الآية ١٤٥ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٤٥ من سورة البقرة

وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ بِكُلِّ ءَايَةٍۢ مَّا تَبِعُوا۟ قِبْلَتَكَ ۚ وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍۢ قِبْلَتَهُمْ ۚ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍۢ قِبْلَةَ بَعْضٍۢ ۚ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم مِّنۢ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ ۙ إِنَّكَ إِذًۭا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ ١٤٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 138 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٤٥ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٤٥ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى عن كفر اليهود وعنادهم ، ومخالفتهم ما يعرفونه من شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنه لو أقام عليهم كل دليل على صحة ما جاءهم به ، لما اتبعوه وتركوا أهواءهم كما قال تعالى : ( إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم ) [ يونس : 96 ، 97 ] ولهذا قال هاهنا : ( ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك ) .

وقوله ( وما أنت بتابع قبلتهم [ وما بعضهم بتابع قبلة بعض ] ) إخبار عن شدة متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم لما أمره الله تعالى به ، وأنه كما هم مستمسكون بآرائهم وأهوائهم ، فهو أيضا مستمسك بأمر الله وطاعته واتباع مرضاته ، وأنه لا يتبع أهواءهم في جميع أحواله ، وما كان متوجها إلى بيت المقدس ; لأنها قبلة اليهود ، وإنما ذلك عن أمر الله تعالى .

ثم حذر [ الله ] تعالى عن مخالفة الحق الذي يعلمه العالم إلى الهوى ; فإن العالم الحجة عليه أقوم من غيره .

ولهذا قال مخاطبا للرسول ، والمراد الأمة : ( ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين ) [ البقرة : 145 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ قال أبو جعفر: يعني بذلك تبارك اسمه: ولئن جئتَ، يا محمد، اليهودَ والنصارَى، بكل برهان وحُجة - وهي" الآية "- (89) بأن الحق هو ما جئتهم به، من فرض التحوُّل من قبلة بيت المقدس في الصلاة، إلى قبلة المسجد الحرام, ما صدّقوا به، ولا اتَّبعوا -مع قيام الحجة عليهم بذلك- قبلتَك التي حوَّلتُك إليها، وهي التوجُّه شَطرَ المسجد الحرام.

* * * قال أبو جعفر: وأجيبت " لئن " بالماضي من الفعل، وحكمها الجوابُ بالمستقبل تشبيهًا لها ب " لو ", فأجيبت بما تجاب به " لو "، لتقارب معنييهما.

&; وقد مضى البيان عن نَظير ذلك فيما مضى.

(90) وأجيبت " لو " بجواب الأيمان.

ولا تفعل العربُ ذلك إلا في الجزاء خاصة، لأن الجزاء مُشابه اليمين: في أن كل واحد منهما لا يتم أوّله إلا بآخره, ولا يتمُّ وحده, ولا يصحّ إلا بما يؤكِّد به بعدَه.

فلما بدأ باليمين فأدخلت على الجزاء، صَارَت " اللام " الأولى بمنـزلة يَمين، والثانية بمنـزلة جواب لها, كما قيل: " لعمرك لتقومَنَّ" إذ كثرت " اللام " من " لعمرك "، حتى صارت كحرف من حروفه, فأجيب بما يجاب به الأيمان, إذ كانت " اللام " تنوب في الأيمان عن الأيمان، دون سائر الحروف، غير التي هي أحقُّ به الأيمان.

فتدلّ على الأيمان وتعمل عمل الأجوبة، ولا تدلّ سائر أجوبة الأيمان لنا على الأيمان.

(91) فشبهت " اللام " التي في جواب الأيمان بالأيمان، لما وصفنا, فأجيبت بأجوبَتها.

* * * فكانَ مَعنى الكلام -إذ كان الأمر على ما وصفنا-: لو أتيتَ الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك.

* * * وأما قوله: " وما أنتَ بتابع قِبلتهم "، يقول: وما لك من سبيل يا محمد إلى اتّباع قبلتهم.

وذلك أن اليهود تستقبل بيت المقدس بصلاتها, وأن النصارى تستقبل المشرقَ, فأنَّى يكون لك السبيل إلى إتباع قِبلتهم.

مع اختلاف وجوهها؟

يقول: فالزم قبلتَك التي أمِرت بالتوجه إليها, ودعْ عنك ما تقولُه اليهود والنصارى وتدعُوك إليه من قبلتهم واستقبالها.

* * * وأما قوله: " وما بعضهم بتابع قبلة بعض "، فإنه يعني بقوله: وما اليهود بتابعةٍ &; 3-186 &; قبلةَ النصارى, ولا النصارى بتابعةٍ قبلة اليهود فمتوجِّهةٌ نحوها، كما:- 2257- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وما بعضهم بتاع قبلة بعض "، يقول: ما اليهود بتابعي قبلة النصارى, ولا النصارى بتابعي قبلة اليهود.

قال: وإنما أنـزلت هذه الآية من أجل أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حُوِّل إلى الكعبة, قالت اليهود: إن محمدًا اشتاقَ إلى بلد أبيه ومولده!

ولو ثبت على قبلتنا لكُنا نرجو أن يكون هو صاحبَنا الذي ننتظر!

فأنـزل الله عز وجل فيهم: وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ إلى قوله: لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ .

(92) 2258- حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " وما بعضهم بتابع قبلةَ بعض "، مثل ذلك.

* * * وإنما يعني جل ثناؤه بذلك: أن اليهود والنصارى لا تجتمع على قبلة واحدة، مع إقامة كل حزب منهم على مِلَّتهم.

فقال تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: يا محمد، لا تُشعر نفسك رضَا هؤلاء اليهود والنصارى, فإنه أمر لا سبيل إليه.

لأنهم مع اختلاف مللهم لا سبيل لكَ إلى إرضاء كل حزب منهم.

من أجل أنك إن اتبعت قبلةَ اليهود أسخطتَ النصارى, وإن اتّبعت قبلة النصارى أسخطت اليهود, فدع ما لا سبيل إليه, وادعُهم إلى ما لهم السبيل إليه، من الاجتماع على مِلَّتك الحنيفيّة المسلمة, وقبلتِك قبلةِ إبراهيم والأنبياء من بعده.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (145) قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " ولئن اتبعت أهواءهم "، ولئن التمست يا محمد رضَا هؤلاء اليهود والنصارى، الذين قالوا لك ولأصحابك: كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا ، فاتبعتَ قبلتهم - يعني: فرَجعت إلى قبلتهم.

ويعني بقوله: " من بَعد مَا جَاءك من العلم "، من بعد ما وصَل إليك من العلم، بإعلامي إياك أنهم مقيمون على باطل، وعلى عنادٍ منهم للحق, ومعرفةٍ منهم أنّ القبلة التي وجهتُك إليها هي القبلةُ التي فرضتُ على أبيك إبراهيم عليه السلام وسائر ولده من بعده من الرسل - التوجُّهَ نحوها،" إنك إذًا لمن الظالمين "، يعني: إنك إذا فعلت ذلك، من عبادي الظَّلمةِ أنفسَهم, المخالفين أمري, والتاركين طاعتي, وأحدُهم وفي عِدادِهم.

(93) --------------------------- الهوامش: (89) انظر تفسيره"آية" فيما سلف 1 : 106/2 : 553 .

(90) انظر ما سلف 2 : 458 ، وانظر معاني القرآن للفراء 1 : 84 .

(91) قوله : "أجوبة الأيمان لنا على الأيمان" هذه عبارة غامضة ، لم أظفر لها بوجه أرتضيه ، وأنا لا أشك في تحريفها أو نقصها .

(92) الأثر : 2257- انظر ما مضى رقم : 2204 .

(93) السياق : من عبادي الظلمة .

.

.

وأحدهم ، وفي عدادهم" .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمينقوله تعالى : ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك لأنهم كفروا وقد تبين لهم الحق ، وليس تنفعهم الآيات ، أي العلامات .

وجمع قبلة في التكسير : قبل .

وفي التسليم : قبلات .

ويجوز أن تبدل من الكسرة فتحة ، فتقول قبلات .

ويجوز أن تحذف الكسرة وتسكن الباء فتقول قبلات .

وأجيبت " لئن " بجواب " لو " وهي ضدها في أن " لو " تطلب في جوابها المضي والوقوع ، و " لئن " تطلب الاستقبال ، فقال الفراء والأخفش : أجيبت بجواب " لو " لأن المعنى : ولو أتيت .

وكذلك تجاب " لو " بجواب " لئن " ، تقول : لو أحسنت أحسن إليك ، ومثله قوله تعالى : ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا أي ولو أرسلنا ريحا .

وخالفهما سيبويه فقال : إن معنى لئن مخالف لمعنى " لو " فلا يدخل واحد منهما على الآخر ، فالمعنى : ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية لا يتبعون قبلتك .

قال سيبويه : ومعنى ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا ليظلن .قوله تعالى : وما أنت بتابع قبلتهم لفظ خبر ويتضمن الأمر ، أي فلا تركن إلى شيء من ذلك ثم أخبر تعالى أن اليهود ليست متبعة قبلة النصارى ولا النصارى متبعة قبلة اليهود ، عن السدي وابن زيد .

فهذا إعلام باختلافهم وتدابرهم وضلالهم .

وقال قوم : المعنى وما من اتبعك ممن أسلم منهم بمتبع قبلة من لم يسلم ، ولا من لم يسلم قبلة من أسلم .

والأول أظهر ، والله تعالى أعلم .قوله تعالى : ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، والمراد أمته ممن يجوز أن يتبع هواه فيصير باتباعه ظالما ، وليس يجوز أن يفعل النبي صلى الله عليه وسلم ما يكون به ظالما ، فهو محمول على إرادة أمته لعصمة النبي صلى الله عليه وسلم وقطعنا أن ذلك لا يكون منه ، وخوطب النبي صلى الله عليه وسلم تعظيما للأمر ولأنه المنزل عليه .

والأهواء : جمع هوى ، وقد تقدم ، وكذا من العلم تقدم أيضا ، فلا معنى للإعادة

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

كان النبي صلى الله عليه وسلم من كمال حرصه على هداية الخلق يبذل لهم غاية ما يقدر عليه من النصيحة, ويتلطف بهدايتهم, ويحزن إذا لم ينقادوا لأمر الله، فكان من الكفار, من تمرد عن أمر الله, واستكبر على رسل الله, وترك الهدى, عمدا وعدوانا، فمنهم: اليهود والنصارى, أهل الكتاب الأول, الذين كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم عن يقين, لا عن جهل، فلهذا أخبره الله تعالى أنك لو { أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ } أي: بكل برهان ودليل يوضح قولك ويبين ما تدعو إليه، { مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ } أي: ما تبعوك, لأن اتباع القبلة, دليل على اتباعه، ولأن السبب هو شأن القبلة، وإنما كان الأمر كذلك, لأنهم معاندون, عرفوا الحق وتركوه، فالآيات إنما تفيد وينتفع بها من يتطلب الحق, وهو مشتبه عليه, فتوضح له الآيات البينات، وأما من جزم بعدم اتباع الحق, فلا حيلة فيه.

وأيضا فإن اختلافهم فيما بينهم, حاصل, وبعضهم, غير تابع قبلة بعض، فليس بغريب منهم مع ذلك أن لا يتبعوا قبلتك يا محمد, وهم الأعداء حقيقة الحسدة، وقوله: { وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ } أبلغ من قوله: " وَلَا تَتَّبِعْ " لأن ذلك يتضمن أنه صلى الله عليه وسلم اتصف بمخالفتهم, فلا يمكن وقوع ذلك منه، ولم يقل: " ولو أتوا بكل آية " لأنهم لا دليل لهم على قولهم.

وكذلك إذا تبين الحق بأدلته اليقينية, لم يلزم الإتيان بأجوبة الشبه الواردة عليه, لأنها لا حد لها, ولأنه يعلم بطلانها, للعلم بأن كل ما نافى الحق الواضح, فهو باطل, فيكون حل الشبه من باب التبرع.

{ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ } إنما قال: " أهواءهم " ولم يقل " دينهم " لأن ما هم عليه مجرد أهوية نفس, حتى هم في قلوبهم يعلمون أنه ليس بدين، ومن ترك الدين, اتبع الهوى ولا محالة، قال تعالى: { أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ } { مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ } بأنك على الحق, وهم على الباطل، { إِنَّكَ إِذًا } أي: إن اتبعتهم, فهذا احتراز, لئلا تنفصل هذه الجملة عما قبلها, ولو في الأفهام، { لَمِنَ الظَّالِمِينَ } أي: داخل فيهم, ومندرج في جملتهم، وأي ظلم أعظم, من ظلم, من علم الحق والباطل, فآثر الباطل على الحق، وهذا, وإن كان الخطاب له صلى الله عليه وسلم, فإن أمته داخلة في ذلك، وأيضا, فإذا كان هو صلى الله عليه وسلم لو فعل ذلك -وحاشاه- صار ظالما مع علو مرتبته, وكثرة حسناته فغيره من باب أولى وأحرى.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى: {ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب} يعني اليهود والنصارى قالوا: ائتنا بآية على ما تقول، فقال الله تعالى: {ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب}.

{بكل آية} معجزة.

{ما تبعوا قبلتك} يعني الكعبة.

{وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض} لأن اليهود تستقبل بيت المقدس وهو المغرب والنصارى تستقبل المشرق وقبلة المسلمين الكعبة.

أخبرنا أبو عثمان بن إسماعيل الضبي أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي أخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي أخبرنا أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي أخبرنا الحسن بن بكر المروزي أخبرنا المعلى بن منصور أخبرنا عبد الله بن جعفر المخزومي عن عثمان الأخنسي عن سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "القبلة ما بين المشرق والمغرب".

وأراد به في حق أهل المشرق، وأراد بالمشرق: مشرق الشتاء في أقصر يوم في السنة، وبالمغرب: مغرب الصيف في أطول يوم من السنة، فمن جعل مغرب الصيف في هذا الوقت على يمينه ومشرق الشتاء على يساره كان وجهه إلى القبلة.

{ولئن اتبعت أهواءهم }: مرادهم الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم، والمراد به الأمة.

{من بعد ما جاءك من العلم} من الحق في القبلة.

{إنك إذاً لمن الظالمين}.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولإن» لام قسم «أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية» على صدقك في أمر القبلة «ما تبعوا» أي لا يتبعون «قبلتك» عناداً «وما أنت بتابع قبلتهم» قطع لطمعه في إسلامهم وطمعهم في عوده إليها «وما بعضهم بتابع قبلة بعض» أي اليهود قبلة النصارى وبالعكس «ولإن اتبعت أهواءهم» التي يدعونك إليها «من بعد ما جاءك من العلم» الوحي «إنك إذا» إن تبعتهم فرضا «لمن الظالمين».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولئن جئت -أيها الرسول- الذين أُعطوا التوراة والإنجيل بكل حجة وبرهان على أن توجُّهك إلى الكعبة في الصلاة هو الحق من عند الله، ما تبعوا قبلتك عنادًا واستكبارًا، وما أنت بتابع قبلتهم مرة أخرى، وما بعضهم بتابع قبلة بعض.

ولئن اتبعت أهواءهم في شأن القبلة وغيرها بعد ما جاءك من العلم بأنك على الحق وهم على الباطل، إنك حينئذ لمن الظالمين لأنفسهم.

وهذا خطاب لجميع الأمة وهو تهديد ووعيد لمن يتبع أهواء المخالفين لشريعة الإسلام.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أخبر الله - تعالى - عن كفر اليهود وعنادهم ، وأنهم لن يتبعوا الحق ولو جاءهم الرسول صلى الله عليه وسلم بكل آية .

فقال تعالى :( وَلَئِنْ أَتَيْتَ الذين أُوتُواْ الكتاب .

.

.

)المعنى : ولئن جئت - يا محمد - اليهود ومن على طريقتهم في الكفر بكل برهان وحجة ، بأن الحق هو ما جئتهم به ، من فرض التحول من قبلة بيت المقدس في الصلاة إلأى قبلة المسجد الحرام ، ما صدقوا به ، لأن تركهم اتباعك ليس عن شبهة يزيلها الدليل ، وإنما هو عن مكابرة وعناد مع علمهم بما في كتبهم من أنك على الحق المبين .وما أنت - يا محمد - بتابع قبلتهم ، لأنك على الهدى وهم على الضلال وفي هذه الجملة الكريمة حسم لأطماعهم ، وتقرير لحقية القبلة إلى الكعبة ، بعد أن أشاعوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم لو ثبت على قبلتهم لكانوا يرجون أنهن النبي المنتظر ، فقطع القرآن الكريم آمالهم في رجوع النبي صلى الله عليه وسلم إلى قبلتهم ، وأخبر بأنه ليس يتابع لها .ثم ذكر القرآن الكريم اختلاف أهل الكتاب في القبلة ، وأن كل طائفة منهم لا تتبع قبلة الطائفة الأخرى فقال تعالى : ( وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ) أي : ما اليهود بمتبعين لقبلة النصارى ولا النصارى بمتبعين لقبلة اليهود ، فهم مع اتفاقهم على مخالفتك ، مختلفون في باطلهم وذلك لأن اليهود تستقبل بيت المقدس ، والنصارى تستقبل مطلع الشمس .ثم ساق القرآن الكريم بعد ذلك تحذيراً للأمة كلها من اتباع أهل الكتاب ، وجاء هذا التحذير في شخص النبي صلى الله عليه وسلم فقال تعالى : ( وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ العلم إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظالمين ) .أي : لئن اتبعت - يا محمد - قبلتهم - على سبيل الفرض ، والتقدير من بعد وضوح البرهان وإعلامي إياك بإقامتهم على الباطل ، إنك إذاً لمن الظالمين لأنفسهم ، المخالفين لأمري .فالآية الكريمة : وعيد وتحذير للأمة الإِسلامية من اتباع آراء اليهود المنبعثة عن الهوى والشهوة ، وسيق الوعيد والتحذير في صورة الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم الذي لا يتوقع منه أن يتبع أهواء أهل الكتاب ، تأكيداً للوعيد والتحذير ، فكأنه يقول :لو اتبع أهواءهم أفضل لخليقة ، وأعلاهم منزلة عندي ، لجازيته مجازاة الظالمين ، وأحق بهذه المجازاة وأولى من كانوا دونه في الفضل وعلو المنزلة إن اتبعوا أهواء المبطلين وهم اليهود ومن كان على شاكلتهم من المشركين .قال صاحب الكشاف : " فإن قلت : كيف قال وما أنت بتابع قبلتهم ولهم قبلتان ، لليهود قبلة وللنصارى قبلة؟قلت : كلتا القبلتين باطلة ، مخالفة لقبلة الحق ، فكانت بحكم الاتحاد في البطلان قبلة واحدة " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أن الذين أوتوا الكتاب يعلمون أن هذه القبلة حق، بين بعد ذلك صفتهم لا تتغير في الاستمرار على المعاندة، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في قوله: ﴿ وَلَئِنْ أَتَيْتَ الذين أُوتُواْ الكتاب ﴾ فقال الأصم: المراد علماؤهم الذين أخبر الله تعالى عنهم في الآية المتقدمة بقوله: ﴿ وَإِنَّ الذين أُوتُواْ الكتاب لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق مِن رَّبّهِمْ  ﴾ واحتج عليه بوجوه: أحدها: قوله: ﴿ وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءهُم ﴾ فوصفهم بأنهم يتبعون الهوى، ومن اعتقد في الباطل أنه حق فإنه لا يكون متبعاً لهوى النفس، بل يكون في ظنه أنه متبع للهدى فأما الذين يعلمون بقلوبهم، ثم ينكرون بألسنتهم، فهم المتبعون للهوى.

وثانيها: أن ما قبل هذه الآية وهو قوله: ﴿ وَإِنَّ الذين أُوتُواْ الكتاب لِيَعْلَمُواْ أَنَّهُ الحق ﴾ لا يتناول عوامهم بل هو مختص بالعلماء، وما بعدها وهو قوله: ﴿ الذين آتيناهم الكتاب يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ  ﴾ مختص بالعلماء أيضاً إذ لو كان عاماً في الكل امتنع الكتمان لأن الجمع العظيم لا يجوز عليهم الكتمان، وإذا كان ما قبلها وما بعدها خاصاً فكذا هذه الآية المتوسطة.

وثالثها: أن الله تعالى أخبر عنهم بأنهم مصرون على قولهم، ومستمرون على باطلهم، وأنهم لا يرجعون عن ذلك المذهب بسبب شيء من الدلائل والآيات، وهذا شأن المعاند اللجوج، لا شأن المعاند المتحير.

ورابعها: أنا لو حملناه على العموم لصارت الآية كذباً لأن كثيراً من أهل الكتاب آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وتبع قبلته.

وقال آخرون: بل المراد جميع أهل الكتاب من اليهود والنصارى، واحتجوا عليه بأن قوله: ﴿ الذين أُوتُواْ الكتاب ﴾ صيغة عموم فيتناول الكل، ثم أجابوا عن الحجة الأولى أن صاحب الشبهة صاحب هوى في الحقيقة، لأنه ما تمم النظر والاستدلال فإنه لو أتى بتمام النظر والاستدلال لوصل إلى الحق، فحيث لم يصل إليه علمنا أنه ترك النظر التام بمجرد الهوى، وأجابوا عن الحجة الثانية بأنه ليس يمتنع أن يراد في الآية الأولى بعضهم، وفي الآية الثانية كلهم، وأجابوا عن الحجة الثالثة أن العلماء لما كانوا مصرين على الشبهات، والعوام كانوا مصرين على اتباع أولئك العلماء كان الإصرار حاصلاً في الكل، وأجابوا عن الحجة الرابعة بأنه تعالى أخبر عنهم أنهم بكليتهم لا يؤمنون، وقولنا: كل اليهود لا يؤمنون مغاير لقولنا إن أحداً منهم لا يؤمن.

المسألة الثانية: احتج الكعبي بهذه الآية على جواز أن لا يكون في المقدور لطف لبعضهم، قال: لأنه لو حصل في المقدور لهؤلاء لطف، لكان في جملة الآيات ما لو أتاهم به لكانوا يؤمنون، فكان لا يصح هذا الخبر على وجه القطع.

المسألة الثالثة: احتج أبو مسلم بهذه الآية على أن علم الله تعالى في عباده وما يفعلونه ليس بحجة لهم فيما يرتكبون، فإنهم مستطيعون لأن يفعلوا الخير الذي أمروا به ويتركوا ضده الذي نهوا عنه، واحتج أصحابنا به على القول بتكليف ما لا يطاق وهو أنه تعالى أخبر عنهم بأنهم لا يتبعون قبلته، فلو اتبعوا قبلته لزم انقلاب خبر الله الصدق كذباً وعلمه جهلاً وهو محال، ومستلزم المحال محال، فكان ذلك محالاً وقد أمروا به فقد أمروا بالمحال وتمام القول فيه مذكور في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين كَفَرُواْ سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ  ﴾ .

المسألة الرابعة: إنما حكم الله تعالى عليهم بأنهم لا يرجعون عن أباطيلهم بسبب البرهان، وذلك لأن إعراضهم عن قبول هذا الدين ليس عن شبهة يزيلها بإيراد الحجة، بل هو محض المكابرة والعناد والحسد، وذلك لا يزول بإيراد الدلائل.

المسألة الخامسة: اختلفوا في قوله: ﴿ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ ﴾ قال الحسن والجبائي: أراد جميعهم، كأنه قال: لا يجتمعون على اتباع قبلتك، على نحو قوله: ﴿ وَلَوْ شَاء الله لَجَمَعَهُمْ عَلَى الهدى  ﴾ وقال الأصم وغيره: بل المراد أن أحداً منهم لا يؤمن، قال القاضي: إن أريد بأهل الكتاب كلهم العلماء منهم والعوام فلابد من تأويل الحسن، وإن أريد به العلماء نظرنا فإن كان في علمائهم المخاطبين بهذه الآية من قد آمن وجب أيضاً ذلك التأويل، وإن لم يكن فيهم من قد آمن صح إجراؤه على ظاهره في رجوع النفي إلى كل واحد منهم، لأن ذلك أليق بالظاهر إذ لا فرق بين قوله: ﴿ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ ﴾ وبين قوله: ما تبع أحد منهم قبلتك.

المسألة السادسة: ﴿ لَئِنْ ﴾ بمعنى ﴿ لَوْ ﴾ وأجيب بجواب لو وللعلماء فيه خلاف فقيل: إنهما لما تقاربا استعمل كل واحد منهما مكان الآخر، وأجيب بجوابه نظيره قوله تعالى: ﴿ وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا  ﴾ ثم قال: ﴿ لَّظَلُّواْ ﴾ على جواب: ﴿ لَوْ ﴾ وقال: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ ءامَنُواْ واتقوا  ﴾ ثم قال: ﴿ لَمَثُوبَةٌ ﴾ على جواب: ﴿ لَئِنْ ﴾ وذلك أن أصل ﴿ لَوْ ﴾ للماضي ﴿ وَلَئِنِ ﴾ للمستقبل هذا قول الأخفش وقال سيبويه: إن كل واحدة منهما على موضعها، وإنما الحق في الجواب هذا التداخل لدلالة اللام على معنى القسم، فجاء الجواب كجواب القسم.

المسألة السابعة: الآية: وزنها فعلة أصلها: أية، فاستثقلوا التشديد في الآية فأبدلوا من الياء الأولى ألفاً لانفتاح ما قبلها، والآية الحجة والعلامة، وآية الرجل: شخصه، وخرج القوم بآيتهم جماعتهم، وسميت آية القرآن بذلك لأنها جماعة حروف.

وقيل: لأنها علامة لانقطاع الكلام الذي بعدها.

وقيل: لأنها دالة على انقطاعها عن المخلوقين، وأنها ليست إلا من كلام الله تعالى.

المسألة الثامنة: روي أن يهود المدينة ونصارى نجران قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم: أئتنا بآية كما أتى الأنبياء قبلك فأنزل الله تعالى هذه الآية والأقرب أن هذه الآية ما نزلت في واقعة مبتدأة بل هي من بقية أحكام تحويل القبلة.

أما قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ﴾ ففيه أقوال: الأول: أنه دفع لتجويز النسخ، وبيان أن هذه القبلة لا تصير منسوخة.

والثاني: حسماً لأطماع أهل الكتاب فإنهم قالوا: لو ثبت على قبلتنا لكنا نرجوا أن يكون صاحبنا الذي ننتظره، وطمعوا في رجوعه إلى قبلتهم.

الثالث: المقابلة يعني ما هم بتاركي باطلهم وما أنت بتارك حقك.

الرابع: أراد أنه لا يجب عليك استصلاحهم باتباع قبلتهم، لأن ذلك معصية.

الخامس: وما أنت بتابع قبلة جميع أهل الكتاب من اليهود والنصارى لأن قبلة اليهود مخالفة لقبلة النصارى، فلليهود بيت المقدس وللنصارى المشرق، فالزم قبلتك ودع أقوالهم.

أما قوله: ﴿ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ﴾ قال القفال: هذا يمكن حمله على الحال وعلى الاستقبال، أما على الحال فمن وجوه: الأول: أنهم ليسوا مجتمعين على قبلة واحدة حتى يمكن إرضاؤهم باتباعها.

الثاني: أن اليهود والنصارى مع اتفاقهم على تكذيبك متباينون في القبلة فكيف يدعونك إلى ترك قبلتك مع أنهم فيما بينهم مختلفون.

الثالث: أن هذا إبطال لقولهم إنه لا يجوز مخالفة أهل الكتاب لأنه إذا جاز أن تختلف قبلتاهما للمصلحة جاز أن تكون المصلحة في ثالث، وأما حمل الآية على الاستقبال ففيه إشكال وهو أن قوله: ﴿ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ﴾ ينفي أن يكون أحد منهم قد اتبع قبلة الآخر لكن ذلك قد وقع فيفضي إلى الخلف، وجوابه أنا إن حملنا أهل الكتاب على علمائهم الذين كانوا في ذلك الزمان فلم يثبت عندنا أن أحداً منهم يتبع قبلة الآخر فالخلف غير لازم، وإن حملناه على الكل قلنا إنه عام دخله التخصيص.

أما قوله: ﴿ وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءَهُم ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: الهوى المقصور هو ما يميل إليه الطبع والهواء الممدود معروف.

المسألة الثانية: اختلفوا في المخاطب بهذا الخطاب، قال بعضهم: الرسول وقال بعضهم: الرسول وغيره.

وقال آخرون: بل غيره، لأنه تعالى عرف أن الرسول لا يفعل ذلك فلا يجوز أن يخصه بهذا الخطاب، وهذا القول الثالث خطأ لأن كل ما لو وقع من الرسول لقبح، والالجاء عنه مرتفع، فهو منهى عنه، وإن كان المعلوم منه أنه لا يفعله، ويدل عليه وجوه: أحدها: أنه لو كان كل ما علم الله أنه لا يفعله وجب أن لا ينهاه عنه، لكان ما علم أنه يفعله وجب أن لا يأمره به، وذلك يقتضي أن لا يكون النبي مأموراً بشيء ولا منهياً عن شيء وأنه بالاتفاق باطل.

وثانيها: لولا تقدم النهي والتحذير لما احترز النبي صلى الله عليه وسلم عنه فلما كان ذلك الاحتراز مشروطاً بذلك النهي والتحذير فكيف يجعل ذلك الاحتراز منافياً للنهي والتحذير.

وثالثها: أن يكون الغرض من النهي والوعيد أن يتأكد قبح ذلك في العقل، فيكون الغرض منه التأكيد ولما حسن من الله التنبيه على أنواع الدلائل الدالة على التوحيد بعد ما قررها في العقول والغرض منه تأكيد العقل بالنقل فأي بعد في مثل هذا الغرض هاهنا.

ورابعاً: قوله تعالى في حق الملائكة: ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنّى إله مّن دُونِهِ فذلك نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ  ﴾ مع أنه تعالى أخبر عن عصمتهم في قوله: ﴿ يخافون رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ  ﴾ وقال في حق محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ  ﴾ وقد أجمعوا على أنه عليه الصلاة والسلام ما أشرك وما مال إليه، وقال: ﴿ يا أيها النبى اتق الله وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين  ﴾ وقال تعالى: ﴿ وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ  ﴾ وقال: ﴿ بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ  ﴾ وقوله: ﴿ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين  ﴾ فثبت بما ذكرنا أنه عليه الصلاة والسلام منهي عن ذلك، وأن غيره أيضاً منهي عنه لأن النهي عن هذه الأشياء ليس من خواص الرسول عليه الصلاة والسلام بقي أن يقال: فلم خصه بالنهي دون غيره؟

فنقول فيه وجوه، أحدها: أن كل من كان نعم الله عليه أكثر، كان صدور الذنب منه أقبح، ولا شك أن نعم الله تعالى على الرسول عليه الصلاة والسلام أكثر فكان حصول الذنب منه أقبح فكان أولى بالتخصيص.

وثانيها: أن مزيد الحب يقتضي التخصيص بمزيد التحذير.

وثالثها: أن الرجل الحازم إذا أقبل على أكبر أولاده وأصلحهم فزجره عن أمر بحضرة جماعة أولاده فإنه يكون منبهاً بذلك على عظم ذلك الفعل إن اختاروه وارتكبوه وفي عادة الناس أن يوجهوا أمرهم ونهيهم إلى من هو أعظم درجة تنبيهاً للغير أو توكيداً، فهذه قاعدة مقررة في أمثال هذه الآية.

القول الثاني: أن قوله: ﴿ وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءَهُم ﴾ ليس المراد منه أن اتبع أهواءهم في كل الأمور فلعله عليه الصلاة والسلام كان في بعض الأمور يتبع أهواءهم، مثل ترك المخاشنة في القول والغلظة في الكلام، طمعاً منه عليه الصلاة والسلام في استمالتهم، فنهاه الله تعالى عن ذلك القدر أيضاً وآيسه منهم بالكلية على ما قال: ﴿ وَلَوْلاَ أَن ثبتناك لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً  ﴾ .

القول الثالث: إن ظاهر الخطاب وإن كان مع الرسول إلا أن المراد منه غيره، وهذا كما أنك إذا عاتبت إنساناً أساء عبده إلى عبدك فتقول له: لو فعلت مرة أخرى مثل هذا الفعل لعاقبتك عليه عقاباً شديداً، فكان الغرض منه لا يميل إلى مخاطبتهم ومتابعتهم أحد من الأمة.

أما قوله تعالى: ﴿ مّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ العلم ﴾ فيه مسألتان: المسألة الأولى: أنه تعالى لم يرد بذلك أنه نفس العلم جاءك، بل المراد الدلائل والآيات والمعجزات، لأن ذلك من طرق العلم، فيكون ذلك من باب إطلاق اسم الأثر على المؤثر، واعلم أن الغرض من الاستعارة هو المبالغة والتعظيم فكأنه سبحانه وتعالى عظم أمر النبوات والمعجزات بأن سماها باسم العلم، وذلك ينبهك على أن العلم أعظم المخلوقات شرفاً ومرتبة.

المسألة الثانية: دلت الآية على أن توجه الوعيد على العلماء أشد من توجهه على غيرهم لأن قوله: ﴿ مّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ العلم ﴾ يدل على ذلك.

أما قوله تعالى: ﴿ إِنَّكَ إِذَا لَّمِنَ الظالمين ﴾ فالمراد إنك لو فعلت ذلك لكنت بمنزلة القوم في كفرهم وظلمهم لأنفسهم، والغرض منه التهديد والزجر والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ قَدْ نرى ﴾ ربما نرى، ومعناه: كثرة الرؤية، كقوله: قَدْ أَتْرُكُ القِرْنَ مُصْفَرّاً أنَامِلُهُ ﴿ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ ﴾ تردّد وجهك وتصرف نظرك في جهة السماء.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوقع من ربه أن يحوّله إلى الكعبة، لأنها قبلة أبيه إبراهيم، وأدعى للعرب إلى الإيمان لأنها مفخرتهم ومزارهم ومطافهم، ولمخالفة اليهود فكان يراعي نزول جبريل عليه السلام والوحي بالتحويل ﴿ فَلَنُوَلّيَنَّكَ ﴾ فلنعطينّك ولنمكننك من استقبالها، من قولك: وليته كذا.

إذا جعلته والياً له، أو فلنجعلنك تلي سمتها دون سمت بيت المقدس ﴿ تَرْضَاهَا ﴾ تحبها وتميل إليها لأغراضك الصحيحة التي أضمرتها ووافقت مشيئة الله وحكمته ﴿ شَطْرَ المسجد الحرام ﴾ نحوه.

قال: وَأَظْعَنُ بِالْقَوْمِ شَطْرَ الْمُلُوكِ وقرأ أبيّ: ﴿ تلقاء المسجد الحرام ﴾ .

وعن البراء بن عازب: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً ثم وجه إلى الكعبة وقيل: كان ذلك في رجب بعد زوال الشمس قبل قتال بدر بشهرين.

ورسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد بني سلمة وقد صلّى بأصحابه ركعتين من صلاة الظهر فتحوّل في الصلاة واستقبل الميزاب، وحوّل الرجال مكان النساء والنساء مكان الرجال، فسمى المسجد مسجد القبلتين.

و ﴿ شَطْرَ المسجد ﴾ نصب على الظرف، أي اجعل تولية الوجه تلقاء المسجد أي في جهته وسمته لأن استقبال عين القبلة فيه حرج عظيم على البعيد.

وذكر المسجد الحرام دون الكعبة: دليل في أنّ الواجب مراعاة الجهة دون العين ﴿ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق ﴾ أن التحويل إلى الكعبة هو الحق لأنه كان في بشارة أنبيائهم برسول الله أنه يصلّي إلى القبلتين ﴿ يَعْمَلُونَ ﴾ قرئ بالياء والتاء ﴿ مَّا تَبِعُواْ ﴾ جواب القسم المحذوف سدّ مسدّ جواب الشرط.

﴿ بِكُلّ ءايَةٍ ﴾ بكل برهان قاطع أن التوجه إلى الكعبة هو الحق، ما تبعوا ﴿ قِبْلَتَكَ ﴾ لأن تركهم اتباعك ليس عن شبهة تزيلها بإيراد الحجة، إنما هو عن مكابرة وعناد مع علمهم بما في كتبهم من نعتك أنك على الحق ﴿ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ﴾ حسم لأطماعهم إذ كانوا ماجوا في ذلك وقالوا: لو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن يكون صاحبنا الذي ننتظره وطمعوا في رجوعه إلى قبلتهم.

وقرئ: ﴿ بتابع قبلتهم ﴾ على الإضافة ﴿ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ﴾ يعني أنهم مع اتفاقهم على مخالفتك مختلفون في شأن القبلة لا يرجى اتفاقهم، كما لا ترجى موافقتهم لك.

وذلك أن اليهود تستقبل بيت المقدس، والنصارى مطلع الشمس.

أخبر عز وجل عن تصلب كل حزب فيما هو فيه وثباته عليه، فالمحق منهم لا يزل عن مذهبه لتمسكه بالبرهان، والمبطل لا يقلع عن باطله لشدة شكيمته في عناده.

وقوله: ﴿ وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءهُم ﴾ بعد الإفصاح عن حقيقة حاله المعلومة عنده في قوله ﴿ وما أنت بتابع قبلتهم ﴾ كلام وارد على سبيل الفرض والتقدير، بمعنى: ولئن اتبعتم مثلاً بعد وضوح البرهان والإحاطة بحقيقة الأمر ﴿ إِنَّكَ إِذَا لَّمِنَ الظالمين ﴾ المرتكبين الظلم الفاحش.

وفي ذلك لطف للسامعين وزيادة تحذير.

واستفظاع لحال من يترك الدليل بعد إنارته ويتبع الهوى، وتهييج وإلهاب للثبات على الحق.

فإن قلت: كيف قال: (وما أنت بتابع قبلتهم) ولهم قبلتان لليهود قبلة وللنصارى قبلة؟

قلت: كلتا القبلتين باطلة مخالفة لقبلة الحق، فكانتا بحكم الاتحاد في البطلان قبلة واحدة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ﴾ بُرْهانٌ وحُجَّةٌ عَلى أنَّ الكَعْبَةَ قِبْلَةٌ، واللّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ ﴿ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ﴾ جَوابٌ لِلْقَسَمِ المُضْمَرِ، والقَسَمُ وجَوابُهُ سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ، والمَعْنى ما تَرَكُوا قِبْلَتَكَ لِشُبْهَةٍ تُزِيلُها بِالحُجَّةِ، وإنَّما خالَفُوكَ مُكابَرَةً وعِنادًا.

﴿ وَما أنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ﴾ قَطْعٌ لِأطْماعِهِمْ، فَإنَّهم قالُوا: لَوْ ثَبَتَ عَلى قِبْلَتِنا لَكُنّا نَرْجُو أنْ تَكُونَ صاحِبَنا الَّذِي نَنْتَظِرُهُ، تَعْزِيرًا لَهُ وطَمَعًا في رُجُوعِهِ، وقِبْلَتُهم وإنْ تَعَدَّدَتْ لَكِنَّها مُتَّحِدَةٌ بِالبُطْلانِ ومُخالِفَةٌ الحَقَّ.

﴿ وَما بَعْضُهم بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ﴾ فَإنَّ اليَهُودَ تَسْتَقْبِلُ الصَّخْرَةَ، والنَّصارى مَطْلَعَ الشَّمْسِ.

لا يُرْجى تَوافُقُهم كَما لا يُرْجى مُوافَقَتُهم لَكَ، لِتَصَلُّبِ كُلِّ حِزْبٍ فِيما هو فِيهِ ﴿ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ ﴾ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ، أيْ: ولَئِنِ اتَّبَعْتَهم مَثَلًا بَعْدَ ما بانَ لَكَ الحَقُّ وجاءَكَ فِيهِ الوَحْيُ ﴿ إنَّكَ إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ ﴾ وأكَّدَ تَهْدِيدَهُ وبالَغَ فِيهِ مِن سَبْعَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: الإتْيانُ بِاللّامِ المُوَطِّئَةِ لِلْقَسَمِ.

ثانِيها: القَسَمُ المُضْمَرُ.

ثالِثُها: حَرْفُ التَّحْقِيقِ وهو إنَّ.

رابِعُها: تَرْكِيبُهُ مِن جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ وجُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ.

وَخامِسُها: الإتْيانُ بِاللّامِ في الخَبَرِ.

وَسادِسُها: جَعْلُهُ مِنَ ﴿ الظّالِمِينَ ﴾ ، ولَمْ يَقُلْ إنَّكَ ظالِمٌ لِأنَّ في الِانْدِراجِ مَعَهم إيهامًا بِحُصُولِ أنْواعِ الظُّلْمِ.

وَسابِعُها: التَّقْيِيدُ بِمَجِيءِ العِلْمِ تَعْظِيمًا لِلْحَقِّ المَعْلُومِ، وتَحْرِيصًا عَلى اقْتِفائِهِ وتَحْذِيرًا عَنْ مُتابَعَةِ الهَوى، واسْتِفْظاعًا لِصُدُورِ الذَّنْبِ عَنِ الأنْبِياءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلَئِنْ أَتَيْتَ الذين أُوتُواْ الكتاب} أراد ذوي العناد منهم {بكل آية} برهان قاطع أن التوجه إلى الكعبة هو الحق {مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ} لأن تركهم اتباعك ليس عن شبهة تزيلها بإيراد الحجة إنما هو عن مكابرة وعناد مع علمهم بما في كتبهم من نعتك أنك على الحق وجواب القسم المحذوف سد مسد جواب الشرط {وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ} حسم لأطماعهم إذ كانوا اضطربوا فى ذلك وقالوا لو ثبت على قبلتنا لكنا نرجوا أن يكون صاحبنا الذي ننتظره وطمعوا في رجوعه إلى قبلتهم ووحدت القبلة وإن كان لهم قبلتان فلليهود قبلة وللنصارى قبلة لاتحادهم في البطلان {وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ} يعني أنهم مع اتفاقهم على مخالفتك مختلفون في شأن القبلة لا يرجى اتفاقهم كما لا ترجى موافقتهم لك فاليهود تستقبل بيت المقدس والنصارى مطلع الشمس {وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءَهُم مّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ العلم} أي من بعد وضوح البرهان والإحاطة بأن القبلة هي الكعبة وأن دين الله هو

الإسلام {إِنَّكَ إِذَا لَّمِنَ الظالمين} لمن المرتكبين الظلم الفاحش وفى ذلك لطف للسامعين

البقرة (١٤٦ _ ١٥٠)

وتهييج للثبات على الحق وتحذير لمن يترك الدليل بعد إنارته ويتبع الهوى وقيل الخطاب في الظاهر للنبي عليه السلام والمراد أمته ولزم الوقف على الظالمين إذ لو وصل لصار

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ وإنَّ الَّذِينَ ﴾ بِجامِعٍ أنَّ كُلًّا مِنهُما مُؤَكِّدٌ لِأمْرِ القِبْلَةِ ومُبِيِّنٌ لِحِقِّيَّتِهِ، والمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ الكُفّارُ مِن ( أُولَئِكَ ) بِدَلِيلِ الجَوابِ، ولِذا وضَعَ المُظْهَرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ، ومَن خَصَّ ما تَقَدَّمَ بِالكُفّارِ جَعَلَ هَذا الوَضْعَ لِلْإيذانِ بِكَمالِ سُوءِ حالِهِمْ مِنَ العِنادِ، مَعَ تَحَقُّقِ ما يُنافِيهِ مِنَ الكِتابِ الصّادِحِ بِحَقِّيَةِ ما كابَرُوا في قَبُولِهِ ﴿ بِكُلِّ آيَةٍ ﴾ وحُجَّةٍ قَطْعِيَّةٍ دالَّةٍ عَلى أنَّ تَوَجُّهَكَ إلى الكَعْبَةِ هو الحَقُّ، واللّامُ مُوطِّئَةٌ لِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ ﴿ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ﴾ جَوابُ القَسَمِ سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ لا جَوابَ الشَّرْطِ، لِما تَقَرَّرَ أنَّ الجَوابَ إذا كانَ القَسَمُ مُقَدَّمًا لِلْقَسَمِ لا لِلشَّرْطِ إنْ لَمْ يَكُنْ مانِعٌ، فَكَيْفَ إذا كانَ كَتَرْكِ الفاءِ هَهُنا، فَإنَّها لازِمَةٌ في الماضِي المَنفِيِّ إذا وقَعَ جَزاءً، وهَذا تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَنْ قَبُولِهِمُ الحَقَّ، والمَعْنى أنَّهم ما تَرَكُوا ﴿ قِبْلَتَكَ ﴾ لِشُبْهَةٍ تَدْفَعُها بِحُجَّةٍ، وإنَّما خالَفُوكَ لِمَحْضِ العِنادِ وبَحْتِ المُكابَرَةِ، ولَيْسَ المُرادُ مِنَ التَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ الإخْبارَ عَنْ عَدَمِ مُتابَعَتِهِمْ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ بِأنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهم لا يَتَّبِعُونَكَ أصْلًا - وإنْ أتَيْتَ بِكُلِّ حُجَّةٍ - فانْدَفَعَ ما قِيلَ: كَيْفَ حَكَمَ بِأنَّهم لا يَتَّبِعُونَ، وقَدْ آمَنَ مِنهم فَرِيقٌ، واسْتَغْنى عَنِ القَوْلِ بِأنَّ ذَلِكَ في قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ، أوْ حَكَمَ عَلى الكُلِّ دُونَ الأبْعاضِ، فَإنَّهُ تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، وإضافَةُ القِبْلَةِ إلى ضَمِيرِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى تَعَبَّدَهُ بِاسْتِقْبالِها ﴿ وما أنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ﴾ أيْ: لا يَكُونُ ذَلِكَ مِنكَ، ومُحالٌ أنْ يَكُونَ، فالجُمْلَةُ خَبَرِيَّةٌ لَفْظًا ومَعْنًى، سِيقَتْ لِتَأْكِيدِ حِقِّيَّةِ أمْرِ القِبْلَةِ كُلَّ التَّأْكِيدِ، وقَطْعِ تَمَنِّي أهْلِ الكِتابِ، فَإنَّهم قالُوا: يا مُحَمَّدُ، عُدْ إلى قِبْلَتِنا ونُؤْمِنُ بِكَ ونَتَّبِعُكَ، مُخادَعَةً مِنهم - لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى -، وفِيها إشارَةٌ إلى أنَّ هَذِهِ القِبْلَةَ لا تَصِيرُ مَنسُوخَةً أبَدًا، وقِيلَ: إنَّها خَبَرِيَّةٌ لَفْظًا إنْشائِيَّةٌ مَعْنًى، ومَعْناها النَّهْيُ؛ أيْ: لا تَتَّبِعْ قِبْلَتَهُمْ، أيْ: داوِمْ عَلى عَدَمِ اتِّباعِها، وأفْرَدَ القِبْلَةَ وإنْ كانَتْ مُثَنّاةً؛ إذْ لِلْيَهُودِ قِبْلَةٌ ولِلنَّصارى قِبْلَةٌ؛ لِأنَّهُما اشْتَرَكَتا في كَوْنِهِما باطِلَتَيْنِ، فَصارَ الِاثْنانِ واحِدًا مِن حَيْثُ البُطْلانُ، وحَسَّنَ ذَلِكَ المُقابَلَةُ؛ لِأنَّ قَبْلَهُ ﴿ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ﴾ وقَدْ يُقالُ: إنَّ الإفْرادَ بِناءً عَلى أنَّ قِبْلَةَ الطّائِفَتَيْنِ الحَقَّةَ في الأصْلِ بَيْتُ المَقْدِسِ وعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يَصِلْ جِهَةَ الشَّرْقِ حَتّى رُفِعَ، وإنَّما كانَتْ قِبْلَتُهُ قِبْلَةَ بَنِي إسْرائِيلَ اليَوْمَ، ثُمَّ بَعْدَ رَفْعِهِ شَرَعَ أشْياخُ النَّصارى لَهم الِاسْتِقْبالَ إلى الشَّرْقِ، واعْتَذَرُوا بِأنَّ المَسِيحَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَوَّضَ إلَيْهِمُ التَّحْلِيلَ والتَّحْرِيمَ وشَرْعَ الأحْكامِ، وأنَّ ما حَلَّلُوهُ وحَرَّمُوهُ فَقَدْ حَلَّلَهُ هو وحَرَّمَهُ في السَّماءِ، وذَكَرُوا لَهم أنَّ في الشَّرْقِ أسْرارًا لَيْسَتْ في غَيْرِهِ، ولِهَذا كانَ مَوْلِدُ المَسِيحِ شَرْقًا، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذِ انْتَبَذَتْ مِن أهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا ﴾ واسْتَقْبَلَ المَسِيحُ حِينَ صُلِبَ - بِزَعْمِهِمُ - الشَّرْقَ، وقِيلَ: إنَّ بَعْضَ رُهْبانِهِمْ قالَ لَهم: إنِّي لَقِيتُ عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَقالَ لِي: ”إنَّ لِلشَّمْسِ كَوْكَبًا أُحِبُّهُ يُبْلِغُ سَلامِي في كُلِّ يَوْمٍ، فَمُرْ قَوْمِي لِيَتَوَجَّهُوا إلَيْها في صَلاتِهِمْ، فَصَدَّقُوا وفَعَلُوا“، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّهُ لَيْسَ في الإنْجِيلِ اسْتِقْبالُ الشَّرْقِ، وذَهَبَ ابْنُ القَيِّمِ إلى أنَّ قِبْلَةَ الطّائِفَتَيْنِ الآنَ لَمْ تَكُنْ قِبْلَةً بِوَحْيٍ وتَوْقِيفٍ مِنَ اللَّهِ - تَعالى - بَلْ بِمَشُورَةٍ واجْتِهادٍ مِنهُمْ، أمّا النَّصارى فاجْتَهَدُوا، وجَعَلُوا الشَّرْقَ قِبْلَةً، وكانَ عِيسى قَبْلَ الرَّفْعِ يُصَلِّي إلى الصَّخْرَةِ، وأمّا اليَهُودُ فَكانُوا يُصَلُّونَ إلى التّابُوتِ الَّذِي مَعَهم إذا خَرَجُوا وإذا قَدِمُوا بَيْتَ المَقْدِسِ نَصَبُوهُ إلى الصَّخْرَةِ وصَلَّوْا إلَيْهِ، فَلَمّا رُفِعَ اجْتَهَدُوا، فَأدّى اجْتِهادُهم إلى الصَّلاةِ إلى مَوْضِعِهِ وهو الصَّخْرَةُ، ولَيْسَ في التَّوْراةِ الأمْرُ بِذَلِكَ، والسّامِرَةُ مِنهم يُصَلُّونَ إلى طُورِهِمْ بِالشّامِ قُرْبَ بَلْدَةِ نابْلُسَ، وهَذانِ القَوْلانِ - إنْ صَحّا - يَشْكُلُ عَلَيْهِما القَوْلُ بِأنَّ عادَتَهُ - تَعالى - تَخْصِيصُ كُلِّ شَرِيعَةٍ بِقِبْلَةٍ فَتَدَبَّرْ.

ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ أبْلَغُ في النَّفْيِ مِنَ الجُمْلَةِ الأُولى مِن وُجُوهٍ: كَوْنِها اسْمِيَّةً وتَكَرَّرَ فِيها الِاسْمُ مَرَّتَيْنِ، وتَأْكِيدِ نَفْيِها بِالباءِ، وفَعَلَ ذَلِكَ اعْتِناءً بِما تَقَدَّمَ ﴿ وما بَعْضُهم بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ﴾ أيْ أنَّ اليَهُودَ لا تَتَّبِعُ قِبْلَةَ النَّصارى، ولا النَّصارى تَتَّبِعُ قِبْلَةَ اليَهُودِ ما دامُوا باقِينَ عَلى اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ، وفي ذَلِكَ بَيانٌ لِتَصَلُّبِهِمْ في الهَوى وعِنادِهِمْ بِأنَّ هَذِهِ المُخالَفَةَ والعِنادَ لا يَخْتَصُّ بِكَ، بَلْ حالُهم فِيما بَيْنَهم أيْضًا كَذَلِكَ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ، مُؤَكِّدَةٌ لِأمْرِ القِبْلَةِ بِبَيانِ أنَّ إنْكارَهم ذَلِكَ ناشِئٌ عَنْ فَرْطِ العِنادِ وتَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ﴿ ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ ﴾ أيْ: عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ، وإلّا فَلا مَعْنًى لِاسْتِعْمالِ (إنِ) المَوْضُوعَةِ لِلْمَعانِي المُحْتَمَلَةِ بَعْدَ تَحَقُّقِ الِانْتِفاءِ فِيما سَبَقَ، والمَقْصُودُ بِهَذا الفَرْضِ ذِكْرُ مِثالٍ لِاتِّباعِ الهَوى، وذِكْرُ قُبْحِهِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى خُصُوصِيَّةِ المُتَّبِعِ والمُتَّبَعِ.

﴿ مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِن العِلْمِ ﴾ أيِ: المَعْلُومِ الَّذِي أوْحى إلَيْكَ بِقَرِينَةِ إسْنادِ المَجِيءِ إلَيْهِ، والمُرادُ بَعْدَ ما بانَ لَكَ الحَقُّ ﴿ إنَّكَ إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ ﴾ أيِ: المُرْتَكِبِينَ الظُّلْمَ الفاحِشَ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ أيْضًا تَقْرِيرٌ لِأمْرِ (القِبْلَةِ) وفِيها وُجُوهٌ مِنَ التَّأْكِيدِ والمُبالَغَةِ، وهي القَسَمُ، واللّامُ المُوطِّئَةُ لَهُ، و(إنِ) الفَرْضِيَّةُ، و(إنَّ) التَّحْقِيقِيَّةُ، و(اللّامُ) في حَيِّزِها، وتَعْرِيفُ الظّالِمِينَ، والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ، و(إذًا) الجَزائِيَّةُ، وإيثارُ ( مِنَ الظّالِمِينَ ) عَلى (ظالِمٍ) - أوِ الظّالِمِ - لِإفادَتِهِ أنَّهُ مُقَرَّرٌ مُحَقَّقٌ، وأنَّهُ مَعْدُودٌ في زُمْرَتِهِمْ عَرِيقٌ فِيهِمْ، وإيقاعُ الِاتِّباعِ - عَلى ما سَمّاهُ (هَوًى) - أيْ: لا يُعَضِّدُهُ بُرْهانٌ، ولا نَزَلَ في شَأْنِهِ بَيانٌ، والإجْمالُ والتَّفْصِيلُ وجَعْلُ الجائِي نَفْسَ العِلْمِ وعُدَّ أيْضًا مِن ذَلِكَ، عَدَّهُ واحِدًا ( مِنَ الظّالِمِينَ ) مَغْمُورًا فِيهِمْ غَيْرَ مُتَعَيِّنٍ كَتَعَيُّنِهِمْ فِيما بَيْنَ المُسْلِمِينَ، فَإنَّ فِيهِ مُبالَغَةً عَظِيمَةً لِلْإشْعارِ بِالِانْتِقالِ مِن مَرْتَبَةِ العَدْلِ إلى الظُّلْمِ، ومِن مَرْتَبَةِ التَّعَيُّنِ والسِّيادَةِ المُطْلَقَةِ إلى السَّفالَةِ والمَجْهُولِيَّةِ، ولَوْ جَعَلَ كُنْتَ في ﴿ كُنْتَ عَلَيْها ﴾ بِمَعْنى (صِرْتَ) لَكانَ أعْلى كَعْبًا في الإفادَةِ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ التَّرْكِيبَ يَقْتَضِي المُبالَغَةَ في الِاسْتِعْمالِ لا المَجْهُولِيَّةَ، ولَوِ اقْتَضاها فِيهِ لَكانَ العَدُّ مَعْدُودًا في عِدادِ المَقْبُولِ، وفي هَذِهِ المُبالَغاتِ تَعْظِيمٌ لِأمْرِ الحَقِّ، وتَحْرِيضٌ عَلى اقْتِفائِهِ وتَحْذِيرٌ عَنْ مُتابَعَةِ الهَوى، واسْتِعْظامٌ لِصُدُورِ الذَّنْبِ عَنِ الأنْبِياءِ، وذُو المَرْتَبَةِ الرَّفِيعَةِ إلى تَجْدِيدِ الإنْذارِ عَلَيْهِ أحْوَجُ حِفْظًا لِمَرْتَبَتِهِ، وصِيانَةً لِمَكانَتِهِ، فَلا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِأنَّ الخِطابَ لِلنَّبِيِّ والمَعْنِيُّ بِهِ غَيْرُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ، أي رفع بصرك إلى السماء وذلك أن النبي  قال لجبريل: «وَدِدْتُ لَوْ أنَّ الله تَعَالى صَرَفَنِي عَنْ قِبْلَةِ اليَهُودِ إلَى غَيْرِهَا» وإنما أراد الكعبة لأنها قبلة إبراهيم وقبلة الأنبياء- عليهم السلام- وذلك لأنها كانت أدعى للعرب إلى الإسلام فقال له جبريل: إنما أنا عبد مثلك لا أملك شيئاً فاسأل ربك، فجعل النبي  يديم النظر إلى السماء فأنزل الله تعالى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ، أي رفع بصرك إلى السماء.

فَلَنُوَلِّيَنَّكَ، أي فلنحولنك ولنوجهنك في الصلاة قِبْلَةً تَرْضاها، يعني تهواها أي تميل نفسك إليها.

فأمره الله تعالى بالتوجه فقال: فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ، يعني نحوه وتلقاءه وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ أي إلى الكعبة.

ثم قال: وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ، يعني أن القبلة إلى الكعبة هي الحق وهي قبلة إبراهيم  .

وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ، يعني جحودهم القبلة إلى الكعبة فقالوا للنبي  : ائتنا بعلامة على تصديق مقالتك وهم اليهود والنصارى، فنزل قوله تعالى: وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وهم اليهود والنصارى بِكُلِّ آيَةٍ، أي بكل علامة مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ، أي ما صلوا إلى قبلتك.

وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ، أي بمصل إلى قبلتهم، وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ- يقال: معناه كيف ترجو أن يتبعوك ويصلوا إلى قبلتك وهم لا يتبعون بعضهم بعضاً.

ثم قال: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ هذا الخطاب للنبي  والمراد منه أمته، يعني: لئن صليت إلى قبلتهم أو اتبعت مذهبهم مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ، أي البيان أن دين الإسلام هو الحق والكعبة هي القبلة.

إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ، أي الضارين بنفسك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

لم يكن، ويَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ عبارةٌ عن المرتدِّ، والرجوعُ على العَقِبِ أَسوأُ حالات الراجع.

وقوله تعالى: وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ...

الآية: الضمير في «كَانَتْ» راجع إلى القبلة إلى بيت المقدس، أو إلى التحويلة إلى الكعبة، حَسْبما تقدَّم من الخلاف في القبلة، «وكَبِيرَة» هنا معناه: شاقَّة صعبةٌ، تكبُرُ في الصدور، ولما حُوِّلَتِ القبلة، كان من قول اليهود: يا محمَّدُ، إن كانَتِ الأولى حقاً، فأنتَ الآنَ على باطلٍ، وإن كانتْ هذه حقًّا، فكنْتَ في الأولى على ضلالٍ، فَوَجَمَتْ نفوسُ بعْضِ المؤمنين، وأشْفَقُوا على مَنْ مات قبل التحويل من صلاتِهِمُ السالفة، فنزلَتْ: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ، أي: صلاتكم، قاله ابن عبَّاس وغيره «١» ، وسمَّى الصلاة إِيماناً لَمَّا كانَتْ صادرةً عن الإيمان ولأن الإِيمان هو القطب الذي عليه تدور الأعمال، فذكره إِذ هو الأصل، ولئلاَّ يندرج في اسم الصلاة صلاةُ المنافقين إِلى بيت المَقْدِسِ، فذكر المعنَى الَّذي هو ملاك الأمر، وأيْضاً سُمِّيتْ إِيماناً إِذ هي من شُعَب الإِيمان.

ت: وفي العتبية من سماع ابن القاسم «٢» ، قال مالكٌ: قال اللَّهُ تبارَكَ وتعالى:

وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ قال: هي صلاة المؤمنين إلى بيت المَقْدِس، قال ابنُ رُشْد وعلى هذا القول أكثر أهل التفسير، وقد قيل: إن المعنى في ذلك، وما كان اللَّه ليضيعَ إِيمانكم بفَرْضِ الصلاة عليكم إلى بيْتِ المقدِسِ.

انتهى من «البَيَان» .

والرَّأْفَةُ: أعلى منازل الرحْمَة.

قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤) وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥)

وقوله تعالى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ ...

الآية: المقْصِد تقلُّب البصر، وأيضاً: فالوجه يتقلَّب بتقلُّب البصر، قال قتادة وغيره: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقلِّب وجهه في الدعاءِ إلى اللَّه تعالى أنْ يحوِّله إِلى قبلة مكَّة «١» ، ومعنى التقلُّب نحو السماء: أنَّ السماء جهةٌ قد تعوَّد العالَمُ منْها الرحمةَ كالمطر، والأنوار، والوَحْي، فهم يجعلون رغبتهم حيْثُ توالَتِ النعَمُ.

قال ص: فَلَنُوَلِّيَنَّكَ: يدلُّ على تقدير حالٍ، أي: قد نرى تقلُّب وجهك في السماءِ طالباً قبلةً غير التي أنت مستقبلها، فلنولينّك.

انتهى.

وتَرْضاها: معناه: تحبّها/، وكان النبيّ صلّى الله عليه وسلم يحبّ الكعبة والتحوّل عن بيت ٣٨ أالمقدس لوجوه ثلاثة رُوِيَتْ:

أحدها: لقول اليهودِ: «مَا عَلِمَ محمَّدٌ دينَهُ حتَّى اتبعنا» قاله مجاهد.

الثاني «٢» : ليصيب قبلة إِبراهيمَ- عليه السلام- قاله ابن عَبَّاس «٣» .

الثالث: ليستألف العربَ لمحبَّتها في الكعبة، قاله الربيعة والسُّدِّيُّ «٤» .

ع «٥» : والميزابُ هو قبلة المدينةِ والشامِ، وهنالك قبلةُ أهل الأندلسِ بتأريب، ولا خلاف أن الكعبة قبلةٌ من كل أُفُقٍ.

وقوله تعالى: فَوَلِّ وَجْهَكَ ...

الآية: أمر بالتحوُّل، ونسخ لقبلة الشام، وشَطْرَ: نصبٌ على الظرف، ومعناه: نحو، وتلقاء، وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا: أمر

للأمة ناسخٌ.

وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ...

الآية: المعنى: أن اليهود والنصارى يعلمون أن الكعبة هي قبلة إبراهيم أمام الأمم، وأن استقبالها هو الحقُّ الواجب على الجميع اتباعا لمحمَّد صلّى الله عليه وسلم الذي يجدونه في كتبهم، وتضمَّنت الآيةُ الوعيد.

وقوله جلَّت قدرته: وَلَئِنْ أَتَيْتَ ...

الآية: أعلَمَ اللَّه تعالى نبيَّه- عليه السلام- حين قالَتْ له اليهودُ: راجِعْ بيْتَ المَقْدِسِ، ونؤمن بكَ أن ذلك مخادَعَةٌ منهم، وأنهم لا يتَّبعون له قِبْلَةً، يعني: جملتهم لأن البعض قد اتبع، كعبد اللَّه بن سَلاَمٍ وغيره، وأنهم لا يؤمنون بدينه، أي: فلا تُصْغِ إِليهم، والآية هنا العَلاَمَةُ.

وقوله جلَّت عظمته: وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ...

لفظ خبرٍ يتضمَّن الأمر، أي: فلا تركنْ إِلى شيء من ذلك، وَما بَعْضُهُمْ ...

الآية، قال ابن زيد وغيره: المعنى ليستِ اليهودُ متبعةً قبلة النصارى، ولا النصارى متبعةً قبلةَ اليهودِ، فهذا «١» إِعلام باختلافهم، وتدابرهم، وضلالهم، وقبلةُ النصارى مَشْرِقُ الشمْسِ، وقبلةُ اليهود بيْتُ المَقْدِسِ.

وقوله تعالى: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ...

الآية: خطاب للنبيّ صلّى الله عليه وسلم والمرادُ أمته، وما ورد من هذا النوع الّذي يوهم من النبيّ صلّى الله عليه وسلم ظُلْماً متوقّعاً، فهو محمولٌ على إِرادة أمته لعصمة النبيّ صلّى الله عليه وسلم، وقَطْعاً أن ذلك لا يكُونُ منْه، وإِنما المرادُ مَنْ يمكنُ أنْ يَقَعَ ذلكَ منه، وخوطب النبيّ صلّى الله عليه وسلم تعظيماً للأمر، قال الفَخْر «٢» : ودلَّت هذه الآية على أن توجه الوعيد على العلماء أشدُّ من توجُّهه على غيرهم لأن قوله: مِنْ بَعْدِ مَا جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ يدلُّ على ذلك.

انتهى، وهو حَسَنٌ.

ص: وَلَئِنْ أَتَيْتَ: لام «لَئِنْ» مؤذنةٌ بقَسَمٍ مقدَّرٍ قبلها، ولهذا كان الجواب:

له مَّا تَبِعُوا، ولو كان للشرط، لدخلت الفاء، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ لدلالة جواب القسم عليه، ومن ثم جاء فعل الشرط ماضياً، لأنه إِذا حذف جوابه، وجب فعله لفظا.

انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سَبَبُ نُزُولِها أنَّ يَهُودَ المَدِينَةِ ونَصارى نَجْرانَ قالُوا لِلنَّبِيِّ: ائْتِنا بِآَيَةٍ كَما أتى الأنْبِياءُ قَبْلَكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ﴾ يُرِيدُ: الكَعْبَةَ ﴿ وَما بَعْضُهم بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ﴾ لِأنَّ اليَهُودَ يُصَلُّونَ قِبَلَ المَغْرِبِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، والنَّصارى قِبَلَ المَشْرِقِ ﴿ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ ﴾ فَصَلَّيْتَ إلى قِبْلَتِهِمْ ﴿ مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِن العِلْمِ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: يُرِيدُ بِالعِلْمِ: البَيانَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وجْهِكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ وما اللهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ وَلَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وما أنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهم وما بَعْضُهم بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ولَئِنْ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِن العِلْمِ إنَّكَ إذًا لَمِنَ الظالِمِينَ ﴾ المَقْصِدُ تَقَلُّبُ البَصَرِ، وذُكِرَ الوَجْهُ لِأنَّهُ أعَمُّ وأشْرَفُ، وهو المُسْتَعْمَلُ في طَلَبِ الرَغائِبِ، تَقُولُ: بَذَلْتُ وجْهِي في كَذا، وفَعَلْتُ لِوَجْهِ فُلانٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: رَجَعْتُ بِما أبْغِي ووَجْهِي بِمائِهِ.................

وأيْضًا فالوَجْهُ يَتَقَلَّبُ بِتَقَلُّبِ البَصَرِ، وقالَ قَتادَةُ والسُدِّيُّ وغَيْرُهُما: «كانَ رَسُولُ اللهِ  يُقَلِّبُ وجْهَهُ في الدُعاءِ إلى اللهِ تَعالى، أنْ يُحَوِّلَهُ إلى قِبْلَةِ مَكَّةَ، وقِيلَ: كانَ يُقَلِّبُ لِيُؤْذَنَ لَهُ في الدُعاءِ».

ومَعْنى التَقَلُّبِ نَحْوَ السَماءِ أنَّ السَماءَ جِهَةٌ قَدْ تَعَوَّدَ العالِمُ مِنها الرَحْمَةَ كالمَطَرِ والأنْوارِ والوَحْيِ، فَهم يَجْعَلُونَ رَغْبَتَهم حَيْثُ تَوالَتِ النِعَمُ.

و"تَرْضاها" مَعْناهُ: تُحِبُّها وتَقَرُّ بِها عَيْنُكَ.

وكانَ رَسُولُ اللهِ  يُحِبُّ الكَعْبَةَ والتَحَوُّلَ عن بَيْتِ المَقْدِسِ لِوُجُوهٍ ثَلاثَةٍ رُوِيَتْ، فَقالَ مُجاهِدٌ: لِقَوْلِ اليَهُودِ: ما عَلِمَ مُحَمَّدٌ دِينَهُ حَتّى اتَّبَعَنا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ولِيُصِيبَ قِبْلَةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ الرَبِيعُ، والسُدِّيُّ: ولِيَسْتَأْلِفَ العَرَبَ لِمَحَبَّتِها في الكَعْبَةِ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: إنَّما وجَّهَ رَسُولَ اللهِ  وأُمَّتَهُ حِيالَ مِيزابِ الكَعْبَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهُ: بَلْ وُجِّهَ إلى البَيْتِ كُلِّهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمِيزابُ: هو قِبْلَةُ المَدِينَةِ والشامِ، وهُنالِكَ قِبْلَةُ أهْلِ الأنْدَلُسِ بِلا رَيْبٍ، ولا خِلافَ أنَّ الكَعْبَةَ قِبْلَةٌ مِن كُلِّ أُفُقٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ ﴾ الآيَةُ، أمْرٌ بِالتَحَوُّلِ ونَسْخٌ لِقِبْلَةِ الشامِ.

وقِيلَ: «نَزَلَ ذَلِكَ عَلى النَبِيِّ  وهو في صَلاةِ الظُهْرِ بَعْدَ رَكْعَتَيْنِ مِنها فَتَحَوَّلَ في الصَلاةِ».

وذَكَرَ أبُو الفَرَجِ أنَّ عَبّادَ بْنَ نَهْيِكٍ كانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ  في هَذِهِ الصَلاةِ.

وقِيلَ: إنَّما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في غَيْرِ صَلاةٍ وكانَتْ أوَّلَ صَلاةٍ إلى الكَعْبَةِ العَصْرُ، و"شَطْرَ" نُصِبَ عَلى الظَرْفِ، ويُشْبِهُ المَفْعُولَ بِهِ لِوُقُوعِ الفِعْلِ عَلَيْهِ، ومَعْناهُ: نَحْوَ وتِلْقاءَ.

قالَ ابْنُ أحْمَرَ: تَعْدُو بِنا شَطْرَ جَمْعٍ وهي عاقِدَةٌ ∗∗∗ قَدْ كارَبَ العَقْدُ مِن إيفادِها الحُقَبا وقالَ غَيْرُهُ: أقُولُ لِأُمِّ زِنْباعَ أقِيمِي ∗∗∗ صُدُورَ العِيسِ شَطْرَ بَنِي تَمِيمٍ وقالَ لَقِيطُ: وقَدْ أظَلَّكم مِن شَطْرِ ثَغْرِكم ∗∗∗ هَوْلٌ لَهُ ظُلَمٌ تَغْشاكُمُ قِطْعًا وقالَ غَيْرُهُ: ألا مِن مُبَلِّغٍ عَمْرًا رَسُولًا ∗∗∗ وما تُغْنِي الرِسالَةُ شَطْرَ عَمْرِو ﴿ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا ﴾ أمْرٌ لِلْأُمَّةِ ناسِخٌ.

وقالَ داوُدُ بْنُ أبِي هِنْدَ: إنَّ في حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ "فَوَلِّ وجْهَكَ تِلْقاءَ المَسْجِدِ الحَرامِ"، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ: إنَّ فِيهِ: "فَوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَهُ"، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "فَوَلُّوا وُجُوهَكم تِلْقاءَهُ".

و ﴿ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ﴾ : اليَهُودُ والنَصارى، وقالَ السُدِّيُّ: المُرادُ اليَهُودُ، والأوَّلُ أظْهَرُ، والمَعْنى: إنَّ اليَهُودَ والنَصارى يَعْلَمُونَ أنَّ الكَعْبَةَ هي قِبْلَةُ إبْراهِيمَ إمامَ الأُمَمِ، وأنَّ اسْتِقْبالَها هو الحَقُّ الواجِبُ عَلى الجَمِيعِ اتِّباعًا لِمُحَمَّدٍ  الَّذِي يَجِدُونَهُ في كُتُبِهِمْ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "عَمّا تَعْمَلُونَ" بِتاءٍ عَلى المُخاطَبَةِ، فَإمّا عَلى إرادَةِ أهْلِ الكِتابِ أو أُمَّةِ مُحَمَّدٍ  ، وعَلى الوَجْهَيْنِ فَهو إعْلامٌ بِأنَّ اللهَ تَعالى لا يُهْمِلُ العِبادَ، ولا يَغْفَلُ عنها، وضَمَّنَهُ الوَعِيدَ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ مِن تَحْتٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَئِنْ أتَيْتَ ﴾ الآيَةُ، أعْلَمَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ حِينَ قالَتْ لَهُ اليَهُودُ: راجِعْ بَيْتَ المَقْدِسِ ونُؤْمِن بِكَ، مُخادَعَةً مِنهم أنَّهم لا يَتَّبِعُونَ لَهُ قِبْلَةً، يَعْنِي جُمْلَتْهُمْ؛ لِأنَّ البَعْضَ قَدِ اتَّبَعَ كَعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ وغَيْرِهِ، وأنَّهم لا يَدِينُونَ بِدِينِهِ، أيْ فَلا تُصْغِ إلَيْهِمْ.

والآيَةُ هُنا: العَلامَةُ.

وجاءَ جَوابُ "لَئِنْ" كَجَوابِ "لَوَ" وهي ضِدُّها في أنَّ "لَوَ" تَطْلُبُ المُضِيَّ والوُقُوعَ و"إنْ" تَطْلُبُ الِاسْتِقْبالَ لِأنَّهُما جَمِيعًا يَتَرَتَّبُ قَبْلَهُما مَعْنى القَسَمِ، فالجَوابُ إنَّما هو لِلْقَسَمِ لا أنَّ أحَدَ الحَرْفَيْنِ يَقَعُ مَوْقِعَ الآخَرِ.

هَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ﴾ ، لَفْظُ خَبَرٍ يَتَضَمَّنُ الأمْرَ، أيْ: فَلا تَرْكَنُ إلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما بَعْضُهُمْ ﴾ الآيَةُ، قالَ السُدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى: لَيْسَتِ اليَهُودُ مُتَّبِعَةً قِبْلَةَ النَصارى، ولا النَصارى مُتَّبَعَةً قِبْلَةَ اليَهُودِ، فَهَذا إعْلامٌ بِاخْتِلافِهِمْ وتَدابُرِهِمْ وضَلالِهِمْ، وقالَ غَيْرُهُما: مَعْنى الآيَةِ: وما مَن أسْلَمَ مَعَكَ مِنهم بِمُتَّبَعٍ قِبْلَةَ مَن لَمْ يُسْلِمْ، ولا مَن لَمْ يُسْلِمْ بِمُتَّبَعٍ قِبْلَةَ مَن أسْلَمَ، والأوَّلُ أظْهَرُ في الأبْعاضِ.

وَقِبْلَةُ النَصارى مَشْرِقُ الشَمْسِ، وقِبْلَةُ اليَهُودِ بَيْتُ المَقْدِسِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ ﴾ الآيَةُ، خِطابٌ لِلنَّبِيِّ  والمُرادُ أُمَّتُهُ، وما ورَدَ مِن هَذا النَوْعِ الَّذِي يُوهِمُ مِنَ النَبِيِّ  ظُلْمًا مُتَوَقَّعًا فَهو مَحْمُولٌ عَلى إرادَةِ أُمَّتِهِ، لِعِصْمَةِ النَبِيِّ  ، وقَطَعْنا أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ مِنهُ فَإنَّما المُرادُ مَن يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ ذَلِكَ مِنهُ، وخُوطِبَ النَبِيُّ  تَعْظِيمًا لِلْأمْرِ.

والأهْواءُ جَمْعُ هَوًى، ولا يُجْمَعُ عَلى أهْوِيَةٍ، عَلى أنَّهم قَدْ قالُوا: نَدى وأنْدِيَةٌ قالَ الشاعِرُ: في لَيْلَةٍ مِن جُمادى ذاتِ أنْدِيَةٍ ∗∗∗ لا يُبْصِرُ الكَلْبُ في ظَلْمائِها الطُنُبا وهَوى النَفْسِ إنَّما يُسْتَعْمَلُ في الأكْثَرِ فِيما لا خَيْرَ فِيهِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ مُقَيَّدًا بِهِ، كَما «قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ في أسْرى بَدْرٍ: فَهَوِيَ رَسُولُ اللهِ  ما قالَ أبُو بَكْرٍ»، و"إذا" حَرْفٌ مَعْناهُ: أنْ تَقَرَّرَ ما ذُكِرَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ ولئن أتيتَ ﴾ عطف على قوله: ﴿ وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون ﴾ [البقرة: 144]، والمناسبة أنهم يعلمون ولا يعملون فلما أفيد أنهم يعلَمون أنه الحق على الوجه المتقدم في إفادته التعريض بأنهم مكابرون ناسبت أن يحقق نفي الطَّمع في اتِّباعهم القِبْلَة لدفع توهم أن يَطْمع السامع باتباعهم لأنهم يعلمون أحقيتها، فلذا أكدت الجملة الدالة على نفي اتِّباعهم بالقَسَم واللام الموطئة، وبالتعليق على أقصى ما يمكن عادةً.

والمراد بالذين أوتوا الكتاب عين المراد من قوله: ﴿ وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون ﴾ على ما تقدم فإن ما يفعله أحْبارهم يكون قدوة لعامتهم فإذا لم يتبع أحبارهم قبلة الإسلام فأجْدَرُ بعامتهم أن لا يتبعوها.

ووجه الإظهار في مقام الإضمار هنا الإعلان بمذمتهم حتى تكون هذه الجملة صريحة في تناولهم كما هو الشأن في الإظهار في موقع الإضمار أن يكون المقصود منه زيادة العناية والتمكن في الذهن.

والمرادُ ﴿ بكل آية ﴾ آيات متكاثرة والمراد بالآية الحجة والدليل على أن استقبال الكعبة هو قبلة الحنيفِية.

وإطلاق لفظ (كل) على الكثرة شائع في كلام العرب قال امرؤ القيس: فيالكَ من ليللٍ كأنَّ نُجُومَه *** بكل مُغَار الفَتْل شُدَّت بيذبُل وأصله مجاز لجعل الكثير من أفراد شيء مشابهاً لمجموع عموم أفراده، ثم كثر ذلك حتى ساوى الحقيقة فصار معنى من معاني كل لا يحتاج استعماله إلى قرينة ولا إلى اعتبار تشبيه العدد الكثير من أفراد الجنس بعموم جميع أفراده حتى إنه يَرِد فيما لا يتصور فيه عموم أفراد، مثل قوله هنا ﴿ بكل آية ﴾ فإن الآيات لا يتصور لها عدد يُحاط به، ومثله قوله تعالى: ﴿ ثم كلي من كل الثمرات ﴾ [النحل: 69] وقوله: ﴿ إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون ﴾ [يونس: 96] وقال النابغة: بها كُلُّ ذُيَّاللٍ وخَنْسَاءَ تَرْعَوِى *** إلى كُلِّ رَجاففٍ من الرمل فارد وتكرر هذا ثلاث مرات في قول عنترة: جادت عليه كل بِكْر حُرَّة *** فتَرَكْنَ كُلَّ قرارةٍ كالدِّرهَم سَحَّاً وتَسْكَاباً فكُلَّ عَشِيَّةٍ *** يجري إليها الماء لم يتَصَرَّم وصاحب «القاموس» قال في مادة كل «وقد جاء استعمال كل بمعنى بَعْضضٍ ضدٌّ» فأثبت الخروج عن معنى الإحاطة ولكنه جازف في قوله «بمعنى بعضٍ» وكان الأصوبُ أن يقول بمعنى كَثيرٍ.

والمعنى أن إنكارهم أَحَقِّيَّة الكعبة بالاستقبال ليس عن شبهة حتى تُزيله الحجة ولكنه مكابرة وعناد فلا جدوى في إطناب الاحتجاج عليهم.

وإضافة قبلة إلى ضمير الرسول لأنها أخص به لكونها قِبلة شرعِه، ولأنه سأَلها بلسان الحال.

وإفراد القبلة في قوله: ﴿ وما أنت بتابع قبلتهم ﴾ مع كونهما قبلتين، إن كان لكل من أهل الكتاب قبلة معينة، وأكثرَ من قِبلة إن لم تكن لهم قبلةٌ معينة وكانوا مخيَّرين في استقبال الجهات، فإفراد لفظ (قبلتهم) على معنى التوزيع لأنه إذا اتَّبع قبلة إحدى الطائفتين كان غير متبع قبلة الطائفة الأخرى.

والمقصود من قوله: ﴿ ما تبعوا قبلتك ﴾ إظهارُ مكابرتهم تأْييساً من إيمانهم، ومِنْ قوله: ﴿ وما أنت بتابع قبلتهم ﴾ تنزيهُ النبي وتعريضٌ لهم باليأس من رجوع المؤمنين إلى استقبال بيت المقدس، وفي قوله: ﴿ وما بعضهم بتابع قبلة بعض ﴾ تأنيسٌ لِلنبيء بأنَّ هذا دأبهم وشنشنتهم من الخلاف فقديماً خالف بعضهم بعضاً في قبلتهم حتى خالفت النصارى قبلة اليهود مع أن شريعة اليهود هي أصل النصرانية.

وجملة: ﴿ ولئن اتبعت أهواءهم ﴾ معطوفة على جملة: ﴿ وما أنت بتابع قبلتهم ﴾ وما بينهما اعتراض.

وفائدة هذا العطف بعد الإخبار بأنه لا يتبع قبلتهم زيادة تأكيد الأمر باستقبال الكعبة، والتحذير من التهاون في ذلك بحيث يفرض على وجه الاحتمال أنه لو اتبع أهواء أهل الكتاب في ذلك لكان كذا وكذا، ولذلك كان الموقع لإن لأنَّ لها مواقعَ الشك والفرض في وقوع الشرط.

وقوله: ﴿ من العلم ﴾ بيان لما جاءك أي من بعد الذي جاءك والذي هو العلم فجعل ما أنْزِل إليه هو العلم كلَّه على وجه المبالغة.

والأهواء جمع هَوى وهو الحُب البليغ بحيث يقتضي طلبَ حصول الشيء المحبوب ولو بحصول ضر لمحصِّله، فلذلك غلب إطلاق الهوى على حُبَ لا يقتضيه الرشد ولا العقل ومن ثَمّ أطلق على العشق، وشاع إطلاق الهوى في القرآن على عقيدة الضلال ومن ثم سَمَّى علماء الإسلام أهلَ العقائد المنحرفة بأهل الأهواء.

وقد بولغ في هذا التحذير باشتمال مجموع الشرط والجزاء على عدة مؤكدات أومأ إليها صاحب «الكَشَّاف» وفصَّلها صاحب «الكشف» إلى عشرة وهي: القَسَم المدلول عليه باللام، واللام الموطئة للقسم لأنها تزيد القسم تأكيداً، وحرف التوكيد في جملة الجزاء، ولام الابتداء في خبرها، واسمية الجملة، وجَعْل حرففِ الشرط الحرفَ الدال على الشك وهو (إنْ) المقتضي أن أقل جُزء من اتِّباع أهوائهم كاففٍ في الظُّلم، والإتيانُ بإِذَن الدالةِ على الجزائية فإنها أَكَّدَتْ ربطَ الجزاء بالشرط، والإجمالُ ثم التفصيل في قوله: ﴿ ما جاءك من العلم ﴾ فإنه يدل على الاهتمام والاهتمامُ بالوازع يَؤُول إلى تحقيق العقاب على الارتكاب لانقطاع العذر، وجَعْل ما نزل عليه هو نفس العلم.

والتعريفُ في ﴿ الظالمين ﴾ الدالُّ على أنه يكون من المعهودين بهذا الوصف الذين هو لهم سجية.

ولا يخفى أن كل ما يَؤُول إلى تحقيق الربط بين الجزاء والشرط أو تحقيق سببه أو تحقيق حصول الجزاء أو تهويل بعض متعلقاته، كل ذلك يؤكد المقصود من الغرض المسوق لأجله الشرط.

والتعبير بالعِلم هنا عن الوحي واليقين الإلهي إعلان بتنويه شأن العلم ولَفت لعقول هذه الأمة إليه لما يتكرر من لفظه على أسماعهم.

وقوله: ﴿ لمن الظالمين ﴾ أقوى دلالةً على الانصاف بالظلم من إنك لَظالم كما تقدم عند قوله: ﴿ قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ﴾ [البقرة: 67].

والمراد بالظالمين الظالمون أنفسهم وللظلم مراتِبُ دخلت كلها تحت هذا الوصف والسامع يعلم إرجاع كل ضَرب من ضروب اتباع أهوائهم إلى ضرب من ضروب ظلم النفس حتى ينتهي إلى عقائدهم الضالة فينتهي ظلمهم أنفسهم إلى الكفر الملقي في خالد العذاب.

قد يقول قائل إن قريباً من هذه الجملة تقدم عند قوله تعالى: ﴿ قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير ﴾ [البقرة: 120] فعبر هنالك باسم الموصول (الذي) وعبر هنا باسم الموصول (مَا)، وقال هنالك «بَعد» وقال هنا «مِنْ بعد»، وجُعل جزاء الشرط هنالك انتفاء ولِيَ ونصيرٍ، وجعل الجزاء هنا أن يكون من الظالمين، وقد أَوْرَد هذا السؤال صاحبُ «دُرَّة التنزيل وغُرَّة التأويل» وحاول إبداء خصوصيات تفرق بين ما اختلفت فيه الآيتان ولم يأت بما يشفي، والذي يرشد إليه كلامه أن نقول إن (الذي) و(مَا) وإن كانا مشتركين في أنهما اسما موصول إلاّ أنهما الأصل في الأسماء الموصولة، ولما كان العلم الذي جاء النبي صلى الله عليه وسلم في غرض الآية الأولى هو العلم المتعلق بأصل ملة الإسلام وببطلان ملة اليهود وملة النصارى بعد النسخ، وبإثبات عناد الفريقين في صحة رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وذلك ابتداء من قوله تعالى: ﴿ وقالوا اتخذ الله ولداً سبحانه ﴾ [البقرة: 116] إلى قوله ﴿ قل إن هدى الله هو الهدى ﴾ [البقرة: 120]، فلا جرم كان العلم الذي جاء في ذلك هو أصرح العلم وأقدمه، وكان حَقيقاً بأن يعبر عنه باسم الموصول الصريح في التعريف.

وأما الآية الثانية التي نحن بصددها فهي متعلقة بإبطال قبلة اليهود والنصارى، لأنها مسبوقة ببيان ذلك ابتداء من قوله: ﴿ سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ﴾ [البقرة: 142] وذلك تشريع فرعي فالتحذير الواقع بعدهُ تحذير من اتباع الفريقين في أمر القبلة وذلك ليس له أهمية مثلُ ما للتحذير من اتباع ملتهم بأسرها فلم يكن للعلم الذي جاء النبي في أمر قبلتهم من الأهمية ما للعلم الذي جاءه في بطلان أصول ملتهم، فلذلك جيء في تعريفه باسم الموصول الملحق بالمعارف وهو (ما) لأنها في الأصل نكرة موصوفة نقلت للموصولية.

وإنما أدخلت (مِنْ) في هذه الآية الثانية على (بْعد) بقوله: ﴿ من بعد ما جاءك من العلم ﴾ لأن هذه الآية وقعت بعد الآية الأول في سورة واحدة وليس بينهما بعيد فَصْللٍ فكان العلم الذي جاءه فيها مِن قوله: ﴿ ما تبعوا قبلتك ﴾ هو جزئي من عموم العلم الذي جاء في إبطال جميع ملتهم، فكان جديراً بأن يُشار إلى كونه جزئياً له بإيراد (مِن) الابتدائية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ﴾ يَعْنِي اسْتِقْبالَ الكَعْبَةِ.

﴿ وَما أنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ﴾ يَعْنِي اسْتِقْبالَ بَيْتِ المَقْدِسِ، بَعْدَ أنْ حُوِّلَتْ قِبْلَتُكَ إلى الكَعْبَةِ.

﴿ وَما بَعْضُهم بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ﴾ يَعْنِي أنَّ اليَهُودَ لا تَتْبَعُ النَّصارى في القِبْلَةِ، فَهم فِيها مُخْتَلِفُونَ، وإنْ كانُوا عَلى مُعانَدَةِ النَّبِيِّ  مُتَّفِقِينَ.

﴿ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ ﴾ يَعْنِي في القِبْلَةِ.

﴿ مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ ﴾ يَعْنِي في تَحْوِيلِها عَنْ بَيْتِ المَقْدِسِ إلى الكَعْبَةِ.

﴿ إنَّكَ إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ ﴾ ولَيْسَ يَجُوزُ أنْ يَفْعَلَ النَّبِيُّ ما يَصِيرُ بِهِ ظالِمًا.

وَفي هَذا الخِطابِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ هَذِهِ صِفَةٌ تَنْتَفِي عَنِ النَّبِيِّ، وإنَّما أرادَ بِذَلِكَ بَيانَ حُكْمِها لَوْ كانَتْ.

والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ هَذا خِطابٌ لِلنَّبِيِّ والمُرادُ بِهِ أُمَّتُهُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير عن السدي في قوله: ﴿ وما بعضهم بتابع قبلة بعض ﴾ يقول: لا اليهود بتابعي قبلة النصارى ولا النصارى بتابعي قبلة اليهود.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ﴾ الآية، معنى (لئن): ما تستقبل، ومعنى (لو): ماض، وحقيقة معنى (لو): أنها يمتنع بها الشيء لامتناع غيره، تقول: لو جئتني لأكرمتك، أي: لم تجئني، فلم أكرمك، فإنما امتنع إكرامي لامتناع مجيئك (١) ﴿ وَلَئِنْ ﴾ : أنه يقع بهما الشيء لوقوع غيره، تقول: إن تأتني أكرمْك، فالإكرام يقع بوقوع الإتيان (٢) فقولهم: (لئن) تستعمل فيما يستقبل، وجوابها يقع بالمستقبل، و (لو) تستعمل في الماضي، وجوابها يقع بالماضي، كقولك: لئن قمتَ لأقومنّ، ولو قمتَ قمتُ، هذا معنى الكلمتين ووضعهما في الأصل.

ثم إنّ العرب لما استجازت في الفعل المستقبل والماضي أن يقوم أحدهما مقام الآخر، استجازت تقريب إحدى هاتين الكلمتين من الأخرى في الجواب؛ لذلك أجيبت لئن بجواب لو في هذه الآية (٣) ﴿ وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا  ﴾ ، أجيب (لئن) بجواب (لو).

وأجيبت (لو) بجواب (لئن) في قوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ  ﴾ فقوله: ﴿ لَمَثُوبَةٌ ﴾ ميعاد للثواب في المستقبل، ومثل هذا يكون جوابًا لقولك: لئن.

وهذا معنى قول الفراء؛ لأنه قال؛ أجيبت لئن بجواب لو؛ لأن الماضي وليها، كما يلي لو، فأجيبت بجواب لو، ودخلت كل واحدة منهما على أختها، وشبهت كل واحدة بصاحبتها (٤) فأما التفسير: فإن اليهود والنصارى طلبوا من النبي  الآيات، فأنزل الله هذه الآية، وقد علم أهل الكتابين أن محمدًا حقّ، وصفته ونبوته في كتابهم، ولكنهم جحدوا مع تحقق علمهم، وما تغني الآيات عند من يجحد ما يعرف (٥) ﴿ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ﴾ .

فإن قيل: كيف قال هذا، وقد آمن منهم كثير؟

قيل: هذا إخبار عن جميعهم أنهم كلهم لا يفعلون (٦) (٧) وقيل: إنه أراد الفريق الذين هم أهل العناد، وهم الذين عناهم بقوله: ﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ﴾ (٨) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ﴾ حسم بهذا إطماع اليهود في رجوعه  إلى قبلتهم، لأنهم كانوا يطمعون.

وأكّد بهذا أنه لا ينسخ التوجه إلى الكعبة (٩) ﴿ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ﴾ قال: ﴿ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ﴾ على المقابلة، كما تقول: ما هم بتاركي إنكار الحق، وما أنت بتارك الاعتراف به، ويكون الذي جرّ الكلام الثاني التقابل للكلام الأول، وهو حسن من كلام البلغاء (١٠) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ﴾ أخبر أنهم وإن اتفقوا في الظاهر على النبي  مختلفون فيما بينهم.

فاليهود تستقبل بيت المقدس، والنصارى تستقبل المشرق.

واليهود لا تتبع قبلة النصارى، ولا النصارى تتبع قبلة اليهود (١١) وقوله تعالى: ﴿ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾ أي: صليت إلى قبلتهم ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ﴾ أن قبلة الله الكعبة ﴿ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ أي: إنك إذن مثلهم (١٢) وذكر أهل التأويل في قوله: ﴿ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾ وجهين: أحدهما: أن الخطاب له  في الظاهر وهو في المعنى لأمته، كما قال: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ  ﴾ .

والثاني: أن الله تعالى خاطب نبيه -  - بهذا مهددًا أمته، أي: إذا استحققت منا مثل ذا الجزاء عند مخالفة، لو وقعت منك، ولن تقع أبدًا كانوا هم أجدر وأخلق، بتكاثف الأوزار، واجتماع الآثام، عند ما يظهر منهم من إيثار الضلال والانحراف عن الحق.

وذكر وجه ثالث: وهو أن معنى ﴿ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾ أي: في المداراة معهم حرصًا على إيمانهم ﴿ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ لنفسك، إذ قد أعلمتك أنهم لا يؤمنون (١٣) وذكرنا الكلام في معنى (إذن) عند قوله: ﴿ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا  ﴾ .

(١) بمعناه من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 224، وينظر: "الكتاب" لسيبويه 4/ 224، "المقتضب" للمبرد 3/ 75.

(٢) بمعناه من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 224، وينظر: "الكتاب" لسيبويه 3/ 77، و 107، و 108، "المقتضب" للمبرد 2/ 46 - 47، و 362.

(٣) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 223.

(٤) "معاني القرآن" للفراء 1/ 84، واختاره الطبري 2/ 24، ورده الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 224، وينظر: "التبيان" للعكبري ص 99، وقال متعقبا رأي الفراء: وهو بعيد، لأن إن للمستقبل، ولو للماضي.

وقال أبو حيان، "البحر المحيط" 1/ 430: اللام في (ولئن) هي التي تؤذن بقسم محذوف متقدم، فقد اجتمع القسم المتقدم المحذوف والشرط متأخر عنه، فالجواب للقسم، وهو قوله: (ما تبعوا)؛ ولذلك لم تدخله الماء، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه، وهو == منفي بما، ماضي الفعل، مستقبل المعنى.

ثم رد مذهب الفراء بقوله: وهذا الذي قاله الفراء هو بناء على مذهبه أن المقسم إذا تقدم على الشرط جاز أن يكون الجواب للشرط دون القسم، وليس هذا مذهب البصريين، بل الجواب يكون للقسم بشرطه المذكور في النحو، واستعمال (إن) بمعنى (لو) قليل، فلا ينبغي أن يحمل على ذلك، إذا ساغ إقرارها على وضع أصلها.

وقال ابن عطية في: "المحرر الوجيز" 2/ 17: وجاء جواب لئن كجواب لو، وهي ضدها في أن لو تطلب المضي والوقوع، وإن تطلب الاستقبال؛ لأنهما جميعاً يترتب قبلهما معنى القسم، فالجواب إنما هو للقسم، لا أن أحد الحرفين يقع موقع الآخر، هذا قول سيبويه.

(٥) ينظر: "تفسير مقاتل" 1/ 147، "تفسير الطبري" 2/ 24، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 224، "تفسير الثعلبي" 1/ 1245، "الكفاية" 1/ 18، "تفسير البغوي" 1/ 163.

(٦) في (ش): (لا يعقلون).

(٧) ينظر: "المحرر الوجيز" 2/ 17، "التفسير الكبير" 4/ 125، ونسبه إلى الحسن.

(٨) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 431.

(٩) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 24، "البحر المحيط" 1/ 432.

(١٠) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 432.

(١١) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 24، 25 والثعلبي 1/ 1246، "التفسير الكبير" 4/ 126، "البحر المحيط" 1/ 432، " المحرر الوجيز" 2/ 17 - 18.

(١٢) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1246.

(١٣) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 224، "المحرر الوجيز" 2/ 18 - 19.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ ﴾ كان النبي صلى الله عليه وسلم يرفع رأسه إلى السماء رجاء أن يؤمر بالصلاة إلى الكعبة ﴿ شَطْرَ المسجد ﴾ جهة ﴿ وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ﴾ خبر يتضمن النهي ووحدت قبلتهم، وإن كانت جهتين لاتحادهم في البطلان ﴿ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ﴾ لأن اليهود لعنهم الله يستقبلون المغرب والنصارى المشرق ﴿ يَعْرِفُونَهُ ﴾ أي يعرفون القرآن أو النبي صلى الله عليه وسلم أو أمر القبلة ﴿ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾ مبالغة في وصف المعرفة، وقال عبد الله بن سلام معرفتي بالنبي صلى الله عليه وسلم أشدّ من معرفتي بابني؛ لأن ابني قد يمكن فيه الشك ﴿ وَلِكُلٍّ ﴾ ولك أي لكل أحد أو لكل طائفة ﴿ وِجْهَةٌ ﴾ أي جهة، ولم تحذف الواو لأنه ظرف مكان، وقيل: إنه مصدر، وثبت فيه الواو على غير قياس ﴿ فاستبقوا الخيرات ﴾ أي بادروا إلى الأعمال الصالحات ﴿ يَأْتِ بِكُمُ الله ﴾ أي يبعثكم من قبوركم ﴿ فَوَلِّ وَجْهَكَ ﴾ الأمر كرر للتأكيد أو ليناط به ما بعده ﴿ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ ﴾ الآية: معناها أن الصلاة إلى الكعبة تدفع حجة المعترضين من الناس، فإن أريد اليهود فحجتهم أنهم يجدون في كتبهم أنّ النبي صلى الله عليه وسلم يتحوّل إلى الكعبة، فلما صلى إليها لم تبق لهم حجة على المسلمين، وإن أريد قريش فحجتهم أنهم قالوا: قبلة آبائه أولى به ﴿ إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ ﴾ أي من يتكلم بغير حجة ويعترض التحوّل إلى الكعبة، والاستثناء متصل؛ لأنه استثناء من عموم الناس.

ويحتمل الانقطاع على أن يكون استثناء ممن له حجة، فإن الذين ظلموا هم الذين ليس لهم حجة ﴿ وَلأُتِمَّ ﴾ متعلق بمحذوف أي فعلت ذلك لأتمّ، أو معطوف على لئلا يكون ﴿ كَمَآ أَرْسَلْنَا ﴾ متعلق بقوله لأتم، أو بقوله فاذكروني والأول أظهر.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ من يشاء إلى ﴾ بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر.

الباقون ﴿ يشاء ولى ﴾ بقلب الثانية واواً.

وروى الخزاعي وابن شنبوذ عن أهل مكة ﴿ يشاو إلى ﴾ بقلب الأولى واواً ﴿ لرؤف ﴾ مهموزاً مشبعاً: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وابن عامر وحفص والمفضل والبرجمي.

وقرأ يزيد بتليين الهمزة والإشباع.

الباقون: ﴿ لرؤف ﴾ على وزن "الرعف" ﴿ ..

يعملون ولئن ﴾ بياء الغيبة: ابن كثير ونافع وخلف وعاصم وأبو عمرو ويعقوب، الباقون: بالتاء ﴿ مولاها ﴾ بالألف: ابن عامر والباقون: بالباء وكسر اللام ﴿ يعملون ومن حيث ﴾ بياء المغايبة: أبو عمرو.

الباقون: بالتاء ﴿ ليلاً ﴾ مدغمة غير مهموزة عن ورش، وعن ابن كثير وحمزة وعلي وخلفٍ ويعقوب مدغماً مهموزاً.

الباقون: مظهراً مهموزاً، والاختيار عن يعقوب وهشام الإظهار.

﴿ فاذكروني ﴾ بفتح الياء: ابن كثير.

الوقوف: ﴿ عليها ﴾ ط ﴿ المغرب ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ شهيداً ﴾ ط ﴿ عقبيه ﴾ ط ﴿ هدى الله ﴾ ط ﴿ ايمانكم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ في السماء ﴾ ج لأن الجملتين وإن اتفقتا فقد دخل الثانية حرفا توكيد يختصان بالقسم والقسم مصدّر ﴿ ترضيها ﴾ ص لأن فاء التعقيب لتعجيل الموعود ﴿ الحرام ﴾ ط ﴿ شطره ﴾ ط ﴿ من ربهم ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ قبلتك ﴾ ج ﴿ قبلتهم ﴾ ج وكلاهما لتفصيل الأحوال مع اتحاد المقصود ﴿ قبلة بعض ﴾ ط ﴿ من العلم ﴾ لا لأن "ان" جواب معنى القسم في "لئن"، فلو فصل كان ﴿ من الظالمين ﴾ مطلقاً وفي الاطلاق حظر ﴿ الظالمين ﴾ ه م لأنه لو وصل صار "الذين" صفة وهو مبتدأ في مدح عبد الله ابن سلام وأضرابه ﴿ أبناءهم ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ الممترين ﴾ ه ﴿ الخيرات ﴾ ط ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ الحرام ﴾ (ط) ﴿ من ربك ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الحرام ﴾ ط لأن "حيث" متضمن الشرط ﴿ شطره ﴾ لا لتعلق لام في ﴿ حجة ﴾ ط قبل تحرزاً عن إثبات الحجة بعد النفي والوصل ه في العربية أوضح، ولا منافاة لأن المراد من الحجة الخصومة وبيان الحق لا ينافي الخصومة ﴿ تهتدون ﴾ إذا علق ﴿ كما أرسلنا ﴾ بما قبله ووقف على ﴿ تعلمون ﴾ وإن علق بما بعده وقف على ﴿ تهتدون ﴾ دون ﴿ تعلمون ﴾ ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ ولا تكفرون ﴾ ه.

التفسير: هذه شبهة ثانية من أهل الكتاب طعناً في الإسلام.

قالوا: النسخ يقتضي إما الجهل أو التجهيل لأن الأمر إن كان خالياً عن القيد كفى فعله مرة واحدة، فلا يكون ورود الأمر بعده على خلافه ناسخاً مقيداً.

وإن كان مقيداً بالدوام فكذلك، وإن كان مقيداً بالدوام فإن كان الآمر يعتقد دوامه ثم رفعه كان جهلاً وبداء، وإن كان عالماً بلا دوامه كان تجهيلاً، وكل هذه من الحكيم قبيح.

ثم إنهم خصصوا هذه الصورة بمزيد شبهة، وهو أنّا إذا جوزنا النسخ عند اختلاف المصالح فههنا لا مصلحة فإن الجهات متساوية وهذا دليل على أن هذا التغيير ليس من عند الله.

قال القفال: لفظ ﴿ سيقول ﴾ وإن كان للاستقبال لكنه قد يستعمل في الماضي كالرجل يعمل عملاً فيطعن فيه بعض أعدائه فيقول: أنا أعلم أنهم سيطعنون فيّ.

كأنه يريد أنه إذا ذكر مرة فسيذكرونه مرات أخرى، ويؤيد ذلك ما ورد من الأخبار أنهم لما قالوا ذلك نزلت الآية.

والمشهور أن الله  أخبر عنهم قبل أن ذكروا هذا الكلام أنهم سيذكرونه، وفيه فوائد منها: أنه إخبار بالغيب فيكون معجزاً.

ومنها أن مفاجأة المكروه أشد مما إذا وطن النفس له.

ومنها أن الجواب العتيد أقطع للخصم وقبل الرمي يراش السهم، والسفهاء الخفاف الأحلام وإذا كان من لا يميز بين ما له وعليه في أمر دنياه يعدّ سفيهاً شرعاً، فالذي يضيع أمر آخرته أولى بهذا الاسم.

عن ابن عباس ومجاهد: هم اليهود، ذلك أنهم كانوا يأنسون بموافقة النبي  إياهم في القبلة، فلمّا تحول استوحشوا لا سيما وأنهم لا يرون النسخ.

وعن البراء بن عازب والحسن الأصم: أنهم مشركو العرب قالوا: أبى إلاّ الرجوع إلى موافقتنا ولو ثبت عليه أولاً كان أولى به.

وقيل: هم المنافقون ذكروا ذلك استهزاء من حيث إن تميز بعض الجهات عن بعض ليس له دليل معقول فحملوا الأمر على العبث والعمل بالرأي والتشهي والأقرب أن يكون الكل داخلاً فيه، لأن الأعداء جبلت على الغيظ وطلب التشفي، فإذا وجدوا مجالاً لم يتركوا مقالاً ﴿ ما ولاهم ﴾ ما صرفهم استفهموا على جهة التعجب والاستهزاء ﴿ عن قبلتهم التي كانوا عليها ﴾ القبلة بيت المقدس، وضمير الجمع للرسول والمؤمنين هذا هو المجمع عليه عند المفسرين، ولولا الإجماع لاحتمل أن يعود الضمير في "كانوا" إلى "السفهاء" أي ما الذي صرف الرسول والمؤمنين عن القبلة التي كان السفهاء عليها فإنهم كانوا لا يعرفون إلاّ قبلة اليهود وهي إلى المغرب وقبلة النصارى وهي إلى المشرق؟

فكأنهم قالوا: كيف يتوجه أحد إلى غير هاتين الجهتين المعروفتين؟

فاجابهم الله عن شبهتهم بقوله ﴿ قل لله المشرق والمغرب ﴾ أي بلادهما، والأرض كلها والجهات بأسرها ملكاً وملكاً، ثم أكد ذلك بقوله ﴿ يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيمٍ ﴾ وهو القبلة التي اقتضت الحكمة في هذا الزمان توجيه الناس إليها ويحتمل أن يراد به الطريقة المؤدية إلى سعادة الدارين فيشتمل القبلة وغيرها.

وحاصل الجواب بعد ما مر في آية النسخ أنه  فاعل لما يشاء كما يشاء، لا اعتراض لأحد عليه كما لا اعتراض على من يتصرف في ملكه كما يريد، وأفعاله  لا تعلل بغرض وإن كانت لا تخلو عن فائدة وحكمة كما سبق، وكثير منها مما لا يهتدي عقول البشر إلى تفاصيل حكمها لكنهم قد يستنبطون بحسب أفهامهم لبعضها وجوهاً مناسبة، أما تعيين القبلة في الصلاة فالحكمة فيه أن للإنسان قوة عقلية يدرك المجردات والمعقولات بها وقوة خيالية يتصرف بها في عالم الأجسام، وقلما تنفك العقلية عن الخيالية وإعانتها كالمهندس يضع في إدراك أحكام المقادير صورة معيّنة وشكلاً معيناً ليصير الحس والخيال معينين له على إدراك تلك الأحكام الكلية، وكالذي يريد أن يثني على ملك مجازي فإنه يستقبله بوجهه ثم يشتغل بالثناء والخدمة.

فاستقبال القبلة في الصلاة يجري مجرى كونه مستقبلاً للملك، والقراءة تجري مجرى الثناء عليه، والركوع والسجود جاريان مجرى الخدمة.

وأيضاً الخشوع في الصلاة لا يحصل إلا مع السكون وترك الالتفات، ولا يتأتى ذلك إلاّ إذا بقي في جميع صلاته مستقبلاً لجهة واحدة على التعيين.

وإذا اختص بعض الجهات بمزيد شرف في الأوهام فاستقباله أولى.

وأيضاً إنه  يحب الموافقة والألفة بين المؤمنين وقد من عليهم بذلك ﴿ واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً  ﴾ .

وتوجه كل مصلٍ إلى أي جهة تتفق مظنة الاختلاف فلم يكن بد من تعيين جهة ليحصل الاتفاق.

وأيضاً كأنه  يقول: يا مؤمن أنت عبد، والكعبة بيتي، والصلاة خدمتي، وقلبك عرشي، والجنة دار كرامتي، فاستقبل بوجهك إلى بيتي وبقلبك إليّ، أبوئك دار كرامتي.

وأيضاً اليهود استقبلوا مغرب الأنوار ﴿ وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر  ﴾ .

والنصارى استقبلوا مطلع الأنوار ﴿ إذ انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً  ﴾ فالمؤمنون استقبلوا مظهر الأنوار وهو مكة، فمنها محمد ومنه خلق الأنوار ولأجله دال الفلك الدوّار.

وأيضاً المغرب قبلة موسى، والمشرق قبلة عيسى، وبينهما قبلة إبراهيم ومحمد، وخير الأمور أوسطها؛ وأيضاً الكعبة سرة الأرض ووسطها، وأمة محمد وسط ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً ﴾ .

والوسط بالوسط أولى ﴿ الطيبات للطيبين  ﴾ .

وأيضاً العرش قبلة الحملة، والكرسي قبلة البررة، والبيت المعمور قبلة السفرة، والكعبة قبلة المؤمنين، والحق قبلة المتحيرين ﴿ فأينما تولوا فثم وجه الله ﴾ والعرش مخلوق من النور، والكرسي من الدر، والبيت المعمور من الياقوت، والكعبة من جبال خمسة: سينا وزيتا وجوديّ ولبنان وحراء.

كأنه قال: إن كان عليك مثل هذه الجبال ذنوباً فأتيت الكعبة حاجاً أو معتمراً أو توجهت مصلياً الصلوات الخمس غفرتها لك.

وأيضاً لما كان بناء هذا البيت سبباً لظهور دولة العرب كانت رغبتهم في توجهها أشد وأيضاً اليهود كانوا يعيرون المسلمين بأنا قد أرشدناكم إلى القبلة وينكسر بذلك قلوب المسلمين.

فأزيل تشويشهم، وأيضاً الكعبة منشأ محمد، فتعظيمها يقتضي تعظيمه، وتعظيمه مما يعين على قبول أوامره ونواهيه، فبمقدار حشمة المرء يكون قبول قوله.

فهذه هي الوجوه المناسبة، والوجه الأقوى هو الذي ذكره الله  في قوله ﴿ وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه ﴾ وقوله ﴿ وكذلك جعلناكم ﴾ الكاف للتشبيه، وفي اسم الإشارة وجوه.

فقيل: راجع إلى معنى يهدي أي كما أنعمنا عليكم بالهداية كذلك أنعمنا عليكم بأن جعلناكم، أو كما هديناكم إلى أوسط البقلة جعلناكم أمة وسطاً.

وقيل: عائد إلى قوله ﴿ ولقد اصطفينا  ﴾ .

أي كما اصطفينا إبراهيم في الدنيا جعلناكم.

وقيل: ينصرف إلى قوله ﴿ ولله المشرق والمغرب ﴾ أي كما خصصنا بعض الجهات المتساوية بمزيد التشريف والتكريم حتى صارت قبلةً فضلاً منا وإحساناً، جعلناكم مختصين بالعدالة براً منا وامتناناً مع تساوي الخلق في العبودية.

وقيل: قد يذكر ضمير الشيء وإن لم يكن المضمر مذكوراً إذا كان المضمر مشهوراً معروفاً مثل ﴿ إنا أنزلناه في ليلة القدر ﴾ ثم من المشهور المعروف عند كل أحد أنه  هو القادر على إعزاز من يشاء وإذلال من يشاء، فالمعنى ومثل ذلك الجعل العجيب الذي لا يقدر عليه أحد غيري جعلناكم أمةً وسطاً.

الجوهري: يقال جلست وسط القوم بالتسكين لأنه ظرف، وجلست وسط الدار بالتحريك لأنه اسم، وكل موضع صلح فيه بين فهو وسط، وإن لم يصلح فيه بين فهو وسط بالتحريك.

قال: والوسط من كل شيء أعدله، وشيء وسط أي بين الجيد والرديء، وأمةً وسطاً أي عدولاً قال زهير: همو وسط يرضى الأنام بحكمهم *** إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم وذلك أن العدل متوسط في الأخلاق بين طرفي الإفراط والتفريط، ولهذا ذكره الله تعالى في معرض المدح والامتنان.

وقيل: الوسط الخيار لأنه يستعمل في الجمادات.

قال في الكشاف: اكتريت بمكة جمل أعرابي فقال: أعطني من سطاتهن - أراد من خيار الدنانير - ويؤيده قوله  في موضع آخر ﴿ كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس  ﴾ وإنما أطلق الوسط على الخيار لأن الأطراف يتسارع إليها الخلل والعيب، والأوساط محمية محوطة.

وقيل: المراد بالوسط ههنا أنهم متوسطون في الدين بين المفرط والمفرّط والغالي والمقصر في شأن الأنبياء لا كالنصارى حيث جعلوا النبي صلّى الله عليه وسلم ابناً وإلهاً، ولا كاليهود حيث قتلوا الأنبياء وبدلوا الكتب، ولأن الوسط في الأصل اسم وصف به استوى فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث ﴿ لتكونوا شهداء على الناس ﴾ الأكثرون على أن هذه الشهادة في الآخرة إما بأن يكونوا شهداء للأنبياء على أممهم الذين يكذبونهم.

روي أن الأمم يجحدون تبليغ الأنبياء يوم القيامة فيطالب الله الأنبياء بالبينة على أنهم قد بلغوا - وهو أعلم - فيؤتى بأمة محمد فيشهدون فيقول الأمم: من أين عرفتم؟

فيقولون: علمنا ذلك بإخبار الله في كتابه الناطق على لسان نبيه الصادق.

فيؤتى بمحمد فيسأل عن حال أمته فيزكيهم ويشهد بعدالتهم وذلك قوله  ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمةٍ بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً  ﴾ قلت: والحكمة في ذلك تمييز أمة محمد  في الفضل عن سائر الأمم حيث يبادرون إلى تصديق الله  وتصديق جميع الأنبياء والإيمان بهم جميعاً، فهم بالنسبة إلى غيرهم كالعدل بالنسبة إلى الفاسق، ولذلك تقبل شهادتهم على الأمم، ولا تقبل شهادة الأمم عليهم.

وإنما سمي هذا الإخبار شهادة لقوله  "إذا علمت مثل الشمس فاشهد" .

والشيء الذي أخبر الله  عنه معلوم مثل الشمس فتصح الشهادة عليه، وإما بأنْ يشهدوا على الناس بأعمالهم التي خالفوا الحق فيها.

قال ابن زيد: الأشهاد أربعة: الملائكة الحفظة ﴿ وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد  ﴾ والنبيون ﴿ ويكون الرسول عليكم شهيد ﴾ وأمة محمد  خاصة ﴿ لتكونوا شهداء على الناس ﴾ ﴿ ويوم يقوم الأشهاد  ﴾ والجوارح ﴿ يوم تشهد عليهم ألسنتهم و أيديهم وأرجلهم  ﴾ .

وقيل: إن هذه الشهادة في الدنيا، وذلك أن الشاهد في عرف الشرع من يخبر عن حقوق الناس بألفاظ مخصوصة على جهات مخصوصة، فكل من عرف حال شخص فله أن يشهد عليه فإن الشهادة خبر قاطع، وشهادة الأمة لا يجوز أن تكون موقوفة على الآخرة لأن عدالتهم في الدنيا ثابتة بدليل ﴿ جعلناكم ﴾ بلفظ الماضي، فلا أقل من حصولها في الحال.

ثم رتب كونهم شهداء على عدالتهم، فيجب أن يكونوا شهداء في الدنيا.

وإن قيل: لعل التحمل في الدنيا ولكن الأداء في الآخرة.

قلنا: المراد في الآية الأداء لأن العدالة إنما تعتبر في الأداء لا في التحمل، ومن هنا يعلم أن إجماعهم حجة لا بمعنى أن كل واحدٍ منهم محق في نفسه، بل بمعنى أن هيئتهم الاجتماعية تقتضي كونهم محقين، وهذا من خواص هذه الأمة، ثم لا يبعد أن يحصل مع ذلك لهم الشهادة في الآخرة فيجري الواقع منهم في الدنيا مجرى التحمل لأنهم إذا بينوا الحق عرفوا عنده من القابل ومن الراد، ثم يشهدون بذلك يوم القيامة كما أن الشاهد علىالعقود يعرف ما الذي تم وما الذي لم يتم ثم يشهد بذلك عند الحاكم، أو يكون المعنى لتكونوا شهداء على الناس في الدنيا فيما لا يصح إلاّ بشهادة العدول الأخيار، ويكون الرسول عليكم شهيداً يزكيكم ويعلم بعدالتكم.

وإنما قدمت صلة الشهادة في الثاني لأن الغرض في الأول إثبات شهادتهم على الأمم فقط، فبقيت صلة الشهادة في مركزها.

والغرض في الآخر اختصاصهم بكون الرسول شهيداً عليهم فأزيلت عن مركزها ليفيد الاختصاص.

وإنما لم يقل لكم شهيداً مع أن شهادته لهم لا عليهم، لأنه ضمن معنى الرقيب مثل ﴿ والله على كل شيءٍ شهيد  ﴾ مع رعاية الطباق للأول.

وإنما قيل "شهداء على الناس في الدنيا" لأن قولهم يقتضي التكليف إما بفعل أو بقول وذلك عليهم لا لهم في الحال.

قيل: الآية متروكة الظاهر لأن وصف الأمة بالعدالة يقتضي اتصاف كل واحدٍ منهم بها وليس كذلك، فلا بد من حملها على البعض.

فنحن نحملها على الأئمة المعصومين سلمناه لكن الخطاب في ﴿ جعلناكم ﴾ للموجودين عند نزول الآية لأن خطاب من لم يوجد محال.

فالآية تدل على أن إجماع أولئك حق لكنا لا نعلم بقاء جميعهم بأعيانهم إلى ما بعد وفاة الرسول فلا تثبت صحة الإجماع وقتئذ.

سلمنا ذلك لكن المراد بالعدالة اجتناب الكبائر فقط، فيحتمل أن الذي أجمعوا عليه وإن كان خطأ لكنه من الصغائر فلا يقْدح ذلك في خيريتهم وعدالتهم.

وأجيب بأن حال الشخص في نفسه غير حاله بالقياس إلى غيره، فلم يجوز أن يكون الشخص غير مقبول القول عند الانفراد ويكون مقبولاً عند الاجتماع؟

والخطاب لجميع الأمة من حين نزول الآية إلى قيام الساعة كما في سائر التكاليف مثل ﴿ كتب عليكم الصيام كما  ﴾ ﴿ كتب عليكم القصاص  ﴾ فللموجودين بالذات وللباقين بالتبعية، لكنا لو اعتبرنا أوّل الأمة وآخرها بأسرها لزالت فائدة الآية إذا لم يبق بعد انقضائها من تكون الآية حجة عليه، فعلمنا أن المراد به أهل كل عصر.

ثم إن الله  منّ على هذه الأمة بأن جعلهم خياراً أو عدولاً عند الاجتماع، فلو أمكن اجتماعهم على الخطأ لم يبق بينهم وبين سائر الأمم فرق في ذلك فلا منة.

﴿ وما جعلنا ﴾ يريد الجعل بمعنى الشرع والحكم.

﴿ التي ﴾ صفة موصوف محذوف هو ثاني مفعولي "جعل" أي وما جعلنا القبلة أي الجهة التي كنت عليها أي كنت معتقداً لاستقبالها كقولك "الشافعي على كذا" ثم ههنا وجهان: أحدهما أن هذا الكلام بيان للحكمة في جعل الكعبة قبلة وذلك أنه  كان يصلي بمكة إلى الكعبة ثم أمر بالصلاة إلى بيت المقدس بعد الهجرة تألفاً لليهود وامتحاناً للذلن اتّبعوه بمكة، ثم حول إلى الكعبة اختباراً ثانياً أي ما رددناك إلى الجهة التي كنت عليها أولاً إلا امتحاناً للناس وابتلاء وثانيهما أنه بيان للحكمة في جعل بيت المقدس قبلة، يعني أن أصل أمرك أن تستقبل الكعبة وأن استقبالك بيت المقدس كان أمراً عارضاً لفائدة هي أن نمتحن الناس وننظر من يتبع الرسول ومن لا يتبعه.

واللام في ﴿ لنعلم ﴾ ليست لأجل الغرض وإنما هي لتقرير الحكمة والفائدة التي يستتبعها الجعل.

فإن قيل: كيف؟

قال ﴿ لنعلم ﴾ ولم يزل عالماً بذلك؟

فالجواب أن معناه ليعلم حزبنا من النبي والمؤمنين كما يقول الملك: فتحنا البلد.

وإنما فتحه جنده أو لنعلمه موجوداً حاصلاً وهو العلم الذي يتعلق به الجزاء.

ولا يلزم منه أن يحدث لله علم فإن العلم الأزلي بالحادث الفلاني في الوقت الفلاني غير متغير، وإنما هو قبل حدوث الحادث كهو حال حدوثه.

وإنما جاء المضي والاستقبال من ضرورة كون الحادث زمانياً وكون كل زمان مكنوفاً بزمانين: سابق ولاحق.

فإذا نسبت العلم الأزلي إلى الزمان السابق قلت "سيعلم الله" وإذا نسبت إلى زمانه قلت "يعلم" وإذا نسبت إلى الزمان اللاحق قلت "قد علم" فجميع هذه التغيرات انبعثت من اعتباراتك، وعلم الله واحد فافهم.

أو لنميز التابع من الناكص كقوله ﴿ ليميز الله الخبيث من الطيب  ﴾ فسمي التمييز علماً لأنه أحد فوائد العلم وثمراته، أو لنرى كما تستعمل الرؤية مكان العلم.

وعن الفراء: أن حدوث العلم في الآية راجع إلى المخاطبين ومثاله: أن جاهلاً وعاقلاً اجتمعا فيقول الجاهل: الحطب يحرق النار.

ويقول العاقل: بل النار تحرق الحطب، وسنجمع بينهما لنعلم أيهما يحرق صاحبه، معناه لنعلم أينا الجاهل.

وهذا من كلام المصنف مثل ﴿ وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين  ﴾ وقوله ﴿ ممن ينقلب على عقبيه ﴾ استعارة للكفر والارتداد كأنه يرجع إلى حيث أتى ثم إن هذه المحنة حصلت بسبب تعيين القبلة.

أو بسبب تحويلها من الناس، من قال بالأول لأنه  كان يصلي إلى الكعبة، فلما جاء إلى المدينة صلى إلى بيت المقدس فشق ذلك على العرب من حيث إنه ترك قبلتهم، ثم لما تحول إلى الكعبة شق ذلك على اليهود.

والأكثرون على الثاني لأن الشبهة في أمر النسخ أعظم منها في تعيين القبلة، عن ابن جريج أنه قال: بلغني أنه رجع ناس ممن أسلم وقالوا مرة ههنا ومرة ههنا، ولو كان على يقين من أمر تغير رأيه.

وعن السدي: لما توجه إلى الكعبة اختلفوا، قال المنافقون: ما بالهم كانوا على قبلة ثم تركوها؟

وقال المسلمون: ليتنا نعلم حال إخواننا الذين ماتوا وقد صلوا نحو البيت المقدس.

وقال آخرون: اشتاق إلى بلد أبيه ومولده.

وقال المشركون: تحير في دينه.

﴿ وإن كانت لكبيرة ﴾ هي "إن" المخففة التي يلزمها اللام الفارقة بينها وبين "إن" النافية، وتتهيأ بالتخفيف للدخول على الأفعال.

لكن البصريين أوجبوا كون الفعل الذي دخلت هي عليه من باب "كان" أو "علم" ويبطل عمل "إن" في الظاهر، وكذا في التقدير، فلا يقدر ضمير الشأنّ كما يقدر في "أن" المفتوحة إذا خففت، فقوله ﴿ لكبيرة ﴾ خبر "كانت" واسمها الضمير العائد إلى القبلة لأنها هي المذكورة، أو إلى ما دل عليه الكلام السابق من التولية في ﴿ ما ولاهم ﴾ أو الجعلة، أو الردة، أو التحويلة في ﴿ وما جعلنا ﴾ ومعنى لكبيرة لثقيلة شاقة مستنكرة كقوله ﴿ كبرت كلمة تخرج من أفواههم ﴾ وذلك أن الامتحان إن وقع بنفس القبلة فالفطام عن المألوف شديد والإعراض عن طريقة الآباء والأسلاف عسير، وإن وقع بالتحويل فهو مبني على جواز النسخ وفيه ما فيه من الشبه والإشكال فيصعب اعتقاد حقيقته إلا على الذين هدى الله.

الراجع محذوف أي هداهم الله إلى الثبات على دين الإسلام بأن نصب لهم الدلائل أولاً، ثم جعلهم منتفعين بها ثانياً، وإلا فالدلالة عامة للكل ﴿ وما كان الله ليضيع إيمانكم ﴾ الخطاب للمؤمنين المعاصرين، واللام لتأكيد النفي الداخل في "كان" ينتصب المضارع بعدها بتقدير "أن" أي لن يضيع الله ثواب ثباتكم على الإيمان، وأنكم لم تزلوا ولم ترتابوا، بل شكر صنيعكم وأعدّ لكم الثواب الجزيل عن الحسن.

وقال ابن زيد: ما كان الله ليترك تحويلكم من بيت المقدس إلى الكعبة لعلمه بأن تقريركم على ذلك مفسدة لكم وإضاعة لصلواتكم، أي لثوابها.

أطلق الإيمان على الصلاة لأنها أعظم آثار الإيمان وأشرف نتائجه، أو لأن المراد لا يضيع تصديقكم بوجوب تلك الصلاة.

وعن ابن عباس: لما وجه رسول الله  إلى الكعبة قالوا: يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟

فنزلت.

وإنما خوطبوا تغليباً للأحياء مثل ﴿ وإذ قتلتم نفساً  ﴾ ﴿ وإذ فرقنا بكم البحر  ﴾ والمراد أهل ملتهم.

وليس هذا السؤال من الشك في حقية النسخ في شيء وإنما هو لأجل الاطمئنان وازدياد اليقين ولعلهم إنما خصوا السؤال بالأموات لأنهم ظنوا أنفسهم مستغنين عن ذلك حيث تقع صلاتهم إلى الكعبة بقية عمرهم مكفرة لما سلف منهم، فأجيبوا بما يخرج عنه جواب الأموات والأحياء جميعاً، فإن المنسوخ حق في وقته كما أن الناسخ حق في وقته، سواء عمل المكلف بهما في وقتيهما أو لم يعمل إلا بالمنسوخ لانقضاء أجله قبل الناسخ.

وجوز بعضهم أن يكون السؤال صادراً عن منافق فنبه الله المسلمين على الجواب.

وقيل: بل المعنى وفقتكم لقبول هذا التكليف لئلا يضيع إيمانكم، فإنهم لو ردوا هذا التكليف لكفروا.

يحكى عن الحجاج أنه قال للحسن: ما رأيك في أبي تراب؟

فقرأ قوله ﴿ إلا على الذين هدى الله ﴾ ثم قال: وعلي منهم وهو ابن عم رسول الله  وختنه على ابنته وأقرب الناس إليه وأحبهم ﴿ إن الله بالناس لرؤف رحيم ﴾ الجوهري: الرأفة أشد الرحمة.

رؤفت به أرؤف بالضم فيهما رأفة ورآفة ورأفت به أرأف بالفتح فيهما.

ورئفت به بالكسر رأفاً والصفة رؤوف ورؤف على "فعول" و "فعل" وقيل: الرحمة تقع في الكراهة للمصلحة، والرأفة لا تكاد تكون في الكراهة، وقيل: الرأفة مبالغة في رحمة خاصة هي دفع المكروه وإزالة الضرر قال ﴿ ولا تأخذكم بهما رأفةٌ  ﴾ .

والرحمة اسم جامع خصص أولاً ثم عمم.

والمراد أن الرؤف الرحيم كيف يتصور منه الإضاعة، أو كيف لا ينقلكم من شرع إلى شرع هو أصلح لكم وإنما هَدى مَنْ هَدَى لأنه بالناس رؤف رحيم، فمن كان أقبل للفيض كان الأثر عليه أظهر.

قوله عز من قائل ﴿ قد نرى ﴾ معناه كثرة الرؤية ههنا وإن كان في الأصل للتقليل قال: قد أتـرك القـرن مصفـراً أناملـه *** كأن أثـوابـه مجـت بفـرصـاد كما أن "رب" في الأصل للتقليل، ثم قد تستعمل في معنى التكثير كقوله "فإن تمس مهجور الفناء فربما".

أقام به بعد الوفود وفود.

ووجه ذلك أن المادح يستقل الشيء الكثير من المدائح لأن الكثير منها كأنه قليل بالنسبة إلى الممدوح ومثله ﴿ قد يعلم الله ﴾ فإن المتمدح بكثرة العلم يقول لا تنكر أن أعرف شيئاً من العلم.

﴿ تقلب وجهك ﴾ تردد نظرك في جهة السماء وذلك لانتظار تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة.

عن ابن عباس أنه قال النبي  : "يا جبريل وددت أن الله  صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها فقد كرهتها" .

فقال له جبريل  : أنا عبد مثلك فسل ربك ذلك.

فجعل النبي  يديم النظر إلى السماء رجاء مجيء جبريل بما سأل فنزلت.

وإنما أحب ذلك لأن اليهود كانوا يقولون: إنه يخالفنا ثم إنه يتبع قبلتنا ولولا نحن لم يدر أين يستقبل أو لأن الكعبة كانت قبلة أبيه إبراهيم ولأن ذلك أدعى للعرب إلى الإيمان لأنها مفخرتهم ومزارهم ومطافهم، ولأنه أحب أن يحصل هذا الشرف للمسجد الذي في بلدته ومنشئه، ولا يبعد أن يميل طبعه إلى شيء ثم يتمنى في قلبه إذن الله فيه.

وقيل: إنه استأذن جبريل في أن يدعو الله  فأخبره بأن الله قد أذن له في الدعاء، فكان يقلب وجهه في السماء ينتظر مجيء جبريل للإجابة.

وعن الحسن: أن جبريل أخبره بأن الله  سيحوّل القبلة عن بيت المقدس من غير تعيين للمحول إليها - ولم تكن قبلة أحب إلى رسول الله  من الكعبة - فكان ينتظر الوحي بذلك وعلى هذا فقيل: منع من استقبال بيت المقدس ولم يعين له القبلة وكان يخاف أن يدخل وقت الصلاة ولا قبلة، فلذلك كان يقلب وجهه عن الأصم.

وقيل: بل وعد بذلك.

وقبلة بيت المقدس باقية بحيث تجوز الصلاة إليها لكن لأجل الوعد كان يقلب طرفه وهذا وإلا لم تكن القبلة ناسخة للأولى بل كانت مبتدأة، لكن المفسرين أجمعوا على أنها ناسخة للأولى، لأنه لا يجوز أن يؤمر بالصلاة إلا مع بيان موضع التوجه.

واختلف في صلاته بمكة فقيل: كان يصلي إلى الكعبة فلما صار إلى المدينة أمر بالتوجه إلى بيت المقدس تسعة أشهر أو عشرة أشهر أو ثلاثة عشر أو ستة عشر أو سبعة عشر - وهو الأكثر - أو ثمانية عشر أو سنتين أقوال.

وقيل: بل كان بمكة يصلي إلى بيت المقدس إلا أنه يجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس.

واختلفوا أيضاً في أن توجه بيت المقدس هل كان فرضاً لا يجوز غيره أو كان النبي  مخيراً في توجهه إليه وإلى غيره.

فعن الربيع بن أنس أنه كان مخيراً لقوله ﴿ ولله المشرق والمغرب  ﴾ الآية.

ولما روي أن قوماً قصدوا الرسول من المدينة إلى مكة للبيعة قبل الهجرة فتوجه بعضهم في الطريق لصلاته إلى الكعبة وبعضهم إلى بيت المقدس، فلما قدموا سألوا النبي  عن ذلك فلم ينكر عليهم.

وعن ابن عباس أن ذلك كان فرضاً لقوله ﴿ فلنولينك قبلة ترضاها ﴾ فدل على أنه ما كان مخيراً بينها وبين الكعبة.

ومعنى "فلنولينك" فلنعطينك ولنمكننك من استقبالها من قولهم "وليته كذا" جعلته والياً له، أو فلنجعلنك تلي سمتها دون سمت بيت المقدس.

ترضاها تحبها وتميل إليها لأغراضك الصحيحة التي أضمرتها ووافقت مشيئة الله  وحكمته.

وعن الأصم: كل جهة وجهك الله إليها يجب أن تكون رضاً لا تسخطها كما فعل من انقلب على عقبيه.

وقيل: ترضى عاقبتها لأنك تميز بها الموافق عن المنافق.

﴿ فول وجهك ﴾ أي كل بدنك لأن الواجب على الشخص أن يستقبل القبلة بجملته لا بوجهه فقط.

وإنما خص الوجه بالذكر لأنه أشرف الأعضاء وبه تتميز الأشخاص.

وشطر المسجد الحرام أي نحوه وجهته قاله جمهور المفسرين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.

وعن بعضهم أن الشطر نصف الشيء والكعبة واقعة من المسجد في النصف من جميع الجوانب، فاختبر هذه العبارة ليعرف أن الواجب هو التوجه إلى بقعة الكعبة، وزيف بالفرق بين النصف وبين المنتصف والمكلف مأمور بالثاني دون الأول.

عن ابن عباس: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آتٍ فقال: إن النبي قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشأم فاستداروا إلى الكعبة.

وفي الموطأ: صلى رسول الله  بعد أن قدم المدينة ستة عشر شهراً نحو بيت المقدس ثم حوّلت القبلة قبل بدر بشهرين.

واختلفوا في المراد بالمسجد الحرام.

ففي شرح السنة عن ابن عباس أنه قال: البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل المشرق والمغرب، وهذا قول مالك.

وقال آخرون: القبلة هي الكعبة لما أخرج في الصحيحين عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: أخبرني أسامة بن زيد قال: لما دخل النبي  البيت دعا في نواحيه كلها ولم يصل حتى خرج منه، فلما خرج ركع ركعتين في قبل الكعبة وقال: هذه القبلة.

وقد وردت أخبار كثيرة في صرف القبلة إلى الكعبة كما قلنا في حديث ابن عمر، فاستداروا إلى الكعبة.

وقال آخرون: القبلة هي المسجد الحرام كله.

واعلم أن الواجب عند الشافعي في أظهر قوليه أن يستقبل المصلي عين الكعبة قريباً كان أو بعيداً لظاهر قوله  ﴿ وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره ﴾ ولقوله  : "هذه القبلة" مشيراً به إلى العين، ولأن تعظيم الكعبة من النبي  بلغ مبلغ التواتر.

وتوقيف صحة الصلاة وهي من أعظم شعائر الدين على استقبال عين الكعبة مما يوجب مزيد شرف الكعبة، فوجب أن يكون مشروعاً.

ولأن كون الكعبة قبلة أمر معلوم وغيره مشكوك فيه والأخذ بالمعلوم أحوط.

وأما عند أبي حنيفة ويوافقه القول الآخر للشافعي، فمحاذاة جهة الكعبة كافية لأن في استقبال عين الكعبة حرجاً عظيماً للبعيد، ولأن في ذكر المسجد الحرام دون الكعبة دلالة على أن الواجب مراعاة الجهة دون العين، ولأن الشطر الجانب واكتفى به في الآية، ولأن أهل قباء استداروا إلى الكعبة في أثناء الصلاة وفي ظلمة الليل ومن المعلوم أن مقابلة العين من المدينة إلى مكة حيث إنها تحتاج إلى النظر الدقيق لم يتأت لهم حينئذ، ثم لم ينكر النبي  عليهم وسمى مسجدهم بذي القبلتين، ولأن استقبال عين الكعبة لو كان واجباً ولا سبيل إليه إلا بالدلائل الهندسية فإنها هي المفيدة لليقين وغيرها من الأمارات لا يفيد إلا الظن، والقادر على اليقين لا يجوز له الاكتفاء بالظن وما لم يتم الواجب إلا به فهو واجب، لزم أن يكون تعلم تلك الدلائل واجباً، ولم يذهب إليه أحد والإنصاف أن القول الأول أقرب إلى التعبد، وإصابة العين للبعيد غير بعيد، فما من نقطتين في الأرض ولا في السماء إلا ويمكن أن يوصل بينهما بخط، والغرض أن يكون المصلي ساجداً على قوس عظيمة أرضية مارّة بقدميه وموضع سجوده ووسط البيت بشرط أن يكون القوس أقل من نصف الدور.

وغير عسير معرفة هذا القدر بالدائرة الهندسية وغيرها من الطرق المشهورة فيما بين أهل الهيئة وقد برهنا على كثير منها في كتبنا النجومية، وذكرها ههنا خروج عن الصناعة مع أن المتعلم لا ينتفع بها دون مقدماتها.

ولمعرفة القبلة أمارات أخر قد يستعين بها المتحير وهي: إما أرضية وهي الجبال والقرى والأنهار، أو هوائية وهي الرياح، أو سماوية وهي النجوم.

أما الأرضية والهوائية فغير مضبوطة لكن ربما يكون في الطريق جبل مرتفع يعلم أنه على يمين المستقبل أو شماله أو قدامه أو خلفه، وكذلك الرياح قد تهب في بعض النواحي من صوب معين، وأما السماوية ففي النهار لا بد أن يراعي قبل الخروج عن البلد، الشمس عند الزوال هي بين الحاجبين أم على العين اليمنى أم على اليسرى أم تميل ميلاً أكثر من ذلك، فإن الشمس في البلاد الشمالية قلما تعد وهذه المواقع.

وكذلك يراعى وقت العصر ويعرف وقت الغروب أنها تغرب عن يمين المستقبل أو هي مائلة إلى وجهه أو قفاه.

وكذلك يعرف وقت العشاء الاخرة موضع الشفق، ووقت الصبح مشرق الشمس، ويحتاط في مشرق الصيف والشتاء ومغربها.

وبالليل يستدل بالكوكب الذي يقال له "الجدي" فيعرف أنه على قفا المستقبل أو على منكبه الأيمن أو الأيسر في البلاد الشمالية من مكة وفي البلاد الجنوبية منها بخلاف ذلك.

فإذا عرف هذه الدلائل في بلده فليعول عليها في الطريق كله إلا إذا طال السفر، فحينئذ إذا انتهى إلى بلد سأل أهل البصيرة أو يراقب هذه الكواكب وهو يستقبل محراب جامع البلد ثم يستدل بها في سائر طريقه.

ومعرفة دلائل القبلة فرض على العين أم فرض على الكفاية؟

أصح الوجهين في مذهب الشافعي الأول كأركان الصلاة وشرائطها.

قوله  ﴿ وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره ﴾ ليس بتكرار لأن الأول الخطاب للرسول وهذا خطاب للأمة، أو لأن الأمة قد دخلت في الأول تبعاً.

واحتمل أيضاً أن يكون الخطاب مختصاً بأهل المدينة وفي الثاني عم المكلفين جميعاً في جميع بقاع الأرض.

واعلم أن الاستقبال يتوقف على مستقبل ومستقبل نحوه هو القبلة، ولا بد من حالة يقع فيها الاستقبال، فلنتكلم في هذه الأركان الثلاثة على الإجمال وتفصيل ذلك في كتبنا الفقهية.

الركن الأول الحالة: وهي الصلاة للإجماع على أن الاستقبال خارج الصلاة غير واجب وإن كان طاعة لقوله  "خير المجالس ما استقبل به القبلة" والصلاة إما فريضة ويتعين الاستقبال فيها إلا في حالة الخوف، وإما نافلة ويجب فيها الاستقبال إلا في حالة الخوف، وفي السفر راكباً أو ماشياً متوجهاً إلى طريقه لما روي عن ابن عمر أن النبي  كان يصلي في السفر في راحلته حيث توجهت به.

ويحكى عن أحمد خلاف في الماشي وكذا من أبي حنيفة.

وهل يجب على المتنقل أن يستقبل القبلة عند التحرم؟

الأصح نعم إن سهل بأن لم تكن مقطرة أو لا حران بها وإلا فلا، لما روي أن النبي  كان إذا سافر وأراد أن يتطوع استقبل القبلة بناقته وكبر ثم صلى حيث وجهه ركابه.

وأم عدم الاشتراط عند الصعوبة فلدفع المشقة واختلال أمر السير عليه، وأما الاستقبال عند السلام فالأصح أنه لا يشترط كما في سائر الأركان إلا الماشي فعليه الاستقبال في كل ركوع وسجود كما عليه الإتمام بخلاف الراكب فإنه لا يكلف الاستقبال فيهما ولا وضع الجبهة في السجود على السرج أو الإكاف، بل يقتصر فيهما على الإيماء ويجعل السجود أخفض.

وليس لراكب التعاسيف الذي لا مقصد له رخصة ترك الاستقبال في التنقل.

الركن الثاني القبلة: للمصلي إن وقف في جوف الكعبة وهي على هيئتها مبنية تصح صلاته فريضة كانت أو نافلة خلافاً لأحمد ومالك في الفريضة.

قيل لنا إنه صلى متوجهاً إلى بعض أجزاء الكعبة فتصح صلاته كالنافلة كما يتوجه إليها من خارج، ثم يتخير في استقبال أي جدار شاء.

ويجوز أن يستقبل الباب أيضاً إن كان مردوداً، وإن كان مفتوحاً فإن كانت العتبة قدر مؤخرة الرحل صحت صلاته وإلا فلا.

ومؤخرة الرحل ثلثا ذراع إلى ذراع تقريباً كأنهم راعوا أن يكون في سجوده يسامت بمعظم بدنه الشاخص.

وإن انهدمت الكعبة - حاشاها - وبقي موضعها عرصة فإن وقف خارجها وصلى إليها جاز لأن المتوجه إلى هواء البيت والحالة هذه متوجه نحو المسجد الحرام كمن صلى على أبي قبيس والكعبة تحته يجوز لتوجهه إلى هواء البيت.

ولو صلى في العرصة فالحكم كما لو وقف الآن على سطح الكعبة، فإن لم يكن بين يديه شاخص من نفس الكعبة قدر مؤخرة الرحل فالأصح أنه لا يجزيه خلافاً لأبي حنيفة.

وإن كان المصلي خارج الكعبة فإن كان حاضر المسجد الحرام وجب عليه لا محالة استقبال عين الكعبة بكل بدنه لأنه قادر عليه، والإمام يقف خلف المقام استحباباً، والقوم يقفون مستديرين بالبيت وإلا فصلاة الخارجين عن محاذاة الكعبة باطلة إلا عند من يرى الجهة كافية.

ولو تراخى الصف الطويل ووقفوا في آخر باب المسجد صحت صلاتهم لأن البعيد تزداد محاذاته.

يتبين ذلك إذا جعلت البيت رأس مثلث متساوي الساقين والصفوف خطوطاً موازية لقاعدته.

وإن كان خارج المسجد فإن كان يعاين القبلة سوّى محرابه بناء على العيان وصلى إليه أبداً.

ومحراب النبي  بالمدينة نازل منزلة الكعبة لأنه لا يقر على الخطأ فهو صواب قطعاً فيسوّي سائر المحاريب عليه.

وفي معنى المدينة سائر البقاع التي صلى فيها رسول الله  إذا ضبط المحراب، وكذا المحاريب المنصوبة في بلاد المسلمين.

وفي الطرق التي هي جادتهم يتعين التوجه إليها وكذلك في القرية الصغيرة التي نشأ فيها قرن من المسلمين، ولا بد من الاجتهاد في التيامن والتياسر، وأما في محراب الرسول  فلا.

ولا يجوز الاجتهاد في الجهة في شيء من محاريب المسلمين لأن الخطأ منهم في الجهة بعيد بخلاف التيامن والتياسر.

ويقال: إن عبد الله بن المبارك كان يقول بعد رجوعه من الحج: تياسروا يا أهل مرو.

الركن الثالث المستقبل: إذا قدر على اليقين بالمعاينة أو بأمارات أخر فلا يجتهد ولا يقلد وإن لم يقدر، فإن وجد من يخبره عن علم وكان المخبر ممن يعتد بقوله رجع إلى قوله ولم يجتهد أيضاً كما في الوقت إذا أخبره عدل عن طلوع الفجر يأخذ بقوله ولا يجتهد وكذلك في الحوادث إذا روى العدل خبراً يؤخذ به، وكل ذلك قبول الخبر من أهل الرواية وليس من التقليد في شيء ويشترط في المخبر أن يكون عدلاً يستوي فيه الرجل والمرأة والحر والعبد، ولا يقبل خبر الكافر بحال وكذا خبر الصبي غير المميز عند الأكثرين.

ثم الإخبار عن القبلة قد يكون صريحاً وذلك ظاهر، وقد يكون دلالة كما في نصب المحاريب في المواضع التي يعتمد عليها.

ولا فرق في لزوم الرجوع إلى الخبر بين أن يكون الشخص من أهل الاجتهاد وبين أن لا يكون.

فإن لم يجد من يخبره عن علم فإن قدر على الاجتهاد ولا يتيسر إلا بمعرفة أدلة القبلة كما عددنا اجتهد ولم يقلد كما في الأحكام الشرعية، ولو فعل يلزمه القضاء ولا فرق في وجوب الاجتهاد ههنا بين الغائب عن مكة والحاضر بها إذا حال بينه وبين الكعبة حائل أصليّ كالجبال أو حادث كالأبنية، ولو خفيت الدلائل على المجتهد بغيم أو حبس أو تعارضت، صلّى كيف اتفق لحق الوقت ويقضي.

وإن عجز عن الاجتهاد فإن لم يمكنه التعلم لعدم البصر أو لعدم البصيرة فالواجب عليه التقليد كالعامي في الأحكام، وتقليد الغير هو قبول قول المستند إلى الاجتهاد بعد أن كان المجتهد مسلماً عدلاً عارفاً بأدلة القبلة يستوي فيه الرجل والمرأة والحر والعبد.

فإن وجد مجتهدين مختلفين قلد من شاء منهما، والأحب أن يقلد الأوثق الأعلم عنده، وإن أمكنه التعلم فليس له التقليد بناء على ما مر من أن تعلم الأدلة فرض العين.

فإن قلد قضى، وإن ضاق الوقت عن التعلم صلى لحق الوقت وقضى.

ثم المجتهد إن بان له الخطأ يقيناً أو كان دليل الاجتهاد الثاني أرجح ولم يشرع بعد في الصلاة، عمل بمقتضى الثاني.

وإن بان بعد الفراغ من الصلاة فإن تيقن الخطأ قضى على الأصح، وإن ظن لم يقض.

وإن تغير الاجتهاد في أثناء الصلاة انحرف ويبني.

فهذه هي المسائل المستنبطة من الآية التي ذكرناها لأنها من أهم مهمات الدين ﴿ وإن الذين أوتوا الكتاب ﴾ يعني أحبار اليهود وعلماء النصارى لعموم اللفظ ولشمول الكتاب التوراة والإنجيل، ولكن يجب أن يكونوا أقل من عدد أهل التواتر ليصح عنهم الكتمان.

وعن السدي: أنهم اليهود خاصة، والكتاب التوراة، والضمير في أنه الحق إما للرسول أي أنه مع شرعه ونبوته حق يشمل أمر القبلة وغيرها، وإما لهذا التكليف الخاص وهو أنسب بالمقام، وذلك أن علماءهم عرفوا في كتب أنبيائهم خبر الرسول وأنه يصلي إلى القبلتين وأن الكعبة هي البيت العتيق الذي جعله الله قبلة لإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام.

وأيضاً أنهم كانوا يعلمون نبوة محمد  بالمعجزات والبشارات وكل ما أتى النبي  فهو حق، فهذا التحويل حق.

﴿ وما الله بغافلٍ عما يعملون ﴾ وعد للمتقين ووعيد للناكصين والمعاندين، ثم بين استمرار أهل الكتاب على عنادهم فقال ﴿ ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب ﴾ قيل: هم جميع اليهود والنصارى لعموم اللفظ، وقيل: هم علماؤهم المذكورون في الآية المتقدمة لأنهم وصفوا باتباع الهوى في قوله ﴿ ولئن اتبعت أهواءهم ﴾ ومجرد اعتقاد الباطل لا يكفي فيه، بل الذين بقلوبهم ثم يقولون غير الحق في الظاهر فهم المتبعون للهوى.

ونوقش فيه بأن صاحب كل شبهة صاحب هوى.

قالوا: الآيتان المكتنفتان بهذه الآية مخصوصتان بالعلماء منهم لأن الجمع العظيم لا يجوز منهم الكتمان فكذا هذه الآية.

وأجيب بأنه لا يلزم من تخصيصهما تخصيصها.

قالوا: أخبر عنهم بالإصرار والاستمرار وهذا شأن المعاند اللجوج لا دأب العامي المتحير.

وردّ بأن المقلد أيضاً قد يصر.

قالوا: الحمل على العموم يكذبه الوجود فإن كثيراً من أهل الكتاب آمن بمحمد  واتبع قبلته.

ووجه بأن المراد من قوله ﴿ ما تبعوا قبلتك ﴾ أنهم لا يجتمعون على الاتباع كقوله ﴿ ولو شاء الله لجمعهم على الهدى  ﴾ وسلب الاجتماع لا ينافي اتباع البعض ﴿ بكل آية ﴾ بكل برهان قاطع على أن التوجه إلى الكعبة هو الحق ﴿ ما تبعوا قبلتك ﴾ جواب للقسم المحذوف ساد مسد جواب الشرط واللام في ﴿ ولئن ﴾ لتوطئه القسم أي والله لئن أتيتهم بكل برهان ما اجتمعوا على قبلتك لأن فيهم من قد ترك اتباعك لا لشبهة تزيلها بإيراد الحجة بل عناداً ومكابرة مع علمهم بما في كتبهم من نعتك.

ومن خص اللفظ بالعلماء بأن صح عنده أنه لم يتبع منهم أحد قبلتنا لم يحتج إلى هذا التأويل بل يكون ما تبعوا في قوة ما تبع أحد منهم ﴿ وما أنت بتابعٍ قبلتهم ﴾ رفع لتجويز النسخ وبيان أن هذه القبلة لا تصير منسوخة بالتوجه إلى بيت المقدس حسماً لأطماع أهل الكتاب فإنهم طمعوا في رجوعه إلى قبلتهم وقالوا: لو ثبت على قبلتنا كلنا نرجو أن يكون صاحبنا الذي ننتظره.

وفيه أنه لا يجب عليه استصلاحهم باتباع قبلتهم لأن ذلك معصية.

وإنما وحد القبلة للعلم بأن لليهود قبلة وللنصارى قبلة أخرى أو لأنهما بحكم الاتحاد في البطلان واحد ﴿ وما بعضهم بتابعٍ قبلة بعض ﴾ إن حمل على الحال فالمعنى أنهم ليسوا مجتمعين على قبلة واحدة حتى يمكن رضاهم باتباعها أو أنهم مع اتفاقهم على تكذيبك متباينون في القبلة فكيف يدعونك إلى شيئين مختلفين؟

أو أنه إذا جاز أن يختلف قبلتاهما للمصلحة فلم لا يجوز أن تكون المصلحة في ثالث؟

وإن حمل على الاستقبال فالمعنى أن اليهود لا تترك قبلتهم إلى المشرق، ولا النصارى إلى المغرب، بحيث تتعطل إحدى القبلتين، لا أن اليهودي لا يصير نصرانياً أو بالعكس فإن ذلك قد وقع.

أخبر الله  عن تصلب كل حزب فيما هو فيه محقاً أو مبطلاً ﴿ ولئن اتبعت أهواءهم ﴾ كلام على سبيل الفرض والتقدير لقرينة وما أنت بتابع قبلتهم المعنى لئن اتبعت مثلاً بعد وضوح الدلائل وانكشاف جلية الأمر في باب الديانة ﴿ إنك إذاً ﴾ أي إذا اتبعت لمن المرتكبين الظلم الفاحش لأن صغائر الرجل الكبير كبائر فكيف بكبائره؟

وفيه أن ترك العمل من العلماء أقبح، وفيه لطف للنبي  فإن مزيد المحبة تقتضي التخصيص بمزيد التحذير، ولعله كان في بعض الأمور يتبع أغراضهم كترك المخاشنة في القول واستمالة قلوبهم طمعاً منه في إسلامهم ومعاضدتهم، فنهى عن ذلك القدر أيضاً وآيسه منهم بالكلية.

كقوله ﴿ ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً  ﴾ ﴿ يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم  ﴾ وفيه إشارة للأمة كالرجل الحازم يقبل على أبرّ أولاده وأصلحهم فيزجره عن شيء بحضرة سائر الأولاد والغرض زجرهم وإصلاحهم وأنه لا محالة يؤاخذون بالطريق الأولى لو خالفوه ﴿ الذين آتيناهم الكتاب ﴾ هم علماؤهم بدليل ﴿ يعرفونه ﴾ أي الرسول معرفة جلية يميزون بينه وبين غيره بالمشخصات من النعت والنسب والقبلة حسب ما وجدوه في كتبهم ﴿ كما يعرفون أبناءهم ﴾ لا يشتبه عليهم أبناؤهم وأبناء غيرهم.

"وما" مصدرية أو كافة، والغرض تشبيه عرفان شخصه بعرفان أشخاص الأبناء لا تشبيه العلم بنبوة محمد  بالعلم ببنوة الأبناء وإلا كان تشبيه المعلوم بالمظنون.

عن عمر أنه سأل عبد الله بن سلام عن رسول الله  فقال: أنا أعلم به مني يا بني.

قال: لم؟

قال: لأني لست أشك في محمد أنه نبي، فأما ولدي فلعل والدته قد خانت، فقبل عمر رأسه.

وجاز إضمار الرسول وإن لم يجز له ذكر لدلالة الكلام عليه، وفيه تفخيم لشأنه وأنه معلوم بغير إعلام، ولا يصح أن يقال: المراد بالمعرفة معرفتهم الحاصلة من قبل ظهور المعجزات على يده لأنه لا يفيد إلا كونه نبياً وهم لا ينكرون ذلك، وإنما ينكرون كونه النبي  المنعوت في كتبهم فرد الله عليه ذلك فافهم.

وإنما خص الأبناء بالذكر لأنهم أعرف وأشهر وبصحبة الآباء ألزم وبقلوبهم ألصق ولو تساويا فالذكور أولى بالذكر.

وقيل: الضمير للعلم أو القرآن أو تحويل القبلة وفي الكل تكلف ينبو عنه قوله ﴿ أبناءهم ﴾ ويباينه الحديث عن عبد الله بن سلام ولما كان من علمائهم العارفين بأحوال النبي  من آمن به وأظهر الحق وهو ما يجب القول به ويجب العمل بمقتضاه كعبد الله بن سلام وأتباعه.

قال  ﴿ وإن فريقاً منهم ﴾ يريد من سوى المسلمين المؤمنين منهم ﴿ ليكتمون الحق ﴾ الذي هو أمر محمد أو أمر القبلة ثم أكد ذلك بقوله ﴿ وهم يعلمون ﴾ فإنه لا يوصف بالكتمان إلا من علم المكتوم ﴿ الحق من ربك ﴾ يحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هو الحق، "ومن ربك" خبر بعد خبر أو حال.

وأن يكون مبتدأ خبره "من ربك".

ثم في اللام يكون وجهان: العهد والإشارة إلى الحق الذي عليه رسول الله  ، أو إلى الحق الذي في قوله ﴿ ليكتمون الحق ﴾ أو الجنس على معنى الحق ما ثبت أنه من الله كالذي أنت عليه وما سواه كما يدعيه أهل الكتاب باطل ﴿ فلا تكونن من الممترين ﴾ الشاكين في كتمانهم الحق مع علمهم أو في كون الحق من ربك.

وقد يجوز أن ينهى الشخص عما يعلم أنه منته عنه لمثل ما تقرر في قوله ﴿ ولئن اتبعت ﴾ .

﴿ ولكل ﴾ التنوين فيه عوض عن المضاف إليه، والوجهة اسم الجهة ولذلك ثبتت الواو كما قالوا "ولدة" في جمع الوليد الصبي، وإنما لا تجمع مع الهاء في المصادر، وقوله ﴿ هو ﴾ إما أن يعود إلى الكل وإما أن يعود إلى الله.

وثاني مفعولي ﴿ موليها ﴾ محذوف أي هو موليها وجهه، أو الله موليها إياه.

ثم اختلف في التفسير فقيل: المعنى ولكل أهل دين من الأديان المختلفة قبلة وجهة إما بشريعة وإما بهوى هو مستقبلها ومتوجه إليها لصلاته التي يتقرب بها إلى ربه، وكل يفرح بما هو عليه ولا يفارقه فلا سبيل إلى اجتماعكم على قبلة واحدة، ولستم تؤاخذون بفعل غيركم فإنما لهم أعمالهم ولكم أعمالكم ﴿ فاستبقوا ﴾ أنتم ﴿ الخيرات ﴾ الدنيوية وهي الشرف والفخر بقبلة إبراهيم، والأخروية وهي الثواب الجزيل المعد للمطيعين.

﴿ وأينما تكونوا ﴾ من جهات الأرض ﴿ يأت بكم الله جميعاً ﴾ في صعيد القيامة فيفصل بين المحق منكم والمبطل والمصيب والمخطئ إنه قادر على ذلك.

وقيل: إن الله  عرفنا أن كل واحدة من بيت المقدس والكعبة قبلة.

فالجهتان من الله  وهو الذي ولى وجوه عباده إليهما فاستبقوا الخيرات بالانقياد لأمره في الحالين ولا تلتفتوا إلى مطاعن السفهاء فإن الله يجمعكم وإياهم يوم القيامة فيحكم بينكم.

وقيل: ولكل قوم منكم يا أمة محمد  جهة يصلي إليها جنوبية أو شمالية أو شرقية أو غربية، فاستبقوا الفاضلات من الجهات وهي الجهات المسامتة للكعبة وإن اختلفت ﴿ أينما تكونوا ﴾ من الجهات المختلفة ﴿ يأت بكم الله جميعا ﴾ يجمعكم للجزاء ويجعل صلواتكم واحدة كأنها إلى جهة واحدة لمحاذاة الجميع الكعبة.

ولقراءة ابن عامر ﴿ مولاها ﴾ معنيان: أحدهما أن ما وليته فقد ولاك والآخر زينت له تلك الجهة وحببت إليه.

وقيل: ولكل مخلوق قبلة فقبلة المقربين العرش، وقبلة الروحانيين الكرسي، وقبلة الكروبيين البيت المعمور، وقبلة الأنبياء الذين قبلك بيت المقدس، وقبلتك أنت الكعبة، بل قبلة جسدك هي، وقبلة الأنبياء الذين قبلك بيت المقدس، وقبلتك أنت الكعبة، بل قبلة جسدك هي، وقبلة روحك أنا، وقبلتي أنت "أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي".

ثم إن الشافعي استدل بقوله ﴿ فاستبقوا الخيرات ﴾ على أن الصلاة في أول الوقت أفضل.

وعند أبي حنيفة: التأخير أفضل إحرازاً لفضيلة الانتظار ولتكثر الجماعة، ولما روي أنه  قال "أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر" وقال ابن مسعود: ما رأيت أصحاب رسول الله  حافظوا على شيء ما حافظوا على التنوير بالفجر.

وأجيب بأن الانتظار قبل مجيء الوقت لقوله  "يا علي ثلاث لا تؤخرها: الصلاة إذا أتت والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت لها كفؤاً" وأن المراد بالإسفار والتنوير هو طلوع الفجر الصادق بحيث لا يشك فيه وذلك مما لا نزاع فيه، وإنما النزاع فيما إذا تحقق دخول الوقت ثم تكاسل المكلف وتثاقل أو بغير أسباب الصلاة تشاغل.

﴿ ومن حيث خرجت ﴾ ومن أي بلد خرجت يا محمد ﴿ فولّ وجهك شطر المسجد الحرام ﴾ إذا صليت ﴿ وإنه ﴾ وإن هذا المأمور به ﴿ للحق ﴾ الذي يجب أن يقبل ويعمل به حال كونه ﴿ من ربك وما الله بغافلٍ عما يعملون ﴾ وعد للمتشاغلين ووعيد للمتغافلين.

واعلم أن أمر التولية ذكره الله  ثلاث مرات، وللعلماء في سبب التكرير أقوال: أولها: أن الآية الأولى محمولة على أن يكون المكلف حاضر المسجد الحرام، والثانية على أن يكون غائباً عنه ولكن يكون في البلد، والثالثة على أن يكون خارج البلد في أقطار الأرض، فقد يمكن أن يتوهم للقريب من التكليف ما ليس للبعيد فأزيل ذلك الوهم.

وثانيها: أنه نيط بكل واحد ما لم ينط بالآخر، وذلك أنه أكد الأول بأن أهل الكتاب يعلمون حقيته بشهادة التوراة والإنجيل، وأكد الثاني بإخبار الله  عن حقيته وكفى به شهيداً، وأتبع الثالث غرض التحويل وهو قوله ﴿ لئلا يكون للناس عليكم حجة ﴾ كما أن قوله ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ وأمثال ذلك تكرر حيث نيط بكل منها فائدة.

وثالثها: أن الآية الأولى توهم أن التحويل إنما فعل رضا للنبي  وطلباً لهواه حيث قال ﴿ فلنولينك قبلةً ترضاها ﴾ فأزيل الوهم بتكرار الأمر وتعقيبه بقوله ﴿ وإنه للحق من ربك ﴾ أي نحن ما حولناك إلى هذه القبلة بمجرد رضاك وهواك كقبلة اليهود والمنسوخة التي إنما يقيمون عليها بمجرد الهوى والتشهي، ولكنها حق من ربك بعد أنها وافقت رضاك، وفي الثالثة بيان الغرض.

ورابعها: أن الأولى لتعميم الأحوال والثانية لتعميم الأمكنة، والثالثة لتعميم الأزمنة إشعاراً بأنها لا تصير منسوخة ألبتة.

وخامسها: الزم هذه القبلة فإنها التي كنت تهواها، الزم هذه القبلة فإنها قبلة الحق لا قبلة الهوى.

الزم هذه القبلة فبها ينقطع عنك حجج العدا وهذا قريب من الثالث.

وسادسها: هذه الواقعة أولى الوقائع التي ظهر النسخ فيها في شرعنا فدعت الحاجة إلى التكرير لمزيد التأكيد والتقرير.

وسابعها: قلت: الآية الأولى مشتملة على تكليف خاص بالنبي  ﴿ فلنولينك قبلةً ترضاها فولّ وجهك شطر المسجد الحرام ﴾ ثم على تكليف عام له ولأمته ﴿ وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ﴾ والآية الثانية ﴿ ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام ﴾ لأجل تكليف أخص وهو تكليف الالتفات عما سوى الله إلى الله وهو تكليف الصدّيقين وهو سنة خليل الرحمن  ﴿ وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض  ﴾ ومما يؤيد هذا التأويل تعقيبه بقوله ﴿ وإنه للحق من ربك ﴾ لم يستظهر على هذا إلا بشهادة نفسه حيث لم يبق إلا هو وهو مقام الفناء في الله بخلاف الآية الأولى فإنها أكدت بشهادة الغير.

وأيضاً اقتصر ههنا على أمر النبي  دون الأمة لأن هذه المرتبة وهي المسجد الحرام - حرام لا يليق بكل أحد جل جناب الحق عن أن يكون شريعة لكل وارد أو يطلع عليه إلا واحد بعد واحد.

وأيضاً قدم على الآية قوله ﴿ ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات ﴾ فدل على أن المذكور بعدها مرتبة السابقين ﴿ ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله  ﴾ لما كان من المحتمل أن يظن أن التكليف الأخص ناسخ للتكليف الخاص منه والعام له ولأمته، كرر الآية الأولى بعينها ليعلم أن حكمها باقٍ بالنسبة إلى عموم المكلفين والله  أعلم بحقائق الأمور.

قوله ﴿ لئلا يكون ﴾ أي ولوا لأجل هذا الغرض.

وقال الزجاج: يتعلق بمحذوف أي عرفتكم لئلا يكون الناس عليكم حجة.

و الناس قيل للعموم، وقيل هم اليهود كانوا يطعنون بأنه يخالفنا في ديننا ويتبع قبلتنا ويقولون ما درى محمد أين يتوجه في صلاته حتى هديناه.

وقيل: هم العرب قالوا: إنه يقول أنا على دين إبراهيم، ولما ترك التوجه إلى الكعبة فقد ترك دين إبراهيم.

وإنما أطلق الحجة على قول المعاندين لأن المراد بها المحاجة، أو سماها حجة تهكماً أو طباقاً أو بناءً على معتقدهم لأنهم يسوقونها سياق الحجة.

وقد تكون الحجة باطلة قال  ﴿ حجتهم داحضة عند ربهم  ﴾ وكل كلام يقصد به غلبة الغير حجة، وعلى هذا فالاستثناء متصل.

والمراد بالذين ظلموا المعاندون من اليهود القائلون بأنه ما ترك قبلتنا إلى الكعبة إلا ميلاً إلى دين قومه وحباً لبلده، ولو كان على الحق للزم قبلة الأنبياء، أو بعض العرب القائلون بأن محمداً عاد إلى ديننا في الكعبة وسيعود إلى ديننا بالكلية.

وقيل: الاستثناء منقطع.

وقيل: "إلا" بمعنى الواو وأنشد شعر: وكــل أخٍ مفــارقــه أخــوه *** لعمــر أبيــك إلا الفـرقــدان يعني والفرقدان.

وإذا طعنوا في دينكم من غير ما سببٍ ﴿ فلا تخشوهم ﴾ فإنهم لا يضرونكم ﴿ واخشون ﴾ واحذروا عقابي إن أنتم عدلتم عما ألزمتكم وفرضت عليكم على وفق مصلحتكم، فعلى المرء أن ينصب بين عينيه في كل أفعاله وتروكه خشية الله ويقطع الرجاء والخوف عمن سواه.

قوله ﴿ ولأتم ﴾ قيل: معطوف على ﴿ لئلا ﴾ أي حوّلتكم إلى هذه القبلة لحكمتين: إحداهما انقطاع حجتهم، والثانية إتمام النعمة بحصول شرف قبلة إبراهيم.

وقيل: متعلقة محذوف معناه ولإتمامي النعمة عليكم وإرادتي اهتداءكم أمرتكم بذلك.

وقيل: معطوف على علة مقدرة كأنه قال: واخشوني لأوفقكم ولأتم نعمتي عليكم وهذا الإتمام لا ينافي ما أنزل في آخر عهد رسول الله  ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي  ﴾ فإن لله  في كل وقت نعمة على المكلفين ولها تمام بحسبها، فهذا إتمام النعمة في أمر القبلة، وذاك تمام النعمة في أمر الدين على الإطلاق وعن علي  : تمام النعمة الموت على الإسلام.

وفي الحديث "تمام النعمة دخول الجنة" ﴿ كما أرسلنا ﴾ "ما" مصدرية أو كافة.

ثم إن الجار والمجرور يتعلق بما قبله أو بما بعده.

وعلى الأول قيل: معناه ولأتم نعمتي عليكم في الدنيا بحصول الشرف وفي الآخرة بالفوز بالثواب كما أتممتها عليكم في الدنيا بإرسال الرسول، أو لأتم نعمتي ببيان الشرائع، أو أهديكم إلى الدين إجابة لدعوة إبراهيم حيث قال ﴿ ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا  ﴾ كما أرسلنا فيكم رسولاً إجابةً لدعوته حيث قال ﴿ ربنا وابعث فيهم رسولاً  ﴾ وقيل: معناه كذلك جعلناكم أمة وسطاً كما أرسلنا فيكم رسولاً، وعلى الثاني معناه كما ذكرتكم بإرسال الرسول فاذكروني أذكركم تارةً أخرى.

وفيه أن نعمه على العبد لا تنقطع، فكل نعمة سابقة فسيضم إليها أخرى لاحقة حتى يكون له الفضل أولاً وأخيراً وبدايةً ونهايةً.

وفي إرساله فيهم ومنهم أي من العرب نعمة عظيمة عليهم لما لهم فيه من الشرف، ولأن المشهور من حال العرب الأنفة الشديدة من الانقياد للغير فبعثه الله  من واسطتهم ليكونوا إلى القبول أقرب.

وكون القرآن متلواً من أعظم النعم لأنه معجزة باقية ولأنه يتلى فتتأدى به العبادات، ولأنه يتلى فتستفاد منه جميع العلوم، ولأنه يتلى فيوقف على مجامع الأخلاق الحميدة ففي تلاوته خير الدنيا والآخرة.

ومعنى التزكية وتعليم الكتاب والحكمة قد مر في دعاء إبراهيم.

وفي قوله ﴿ يعلمكم ما لم تكونوا تعلمون ﴾ تنبيه على أنه  أرسله على فترة من الرسل وجهالة من الأمر وتحير الناس في أمر الديانة، فعلمهم ما احتاجوا إليه في صلاح معاشهم ومعادهم وذلك من أعظم أنواع النعم ﴿ فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون ﴾ تكليف بأمرين: الذكر والشكر.

وقد مر ذكر الشكر في تفسير الحمد وقوله ﴿ ولا تكفرون ﴾ عطف بالواو ليعلم أن جحود النعمة منهيّ عنه كما أن الشكر مأمور به.

ولو قطع على طريقة قوله: "أقول له ارحل لا تقيمن عندنا" لأوهم أن المقصود بالذات هو الثاني والأول في حكم المنحى.

ويحتمل من حيث العربية أن تكون "لا" نافية والنون ليست للوقاية، ومحل الجملة النصب على الحال أي اشكروا لي غير جاحدين لنعمتي.

وأما الذكر فباللسان وهو أن يحمده ويسبحه ويمجده ويقرأ كتابه، أو بالقلب وهو أن يتفكر في الدلائل على ذاته وصفاته، وفي الأجوبة عن شبه الطاعنين فيها وفي الدلائل على كيفية تكاليفه وأحكامه وأوامره ونواهيه ووعده ووعيده ليعمل بمقتضاها، ثم يتفكر في أسرار المخلوقات متوصلاً من كل ذرة إلى موجدها، أو بالجوارح وهو أن تكون مستغرقة في الأعمال المأمور بها فارغة عن الأشغال المنهي عنها.

وبهذا الوجه سمى الصلاة ذكراً ﴿ فاسعوا إلى ذكر الله  ﴾ وأما ذكر الله  فلا بد أن يحمل على ما له تعلق بالثواب وإظهار الرضا واستحقاق المنزلة والإكرام فالحاصل اذكروني بطاعتي أذكركم برحمتي، اذكروني بالدعاء أذكركم بالإجابة، اذكروني في الدنيا أذكركم في الآخرة، اذكروني في الخلوات أذكركم في الفلوات، اذكروني في الرخاء أذكركم في البلاء، اذكروني بالمجاهدة أذكركم بالهداية، اذكروني بالصدق والإخلاص أذكركم بالخلاص ومزيد الاختصاص، اذكروني بالعبودية أذكركم بالربوبية، اذكروني بالفناء أذكركم بالبقاء.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ ﴾ .

قد ذكرنا أنه يخرج على الوعد له.

قوله: ﴿ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ﴾ .

قال بعض المُفْتُون: إنه كان يقلب بصره إلى السماء لما يكره أن تكون قبلته قبلة اليهود.

ولكن هذا بعيد؛ لأن مثل هذا لا يظن بأحد من المسلمين، فكيف برسول الله  ؟

إلا أن يقال: كره كراهة الطبع والنفس، وأما كراهة الاختيار، فلا يحتمل.

ويقال: إنه كان حبب إليه الصلاة حتى لا يصبر عنها، وقد نهى عن الصلاة إلى بيت المقدس، ولم يؤمر بعد التوجه إلى غيرها، فكان تقلب وجهه إلى السماء رجاء أن يؤمر بالتوجه إلى غيرها، أو أن يقال: "قبلة ترضاها"؛ لأنها كانت قبلة الأنبياء من قبل، فلا شك أنه كان يرضاها.

وهذا جائز في الكلام.

يقول الرجل لآخر: أعطيك شيئاً ترضاه، وإن لم يظهر منه الكراهية في ذلك، ولا التردد.

وقوله: ﴿ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾ .

وقد ذكرنا القول في القبلة، والاختلاف فيه فيما تقدم.

وقوله: ﴿ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ ﴾ على وجهين: أحدهما: أي علموا أن تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة حق، لكنهم يعاندون ويتبعون هواهم.

والثاني: أي علموا بما بُيِّن له في كتبهم أن محمداً رسول الله صلى الله عليه سلم، وأنه حق.

وقوله: ﴿ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾ .

وهو على ما ذكرنا أنه على الوعيد والتهديد.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ ﴾ .

في قوم علم الله أنهم لا يؤمنون ولا يتابعون محمداً  في قبلته حيث آيسه عن متابعتهم إياه؛ لأنها لو كانت في أهل الكتاب كلهم لكان لهم الاحتجاج على رسول الله  ، ودعوى الكذب عليه؛ لأن من أهل الكتاب من قد آمن.

فدل أنهم لم يفهموا من عموم اللفظ عموم المراد، ولكن فهموا من عموم اللفظ خصوصاً.

وكان ظاهراً في أهل الإسلام وأهل الكفر جميعاً المعنى الذي وصفنا لك.

فظهر أنه لا يجوز أن يفهم من مخرج عموم اللفظ عموم المراد.

وفيه دلالة إثبات رسالة محمد  ؛ لأنه في موضع الإخبار بالإياس عن الاتباع له.

ولا يوصل إلى مثله إلا بالوحي عن الله عز وجل.

وفيه أن كثرة الآيات وعظمها في نفسها لا يعجز المعاند عن اتباع هواه والاعتقاد لما يخالف هواه.

وقوله: ﴿ وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ﴾ .

فيه الوعد له بالعصمة في حادث الوقت وما يتلوه.

ويحتمل قوله: ﴿ وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ﴾ ، أي: وما لك أن تتابعهم في القبلة، وهذا التأويل كأنه أقرب لما خرج آخر الآية على الوعيد له بقوة.

وقوله: ﴿ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .

وقد ذكرنا أن العصمة لا تمنع النهي.

ويحتمل: أن يكون المراد من الخطاب غيره.

وقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾ .

لأن الأولاد إنما تعرف بالأعلام وأسباب تتقدم، فعلى ذلك معرفة الرسل، عليهم السلام، إنما تكون بالدلائل والأعلام، وقد كانت تلك الدلائل والأسباب في رسول الله ظاهرة، لكنهم تعاندوا وتناكروا وكتموا بعد معرفتهم به أنه الحق، دليله قوله: ﴿ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ .

والكتمان أبداً إنما يكون بعد العلم بالشيء؛ لأن الجاهل بالشيء لا يوصف بالكتمان.

وروي عن عبد الله بن سلام، أنه قال: أعرفه أكثر مما أعرف ولدي؛ لأني لا أدري ما أحدث النساء بعدي.

وفيه الدلالة أن نعته وصفته كانت غير مغيرة يومئذ، وإنما غيرت بعد حيث أخبر أنهم كتموا ذلك.

وقيل: ﴿ لاَّ يَعْلَمُونَ  ﴾ : لا يؤمنون؛ وهو على ما بينا من نفي بذهاب نفعه، وجائز أن يكونوا عرفوه بما وجدوه بنعته في كتبهم، كما قال الله عز وجل: ﴿ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلأَغْلاَلَ ٱلَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ ﴾ .

يحتمل: أن يكون الخطاب له والمراد غيره.

ويحتمل: هو، وإن كان يعلم أنه لا يمتري؛ لما ذكرنا في غير موضع أن العصمة لا تمنع النهي عن الشيء.

وقوله: ﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ﴾ .

قيل فيه بوجوه: قيل: "هو موليها" [يعني الله موليها] ومحولها.

وقيل: "هو" يعني المصلي، هو موليها.

وقيل: ولى - أقبل وأدبر - ﴿ هُوَ مُوَلِّيهَا ﴾ هو مستقبلها.

ويقال في قوله: ﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ﴾ لكل ملة من المسلمين قبلكم جعلت قبلتها الكعبة.

وقوله: ﴿ فَٱسْتَبِقُواْ ٱلْخَيْرَاتِ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: قيل: بادروا الأمم السالفة بالخيرات والطاعات.

وقيل: ﴿ فَٱسْتَبِقُواْ ﴾ هو اسم الازدحام، يقول: يبادر بعضكم بعضاً بالخيرات.

ويحتمل: أي استبقوا في أمر القبلة والتوجه إليها غيركم من الكفرة.

والله ورسوله أعلم.

وقوله: ﴿ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعاً ﴾ .

قيل: إينما كنتم يقبض الله أرواحكم من البقاع البعيدة والأمكنة الحصينة.

وقيل: ﴿ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ ﴾ أي في أي حال كنتم - عظاماً ناخرة أو بالية أو رفاتاً - يجمعكم الله ويحييكم، ولا يتعذر عليه ذلك، وهو كقوله: ﴿ وَقَالُوۤاْ أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً  قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً  أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ ٱلَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ  ﴾ ، أخبر أن شدة الحال عندكم لا يتعذر عليه، ولا يشتد من الإحياء والإماتة.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .

من جمع ما ذكرنا من الأشياء المتفرقة وإحياء العظام البالية.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

واللهِ لئن جئتَ -أيها النبي- الذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى مصحوبًا بكل آية وبرهان على أن تحويل القبلة حق؛ ما توجهوا إلى قبلتك عنادًا لما جئت به، وتكبرًا عن اتباع الحق، وما أنت بمتوجه إلى قبلتهم بعد أن صرفك الله عنها، وما بعضهم بمتوجه إلى قبلة بعضهم؛ لأن كلا منهم يكفِّر الفريق الآخر، ولئن اتبعت أهواء هؤلاء في شأن القبلة وغيرها من الشرائع والأحكام من بعد ما جاءك من العلم الصحيح الَّذي لا مرية فيه؛ إنك حينئذ لمن الظالمين بترك الهدى، واتباع الهوى.

وهذا الخطاب للنبي  للدلالة على شناعة متابعتهم، وإلا فإن الله قد عصم نبيه من ذلك، فهو تحذير لأمته من بعده.

من فوائد الآيات أن الاعتراض على أحكام الله وشرعه والتغافل عن مقاصدها دليل على السَّفَه وقلَّة العقل.

فضلُ هذه الأمة وشرفها، حيث أثنى عليها الله ووصفها بالوسطية بين سائر الأمم.

التحذير من متابعة أهل الكتاب في أهوائهم؛ لأنهم أعرضوا عن الحق بعد معرفته.

جواز نَسْخِ الأحكام الشرعية في الإسلام زمن نزول الوحي، حيث نُسِخَ التوجه إلى بيت المقدس، وصار إلى المسجد الحرام.

<div class="verse-tafsir" id="91.K3dXe"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

قالوا كان النبي  يتشوف لتحويل القبلة من بيت المقدس ويرجوه، بل قال (الجلال) إنه كان ينتظره، لأن الكعبة قبلة أبيه إبراهيم والتوجه إليها أدعى إلى إيمان العرب، أي وعلى العرب المعول في ظهور هذا الدين العام، لأنهم كانوا أكمل استعدادًا له من جميع الأنام ..

ولا يعد في تشوفه إلى قبلة إبراهيم، وقد جاء بإحياء ملته، وتجديد دعوته، لا يعد هذا من الرغبة عن أمر الله تعالى إلى هوى نفسه، كلا إن هوى الأنبياء لا يعدو أمر الله تعالى وموافقة رضوانه.

ولو كان لأحد منهم هوى ورغبة في أمر مباح مثلًا وأمره الله بخلافه لانقلبت رغبته فيه إلى الرغبة عنه إلى ما أمر الله تعالى به ورضيه، بل المقام أدق، والسر أخفى، إن روح النبي منطوية على الدين في جملته من قبل أن ينزل عليه الوحي بتفصيل مسائله، فهي تشعر بصفائها وإشراقها بحاجة الأمة التي بعث فيها شعورًا إجماليًا كليًا لا يكاد يتجلى في جزئيات المسائل وآحاد الأحكام إلا عند شدة الحاجة إليها، والاستعداد لتشريعها، عند ذلك يتوجه قلب النبي إلى ربه طالبًا بلسان استعداده بيان ما يشعر به مجملًا، وإيضاح ما يلوح له مبهمًا، فينزل الروح الأمين على قلبه، ويخاطبه بلسان قومه عن ربه، وهكذا الوحي إمداد، في موطن استعداد، لا كسب فيه للعباد، وإذا كان حكم شرع لسبب مؤقت، وزمن في علم الله معين، فإن روح النبي تشعر بذلك في الجملة، فإذا تم الميقات، وأزف وقت الرقي إلى ما هو آت، وجدت من الشعور بالحاجة إلى النسخ ما يوجهها إلى الشارع العليم، والديان الحكيم، كما كان يتقلب وجه نبينا في السماء تشوقًا إلى تحويل القبلة فذلك قوله تعالى ﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ  ﴾ أي أننا نرى تقلب وجهك أيها الرسول وتردده المرة بعد المرة في السماء، مصدر الوحي وقبلة الدعاء، انتظارًا لما ترجوه من نزول الأمر بتحويل القبلة.

فسّر بعضهم تقلب الوجه بالدعاء، وحقيقة الدعاء هي شعور القلب بالحاجة إلى عناية الله تعالى فيما يطلب، وصدق التوجه إليه فيما يرغب، ولا يتوقف على تحريك اللسان بالألفاظ، فإن الله ينظر إلى القلوب وما أسرت فإن وافقتها الألسنة فهي تبع لها، وإلا كان الدعاء لغوًا يبغضه الله تعالى، فالدعاء الديني لا يتحقق إلا بإحساس الداعي بالحاجة إلى عناية الله تعالى، وعن هذا الإحساس يعبر اللسان بالضراعة والابتهال، فهذا التفسير ليس بأجنبي من سابقه.

فتقلب الوجه في السماء عبارة عن التوجه إلى الله تعالى انتظارًا لما كانت تشعر به روح النبي  وترجوه من نزول الوحي بتحويل القبلة.

ولا تدل الآية على أنه كان يدعو بلسانه طالبًا هذا التحويل ولا تنفي ذلك.

وقال بعض المحققين: من كمال أدبه  أنه انتظر ولم يسأل، وهذا التوجه هو الذي يحبه الله تعالى ويهدي قلب صاحبه إلى ما يرجوه ويطلبه لذلك قال  ﴿ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا  ﴾ أي فلنجعلنك متوليًا قبلة تحبها وترضاها، وقرن الوعد بالأمر فقال ﴿ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ  ﴾ .

تولية الوجه المكان أو الشيء هي جعله قبالته وأمامه، والتولي عنه جعله وراءه.

والشطر في الأصل القسم المنفصل من الشيء تقول جعله شطرين ومنه شطر البيت من الشعر وهو المصراع منه، وكذا المتصل كشطري الناقة وأشطرها وهي أخلافها: شطران أماميان وشطران خلفيان.

ويطلق على النحو والجهة وهو المراد هنا، فالواجب استقبال جهة الكعبة في حال البعد عنها وعدم رؤيتها ولا يجب استقبال عينها إلا على من يراها بعينه، أو يلمسها بيده أو بدنه.

فإن صح إطلاق الشطر على عين الشيء في اللغة فلا يصح أن يراد هنا لما فيه من الحرج الشديد لا سيما على الأمة الأمية.

ثم أمر بذلك المؤمنين عامة فقال ﴿ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ  ﴾ أي وفي أي مكان كنتم فاستقبلوا جهته بوجوهكم في صلاتكم، وهذا يقتضي أن يصلي المسلمون في بقاع الأرض إلى جميع الجهات لا كالنصارى الذين يلتزمون جهة المشرق، ويقتضي أن يعرفوا موقع البيت الحرام وجهته حيثما كانوا ولذلك وضعوا علم سمت القبلة وتقويم البلدان (الجغرافية الفلكية والأرضية).

وقد عهد من أسلوب القرآن أن يكون الأمر يؤمر به النبي، أمرًا له وللمؤمنين به، فإذا أريد التخصيص جيء بما يدل عليه كقوله تعالى ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ  ﴾ وقوله ﴿ خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ  ﴾ ، وإنما أمر الله المؤمنين في هذه الآية بما أمر به النبي فيها نصًا صريحًا للتأكيد الذي اقتضته الحال في حادثة القبلة، فإنها كانت حادثة كبيرة استتبعت فتنة عظيمة، فأراد الله أن يعلم المؤمنين بعنايته بها ويقررها في أنفسهم، فأكد الأمر بها وشرفهم بالخطاب مع خطاب الرسول  لتشتد قلوبهم وتطمئن نفوسهم، ويتلقوا تلك الفتنة التي أثارها المنافقون والكافرون بالحزم والثبات على الاتباع ولئلا يتوهم من سابق الكلام أنه خاص به  .

بعد هذا عاد إلى بيان حال السفهاء مثيري الفتنة في مسألة تحويل القبلة فقال ﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ  ﴾ أي أن تولي المسجد الحرام هو الحق المنزل من الله على نبيه.

وجمهور المفسرين على أن أكثر أولئك الفاتنين كانوا من أهل الكتاب المقيمين في الحجاز، ولولا ذلك لم تكن الفتنة عظيمة، لأن كلام المشركين في مسائل الوحي والتشريع قلما يلتفت إليه، وأما أهل الكتاب فقد كانوا معروفين بين العرب بالعلم، ومن كان كذلك فإن عامة الناس تتقبل كلامه، ولو نطق بالمحال، لأن الثقة بمظهره تصد عن تمحيص خبره، فهو في حاله الظاهرة شبهة إذا أنكر وحجة إذا اعترف، ولأن الجماهير من الناس قد اعتادوا تقليد مثله من غير بحث ولا دليل.

وقد جرى أصحاب المظاهر العلمية والدينية على الانتفاع بغرور الناس بهم، فصار الغرض لهم من أقوالهم التأثير في نفوس الناس، فهو يقولون ما لا يعتقدون لأجل ذلك ويسندون ما يقولون إلى كتبهم كذبًا صريحًا أو تأويلًا بعيدًا، كما كان أحبار اليهود يطعنون في النبي  وما جاء به ويذكرون للناس أقوالًا على أنها من كتبهم وما هي من كتبهم، إن يريدون إلا خداعًا، وقد كذب الله هؤلاء الخادعين، وبيّن أنهم يقولون غير ما يعتقدون، كأنه يقول إن هؤلاء قد قام عندهم الدليل على ما سبقت به بشارة أنبيائهم من صحة نبوة الرسول ويعلمون أن أمر القبلة كغيرها من أمور الدين ما جاء به الوحي عن الله تعالى وأنه الحق لا محيص عنه، لا مكان معين بذاته، لذاته، ﴿ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ  ﴾ فهو المطلع على الظواهر والضمائر، الحسيب على ما في السرائر، الرقيب على الأعمال، فيخبر نبيه بما شاء أن يخبره وإليه المرجع والمصير وعليه الحساب والجزاء، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي ﴿ تَعْمَلُونَ  ﴾ بالتاء للخطاب: سبق القول بأن النبي  كان حريصًا على هداية أهل الكتاب راجيًا بإيمانهم ما لا يرجوه من إيمان المشركين، فبمقدار حرصه ورجائه كان يحزنه عروض الشُّبه لهم في الدين، ويتمنى لو أعطي من الآيات والدلائل ما يمحو كل شبهة لهم، فلما كانت فتنة تحويل القبلة بمخادعتهم الناس أخبره الله تعالى بأنهم غير مشتبهين في الحق فتزال شبهتهم، وإنما هم قوم معاندون جاحدون على علم، ثم أعلمه بأن الآيات لا تؤثر في المعاند ولا ترجع الجاحد عن غيه، فقال: ﴿ وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ  ﴾ أي وتالله لئن جئتهم بكل آية على نبوتك وكل حجة على صدقك، ما تبعوا قبلتك فضلًا عن ملتك فلا يحزنك قولهم ولا إعراضهم، ولا تحسبن الآيات والدلائل مقنعة أو صارفة لهم عن عنادهم، فهم قوم مقلدون لا نظر لهم ولا استدلال، وكما أيأسه من اتباعهم قبلته أيأسهم من اتباعه قبلتهم فقال ﴿ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ  ﴾ فإنك الآن على قبلة إبراهيم الَذي يجلونه جميعًا ولا يختلف في حقيقة ملته أحد منهم، فهي الأجدر بالاجتماع عليها، وترك الخلاف إليها، فإذا كان أتباع إبراهيم لا يزحزحهم عن تعصبهم لما ألفوا، وعنادهم فيما اختلفوا، وإذا كان التقليد يحول بينهم وبين النظر في حقيقة معنى القبلة، وكون الجهات كلها لله تعالى، وأن الفائدة فيها الاجتماع دون الافتراق، فأي دليل أم آية ترجعهم عن قبلتهم؟

وأي فائدة ترجى من موافقتك إياهم عليها؟

ألم تر كيف اختلفوا هم في القبلة فجعل النصارى لهم قبلة غير قبلة اليهود التي كان عليها عيسى بعد موسى ﴿ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ  ﴾ لأن كلًا منهم قد جمد بالتقليد على ما هو عليه، والمقلد لا ينظر في آية ولا دليل، ولا في فائدة ما هو فيه والمقارنة بينه وبين غيره، فهو أعمى لا يبصر، أصم لا يسمع، أغلف القلب لا يعقل ﴿ وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنْ الظَّالِمِينَ  ﴾ .

هذا الخطاب بهذا الوعيد لأعلى الناس مقامًا عند الله تعالى هو أشد وعيد لغيره ممن يتبع الهوى ويحاول استرضاء الناس بمجاراتهم على ما هم عليه من الباطل، فإنه أفرده بالخطاب مع أن المراد به أمته، إذ يستحيل أن يتبع هو أهواءهم أو أن يجاريهم على شيء نهاه الله تعالى عنه، لينتبه الغافل ويعلم المؤمنون أن اتباع أهواء الناس في مهاوي الباطل، كأنه يقول إن هذا ذنب عظيم لا يتسامح فيه مع أحد حتى لو فرض وقوعه من أكرم الناس على الله تعالى لسجل عليه الظلم، وجعله من أهله الذين صار وصفًا لازمًا لهم ﴿ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ  ﴾ فكيف حال من ليس له ما يقارب من مكانته عند ربه  ؟

نقرأ هذا التشديد والوعيد، ونسمعه من القارئين، ولا نزدجر عن اتباع أهواء الناس ومجاراتهم على بدعهم وضلالاتهم، حتى إنك ترى الذين يشكون من هذه البدع والأهواء ويعترفون ببعدها عن الدين يجارون أهلها عليها، ويمازحونهم فيها، وإذا قيل لهم في ذلك قالوا ماذا نعمل؟

ما في اليد حيلة.

العامة عمي.

آخر زمان.

وأمثال هذه الكلمات هي جيوش الباطل تؤيده وتمكنه في الأرض، حتى يحل بأهله البلاء ويكونوا من الهالكين.

﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ  ﴾ ذكر في الآية السابقة أن الذين أوتوا الكتاب يعلمون أن ما جاء به النبي في أمر القبلة هو الحق من ربهم ولكنهم ينكرون ويمكرون، وذكر في هذه ما هو الأصل والعلة في ذلك العلم، وذلك الإنكار وهو أنهم يعرفون النبي  بما في كتبهم من البشارة به ومن نعوته وصفاته التي لا تنطبق على غيره، وبما ظهر من آياته وآثار هدايته، كما يعرفون أبناءهم الذين يتولون تربيتهم وحياطتهم حتى لا يفوتهم من أمرهم شيء.

قال عبد الله بن سلام  وكان من علماء اليهود وأحبارهم: أنا أعلم به مني بابني؟

فقال له عمر  : لم؟

قال: لأني لست أشك في محمد أنه نبي، فأما ولدي فلعل والدته خانت.

فقد اعترف من هداه الله من أحبارهم كهذا العالم الجليل وتميم الداري من علماء النصارى أنهم عرفوه  معرفة لا يتطرق إليها الشك ﴿ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ  ﴾ أنه الحق الذي لا مرية فيه، فماذا يرجى منهم بعد هذا؟

وذهب بعض المفسرين إلى أن الضمير في ﴿ يعْرِفُونَهُ  ﴾ لما ذكر من أمر القبلة، واستبعدوا عوده إلى الرسول مع تقدم ذكره في الآيات، ومع ما يعهد من الاكتفاء بالقرائن في مثل هذا التعبير.

وقد أسند هذا الكتمان إلى فريق منهم إذا لم يكونوا كلهم كذلك، فإن منهم من اعترف بالحق وآمن واهتدى به، ومنهم من كان يجحده عن جهل ولو علم به لجاز أن يقبله، وهذا من دقة حكم القرآن على الأمم بالعدل.

ثم قال عز شأنه: ﴿ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنْ المُمْتَرِينَ  ﴾ الامتراء الشك والتردد وإنما يعرض لمن لا يعرفون الحق.

والمعنى أن هذا الذي أنت عليه أيها الرسول هو الحق -أو أن جنس الحق في الدين هو الوحي- من عند ربك المعتني بسأنك، فلا تلتفت إلى أوهام هؤلاء الجاحدين، فإنها لا تصلح شبهة على الحق الصريح الذي علمك الله فتمتري به والنهي في هذه الآية كالوعيد في الآية السابقة وجه الخطاب به إلى النبي  والمراد أمته من كان منهم غير راسخ في الإيمان، وخشي عليه الاغترار بمظاهر أولئك المخادعين الذين يغتر بأمثالهم الأغرار في كل زمان ومكان، ولذلك ارتد بفتنة القبلة بعض ضعفاء الإيمان.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده