة والمكلف إذا كان قادراً على تحصيل العلم لا يجوز له الاكتفاء بالظن، فوجب عليه طلب اليقين.

القسم الثاني: القادر على تحصيل الظن دون اليقين.

واعلم أن لتحصيل هذا الظن طرقاً: الطريق الأول: الاجتهاد وظاهر قول الشافعي رضي الله عنه يقتضي أن الاجتهاد يقدم على الرجوع إلى قول الغير وهو الحق، والذي يدل عليه وجوه: أحدها: قوله تعالى: ﴿ فاعتبروا ياأولى الأبصار  ﴾ أمر بالاعتبار، والرجل قادر على الاعتبار في هذه الصورة، فوجب أن يتناوله الأمر.

وثانيها: أن ذلك الغير إنما وصل إلى جهة القبلة بالاجتهاد، لأنه لو عرف القبلة بالتقليد أيضاً لزم إما التسلسل أو الدور وهما باطلان، فلابد من الانتهاء آخر الأمر إلى الاجتهاد فيرجع حاصل الكلام إلى أن الاجتهاد أولى أم تقليد صاحب الاجتهاد؟

ولا شك أن الأول أولى لأنه إذا أتى بالاجتهاد فلا يتطرق إليه احتمال الخطأ من جهة واحدة، فإذا قلد صاحب الاجتهاد فقد تطرق إلى عمله احتمال الخطأ من وجهين، ولا شك أنه متى وقع التعارض بين طريقين فأقلهما خطأ أولى بالرعاية.

وثالثها: قوله عليه السلام: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» فهاهنا أمر بالاستقبال وهو قادر على الاجتهاد في الطلب فوجب أن يجب عليه ذلك.

فإن قيل: أليس أن صاحب التهذيب ذكر أنه إذا كان في قرية كبيرة فيها محاريب منصوبة إلى جهة واحدة أو وجد محراباً أو علامة للقبلة في طريق هي جادة للمسلمين يجب عليه أن يتوجه إليها ولا يجوز له الاجتهاد في الجهة، قال: لأن هذه العلامات كاليقين، أما في الانحراف يمنة أو يسرة فيجوز أن يجتهد مع هذه العلامات وكان عبد الله بن المبارك يقول بعد رجوعه من الحج: تياسروا يا أهل مرو وكذلك لو أخبره مسلم بأن قال، رأيت غالب المسلمين أو جماعة المسلمين اتفقوا على هذه الجهة فعليه قبوله وليس هذا بتقليد، بل هو قبول الخبر من أهله كما في الوقت، وهو ما إذا أخبره عدل: إني رأيت الفجر قد طلع أو الشمس قد زالت يجب قبول قوله، هذا كله لفظ صاحب التهذيب، واعلم أن هذا الكلام مشكل من وجوه: أحدها: أنه لا معنى للتقليد إلا قبول قول الغير من غير حجة ولا شبهة، فإذا قبلنا قول الغير أو فعله في تعيين القبلة من غير حجة ولا شبهة كان هذا تقليداً، ونحن قد ذكرنا الدليل على أن القادر على الاجتهاد لابد وأن يكون مأموراً بالاجتهاد.

وثانيها: أنه جوز المخالفة في اليمين واليسار بناء على الاجتهاد فنقول: هو قادر على تحصيل الظن بناء على الاجتهاد الذي يتولاه بنفسه، فوجب أن تجوز له المخالفة كما في اليمين واليسار.

وثالثها: إما أن يكون ممنوعاً من الاجتهاد، أو من العمل بمقتضى الاجتهاد، والأول باطل، لأن معاذاً لما قال: اجتهد برأي مدحه الرسول عليه السلام على ذلك، فدل على أن الاجتهاد غير ممنوع عنه، والثاني أيضاً باطل لأنه لما علم أو ظن أن القبلة ليست في الجهة التي فيها المحاريب فلو وجب عليه التوجه إلى ذلك المحراب لكان ذلك ترجيحاً للتقليد على الاستدلال وأنه خطأ.

ورابعها: أن مذهب الشافعي رضي الله عنه أنه لا يجوز للمجتهد تقليد المجتهد، فالقادر على تحصيل جهة القبلة بالامارات كيف يجوز له تقليد محاريب البلاد؟

واحتج القائلون بترجيح محاريب الأمصار على البلاد من وجوه: الأول: أنها كالتواتر مع الاجتهاد، فوجب رجحانه عليه.

والثاني: أن الرجل إذا رأى المؤذن فرغ من الأذان والإقامة وقد تقدم الإمام، فهاهنا لا يحتاج إلى تعرف الوقت فكذا هاهنا.

الثالث: أن أهل البلد رضوا به، والظاهر أنه لو كان خطأ لتنبهوا له، ولو تنبهوا له لما رضوا به، فهذا ما يمكن أن يقال في الجانبين.

الطريق الثاني: الرجوع إلى قول الغير، مثل ما إذا أخبره عدل عن كون القبلة في هذه الجهة فهذا يفيد ظن أن القبلة هناك، واتفقوا على أنه لابد من شرطين: الإسلام والعقل، فلا عبرة في هذا الباب بقول الكافر والمجنون ولا بعلمهما، واختلفوا في شرائط ثلاثة.

أولها: البلوغ.

حكى الخيضري نصاً عن الشافعي أنه لا يقبل قول الصبي، وحكى أبو زيد أيضاً عن الشافعي أنه يقبل.

وثانيها: العدالة قالوا: لا يقبل خبر الفاسق لأنه كالشهادة، وقيل: يقبل.

وثالثها: العدد، فمنهم من اعتبره كما في الشهادة لاسيما الذين اعتبروا العدد في الرواية أيضاً، ومنهم من لم يعتبر العدد ويتفرع على ما قلناه أحكام.

أولها: أن كل من كان الأخذ بقوله يفيد ظناً أقوى كان الأخذ بقوله مقدماً على الأخذ بقول من يفيد ظناً أضعف مثاله أن تقليد المتيقن راجح على تقليد الظان بالاجتهاد، وتقليد المجتهد الظان أولى من تقليد من قلد غيره وهلم جرا.

وثانيها: أنه إذا علم أن الاجتهاد لا يتم إلا بعد انقضاء الوقت، فالأولى له تحصيل الاجتهاد حتى تصير الصلاة قضاء أو تقليد الغير حتى تبقى الصلاة أداء فيه تردد.

وثالثها: أن من لا يعرف دلائل القبلة فله الرجوع إلى قول الغير حين الصلاة بل يجب.

الطريق الثالث: إن شاهد في دار الإسلام محراباً منصوباً جاز له التوجه إليه على التفصيل الذي تقدم، أما إذا رأى القبلة منصوبة في طريق يقل فيه مرور الناس أو في طريق يمر فيه المسلمون والمشركون ولا يدري من نصبها أو رأى محراباً في قرية ولا يدري بناه المسلمون أو المشركون أو كانت قرية صغيرة للمسلمين لا يغلب على الظن كون أهلها مطلعين على دلائل القبلة وجب عليه الاجتهاد.

الطريق الرابع: ما يتركب من الاجتهاد وقول الغير، وهو أن يخبره إنسان بمواقع الكواكب وكان هو عالماً بالاستدلال بها على القبلة، فهاهنا يجب عليه الاستدلال بما يسمع إذا كان عاجزاً عن رؤيتها بنفسه.

القسم الثالث: الذي عجز عن تحصيل العلم والظن، وهو الكائن في الظلمة التي خفيت الأمارات بأسرها عليه أو الأعمى الذي لا يجد من يخبره، أو تعارضت الأمارات لديه وعجز عن الترجيح، وفيه أبحاث: البحث الأول: أن هذا الشخص يستحيل أن يكون مأموراً بالاجتهاد، لأن الاجتهاد من غير دلالة ولا أمارة تكليف ما لا يطاق وهو منفي، فلم يبق إلا أحد أمور ثلاثة: إما أن يقال التكاليف بالصلاة مشروط بالاستقبال، وتعذر الشرط يوجب سقوط التكليف بالمشروط، فهاهنا لا تجب عليه الصلاة، أو يقال: شرط الاستقبال قد سقط عن المكلف بعذر أقل من هذا، وهو حال المسابقة فيسقط هاهنا أيضاً، فيجب عليه أن يأتي بالصلاة إلى أي جهة شاء، ويسقط عنه شرط الاستقبال، أو يقال: إنه يأتي بتلك الصلاة إلى جميع الجهات ليخرج عن العهدة بيقين، فهذه هي الوجوه الممكنة، أما سقوط الصلاة عنه فذلك باطل بالإجماع، وأيضاً فلأنا رأينا في الشرع في الجملة أن الصلاة صحت بدون الاستقبال كما في حال المسايفة وفي النافلة، وأما إيجاب الصلاة إلى جميع الجهات فهو أيضاً باطل لقيام الدلالة على أن الواجب عليه صلاة واحدة، ولقائل أن يقول: أليس أن من نسي صلاة من صلوات يوم وليلة ولا يدري عينها فإنها يجب عليه قضاء تلك الصلوات بأسرها ليخرج عن العهدة باليقين، فلم لا يجوز أن يكون الأمر هاهنا كذلك؟

قالوا: ولما بطل القسمان تعين الثالث وهو التخيير في جميع الجهات.

البحث الثاني: أنه إذا مال قلبه إلى أن هذه الجهة أولى بأن تكون قبلة من سائر الجهات، من غير أن يكون ذلك الترجيح مبنياً على استدلال، بل يحصل ذلك بمجرد التشهي وميل القلب إليه فهل يعد هذا اجتهاداً، وهل المكلف مكلف بأن يعول عليه أم لا؟

الأولى أن يكون ذلك معتبراً لقوله عليه السلام: «المؤمن ينظر بنور الله» ولأن سائر وجوه الترجيح لما انسدت وجب الاكتفاء بهذا القدر.

البحث الثالث: إذا أدى هذه الصلاة فالظاهر يقتضي أن لا يجب القضاء، لأنه أدى وظيفة الوقت وقد صحت منه، فوجب أن لا تجب عليه الإعادة، وظاهر قول الشافعي رضي الله عنه أنه تجب الإعادة سواء بأن صوابه أو خطؤه.

المسألة السابعة؛ تجوز الصلاة في جوف الكعبة عند عامة أهل العلم، ويتوجه إلى أي جانب شاء وقال مالك: يكره أن يصلى في الكعبة المكتوبة لأن من كان داخل الكعبة لا يكون متوجهاً إلى كل الكعبة، بل يكون متوجهاً إلى بعض أجزائها، ومستدبراً عن بعض أجزائها، وإذا كان كذلك لم يكن مستقبلاً لكل الكعبة فوجب أن لا تصح صلاته لأن الله تعالى أمر باستقبال البيت قال: وأما النافلة فجائزة، لأن استقبال القبلة فيها غير واجب، حجة الجمهور ما أخرجه الشيخان في الصحيحين، ورواه الشافعي رضي الله عنه أيضاً عن مالك عن نافع عن ابن عمر، أنه عليه الصلاة والسلام دخل الكعبة هو وأسامة بن زيد، وعثمان بن أبي طلحة وبلال فأغلقها عليه ومكث فيها، قال عبد الله بن عمر: فسألت بلالاً حين خرج: ماذا صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

فقال: جعل عموداً عن يساره، وعمودين عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه، وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة، ثم صلى، واعلم أن الاستدلال بهذا الخبر ضعيف من وجوه: أحدها: أن خبر الواحد لا يعارض ظاهر القرآن.

وثانيها: لعل تلك الصلاة كانت نافلة، وذلك عند مالك جائز.

وثالثها: أن مالكاً خالف هذا الخبر ومخالفة الراوي وإن كانت لا توجب الطعن في الخبر إلا أنها تفيد نوع مرجوحية بالنسبة إلى خبر واحد خلى عن هذا الطعن، فكيف بالنسبة إلى القرآن.

ورابعها: أن الشيخين أوردا في الصحيحين عن ابن جُريج عن عطاء: سمعت ابن عباس قال: لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم البيت دعا في نواحيه كلها ولم يصل حتى خرج منه، فلما خرج ركع ركعتين في قبل الكعبة وقال: «هذه القبلة» والتعارض حاصل من وجهين: الأول: أن النفي والإثبات يتعارضان.

والثاني: قوله صلى الله عليه وسلم: «هذه القبلة» يدل على أنه لابد من توجه ذلك الموضع ومن جوز الصلاة داخل البيت لا يوجب عليه استقبال ذلك الموضع بل جوز استدباره.

والجواب: عن استدلال مالك رحمه الله أن نقول قوله: (وحيثما كنتم) إما أن يكون صيغة عموم أو لا يكون فإن كان صيغة عموم فقد تناول الإنسان الذي يكون في البيت فكأنه تعالى أمر من كان في البيت أن يتوجه إليه، فالآتي به يكون خارجاً عن العهدة، وإن لم يكن صيغة عموم لم تكن الآية متناولة لهذه المسألة ألبتة، فلا تدل على حكمها لا بالنفي ولا بالأثبات، ثم المعتمد في المسألة أن الإنسان الواحد لا يمكنه أن يتوجه إلى كل البيت، بل إنما يمكنه أن يتوجه إلى جزء من أجزاء البيت والذي في البيت يتوجه إلى جزء من أجزاء البيت فقد كان آتياً بما أمر به فوجب أن يخرج عن العهدة.

المسألة الثامنة: اعلم أن الكعبة عبارة عن أجسام مخصوصة هي السقف والحيطان والبناء، ولا شك أن تلك الأجسام حاصلة في أحياز مخصوصة، فالقبلة إما أن تكون تلك الأحياز فقط، أو تلك الأجسام فقط، أو تلك الأجسام بشرط حصولها في تلك الأحياز لا جائز أن يقال أنها تلك الأجسام فقط، لأنا أجمعنا على أنه لو نقل تراب الكعبة وما في بنائها من الأحجار والخشب إلى موضع آخر وبني به بناء وتوجه إليه أحد في الصلاة لم يجز ذلك، ولا جائز أن يقال: إنها تلك الأجسام بشرط كونها في تلك الأحياز لأن الكعبة لو انهدمت والعياذ بالله، وأزيل عن تلك الأحياز تلك الأحجار والخشب، وبقيت العرصة خالية، فإن أهل المشرق والمغرب إذا توجهوا إلى ذلك الجانب صحت صلاتهم وكانوا مستقبلين للقبلة، فلم يبق إلا أن يقال: القبلة هو ذلك الخلاء الذي حصل فيه تلك الأجسام، وهذا المعنى كما ثبت بالدليل العقلي الذي ذكرناه، فهو أيضاً مطابق للآية لأن المسجد الحرام اسم لذلك البناء المركب من السقف والحيطان والمقدار وجهة المسجد الحرام هو الأحياز التي حصلت فيها تلك الأجسام، فإذا أمر الله تعالى بالتوجه إلى جهة المسجد الحرام، كانت القبلة هو ذلك القدر من الخلاء والفضاء، إذا ثبت هذا فنقول: قال أصحابنا: لو انهدمت الكعبة والعياذ بالله، فالواقف في عرصتها لا تصح صلاته لأنه لا يعد مستقبلاً للقبلة، وذكر ابن سريج أنه يصح، وهو قول أبي حنيفة، والاختيار عندي والدليل عليه ما بينا أن القبلة هي ذلك القدر المعين من الخلاء، والواقف في العرصة مستقبل لجزء من أجزاء ذلك الخلاء فيكون مستقبلاً للقبلة، فوجب أن تصح صلاته، وقالوا أيضاً: الواقف على سطح الكعبة من غير أن يكون في قبالته جدار لا تصح صلاته إلا على قول ابن سريج وهو الاختيار عندي، لأنه مستقبل لذلك الخلاء والفضاء الذي هو القبلة فوجب أن تصح صلاته.

المسألة التاسعة: لما دلت الآية على وجوب الاستقبال، وثبت بالعقل أنه لا سبيل إلى الاستقبال إلى الجهات إلا بالاجتهاد، وثبت بالعقل أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، لزم القطع بوجوب الاجتهاد والاجتهاد لابد وأن يكون مبنياً على الظن، فكانت الآية دالة على التكليف بالظن، فثبت بهذا أن التكليف بالظن واقع في الجملة وقد استدل الشافعي رضي الله عنه بذلك على أن القياس حجة في الشرع وهو ضعيف لأنه إثبات للقياس بالقياس وذلك لا سبيل إليه والله أعلم.

المسألة العاشرة: الظاهر أنه لا يجب نية استقبال القبلة لأن الآية دلت على وجوب الاستقبال والآتي به آت بما دلت الآية عليه، فوجب أن لا يجب عليه نية أخرى، كما في ستر العورة وطهارة المكان والثوب.

المسألة الحادية عشرة: استقبال القبلة ساقط عند قيام العذر كما في حال المسايفة، ويلحق به الخوف على النفس من العدو، أو من السبع، أو من الجمل الصائل، أو عند الخطأ في القبلة بسبب التيامن والتياسر، أو في أداء النوافل، وهذا يقتضي أن العاجز عن تحصيل العلم والظن إذا أدى الصلاة أن يسقط عنه القضاء، وكذا المجتهد إذا بان له تعين الخطأ.

المسألة الثانية عشرة: إذا توجه إلى جهة ثم تغير اجتهاده وهو في الصلاة فعليه أن ينحرف ويتحول ويبني لأن عارض الاجتهاد لا يبطل السابق، فكذلك فيمن صدق مخبراً، ثم جاء آخر نفسه إليه أسكن فأخبره بخلافه، فهذا ما يتعلق بالمسائل المستنبطة من هذه الآية في حكم الاستقبال والله أعلم.

قوله تعالى: ﴿ حيثمَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾ فيه مسألتان: المسألة الأولى: هذا ليس بتكرار، وبيانه من وجهين.

أحدهما: أن قوله تعالى: ﴿ فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام ﴾ خطاب مع الرسول عليه السلام لا مع الأمة، وقوله: ﴿ حيثمَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾ خطاب مع الكل.

وثانيهما: أن المراد بالأولى مخاطبتهم وهم بالمدينة خاصة، وقد كان من الجائز لو وقع الاختصار عليه أن يظن أن هذه القبلة قبلة لأهل المدينة خاصة، فبين الله تعالى أنهم أينما حصلوا من بقاع الأرض يجب أن يستقبلوا نحو هذه القبلة.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ حيثمَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾ يعني: وأينما كنتم وموضع (كنتم) من الإعراب جزم بالشرط كأنه قيل: حيثما تكونوا، والفاء جواب.

أما قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ الذين أُوتُواْ الكتاب لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق مِن رَّبّهِمْ وَمَا الله بغافل عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: المراد بقوله: ﴿ وَإِنَّ الذين أُوتُواْ الكتاب ﴾ اليهود خاصة، والكتاب هو التوراة عن السدي، وقيل: بل المراد أحبار اليهود وعلماء النصارى وهو الصحيح لعموم اللفظ والكتاب المتقدم هو التوراة والإنجيل، ولا بد أن يكونوا عدداً قليلاً لأن الكثير لا يجوز عليهم التواطؤ على الكتمان.

المسألة الثانية: الضمير في قوله: ﴿ أَنَّهُ الحق ﴾ راجع إلى مذكور سابق، وقد تقدم ذكر الرسول كما تقدم ذكر القبلة، فجاز أن يكون المراد أن القوم يعلمون أن الرسول مع شرعه ونبوته حق فيشتمل ذلك على أمر القبلة وغيرها، ويحتمل أن يرجع إلى هذا التكليف الخاص بالقبلة، وأنهم يعلمون أنه الحق، وهذا الاحتمال الأخير أقرب لأنه أليق بالكلام إذ المقصود بالآية ذلك دون غيره، ثم اختلفوا في أنهم كيف عرفوا ذلك؟

وذكروا فيه وجوهاً: أحدها: أن قوماً من علماء اليهود كانوا عرفوا في كتب أنبيائهم خبر الرسول وخبر القبلة وأنه يصلي إلى القبلتين.

وثانيها: أنهم كانوا يعلمون أن الكعبة هي البيت العتيق الذي جعله الله تعالى قبلة لإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام.

وثالثها: أنهم كانوا يعلمون نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لما ظهر عليه من المعجزات، ومتى علموا نبوته فقد علموا لا محالة أن كل ما أتى به فهو حق فكان هذا التحويل حقاً.

وأما قوله: ﴿ وَمَا الله بغافل عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ ابن عمار وحمزة والكسائي: ﴿ تَعْمَلُونَ ﴾ بالتاء على الخطاب للمسلمين، والباقون بالياء على أنه راجع إلى اليهود.

المسألة الثانية: إنا إن جعلناه خطاباً للمسلمين فهو وعد لهم وبشارة أي لا يخفى على جدكم واجتهادهم في قبول الدين، فلا أخل بثوابكم، وإن جعلناه كلاماً مع اليهود فهو وعيد وتهديد لهم، ويحتمل أيضاً أنه ليس بغافل عن مكافأتهم ومجازاتهم وإن لم يعجلها لهم كقوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله غافلا عَمَّا يَعْمَلُ الظالمون إِنَّمَا يُؤَخّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبصار  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ قَدْ نرى ﴾ ربما نرى، ومعناه: كثرة الرؤية، كقوله: قَدْ أَتْرُكُ القِرْنَ مُصْفَرّاً أنَامِلُهُ ﴿ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ ﴾ تردّد وجهك وتصرف نظرك في جهة السماء.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوقع من ربه أن يحوّله إلى الكعبة، لأنها قبلة أبيه إبراهيم، وأدعى للعرب إلى الإيمان لأنها مفخرتهم ومزارهم ومطافهم، ولمخالفة اليهود فكان يراعي نزول جبريل عليه السلام والوحي بالتحويل ﴿ فَلَنُوَلّيَنَّكَ ﴾ فلنعطينّك ولنمكننك من استقبالها، من قولك: وليته كذا.

إذا جعلته والياً له، أو فلنجعلنك تلي سمتها دون سمت بيت المقدس ﴿ تَرْضَاهَا ﴾ تحبها وتميل إليها لأغراضك الصحيحة التي أضمرتها ووافقت مشيئة الله وحكمته ﴿ شَطْرَ المسجد الحرام ﴾ نحوه.

قال: وَأَظْعَنُ بِالْقَوْمِ شَطْرَ الْمُلُوكِ وقرأ أبيّ: ﴿ تلقاء المسجد الحرام ﴾ .

وعن البراء بن عازب: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً ثم وجه إلى الكعبة وقيل: كان ذلك في رجب بعد زوال الشمس قبل قتال بدر بشهرين.

ورسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد بني سلمة وقد صلّى بأصحابه ركعتين من صلاة الظهر فتحوّل في الصلاة واستقبل الميزاب، وحوّل الرجال مكان النساء والنساء مكان الرجال، فسمى المسجد مسجد القبلتين.

و ﴿ شَطْرَ المسجد ﴾ نصب على الظرف، أي اجعل تولية الوجه تلقاء المسجد أي في جهته وسمته لأن استقبال عين القبلة فيه حرج عظيم على البعيد.

وذكر المسجد الحرام دون الكعبة: دليل في أنّ الواجب مراعاة الجهة دون العين ﴿ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق ﴾ أن التحويل إلى الكعبة هو الحق لأنه كان في بشارة أنبيائهم برسول الله أنه يصلّي إلى القبلتين ﴿ يَعْمَلُونَ ﴾ قرئ بالياء والتاء ﴿ مَّا تَبِعُواْ ﴾ جواب القسم المحذوف سدّ مسدّ جواب الشرط.

﴿ بِكُلّ ءايَةٍ ﴾ بكل برهان قاطع أن التوجه إلى الكعبة هو الحق، ما تبعوا ﴿ قِبْلَتَكَ ﴾ لأن تركهم اتباعك ليس عن شبهة تزيلها بإيراد الحجة، إنما هو عن مكابرة وعناد مع علمهم بما في كتبهم من نعتك أنك على الحق ﴿ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ﴾ حسم لأطماعهم إذ كانوا ماجوا في ذلك وقالوا: لو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن يكون صاحبنا الذي ننتظره وطمعوا في رجوعه إلى قبلتهم.

وقرئ: ﴿ بتابع قبلتهم ﴾ على الإضافة ﴿ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ﴾ يعني أنهم مع اتفاقهم على مخالفتك مختلفون في شأن القبلة لا يرجى اتفاقهم، كما لا ترجى موافقتهم لك.

وذلك أن اليهود تستقبل بيت المقدس، والنصارى مطلع الشمس.

أخبر عز وجل عن تصلب كل حزب فيما هو فيه وثباته عليه، فالمحق منهم لا يزل عن مذهبه لتمسكه بالبرهان، والمبطل لا يقلع عن باطله لشدة شكيمته في عناده.

وقوله: ﴿ وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءهُم ﴾ بعد الإفصاح عن حقيقة حاله المعلومة عنده في قوله ﴿ وما أنت بتابع قبلتهم ﴾ كلام وارد على سبيل الفرض والتقدير، بمعنى: ولئن اتبعتم مثلاً بعد وضوح البرهان والإحاطة بحقيقة الأمر ﴿ إِنَّكَ إِذَا لَّمِنَ الظالمين ﴾ المرتكبين الظلم الفاحش.

وفي ذلك لطف للسامعين وزيادة تحذير.

واستفظاع لحال من يترك الدليل بعد إنارته ويتبع الهوى، وتهييج وإلهاب للثبات على الحق.

فإن قلت: كيف قال: (وما أنت بتابع قبلتهم) ولهم قبلتان لليهود قبلة وللنصارى قبلة؟

قلت: كلتا القبلتين باطلة مخالفة لقبلة الحق، فكانتا بحكم الاتحاد في البطلان قبلة واحدة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قَدْ نَرى ﴾ رُبَّما نَرى ﴿ تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ ﴾ تَرَدُّدَ وجْهِكَ في جِهَةِ السَّماءِ تَطَلُّعًا لِلْوَحْيِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ  يَقَعُ في رَوْعِهِ ويَتَوَقَّعُ مِن رَبِّهِ أنْ يُحَوِّلَهُ إلى الكَعْبَةِ، لِأنَّها قِبْلَةُ أبِيهِ إبْراهِيمَ، وأقْدَمُ القِبْلَتَيْنِ وأدْعى لِلْعَرَبِ إلى الإيمانِ، ولِمُخالَفَةِ اليَهُودِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَمالِ أدَبِهِ حَيْثُ انْتَظَرَ ولَمْ يَسْألْ ﴿ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً ﴾ فَلَنُمَكِّنَنَّكَ مِنِ اسْتِقْبالِها مِن قَوْلِكَ: ولَّيْتُهُ كَذا، إذا صَيَّرْتَهُ والِيًا لَهُ، أوْ فَلَنَجْعَلَنَّكَ تَلِي جِهَتَها تَرْضاها تُحِبُّها وتَتَشَوَّقُ إلَيْها، لِمَقاصِدَ دِينِيَّةٍ وافَقَتْ مَشِيئَةَ اللَّهِ وحِكْمَتَهُ.

﴿ فَوَلِّ وجْهَكَ ﴾ اصْرِفْ وجْهَكَ.

﴿ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ ﴾ نَحْوَهُ.

وقِيلَ: الشَّطْرُ في الأصْلِ لِما انْفَصَلَ عَنِ الشَّيْءِ إذا انْفَصَلَ، ودارٌ شَطُورٌ: أيْ مُنْفَصِلَةٌ عَنِ الدُّورِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ لِجانِبِهِ، وإنْ لَمْ يَنْفَصِلْ كالقَطْرِ، والحَرامُ المُحَرَّمُ أيْ مُحَرَّمٌ فِيهِ القِتالُ، أوْ مَمْنُوعٌ مِنَ الظَّلَمَةِ أنْ يَتَعَرَّضُوهُ، وإنَّما ذُكِرَ المَسْجِدُ دُونَ الكَعْبَةِ لِأنَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ في المَدِينَةِ، والبَعِيدُ يَكْفِيهِ مُراعاةُ الجِهَةِ، فَإنَّ اسْتِقْبالَ عَيْنِها حَرَجٌ عَلَيْهِ بِخَلافِ القَرِيبِ.

رُوِيَ: «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدِمَ المَدِينَةَ، فَصَلّى نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ وُجِّهَ إلى الكَعْبَةِ في رَجَبٍ بَعْدَ الزَّوالِ قَبْلَ قِتالِ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ.

وَقَدْ صَلّى بِأصْحابِهِ في مَسْجِدِ بَنِي سَلَمَةَ رَكْعَتَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ، فَتَحَوَّلَ في الصَّلاةِ واسْتَقْبَلَ المِيزابَ، وتَبادَلَ الرِّجالُ والنِّساءُ صُفُوفَهُمْ، فَسُمِّيَ المَسْجِدُ مَسْجِدَ القِبْلَتَيْنِ.» ﴿ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ ﴾ خَصَّ الرَّسُولَ بِالخُطّابِ تَعْظِيمًا لَهُ وإيجابًا لِرَغْبَتِهِ، ثُمَّ عَمَّمَ تَصْرِيحًا بِعُمُومِ الحُكْمِ وتَأْكِيدًا لِأمْرِ القِبْلَةِ وتَحْضِيضًا لِلْأُمَّةِ عَلى المُتابَعَةِ.

﴿ وَإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ ﴾ جُمْلَةٌ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّ عادَتَهُ تَعالى تَخْصِيصُ كُلِّ شَرِيعَةٍ بِقِبْلَةٍ، وتَفْصِيلًا لِتَضَمُّنِ كُتُبِهِمْ أنَّهُ  يُصَلِّي إلى القِبْلَتَيْنِ، والضَّمِيرُ لِلتَّحْوِيلِ أوِ التَّوَجُّهِ ﴿ وَما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ ﴾ وعْدٌ ووَعِيدٌ لِلْفَرِيقَيْنِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالياءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤)

{قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السماء} تردد وجهك وتصرف نظرك في جهة السماء وكان رسول

البقرة (١٤٤ _ ١٤٥)

صلى الله عليه وسلم يتوقع من ربه أن يحوله إلى الكعبة موافقة لإبراهيم ومحالفة لللهيود ولأنهاء ادعى للعرب إلى الإيمان لأنها مفخرتهم ومزارهم ومطافهم {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ} فلنعطينك ولنمكننك من استقبالها من قولك وليته كذا إذا جعلته والياء له أو فلنجعلنك تلي سمتها دون سمت بيت المقدس {قِبْلَةً تَرْضَاهَا} تحبها وتميل إليها لأغراضك الصحيحة التي أضمرتها ووافقت مشيئة الله وحكمته {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام} أى نحوه وشطر نصب على الظرف أي اجعل تولية الوجه تلقاء المسجد أي في جهته وسمته لأن استقبال عين القبلة متعسر على النائي وذكر المسجد

الحرام دون الكعبة دليل على أن الواجب مراعاة الجهة دون العين روي أنه عليه السلام قدم المدينة فصلى نحو بيت المقدس سنة عشر شهراً ثم وجه إلى الكعبة {وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ} من الأرض وأردتم الصلاة {فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الذين أُوتُواْ الكتاب لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق} أي التحويل إلى الكعبة هو الحق لأنه كان في بشارة أنبيائهم برسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يصلي إلى القبلتين {مِن رَّبّهِمْ وَمَا الله بغافل عَمَّا يَعْمَلُونَ} بالياء مكي وأبو عمرو ونافع وعاصم وبالتاء غيرهم فالأول وعيد للكافرين بالعقاب على الحجود والإباء والثاني وعد للمؤمنين بالثواب على القبول والأداء

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ ﴾ أيْ: كَثِيرًا ما نَرى تَرَدُّدَ وجْهِكَ وتَصَرُّفَ نَظَرِكَ في جِهَةِ السَّماءِ مُتَشَوِّفًا لِلْوَحْيِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقَعُ في قَلْبِهِ ويَتَوَقَّعُ مِن رَبِّهِ أنْ يُحَوِّلَهُ إلى الكَعْبَةِ لِما أنَّ اليَهُودَ كانُوا يَقُولُونَ: يُخالِفُنا مُحَمَّدٌ ويَتَّبِعُ قِبْلَتَنا، ولِما أنَّها قِبْلَةُ أبِيهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأقْدَمُ القِبْلَتَيْنِ وأدْعى لِلْعَرَبِ إلى الإيمانِ، والظّاهِرُ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يَسْألْ ذَلِكَ مِن رَبِّهِ، بَلْ كانَ يَنْتَظِرُ فَقَطْ إذْ لَوْ وقَعَ السُّؤالُ لَكانَ الظّاهِرُ ذِكْرَهُ؛ فَفي ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى كَمالِ أدَبِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ وغَيْرُهُما: كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُقَلِّبُ وجْهَهُ في الدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى أنْ يُحَوِّلَهُ إلىالكَعْبَةِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ السُّؤالُ واقِعًا مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولَمْ يُذْكَرْ؛ لِأنَّ تَقَلُّبَ الوَجْهِ نَحْوَ السَّماءِ الَّتِي هي قِبْلَةُ الدُّعاءِ يُشِيرُ إلَيْهِ في الجُمْلَةِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ بَعْدَ حُصُولِ الإذْنِ لَهُ بِالدُّعاءِ لِما أنَّ الأنْبِياءَ لا يَسْألُونَ اللَّهَ تَعالى شَيْئًا مِن غَيْرِ أنْ يُؤْذَنَ لَهم فِيهِ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ لا يَكُونَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ، فَلا يُجابُونَ إلَيْهِ، فَيَكُونَ فِتْنَةً لِقَوْمِهِمْ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما في بَعْضِ الآثارِ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ اسْتَأْذَنَ جِبْرِيلَ أنْ يَدْعُوا اللَّهَ تَعالى، فَأخْبَرَهُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أذِنَ لَهُ بِالدُّعاءِ، كَذا يُفْهَمُ مِن كَلامِهِمْ، والَّذِي أراهُ أنَّهُ لا مانِعَ مِن دُعائِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وسُؤالُهُ التَّحْوِيلَ لِمَصْلَحَةٍ أُلْهِمَها ومَنفَعَةٍ دِينِيَّةٍ فُهِّمَها، ولا يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلى الِاسْتِئْذانِ ولا الإذْنِ الصَّرِيحِينَ؛ لِأنَّ مَن نالَ قُرْبَ النَّوافِلِ مُسْتَغْنٍ عَنْ ذَلِكَ، فَكَيْفَ مَن حَصَلَ لَهُ مَقامُ قُرْبِ الفَرائِضِ حَتّى غَدا سَيِّدَ أهْلِهِ، ومَن عَلِمَ مَرْتَبَةَ الحَبِيبِ عَدَّ جَمِيعَ ما يَصْدُرُ مِنهُ في غايَةِ الكَمالِ، مَعَ مُراعاةِ نِهايَةِ الأدَبِ، وأمّا مُعاتَبَتُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في بَعْضِ ما صَدَرَ فَلَيْسَ لِنَقْصٍ فِيهِ ولا لِإخْلالٍ بِالأدَبِ عِنْدَ فِعْلِهِ، حاشاهُ، ولَكِنْ لِأسْرارٍ خَفِيَّةٍ وحِكَمٍ رَبّانِيَّةٍ عَلِمَها مَن عَلِمَها وجَهِلَها مَن جَهِلَها.

بَقِيَ: هَلْ دَعا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في هَذِهِ الحادِثَةِ صَرِيحًا أمْ لا؟

الظّاهِرُ الثّانِي بِناءً عَلى ما صَحَّ عِنْدَنا مِن ظَواهِرِ الأخْبارِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ فِيها سِوى حُبِّ التَّحْوِيلِ، فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في صَحِيحَيْهِما، عَنِ البَراءِ قالَ: «صَلَّيْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعْدَ قُدُومِهِ المَدِينَةَ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ، ثُمَّ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى هَوى نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَنَزَلَتْ: ﴿ قَدْ نَرى ﴾ الآيَةَ،» ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ صَرِيحًا عَلى أحَدِ الأمْرَيْنِ، وأمّا الإشارَةُ فَقَدْ تَصْلُحُ لِهَذا، وهَذا كَما لا يَخْفى، هَذا ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ قَدْ هُنا لِلتَّقْلِيلِ زَعْمًا مِنهُ أنَّ وُقُوعَ التَّقَلُّبِ قَلِيلًا أدَلُّ عَلى كَمالِ أدَبِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، واعْتُرِضَ بِأنَّ مَن رَفَعَ بَصَرَهُ إلى السَّماءِ مَرَّةً واحِدَةً لا يُقالُ لَهُ: قَلَّبَ بَصَرَهُ إلى السَّماءِ، وإنَّما يُقالُ: قَلَّبَ إذا داوَمَ، فالكَثْرَةُ تُفْهَمُ مِنَ الآيَةِ لا مَحالَةَ؛ لِأنَّ التَّقَلُّبَ الَّذِي هو مُطاوِعُ التَّقْلِيبِ يَدُلُّ عَلَيْها، وهَلِ التَّكْثِيرُ مَعْنًى مَجازِيٌّ (لِقَدْ) أوْ حَقِيقِيٌّ؟

قَوْلانِ نُسِبَ ثانِيهُما إلى سِيبَوَيْهِ، وهَذِهِ الكَثْرَةُ أوِ القِلَّةُ هُنا مُنْصَرِفَةٌ إلى التَّقَلُّبِ، وذَكَرَ بَعْضُ النُّحاةِ أنَّ قَدْ تَقْلِبُ المُضارِعَ ماضِيًا، ومِنهُ ما هُنا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ يَعْلَمُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ﴾ ﴿ ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

﴿ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً ﴾ أيْ لَنُمَكِّنَنَّكَ مِنَ اسْتِقْبالِها مِن قَوْلِكَ: ولَّيْتَهُ كَذا إذا جَعَلْتَهُ والِيًا لَهُ، أوْ فَلَنَجْعَلَنَّكَ تَلِي جِهَتَها دُونَ جِهَةِبَيْتِ المَقْدِسِ، مِن ولِيَهُ دَنا مِنهُ، ووَلَّيْتَهُ أدْنَيْتَهُ مِنهُ، والفاءُ لِسَبَبِيَّةِ ما قَبْلَها لِما بَعْدَها، وهي في الحَقِيقَةِ داخِلَةٌ عَلى قَسَمٍ مَحْذُوفٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ اللّامُ، وجاءَ هَذا الوَعْدُ عَلى إضْمارِ القَسَمِ مُبالَغَةً في وُقُوعِهِ؛ لِأنَّهُ يُؤَكِّدُ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ المُقَسَمِ عَلَيْها، وجاءَ قَبْلَ الأمْرِ لِفَرَحِ النَّفْسِ بِالإجابَةِ، ثُمَّ بِإنْجازِ الوَعْدِ فَيَتَوالى السُّرُورُ مَرَّتَيْنِ، ونُوَلِّي يَتَعَدّى لِاثْنَيْنَ؛ الكافُ الأوَّلُ وقِبْلَةً الثّانِي، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَرْضاها ﴾ أيْ تُحِبُّها وتَمِيلُ إلَيْها لِلْأغْراضِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي أضْمَرْتَها ووافَقَتْ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتَهُ، في مَوْضِعِ نَصْبٍ صِفَةٍ لِقِبْلَةٍ، ونَكَّرَها لِأنَّهُ لَمْ يَجْرِ قَبْلَها ما يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ مَعْهُودَةً فَتُعَرَّفُ بِاللّامِ، ولَيْسَ في اللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يَطْلُبُ قِبْلَةً مُعَيَّنَةً.

﴿ فَوَلِّ وجْهَكَ ﴾ الفاءُ لِتَفْرِيعِ الأمْرِ عَلى الوَعْدِ، وتَخْصِيصُ التَّوْلِيَةِ بِالوَجْهِ لِما أنَّهُ مَدارُ التَّوَجُّهِ ومِعْيارُهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ جَمِيعُ البَدَنِ، وكَنّى بِذَلِكَ عَنْهُ لِأنَّهُ أشْرَفُ الأعْضاءِ، وبِهِ يَتَمَيَّزُ بَعْضُ النّاسِ عَنْ بَعْضٍ، أوْ مُراعاةً لِما قَبْلُ، والتَّوْلِيَةُ إذا كانَتْ مُتَعَدِّيَةً بِنَفْسِها إلى تَمامِ المَفْعُولَيْنِ كانَتْ مُسْتَعْمَلَةً بِأحَدِ المَعْنَيَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ، وإذا كانَتْ مُتَعَدِّيَةً إلى واحِدٍ فَمَعْناها الصَّرْفُ إمّا عَنِ الشَّيْءِ أوْ إلى الشَّيْءِ، عَلى اخْتِلافِ صِلَتِها الدّاخِلَةِ عَلى المَفْعُولِ الثّانِي، وهي هُنا بِهَذا المَعْنى، فَـ ( وجَّهَك ) مَفْعُولٌ أوَّلُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ ﴾ أيْ نَحْوَهُ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ قِبَلَهُ كَما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، أوْ تِلْقاءَهُ كَما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ ظَرْفُ مَكانٍ مُبْهَمٍ كَمُفَسِّرِهِ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ أغْنى غِناءً إلى فَإنَّ مُؤَدّى (ولِّ وجْهَكَ) نَحْوَ أوْ قِبَلَ أوْ تِلْقاءَ المَسْجِدِ ووَلِّ وجْهَكَ إلى المَسْجِدِ وإنَّما لَمْ يَجْعَلِ الأمْرَ مِنَ المُتَعَدِّيَةِ إلى مَفْعُولَيْنِ بِأنْ يَكُونَ ( شَطْرَ ) مَفْعُولَهُ الثّانِي -كَما قِيلَ بِهِ-؛ لِأنَّ تَرَتُّبَهُ بِالفاءِ وكَوْنَهُ إنْجازًا لِلْوَعْدِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَجْعَلُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ أوْ قَرِيبًا مِن جِهَتِها بِأنْ يُؤْمَرَ بِالصَّلاةِ إلَيْها يُناسِبُهُ أنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِصَرْفِ الوَجْهِ إلَيْها لا بِأنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ مُسْتَقْبِلًا لَها أوْ قَرِيبًا مِن جِهَتِها، فَإنَّ المُناسِبَ لِهَذا: (فَلْنَأْمُرَنَّكَ بِأنْ تُوَلِّيَ)، ولِأنَّهُ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ الواجِبُ رِعايَةَ سَمْتِ الجِهَةِ؛ لِأنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ جِهَةُ القِبْلَةِ، فَإذا كانَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مَأْمُورًا بِجَعْلِ نَفْسِهِ مُسْتَقْبِلَ جِهَةِ المَسْجِدِ أوْ قَرِيبًا مِنها كانَ مَأْمُورًا بِاسْتِقْبالِ جِهَةِ الجِهَةِ أوْ بِقُرْبِ جِهَةِ الجِهَةِ بِخِلافِ ما إذا جَعَلَ مِنَ التَّوْلِيَةِ بِمَعْنى الصَّرْفِ وشطر ظَرْفًا فَإنَّهُ يَصِيرُ المَعْنى اصْرِفْ وجْهَكَ نَحْوَ المَسْجِدِ الحَرامِ وتِلْقاءَهُ الَّذِي هو جِهَةُ القِبْلَةِ، فَيَكُونُ مَأْمُورًا بِمُسامَتَةِ الجِهَةِ وإصابَتِهِ قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ وقِيلَ: الشَّطْرُ في الأصْلِ لِما أنْفَصِلُ عَنِ الشَّيْءِ ثُمَّ أسْتَعْمِلُ لِجانِبِهِ وإنْ لَمْ يَنْفَصِلْ فَيَكُونُ بِمَعْنى بَعْضِ الشَّيْءِ ويَتَعَيَّنُ حِينَئِذٍ جَعْلُهُ مَفْعُولًا ثانِيًا وفِيهِ أنَّهُ وإنْ لَمْ يُلْزِمْ حِينَئِذٍ وُجُوبَ رِعايَةِ جِهَةِ الجِهَةِ لَكِنَّ عَدَمَ مُناسَبَتِهِ بِإنْجازِ الوَعْدِ باقٍ والقَوْلُ بِأنَّ الشَّطْرَ هُنا بِمَعْنى النِّصْفِ مِمّا لا يَكادُ يَصِحُّ والحَرامُ المُحَرَّمُ أيْ مُحَرَّمٌ فِيهِ القِتالُ أوْ مَمْنُوعٌ مِنَ الظُّلْمَةِ أنْ يَتَعَرَّضُوا وفي ذِكْرِ المَسْجِدِ الحَرامِ الَّذِي هو مُحِيطٌ بِالكَعْبَةِ دُونَ الكَعْبَةِ مَعَ أنَّها القِبْلَةُ الَّتِي دَلَّتْ عَلَيْها الأحادِيثُ الصِّحاحُ إشارَةً إلى أنَّهُ يَكْفِي لِلْبَعِيدِ مُحاذاةُ جِهَةِ القِبْلَةِ وإنْ لَمْ يُصِبْ عَيْنَها وهَذِهِ الفائِدَةُ لا تَحْصُلُ مِن لَفْظِ الشَّطْرِ كَما قالَهُ جَمْعٌ لِأنَّهُ لَوْ قِيلَ: فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ الكَعْبَةِ لَكانَ المَعْنى اجْعَلْ صَرْفَ الوَجْهِ في مَكانٍ يَكُونُ مُسامِتًا ومُحاذِيًا لِلْكَعْبَةِ، وهَذا هو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وأحْمَدَ وقَوْلُ أكْثَرِ الخُراسانِيِّينَ مِنَ الشّافِعِيَّةِ، ورَجَّحَهُ حُجَّةُ الإسْلامِ في الإحْياءِ، إلّا إنَّهم قالُوا: يَجِبُ أنْ يَكُونَ قَصْدُ المُتَوَجِّهِ إلى الجِهَةِ العَيْنَ الَّتِي في تِلْكَ الجِهَةِ لِتَكُونَ القِبْلَةُ عَيْنَ الكَعْبَةِ، وقالَ العِراقِيُّونَ والقَفّالُ مِنهم: يَجِبُ إصابَةُ العَيْنِ، وقالَ الإمامُ مالِكٌ: إنَّ الكَعْبَةَ قِبْلَةُ أهْلِ المَسْجِدِ، والمَسْجِدَ قِبْلَةُ مَكَّةَ، وهي قِبْلَةُ الحَرَمِ، وهو قِبْلَةُ الدُّنْيا، وفي حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما مَرْفُوعًا ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، وهَذا الخِلافُ في غَيْرِ مَن يَكُونُ شاهِدًا، أمّا هو فَيَجِبُ عَلَيْهِ إصابَةُ العَيْنِ بِالإجْماعِ، ولَمْ يُقَيِّدْ سُبْحانَهُ وتَعالى التَّوْلِيَةَ في الصَّلاةِ؛ لِأنَّ المَطْلُوبَ لَمْ يَكُنْ سِوى ذَلِكَ، فَأغْنى عَنِ الذِّكْرِ، وقِيلَ: لِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ وهو صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في الصَّلاةِ، فَأغْنى التَّلَبُّسُ بِها عَنْ ذِكْرِها، واسْتَدَلَّ هَذا القائِلُ بِما ذَكَرَهُ القاضِي تَبَعًا لِغَيْرِهِ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَدِمَ المَدِينَةَ فَصَلّى نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ وُجِّهَ إلى الكَعْبَةِ في رَجَبٍ بَعْدَ الزَّوالِ قَبْلَ قِتالِ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ، وقَدْ صَلّى بِأصْحابِهِ في مَسْجِدِ بَنِي سَلِمَةَ رَكْعَتَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ، فَتَحَوَّلَ في الصَّلاةِ واسْتَقْبَلَ المِيزابَ وتَبادَلَ الرِّجالُ والنِّساءُ صُفُوفَهم فَسُمِّيَ المَسْجِدُ مَسْجِدُ القِبْلَتَيْنِ» وهَذا كَما قالَ الإمامُ السُّيُوطِيُّ تَحْرِيفٌ لِلْحَدِيثِ، فَإنَّ قِصَّةَ بَنِي سَلِمَةَ لَمْ يَكُنْ فِيها النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إمامًا ولا هو الَّذِي تَحَوَّلَ في الصَّلاةِ، فَقَدْ أخْرَجَ النَّسائِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدِ بْنِ المُعَلّى قالَ: «كُنّا نَغْدُو إلى المَسْجِدِ فَمَرَرْنا يَوْمًا ورَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قاعِدٌ عَلى المِنبَرِ فَقُلْتُ: حَدَثَ أمْرٌ فَجَلَسْتُ، فَقَرَأ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ﴿ قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ ﴾ الآيَةَ فَقُلْتُ لِصاحِبِي: تَعالَ نَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَنَكُونَ أوَّلَ مَن صَلّى، فَصَلَّيْناهُما ثُمَّ نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَصَلّى لِلنّاسِ الظُّهْرَ يَوْمَئِذٍ».

ورَوى أبُو داوُدَ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأصْحابَهُ كانُوا يُصَلُّونَ نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَرَّ بِرَجُلٍ بِبَنِي سَلِمَةَ فَناداهم وهم رُكُوعٌ في صَلاةِ الفَجْرِ نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ: ألا إنَّ القِبْلَةَ قَدْ حُوِّلَتْ إلى الكَعْبَةِ.

فَمالُوا كَما هم رُكُوعًا إلى الكَعْبَةِ،» فَما ذُكِرَ مُخالِفٌ لِلرِّواياتِ الصَّحِيحَةِ الثّابِتَةِ عِنْدَ أهْلِ هَذا الشَّأْنِ فَلا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ.

وقَرَأ أُبَيٌّ: (تِلْقاءَ المَسْجِدِ الحَرامِ)، وهي تُؤَيِّدُ القَوْلَ الأوَّلَ في ( شَطْر ) كَما لا يَخْفى.

﴿ وحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ فَوَلِّ وجْهَكَ ﴾ ومِن تَتِمَّةِ إنْجازِ الوَعْدِ، والفاءُ جَوابُ الشَّرْطِ؛ لِأنَّ (حَيْثُ) إذا لَحِقَهُ (ما) الكافَّةُ عَنِ الإضافَةِ يَكُونُ مِن كَلِمِ المُجازاةَ، والفَرّاءُ لا يَشْتَرِطُ ذَلِكَ فِيها، و(كانَ) تامَّةٌ، أيْ: في أيِّ مَوْضِعٍ وُجِدْتُمْ، وأصْلُ (ولُّوا) ولِيُوا فاسْتُثْقِلَتِ الضَّمَّةُ عَلى الياءِ فَحُذِفَتْ فالتَقى ساكِنانِ، فَحُذِفَ أوَّلُهُما وضُمَّ ما قَبْلَ الياءِ لِلْمُناسَبَةِ، فَوَزْنُهُ (فَعُّوا) وهَذا تَصْرِيحٌ بِعُمُومِ الحُكْمِ المُسْتَفادِ مِنَ السّابِقِ اعْتِناءً بِهِ؛ إذِ الخِطابُ الوارِدُ في شَأْنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عامٌّ حُكْمُهُ ما لَمْ يَظْهَرِ اخْتِصاصُهُ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وفائِدَةُ تَعْمِيمِ الأمْكِنَةِ -عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ البَعْضُ- دَفْعُ تَوَهُّمِ أنَّ هَذِهِ القِبْلَةَ مُخْتَصَّةٌ بِأهْلِ المَدِينَةِ، وقِيلَ: لَمّا كانَ الصَّرْفُ عَنِ الكَعْبَةِ لِاسْتِجْلابِ قُلُوبِ اليَهُودِ، وكانَ مَظِنَّةَ أنْ لا يُتَوَجَّهُ إلَيْها في حُضُورِهِمْ أشارَ إلى تَعْمِيمِ التَّوْلِيَةِ جَمِيعَ الأمْكِنَةِ، أوْ يُقالُ: صَرَّحَ بِأنَّ التَّوْلِيَةَ جِهَةَ الكَعْبَةِ فُرِضَ مَعَ حُضُورِ بَيْتِ المَقْدِسِ ولِأهْلِهِ أيْضًا؛ لِئَلّا يُظَنُّ أنَّ حُضُورَ بَيْتِ المَقْدِسِ يَمْنَعُ التَّوَجُّهَ إلى جِهَةِ الكَعْبَةِ مَعَ غَيْبَتِها فَلْيُفْهَمْ.

وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: (فَوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَهُ).

﴿ وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ أيْ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى ﴿ لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ ﴾ أيِ التَّحْوِيلَ أوِ التَّوَجُّهَ المَفْهُومُ مِنَ التَّوْلِيَةِ ﴿ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ ﴾ لا غَيْرِهِ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا يَأْمُرُ بِالباطِلِ، إذْ هو النَّبِيُّ المُبَشَّرُ بِهِ في كُتُبِهِمْ وتَحَقُّقُهم أنَّهُ لا يَتَجاوَزُ كُلَّ شَرِيعَةٍ عَنْ قِبْلَتِها إلى قِبْلَةِ شَرِيعَةٍ أُخْرى، وأمّا اشْتِراكُ النَّبِيِّ وإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذِهِ القِبْلَةِ فَلِاشْتِراكِهِما في الشَّرِيعَةِ عَلى ما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا ﴾ ووُقُوفُهم عَلى ما تَضَمَّنَتْهُ كُتُبُهم مِن أنَّهُ يُصَلِّي إلى القِبْلَتَيْنِ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ﴿ قَدْ نَرى ﴾ بِجامِعِ أنَّ السّابِقَةَ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ أصْلِ التَّحْوِيلِ، وهَذِهِ لِبَيانِ حَقِّيَّتِهِ.

قِيلَ: أوِ اعْتِراضِيَّةٌ لِتَأْكِيدِ أمْرِ القِبْلَةِ ﴿ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ الكَلامَيْنِ جِيءَ بِهِ لِلْوَعْدِ والوَعِيدِ لِلْفَرِيقَيْنِ مِن أهْلِ الكِتابِ الدّاخِلِينَ تَحْتَ العُمُومِ السّابِقِ المُشارِ إلَيْهِما فِيما سَيَجِيءُ قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وهُما مَن كَتَمَ ومَن لَمْ يَكْتُمْ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (تَعْمَلُونَ) بِالتّاءِ، فَهو وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: عَلى قِراءَةِ الخِطابِ وعَدْلِهِمْ، وعَلى قِراءَةِ الغَيْبَةِ وعِيدٌ لِأهْلِ الكِتابِ مُطْلَقًا، وقِيلَ: الضَّمِيرُ عَلى القِراءَتَيْنِ لِجَمِيعِ النّاسِ، فَيَكُونُ وعْدًا ووَعِيدًا لِفَرِيقَيْنِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ، أي رفع بصرك إلى السماء وذلك أن النبي  قال لجبريل: «وَدِدْتُ لَوْ أنَّ الله تَعَالى صَرَفَنِي عَنْ قِبْلَةِ اليَهُودِ إلَى غَيْرِهَا» وإنما أراد الكعبة لأنها قبلة إبراهيم وقبلة الأنبياء- عليهم السلام- وذلك لأنها كانت أدعى للعرب إلى الإسلام فقال له جبريل: إنما أنا عبد مثلك لا أملك شيئاً فاسأل ربك، فجعل النبي  يديم النظر إلى السماء فأنزل الله تعالى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ، أي رفع بصرك إلى السماء.

فَلَنُوَلِّيَنَّكَ، أي فلنحولنك ولنوجهنك في الصلاة قِبْلَةً تَرْضاها، يعني تهواها أي تميل نفسك إليها.

فأمره الله تعالى بالتوجه فقال: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ، يعني نحوه وتلقاءه وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ أي إلى الكعبة.

ثم قال: وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ، يعني أن القبلة إلى الكعبة هي الحق وهي قبلة إبراهيم  .

وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ، يعني جحودهم القبلة إلى الكعبة فقالوا للنبي  : ائتنا بعلامة على تصديق مقالتك وهم اليهود والنصارى، فنزل قوله تعالى: وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وهم اليهود والنصارى بِكُلِّ آيَةٍ، أي بكل علامة مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ، أي ما صلوا إلى قبلتك.

وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ، أي بمصل إلى قبلتهم، وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ- يقال: معناه كيف ترجو أن يتبعوك ويصلوا إلى قبلتك وهم لا يتبعون بعضهم بعضاً.

ثم قال: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ هذا الخطاب للنبي  والمراد منه أمته، يعني: لئن صليت إلى قبلتهم أو اتبعت مذهبهم مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ، أي البيان أن دين الإسلام هو الحق والكعبة هي القبلة.

إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ، أي الضارين بنفسك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

لم يكن، ويَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ عبارةٌ عن المرتدِّ، والرجوعُ على العَقِبِ أَسوأُ حالات الراجع.

وقوله تعالى: وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ...

الآية: الضمير في «كَانَتْ» راجع إلى القبلة إلى بيت المقدس، أو إلى التحويلة إلى الكعبة، حَسْبما تقدَّم من الخلاف في القبلة، «وكَبِيرَة» هنا معناه: شاقَّة صعبةٌ، تكبُرُ في الصدور، ولما حُوِّلَتِ القبلة، كان من قول اليهود: يا محمَّدُ، إن كانَتِ الأولى حقاً، فأنتَ الآنَ على باطلٍ، وإن كانتْ هذه حقًّا، فكنْتَ في الأولى على ضلالٍ، فَوَجَمَتْ نفوسُ بعْضِ المؤمنين، وأشْفَقُوا على مَنْ مات قبل التحويل من صلاتِهِمُ السالفة، فنزلَتْ: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ، أي: صلاتكم، قاله ابن عبَّاس وغيره «١» ، وسمَّى الصلاة إِيماناً لَمَّا كانَتْ صادرةً عن الإيمان ولأن الإِيمان هو القطب الذي عليه تدور الأعمال، فذكره إِذ هو الأصل، ولئلاَّ يندرج في اسم الصلاة صلاةُ المنافقين إِلى بيت المَقْدِسِ، فذكر المعنَى الَّذي هو ملاك الأمر، وأيْضاً سُمِّيتْ إِيماناً إِذ هي من شُعَب الإِيمان.

ت: وفي العتبية من سماع ابن القاسم «٢» ، قال مالكٌ: قال اللَّهُ تبارَكَ وتعالى:

وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ قال: هي صلاة المؤمنين إلى بيت المَقْدِس، قال ابنُ رُشْد وعلى هذا القول أكثر أهل التفسير، وقد قيل: إن المعنى في ذلك، وما كان اللَّه ليضيعَ إِيمانكم بفَرْضِ الصلاة عليكم إلى بيْتِ المقدِسِ.

انتهى من «البَيَان» .

والرَّأْفَةُ: أعلى منازل الرحْمَة.

قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤) وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥)

وقوله تعالى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ ...

الآية: المقْصِد تقلُّب البصر، وأيضاً: فالوجه يتقلَّب بتقلُّب البصر، قال قتادة وغيره: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقلِّب وجهه في الدعاءِ إلى اللَّه تعالى أنْ يحوِّله إِلى قبلة مكَّة «١» ، ومعنى التقلُّب نحو السماء: أنَّ السماء جهةٌ قد تعوَّد العالَمُ منْها الرحمةَ كالمطر، والأنوار، والوَحْي، فهم يجعلون رغبتهم حيْثُ توالَتِ النعَمُ.

قال ص: فَلَنُوَلِّيَنَّكَ: يدلُّ على تقدير حالٍ، أي: قد نرى تقلُّب وجهك في السماءِ طالباً قبلةً غير التي أنت مستقبلها، فلنولينّك.

انتهى.

وتَرْضاها: معناه: تحبّها/، وكان النبيّ صلّى الله عليه وسلم يحبّ الكعبة والتحوّل عن بيت ٣٨ أالمقدس لوجوه ثلاثة رُوِيَتْ:

أحدها: لقول اليهودِ: «مَا عَلِمَ محمَّدٌ دينَهُ حتَّى اتبعنا» قاله مجاهد.

الثاني «٢» : ليصيب قبلة إِبراهيمَ- عليه السلام- قاله ابن عَبَّاس «٣» .

الثالث: ليستألف العربَ لمحبَّتها في الكعبة، قاله الربيعة والسُّدِّيُّ «٤» .

ع «٥» : والميزابُ هو قبلة المدينةِ والشامِ، وهنالك قبلةُ أهل الأندلسِ بتأريب، ولا خلاف أن الكعبة قبلةٌ من كل أُفُقٍ.

وقوله تعالى: فَوَلِّ وَجْهَكَ ...

الآية: أمر بالتحوُّل، ونسخ لقبلة الشام، وشَطْرَ: نصبٌ على الظرف، ومعناه: نحو، وتلقاء، وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا: أمر

للأمة ناسخٌ.

وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ...

الآية: المعنى: أن اليهود والنصارى يعلمون أن الكعبة هي قبلة إبراهيم أمام الأمم، وأن استقبالها هو الحقُّ الواجب على الجميع اتباعا لمحمَّد صلّى الله عليه وسلم الذي يجدونه في كتبهم، وتضمَّنت الآيةُ الوعيد.

وقوله جلَّت قدرته: وَلَئِنْ أَتَيْتَ ...

الآية: أعلَمَ اللَّه تعالى نبيَّه- عليه السلام- حين قالَتْ له اليهودُ: راجِعْ بيْتَ المَقْدِسِ، ونؤمن بكَ أن ذلك مخادَعَةٌ منهم، وأنهم لا يتَّبعون له قِبْلَةً، يعني: جملتهم لأن البعض قد اتبع، كعبد اللَّه بن سَلاَمٍ وغيره، وأنهم لا يؤمنون بدينه، أي: فلا تُصْغِ إِليهم، والآية هنا العَلاَمَةُ.

وقوله جلَّت عظمته: وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ...

لفظ خبرٍ يتضمَّن الأمر، أي: فلا تركنْ إِلى شيء من ذلك، وَما بَعْضُهُمْ ...

الآية، قال ابن زيد وغيره: المعنى ليستِ اليهودُ متبعةً قبلة النصارى، ولا النصارى متبعةً قبلةَ اليهودِ، فهذا «١» إِعلام باختلافهم، وتدابرهم، وضلالهم، وقبلةُ النصارى مَشْرِقُ الشمْسِ، وقبلةُ اليهود بيْتُ المَقْدِسِ.

وقوله تعالى: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ...

الآية: خطاب للنبيّ صلّى الله عليه وسلم والمرادُ أمته، وما ورد من هذا النوع الّذي يوهم من النبيّ صلّى الله عليه وسلم ظُلْماً متوقّعاً، فهو محمولٌ على إِرادة أمته لعصمة النبيّ صلّى الله عليه وسلم، وقَطْعاً أن ذلك لا يكُونُ منْه، وإِنما المرادُ مَنْ يمكنُ أنْ يَقَعَ ذلكَ منه، وخوطب النبيّ صلّى الله عليه وسلم تعظيماً للأمر، قال الفَخْر «٢» : ودلَّت هذه الآية على أن توجه الوعيد على العلماء أشدُّ من توجُّهه على غيرهم لأن قوله: مِنْ بَعْدِ مَا جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ يدلُّ على ذلك.

انتهى، وهو حَسَنٌ.

ص: وَلَئِنْ أَتَيْتَ: لام «لَئِنْ» مؤذنةٌ بقَسَمٍ مقدَّرٍ قبلها، ولهذا كان الجواب:

له مَّا تَبِعُوا، ولو كان للشرط، لدخلت الفاء، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ لدلالة جواب القسم عليه، ومن ثم جاء فعل الشرط ماضياً، لأنه إِذا حذف جوابه، وجب فعله لفظا.

انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ النَّبِيَّ  ، كانَ يُحِبُّ أنْ يُوَجَّهَ إلى الكَعْبَةِ، قالَهُ البَراءُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ المُسَيِّبِ، وأبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ.

وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذِهِ الآَيَةَ مُقَدِّمَةٌ في النُّزُولِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ﴾ واخْتَلَفُوا في سَبَبِ اخْتِيارِ النَّبِيِّ الكَعْبَةَ عَلى بَيْتِ المَقْدِسِ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّها كانَتْ قِبْلَةَ إبْراهِيمَ، رَوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: لِمُخالَفَةِ اليَهُودِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

ومَعْنى تَقَلُّبَ وجْهِهِ: نَظَرُهُ إلَيْها يَمِينًا وشِمالًا.

و"فِي" بِمَعْنى: "إلى" و "تَرْضاها" بِمَعْنى: تُحِبُّها و "الشَّطْرُ": النَّحْوُ مِن غَيْرِ خِلافٍ.

قالَ ابْنُ عُمَرَ: «أتى النّاسَ آَتٍ وهم في صَلاةِ الصُّبْحِ بِقِباءٍ، فَقالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآَنٌ، وأُمِرَ أنْ يَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ، ألا فاسْتَقْبَلُوها [وَكانَتْ وُجُوهُهم إلى الشّامِ ] فاسْتَدارُوا وهم في صَلاتِهِمْ.» * فَصْلٌ اخْتَلَفَ العُلَماءُ أيُّ: وقْتٍ حُوِّلَتِ القِبْلَةَ؟

عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها حُوِّلَتْ في صَلاةِ الظُّهْرِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِلنِّصْفِ مِن رَجَبٍ عَلى رَأْسِ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِن مَقْدَمِ رَسُولِ اللَّهِ المَدِينَةَ، قالَهُ البَراءُ بْنُ عازِبٍ، ومَعْقِلُ بْنُ يَسارٍ.

والثّانِي: أنَّها حُوِّلَتْ يَوْمَ الثُّلاثاءِ لِلنِّصْفِ مِن شَعْبانَ عَلى رَأْسِ ثَمانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِن مَقْدَمِهِ المَدِينَةَ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: أنَّها حُوِّلَتْ في جُمادى الآَخِرَةَ، حَكاهُ ابْنُ سَلامَةَ المُفَسِّرُ عَنْ إبْراهِيمَ الحَرْبِيِّ.

وَفِي ﴿ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: اليَهُودُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ ﴾ يُشِيرُ إلى ما أمَرَ بِهِ مِنَ التَّوَجُّهِ إلى الكَعْبَةِ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِباقِي الآَيَةِ عَلى كِتْمانِهِمْ ما عَلِمُوا.

ومِن أيْنَ عَلِمُوا أنَّهُ الحَقُّ؟

فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ في كِتابِهِمُ الأمْرُ بِالتَّوَجُّهِ إلَيْها، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

والثّانِي: يَعْلَمُونَ أنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ قِبْلَةُ إبْراهِيمَ.

والثّالِثُ: أنَّ في كِتابِهِمْ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولٌ صادِقٌ، فَلا يَأْمُرُ إلّا بِحَقٍّ.

والرّابِعُ: أنَّهم يَعْلَمُونَ جَوازَ النَّسْخِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وجْهِكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ وما اللهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ وَلَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وما أنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهم وما بَعْضُهم بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ولَئِنْ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِن العِلْمِ إنَّكَ إذًا لَمِنَ الظالِمِينَ ﴾ المَقْصِدُ تَقَلُّبُ البَصَرِ، وذُكِرَ الوَجْهُ لِأنَّهُ أعَمُّ وأشْرَفُ، وهو المُسْتَعْمَلُ في طَلَبِ الرَغائِبِ، تَقُولُ: بَذَلْتُ وجْهِي في كَذا، وفَعَلْتُ لِوَجْهِ فُلانٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: رَجَعْتُ بِما أبْغِي ووَجْهِي بِمائِهِ.................

وأيْضًا فالوَجْهُ يَتَقَلَّبُ بِتَقَلُّبِ البَصَرِ، وقالَ قَتادَةُ والسُدِّيُّ وغَيْرُهُما: «كانَ رَسُولُ اللهِ  يُقَلِّبُ وجْهَهُ في الدُعاءِ إلى اللهِ تَعالى، أنْ يُحَوِّلَهُ إلى قِبْلَةِ مَكَّةَ، وقِيلَ: كانَ يُقَلِّبُ لِيُؤْذَنَ لَهُ في الدُعاءِ».

ومَعْنى التَقَلُّبِ نَحْوَ السَماءِ أنَّ السَماءَ جِهَةٌ قَدْ تَعَوَّدَ العالِمُ مِنها الرَحْمَةَ كالمَطَرِ والأنْوارِ والوَحْيِ، فَهم يَجْعَلُونَ رَغْبَتَهم حَيْثُ تَوالَتِ النِعَمُ.

و"تَرْضاها" مَعْناهُ: تُحِبُّها وتَقَرُّ بِها عَيْنُكَ.

وكانَ رَسُولُ اللهِ  يُحِبُّ الكَعْبَةَ والتَحَوُّلَ عن بَيْتِ المَقْدِسِ لِوُجُوهٍ ثَلاثَةٍ رُوِيَتْ، فَقالَ مُجاهِدٌ: لِقَوْلِ اليَهُودِ: ما عَلِمَ مُحَمَّدٌ دِينَهُ حَتّى اتَّبَعَنا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ولِيُصِيبَ قِبْلَةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ الرَبِيعُ، والسُدِّيُّ: ولِيَسْتَأْلِفَ العَرَبَ لِمَحَبَّتِها في الكَعْبَةِ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: إنَّما وجَّهَ رَسُولَ اللهِ  وأُمَّتَهُ حِيالَ مِيزابِ الكَعْبَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهُ: بَلْ وُجِّهَ إلى البَيْتِ كُلِّهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمِيزابُ: هو قِبْلَةُ المَدِينَةِ والشامِ، وهُنالِكَ قِبْلَةُ أهْلِ الأنْدَلُسِ بِلا رَيْبٍ، ولا خِلافَ أنَّ الكَعْبَةَ قِبْلَةٌ مِن كُلِّ أُفُقٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ ﴾ الآيَةُ، أمْرٌ بِالتَحَوُّلِ ونَسْخٌ لِقِبْلَةِ الشامِ.

وقِيلَ: «نَزَلَ ذَلِكَ عَلى النَبِيِّ  وهو في صَلاةِ الظُهْرِ بَعْدَ رَكْعَتَيْنِ مِنها فَتَحَوَّلَ في الصَلاةِ».

وذَكَرَ أبُو الفَرَجِ أنَّ عَبّادَ بْنَ نَهْيِكٍ كانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ  في هَذِهِ الصَلاةِ.

وقِيلَ: إنَّما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في غَيْرِ صَلاةٍ وكانَتْ أوَّلَ صَلاةٍ إلى الكَعْبَةِ العَصْرُ، و"شَطْرَ" نُصِبَ عَلى الظَرْفِ، ويُشْبِهُ المَفْعُولَ بِهِ لِوُقُوعِ الفِعْلِ عَلَيْهِ، ومَعْناهُ: نَحْوَ وتِلْقاءَ.

قالَ ابْنُ أحْمَرَ: تَعْدُو بِنا شَطْرَ جَمْعٍ وهي عاقِدَةٌ ∗∗∗ قَدْ كارَبَ العَقْدُ مِن إيفادِها الحُقَبا وقالَ غَيْرُهُ: أقُولُ لِأُمِّ زِنْباعَ أقِيمِي ∗∗∗ صُدُورَ العِيسِ شَطْرَ بَنِي تَمِيمٍ وقالَ لَقِيطُ: وقَدْ أظَلَّكم مِن شَطْرِ ثَغْرِكم ∗∗∗ هَوْلٌ لَهُ ظُلَمٌ تَغْشاكُمُ قِطْعًا وقالَ غَيْرُهُ: ألا مِن مُبَلِّغٍ عَمْرًا رَسُولًا ∗∗∗ وما تُغْنِي الرِسالَةُ شَطْرَ عَمْرِو ﴿ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا ﴾ أمْرٌ لِلْأُمَّةِ ناسِخٌ.

وقالَ داوُدُ بْنُ أبِي هِنْدَ: إنَّ في حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "فَوَلِّ وجْهَكَ تِلْقاءَ المَسْجِدِ الحَرامِ"، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ: إنَّ فِيهِ: "فَوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَهُ"، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فَوَلُّوا وُجُوهَكم تِلْقاءَهُ".

و ﴿ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ : اليَهُودُ والنَصارى، وقالَ السُدِّيُّ: المُرادُ اليَهُودُ، والأوَّلُ أظْهَرُ، والمَعْنى: إنَّ اليَهُودَ والنَصارى يَعْلَمُونَ أنَّ الكَعْبَةَ هي قِبْلَةُ إبْراهِيمَ إمامَ الأُمَمِ، وأنَّ اسْتِقْبالَها هو الحَقُّ الواجِبُ عَلى الجَمِيعِ اتِّباعًا لِمُحَمَّدٍ  الَّذِي يَجِدُونَهُ في كُتُبِهِمْ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "عَمّا تَعْمَلُونَ" بِتاءٍ عَلى المُخاطَبَةِ، فَإمّا عَلى إرادَةِ أهْلِ الكِتابِ أو أُمَّةِ مُحَمَّدٍ  ، وعَلى الوَجْهَيْنِ فَهو إعْلامٌ بِأنَّ اللهَ تَعالى لا يُهْمِلُ العِبادَ، ولا يَغْفَلُ عنها، وضَمَّنَهُ الوَعِيدَ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ مِن تَحْتٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَئِنْ أتَيْتَ ﴾ الآيَةُ، أعْلَمَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ حِينَ قالَتْ لَهُ اليَهُودُ: راجِعْ بَيْتَ المَقْدِسِ ونُؤْمِن بِكَ، مُخادَعَةً مِنهم أنَّهم لا يَتَّبِعُونَ لَهُ قِبْلَةً، يَعْنِي جُمْلَتْهُمْ؛ لِأنَّ البَعْضَ قَدِ اتَّبَعَ كَعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ وغَيْرِهِ، وأنَّهم لا يَدِينُونَ بِدِينِهِ، أيْ فَلا تُصْغِ إلَيْهِمْ.

والآيَةُ هُنا: العَلامَةُ.

وجاءَ جَوابُ "لَئِنْ" كَجَوابِ "لَوَ" وهي ضِدُّها في أنَّ "لَوَ" تَطْلُبُ المُضِيَّ والوُقُوعَ و"إنْ" تَطْلُبُ الِاسْتِقْبالَ لِأنَّهُما جَمِيعًا يَتَرَتَّبُ قَبْلَهُما مَعْنى القَسَمِ، فالجَوابُ إنَّما هو لِلْقَسَمِ لا أنَّ أحَدَ الحَرْفَيْنِ يَقَعُ مَوْقِعَ الآخَرِ.

هَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ﴾ ، لَفْظُ خَبَرٍ يَتَضَمَّنُ الأمْرَ، أيْ: فَلا تَرْكَنُ إلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما بَعْضُهُمْ ﴾ الآيَةُ، قالَ السُدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى: لَيْسَتِ اليَهُودُ مُتَّبِعَةً قِبْلَةَ النَصارى، ولا النَصارى مُتَّبَعَةً قِبْلَةَ اليَهُودِ، فَهَذا إعْلامٌ بِاخْتِلافِهِمْ وتَدابُرِهِمْ وضَلالِهِمْ، وقالَ غَيْرُهُما: مَعْنى الآيَةِ: وما مَن أسْلَمَ مَعَكَ مِنهم بِمُتَّبَعٍ قِبْلَةَ مَن لَمْ يُسْلِمْ، ولا مَن لَمْ يُسْلِمْ بِمُتَّبَعٍ قِبْلَةَ مَن أسْلَمَ، والأوَّلُ أظْهَرُ في الأبْعاضِ.

وَقِبْلَةُ النَصارى مَشْرِقُ الشَمْسِ، وقِبْلَةُ اليَهُودِ بَيْتُ المَقْدِسِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ ﴾ الآيَةُ، خِطابٌ لِلنَّبِيِّ  والمُرادُ أُمَّتُهُ، وما ورَدَ مِن هَذا النَوْعِ الَّذِي يُوهِمُ مِنَ النَبِيِّ  ظُلْمًا مُتَوَقَّعًا فَهو مَحْمُولٌ عَلى إرادَةِ أُمَّتِهِ، لِعِصْمَةِ النَبِيِّ  ، وقَطَعْنا أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ مِنهُ فَإنَّما المُرادُ مَن يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ ذَلِكَ مِنهُ، وخُوطِبَ النَبِيُّ  تَعْظِيمًا لِلْأمْرِ.

والأهْواءُ جَمْعُ هَوًى، ولا يُجْمَعُ عَلى أهْوِيَةٍ، عَلى أنَّهم قَدْ قالُوا: نَدى وأنْدِيَةٌ قالَ الشاعِرُ: في لَيْلَةٍ مِن جُمادى ذاتِ أنْدِيَةٍ ∗∗∗ لا يُبْصِرُ الكَلْبُ في ظَلْمائِها الطُنُبا وهَوى النَفْسِ إنَّما يُسْتَعْمَلُ في الأكْثَرِ فِيما لا خَيْرَ فِيهِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ مُقَيَّدًا بِهِ، كَما «قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ في أسْرى بَدْرٍ: فَهَوِيَ رَسُولُ اللهِ  ما قالَ أبُو بَكْرٍ»، و"إذا" حَرْفٌ مَعْناهُ: أنْ تَقَرَّرَ ما ذُكِرَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف ابتدائي وإفضاء لِشرع استقبال الكعبة ونَسْخخِ استقبال بيت المقدس فهذا هو المقصود من الكلام المفتتح بقوله: ﴿ سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ﴾ [البقرة: 142] بَعْد أن مَهَّد الله بما تقدم من أفانين التهيئة وإعدادِ الناس إلى ترقبه ابتداء من قوله: ﴿ ولله المشرق والمغرب ثم قوله: ولن ترضى عنك اليهود ﴾ [البقرة: 120] ثم قوله: ﴿ وإذا جعلنا البيت ﴾ [البقرة: 125] ثم قوله: ﴿ سيقول السفهاء ﴾ .

و (قد) في كلام العرب للتحقيق أَلاَ ترى أهلَ المعاني نَظَّروا هل في الاستفهام بقد في الخبر فقالوا من أجل ذلك إن هل لطلب التصديق فحرف قد يفيد تحقيق الفعل فهي مع الفعل بمنزلة إِنَّ مع الأسماء ولذلك قال الخليل إنها جواب لقوم ينتظرون الخبر ولو أخبروهم لا ينتظرونه لم يقل قد فعل كذا اه.

ولما كان علم الله بذلك مما لا يَشُك فيه النبي صلى الله عليه وسلم حتى يُحتاجَ لتحقيق الخبر به كان الخبر به مع تأكيده مستعملاً في لازمه على وجه الكناية لدفع الاستبطاء عنه وأن يُطَمئِنهَ لأن النبي كان حريصاً على حصوله ويَلزم ذلكَ الوعدُ بحصوله فتحصل كنايتان مترتبان.

وجيء بالمضارع مَعَ (قد) للدلالة على التجدد والمقصود تجدد لازمه ليكون تأكيداً لذلك اللازم وهو الوعد، فمن أجْل ذلك غلب على قد الداخلة على المضارع أن تكون للتكثير مثل ربما يفعل.

قال عبيد بن الأَبْرَص: قد أَتْركُ القِرن مُصْفَرَّا أَنامِلُه *** كَأَنَّ أَثوابه مُبحَّت بفِرصاد وستجيء زيادة بيان لهذا عند قوله تعالى: ﴿ قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون ﴾ [الأنعام: 33] في سورة الأنعام.

والتقلب مطاوع قَلَّبه إذا حَوَّله وهو مثل قلبهُ بالتخفيف، فالمراد بتقليب الوجه الالتفات به أي تحويله عن جهته الأصلية فهو هنا ترديده في السماء، وقد أخذوا من العدول إلى صيغة التفعيل الدلالةَ على معنى التكثير في هذا التحويل، وفيه نظر إذ قد يكون ذلك لما في هذا التحويل من الترقب والشدة فالتفعيل لقوة الكيفية، قالوا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقع في رُوعه إلهاماً أن الله سيحوله إلى مكة فكان يردد وجهه في السماء فقيل ينتظر نزول جبريل بذلك، وعندي أنه إذا كان كذلك لزم أن يكون تقليب وجهه عند تهيؤ نزول الآية وإلاّ لما كان يترقب جبريل فدل ذلك على أنه لم يتكرر منه هذا التقليب.

والفاء في ﴿ فلنولينك ﴾ فاء التعقيب لتأكيد الوعد بالصراحة بعد التمهيد لها بالكناية في قوله: ﴿ قد نرى تقلب وجهك ﴾ ، والتولية تقدم الكلام عليها عند قوله تعالى: ﴿ ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ﴾ [البقرة: 142]، فمعنى ﴿ فلنولينك قبلة ﴾ لنوجهنك إلى قبلة ترضاها.

فانتصب ﴿ قبلة ﴾ على التوسع بمنزلة المفعول الثاني وأصله لنولينك مِن قِبلة وكذلك قوله: ﴿ فول وجهك شطر المسجد الحرام ﴾ .

والمعنى أن تولية وجهه للكعبة سيحصل عقب هذا الوعد.

وهذا وعد اشتمل على أداتي تأكيد وأداةِ تعقيب وذلك غاية اللطف والإحسان.

وعبر بترضاها للدلالة على أن ميله إلى الكعبة ميل لقصد الخير بناء على أن الكعبة أجدر بيُوتتِ الله بأن يدل على التوحيد كما تقدم فهو أجدر بالاستقبال من بيت المقدس، ولأن في استقبالها إيماء إلى استقلال هذا الدين عن دين أهل الكتاب.

ولما كان الرضى مشعراً بالمحبة الناشئة عن تعقل اختير في هذا المقام دون تُحبها أو تهواها أو نحوهما فإن مقام النبي صلى الله عليه وسلم يربو عن أن يتعلق ميله بما ليس بمصلحة راجحة بعد انتهاء المصلحة العارضة لمشروعية استقبال بيت المقدس، ألا ترى أنه لما جاء في جانب قبلتهم بعد أن نسخت جاء بقوله: ﴿ ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ﴾ الآية.

وقوله: ﴿ فول وجهك ﴾ تفريع على الوعد وتعجيل به والمعنى فول وجهك في حالة الصلاة وهو مستفاد من قرينة سياق الكلام على المجادلة مع السفهاء في شأن قبلة الصلاة.

والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم والأمر متوجه إليه باعتبار ما فيه من إرضاء رغبته، وسيعقبه بتشريك الأمة معه في الأمر بقوله: ﴿ وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ﴾ .

والشَّطْر بفتح الشين وسكون الطاء الجهة والناحية وفسره قتادة بتلقاء، وكذلك قرأه أبي بن كعب، وفَسر الجُبَّائي وعبد الجبار الشطر هنا بأنه وسَط الشيء، لأن الشطر يطلق على نصف الشيء فلما أضيف إلى المسجد والمسجد مكان اقتضى أن نصفه عبارة عن نصف مقداره ومساحته وذلك وسطه، وجعَلا شطر المسجد الحرام كناية عن الكعبة لأنها واقعة من المسجد الحرام في نصف مساحته من جميع الجوانب (أي تقريباً) قال عبد الجبار ويدل على أن المراد ما ذكرنا وجهان أحدهما أن المصلى لو وقف بحيث يكون متوجهاً إلى المسجد ولا يكون متوجهاً إلى الكعبة لا تصح صلاته، الثاني لو لم نفسر الشطر بما ذكرنا لم يبق لذكر الشطر فائدة إذ يغني أن يقول: ﴿ فول وجهك المسجد الحرام ﴾ ولكان الواجب التوجه إلى المسجد الحرام لا إلى خصوص الكعبة.

فإن قلت ما فائدة قوله: ﴿ فلنولينك قبلة ترضاها ﴾ قبل قوله: ﴿ فول وجهك ﴾ وهلا قال: في السماء فول وجهك إلخ، قلت فائدته إظهار الاهتمام برغبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنها بحيث يعتنى بها كما دل عليه وصف القبلة بجملة ﴿ ترضاها ﴾ .

ومعنى (نولينك) نوجهنك، وفي التوجيه قرب معنوي لأن ولي المتعدي بنفسه إذا لم يكن بمعنى القرب الحقيقي فهو بمعنى الارتباط به، ومنه الولاء والولي، والظاهر أن تعديته إلى مفعول ثان من قبيل الحذف والتقدير ولى وجهه إلى كذا ثم يَعدونه إلى مفعول ثالث بحرف عن فيقولون ولَّى عن كذا وينزلونه منزلة اللازم بالنسبة للمفعولين الآخرين فيقدرون ولى وجهه إلى جهة كذا منصرفاً عن كذا أي الذي كان يليه من قبل، وباختلاف هاته الاستعمالات تختلف المعاني كما تقدم.

فالقبلة هنا اسم للمكان الذي يستقبله المصلى وهو إما مشتق من اسم الهيئة وإما من اسم المفعول كما تقدم.

والمسجد الحرام المسجد المعهود عند المسلمين والحرام المجعول وصفاً للمسجد هو الممنوع.

أي الممنوع منع تعظيم وحرمة فإن مادة التحريم تؤذن بتجنب الشيء فيفهم التجنب في كل مقام بما يناسبه.

وقد اشتهر عند العرب وصف مكة بالبلد الحرام أي الممنوع عن الجبابرة والظلمة والمعتدين ووصف بالمحرم في قوله تعالى حكاية عن إبراهيم: ﴿ عند بيتك الحرام ﴾ [إبراهيم: 37]، أي المعظم المحترم وسمي الحرم قال تعالى: ﴿ أولم نمكن لهم حرماً أمناً ﴾ [القصص: 57] فوصف الكعبة بالبيت الحرام وحرم مكة بالحرم أوصاف قديمة شائعة عند العرب فأما اسم المسجد الحرام فهو من الألقاب القرآنية جعل علماً على حريم الكعبة المحيط بها وهو محل الطواف والاعتكاف ولم يكن يعرف بالمسجد في زمن الجاهلية إذ لم تكن لهم صلاة ذات سجود والمسجد مكان السجود فاسم المسجد الحرام علم بالغلبة على المساحة المحصورة المحيطة بالكعبة ولها أبواب منها باب الصفا وباب بني شيبة ولما أطلق هذا العلم على ما أحاط بالكعبة لم يتردد الناس من المسلمين وغيرهم في المراد منه فالمسجد الحرام من الأسماء الإسلامية قبل الهجرة وقد ورد ذكره في سورة الإسراء وهي مكية.

والجمهور على أن المراد بالمسجد الحرام هنا الكعبة لاستفاضة الأخبار الصحيحة بأن القبلة صرفت إلى الكعبة وأن رسول الله أمر أن يستقبل الكعبة وأنه صلى إلى الكعبة يوم الفتح وقال هذه القبلة، قال ابن العربي «وَذَكَرَ المسجد الحرام والمراد به البيت لأن العرب تعبر عن البيت بما يجاوره أو بما يشتمل عليه» وعن ابن عباس البيت قبلة لأهل المسجد والمسجد قبلة لأهل الحرم والحرم قبلة لأهل المشرق والمغرب.

قال الفخر وهذا قول مالك، وأقول لا يعرف هذا عن مالك في كتب مذهبه.

وانتصب ﴿ شطر المسجد ﴾ على المفعول الثاني لولّ وليس منصوباً على الظرفية.

وقوله: ﴿ وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ﴾ تنصيص على تعميم حكم استقبال الكعبة لجميع المسلمين بعموم ضميري ﴿ كنتم ﴾ و ﴿ وجوهكم ﴾ لوقوعهما في سياق عموم الشرط بحيثما وحينما لتعميم أقطار الأرض لئلا يظن أن قوله: ﴿ فول وجهك شطر المسجد الحرام ﴾ خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم فإن قوله: ﴿ فول وجهك شطر المسجد الحرام ﴾ خطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم اقتضى الحال تخصيصه بالخطاب به لأنه تفريع على قوله: ﴿ قد نرى تقلب وجهك في السماء ﴾ ليكون تبشيراً له ويعلم أن أمته مثله لأن الأصل في التشريعات الإسلامية أن تعم الرسول وأمته إلاّ إذا دل دليل على تخصيص أحدهما، ولما خيف إيهام أن يكون هذا الحكم خاصاً به أو أن تجزئ فيه المرة أو بعض الجهات كالمدينة ومكة أريد التعميم في المكلفين وفي جميع البلاد، ولذلك جيء بالعطف بالواو لكن كان يكفي أن يقول وولوا وجوهكم شطره فزيد عليه ما يدل على تعميم الأمكنة تصريحاً وتأكيداً لدلالة العموم المستفاد من إضافة ﴿ شطر ﴾ إلى ضمير ﴿ المسجد الحرام ﴾ لأن شطر نكرة أشبهت الجمع في الدلالة على أفراد كثيرة فكانت إضافتها كإضافة الجموع، وتأكيداً لدلالة الأمر التشريعي على التكرار تنويهاً بشأن هذا الحكم فكأنه أفيد مرتين بالنسبة للمكلفين وأحوالهم أولاهما إجمالية والثانية تفصيلية.

وهذه الآيات دليل على وجوب هذا الاستقبال وهو حكمة عظيمة، ذلك أن المقصود من الصلاة العبادة والخضوع لله تعالى وبمقدار استحضار المعبود يقوى الخضوع له فتترتب عليه آثاره الطيبة في إخلاص العبد لربه وإقباله على عبادته وذلك ملاك الامتثال والاجتناب.

ولهذا جاء في الحديث الصحيح: " الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " ولما تنزه الله تعالى عن أن يحيط به الحس تعين لمحاول استحضار عظمته أن يجعل له مذكراً به من شيء له انتساب خاص إليه، قال فخر الدين: (إن الله تعالى خلق في الإنسان قوة عقلية مدركة للمجردات والمعقولات، وقوة خيالية متصرفة في عالم الأجسام، وقلما تنفك القوة العقلية عن مقارنة القوة الخيالية، فإذا أراد الإنسان استحضار أمر عقلي مجرد وجب أن يضع له صورة خيالية يحسها حتى تكون تلك الصورة الخيالية معينة على إدراك تلك المعاني العقلية، ولما كان العبد الضعيف إذا وصل إلى مجلس الملك العظيم لا بد من أن يستقبله بوجهه ويبالغ في الثناء عليه بلسانه وفي الخدمة له، فاستقبال القبلة في الصلاة يجري مجرى كونه مستقبلاً للملك، والقرآنُ والتسبيحات تجري مجرى الثناء عليه، والركوع والسجود يجري مجرى الخدمة) اه.

فإذا تعذر استحضار الذات المطلوبة بالحس فاستحضارها يكون بشيء له انتساب إليها مباشرة كالديار أو بواسطة كالبرق والنسيم ونحو ذلك أو بالشبه كالغزال عند المحبين، وقديماً ما استهترت الشعراء بآثار الأحبة كالأطلال في قوله: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل *** وأقوالهم في البرق والريح، وقال مالك بن الرَّيب: دَعاني الهَوى من أهل ودي وجيرتي *** بذِي الطَّيِّسَيْننِ فالتفتُّ وَرائيا والله تعالى منزه عن أن يحيط به الحس فوسيلة استحضار ذاته هي استحضار ما فيه مزيد دلالة عليه تعالى.

لا جرم أن أولى المخلوقاتتِ بأن يجعل وسيلة لاستحضار الخالق في نفس عبده هي المخلوقات التي كان وجودها لأجل الدلالة على توحيد الله وتنزيهه ووصفه بصفات الكمال مع تجردها عن كل ما يوهم أنها المقصودة بالعبادة وتلك هي المساجد التي بناها إبراهيم عليه السلام وجردها من أن يضع فيها شيئاً يوهم أنه المقصود بالعبادة، ولم يسمها باسم غير الله تعالى فبنى الكعبة أول بيت، وبنى مسجداً في مكان المسجد الأقصى، وبنى مساجد أخرى ورد ذكرها في التوراة بعنوان مذابح، فقد بنت الصابئة وأهل الشرك بعد نوح هيَاكل لتمجيد الأوثان وتهويل شأنها في النفوس فأضافوها إلى أسماء أناس مثل ود وسواع، أو إلى أسماء الكواكب، وذكر المسعودي في «مروج الذهب» عدة من الهياكل التي أقيمت في الأمم الماضية لهذا الشأن ومنها هيكل سندوساب ببلاد الهند وهيكل مصلينا في جهة الرقة بناه الصابئة قبل إبراهيم وكان آزر أبو إبراهيم من سدنته، وقيل إن عاداً بنوا هياكل منها جلق هيكل بلاد الشام.

فإذا استقبل المؤمن بالله شيئاً من البيوت التي أقيمت لمناقضة أهل الشرك وللدلالة على توحيد الله وتمجيده كان من استحضار الخالق بما هو أشدُّ إضافةً إليه، بيد أن هذه البيوت على كثرتها لا تتفاضل إلاّ بإخلاص النية من إقامتها، وبكون إقامتها لذلك وبأسبقية بعضها على بعض في هذا الغرض، وإن شئت جعلت كل هذه المعاني ثلاثةً في معنى واحد وهو الأسبقية لأن السابق منها قد امتاز على اللاَّحق بكونه هو الذي دل مؤسسَ ذلك اللاحق على تأسيسه قال تعالى: ﴿ لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه ﴾ [التوبة: 108]، وقال في ذكر مسجد الضرار: ﴿ لا تقم فيه أبداً ﴾ ، أي لأنه أسس بنية التفريق بين المؤمنين، وقال: ﴿ إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين ﴾ [آل عمران: 96] فجعله هدى للناس لأنه أول بيت فالبيوت التي أقيمت بعده كبيت المقدس من آثار اهتداء اهتداه بانُوها بالبيت الأول.

وقد قال بعض العلماء إن الكعبة أول هيكل أقيم للعبادة وفيه نظر سيأتي عند قوله تعالى: {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة في سورة آل عمران، ولا شك أن أول هيكل أقيم لتوحيد الله وتنزيهه وإعلان ذلك وإبطال الإشراك هو الكعبة التي بناها إبراهيم أول من حاج الوثنيين بالأدلة وأول من قاوم الوثنية بقوة يده فجعل الأوثان جذاذاً، ثم أقام لتخليد ذكر الله وتوحيده ذلك الهيكل العظيم ليعلم كل أحد يأتي أن سبب بنائه إبطال عبادة الأوثان، وقد مضت على هذا البيت العصور فصارت رؤيته مذكرة بالله تعالى، ففيه مزية الأولية، ثم فيه مزية مباشرة إبراهيم عليه السلام بناءه بيده ويد ابنه إسماعيل دون معونة أحد، فهو لهذا المعنى أعرق في الدلالة على التوحيد وعلى الرسالة معاً وهما قطبا إيمان المؤمنين وفي هذه الصفة لا يشاركه غيره.

ثم سَن الحج إليه لتجديد هذه الذكرى ولتعميمها في الأمم الأخرى، فلا جرم أن يكون أولى الموجودات بالاستقبال لمن يريد استحضار جلال الربوبية الحقة وما بنيت بيوت الله مثل المسجد الأقصى إلاّ بعده بقرون طويلة، فكان هو قبلة المسلمين.

قدمنا آنفاً أن شرط استقبال جهة معينة لم يكن من أحكام الشرائع السالفة وكيف يكون كذلك والمسجد الأقصى بني بعد موسى بما يزيد على أربعمائة سنة وغاية ما كان من استقباله بعد دعوة سليمان أنه استقبال لأجل تحقق قبول الدعاء والصلاة لا لكونه شرطاً، ثم إن اختيار ذلك الهيكل للاستقبال وإن كان دعوة فهي دعوة نبيء لا تكون إلاّ عن إلهام إلهي فلعل حكمة ذلك حينئذٍ أن الله أراد تعمير البلد المقدس كما وعد إبراهيم ووعد موسى فأراد زيادة تغلغل قلوب الإسرائيليين في التعلق به فبين لهم استقبال الهيكل الإيماني الذي أقامه فيه نبيه سليمان ليكون ذلك المعبد مما يدعو نفوسهم إلى الحرص على بقاء الأقطار بأيديهم.

ويجوز أن يكون قد شرع الله لهم الاستقبال بعد ذلك على ألسنة الأنبياء بعد سليمان وفيه بعد لأن أنبياءهم لم يأتوا بزيادة على شريعة موسى وإنما أتوا معززين فتشريعه الله تعالى استقبال المسلمين في صلاتهم لجهة معينة تكميل لمعنى الخشوع في صلاة الإسلام فيكون من التكملات التي ادخرها الله تعالى لهذه الشريعة لتكون تكملة الدين تشريفاً لصاحبها ولأمته إن كان الاحتمال الأول، فإن كان الثاني فالأمر لنا بالاستقبال لئلا تكون صلاتنا أضعف استحضاراً لجلال الله تعالى من صلاة غيرنا.

ولذلك اتفق علماؤنا على أن الاستقبال لجهة معينة كان مقارناً لمشروعية الصلاة في الإسلام فإن كان استقباله جهة الكعبة عن اجتهاد من النبي فعلَّته أنه المسجد الذي عظمه أهل الكتابين والذي لم يداخله إشراك ولا نصبت فيه أصنام فكان ذلك أقرب دليل لاستقبال جهته ممن يريد استحضار وحدانية الله تعالى، وإن كان استقبال بيت المقدس بوحي من الله تعالى فلعل حكمته تأليف قلوب أهل الكتابين وليظهر بعد ذلك للنبيء وللمسلمين من اتبعهم من أهل الكتاب حقاً ومن اتبعهم نفاقاً لأن الأخيرين قد يتبعون الإسلام ظاهراً ويستقبلون في صلاتهم قبلتهم القديمة فلا يرون حرجاً على أنفسهم في ذلك فإذا تغيرت القبلة خافوا من قصدهم لاستدبارها فأظهروا ما كانوا مستبطينه من الكفر كما أشار له قوله تعالى: ﴿ وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ﴾ [البقرة: 142] الآية.

ولعل العدول عن الأمر باستقبال الكعبة في صدر الإسلام كان لخضد شوكة مكابرة قريش وطعنهم في الإسلام فإنه لو استقبل مكة لشمخوا بأنوفهم وقالوا هذا بلدنا ونحن أهله واستقباله حنين إليه وندامة على الهجرة منه، كما قد يكون قوله تعالى: ﴿ ومن أظلم ممن منع مساجد الله ﴾ [البقرة: 114] وقوله: ﴿ ولله المشرق والمغرب ﴾ [البقرة: 115] إيماء إليه كما قدمناه، وعليه ففي تحويل القبلة إلى الكعبة بعد ذلك بشارة للنبيء صلى الله عليه وسلم بأن أمر قريش قد أشرف على الزوال وأن وقعة بدر ستكون الفيصل بين المسلمين وبينهم، ثم أمر الله بتحويل القبلة إلى البيت الذي هو أولى بذلك وإلى جهته للبعيد عنه.

اعتراض بين جملة: ﴿ فول وجهك شطر المسجد الحرام ﴾ وجملة ﴿ ومن حيث خرجت فول وجهك ﴾ [البقرة: 149] الآية.

والأظهر أن المراد بالذين أوتوا الكتاب أحبار اليهود وأحبار النصارى كما روى عن السُّدِّي كما يشعر به التعبير عنهم بصلة: ﴿ أوتوا الكتاب ﴾ دونَ أن يقال وإنَّ أهل الكتاب.

ومعنى كونهم يعلمون أنه الحق أن عِلْمهم بصدق محمد صلى الله عليه وسلم حسب البشارة به في كتبهم يتضمن أن ما جاء به حق.

والأظهر أيضاً أن المراد بالذين أوتوا الكتاب هم الذين لم يزالوا على الكفر ليظهر موقع قوله: ﴿ وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم ﴾ فإن الإخبار عنهم بأنهم يعلمون أنه الحق مع تأكيده بمؤكِّدَين، يقتضي أن ظاهر حالهم إذ أنكروا استقبال الكعبة أنهم أنكروه لاعتقادهم بطلانه وأن المسلمين يظنونهم معتقدين ذلك، وليظهر موقع قوله ﴿ وما الله بغافل عما يعلمون ﴾ الذي هو تهديد بالوعيد.

وقد دل التعريف في قوله: ﴿ أنه الحق ﴾ على القصر أي يعلمون أن الاستقبال للكعبة هو الحق دون غيره تبعاً للعلم بنسخ شريعتهم بشريعة الإسلام، وقيل إنهم كانوا يجدون في كتبهم أن قبلتهم ستبطل ولعل هذا مأخوذ من إنذارات أنبيائهم مثل أرميا وأشعيا المنادية بخراب بيت المقدس فإن استقباله يصير استقبال الشيء المعدوم.

وقوله: ﴿ وما الله بغافل عما يعملون ﴾ قرأه الجمهور بياء الغيبة والضميرُ للذين أوتوا الكتاب أي عن عملهم بغير ما علموا فالمراد بما يعملون هذا العملُ ونحوه من المكابرة والعناد والسفه.

وهذا الخبر كناية عن الوعيد بجزائهم عن سوء صنعهم لأن قول القادر ما أنا بغافل عن المجرم تحقيق لعقابه إذ لا يحول بين القادر وبين الجزاء إلاّ عدم العلم فلذلك كان وعيداً لهم ووعيدُهم يستلزم في المقام الخطابي وَعْداً للمسلمين لدلالته على عظيم منزلتهم فإن الوعيد إنما ترتب على مخالفتهم للمؤمنين فلا جرم أن سيلزم جزاء للمؤمنين على امتثال تغيير القبلة، ولأن الذي لا يغفل عن عمل أولئك لا يَغفل عن عمل هؤلاء فيجازي كلاً بما يستحق.

وقَرأه ابنُ عامر وحمزة والكسائي وأبو جعفر ورَوْح عن يعقوب بتاء الخطاب فهو كناية عن وعد للمسلمين على الامتثال لاستقبال الكعبة.

ويستلزم وعيداً للكافرين على عكس ما تقتضيه القراءة السابقة؛ وعلى القراءتين فهو تذييل إجمالي لِيأخُذ كلٌّ حظهُ منه وهو اعتراض بين جملة: ﴿ وإن الذين أوتوا ﴾ وجملة: ﴿ ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب ﴾ [البقرة: 145] الآية.

وفي قوله: ﴿ ليعلمون ﴾ وقوله: ﴿ عما يعملون ﴾ [البقرة: 96] الجناس التام المُحَرَّف على قراءة الجمهور والجناسُ الناقص المضارع على قراءة ابن عامر ومن وافقه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ مُتَقَدِّمَةٌ في النُّزُولِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿ تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ: تَحَوُّلُ وجْهِكَ نَحْوَ السَّماءِ، وهَذا قَوْلُ الطَّبَرِيِّ.

والثّانِي: مَعْناهُ: تَقَلُّبُ عَيْنَيْكَ في النَّظَرِ إلى السَّماءِ، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

﴿ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها ﴾ يَعْنِي الكَعْبَةَ كانَ رَسُولُ اللَّهِ  يَرْضاها ويَخْتارُها ويَسْألُ [رَبَّهُ] أنْ يُحَوَّلَ إلَيْها.

واخْتُلِفَ في سَبَبِ اخْتِيارِهِ لِذَلِكَ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: مُخالَفَةُ اليَهُودِ وكَراهَةً لِمُوافَقَتِهِمْ، لِأنَّهم قالُوا: تَتَّبِعُ قِبْلَتَنا وتُخالِفُنا في دِينِنا؟

وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّهُ اخْتارَها، لِأنَّها كانَتْ قِبْلَةَ أبِيهِ إبْراهِيمَ، وبِهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ.

فَإنْ قِيلَ: أكانَ رَسُولُ اللَّهِ  غَيْرَ راضٍ بِبَيْتِ المَقْدِسِ أنْ يَكُونَ لَهُ قِبْلَةً، حَتّى قالَ تَعالى لَهُ في الكَعْبَةِ: ﴿ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها ﴾ ؟

قِيلَ: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ غَيْرَ راضٍ بِبَيْتِ المَقْدِسِ، لَمّا أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ، لِأنَّ الأنْبِياءَ يَجِبُ عَلَيْهِمُ الرِّضا بِأوامِرِ اللَّهِ تَعالى، لَكِنَّ مَعْنى تَرْضاها: أيْ تُحِبُّها وتَهْواها، وإنَّما أحَبَّها مَعَ ما ذَكَرْنا مِنَ القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ، لِما فِيها مِن تَآلُفِ قَوْمِهِ وإسْراعِهِمْ إلى إجابَتِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ تَرْضاها ﴾ مَحْمُولًا عَلى الحَقِيقَةِ بِمَعْنى: تَرْضى ما يَحْدُثُ عَنْها مِنَ التَّأْلِيفِ، وسُرْعَةِ الإجابَةِ، ثُمَّ قالَ تَعالى مُجِيبًا لِرَغْبَتِهِ وآمِرًا بِطَلِبَتِهِ: ﴿ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ ﴾ أيْ حَوِّلْ وجْهَكَ في الصَّلاةِ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ أيْ: نَحْوَ المَسْجِدِ الحَرامِ، كَما قالَ الهُذَلِيُّ: إنَّ العَسِيرَ بِها داءٌ يُخامِرُها فَشَطْرَها نَظَرُ العَيْنَيْنِ مَحْسُورُ أيْ نَحْوَها، والشَّطْرُ مِنَ الأضْدادِ، يُقالُ: شَطَرَ إلى كَذا إذا أقْبَلَ نَحْوَهُ، وشَطَرَ عَنْ كَذا إذا بَعُدَ مِنهُ وأعْرَضَ عَنْهُ، وشَطْرُ الشَّيْءِ: نِصْفُهُ، فَأمّا الشّاطِرُ مِنَ الرِّجالِ فَلِأنَّهُ قَدْ أخَذَ في نَحْوٍ غَيْرِ الِاسْتِواءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ المَسْجِدِ الحَرامِ ﴾ يَعْنِي بِهِ الكَعْبَةَ، لِأنَّها فِيهِ فَعَبَّرَ بِهِ عَنْها.

واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في المَكانِ الَّذِي أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ  أنْ يُوَلِّيَ وجْهَهُ إلَيْهِ: فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ: ﴿ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها ﴾ قالَ: حِيالَ مِيزابِ الكَعْبَةِ.

وَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ: البَيْتُ كُلُّهُ، وقِبْلَةُ البَيْتِ البابُ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ ﴾ يَعْنِي نَحْوَ المَسْجِدِ الحَرامِ أيْضًا تَأْكِيدًا لِلْأمْرِ الأوَّلِ لِأنَّ عُمُومَهُ يَقْتَضِيهِ، لَكِنْ أرادَ بِالتَّأْكِيدِ احْتِمالَ التَّخْصِيصِ، ثُمَّ جَعَلَ الأمْرَ الأوَّلَ مُواجَهًا بِهِ النَّبِيُّ  ، والثّانِيَ مُواجَهًا بِهِ جَمِيعُ النّاسِ، فَكِلا الأمْرَيْنِ عامٌّ في النَّبِيِّ  وجَمِيعِ أُمَّتِهِ، لَكِنْ غايَرَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ لِيَمْنَعَ مِن تَغْيِيرِ الأمْرِ في المَأْمُورِ بِهِ، ولِيَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما جارِيًا عَلى عُمُومِهِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ والنَّصارى.

﴿ لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ ﴾ يَعْنِي تَحْوِيلَ القِبْلَةِ عَنْ بَيْتِ المَقْدِسِ إلى الكَعْبَةِ.

﴿ وَما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ ﴾ مِنَ الخَوْضِ في إفْتانِ المُسْلِمِينَ عَنْ دِينِهِمْ بِذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن ماجة عن البراء قال: «صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس ثمانية عشر شهراً، وصرفت القبلة إلى الكعبة بعد دخوله إلى المدينة بشهرين، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى إلى بيت المقدس أكثر تقلب وجهه في السماء، وعلم الله من قلب نبيه أنه يهوى الكعبة، فصعد جبريل فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبعه بصره وهو يصعد بين السماء والأرض ينظر ما يأتيه به، فأنزل الله: ﴿ قد نرى تقلب وجهك في السماء...

﴾ الآية.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا جبريل كيف حالنا في صلاتنا إلى بيت المقدس؟

فأنزل الله: ﴿ وما كان الله ليضيع إيمانكم ﴾ [ البقرة: 143] » .

وأخرج الطبراني عن معاذ بن جبل قال: «صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن قدم المدينة إلى بيت المقدس سبعة عشر شهراً، ثم أنزل الله أنه أمره فيها بالتحوّل إلى الكعبة فقال: ﴿ قد نرى تقلب وجهك في السماء...

﴾ الآية» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سلم من صلاته إلى بيت المقدس رفع رأسه إلى السماء، فأنزل الله: ﴿ قد نرى تقلب وجهك...

﴾ الآية» .

وأخرج النسائي والبزار وابن المنذر والطبراني عن أبي سعيد بن المعلى قال: «كنا نغدو إلى المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنمر على المسجد فنصلي فيه، فمررنا يوماً ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد على المنبر، فقلت: لقد حدث أمر...

!

فجلست.

فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ﴿ قد نرى تقلب وجهك في السماء ﴾ حتى فرغ من الآية، فقلت لصاحبي: تعال نركع ركعتين قبل أن ينزل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنكون أول من صلى فتوارينا فصلينا، ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى للناس الظهر يومئذ إلى الكعبة» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها ﴾ قال: هو يومئذ يصلي نحو بيت المقدس، وكان يهوى قبلة نحو البيت الحرام، فولاه الله قبلة كان يهواها ويرضاها ﴿ فول وجهك شطر المسجد الحرام ﴾ قال: تلقاء المسجد الحرام.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال: قالت اليهود: يخالفنا محمد ويتبع قبلتنا...

!

فقال: يدعو الله ويستفرض القبلة، فنزلت ﴿ قد نرى تقلب وجهك في السماء...

﴾ الآية فانقطع قول يهود حين وجه للكعبة، وحوّل الرجال مكان النساء والنساء مكان الرجال.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وسعيد بن منصور وأحمد بن منيع في مسنده وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الكبير والحاكم وصححه عن عبد الله بن عمرو في قوله: ﴿ فلنولينك قبلة ترضاها ﴾ قال: قبلة إبراهيم نحو الميزاب.

وأخرج عبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن أبي حاتم عن البراء في قوله: ﴿ فول وجهك شطر المسجد الحرام ﴾ قال: قبله.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والدينوري في المجالسة والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن علي في قوله: ﴿ فول وجهك شطر المسجد الحرام ﴾ قال: شطره قبله.

وأخرج أبو داود في ناسخه وابن جرير والبيهقي عن ابن عباس قال: شطره نحوه.

وأخرج آدم والدينوري في المجالسة والبيهقي عن مجاهد في قوله: ﴿ شطره ﴾ يعني نحوه.

وأخرج وكيع وسفيان بن عيينة وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير والدينوري عن أبي العالية في قوله: ﴿ شطر المسجد الحرام ﴾ قال: تلقاءه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن رفيع قال: ﴿ شطره ﴾ تلقاءه بلسان الحبش.

وأخرج أبو بكر بن أبي داود في المصاحف عن أبي رزين قال: في قراءة عبد الله ﴿ وحيثما كنتم فولوا وجوهكم قبله ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: البيت كله قبلة وقبلة البيت الباب.

وأخرج البيهقي في سننه عن ابن عباس مرفوعاً: «البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها من أمتي» .

وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله: ﴿ وإن الذين أوتوا الكتاب ﴾ قال: أنزل ذلك في اليهود.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم ﴾ قال: يعني بذلك القبلة.

وأخرج أبو داود في ناسخه وابن جرير عن أبي العالية في قوله: ﴿ وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق ﴾ يقول: ليعلمون أن الكعبة كانت قبلة إبراهيم والأنبياء ولكنهم تركوها عمداً ﴿ وأن فريقاً منهم ليكتمون الحق ﴾ [ البقرة: 146] يقول: يكتمون صفة محمد وأمر القبلة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ﴾ الآية.

قال المفسرون: كانت الكعبة أحبَّ القبلتين إلى رسول الله  .

قال ابن عباس: لأنها كانت قبلة أبيه إبراهيم (١) وقال مجاهد (٢) (٣) (٤) (٥) وقال عامة المفسرين: إن رسول الله  وأصحابه كانوا بمكة يصلّون إلى الكعبة، فلما هاجروا إلى المدينة أمره الله أن يصلي نحو صخرة بيت المقدس؛ ليكون أقرب إلى تصديق اليهود إياه إذا صلى إلى قبلتهم (٦) وقال ابن زيد: قال الله لنبيه  : ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ﴾ فقال: هؤلاء اليهود يستقبلون بيتًا من بيوت الله، فلو استقبلناه، فاستقبله النبي  سبعة عشر شهرًا (٧) ثم رأى أن الصلاة إلى الكعبة أدعى لقومه إلى الإسلام، فقال لجبريل: وددت (٨) ﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ﴾ (٩) قال أصحاب المعاني: أراد: تَقَلُّبَ عينيك، فذكرهما بلفظ الوجه، كما ذكر الأعين بلفظ الوجوه في قوله: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ  ﴾ ، وذلك أنّ ما تقع به المواجهة يسمّى وجهًا، كاللحية قد يطلق عليها اسم الوجه.

ويجوز أن يريد نفس الوجه؛ لأنه كما يقلب عينيه في السماء يقلب وجهه (١٠) وقوله تعالى: ﴿ فِي السَّمَاءِ ﴾ أي: في النظر إلى السماء.

وقوله تعالى: ﴿ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً ﴾ يقال، وَلَّيْتُكَ القبلة،: إذا صيرتَه يستقبلها (١١) (١٢) (١٣) (١٤) وقد جاءت هذه الكلمة مستعملة على خلاف المقابلة والمواجهة، وذلك نحو: ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ  ﴾ ﴿ وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى  ﴾ ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ  ﴾ ﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّى  ﴾ ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا  ﴾ ، فهذه مع (١٥) ﴿ وَلَّى مُدْبِرًا  ﴾ ، وقوله: ﴿ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ مُدْبِرِينَ ﴾ حال مؤكدة؛ لأن في ﴿ وَلَّيْتُمْ ﴾ دلالة على أنهم مدبرون، وهذا على نحوين: أما ما لحق التاءُ أولَّه، فإنه يجوز أن يكون من باب: تَحَوَّب (١٦) (١٧) (١٨) وقوله تعالى: ﴿ تَرْضَاهَا ﴾ أي: تحبها وتهواها (١٩)  كان راضيًا بالقبلة الأولى، مطيعًا لله في حال صلاته إليها (٢٠) (٢١) (٢٢) وقوله تعالى: ﴿ فَوَلِّ وَجْهَكَ ﴾ أي: أقبل وجهك نحوه.

وقوله تعالى: ﴿ شَطْرَ الْمَسْجِدِ ﴾ أي: قصدَه ونحوَه، ومعنى الشطر: النحو عند أهل اللغة، يقولون: وَلِّ وجْهَك نحوَ الموضع، وشطرَه، وتلِقَاءه بمعنًى.

قال الشاعر: وأظعنُ بالقوم شَطْر الملوك ...

حتى إذا خَفَق المِجْدَحُ (٢٣) وقال آخر: أقول لأم زِنباعَ أقيمي ...

صُدورَ العِيس شَطْرَ بني تميمِ (٢٤) أقِمْ قصدَ وجهك شطرَ العراق ...

وخالَ الخليفة فاستَمْطِرِ (٢٥) قال أبو اسحاق: لا اختلاف بين أهل اللغة أن الشطر معناه: النحو.

قال: وقول الناس: فلان شاطر، معناه: إنه قد أخذ في نحو غير الاستواء.

قال: ونصب قوله: ﴿ شَطْرَ الْمَسْجِدِ ﴾ على الظرف (٢٦) وقوله تعالى: ﴿ اَلْحَرَامِ ﴾ بمعنى المحرم، وأصله: من المنع، وسمِّيت تلك البقعة حرامًا لما منع فيها من أشياء لم تمنع في غيرها (٢٧) ﴿ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ ﴾ في بر أو بحر (٢٨) ﴿ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ  ﴾ .

﴿ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾ فيه إضمار واختصار، أي: وحيثما كنتم، وأردتم الصلاة، فولّوا وجوهكم شطره.

قال المفسرون: إن أول ما نسخ من أمور الشرع أمر القبلة (٢٩)  في مسجد بني سلمة، وقد صلّى بأصحابه (٣٠) (٣١) ﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ﴾ (٣٢) ﴿ أَنَّهُ ﴾ يجوز أن ترجع إلى المسجد الحرام، أي: إنهم عالمون أن المسجد الحرام قِبْلَة إبراهيم وأنه حق.

ويجوز أن تعود الكناية إلى التولية (٣٣) ﴿ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ ﴾ دل على المصدر، كما أن قوله: ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ  ﴾ دل على البخل، فكنى عنه بقوله: ﴿ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ .

والتولية وإن كان في لفظ المؤنث فهو مصدر، وحكى ابن الأنباري: أن أبا عمرو الدوري روى عن الكسائي: أن الهاء تعود على الشطر (٣٤) (٣٥) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾ قال ابن عباس: يريد أنكم يا معشر المؤمنين تطلبون مرضاتي، وما أنا بغافل عن ثوابكم وجزائكم.

وإن اليهود يطلبون سخطي، وما أنا بغافل عن خِزْيِهم في الدنيا والآخرة (٣٦) (١) رواه عنه الطبري 2/ 20، وابن أبي حاتم 1/ 253، وذكره الثعلبي 1/ 1242.

(٢) رواه عنه الطبري 2/ 20، وذكره الثعلبي 1/ 1242، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" 1/ 269 إلى عبد بن حميد.

(٣) ذكره الثعلبي 1/ 1242، والحيري في "الكفاية" 1/ 80.

(٤) رواه عنه الطبري 2/ 20، وذكره الثعلبي 1/ 1242.

(٥) وثم قول ثالث روي عن السدي، وهو ليتألف العرب لمحبتها في الكعبة.

ينظر "البحر المحيط" 1/ 428.

(٦) عزاه لعامة المفسرين: الثعلبي 1/ 1241.

وينظر: "الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد برقم 21، "صحيح البخاري مع الفتح" 1/ 95، ومسلم (525) كتاب المساجد، باب: تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة، "تفسير الطبري" 2/ 20، "الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه" لمكي ص 126، "تفسير البغوي" 1/ 161، "التفسير الكبير" 3/ 109، "تفسير الخازن" 1/ 120، "العجاب" لابن حجر 1/ 396.

(٧) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 20 بلفظ: ستة عشر شهرًا، وذكره الثعلبي 1/ 1242، ويوحي صنيع الواحدي أن ما بعده تبع له، وليس الأمر كذلك.

(٨) في (م): (وودت).

(٩) كذا في "تفسير مقاتل" 1/ 144، "تفسير الثعلبي" 1/ 1243، "تفسير البغوي"، عن مجاهد 1/ 161، "العجاب" لابن حجر 1/ 395، وقال في "الدر المنثور" 1/ 269: أخرجه أبو داود في "ناسخه" عن أبي العالية.

وذكره الواحدي ص 46، == عن ابن عباس من رواية الكلبي، وأخرج بعضه الطبري في "تفسيره" 2/ 20، والنحاس في "الناسخ والمنسوخ" ص 15، من طريق علي بن طلحة عن ابن عباس.

(١٠) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 221، "تفسير الثعلبي" 1/ 1243، "المحرر الوجيز" 2/ 13، "تفسير القرطبي" 2/ 145، والوجه الثاني هو الذي ذكره الطبري في "تفسيره" 2/ 20.

(١١) في (م): (مستقبلها).

(١٢) في (ش): كأنها (يمارض).

(١٣) في (ش): (فيه دلالة).

(١٤) من كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 230.

(١٥) في (ش): فهذا (دخول).

(١٦) في (أ)، (م): (تحرب).

(١٧) في (أ)، (م): (الحرب).

(١٨) من كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 231 - 232 بمعناه.

(١٩) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1243.

(٢٠) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 222.

(٢١) أن ساقطة من (م).

(٢٢) تقدمت في أول الآية.

(٢٣) البيت لدرهم بن زيد الأنصاري، في "تفسير الثعلبي" 1/ 1244، "مجمل اللغة" 1/ 180، "الكشاف" 1/ 201، "أساس البلاغة" 2/ 72، "تاج العروس" 4/ 22 (جرح)، "لسان العرب" 1/ 559، 2/ 1214.

والمجدح: نجم من النجوم كانت العرب تزعم أنها تمطر به، كقولهم الأنواء.

وجواب إذا خفق المجدح، في البيت الذي بعده وهو قوله: أمرت صحابي بأن ينزلوا ...

فناموا قليلًا وقد أصبحوا (٢٤) البيت لأبي زنباع الجذامي، في "الدرر" 3/ 90، "لسان العرب" 4/ 2263 "شطر"، ولأبي ذؤيب الهذلي في "شرح أشعار الهذليين" 1/ 363، وبلا نسبة في "شرح ديوان الحماسة" للمرزوقي 2/ 705.

(٢٥) البيت بلا نسبة في "جمهرة اللغة" 2/ 728.

(٢٦) بتصرف من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 222، ونقل الإجماع على النحو ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 156، وينظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 220 - 221، "التبيان" للعكبري ص 99.

وينظر في معاني الشطر: "تفسير الطبري" 2/ 20 - 21، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة ص 60، "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 64، "المفردات" ص 264، "تفسير القرطبي" 2/ 146.

(٢٧) ينظر: "لسان العرب" 2/ 847 - 848.

(٢٨) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1244.

(٢٩) قاله ابن عباس كما رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 253 عنه، ورواه أبو داود في ناسخه كما في "الدر المنثور" 1/ 269، ورواه الطبري عن الحسن وعكرمة 2/ 4، وينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1241.

(٣٠) في (م): (أصحابه).

(٣١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1244 عن مجاهد وغيره، وينظر: "تفسير البغوي" 1/ 162، (الخازن) 1/ 121.

(٣٢) ذكره مقاتل في "تفسيره" 1/ 146، وذكره هكذا الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1244، والبغوي 1/ 162، وأخرج الطبري 2/ 24 - 25 نحوه عن السدي، وقد اختلفت الروايات كثيرًا في الوقت والمكان والكيفية التي غيرت فيها القبلة، وقد ذكر جملة منها: السيوطي في "الدر المنثور" 1/ 267 - 273.

وقال الحافظ ابن حجر في "الفتح" 1/ 503: اختلفت الرواية في الصلاة التي تحولت القبلة عندها، وكذا في المسجد، فظاهر حديث البراء هذا أنها الظهر، وذكر محمد بن سعد في "الطبقات" قال: يقال: إنه صلى ركعتين من الظهر في مسجده بالمسلمين، ثم أمر أن يتوجه إلى المسجد الحرام، فاستدار إليه، ودار معه المسلمون، ويقال: زار النبي  أم بشر بن البراء بن معرور في بني سلمة، فصنعت له طعامًا، وحانت الظهر، فصلى رسول الله  بأصحابه ركعتين، ثم أمر فاستدار إلى الكعبة، واستقبل الميزاب، فسمي مسجد القبلتين.

قال ابن سعد: قال الواقدي: هذا أثبت عندنا.

وذكر ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 157، خلاف العلماء في وقت تحويل القبلة فلينظر.

(٣٣) وهذا اختيار الطبري في "تفسيره" 2/ 23، وينظر: "زاد المسير" 1/ 156 - 157، "تفسير القرطبي" 2/ 147.

(٣٤) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 430.

(٣٥) ينظر في الأقوال: "تفسير الطبري" 2/ 23، "زاد المسير" 1/ 157، "البحر المحيط" 1/ 430، "الدر المنثور" 1/ 267 - 269.

(٣٦) ذكره البغوي في "تفسيره" 1/ 163.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ ﴾ كان النبي صلى الله عليه وسلم يرفع رأسه إلى السماء رجاء أن يؤمر بالصلاة إلى الكعبة ﴿ شَطْرَ المسجد ﴾ جهة ﴿ وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ﴾ خبر يتضمن النهي ووحدت قبلتهم، وإن كانت جهتين لاتحادهم في البطلان ﴿ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ﴾ لأن اليهود لعنهم الله يستقبلون المغرب والنصارى المشرق ﴿ يَعْرِفُونَهُ ﴾ أي يعرفون القرآن أو النبي صلى الله عليه وسلم أو أمر القبلة ﴿ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾ مبالغة في وصف المعرفة، وقال عبد الله بن سلام معرفتي بالنبي صلى الله عليه وسلم أشدّ من معرفتي بابني؛ لأن ابني قد يمكن فيه الشك ﴿ وَلِكُلٍّ ﴾ ولك أي لكل أحد أو لكل طائفة ﴿ وِجْهَةٌ ﴾ أي جهة، ولم تحذف الواو لأنه ظرف مكان، وقيل: إنه مصدر، وثبت فيه الواو على غير قياس ﴿ فاستبقوا الخيرات ﴾ أي بادروا إلى الأعمال الصالحات ﴿ يَأْتِ بِكُمُ الله ﴾ أي يبعثكم من قبوركم ﴿ فَوَلِّ وَجْهَكَ ﴾ الأمر كرر للتأكيد أو ليناط به ما بعده ﴿ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ ﴾ الآية: معناها أن الصلاة إلى الكعبة تدفع حجة المعترضين من الناس، فإن أريد اليهود فحجتهم أنهم يجدون في كتبهم أنّ النبي صلى الله عليه وسلم يتحوّل إلى الكعبة، فلما صلى إليها لم تبق لهم حجة على المسلمين، وإن أريد قريش فحجتهم أنهم قالوا: قبلة آبائه أولى به ﴿ إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ ﴾ أي من يتكلم بغير حجة ويعترض التحوّل إلى الكعبة، والاستثناء متصل؛ لأنه استثناء من عموم الناس.

ويحتمل الانقطاع على أن يكون استثناء ممن له حجة، فإن الذين ظلموا هم الذين ليس لهم حجة ﴿ وَلأُتِمَّ ﴾ متعلق بمحذوف أي فعلت ذلك لأتمّ، أو معطوف على لئلا يكون ﴿ كَمَآ أَرْسَلْنَا ﴾ متعلق بقوله لأتم، أو بقوله فاذكروني والأول أظهر.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ من يشاء إلى ﴾ بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر.

الباقون ﴿ يشاء ولى ﴾ بقلب الثانية واواً.

وروى الخزاعي وابن شنبوذ عن أهل مكة ﴿ يشاو إلى ﴾ بقلب الأولى واواً ﴿ لرؤف ﴾ مهموزاً مشبعاً: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وابن عامر وحفص والمفضل والبرجمي.

وقرأ يزيد بتليين الهمزة والإشباع.

الباقون: ﴿ لرؤف ﴾ على وزن "الرعف" ﴿ ..

يعملون ولئن ﴾ بياء الغيبة: ابن كثير ونافع وخلف وعاصم وأبو عمرو ويعقوب، الباقون: بالتاء ﴿ مولاها ﴾ بالألف: ابن عامر والباقون: بالباء وكسر اللام ﴿ يعملون ومن حيث ﴾ بياء المغايبة: أبو عمرو.

الباقون: بالتاء ﴿ ليلاً ﴾ مدغمة غير مهموزة عن ورش، وعن ابن كثير وحمزة وعلي وخلفٍ ويعقوب مدغماً مهموزاً.

الباقون: مظهراً مهموزاً، والاختيار عن يعقوب وهشام الإظهار.

﴿ فاذكروني ﴾ بفتح الياء: ابن كثير.

الوقوف: ﴿ عليها ﴾ ط ﴿ المغرب ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ شهيداً ﴾ ط ﴿ عقبيه ﴾ ط ﴿ هدى الله ﴾ ط ﴿ ايمانكم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ في السماء ﴾ ج لأن الجملتين وإن اتفقتا فقد دخل الثانية حرفا توكيد يختصان بالقسم والقسم مصدّر ﴿ ترضيها ﴾ ص لأن فاء التعقيب لتعجيل الموعود ﴿ الحرام ﴾ ط ﴿ شطره ﴾ ط ﴿ من ربهم ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ قبلتك ﴾ ج ﴿ قبلتهم ﴾ ج وكلاهما لتفصيل الأحوال مع اتحاد المقصود ﴿ قبلة بعض ﴾ ط ﴿ من العلم ﴾ لا لأن "ان" جواب معنى القسم في "لئن"، فلو فصل كان ﴿ من الظالمين ﴾ مطلقاً وفي الاطلاق حظر ﴿ الظالمين ﴾ ه م لأنه لو وصل صار "الذين" صفة وهو مبتدأ في مدح عبد الله ابن سلام وأضرابه ﴿ أبناءهم ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ الممترين ﴾ ه ﴿ الخيرات ﴾ ط ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ الحرام ﴾ (ط) ﴿ من ربك ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الحرام ﴾ ط لأن "حيث" متضمن الشرط ﴿ شطره ﴾ لا لتعلق لام في ﴿ حجة ﴾ ط قبل تحرزاً عن إثبات الحجة بعد النفي والوصل ه في العربية أوضح، ولا منافاة لأن المراد من الحجة الخصومة وبيان الحق لا ينافي الخصومة ﴿ تهتدون ﴾ إذا علق ﴿ كما أرسلنا ﴾ بما قبله ووقف على ﴿ تعلمون ﴾ وإن علق بما بعده وقف على ﴿ تهتدون ﴾ دون ﴿ تعلمون ﴾ ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ ولا تكفرون ﴾ ه.

التفسير: هذه شبهة ثانية من أهل الكتاب طعناً في الإسلام.

قالوا: النسخ يقتضي إما الجهل أو التجهيل لأن الأمر إن كان خالياً عن القيد كفى فعله مرة واحدة، فلا يكون ورود الأمر بعده على خلافه ناسخاً مقيداً.

وإن كان مقيداً بالدوام فكذلك، وإن كان مقيداً بالدوام فإن كان الآمر يعتقد دوامه ثم رفعه كان جهلاً وبداء، وإن كان عالماً بلا دوامه كان تجهيلاً، وكل هذه من الحكيم قبيح.

ثم إنهم خصصوا هذه الصورة بمزيد شبهة، وهو أنّا إذا جوزنا النسخ عند اختلاف المصالح فههنا لا مصلحة فإن الجهات متساوية وهذا دليل على أن هذا التغيير ليس من عند الله.

قال القفال: لفظ ﴿ سيقول ﴾ وإن كان للاستقبال لكنه قد يستعمل في الماضي كالرجل يعمل عملاً فيطعن فيه بعض أعدائه فيقول: أنا أعلم أنهم سيطعنون فيّ.

كأنه يريد أنه إذا ذكر مرة فسيذكرونه مرات أخرى، ويؤيد ذلك ما ورد من الأخبار أنهم لما قالوا ذلك نزلت الآية.

والمشهور أن الله  أخبر عنهم قبل أن ذكروا هذا الكلام أنهم سيذكرونه، وفيه فوائد منها: أنه إخبار بالغيب فيكون معجزاً.

ومنها أن مفاجأة المكروه أشد مما إذا وطن النفس له.

ومنها أن الجواب العتيد أقطع للخصم وقبل الرمي يراش السهم، والسفهاء الخفاف الأحلام وإذا كان من لا يميز بين ما له وعليه في أمر دنياه يعدّ سفيهاً شرعاً، فالذي يضيع أمر آخرته أولى بهذا الاسم.

عن ابن عباس ومجاهد: هم اليهود، ذلك أنهم كانوا يأنسون بموافقة النبي  إياهم في القبلة، فلمّا تحول استوحشوا لا سيما وأنهم لا يرون النسخ.

وعن البراء بن عازب والحسن الأصم: أنهم مشركو العرب قالوا: أبى إلاّ الرجوع إلى موافقتنا ولو ثبت عليه أولاً كان أولى به.

وقيل: هم المنافقون ذكروا ذلك استهزاء من حيث إن تميز بعض الجهات عن بعض ليس له دليل معقول فحملوا الأمر على العبث والعمل بالرأي والتشهي والأقرب أن يكون الكل داخلاً فيه، لأن الأعداء جبلت على الغيظ وطلب التشفي، فإذا وجدوا مجالاً لم يتركوا مقالاً ﴿ ما ولاهم ﴾ ما صرفهم استفهموا على جهة التعجب والاستهزاء ﴿ عن قبلتهم التي كانوا عليها ﴾ القبلة بيت المقدس، وضمير الجمع للرسول والمؤمنين هذا هو المجمع عليه عند المفسرين، ولولا الإجماع لاحتمل أن يعود الضمير في "كانوا" إلى "السفهاء" أي ما الذي صرف الرسول والمؤمنين عن القبلة التي كان السفهاء عليها فإنهم كانوا لا يعرفون إلاّ قبلة اليهود وهي إلى المغرب وقبلة النصارى وهي إلى المشرق؟

فكأنهم قالوا: كيف يتوجه أحد إلى غير هاتين الجهتين المعروفتين؟

فاجابهم الله عن شبهتهم بقوله ﴿ قل لله المشرق والمغرب ﴾ أي بلادهما، والأرض كلها والجهات بأسرها ملكاً وملكاً، ثم أكد ذلك بقوله ﴿ يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيمٍ ﴾ وهو القبلة التي اقتضت الحكمة في هذا الزمان توجيه الناس إليها ويحتمل أن يراد به الطريقة المؤدية إلى سعادة الدارين فيشتمل القبلة وغيرها.

وحاصل الجواب بعد ما مر في آية النسخ أنه  فاعل لما يشاء كما يشاء، لا اعتراض لأحد عليه كما لا اعتراض على من يتصرف في ملكه كما يريد، وأفعاله  لا تعلل بغرض وإن كانت لا تخلو عن فائدة وحكمة كما سبق، وكثير منها مما لا يهتدي عقول البشر إلى تفاصيل حكمها لكنهم قد يستنبطون بحسب أفهامهم لبعضها وجوهاً مناسبة، أما تعيين القبلة في الصلاة فالحكمة فيه أن للإنسان قوة عقلية يدرك المجردات والمعقولات بها وقوة خيالية يتصرف بها في عالم الأجسام، وقلما تنفك العقلية عن الخيالية وإعانتها كالمهندس يضع في إدراك أحكام المقادير صورة معيّنة وشكلاً معيناً ليصير الحس والخيال معينين له على إدراك تلك الأحكام الكلية، وكالذي يريد أن يثني على ملك مجازي فإنه يستقبله بوجهه ثم يشتغل بالثناء والخدمة.

فاستقبال القبلة في الصلاة يجري مجرى كونه مستقبلاً للملك، والقراءة تجري مجرى الثناء عليه، والركوع والسجود جاريان مجرى الخدمة.

وأيضاً الخشوع في الصلاة لا يحصل إلا مع السكون وترك الالتفات، ولا يتأتى ذلك إلاّ إذا بقي في جميع صلاته مستقبلاً لجهة واحدة على التعيين.

وإذا اختص بعض الجهات بمزيد شرف في الأوهام فاستقباله أولى.

وأيضاً إنه  يحب الموافقة والألفة بين المؤمنين وقد من عليهم بذلك ﴿ واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً  ﴾ .

وتوجه كل مصلٍ إلى أي جهة تتفق مظنة الاختلاف فلم يكن بد من تعيين جهة ليحصل الاتفاق.

وأيضاً كأنه  يقول: يا مؤمن أنت عبد، والكعبة بيتي، والصلاة خدمتي، وقلبك عرشي، والجنة دار كرامتي، فاستقبل بوجهك إلى بيتي وبقلبك إليّ، أبوئك دار كرامتي.

وأيضاً اليهود استقبلوا مغرب الأنوار ﴿ وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر  ﴾ .

والنصارى استقبلوا مطلع الأنوار ﴿ إذ انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً  ﴾ فالمؤمنون استقبلوا مظهر الأنوار وهو مكة، فمنها محمد ومنه خلق الأنوار ولأجله دال الفلك الدوّار.

وأيضاً المغرب قبلة موسى، والمشرق قبلة عيسى، وبينهما قبلة إبراهيم ومحمد، وخير الأمور أوسطها؛ وأيضاً الكعبة سرة الأرض ووسطها، وأمة محمد وسط ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً ﴾ .

والوسط بالوسط أولى ﴿ الطيبات للطيبين  ﴾ .

وأيضاً العرش قبلة الحملة، والكرسي قبلة البررة، والبيت المعمور قبلة السفرة، والكعبة قبلة المؤمنين، والحق قبلة المتحيرين ﴿ فأينما تولوا فثم وجه الله ﴾ والعرش مخلوق من النور، والكرسي من الدر، والبيت المعمور من الياقوت، والكعبة من جبال خمسة: سينا وزيتا وجوديّ ولبنان وحراء.

كأنه قال: إن كان عليك مثل هذه الجبال ذنوباً فأتيت الكعبة حاجاً أو معتمراً أو توجهت مصلياً الصلوات الخمس غفرتها لك.

وأيضاً لما كان بناء هذا البيت سبباً لظهور دولة العرب كانت رغبتهم في توجهها أشد وأيضاً اليهود كانوا يعيرون المسلمين بأنا قد أرشدناكم إلى القبلة وينكسر بذلك قلوب المسلمين.

فأزيل تشويشهم، وأيضاً الكعبة منشأ محمد، فتعظيمها يقتضي تعظيمه، وتعظيمه مما يعين على قبول أوامره ونواهيه، فبمقدار حشمة المرء يكون قبول قوله.

فهذه هي الوجوه المناسبة، والوجه الأقوى هو الذي ذكره الله  في قوله ﴿ وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه ﴾ وقوله ﴿ وكذلك جعلناكم ﴾ الكاف للتشبيه، وفي اسم الإشارة وجوه.

فقيل: راجع إلى معنى يهدي أي كما أنعمنا عليكم بالهداية كذلك أنعمنا عليكم بأن جعلناكم، أو كما هديناكم إلى أوسط البقلة جعلناكم أمة وسطاً.

وقيل: عائد إلى قوله ﴿ ولقد اصطفينا  ﴾ .

أي كما اصطفينا إبراهيم في الدنيا جعلناكم.

وقيل: ينصرف إلى قوله ﴿ ولله المشرق والمغرب ﴾ أي كما خصصنا بعض الجهات المتساوية بمزيد التشريف والتكريم حتى صارت قبلةً فضلاً منا وإحساناً، جعلناكم مختصين بالعدالة براً منا وامتناناً مع تساوي الخلق في العبودية.

وقيل: قد يذكر ضمير الشيء وإن لم يكن المضمر مذكوراً إذا كان المضمر مشهوراً معروفاً مثل ﴿ إنا أنزلناه في ليلة القدر ﴾ ثم من المشهور المعروف عند كل أحد أنه  هو القادر على إعزاز من يشاء وإذلال من يشاء، فالمعنى ومثل ذلك الجعل العجيب الذي لا يقدر عليه أحد غيري جعلناكم أمةً وسطاً.

الجوهري: يقال جلست وسط القوم بالتسكين لأنه ظرف، وجلست وسط الدار بالتحريك لأنه اسم، وكل موضع صلح فيه بين فهو وسط، وإن لم يصلح فيه بين فهو وسط بالتحريك.

قال: والوسط من كل شيء أعدله، وشيء وسط أي بين الجيد والرديء، وأمةً وسطاً أي عدولاً قال زهير: همو وسط يرضى الأنام بحكمهم *** إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم وذلك أن العدل متوسط في الأخلاق بين طرفي الإفراط والتفريط، ولهذا ذكره الله تعالى في معرض المدح والامتنان.

وقيل: الوسط الخيار لأنه يستعمل في الجمادات.

قال في الكشاف: اكتريت بمكة جمل أعرابي فقال: أعطني من سطاتهن - أراد من خيار الدنانير - ويؤيده قوله  في موضع آخر ﴿ كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس  ﴾ وإنما أطلق الوسط على الخيار لأن الأطراف يتسارع إليها الخلل والعيب، والأوساط محمية محوطة.

وقيل: المراد بالوسط ههنا أنهم متوسطون في الدين بين المفرط والمفرّط والغالي والمقصر في شأن الأنبياء لا كالنصارى حيث جعلوا النبي صلّى الله عليه وسلم ابناً وإلهاً، ولا كاليهود حيث قتلوا الأنبياء وبدلوا الكتب، ولأن الوسط في الأصل اسم وصف به استوى فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث ﴿ لتكونوا شهداء على الناس ﴾ الأكثرون على أن هذه الشهادة في الآخرة إما بأن يكونوا شهداء للأنبياء على أممهم الذين يكذبونهم.

روي أن الأمم يجحدون تبليغ الأنبياء يوم القيامة فيطالب الله الأنبياء بالبينة على أنهم قد بلغوا - وهو أعلم - فيؤتى بأمة محمد فيشهدون فيقول الأمم: من أين عرفتم؟

فيقولون: علمنا ذلك بإخبار الله في كتابه الناطق على لسان نبيه الصادق.

فيؤتى بمحمد فيسأل عن حال أمته فيزكيهم ويشهد بعدالتهم وذلك قوله  ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمةٍ بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً  ﴾ قلت: والحكمة في ذلك تمييز أمة محمد  في الفضل عن سائر الأمم حيث يبادرون إلى تصديق الله  وتصديق جميع الأنبياء والإيمان بهم جميعاً، فهم بالنسبة إلى غيرهم كالعدل بالنسبة إلى الفاسق، ولذلك تقبل شهادتهم على الأمم، ولا تقبل شهادة الأمم عليهم.

وإنما سمي هذا الإخبار شهادة لقوله  "إذا علمت مثل الشمس فاشهد" .

والشيء الذي أخبر الله  عنه معلوم مثل الشمس فتصح الشهادة عليه، وإما بأنْ يشهدوا على الناس بأعمالهم التي خالفوا الحق فيها.

قال ابن زيد: الأشهاد أربعة: الملائكة الحفظة ﴿ وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد  ﴾ والنبيون ﴿ ويكون الرسول عليكم شهيد ﴾ وأمة محمد  خاصة ﴿ لتكونوا شهداء على الناس ﴾ ﴿ ويوم يقوم الأشهاد  ﴾ والجوارح ﴿ يوم تشهد عليهم ألسنتهم و أيديهم وأرجلهم  ﴾ .

وقيل: إن هذه الشهادة في الدنيا، وذلك أن الشاهد في عرف الشرع من يخبر عن حقوق الناس بألفاظ مخصوصة على جهات مخصوصة، فكل من عرف حال شخص فله أن يشهد عليه فإن الشهادة خبر قاطع، وشهادة الأمة لا يجوز أن تكون موقوفة على الآخرة لأن عدالتهم في الدنيا ثابتة بدليل ﴿ جعلناكم ﴾ بلفظ الماضي، فلا أقل من حصولها في الحال.

ثم رتب كونهم شهداء على عدالتهم، فيجب أن يكونوا شهداء في الدنيا.

وإن قيل: لعل التحمل في الدنيا ولكن الأداء في الآخرة.

قلنا: المراد في الآية الأداء لأن العدالة إنما تعتبر في الأداء لا في التحمل، ومن هنا يعلم أن إجماعهم حجة لا بمعنى أن كل واحدٍ منهم محق في نفسه، بل بمعنى أن هيئتهم الاجتماعية تقتضي كونهم محقين، وهذا من خواص هذه الأمة، ثم لا يبعد أن يحصل مع ذلك لهم الشهادة في الآخرة فيجري الواقع منهم في الدنيا مجرى التحمل لأنهم إذا بينوا الحق عرفوا عنده من القابل ومن الراد، ثم يشهدون بذلك يوم القيامة كما أن الشاهد علىالعقود يعرف ما الذي تم وما الذي لم يتم ثم يشهد بذلك عند الحاكم، أو يكون المعنى لتكونوا شهداء على الناس في الدنيا فيما لا يصح إلاّ بشهادة العدول الأخيار، ويكون الرسول عليكم شهيداً يزكيكم ويعلم بعدالتكم.

وإنما قدمت صلة الشهادة في الثاني لأن الغرض في الأول إثبات شهادتهم على الأمم فقط، فبقيت صلة الشهادة في مركزها.

والغرض في الآخر اختصاصهم بكون الرسول شهيداً عليهم فأزيلت عن مركزها ليفيد الاختصاص.

وإنما لم يقل لكم شهيداً مع أن شهادته لهم لا عليهم، لأنه ضمن معنى الرقيب مثل ﴿ والله على كل شيءٍ شهيد  ﴾ مع رعاية الطباق للأول.

وإنما قيل "شهداء على الناس في الدنيا" لأن قولهم يقتضي التكليف إما بفعل أو بقول وذلك عليهم لا لهم في الحال.

قيل: الآية متروكة الظاهر لأن وصف الأمة بالعدالة يقتضي اتصاف كل واحدٍ منهم بها وليس كذلك، فلا بد من حملها على البعض.

فنحن نحملها على الأئمة المعصومين سلمناه لكن الخطاب في ﴿ جعلناكم ﴾ للموجودين عند نزول الآية لأن خطاب من لم يوجد محال.

فالآية تدل على أن إجماع أولئك حق لكنا لا نعلم بقاء جميعهم بأعيانهم إلى ما بعد وفاة الرسول فلا تثبت صحة الإجماع وقتئذ.

سلمنا ذلك لكن المراد بالعدالة اجتناب الكبائر فقط، فيحتمل أن الذي أجمعوا عليه وإن كان خطأ لكنه من الصغائر فلا يقْدح ذلك في خيريتهم وعدالتهم.

وأجيب بأن حال الشخص في نفسه غير حاله بالقياس إلى غيره، فلم يجوز أن يكون الشخص غير مقبول القول عند الانفراد ويكون مقبولاً عند الاجتماع؟

والخطاب لجميع الأمة من حين نزول الآية إلى قيام الساعة كما في سائر التكاليف مثل ﴿ كتب عليكم الصيام كما  ﴾ ﴿ كتب عليكم القصاص  ﴾ فللموجودين بالذات وللباقين بالتبعية، لكنا لو اعتبرنا أوّل الأمة وآخرها بأسرها لزالت فائدة الآية إذا لم يبق بعد انقضائها من تكون الآية حجة عليه، فعلمنا أن المراد به أهل كل عصر.

ثم إن الله  منّ على هذه الأمة بأن جعلهم خياراً أو عدولاً عند الاجتماع، فلو أمكن اجتماعهم على الخطأ لم يبق بينهم وبين سائر الأمم فرق في ذلك فلا منة.

﴿ وما جعلنا ﴾ يريد الجعل بمعنى الشرع والحكم.

﴿ التي ﴾ صفة موصوف محذوف هو ثاني مفعولي "جعل" أي وما جعلنا القبلة أي الجهة التي كنت عليها أي كنت معتقداً لاستقبالها كقولك "الشافعي على كذا" ثم ههنا وجهان: أحدهما أن هذا الكلام بيان للحكمة في جعل الكعبة قبلة وذلك أنه  كان يصلي بمكة إلى الكعبة ثم أمر بالصلاة إلى بيت المقدس بعد الهجرة تألفاً لليهود وامتحاناً للذلن اتّبعوه بمكة، ثم حول إلى الكعبة اختباراً ثانياً أي ما رددناك إلى الجهة التي كنت عليها أولاً إلا امتحاناً للناس وابتلاء وثانيهما أنه بيان للحكمة في جعل بيت المقدس قبلة، يعني أن أصل أمرك أن تستقبل الكعبة وأن استقبالك بيت المقدس كان أمراً عارضاً لفائدة هي أن نمتحن الناس وننظر من يتبع الرسول ومن لا يتبعه.

واللام في ﴿ لنعلم ﴾ ليست لأجل الغرض وإنما هي لتقرير الحكمة والفائدة التي يستتبعها الجعل.

فإن قيل: كيف؟

قال ﴿ لنعلم ﴾ ولم يزل عالماً بذلك؟

فالجواب أن معناه ليعلم حزبنا من النبي والمؤمنين كما يقول الملك: فتحنا البلد.

وإنما فتحه جنده أو لنعلمه موجوداً حاصلاً وهو العلم الذي يتعلق به الجزاء.

ولا يلزم منه أن يحدث لله علم فإن العلم الأزلي بالحادث الفلاني في الوقت الفلاني غير متغير، وإنما هو قبل حدوث الحادث كهو حال حدوثه.

وإنما جاء المضي والاستقبال من ضرورة كون الحادث زمانياً وكون كل زمان مكنوفاً بزمانين: سابق ولاحق.

فإذا نسبت العلم الأزلي إلى الزمان السابق قلت "سيعلم الله" وإذا نسبت إلى زمانه قلت "يعلم" وإذا نسبت إلى الزمان اللاحق قلت "قد علم" فجميع هذه التغيرات انبعثت من اعتباراتك، وعلم الله واحد فافهم.

أو لنميز التابع من الناكص كقوله ﴿ ليميز الله الخبيث من الطيب  ﴾ فسمي التمييز علماً لأنه أحد فوائد العلم وثمراته، أو لنرى كما تستعمل الرؤية مكان العلم.

وعن الفراء: أن حدوث العلم في الآية راجع إلى المخاطبين ومثاله: أن جاهلاً وعاقلاً اجتمعا فيقول الجاهل: الحطب يحرق النار.

ويقول العاقل: بل النار تحرق الحطب، وسنجمع بينهما لنعلم أيهما يحرق صاحبه، معناه لنعلم أينا الجاهل.

وهذا من كلام المصنف مثل ﴿ وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين  ﴾ وقوله ﴿ ممن ينقلب على عقبيه ﴾ استعارة للكفر والارتداد كأنه يرجع إلى حيث أتى ثم إن هذه المحنة حصلت بسبب تعيين القبلة.

أو بسبب تحويلها من الناس، من قال بالأول لأنه  كان يصلي إلى الكعبة، فلما جاء إلى المدينة صلى إلى بيت المقدس فشق ذلك على العرب من حيث إنه ترك قبلتهم، ثم لما تحول إلى الكعبة شق ذلك على اليهود.

والأكثرون على الثاني لأن الشبهة في أمر النسخ أعظم منها في تعيين القبلة، عن ابن جريج أنه قال: بلغني أنه رجع ناس ممن أسلم وقالوا مرة ههنا ومرة ههنا، ولو كان على يقين من أمر تغير رأيه.

وعن السدي: لما توجه إلى الكعبة اختلفوا، قال المنافقون: ما بالهم كانوا على قبلة ثم تركوها؟

وقال المسلمون: ليتنا نعلم حال إخواننا الذين ماتوا وقد صلوا نحو البيت المقدس.

وقال آخرون: اشتاق إلى بلد أبيه ومولده.

وقال المشركون: تحير في دينه.

﴿ وإن كانت لكبيرة ﴾ هي "إن" المخففة التي يلزمها اللام الفارقة بينها وبين "إن" النافية، وتتهيأ بالتخفيف للدخول على الأفعال.

لكن البصريين أوجبوا كون الفعل الذي دخلت هي عليه من باب "كان" أو "علم" ويبطل عمل "إن" في الظاهر، وكذا في التقدير، فلا يقدر ضمير الشأنّ كما يقدر في "أن" المفتوحة إذا خففت، فقوله ﴿ لكبيرة ﴾ خبر "كانت" واسمها الضمير العائد إلى القبلة لأنها هي المذكورة، أو إلى ما دل عليه الكلام السابق من التولية في ﴿ ما ولاهم ﴾ أو الجعلة، أو الردة، أو التحويلة في ﴿ وما جعلنا ﴾ ومعنى لكبيرة لثقيلة شاقة مستنكرة كقوله ﴿ كبرت كلمة تخرج من أفواههم ﴾ وذلك أن الامتحان إن وقع بنفس القبلة فالفطام عن المألوف شديد والإعراض عن طريقة الآباء والأسلاف عسير، وإن وقع بالتحويل فهو مبني على جواز النسخ وفيه ما فيه من الشبه والإشكال فيصعب اعتقاد حقيقته إلا على الذين هدى الله.

الراجع محذوف أي هداهم الله إلى الثبات على دين الإسلام بأن نصب لهم الدلائل أولاً، ثم جعلهم منتفعين بها ثانياً، وإلا فالدلالة عامة للكل ﴿ وما كان الله ليضيع إيمانكم ﴾ الخطاب للمؤمنين المعاصرين، واللام لتأكيد النفي الداخل في "كان" ينتصب المضارع بعدها بتقدير "أن" أي لن يضيع الله ثواب ثباتكم على الإيمان، وأنكم لم تزلوا ولم ترتابوا، بل شكر صنيعكم وأعدّ لكم الثواب الجزيل عن الحسن.

وقال ابن زيد: ما كان الله ليترك تحويلكم من بيت المقدس إلى الكعبة لعلمه بأن تقريركم على ذلك مفسدة لكم وإضاعة لصلواتكم، أي لثوابها.

أطلق الإيمان على الصلاة لأنها أعظم آثار الإيمان وأشرف نتائجه، أو لأن المراد لا يضيع تصديقكم بوجوب تلك الصلاة.

وعن ابن عباس: لما وجه رسول الله  إلى الكعبة قالوا: يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟

فنزلت.

وإنما خوطبوا تغليباً للأحياء مثل ﴿ وإذ قتلتم نفساً  ﴾ ﴿ وإذ فرقنا بكم البحر  ﴾ والمراد أهل ملتهم.

وليس هذا السؤال من الشك في حقية النسخ في شيء وإنما هو لأجل الاطمئنان وازدياد اليقين ولعلهم إنما خصوا السؤال بالأموات لأنهم ظنوا أنفسهم مستغنين عن ذلك حيث تقع صلاتهم إلى الكعبة بقية عمرهم مكفرة لما سلف منهم، فأجيبوا بما يخرج عنه جواب الأموات والأحياء جميعاً، فإن المنسوخ حق في وقته كما أن الناسخ حق في وقته، سواء عمل المكلف بهما في وقتيهما أو لم يعمل إلا بالمنسوخ لانقضاء أجله قبل الناسخ.

وجوز بعضهم أن يكون السؤال صادراً عن منافق فنبه الله المسلمين على الجواب.

وقيل: بل المعنى وفقتكم لقبول هذا التكليف لئلا يضيع إيمانكم، فإنهم لو ردوا هذا التكليف لكفروا.

يحكى عن الحجاج أنه قال للحسن: ما رأيك في أبي تراب؟

فقرأ قوله ﴿ إلا على الذين هدى الله ﴾ ثم قال: وعلي منهم وهو ابن عم رسول الله  وختنه على ابنته وأقرب الناس إليه وأحبهم ﴿ إن الله بالناس لرؤف رحيم ﴾ الجوهري: الرأفة أشد الرحمة.

رؤفت به أرؤف بالضم فيهما رأفة ورآفة ورأفت به أرأف بالفتح فيهما.

ورئفت به بالكسر رأفاً والصفة رؤوف ورؤف على "فعول" و "فعل" وقيل: الرحمة تقع في الكراهة للمصلحة، والرأفة لا تكاد تكون في الكراهة، وقيل: الرأفة مبالغة في رحمة خاصة هي دفع المكروه وإزالة الضرر قال ﴿ ولا تأخذكم بهما رأفةٌ  ﴾ .

والرحمة اسم جامع خصص أولاً ثم عمم.

والمراد أن الرؤف الرحيم كيف يتصور منه الإضاعة، أو كيف لا ينقلكم من شرع إلى شرع هو أصلح لكم وإنما هَدى مَنْ هَدَى لأنه بالناس رؤف رحيم، فمن كان أقبل للفيض كان الأثر عليه أظهر.

قوله عز من قائل ﴿ قد نرى ﴾ معناه كثرة الرؤية ههنا وإن كان في الأصل للتقليل قال: قد أتـرك القـرن مصفـراً أناملـه *** كأن أثـوابـه مجـت بفـرصـاد كما أن "رب" في الأصل للتقليل، ثم قد تستعمل في معنى التكثير كقوله "فإن تمس مهجور الفناء فربما".

أقام به بعد الوفود وفود.

ووجه ذلك أن المادح يستقل الشيء الكثير من المدائح لأن الكثير منها كأنه قليل بالنسبة إلى الممدوح ومثله ﴿ قد يعلم الله ﴾ فإن المتمدح بكثرة العلم يقول لا تنكر أن أعرف شيئاً من العلم.

﴿ تقلب وجهك ﴾ تردد نظرك في جهة السماء وذلك لانتظار تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة.

عن ابن عباس أنه قال النبي  : "يا جبريل وددت أن الله  صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها فقد كرهتها" .

فقال له جبريل  : أنا عبد مثلك فسل ربك ذلك.

فجعل النبي  يديم النظر إلى السماء رجاء مجيء جبريل بما سأل فنزلت.

وإنما أحب ذلك لأن اليهود كانوا يقولون: إنه يخالفنا ثم إنه يتبع قبلتنا ولولا نحن لم يدر أين يستقبل أو لأن الكعبة كانت قبلة أبيه إبراهيم ولأن ذلك أدعى للعرب إلى الإيمان لأنها مفخرتهم ومزارهم ومطافهم، ولأنه أحب أن يحصل هذا الشرف للمسجد الذي في بلدته ومنشئه، ولا يبعد أن يميل طبعه إلى شيء ثم يتمنى في قلبه إذن الله فيه.

وقيل: إنه استأذن جبريل في أن يدعو الله  فأخبره بأن الله قد أذن له في الدعاء، فكان يقلب وجهه في السماء ينتظر مجيء جبريل للإجابة.

وعن الحسن: أن جبريل أخبره بأن الله  سيحوّل القبلة عن بيت المقدس من غير تعيين للمحول إليها - ولم تكن قبلة أحب إلى رسول الله  من الكعبة - فكان ينتظر الوحي بذلك وعلى هذا فقيل: منع من استقبال بيت المقدس ولم يعين له القبلة وكان يخاف أن يدخل وقت الصلاة ولا قبلة، فلذلك كان يقلب وجهه عن الأصم.

وقيل: بل وعد بذلك.

وقبلة بيت المقدس باقية بحيث تجوز الصلاة إليها لكن لأجل الوعد كان يقلب طرفه وهذا وإلا لم تكن القبلة ناسخة للأولى بل كانت مبتدأة، لكن المفسرين أجمعوا على أنها ناسخة للأولى، لأنه لا يجوز أن يؤمر بالصلاة إلا مع بيان موضع التوجه.

واختلف في صلاته بمكة فقيل: كان يصلي إلى الكعبة فلما صار إلى المدينة أمر بالتوجه إلى بيت المقدس تسعة أشهر أو عشرة أشهر أو ثلاثة عشر أو ستة عشر أو سبعة عشر - وهو الأكثر - أو ثمانية عشر أو سنتين أقوال.

وقيل: بل كان بمكة يصلي إلى بيت المقدس إلا أنه يجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس.

واختلفوا أيضاً في أن توجه بيت المقدس هل كان فرضاً لا يجوز غيره أو كان النبي  مخيراً في توجهه إليه وإلى غيره.

فعن الربيع بن أنس أنه كان مخيراً لقوله ﴿ ولله المشرق والمغرب  ﴾ الآية.

ولما روي أن قوماً قصدوا الرسول من المدينة إلى مكة للبيعة قبل الهجرة فتوجه بعضهم في الطريق لصلاته إلى الكعبة وبعضهم إلى بيت المقدس، فلما قدموا سألوا النبي  عن ذلك فلم ينكر عليهم.

وعن ابن عباس أن ذلك كان فرضاً لقوله ﴿ فلنولينك قبلة ترضاها ﴾ فدل على أنه ما كان مخيراً بينها وبين الكعبة.

ومعنى "فلنولينك" فلنعطينك ولنمكننك من استقبالها من قولهم "وليته كذا" جعلته والياً له، أو فلنجعلنك تلي سمتها دون سمت بيت المقدس.

ترضاها تحبها وتميل إليها لأغراضك الصحيحة التي أضمرتها ووافقت مشيئة الله  وحكمته.

وعن الأصم: كل جهة وجهك الله إليها يجب أن تكون رضاً لا تسخطها كما فعل من انقلب على عقبيه.

وقيل: ترضى عاقبتها لأنك تميز بها الموافق عن المنافق.

﴿ فول وجهك ﴾ أي كل بدنك لأن الواجب على الشخص أن يستقبل القبلة بجملته لا بوجهه فقط.

وإنما خص الوجه بالذكر لأنه أشرف الأعضاء وبه تتميز الأشخاص.

وشطر المسجد الحرام أي نحوه وجهته قاله جمهور المفسرين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.

وعن بعضهم أن الشطر نصف الشيء والكعبة واقعة من المسجد في النصف من جميع الجوانب، فاختبر هذه العبارة ليعرف أن الواجب هو التوجه إلى بقعة الكعبة، وزيف بالفرق بين النصف وبين المنتصف والمكلف مأمور بالثاني دون الأول.

عن ابن عباس: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آتٍ فقال: إن النبي قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشأم فاستداروا إلى الكعبة.

وفي الموطأ: صلى رسول الله  بعد أن قدم المدينة ستة عشر شهراً نحو بيت المقدس ثم حوّلت القبلة قبل بدر بشهرين.

واختلفوا في المراد بالمسجد الحرام.

ففي شرح السنة عن ابن عباس أنه قال: البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل المشرق والمغرب، وهذا قول مالك.

وقال آخرون: القبلة هي الكعبة لما أخرج في الصحيحين عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: أخبرني أسامة بن زيد قال: لما دخل النبي  البيت دعا في نواحيه كلها ولم يصل حتى خرج منه، فلما خرج ركع ركعتين في قبل الكعبة وقال: هذه القبلة.

وقد وردت أخبار كثيرة في صرف القبلة إلى الكعبة كما قلنا في حديث ابن عمر، فاستداروا إلى الكعبة.

وقال آخرون: القبلة هي المسجد الحرام كله.

واعلم أن الواجب عند الشافعي في أظهر قوليه أن يستقبل المصلي عين الكعبة قريباً كان أو بعيداً لظاهر قوله  ﴿ وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره ﴾ ولقوله  : "هذه القبلة" مشيراً به إلى العين، ولأن تعظيم الكعبة من النبي  بلغ مبلغ التواتر.

وتوقيف صحة الصلاة وهي من أعظم شعائر الدين على استقبال عين الكعبة مما يوجب مزيد شرف الكعبة، فوجب أن يكون مشروعاً.

ولأن كون الكعبة قبلة أمر معلوم وغيره مشكوك فيه والأخذ بالمعلوم أحوط.

وأما عند أبي حنيفة ويوافقه القول الآخر للشافعي، فمحاذاة جهة الكعبة كافية لأن في استقبال عين الكعبة حرجاً عظيماً للبعيد، ولأن في ذكر المسجد الحرام دون الكعبة دلالة على أن الواجب مراعاة الجهة دون العين، ولأن الشطر الجانب واكتفى به في الآية، ولأن أهل قباء استداروا إلى الكعبة في أثناء الصلاة وفي ظلمة الليل ومن المعلوم أن مقابلة العين من المدينة إلى مكة حيث إنها تحتاج إلى النظر الدقيق لم يتأت لهم حينئذ، ثم لم ينكر النبي  عليهم وسمى مسجدهم بذي القبلتين، ولأن استقبال عين الكعبة لو كان واجباً ولا سبيل إليه إلا بالدلائل الهندسية فإنها هي المفيدة لليقين وغيرها من الأمارات لا يفيد إلا الظن، والقادر على اليقين لا يجوز له الاكتفاء بالظن وما لم يتم الواجب إلا به فهو واجب، لزم أن يكون تعلم تلك الدلائل واجباً، ولم يذهب إليه أحد والإنصاف أن القول الأول أقرب إلى التعبد، وإصابة العين للبعيد غير بعيد، فما من نقطتين في الأرض ولا في السماء إلا ويمكن أن يوصل بينهما بخط، والغرض أن يكون المصلي ساجداً على قوس عظيمة أرضية مارّة بقدميه وموضع سجوده ووسط البيت بشرط أن يكون القوس أقل من نصف الدور.

وغير عسير معرفة هذا القدر بالدائرة الهندسية وغيرها من الطرق المشهورة فيما بين أهل الهيئة وقد برهنا على كثير منها في كتبنا النجومية، وذكرها ههنا خروج عن الصناعة مع أن المتعلم لا ينتفع بها دون مقدماتها.

ولمعرفة القبلة أمارات أخر قد يستعين بها المتحير وهي: إما أرضية وهي الجبال والقرى والأنهار، أو هوائية وهي الرياح، أو سماوية وهي النجوم.

أما الأرضية والهوائية فغير مضبوطة لكن ربما يكون في الطريق جبل مرتفع يعلم أنه على يمين المستقبل أو شماله أو قدامه أو خلفه، وكذلك الرياح قد تهب في بعض النواحي من صوب معين، وأما السماوية ففي النهار لا بد أن يراعي قبل الخروج عن البلد، الشمس عند الزوال هي بين الحاجبين أم على العين اليمنى أم على اليسرى أم تميل ميلاً أكثر من ذلك، فإن الشمس في البلاد الشمالية قلما تعد وهذه المواقع.

وكذلك يراعى وقت العصر ويعرف وقت الغروب أنها تغرب عن يمين المستقبل أو هي مائلة إلى وجهه أو قفاه.

وكذلك يعرف وقت العشاء الاخرة موضع الشفق، ووقت الصبح مشرق الشمس، ويحتاط في مشرق الصيف والشتاء ومغربها.

وبالليل يستدل بالكوكب الذي يقال له "الجدي" فيعرف أنه على قفا المستقبل أو على منكبه الأيمن أو الأيسر في البلاد الشمالية من مكة وفي البلاد الجنوبية منها بخلاف ذلك.

فإذا عرف هذه الدلائل في بلده فليعول عليها في الطريق كله إلا إذا طال السفر، فحينئذ إذا انتهى إلى بلد سأل أهل البصيرة أو يراقب هذه الكواكب وهو يستقبل محراب جامع البلد ثم يستدل بها في سائر طريقه.

ومعرفة دلائل القبلة فرض على العين أم فرض على الكفاية؟

أصح الوجهين في مذهب الشافعي الأول كأركان الصلاة وشرائطها.

قوله  ﴿ وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره ﴾ ليس بتكرار لأن الأول الخطاب للرسول وهذا خطاب للأمة، أو لأن الأمة قد دخلت في الأول تبعاً.

واحتمل أيضاً أن يكون الخطاب مختصاً بأهل المدينة وفي الثاني عم المكلفين جميعاً في جميع بقاع الأرض.

واعلم أن الاستقبال يتوقف على مستقبل ومستقبل نحوه هو القبلة، ولا بد من حالة يقع فيها الاستقبال، فلنتكلم في هذه الأركان الثلاثة على الإجمال وتفصيل ذلك في كتبنا الفقهية.

الركن الأول الحالة: وهي الصلاة للإجماع على أن الاستقبال خارج الصلاة غير واجب وإن كان طاعة لقوله  "خير المجالس ما استقبل به القبلة" والصلاة إما فريضة ويتعين الاستقبال فيها إلا في حالة الخوف، وإما نافلة ويجب فيها الاستقبال إلا في حالة الخوف، وفي السفر راكباً أو ماشياً متوجهاً إلى طريقه لما روي عن ابن عمر أن النبي  كان يصلي في السفر في راحلته حيث توجهت به.

ويحكى عن أحمد خلاف في الماشي وكذا من أبي حنيفة.

وهل يجب على المتنقل أن يستقبل القبلة عند التحرم؟

الأصح نعم إن سهل بأن لم تكن مقطرة أو لا حران بها وإلا فلا، لما روي أن النبي  كان إذا سافر وأراد أن يتطوع استقبل القبلة بناقته وكبر ثم صلى حيث وجهه ركابه.

وأم عدم الاشتراط عند الصعوبة فلدفع المشقة واختلال أمر السير عليه، وأما الاستقبال عند السلام فالأصح أنه لا يشترط كما في سائر الأركان إلا الماشي فعليه الاستقبال في كل ركوع وسجود كما عليه الإتمام بخلاف الراكب فإنه لا يكلف الاستقبال فيهما ولا وضع الجبهة في السجود على السرج أو الإكاف، بل يقتصر فيهما على الإيماء ويجعل السجود أخفض.

وليس لراكب التعاسيف الذي لا مقصد له رخصة ترك الاستقبال في التنقل.

الركن الثاني القبلة: للمصلي إن وقف في جوف الكعبة وهي على هيئتها مبنية تصح صلاته فريضة كانت أو نافلة خلافاً لأحمد ومالك في الفريضة.

قيل لنا إنه صلى متوجهاً إلى بعض أجزاء الكعبة فتصح صلاته كالنافلة كما يتوجه إليها من خارج، ثم يتخير في استقبال أي جدار شاء.

ويجوز أن يستقبل الباب أيضاً إن كان مردوداً، وإن كان مفتوحاً فإن كانت العتبة قدر مؤخرة الرحل صحت صلاته وإلا فلا.

ومؤخرة الرحل ثلثا ذراع إلى ذراع تقريباً كأنهم راعوا أن يكون في سجوده يسامت بمعظم بدنه الشاخص.

وإن انهدمت الكعبة - حاشاها - وبقي موضعها عرصة فإن وقف خارجها وصلى إليها جاز لأن المتوجه إلى هواء البيت والحالة هذه متوجه نحو المسجد الحرام كمن صلى على أبي قبيس والكعبة تحته يجوز لتوجهه إلى هواء البيت.

ولو صلى في العرصة فالحكم كما لو وقف الآن على سطح الكعبة، فإن لم يكن بين يديه شاخص من نفس الكعبة قدر مؤخرة الرحل فالأصح أنه لا يجزيه خلافاً لأبي حنيفة.

وإن كان المصلي خارج الكعبة فإن كان حاضر المسجد الحرام وجب عليه لا محالة استقبال عين الكعبة بكل بدنه لأنه قادر عليه، والإمام يقف خلف المقام استحباباً، والقوم يقفون مستديرين بالبيت وإلا فصلاة الخارجين عن محاذاة الكعبة باطلة إلا عند من يرى الجهة كافية.

ولو تراخى الصف الطويل ووقفوا في آخر باب المسجد صحت صلاتهم لأن البعيد تزداد محاذاته.

يتبين ذلك إذا جعلت البيت رأس مثلث متساوي الساقين والصفوف خطوطاً موازية لقاعدته.

وإن كان خارج المسجد فإن كان يعاين القبلة سوّى محرابه بناء على العيان وصلى إليه أبداً.

ومحراب النبي  بالمدينة نازل منزلة الكعبة لأنه لا يقر على الخطأ فهو صواب قطعاً فيسوّي سائر المحاريب عليه.

وفي معنى المدينة سائر البقاع التي صلى فيها رسول الله  إذا ضبط المحراب، وكذا المحاريب المنصوبة في بلاد المسلمين.

وفي الطرق التي هي جادتهم يتعين التوجه إليها وكذلك في القرية الصغيرة التي نشأ فيها قرن من المسلمين، ولا بد من الاجتهاد في التيامن والتياسر، وأما في محراب الرسول  فلا.

ولا يجوز الاجتهاد في الجهة في شيء من محاريب المسلمين لأن الخطأ منهم في الجهة بعيد بخلاف التيامن والتياسر.

ويقال: إن عبد الله بن المبارك كان يقول بعد رجوعه من الحج: تياسروا يا أهل مرو.

الركن الثالث المستقبل: إذا قدر على اليقين بالمعاينة أو بأمارات أخر فلا يجتهد ولا يقلد وإن لم يقدر، فإن وجد من يخبره عن علم وكان المخبر ممن يعتد بقوله رجع إلى قوله ولم يجتهد أيضاً كما في الوقت إذا أخبره عدل عن طلوع الفجر يأخذ بقوله ولا يجتهد وكذلك في الحوادث إذا روى العدل خبراً يؤخذ به، وكل ذلك قبول الخبر من أهل الرواية وليس من التقليد في شيء ويشترط في المخبر أن يكون عدلاً يستوي فيه الرجل والمرأة والحر والعبد، ولا يقبل خبر الكافر بحال وكذا خبر الصبي غير المميز عند الأكثرين.

ثم الإخبار عن القبلة قد يكون صريحاً وذلك ظاهر، وقد يكون دلالة كما في نصب المحاريب في المواضع التي يعتمد عليها.

ولا فرق في لزوم الرجوع إلى الخبر بين أن يكون الشخص من أهل الاجتهاد وبين أن لا يكون.

فإن لم يجد من يخبره عن علم فإن قدر على الاجتهاد ولا يتيسر إلا بمعرفة أدلة القبلة كما عددنا اجتهد ولم يقلد كما في الأحكام الشرعية، ولو فعل يلزمه القضاء ولا فرق في وجوب الاجتهاد ههنا بين الغائب عن مكة والحاضر بها إذا حال بينه وبين الكعبة حائل أصليّ كالجبال أو حادث كالأبنية، ولو خفيت الدلائل على المجتهد بغيم أو حبس أو تعارضت، صلّى كيف اتفق لحق الوقت ويقضي.

وإن عجز عن الاجتهاد فإن لم يمكنه التعلم لعدم البصر أو لعدم البصيرة فالواجب عليه التقليد كالعامي في الأحكام، وتقليد الغير هو قبول قول المستند إلى الاجتهاد بعد أن كان المجتهد مسلماً عدلاً عارفاً بأدلة القبلة يستوي فيه الرجل والمرأة والحر والعبد.

فإن وجد مجتهدين مختلفين قلد من شاء منهما، والأحب أن يقلد الأوثق الأعلم عنده، وإن أمكنه التعلم فليس له التقليد بناء على ما مر من أن تعلم الأدلة فرض العين.

فإن قلد قضى، وإن ضاق الوقت عن التعلم صلى لحق الوقت وقضى.

ثم المجتهد إن بان له الخطأ يقيناً أو كان دليل الاجتهاد الثاني أرجح ولم يشرع بعد في الصلاة، عمل بمقتضى الثاني.

وإن بان بعد الفراغ من الصلاة فإن تيقن الخطأ قضى على الأصح، وإن ظن لم يقض.

وإن تغير الاجتهاد في أثناء الصلاة انحرف ويبني.

فهذه هي المسائل المستنبطة من الآية التي ذكرناها لأنها من أهم مهمات الدين ﴿ وإن الذين أوتوا الكتاب ﴾ يعني أحبار اليهود وعلماء النصارى لعموم اللفظ ولشمول الكتاب التوراة والإنجيل، ولكن يجب أن يكونوا أقل من عدد أهل التواتر ليصح عنهم الكتمان.

وعن السدي: أنهم اليهود خاصة، والكتاب التوراة، والضمير في أنه الحق إما للرسول أي أنه مع شرعه ونبوته حق يشمل أمر القبلة وغيرها، وإما لهذا التكليف الخاص وهو أنسب بالمقام، وذلك أن علماءهم عرفوا في كتب أنبيائهم خبر الرسول وأنه يصلي إلى القبلتين وأن الكعبة هي البيت العتيق الذي جعله الله قبلة لإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام.

وأيضاً أنهم كانوا يعلمون نبوة محمد  بالمعجزات والبشارات وكل ما أتى النبي  فهو حق، فهذا التحويل حق.

﴿ وما الله بغافلٍ عما يعملون ﴾ وعد للمتقين ووعيد للناكصين والمعاندين، ثم بين استمرار أهل الكتاب على عنادهم فقال ﴿ ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب ﴾ قيل: هم جميع اليهود والنصارى لعموم اللفظ، وقيل: هم علماؤهم المذكورون في الآية المتقدمة لأنهم وصفوا باتباع الهوى في قوله ﴿ ولئن اتبعت أهواءهم ﴾ ومجرد اعتقاد الباطل لا يكفي فيه، بل الذين بقلوبهم ثم يقولون غير الحق في الظاهر فهم المتبعون للهوى.

ونوقش فيه بأن صاحب كل شبهة صاحب هوى.

قالوا: الآيتان المكتنفتان بهذه الآية مخصوصتان بالعلماء منهم لأن الجمع العظيم لا يجوز منهم الكتمان فكذا هذه الآية.

وأجيب بأنه لا يلزم من تخصيصهما تخصيصها.

قالوا: أخبر عنهم بالإصرار والاستمرار وهذا شأن المعاند اللجوج لا دأب العامي المتحير.

وردّ بأن المقلد أيضاً قد يصر.

قالوا: الحمل على العموم يكذبه الوجود فإن كثيراً من أهل الكتاب آمن بمحمد  واتبع قبلته.

ووجه بأن المراد من قوله ﴿ ما تبعوا قبلتك ﴾ أنهم لا يجتمعون على الاتباع كقوله ﴿ ولو شاء الله لجمعهم على الهدى  ﴾ وسلب الاجتماع لا ينافي اتباع البعض ﴿ بكل آية ﴾ بكل برهان قاطع على أن التوجه إلى الكعبة هو الحق ﴿ ما تبعوا قبلتك ﴾ جواب للقسم المحذوف ساد مسد جواب الشرط واللام في ﴿ ولئن ﴾ لتوطئه القسم أي والله لئن أتيتهم بكل برهان ما اجتمعوا على قبلتك لأن فيهم من قد ترك اتباعك لا لشبهة تزيلها بإيراد الحجة بل عناداً ومكابرة مع علمهم بما في كتبهم من نعتك.

ومن خص اللفظ بالعلماء بأن صح عنده أنه لم يتبع منهم أحد قبلتنا لم يحتج إلى هذا التأويل بل يكون ما تبعوا في قوة ما تبع أحد منهم ﴿ وما أنت بتابعٍ قبلتهم ﴾ رفع لتجويز النسخ وبيان أن هذه القبلة لا تصير منسوخة بالتوجه إلى بيت المقدس حسماً لأطماع أهل الكتاب فإنهم طمعوا في رجوعه إلى قبلتهم وقالوا: لو ثبت على قبلتنا كلنا نرجو أن يكون صاحبنا الذي ننتظره.

وفيه أنه لا يجب عليه استصلاحهم باتباع قبلتهم لأن ذلك معصية.

وإنما وحد القبلة للعلم بأن لليهود قبلة وللنصارى قبلة أخرى أو لأنهما بحكم الاتحاد في البطلان واحد ﴿ وما بعضهم بتابعٍ قبلة بعض ﴾ إن حمل على الحال فالمعنى أنهم ليسوا مجتمعين على قبلة واحدة حتى يمكن رضاهم باتباعها أو أنهم مع اتفاقهم على تكذيبك متباينون في القبلة فكيف يدعونك إلى شيئين مختلفين؟

أو أنه إذا جاز أن يختلف قبلتاهما للمصلحة فلم لا يجوز أن تكون المصلحة في ثالث؟

وإن حمل على الاستقبال فالمعنى أن اليهود لا تترك قبلتهم إلى المشرق، ولا النصارى إلى المغرب، بحيث تتعطل إحدى القبلتين، لا أن اليهودي لا يصير نصرانياً أو بالعكس فإن ذلك قد وقع.

أخبر الله  عن تصلب كل حزب فيما هو فيه محقاً أو مبطلاً ﴿ ولئن اتبعت أهواءهم ﴾ كلام على سبيل الفرض والتقدير لقرينة وما أنت بتابع قبلتهم المعنى لئن اتبعت مثلاً بعد وضوح الدلائل وانكشاف جلية الأمر في باب الديانة ﴿ إنك إذاً ﴾ أي إذا اتبعت لمن المرتكبين الظلم الفاحش لأن صغائر الرجل الكبير كبائر فكيف بكبائره؟

وفيه أن ترك العمل من العلماء أقبح، وفيه لطف للنبي  فإن مزيد المحبة تقتضي التخصيص بمزيد التحذير، ولعله كان في بعض الأمور يتبع أغراضهم كترك المخاشنة في القول واستمالة قلوبهم طمعاً منه في إسلامهم ومعاضدتهم، فنهى عن ذلك القدر أيضاً وآيسه منهم بالكلية.

كقوله ﴿ ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً  ﴾ ﴿ يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم  ﴾ وفيه إشارة للأمة كالرجل الحازم يقبل على أبرّ أولاده وأصلحهم فيزجره عن شيء بحضرة سائر الأولاد والغرض زجرهم وإصلاحهم وأنه لا محالة يؤاخذون بالطريق الأولى لو خالفوه ﴿ الذين آتيناهم الكتاب ﴾ هم علماؤهم بدليل ﴿ يعرفونه ﴾ أي الرسول معرفة جلية يميزون بينه وبين غيره بالمشخصات من النعت والنسب والقبلة حسب ما وجدوه في كتبهم ﴿ كما يعرفون أبناءهم ﴾ لا يشتبه عليهم أبناؤهم وأبناء غيرهم.

"وما" مصدرية أو كافة، والغرض تشبيه عرفان شخصه بعرفان أشخاص الأبناء لا تشبيه العلم بنبوة محمد  بالعلم ببنوة الأبناء وإلا كان تشبيه المعلوم بالمظنون.

عن عمر أنه سأل عبد الله بن سلام عن رسول الله  فقال: أنا أعلم به مني يا بني.

قال: لم؟

قال: لأني لست أشك في محمد أنه نبي، فأما ولدي فلعل والدته قد خانت، فقبل عمر رأسه.

وجاز إضمار الرسول وإن لم يجز له ذكر لدلالة الكلام عليه، وفيه تفخيم لشأنه وأنه معلوم بغير إعلام، ولا يصح أن يقال: المراد بالمعرفة معرفتهم الحاصلة من قبل ظهور المعجزات على يده لأنه لا يفيد إلا كونه نبياً وهم لا ينكرون ذلك، وإنما ينكرون كونه النبي  المنعوت في كتبهم فرد الله عليه ذلك فافهم.

وإنما خص الأبناء بالذكر لأنهم أعرف وأشهر وبصحبة الآباء ألزم وبقلوبهم ألصق ولو تساويا فالذكور أولى بالذكر.

وقيل: الضمير للعلم أو القرآن أو تحويل القبلة وفي الكل تكلف ينبو عنه قوله ﴿ أبناءهم ﴾ ويباينه الحديث عن عبد الله بن سلام ولما كان من علمائهم العارفين بأحوال النبي  من آمن به وأظهر الحق وهو ما يجب القول به ويجب العمل بمقتضاه كعبد الله بن سلام وأتباعه.

قال  ﴿ وإن فريقاً منهم ﴾ يريد من سوى المسلمين المؤمنين منهم ﴿ ليكتمون الحق ﴾ الذي هو أمر محمد أو أمر القبلة ثم أكد ذلك بقوله ﴿ وهم يعلمون ﴾ فإنه لا يوصف بالكتمان إلا من علم المكتوم ﴿ الحق من ربك ﴾ يحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هو الحق، "ومن ربك" خبر بعد خبر أو حال.

وأن يكون مبتدأ خبره "من ربك".

ثم في اللام يكون وجهان: العهد والإشارة إلى الحق الذي عليه رسول الله  ، أو إلى الحق الذي في قوله ﴿ ليكتمون الحق ﴾ أو الجنس على معنى الحق ما ثبت أنه من الله كالذي أنت عليه وما سواه كما يدعيه أهل الكتاب باطل ﴿ فلا تكونن من الممترين ﴾ الشاكين في كتمانهم الحق مع علمهم أو في كون الحق من ربك.

وقد يجوز أن ينهى الشخص عما يعلم أنه منته عنه لمثل ما تقرر في قوله ﴿ ولئن اتبعت ﴾ .

﴿ ولكل ﴾ التنوين فيه عوض عن المضاف إليه، والوجهة اسم الجهة ولذلك ثبتت الواو كما قالوا "ولدة" في جمع الوليد الصبي، وإنما لا تجمع مع الهاء في المصادر، وقوله ﴿ هو ﴾ إما أن يعود إلى الكل وإما أن يعود إلى الله.

وثاني مفعولي ﴿ موليها ﴾ محذوف أي هو موليها وجهه، أو الله موليها إياه.

ثم اختلف في التفسير فقيل: المعنى ولكل أهل دين من الأديان المختلفة قبلة وجهة إما بشريعة وإما بهوى هو مستقبلها ومتوجه إليها لصلاته التي يتقرب بها إلى ربه، وكل يفرح بما هو عليه ولا يفارقه فلا سبيل إلى اجتماعكم على قبلة واحدة، ولستم تؤاخذون بفعل غيركم فإنما لهم أعمالهم ولكم أعمالكم ﴿ فاستبقوا ﴾ أنتم ﴿ الخيرات ﴾ الدنيوية وهي الشرف والفخر بقبلة إبراهيم، والأخروية وهي الثواب الجزيل المعد للمطيعين.

﴿ وأينما تكونوا ﴾ من جهات الأرض ﴿ يأت بكم الله جميعاً ﴾ في صعيد القيامة فيفصل بين المحق منكم والمبطل والمصيب والمخطئ إنه قادر على ذلك.

وقيل: إن الله  عرفنا أن كل واحدة من بيت المقدس والكعبة قبلة.

فالجهتان من الله  وهو الذي ولى وجوه عباده إليهما فاستبقوا الخيرات بالانقياد لأمره في الحالين ولا تلتفتوا إلى مطاعن السفهاء فإن الله يجمعكم وإياهم يوم القيامة فيحكم بينكم.

وقيل: ولكل قوم منكم يا أمة محمد  جهة يصلي إليها جنوبية أو شمالية أو شرقية أو غربية، فاستبقوا الفاضلات من الجهات وهي الجهات المسامتة للكعبة وإن اختلفت ﴿ أينما تكونوا ﴾ من الجهات المختلفة ﴿ يأت بكم الله جميعا ﴾ يجمعكم للجزاء ويجعل صلواتكم واحدة كأنها إلى جهة واحدة لمحاذاة الجميع الكعبة.

ولقراءة ابن عامر ﴿ مولاها ﴾ معنيان: أحدهما أن ما وليته فقد ولاك والآخر زينت له تلك الجهة وحببت إليه.

وقيل: ولكل مخلوق قبلة فقبلة المقربين العرش، وقبلة الروحانيين الكرسي، وقبلة الكروبيين البيت المعمور، وقبلة الأنبياء الذين قبلك بيت المقدس، وقبلتك أنت الكعبة، بل قبلة جسدك هي، وقبلة الأنبياء الذين قبلك بيت المقدس، وقبلتك أنت الكعبة، بل قبلة جسدك هي، وقبلة روحك أنا، وقبلتي أنت "أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي".

ثم إن الشافعي استدل بقوله ﴿ فاستبقوا الخيرات ﴾ على أن الصلاة في أول الوقت أفضل.

وعند أبي حنيفة: التأخير أفضل إحرازاً لفضيلة الانتظار ولتكثر الجماعة، ولما روي أنه  قال "أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر" وقال ابن مسعود: ما رأيت أصحاب رسول الله  حافظوا على شيء ما حافظوا على التنوير بالفجر.

وأجيب بأن الانتظار قبل مجيء الوقت لقوله  "يا علي ثلاث لا تؤخرها: الصلاة إذا أتت والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت لها كفؤاً" وأن المراد بالإسفار والتنوير هو طلوع الفجر الصادق بحيث لا يشك فيه وذلك مما لا نزاع فيه، وإنما النزاع فيما إذا تحقق دخول الوقت ثم تكاسل المكلف وتثاقل أو بغير أسباب الصلاة تشاغل.

﴿ ومن حيث خرجت ﴾ ومن أي بلد خرجت يا محمد ﴿ فولّ وجهك شطر المسجد الحرام ﴾ إذا صليت ﴿ وإنه ﴾ وإن هذا المأمور به ﴿ للحق ﴾ الذي يجب أن يقبل ويعمل به حال كونه ﴿ من ربك وما الله بغافلٍ عما يعملون ﴾ وعد للمتشاغلين ووعيد للمتغافلين.

واعلم أن أمر التولية ذكره الله  ثلاث مرات، وللعلماء في سبب التكرير أقوال: أولها: أن الآية الأولى محمولة على أن يكون المكلف حاضر المسجد الحرام، والثانية على أن يكون غائباً عنه ولكن يكون في البلد، والثالثة على أن يكون خارج البلد في أقطار الأرض، فقد يمكن أن يتوهم للقريب من التكليف ما ليس للبعيد فأزيل ذلك الوهم.

وثانيها: أنه نيط بكل واحد ما لم ينط بالآخر، وذلك أنه أكد الأول بأن أهل الكتاب يعلمون حقيته بشهادة التوراة والإنجيل، وأكد الثاني بإخبار الله  عن حقيته وكفى به شهيداً، وأتبع الثالث غرض التحويل وهو قوله ﴿ لئلا يكون للناس عليكم حجة ﴾ كما أن قوله ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ وأمثال ذلك تكرر حيث نيط بكل منها فائدة.

وثالثها: أن الآية الأولى توهم أن التحويل إنما فعل رضا للنبي  وطلباً لهواه حيث قال ﴿ فلنولينك قبلةً ترضاها ﴾ فأزيل الوهم بتكرار الأمر وتعقيبه بقوله ﴿ وإنه للحق من ربك ﴾ أي نحن ما حولناك إلى هذه القبلة بمجرد رضاك وهواك كقبلة اليهود والمنسوخة التي إنما يقيمون عليها بمجرد الهوى والتشهي، ولكنها حق من ربك بعد أنها وافقت رضاك، وفي الثالثة بيان الغرض.

ورابعها: أن الأولى لتعميم الأحوال والثانية لتعميم الأمكنة، والثالثة لتعميم الأزمنة إشعاراً بأنها لا تصير منسوخة ألبتة.

وخامسها: الزم هذه القبلة فإنها التي كنت تهواها، الزم هذه القبلة فإنها قبلة الحق لا قبلة الهوى.

الزم هذه القبلة فبها ينقطع عنك حجج العدا وهذا قريب من الثالث.

وسادسها: هذه الواقعة أولى الوقائع التي ظهر النسخ فيها في شرعنا فدعت الحاجة إلى التكرير لمزيد التأكيد والتقرير.

وسابعها: قلت: الآية الأولى مشتملة على تكليف خاص بالنبي  ﴿ فلنولينك قبلةً ترضاها فولّ وجهك شطر المسجد الحرام ﴾ ثم على تكليف عام له ولأمته ﴿ وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ﴾ والآية الثانية ﴿ ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام ﴾ لأجل تكليف أخص وهو تكليف الالتفات عما سوى الله إلى الله وهو تكليف الصدّيقين وهو سنة خليل الرحمن  ﴿ وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض  ﴾ ومما يؤيد هذا التأويل تعقيبه بقوله ﴿ وإنه للحق من ربك ﴾ لم يستظهر على هذا إلا بشهادة نفسه حيث لم يبق إلا هو وهو مقام الفناء في الله بخلاف الآية الأولى فإنها أكدت بشهادة الغير.

وأيضاً اقتصر ههنا على أمر النبي  دون الأمة لأن هذه المرتبة وهي المسجد الحرام - حرام لا يليق بكل أحد جل جناب الحق عن أن يكون شريعة لكل وارد أو يطلع عليه إلا واحد بعد واحد.

وأيضاً قدم على الآية قوله ﴿ ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات ﴾ فدل على أن المذكور بعدها مرتبة السابقين ﴿ ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله  ﴾ لما كان من المحتمل أن يظن أن التكليف الأخص ناسخ للتكليف الخاص منه والعام له ولأمته، كرر الآية الأولى بعينها ليعلم أن حكمها باقٍ بالنسبة إلى عموم المكلفين والله  أعلم بحقائق الأمور.

قوله ﴿ لئلا يكون ﴾ أي ولوا لأجل هذا الغرض.

وقال الزجاج: يتعلق بمحذوف أي عرفتكم لئلا يكون الناس عليكم حجة.

و الناس قيل للعموم، وقيل هم اليهود كانوا يطعنون بأنه يخالفنا في ديننا ويتبع قبلتنا ويقولون ما درى محمد أين يتوجه في صلاته حتى هديناه.

وقيل: هم العرب قالوا: إنه يقول أنا على دين إبراهيم، ولما ترك التوجه إلى الكعبة فقد ترك دين إبراهيم.

وإنما أطلق الحجة على قول المعاندين لأن المراد بها المحاجة، أو سماها حجة تهكماً أو طباقاً أو بناءً على معتقدهم لأنهم يسوقونها سياق الحجة.

وقد تكون الحجة باطلة قال  ﴿ حجتهم داحضة عند ربهم  ﴾ وكل كلام يقصد به غلبة الغير حجة، وعلى هذا فالاستثناء متصل.

والمراد بالذين ظلموا المعاندون من اليهود القائلون بأنه ما ترك قبلتنا إلى الكعبة إلا ميلاً إلى دين قومه وحباً لبلده، ولو كان على الحق للزم قبلة الأنبياء، أو بعض العرب القائلون بأن محمداً عاد إلى ديننا في الكعبة وسيعود إلى ديننا بالكلية.

وقيل: الاستثناء منقطع.

وقيل: "إلا" بمعنى الواو وأنشد شعر: وكــل أخٍ مفــارقــه أخــوه *** لعمــر أبيــك إلا الفـرقــدان يعني والفرقدان.

وإذا طعنوا في دينكم من غير ما سببٍ ﴿ فلا تخشوهم ﴾ فإنهم لا يضرونكم ﴿ واخشون ﴾ واحذروا عقابي إن أنتم عدلتم عما ألزمتكم وفرضت عليكم على وفق مصلحتكم، فعلى المرء أن ينصب بين عينيه في كل أفعاله وتروكه خشية الله ويقطع الرجاء والخوف عمن سواه.

قوله ﴿ ولأتم ﴾ قيل: معطوف على ﴿ لئلا ﴾ أي حوّلتكم إلى هذه القبلة لحكمتين: إحداهما انقطاع حجتهم، والثانية إتمام النعمة بحصول شرف قبلة إبراهيم.

وقيل: متعلقة محذوف معناه ولإتمامي النعمة عليكم وإرادتي اهتداءكم أمرتكم بذلك.

وقيل: معطوف على علة مقدرة كأنه قال: واخشوني لأوفقكم ولأتم نعمتي عليكم وهذا الإتمام لا ينافي ما أنزل في آخر عهد رسول الله  ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي  ﴾ فإن لله  في كل وقت نعمة على المكلفين ولها تمام بحسبها، فهذا إتمام النعمة في أمر القبلة، وذاك تمام النعمة في أمر الدين على الإطلاق وعن علي  : تمام النعمة الموت على الإسلام.

وفي الحديث "تمام النعمة دخول الجنة" ﴿ كما أرسلنا ﴾ "ما" مصدرية أو كافة.

ثم إن الجار والمجرور يتعلق بما قبله أو بما بعده.

وعلى الأول قيل: معناه ولأتم نعمتي عليكم في الدنيا بحصول الشرف وفي الآخرة بالفوز بالثواب كما أتممتها عليكم في الدنيا بإرسال الرسول، أو لأتم نعمتي ببيان الشرائع، أو أهديكم إلى الدين إجابة لدعوة إبراهيم حيث قال ﴿ ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا  ﴾ كما أرسلنا فيكم رسولاً إجابةً لدعوته حيث قال ﴿ ربنا وابعث فيهم رسولاً  ﴾ وقيل: معناه كذلك جعلناكم أمة وسطاً كما أرسلنا فيكم رسولاً، وعلى الثاني معناه كما ذكرتكم بإرسال الرسول فاذكروني أذكركم تارةً أخرى.

وفيه أن نعمه على العبد لا تنقطع، فكل نعمة سابقة فسيضم إليها أخرى لاحقة حتى يكون له الفضل أولاً وأخيراً وبدايةً ونهايةً.

وفي إرساله فيهم ومنهم أي من العرب نعمة عظيمة عليهم لما لهم فيه من الشرف، ولأن المشهور من حال العرب الأنفة الشديدة من الانقياد للغير فبعثه الله  من واسطتهم ليكونوا إلى القبول أقرب.

وكون القرآن متلواً من أعظم النعم لأنه معجزة باقية ولأنه يتلى فتتأدى به العبادات، ولأنه يتلى فتستفاد منه جميع العلوم، ولأنه يتلى فيوقف على مجامع الأخلاق الحميدة ففي تلاوته خير الدنيا والآخرة.

ومعنى التزكية وتعليم الكتاب والحكمة قد مر في دعاء إبراهيم.

وفي قوله ﴿ يعلمكم ما لم تكونوا تعلمون ﴾ تنبيه على أنه  أرسله على فترة من الرسل وجهالة من الأمر وتحير الناس في أمر الديانة، فعلمهم ما احتاجوا إليه في صلاح معاشهم ومعادهم وذلك من أعظم أنواع النعم ﴿ فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون ﴾ تكليف بأمرين: الذكر والشكر.

وقد مر ذكر الشكر في تفسير الحمد وقوله ﴿ ولا تكفرون ﴾ عطف بالواو ليعلم أن جحود النعمة منهيّ عنه كما أن الشكر مأمور به.

ولو قطع على طريقة قوله: "أقول له ارحل لا تقيمن عندنا" لأوهم أن المقصود بالذات هو الثاني والأول في حكم المنحى.

ويحتمل من حيث العربية أن تكون "لا" نافية والنون ليست للوقاية، ومحل الجملة النصب على الحال أي اشكروا لي غير جاحدين لنعمتي.

وأما الذكر فباللسان وهو أن يحمده ويسبحه ويمجده ويقرأ كتابه، أو بالقلب وهو أن يتفكر في الدلائل على ذاته وصفاته، وفي الأجوبة عن شبه الطاعنين فيها وفي الدلائل على كيفية تكاليفه وأحكامه وأوامره ونواهيه ووعده ووعيده ليعمل بمقتضاها، ثم يتفكر في أسرار المخلوقات متوصلاً من كل ذرة إلى موجدها، أو بالجوارح وهو أن تكون مستغرقة في الأعمال المأمور بها فارغة عن الأشغال المنهي عنها.

وبهذا الوجه سمى الصلاة ذكراً ﴿ فاسعوا إلى ذكر الله  ﴾ وأما ذكر الله  فلا بد أن يحمل على ما له تعلق بالثواب وإظهار الرضا واستحقاق المنزلة والإكرام فالحاصل اذكروني بطاعتي أذكركم برحمتي، اذكروني بالدعاء أذكركم بالإجابة، اذكروني في الدنيا أذكركم في الآخرة، اذكروني في الخلوات أذكركم في الفلوات، اذكروني في الرخاء أذكركم في البلاء، اذكروني بالمجاهدة أذكركم بالهداية، اذكروني بالصدق والإخلاص أذكركم بالخلاص ومزيد الاختصاص، اذكروني بالعبودية أذكركم بالربوبية، اذكروني بالفناء أذكركم بالبقاء.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ ﴾ .

قد ذكرنا أنه يخرج على الوعد له.

قوله: ﴿ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ﴾ .

قال بعض المُفْتُون: إنه كان يقلب بصره إلى السماء لما يكره أن تكون قبلته قبلة اليهود.

ولكن هذا بعيد؛ لأن مثل هذا لا يظن بأحد من المسلمين، فكيف برسول الله  ؟

إلا أن يقال: كره كراهة الطبع والنفس، وأما كراهة الاختيار، فلا يحتمل.

ويقال: إنه كان حبب إليه الصلاة حتى لا يصبر عنها، وقد نهى عن الصلاة إلى بيت المقدس، ولم يؤمر بعد التوجه إلى غيرها، فكان تقلب وجهه إلى السماء رجاء أن يؤمر بالتوجه إلى غيرها، أو أن يقال: "قبلة ترضاها"؛ لأنها كانت قبلة الأنبياء من قبل، فلا شك أنه كان يرضاها.

وهذا جائز في الكلام.

يقول الرجل لآخر: أعطيك شيئاً ترضاه، وإن لم يظهر منه الكراهية في ذلك، ولا التردد.

وقوله: ﴿ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾ .

وقد ذكرنا القول في القبلة، والاختلاف فيه فيما تقدم.

وقوله: ﴿ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ ﴾ على وجهين: أحدهما: أي علموا أن تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة حق، لكنهم يعاندون ويتبعون هواهم.

والثاني: أي علموا بما بُيِّن له في كتبهم أن محمداً رسول الله صلى الله عليه سلم، وأنه حق.

وقوله: ﴿ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾ .

وهو على ما ذكرنا أنه على الوعيد والتهديد.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ ﴾ .

في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون ولا يتابعون محمداً  في قبلته حيث آيسه عن متابعتهم إياه؛ لأنها لو كانت في أهل الكتاب كلهم لكان لهم الاحتجاج على رسول الله  ، ودعوى الكذب عليه؛ لأن من أهل الكتاب من قد آمن.

فدل أنهم لم يفهموا من عموم اللفظ عموم المراد، ولكن فهموا من عموم اللفظ خصوصاً.

وكان ظاهراً في أهل الإسلام وأهل الكفر جميعاً المعنى الذي وصفنا لك.

فظهر أنه لا يجوز أن يفهم من مخرج عموم اللفظ عموم المراد.

وفيه دلالة إثبات رسالة محمد  ؛ لأنه في موضع الإخبار بالإياس عن الاتباع له.

ولا يوصل إلى مثله إلا بالوحي عن الله عز وجل.

وفيه أن كثرة الآيات وعظمها في نفسها لا يعجز المعاند عن اتباع هواه والاعتقاد لما يخالف هواه.

وقوله: ﴿ وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ﴾ .

فيه الوعد له بالعصمة في حادث الوقت وما يتلوه.

ويحتمل قوله: ﴿ وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ﴾ ، أي: وما لك أن تتابعهم في القبلة، وهذا التأويل كأنه أقرب لما خرج آخر الآية على الوعيد له بقوة.

وقوله: ﴿ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .

وقد ذكرنا أن العصمة لا تمنع النهي.

ويحتمل: أن يكون المراد من الخطاب غيره.

وقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾ .

لأن الأولاد إنما تعرف بالأعلام وأسباب تتقدم، فعلى ذلك معرفة الرسل، عليهم السلام، إنما تكون بالدلائل والأعلام، وقد كانت تلك الدلائل والأسباب في رسول الله ظاهرة، لكنهم تعاندوا وتناكروا وكتموا بعد معرفتهم به أنه الحق، دليله قوله: ﴿ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ .

والكتمان أبداً إنما يكون بعد العلم بالشيء؛ لأن الجاهل بالشيء لا يوصف بالكتمان.

وروي عن عبد الله بن سلام، أنه قال: أعرفه أكثر مما أعرف ولدي؛ لأني لا أدري ما أحدث النساء بعدي.

وفيه الدلالة أن نعته وصفته كانت غير مغيرة يومئذ، وإنما غيرت بعد حيث أخبر أنهم كتموا ذلك.

وقيل: ﴿ لاَّ يَعْلَمُونَ  ﴾ : لا يؤمنون؛ وهو على ما بينا من نفي بذهاب نفعه، وجائز أن يكونوا عرفوه بما وجدوه بنعته في كتبهم، كما قال الله عز وجل: ﴿ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلأَغْلاَلَ ٱلَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ ﴾ .

يحتمل: أن يكون الخطاب له والمراد غيره.

ويحتمل: هو، وإن كان يعلم أنه لا يمتري؛ لما ذكرنا في غير موضع أن العصمة لا تمنع النهي عن الشيء.

وقوله: ﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ﴾ .

قيل فيه بوجوه: قيل: "هو موليها" [يعني الله موليها] ومحولها.

وقيل: "هو" يعني المصلي، هو موليها.

وقيل: ولى - أقبل وأدبر - ﴿ هُوَ مُوَلِّيهَا ﴾ هو مستقبلها.

ويقال في قوله: ﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ﴾ لكل ملة من المسلمين قبلكم جعلت قبلتها الكعبة.

وقوله: ﴿ فَٱسْتَبِقُواْ ٱلْخَيْرَاتِ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: قيل: بادروا الأمم السالفة بالخيرات والطاعات.

وقيل: ﴿ فَٱسْتَبِقُواْ ﴾ هو اسم الازدحام، يقول: يبادر بعضكم بعضاً بالخيرات.

ويحتمل: أي استبقوا في أمر القبلة والتوجه إليها غيركم من الكفرة.

والله ورسوله أعلم.

وقوله: ﴿ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً ﴾ .

قيل: إينما كنتم يقبض الله أرواحكم من البقاع البعيدة والأمكنة الحصينة.

وقيل: ﴿ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ ﴾ أي في أي حال كنتم - عظاماً ناخرة أو بالية أو رفاتاً - يجمعكم الله ويحييكم، ولا يتعذر عليه ذلك، وهو كقوله: ﴿ وَقَالُوۤاْ أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً  قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً  أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ ٱلَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ  ﴾ ، أخبر أن شدة الحال عندكم لا يتعذر عليه، ولا يشتد من الإحياء والإماتة.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .

من جمع ما ذكرنا من الأشياء المتفرقة وإحياء العظام البالية.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قد رأينا -أيها النبي- تحوُّل وجهك ونظرك إلى جهة السماء، ترقُّبًا وتحريًا لنزول الوحي بشأن القبلة وتحويلها إلى حيث تُحب، فلنُوَجِّهنك إلى قبلة ترتضيها وتحبها -وهي بيت الله الحرام- بدل بيت المقدس الآن، فاصرف رجهك إلى جهة بيت الله الحرام بمكة المكرمة، وأينما كنتم -أيها المؤمنون- فتوجهوا إلى جهته عند أداء الصلاة.

وإن الذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى ليعلمون أن تحويل القبلة هو الحق المنزل من خالقهم ومدبر أمرهم؛ لثبوته في كتابهم، وليس الله بغافل عما يعمل هؤلاء المعرضون عن الحق، بل هو سبحانه عالم بذلك، وسيجازيهم عليه.

<div class="verse-tafsir" id="91.oNyG2"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

قالوا كان النبي  يتشوف لتحويل القبلة من بيت المقدس ويرجوه، بل قال (الجلال) إنه كان ينتظره، لأن الكعبة قبلة أبيه إبراهيم والتوجه إليها أدعى إلى إيمان العرب، أي وعلى العرب المعول في ظهور هذا الدين العام، لأنهم كانوا أكمل استعدادًا له من جميع الأنام ..

ولا يعد في تشوفه إلى قبلة إبراهيم، وقد جاء بإحياء ملته، وتجديد دعوته، لا يعد هذا من الرغبة عن أمر الله تعالى إلى هوى نفسه، كلا إن هوى الأنبياء لا يعدو أمر الله تعالى وموافقة رضوانه.

ولو كان لأحد منهم هوى ورغبة في أمر مباح مثلًا وأمره الله بخلافه لانقلبت رغبته فيه إلى الرغبة عنه إلى ما أمر الله تعالى به ورضيه، بل المقام أدق، والسر أخفى، إن روح النبي منطوية على الدين في جملته من قبل أن ينزل عليه الوحي بتفصيل مسائله، فهي تشعر بصفائها وإشراقها بحاجة الأمة التي بعث فيها شعورًا إجماليًا كليًا لا يكاد يتجلى في جزئيات المسائل وآحاد الأحكام إلا عند شدة الحاجة إليها، والاستعداد لتشريعها، عند ذلك يتوجه قلب النبي إلى ربه طالبًا بلسان استعداده بيان ما يشعر به مجملًا، وإيضاح ما يلوح له مبهمًا، فينزل الروح الأمين على قلبه، ويخاطبه بلسان قومه عن ربه، وهكذا الوحي إمداد، في موطن استعداد، لا كسب فيه للعباد، وإذا كان حكم شرع لسبب مؤقت، وزمن في علم الله معين، فإن روح النبي تشعر بذلك في الجملة، فإذا تم الميقات، وأزف وقت الرقي إلى ما هو آت، وجدت من الشعور بالحاجة إلى النسخ ما يوجهها إلى الشارع العليم، والديان الحكيم، كما كان يتقلب وجه نبينا في السماء تشوقًا إلى تحويل القبلة فذلك قوله تعالى ﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ  ﴾ أي أننا نرى تقلب وجهك أيها الرسول وتردده المرة بعد المرة في السماء، مصدر الوحي وقبلة الدعاء، انتظارًا لما ترجوه من نزول الأمر بتحويل القبلة.

فسّر بعضهم تقلب الوجه بالدعاء، وحقيقة الدعاء هي شعور القلب بالحاجة إلى عناية الله تعالى فيما يطلب، وصدق التوجه إليه فيما يرغب، ولا يتوقف على تحريك اللسان بالألفاظ، فإن الله ينظر إلى القلوب وما أسرت فإن وافقتها الألسنة فهي تبع لها، وإلا كان الدعاء لغوًا يبغضه الله تعالى، فالدعاء الديني لا يتحقق إلا بإحساس الداعي بالحاجة إلى عناية الله تعالى، وعن هذا الإحساس يعبر اللسان بالضراعة والابتهال، فهذا التفسير ليس بأجنبي من سابقه.

فتقلب الوجه في السماء عبارة عن التوجه إلى الله تعالى انتظارًا لما كانت تشعر به روح النبي  وترجوه من نزول الوحي بتحويل القبلة.

ولا تدل الآية على أنه كان يدعو بلسانه طالبًا هذا التحويل ولا تنفي ذلك.

وقال بعض المحققين: من كمال أدبه  أنه انتظر ولم يسأل، وهذا التوجه هو الذي يحبه الله تعالى ويهدي قلب صاحبه إلى ما يرجوه ويطلبه لذلك قال  ﴿ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا  ﴾ أي فلنجعلنك متوليًا قبلة تحبها وترضاها، وقرن الوعد بالأمر فقال ﴿ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ  ﴾ .

تولية الوجه المكان أو الشيء هي جعله قبالته وأمامه، والتولي عنه جعله وراءه.

والشطر في الأصل القسم المنفصل من الشيء تقول جعله شطرين ومنه شطر البيت من الشعر وهو المصراع منه، وكذا المتصل كشطري الناقة وأشطرها وهي أخلافها: شطران أماميان وشطران خلفيان.

ويطلق على النحو والجهة وهو المراد هنا، فالواجب استقبال جهة الكعبة في حال البعد عنها وعدم رؤيتها ولا يجب استقبال عينها إلا على من يراها بعينه، أو يلمسها بيده أو بدنه.

فإن صح إطلاق الشطر على عين الشيء في اللغة فلا يصح أن يراد هنا لما فيه من الحرج الشديد لا سيما على الأمة الأمية.

ثم أمر بذلك المؤمنين عامة فقال ﴿ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ  ﴾ أي وفي أي مكان كنتم فاستقبلوا جهته بوجوهكم في صلاتكم، وهذا يقتضي أن يصلي المسلمون في بقاع الأرض إلى جميع الجهات لا كالنصارى الذين يلتزمون جهة المشرق، ويقتضي أن يعرفوا موقع البيت الحرام وجهته حيثما كانوا ولذلك وضعوا علم سمت القبلة وتقويم البلدان (الجغرافية الفلكية والأرضية).

وقد عهد من أسلوب القرآن أن يكون الأمر يؤمر به النبي، أمرًا له وللمؤمنين به، فإذا أريد التخصيص جيء بما يدل عليه كقوله تعالى ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ  ﴾ وقوله ﴿ خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ  ﴾ ، وإنما أمر الله المؤمنين في هذه الآية بما أمر به النبي فيها نصًا صريحًا للتأكيد الذي اقتضته الحال في حادثة القبلة، فإنها كانت حادثة كبيرة استتبعت فتنة عظيمة، فأراد الله أن يعلم المؤمنين بعنايته بها ويقررها في أنفسهم، فأكد الأمر بها وشرفهم بالخطاب مع خطاب الرسول  لتشتد قلوبهم وتطمئن نفوسهم، ويتلقوا تلك الفتنة التي أثارها المنافقون والكافرون بالحزم والثبات على الاتباع ولئلا يتوهم من سابق الكلام أنه خاص به  .

بعد هذا عاد إلى بيان حال السفهاء مثيري الفتنة في مسألة تحويل القبلة فقال ﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ  ﴾ أي أن تولي المسجد الحرام هو الحق المنزل من الله على نبيه.

وجمهور المفسرين على أن أكثر أولئك الفاتنين كانوا من أهل الكتاب المقيمين في الحجاز، ولولا ذلك لم تكن الفتنة عظيمة، لأن كلام المشركين في مسائل الوحي والتشريع قلما يلتفت إليه، وأما أهل الكتاب فقد كانوا معروفين بين العرب بالعلم، ومن كان كذلك فإن عامة الناس تتقبل كلامه، ولو نطق بالمحال، لأن الثقة بمظهره تصد عن تمحيص خبره، فهو في حاله الظاهرة شبهة إذا أنكر وحجة إذا اعترف، ولأن الجماهير من الناس قد اعتادوا تقليد مثله من غير بحث ولا دليل.

وقد جرى أصحاب المظاهر العلمية والدينية على الانتفاع بغرور الناس بهم، فصار الغرض لهم من أقوالهم التأثير في نفوس الناس، فهو يقولون ما لا يعتقدون لأجل ذلك ويسندون ما يقولون إلى كتبهم كذبًا صريحًا أو تأويلًا بعيدًا، كما كان أحبار اليهود يطعنون في النبي  وما جاء به ويذكرون للناس أقوالًا على أنها من كتبهم وما هي من كتبهم، إن يريدون إلا خداعًا، وقد كذب الله هؤلاء الخادعين، وبيّن أنهم يقولون غير ما يعتقدون، كأنه يقول إن هؤلاء قد قام عندهم الدليل على ما سبقت به بشارة أنبيائهم من صحة نبوة الرسول ويعلمون أن أمر القبلة كغيرها من أمور الدين ما جاء به الوحي عن الله تعالى وأنه الحق لا محيص عنه، لا مكان معين بذاته، لذاته، ﴿ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ  ﴾ فهو المطلع على الظواهر والضمائر، الحسيب على ما في السرائر، الرقيب على الأعمال، فيخبر نبيه بما شاء أن يخبره وإليه المرجع والمصير وعليه الحساب والجزاء، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي ﴿ تَعْمَلُونَ  ﴾ بالتاء للخطاب: سبق القول بأن النبي  كان حريصًا على هداية أهل الكتاب راجيًا بإيمانهم ما لا يرجوه من إيمان المشركين، فبمقدار حرصه ورجائه كان يحزنه عروض الشُّبه لهم في الدين، ويتمنى لو أعطي من الآيات والدلائل ما يمحو كل شبهة لهم، فلما كانت فتنة تحويل القبلة بمخادعتهم الناس أخبره الله تعالى بأنهم غير مشتبهين في الحق فتزال شبهتهم، وإنما هم قوم معاندون جاحدون على علم، ثم أعلمه بأن الآيات لا تؤثر في المعاند ولا ترجع الجاحد عن غيه، فقال: ﴿ وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ  ﴾ أي وتالله لئن جئتهم بكل آية على نبوتك وكل حجة على صدقك، ما تبعوا قبلتك فضلًا عن ملتك فلا يحزنك قولهم ولا إعراضهم، ولا تحسبن الآيات والدلائل مقنعة أو صارفة لهم عن عنادهم، فهم قوم مقلدون لا نظر لهم ولا استدلال، وكما أيأسه من اتباعهم قبلته أيأسهم من اتباعه قبلتهم فقال ﴿ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ  ﴾ فإنك الآن على قبلة إبراهيم الَذي يجلونه جميعًا ولا يختلف في حقيقة ملته أحد منهم، فهي الأجدر بالاجتماع عليها، وترك الخلاف إليها، فإذا كان أتباع إبراهيم لا يزحزحهم عن تعصبهم لما ألفوا، وعنادهم فيما اختلفوا، وإذا كان التقليد يحول بينهم وبين النظر في حقيقة معنى القبلة، وكون الجهات كلها لله تعالى، وأن الفائدة فيها الاجتماع دون الافتراق، فأي دليل أم آية ترجعهم عن قبلتهم؟

وأي فائدة ترجى من موافقتك إياهم عليها؟

ألم تر كيف اختلفوا هم في القبلة فجعل النصارى لهم قبلة غير قبلة اليهود التي كان عليها عيسى بعد موسى ﴿ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ  ﴾ لأن كلًا منهم قد جمد بالتقليد على ما هو عليه، والمقلد لا ينظر في آية ولا دليل، ولا في فائدة ما هو فيه والمقارنة بينه وبين غيره، فهو أعمى لا يبصر، أصم لا يسمع، أغلف القلب لا يعقل ﴿ وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنْ الظَّالِمِينَ  ﴾ .

هذا الخطاب بهذا الوعيد لأعلى الناس مقامًا عند الله تعالى هو أشد وعيد لغيره ممن يتبع الهوى ويحاول استرضاء الناس بمجاراتهم على ما هم عليه من الباطل، فإنه أفرده بالخطاب مع أن المراد به أمته، إذ يستحيل أن يتبع هو أهواءهم أو أن يجاريهم على شيء نهاه الله تعالى عنه، لينتبه الغافل ويعلم المؤمنون أن اتباع أهواء الناس في مهاوي الباطل، كأنه يقول إن هذا ذنب عظيم لا يتسامح فيه مع أحد حتى لو فرض وقوعه من أكرم الناس على الله تعالى لسجل عليه الظلم، وجعله من أهله الذين صار وصفًا لازمًا لهم ﴿ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ  ﴾ فكيف حال من ليس له ما يقارب من مكانته عند ربه  ؟

نقرأ هذا التشديد والوعيد، ونسمعه من القارئين، ولا نزدجر عن اتباع أهواء الناس ومجاراتهم على بدعهم وضلالاتهم، حتى إنك ترى الذين يشكون من هذه البدع والأهواء ويعترفون ببعدها عن الدين يجارون أهلها عليها، ويمازحونهم فيها، وإذا قيل لهم في ذلك قالوا ماذا نعمل؟

ما في اليد حيلة.

العامة عمي.

آخر زمان.

وأمثال هذه الكلمات هي جيوش الباطل تؤيده وتمكنه في الأرض، حتى يحل بأهله البلاء ويكونوا من الهالكين.

﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ  ﴾ ذكر في الآية السابقة أن الذين أوتوا الكتاب يعلمون أن ما جاء به النبي في أمر القبلة هو الحق من ربهم ولكنهم ينكرون ويمكرون، وذكر في هذه ما هو الأصل والعلة في ذلك العلم، وذلك الإنكار وهو أنهم يعرفون النبي  بما في كتبهم من البشارة به ومن نعوته وصفاته التي لا تنطبق على غيره، وبما ظهر من آياته وآثار هدايته، كما يعرفون أبناءهم الذين يتولون تربيتهم وحياطتهم حتى لا يفوتهم من أمرهم شيء.

قال عبد الله بن سلام  وكان من علماء اليهود وأحبارهم: أنا أعلم به مني بابني؟

فقال له عمر  : لم؟

قال: لأني لست أشك في محمد أنه نبي، فأما ولدي فلعل والدته خانت.

فقد اعترف من هداه الله من أحبارهم كهذا العالم الجليل وتميم الداري من علماء النصارى أنهم عرفوه  معرفة لا يتطرق إليها الشك ﴿ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ  ﴾ أنه الحق الذي لا مرية فيه، فماذا يرجى منهم بعد هذا؟

وذهب بعض المفسرين إلى أن الضمير في ﴿ يعْرِفُونَهُ  ﴾ لما ذكر من أمر القبلة، واستبعدوا عوده إلى الرسول مع تقدم ذكره في الآيات، ومع ما يعهد من الاكتفاء بالقرائن في مثل هذا التعبير.

وقد أسند هذا الكتمان إلى فريق منهم إذا لم يكونوا كلهم كذلك، فإن منهم من اعترف بالحق وآمن واهتدى به، ومنهم من كان يجحده عن جهل ولو علم به لجاز أن يقبله، وهذا من دقة حكم القرآن على الأمم بالعدل.

ثم قال عز شأنه: ﴿ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنْ المُمْتَرِينَ  ﴾ الامتراء الشك والتردد وإنما يعرض لمن لا يعرفون الحق.

والمعنى أن هذا الذي أنت عليه أيها الرسول هو الحق -أو أن جنس الحق في الدين هو الوحي- من عند ربك المعتني بسأنك، فلا تلتفت إلى أوهام هؤلاء الجاحدين، فإنها لا تصلح شبهة على الحق الصريح الذي علمك الله فتمتري به والنهي في هذه الآية كالوعيد في الآية السابقة وجه الخطاب به إلى النبي  والمراد أمته من كان منهم غير راسخ في الإيمان، وخشي عليه الاغترار بمظاهر أولئك المخادعين الذين يغتر بأمثالهم الأغرار في كل زمان ومكان، ولذلك ارتد بفتنة القبلة بعض ضعفاء الإيمان.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله