الآية ١٤٣ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٤٣ من سورة البقرة

وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةًۭ وَسَطًۭا لِّتَكُونُوا۟ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًۭا ۗ وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِى كُنتَ عَلَيْهَآ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ ۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌۭ رَّحِيمٌۭ ١٤٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 305 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٤٣ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٤٣ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله تعالى : ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ) يقول تعالى : إنما حولناكم إلى قبلة إبراهيم ، عليه السلام ، واخترناها لكم لنجعلكم خيار الأمم ، لتكونوا يوم القيامة شهداء على الأمم ; لأن الجميع معترفون لكم بالفضل .

والوسط هاهنا : الخيار والأجود ، كما يقال : قريش أوسط العرب نسبا ودارا ، أي : خيرها .

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وسطا في قومه ، أي : أشرفهم نسبا ، ومنه الصلاة الوسطى ، التي هي أفضل الصلوات ، وهي العصر ، كما ثبت في الصحاح وغيرها ، ولما جعل الله هذه الأمة وسطا خصها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح المذاهب ، كما قال تعالى : ( هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس ) [ الحج : 78 ] وقال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يدعى نوح يوم القيامة فيقال له : هل بلغت ؟

فيقول : نعم .

فيدعى قومه فيقال لهم : هل بلغكم ؟

فيقولون : ما أتانا من نذير وما أتانا من أحد ، فيقال لنوح : من يشهد لك ؟

فيقول : محمد وأمته " قال : فذلك قوله : ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) .

قال : الوسط : العدل ، فتدعون ، فتشهدون له بالبلاغ ، ثم أشهد عليكم .

رواه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه من طرق عن الأعمش ، [ به ] .

وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يجيء النبي يوم القيامة [ ومعه الرجل والنبي ] ومعه الرجلان وأكثر من ذلك فيدعى قومه ، فيقال [ لهم ] هل بلغكم هذا ؟

فيقولون : لا .

فيقال له : هل بلغت قومك ؟

فيقول : نعم .

فيقال [ له ] من يشهد لك ؟

فيقول : محمد وأمته .

فيدعى بمحمد وأمته ، فيقال لهم : هل بلغ هذا قومه ؟

فيقولون : نعم .

فيقال : وما علمكم ؟

فيقولون : جاءنا نبينا صلى الله عليه وسلم فأخبرنا أن الرسل قد بلغوا " فذلك قوله عز وجل : ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال : " عدلا ( لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ) " .

وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي سعيد الخدري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) قال : " عدلا " .

وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه وابن أبي حاتم من حديث عبد الواحد بن زياد ، عن أبي مالك الأشجعي ، عن المغيرة بن عتيبة بن نهاس : حدثني مكتب لنا عن جابر بن عبد الله ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " أنا وأمتي يوم القيامة على كوم مشرفين على الخلائق .

ما من الناس أحد إلا ود أنه منا .

وما من نبي كذبه قومه إلا ونحن نشهد أنه قد بلغ رسالة ربه ، عز وجل " .

وروى الحاكم ، في مستدركه وابن مردويه أيضا ، واللفظ له ، من حديث مصعب بن ثابت ، عن محمد بن كعب القرظي ، عن جابر بن عبد الله ، قال : شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم جنازة ، في بني سلمة ، وكنت إلى جانب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال بعضهم : والله يا رسول الله لنعم المرء كان ، لقد كان عفيفا مسلما وكان .

.

.

وأثنوا عليه خيرا .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنت بما تقول " .

فقال الرجل : الله أعلم بالسرائر ، فأما الذي بدا لنا منه فذاك .

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " وجبت " .

ثم شهد جنازة في بني حارثة ، وكنت إلى جانب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال بعضهم : يا رسول الله ، بئس المرء كان ، إن كان لفظا غليظا ، فأثنوا عليه شرا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبعضهم : " أنت بالذي تقول " .

فقال الرجل : الله أعلم بالسرائر ، فأما الذي بدا لنا منه فذاك .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " وجبت " .

قال مصعب بن ثابت : فقال لنا عند ذلك محمد بن كعب : صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قرأ : ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ) ثم قال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه .

وقال الإمام أحمد : حدثنا يونس بن محمد ، حدثنا داود بن أبي الفرات ، عن عبد الله بن بريدة ، عن أبي الأسود أنه قال : أتيت المدينة فوافقتها ، وقد وقع بها مرض ، فهم يموتون موتا ذريعا .

فجلست إلى عمر بن الخطاب ، فمرت به جنازة ، فأثني على صاحبها خير .

فقال : وجبت وجبت .

ثم مر بأخرى فأثني عليها شر ، فقال عمر : وجبت [ وجبت ] .

فقال أبو الأسود : ما وجبت يا أمير المؤمنين ؟

قال : قلت : كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة " .

قال : فقلنا .

وثلاثة ؟

قال : " وثلاثة " .

قال ، فقلنا : واثنان ؟

قال : " واثنان " ثم لم نسأله عن الواحد .

وكذا رواه البخاري ، والترمذي ، والنسائي من حديث داود بن أبي الفرات ، به .

قال ابن مردويه : حدثنا أحمد بن عثمان بن يحيى ، حدثنا أبو قلابة الرقاشي ، حدثني أبو الوليد ، حدثنا نافع بن عمر ، حدثني أمية بن صفوان ، عن أبي بكر بن أبي زهير الثقفي ، عن أبيه ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنباوة يقول : " يوشك أن تعلموا خياركم من شراركم " قالوا : بم يا رسول الله ؟

قال : " بالثناء الحسن والثناء السيئ ، أنتم شهداء الله في الأرض " .

ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن يزيد بن هارون .

ورواه الإمام أحمد ، عن يزيد بن هارون ، وعبد الملك بن عمر وشريح ، عن نافع عن ابن عمر ، به .

وقوله تعالى : ( وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله ) يقول تعالى : إنما شرعنا لك يا محمد التوجه أولا إلى بيت المقدس ، ثم صرفناك عنها إلى الكعبة ، ليظهر حال من يتبعك ويطيعك ويستقبل معك حيثما توجهت ممن ينقلب على عقبيه ، أي : مرتدا عن دينه ( وإن كانت لكبيرة ) أي : هذه الفعلة ، وهو صرف التوجه عن بيت المقدس إلى الكعبة ، أي : وإن كان هذا الأمر عظيما في النفوس ، إلا على الذين هدى الله قلوبهم ، وأيقنوا بتصديق الرسول ، وأن كل ما جاء به فهو الحق الذي لا مرية فيه ، وأن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، فله أن يكلف عباده بما شاء ، وينسخ ما يشاء ، وله الحكمة التامة والحجة البالغة في جميع ذلك ، بخلاف الذين في قلوبهم مرض ، فإنه كلما حدث أمر أحدث لهم شكا ، كما يحصل للذين آمنوا إيقان وتصديق ، كما قال الله تعالى : ( وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم ) [ التوبة : 124 ، 125 ] وقال تعالى : ( قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى ) [ فصلت : 44 ] وقال تعالى : ( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ) [ الإسراء : 82 ] .

ولهذا كان من ثبت على تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم واتباعه في ذلك ، وتوجه حيث أمره الله من غير شك ولا ريب ، من سادات الصحابة .

وقد ذهب بعضهم إلى أن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار هم الذين صلوا القبلتين .

وقال البخاري في تفسير هذه الآية : حدثنا مسدد ، حدثنا يحيى ، عن سفيان ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر قال : بينا الناس يصلون الصبح في مسجد قباء إذ جاء رجل فقال : قد أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم قرآن ، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها .

فتوجهوا إلى الكعبة .

وقد رواه مسلم من وجه آخر ، عن ابن عمر .

ورواه الترمذي من حديث سفيان الثوري وعنده : أنهم كانوا ركوعا ، فاستداروا كما هم إلى الكعبة ، وهم ركوع .

وكذا رواه مسلم من حديث حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس ، مثله ، وهذا يدل على كمال طاعتهم لله ورسوله ، وانقيادهم لأوامر الله عز وجل ، رضي الله عنهم أجمعين .

وقوله : ( وما كان الله ليضيع إيمانكم ) أي : صلاتكم إلى بيت المقدس قبل ذلك لا يضيع ثوابها عند الله ، وفي الصحيح من حديث أبي إسحاق السبيعي ، عن البراء ، قال : مات قوم كانوا يصلون نحو بيت المقدس فقال الناس : ما حالهم في ذلك ؟

فأنزل الله تعالى : ( وما كان الله ليضيع إيمانكم ) .

[ ورواه الترمذي عن ابن عباس وصححه ] .

وقال ابن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ( وما كان الله ليضيع إيمانكم ) أي : بالقبلة الأولى ، وتصديقكم نبيكم ، واتباعه إلى القبلة الأخرى .

أي : ليعطيكم أجرهما جميعا .

( إن الله بالناس لرءوف رحيم ) وقال الحسن البصري : ( وما كان الله ليضيع إيمانكم ) أي : ما كان الله ليضيع محمدا صلى الله عليه وسلم وانصرافكم معه حيث انصرف ( إن الله بالناس لرءوف رحيم ) وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى امرأة من السبي قد فرق بينها وبين ولدها ، فجعلت كلما وجدت صبيا من السبي أخذته فألصقته بصدرها ، وهي تدور على ولدها ، فلما وجدته ضمته إليها وألقمته ثديها .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أترون هذه طارحة ولدها في النار ، وهي تقدر على ألا تطرحه ؟

" قالوا : لا يا رسول الله .

قال : " فوالله ، لله أرحم بعباده من هذه بولدها " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وكذلك جعلناكم أمة وسطا يعني جل ثناؤه بقوله : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } كما هديناكم أيها المؤمنون بمحمد عليه الصلاة والسلام , وبما جاءكم به من عند الله , فخصصناكم التوفيق لقبلة إبراهيم وملته , وفضلناكم بذلك على من سواكم من أهل الملل ; كذلك خصصناكم ففضلناكم على غيركم من أهل الأديان بأن جعلناكم أمة وسطا .

وقد بينا أن الأمة هي القرن من الناس والصنف منهم وغيرهم .

وأما الوسط فإنه في كلام العرب : الخيار , يقال منه : فلان وسط الحسب في قومه : أي متوسط الحسب , إذا أرادوا بذلك الرفع في حسبه , وهو وسط في قومه وواسط , كما يقال شاة يابسة اللبن , ويبسة اللبن , وكما قال جل ثناؤه : { فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا } 20 77 وقال زهير بن أبي سلمى في الوسط : هم وسط يرضى الأنام بحكمهم إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم قال : وأنا أرى أن الوسط في هذا الموضع هو الوسط الذي بمعنى الجزء الذي هو بين الطرفين , مثل " وسط الدار " , محرك الوسط مثقله , غير جائز في سينه التخفيف .

وأرى أن الله تعالى ذكره إنما وصفهم بأنهم وسط لتوسطهم في الدين فلا هم أهل غلو فيه غلو النصارى الذين غلوا بالترهب وقيلهم في عيسى ما قالوا فيه , ولا هم أهل تقصير فيه تقصير اليهود الذين بدلوا كتاب الله وقتلوا أنبياءهم وكذبوا على ربهم وكفروا به ; ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه , فوصفهم الله بذلك , إذ كان أحب الأمور إلى الله أوسطها .

وأما التأويل فإنه جاء بأن الوسط العدل , وذلك معنى الديار لأن الخيار من الناس عدولهم .

ذكر من قال : الوسط العدل .

1789 - حدثنا سالم بن جنادة ويعقوب بن إبراهيم , قالا : ثنا حفص بن غياث , عن الأعمش , عن أبي صالح عن أبي سعيد , عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } قال : " عدولا " * - حدثنا مجاهد بن موسى ومحمد بن بشار , قالا : ثنا جعفر بن عون , عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد , عن النبي صلى الله عليه وسلم , مثله .

1790 - حدثنا محمد بن بشار قال : ثنا مؤمل , قال : ثنا سفيان عن الأعمش عن أبي صالح , عن أبي سعيد الخدري : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } قال : " عدولا " .

1791 - حدثني علي بن عيسى , قال : ثنا سعيد بن سليمان , عن حفص بن غياث , عن أبي صالح , عن أبي هريرة , عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : { جعلناكم أمة وسطا } قال : " عدولا " .

1792 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن يمان , عن أشعث , عن جعفر , عن سعيد : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } قال : عدولا .

1793 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قول الله عز وجل : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } قال : عدولا .

* - حدثني المثنى , قال : ثنا حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد مثله .

1794 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة قوله : { أمة وسطا } قال : عدولا .

1795 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة في قوله : { أمة وسطا } قال : عدولا .

1796 - حدثنا المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع في قوله : { أمة وسطا } قال : عدولا .

1797 - حدثني محمد بن سعد , قال : حدثني أبي , قال : حدثني عمي , قال : حدثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } يقول : جعلكم أمة عدولا .

1798 - حدثني المثنى , قال : ثنا سويد بن نصر , قال : أخبرنا ابن المبارك , عن راشد بن سعد , قال : أخبرنا ابن العم المعافري عن حبان بن أبي جبلة بسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } قال : " الوسط : العدل " .

1799 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , عن عطاء مجاهد وعبد الله بن كثير : { أمة وسطا } قالوا : عدولا , قال مجاهد : عدولا .

1800 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } قال : هم وسط بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين الأمم .لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا القول في تأويل قوله تعالى : { لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } والشهداء جمع شهيد .

فمعنى ذلك : وكذلك جعلناكم أمة وسطا عدولا [ لتكونوا ] شهداء لأنبيائي ورسلي على أممها بالبلاغ أنها قد بلغت ما أمرت ببلاغه من رسالاتي إلى أممها , ويكون رسولي محمد صلى الله عليه وسلم شهيدا عليكم بإيمانكم به , وبما جاءكم به من عندي .

كما : 1801 - حدثني أبو السائب , قال : ثنا حفض , عن الأعمش , عن أبي صالح , عن أبي سعيد , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يدعى بنوح عليه السلام يوم القيامة , فيقال له : هل بلغت ما أرسلت به ؟

فيقول : نعم فيقال لقومه : هل بلغكم ؟

فيقول : ما جاءنا من نذير , فيقال له : من يعلم ذلك ؟

فيقول محمد وأمته فهو قوله { وكذلك جعلناك أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } 1802 - حدثنا مجاهد بن موسى , قال : ثنا جعفر بن عون , قال , ثنا الأعمش , عن أبي صالح , عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه , إلا أنه زاد فيه .

" فيدعون ويشهدون أنه قد بلغ " .

1803 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا مؤمل , قال : ثنا سفيان , عن الأعمش , عن أبي صالح , عن أبي سعيد : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس } بأن الرسل قد بلغوا { ويكون الرسول عليكم شهيدا } : بما عملتم أو فعلتم .

1804 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن فضيل , عن أبي مالك الأشجعي , عن المغيرة بن عيينة بن النهاس , أن مكاتبا لهم حدثهم عن جابر بن عبد الله .

أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " وإني وأمتي لعلى كوم يوم القيامة مشرفين على الخلائق ما أحد من الأمم إلا ود أنه منها أيتها الأمة وما من نبي كذبه قومه إلا نحن شهداؤه يوم القيامة أنه قد بلغ رسالات ربه ونصح لهم " قال : " ويكون الرسول عليكم شهيدا " .

1805 - حدثني عصام بن رواد بن الجراح العسقلاني , قال : ثنا أبي قال : ثنا الأوزاعي , عن يحيى بن أبي كثير , عن عبد الله بن الفضل , عن أبي هريرة قال : خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة , فلما صلى على الميت قال الناس : نعم الرجل !

فقال النبي صلى الله عليه وسلم .

" وجبت " .

ثم خرجت معه في جنازة أخرى , فلما صلوا على الميت قال الناس : بئس الرجل !

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " وجبت " .

فقام إليه أبي بن كعب فقال , يا رسول الله ما قولك وجبت ؟

قال : " قول الله عر وجل : { لتكونوا شهداء على الناس } .

* - حدثني علي بن سهل الرملي , قال : ثنا الوليد بن مسلم , قال : حدثني أبو عمرو عن يحيى , قال : حدثني عبد الله بن أبي الفضل المديني , قال : حدثني أبو هريرة قال : أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بجنازة , فقال الناس : نعم الرجل , ثم ذكر نحو حديث عصام عن أبيه .

1806 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا زيد بن حباب , قال : ثنا عكرمة بن عمار , قال : حدثني إياس بن سلمة بن الأكوع , عن أبيه , قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم , فمر عليه بجنازة فأثني عليها بثناء حسن , فقال : " وجبت " , ومر عليه بجنازة أخرى , فأثني عليها دون ذلك , فقال : " وجبت " , قالوا : يا رسول الله ما وجبت ؟

قال : " الملائكة شهداء الله في السماء وأنتم شهداء الله في الأرض فما شهدتم عليه وجب " .

ثم قرأ : { وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون } 9 105 الآية .

1807 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { لتكونوا شهداء على الناس } تكونوا شهداء لمحمد عليه الصلاة والسلام على الأمم اليهود والنصارى والمجوس .

* - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .

1808 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا عاصم , عن عيسى عن ابن أبي نجيح , قال : يأتي النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة بإذنه ليس معه أحد فتشهد له أمة محمد صلى الله عليه وسلم أنه قد بلغهم .

* - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن أبيه أنه سمع عبيد بن عمير , مثله .

* - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثنا حجاج , عن ابن جريج , قال : حدثني ابن أبي نجيح , عن أبيه قال : يأتي النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة , فذكر مثله , ولم يذكر عبيد بن عمير مثله .

1809 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة : { لتكونوا شهداء على الناس } أي أن رسلهم قد بلغت قومها عن ربها , { ويكون الرسول عليكم شهيدا } على أنه قد بلغ رسالات ربه إلى أمته .

1810 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن زيد بن أسلم : أن قوم نوح يقولون يوم القيامة : لم يبلغنا نوح .

فيدعى نوح عليه السلام فيسأل : هل بلغتهم ؟

فيقول : نعم , فيقال : من شهودك ؟

فيقول : أحمد صلى الله عليه وسلم وأمته .

فتدعون فتسألون , فتقولون : نعم قد بلغهم .

فتقول قوم نوح عليه السلام : كيف تشهدون علينا ولم تدركونا ؟

قالوا : قد جاء نبي الله صلى الله عليه وسلم فأخبرنا أنه قد بلغكم , وأنزل عليه أنه قد بلغكم , فصدقناه .

قال : فيصدق نوح عليه السلام ويكذبونهم .

قال : { لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } * - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة : { لتكونوا شهداء على الناس } لتكون هذه الأمة شهداء على الناس أن الرسل قد بلغتهم , ويكون الرسول على هذه الأمة شهيدا , أن قد بلغ ما أرسل به .

1811 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن زيد بن أسلم : أن الأمم يقولون يوم القيامة : والله لقد كادت هذه الأمة أن تكون أنبياء كلهم !

لما يرون الله أعطاهم .

1812 - حدثنا المثنى , قال : ثنا سويد بن نصر , قال : ثنا ابن المبارك عن راشد بن سعد , قال : أخبرني ابن أنعم المعافري , عن حبان بن أبي جبلة بسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا جمع الله عباده يوم القيامة , كان أول من يدعى إسرافيل , فيقول له ربه : ما فعلت في عهدي هل بلغت عهدي ؟

فيقول : نعم رب قد بلغته جبريل عليهما السلام , فيدعى جبريل فيقال له هل بلغت إسرافيل عهدي ؟

فيقول : نعم رب قد بلغني .

فيخلى عن إسرافيل , ويقال لجبريل : هل بلغت عهدي ؟

فيقول : نعم قد بلغت الرسل فتدعى الرسل فيقال لهم : هل بلغكم جبريل عهدي " فيقول نعم ربنا فيخلى عن جبريل , ثم يقال للرسل : ما فعلتم بعهدي ؟

فيقول : بلغنا أممنا .

فتدعى الأمم فيقال : هل بلغكم الرسل عهدي ؟

فمنهم المكذب ومنهم المصدق , فتقول الرسل إن لنا عليهم شهودا يشهدون أن قد بلغنا مع شهادتك .

فيقول : من يشهد لكم ؟

فيقول أمة محمد .

فتدعى أمة محمد صلى الله عليه وسلم , فيقول : أتشهدون أن رسلي هؤلاء قد بلغوا عهدي إلى من أرسلوا إليه ؟

فيقولون : نعم ربنا شهدنا أن قد بلغوا فتقول تلك الأمم .

كيف يشهد علينا من لم يدركنا ؟

فيقول لهم الرب تبارك وتعالى : كيف يشهدون على من لم يدركوا ؟

فيقولون : ربنا بعثت إلينا رسولا , وأنزلت إلينا عهدك وكتابك , وقصصت علينا أنهم قد بلغوا , فشهدنا بما عهدت إلينا .

فيقول الرب : صدقوا فذلك قوله : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } .

والوسط : العدل .

" { لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } قال ابن أنعم : فبلغني أنه يشهد يومئذ أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلا من كان في قلبه حنة على أخيه .

1813 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , ثنا أبو زهير , عن جويبر , عن الضحاك في قوله : { لتكونوا شهداء على الناس } يعني بذلك الذين استقاموا على الهدى , فهم الذين يكونون شهداء على الناس يوم القيامة لتكذيبهم رسل الله , وكفرهم بآيات الله .

1814 - حدثت عن عمار , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع قوله : { لتكونوا شهداء على الناس } يقول : لتكونوا شهداء على الأمم الذين خلوا من قبلكم بما جاءتهم رسلهم , وبما كذبوهم , فقالوا يوم القيامة وعجبوا : أن أمة لم يكونوا في زماننا , فآمنوا بما جاءت به رسلنا , وكذبنا نحن بما جاءوا به .

فعجبوا كل العجب .

قوله : { ويكون الرسول عليكم شهيدا } يعني بإيمانهم به , وبما أنزل عليه .

1815 - حدثني محمد بن سعد , قال : حدثني أبي , قال : حدثني عمي , قال : حدثني أبي عن أبيه , عن ابن عباس : { لتكونوا شهداء على الناس } يعني أنهم شهدوا على القرون بما سمى الله عز وجل لهم .

1816 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين قال : حدثني حجاج , قال : قال ابن جريج : قلت لعطاء : ما قوله : { لتكونوا شهداء على الناس } ؟

قال : أمة محمد شهدوا على من ترك الحق حين جاءه الإيمان والهدى ممن كان قبلنا قالها عبد الله بن كثير .

قال : وقال عطاء : شهداء على من ترك الحق ممن تركه من الناس أجمعين , جاء ذلك أمة محمد صلى الله عليه وسلم في كتابهم : { ويكون الرسول عليكم شهيدا } على أنهم قد آمنوا بالحق حين جاءهم وصدقوا به .

1817 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله : { لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم شاهد على أمته , وهم شهداء على الأمم , وهم أحد الأشهاد الذي قال الله عز وجل : { ويوم يقوم الأشهاد } 40 51 الأربعة الملائكة الذين يحصون أعمالنا لنا وعلينا .

وقرأ قوله : { وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد } 50 21 وقال : هذا يوم القيامة قال : والنبيون شهداء على أممهم .

قال : وأمة محمد صلى الله عليه وسلم شهداء على الأمم , [ قال : والأطوار : الأجساد والجلود ] .وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه القول في تأويل قوله تعالى { وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه } يعني جل ثناؤه بقوله : { وما جعلنا القبلة التي كنت عليها } ولم نجعل صرفك عن القبلة التي كنت على التوجه إليها يا محمد فصرفناك عنها إلا لنعلم من يتبعك ممن لا يتبعك ممن ينقلب على عقبيه .

والقبلة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها التي عناها الله بقوله : { وما جعلنا القبلة التي كنت عليها } هي القبلة التي كنت تتوجه إليها قبل أن يصرفك إلى الكعبة .

كما : 1818 - حدثني موسى بن هارون , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { وما جعلنا القبلة التي كنت عليها } يعني بيت المقدس .

1819 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين قال : حدثني حجاج , عن ابن جريج , قال : قلت لعطاء : { وما جعلنا القبلة التي كنت عليها } قال : القبلة : بيت المقدس .

وإنما ترك ذكر الصرف عنها اكتفاء بدلالة ما قد ذكر من الكلام على معناه كسائر ما قد ذكرنا فيما مضى من نظائره .

وإنما قلنا ذلك معناه لأن محنة الله أصحاب رسوله في القبلة إنما كانت فيما تظاهرت به الأخبار عند التحويل من بيت المقدس إلى الكعبة , حتى ارتد فيما ذكر رجال ممن كان قد أسلم واتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم , وأظهر كثير من المنافقين من أجل ذلك نفاقهم , وقالوا : ما بال محمد يحولنا مرة إلى ها هنا , ومرة إلى ها هنا ؟

وقال المسلمون فيما مضى من إخوانهم المسلمين , وهم يصلون نحو بيت المقدس : بطلت أعمالنا وأعمالهم وضاعت .

وقال المشركون : تحير محمد صلى الله عليه وسلم في دينه .

فكان ذلك فتنة للناس وتمحيصا للمؤمنين , فلذلك قال جل ثناؤه : { وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه } أي : وما جعلنا صرفك عن القبلة التي كنت عليها , وتحويلك إلى غيرها , كما قال جل ثناؤه : { وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس } 17 60 بمعنى : وما جعلنا خبرك عن الرؤيا التي أريناك وذلك أنه لو لم يكن أخبر القوم بما كان أري لم يكن فيه على أحد فتنة , وكذلك القبلة الأولى التي كانت نحو بيت المقدس لو لم يكن صرف عنها إلى الكعبة لم يكن فيها على أحد فتنة ولا محنة .

ذكر الأخبار التي رويت في ذلك بمعنى ما قلنا : 1820 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد , عن سعيد , عن قتادة , قال : كانت القبلة فيها بلاء وتمحيص صلت الأنصار نحو بيت المقدس حولين قبل قدوم نبي الله صلى الله عليه وسلم وصلى نبي الله صلى الله عليه وسلم بعد قدومه المدينة مهاجرا نحو بيت المقدس سبعة عشر شهرا , ثم وجهه الله بعد ذلك إلى الكعبة البيت الحرام , فقال في ذلك قائلون من الناس : { ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها } لقد اشتاق الرجل إلى مولده !

قال الله عز وجل : { قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم } فقال أناس لما صرفت القبلة نحو البيت الحرام : كيف بأعمالنا التي كنا نعمل في قبلتنا الأولى ؟

فأنزل الله عز وجل : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } وقد يبتلي الله العباد بما شاء من أمره الأمر بعد الأمر , ليعلم من يطيعه ممن يعصيه .

وكل ذلك مقبول إذا كان في إيمان بالله , وإخلاص له , وتسليم لقضائه .

1821 - حدثني موسى قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي , قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي قبل بيت المقدس , فنسختها الكعبة .

فلما وجه قبل المسجد الحرام , اختلف الناس فيها , فكانوا أصنافا ; فقال المنافقون : ما بالهم كانوا على قبلة زمانا ثم تركوها وتوجهوا إلى غيرها ؟

وقال المسلمون : ليت شعرنا عن إخواننا الذين ماتوا وهم يصلون قبل بيت المقدس , هل تقبل الله منا ومنهم أو لا ؟

وقالت اليهود : إن محمدا اشتاق إلى بلد أبيه ومولده , ولو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن يكون هو صاحبنا الذي ننتظر .

وقال المشركون من أهل مكة : تحير على محمد دينه , فتوجه بقبلته إليكم , وعلم أنكم كنتم أهدى منه , ويوشك أن يدخل في دينكم .

فأنزل الله جل ثناؤه في المنافقين : { سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها } إلى قوله { وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله } وأنزل في الآخرين الآيات بعدها .

1822 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : حدثني حجاج , عن ابن جريج , قال : قلت لعطاء : { إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه } ؟

فقال عطاء : يبتليهم ليعلم من يسلم لأمره .

قال ابن جريج : بلغني أن ناسا ممن أسلم رجعوا فقالوا : مرة ههنا ومرة ههنا .

فإن قال لنا قائل : أو ما كان الله عالما بمن يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه إلا بعد اتباع المتبع , وانقلاب المنقلب على عقبيه , حتى قال : ما فعلنا الذي فعلنا من تحويل القبلة إلا لنعلم المتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنقلب على عقبيه ؟

قيل : إن الله جل ثناؤه هو العالم بالأشياء كلها قبل كونها وليس قوله : { وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه } يخبر أنه لم يعلم ذلك إلا بعد وجوده .

فإن قال : فما معنى ذلك ؟

قيل له : أما معناه عندنا فإنه : وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا ليعلم رسولي وحزبي وأوليائي من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه .

فقال جل ثناؤه : { إلا لنعلم } ومعناه : ليعلم رسولي وأوليائي , إذ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولياؤه من حزبه , وكان من شأن العرب إضافة ما فعلته أتباع الرئيس إلى الرئيس , وما فعل بهم إليه ; نحو قولهم : فتح عمر بن الخطاب سواد العراق , وجبى خراجها , وإنما فعل ذلك أصحابه عن سبب كان منه في ذلك .

وكالذي روي في نظيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " يقول الله جل ثناؤه : مرضت فلم يعدني عبدي , واستقرضته فلم يقرضني , وشتمني ولم ينبغ له أن يشتمني " .

1823 - حدثنا أبو كريب قال : ثنا خالد عن محمد بن جعفر , عن العلاء بن عبد الرحمن , عن أبيه , عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال الله : استقرضت عبدي فلم يقرضني , وشتمني ولم ينبغ له أن يشتمني يقول : وادهراه وأنا الدهر أنا الدهر " .

* - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا سلمة , عن ابن إسحاق , عن العلاء بن عبد الرحمن , عن أبيه , عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه .

فأضاف تعالى ذكره الاستقراض والعيادة إلى نفسه , وقد كان ذلك بغيره إذ كان ذلك عن سببه .

وقد حكي عن العرب سماعا : أجوع في غير بطني , وأعرى في غير ظهري , بمعنى جوع أهله وعياله وعري ظهورهم , فكذلك قوله : { إلا لنعلم } بمعنى يعلم أوليائي وحزبي .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك : 1824 - حدثني المثنى , قال : حدثنا أبو صالح , قال : حدثني معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : { وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه } قال ابن عباس : لنميز أهل اليقين من أهل الشرك والريبة .

وقال بعضهم : إنما قيل ذلك من أجل أن العرب تضع العلم مكان الرؤية , والرؤية مكان العلم , كما قال جل ذكره : { ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل } 105 1 فزعم أن معنى : { ألم تر } : ألم تعلم , وزعم أن معنى قوله : { إلا لنعلم } بمعنى : إلا لنرى من يتبع الرسول .

وزعم أن قول القائل : رأيت وعلمت وشهدت حروف تتعاقب فيوضع بعضها موضع بعض , كما قال جرير بن عطية : كأنك لم تشهد لقيطا وحاجبا وعمرو بن عمرو إذا دعا يال دارم بمعنى : كأنك لم تعلم لقيطا ; لأن بين هلك لقيط وحاجب وزمان جرير ما لا يخفى بعده من المدة .

وذلك أن الذين ذكرهم هلكوا في الجاهلية , وجرير كان بعد برهة مضت من مجيء الإسلام وهذا تأويل بعيد , من أجل أن الرؤية وإن استعملت في موضع العلم من أجل أنه مستحيل أن يرى أحد شيئا , فلا توجب رؤيته إياه علما بأنه قد رآه إذا كان صحيح الفطرة فجاز من الوجه الذي أثبته رؤية أن يضاف إليه إثباته إياه علما , وصح أن يدل بذكر الرؤية على معنى العلم من أجل ذلك .

فليس ذلك وإن كان في الرؤية لما وصفنا بجائز في العلم , فيدل بذكر الخبر عن العلم على الرؤية لأن المرء قد يعلم أشياء كثيرة لم يرها ولا يراها ويستحيل أن يرى شيئا إلا علمه , كما قد قدمنا البيان , مع أنه غير موجود في شيء من كلام العرب أن يقال : علمت كذا بمعنى رأيته , وإنما يجوز توجيه معاني ما في كتاب الله الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم من الكلام إلى ما كان موجودا مثله في كلام العرب دون ما لم يكن موجودا في كلامها , فموجود في كلامها " رأيت " بمعنى " علمت " , وغير موجود في كلامها " علمت " بمعنى " رأيت " , فيجوز توجيه { إلا لنعلم } إلى معنى : إلا لنرى .

وقال آخرون : إنما قيل : { إلا لنعلم } من أجل أن المنافقين واليهود وأهل الكفر بالله أنكروا أن يكون الله تعالى ذكره يعلم الشيء قبل كونه , وقالوا إذ قيل لهم : إن قوما من أهل القبلة سيرتدون على أعقابهم , إذا حولت قبلة محمد صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة : ذلك غير كائن , أو قالوا : ذلك باطل .

فلما فعل الله ذلك , وحول القبلة , وكفر من أجل ذلك من كفر , قال الله جل ثناؤه : ما فعلت إلا لنعلم ما عندكم أيها المشركون المنكرون علمي بما هو كائن من الأشياء قبل كونه , أني عالم بما هو كائن مما لم يكن بعد .

فكأن معنى قائل هذا القول في تأويل قوله : { إلا لنعلم } إلا لنبين لكم أنا نعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه .

وهذا وإن كان وجها له مخرج , فبعيد من المفهوم .

وقال آخرون : إنما قيل : { إلا لنعلم } وهو بذلك عالم قبل كونه وفي كل حال , على وجه الترفق بعباده , واستمالتهم إلى طاعته , كما قال جل ثناؤه : { قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين } 34 24 وقد علم أنه على هدى وأنهم على ضلال مبين , ولكنه رفق بهم في الخطاب , فلم يقل : أنا على هدى , وأنتم على ضلال .

فكذلك قوله : { إلا لنعلم } معناه عندهم : إلا لتعلموا أنتم إذ كنتم جهالا به قبل أن يكون ; فأضاف العلم إلى نفسه رفقا بخطابهم .

وقد بينا القول الذي هو أولى في ذلك بالحق .

وأما قوله : { من يتبع الرسول } فإنه يعني : الذي يتبع محمدا صلى الله عليه وسلم فيما يأمره الله به , فيوجه نحو الوجه الذي يتوجه نحوه محمد صلى الله عليه وسلم .

وأما قوله : { ممن ينقلب على عقبيه } فإنه يعني : من الذي يرتد عن دينه , فينافق , أو يكفر , أو مخالف محمدا صلى الله عليه وسلم في ذلك ممن يظهر اتباعه .

كما : 1825 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في قوله : { وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه } قال : من إذا دخلته شبهة رجع عن الله , وانقلب كافرا على عقبيه .

وأصل المرتد على عقبيه : هو المنقلب على عقبيه الراجع مستدبرا في الطريق الذي قد كان قطعه منصرفا عنه , فقيل ذلك لكل راجع عن أمر كان فيه من دين أو خير , ومن ذلك قوله : { فارتدا على آثارهما قصصا } 18 64 بمعنى رجعا في الطريق الذي كانا سلكاه .

وإنما قيل للمرتد مرتد , لرجوعه عن دينه وملته التي كان عليها .

وإنما قيل رجع على عقبيه لرجوعه دبرا على عقبه إلى الوجه الذي كان فيه بدء سيره قبل رجعه عنه , فيجعل ذلك مثلا لكل تارك أمرا وأخذ آخر غيره إذا انصرف عما كان فيه إلى الذي كان له تاركا فأخذه , فقيل ارتد فلان على عقبه , وانقلب على عقبيه .وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله القول في تأويل قوله تعالى : { وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله } .

اختلف أهل التأويل في التي وصفها الله جل وعز بأنها كانت كبيرة إلا على الذين هدى الله .

فقال بعضهم : عنى جل ثناؤه بالكبيرة : التولية من بيت المقدس شطر المسجد الحرام والتحويل , وإنما أنث الكبيرة لتأنيث التولية .

ذكر من قال ذلك : 1826 - حدثني المثنى قال : ثنا عبد الله بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس : قال الله : { وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله } يعني تحويلها .

1827 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى بن ميمون , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قول الله عز وجل : { وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله } قال : ما أمروا به من التحويل إلى الكعبة من بيت المقدس .

* - حدثني المثنى قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .

1828 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة في قوله : { لكبيرة إلا على الذين هدى الله } قال : كبيرة حين حولت القبلة إلى المسجد الحرام , فكانت كبيرة إلا على الذين هدى الله .

وقال آخرون : بل الكبيرة هي القبلة بعينها التي كان صلى الله عليه وسلم يتوجه إليها من بيت المقدس قبل التحويل .

ذكر من قال ذلك .

1829 - حدثت عن عمار بن الحسن , قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع , عن أبي العالية : { وإن كانت لكبيرة } أي قبلة بيت المقدس , { إلا على الذين هدى الله } وقال بعضهم : بل الكبيرة : هي الصلاة التي كانوا يصلونها إلى القبلة الأولى .

ذكر من قال ذلك .

1830 - حدثني يونس بن عبد الأعلى , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد : { وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله } قال : صلاتكم حتى يهديكم صلى الله عليه وسلم الله عز وجل القبلة .

1831 - وقد حدثني به يونس مرة أخرى قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد : { وإن كانت لكبيرة } قال : صلاتك ها هنا - يعني إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا - وانحرافك ها هنا وقال بعض نحويي البصرة : أنثت الكبيرة لتأنيث القبلة , وإياها عنى جل ثناؤه بقوله : { وإن كانت لكبيرة } .

وقال بعض نحويي الكوفة : بل أنثت الكبيرة لتأنيث التولية والتحويلة فتأويل الكلام على ما تأوله قائلو هذه المقالة : وما جعلنا تحويلتنا إياك عن القبلة التي كنت عليها وتوليناك عنها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه , وإن كانت تحويلتنا إياك عنها وتوليناك لكبيرة إلا على الذين هدى الله .

وهذا التأويل أولى التأويلات عندي بالصواب , لأن القوم إنما كبر عليهم تحويل النبي صلى الله عليه وسلم وجهه عن القبلة الأولى إلى الأخرى لا عين القبلة ولا الصلاة ; لأن القبلة الأولى والصلاة قد كانت وهى غير كبيرة عليهم إلا أن يوجه موجه تأنيث الكبيرة إلى القبلة , ويقول : اجتزئ بذكر القبلة من ذكر التولية والتحويلة لدلالة الكلام على معنى ذلك , كما قد وصفنا لك في نظائره , فيكون ذلك وجها صحيحا ومذهبا مفهوما .

ومعنى قوله : { كبيرة } عظيمة .

كما : 1832 - حدثنا يونس .

قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد : { وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله } قال : كبيرة في صدور الناس فيما يدخل الشيطان به ابن آدم .

قاله : ما لهم صلوا إلى ها هنا ستة عشر شهرا ثم انحرفوا !

فكبر ذلك في صدور من لا يعرف ولا يعقل والمنافقين .

فقالوا : أي شيء هذا الدين ؟

وأما الذين آمنوا فثبت الله جل ثناؤه ذلك قي قلوبهم .

وقرأ قول الله { وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله } قال صلاتكم حتى يهديكم إلى القبلة .

قال أبو جعفر : وأما قوله : { إلا على الذين هدى الله } فإنه يعني به : وإن كان تقليبتناك عن القبلة التي كنت عليها لعظيمة إلا على من وفقه الله جل ثناؤه فهداه لتصديقك , والإيمان بك وبذلك , واتباعك فيه وفيما أنزل الله تعالى ذكره عليك .

كما : 1833 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو صالح , قال : حدثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس : { وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله } يقول : إلا على الخاشعين , يعني المصدقين بما أنزل الله تبارك وتعالى .وما كان الله ليضيع إيمانكم القول في تأويل قوله تعالى : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } قيل : عنى بالإيمان في هذا الموضع الصلاة .

ذكر الأخبار التي رويت بذلك وذكر قول من قاله : 1834 - حدثنا أبو كريب .

قال ثنا وكيع وعبيد الله , وحدثنا سفيان بن وكيع , قال ثنا عبيد الله بن موسى جميعا عن إسرائيل , عن سماك , عن عكرمة , عن ابن عباس , قال : لما وجه رسوله الله إلى الكعبة قالوا : كيف بمن مات من إخواننا قبل ذلك وهم يصلون نحو بيت المقدس ؟

فأنزل الله جل ثناؤه : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } .

1835 - حدثني إسماعيل بن موسى , قال : أخبرنا شريك , عن أبي إسحاق , عن البراء في قول الله عز وجل : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } قال : صلاتكم نحو بيت المقدس .

* - حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال : ثنا أبو أحمد الزبيري , قال : ثنا شريك , عن أبي إسحاق , عن البراء نحوه .

1836 - وحدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن محمد بن نفيل عن الحراني , قال : ثنا زهير , قال : ثنا أبو إسحاق , عن البراء قال : مات على القبلة قبل أن تحول إلى البيت رجال وقتلوا , فلم ندر ما نقول فيهم , فأنزل الله تعالى ذكره : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } 1837 - حدثنا بشر بن معاذ العقدي , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , قال : قال أناس من الناس لما صرفت القبلة نحو البيت الحرام : كيف بأعمالنا التي كنا نعمل في قبلتنا ؟

فأنزل الله جل ثناؤه : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } .

1838 - حدثني موسى بن هارون , قال : حدثني عمرو بن حماد , قال : ثنا أسباط , عن السدي , قال : لما توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل المسجد الحرام , قال المسلمون : ليت شعرنا عن إخواننا الذين ماتوا وهم يصلون قبل بيت المقدس , هل تقبل الله منا ومنهم أم لا ؟

فأنزل الله جل ثناؤه فيهم : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } قال : صلاتكم قبل بيت المقدس , يقول : إن تلك طاعة وهذه طاعة .

1839 - حدثت عن عمار بن الحسن , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع قال : قال ناس لما صرفت القبلة إلى البيت الحرام : كيف بأعمالنا التي كنا نعمل في قبلتنا الأولى ؟

فأنزل الله تعالى ذكره : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } الآية 1840 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين قال : حدثني حجاج , قال : قال ابن جريج : أخبرني داود بن أبي عاصم , قال : لما صرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة , قال المسلمون : هلك أصحابنا الذين كانوا يصلون إلى بيت المقدس فنزلت : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } .

1841 - حدثني محمد بن سعد , قال : حدثني أبي , قال : حدثني عمي , قال : حدثني أبي عن أبيه , عن ابن عباس في قوله : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } يقول : صلاتكم التي صليتموها من قبل أن تكون القبلة فكان المؤمنون قد أشفقوا على من صلى منهم أن لا تقبل صلاتهم .

1842 - حدثني يونس بن عبد الأعلى , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } صلاتكم .

1843 - حدثنا محمد بن إسماعيل الفزاري , قال : أخبرنا المؤمل قال : ثنا سفيان , ثنا يحيى بن سعيد , عن سعيد بن المسيب في هذه الآية : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } قال : صلاتكم نحو بيت المقدس .

قد دللنا فيما مضى على أن الإيمان التصديق , وأن التصديق قد يكون بالقول وحده وبالفعل وحده وبهما جميعا ; فمعنى قوله : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } على ما تظاهرت به الرواية من أنه الصلاة : وما كان الله ليضيع تصديق رسوله عليه الصلاة والسلام بصلاتكم التي صليتموها نحو بيت المقدس عن أمره لأن ذلك كان منكم تصديقا لرسولي , واتباعا لأمري , وطاعة منكم لي .

قال : وإضاعته إياه جل ثناؤه لو أضاعه ترك إثابة أصحابه وعامليه عليه , فيذهب ضياعا ويصير باطلا , كهيئة إضاعة الرجل ماله , وذلك إهلاكه إياه فيما لا يعتاض منه عوضا في عاجل ولا آجل فأخبر الله جل ثناؤه أنه لم يكن يبطل عمل عامل عمل له عملا وهو له طاعة فلا يثيبه عليه , وإن نسخ ذلك الفرض بعد عمل العامل إياه على ما كلفه من عمله .

فإن قال قائل : وكيف قال الله جل ثناؤه : { وما كان الله ليضيع إيمانكم } فأضاف الإيمان إلى الأحياء المخاطبين , والقوم المخاطبون بذلك إنما كانوا أشفقوا على إخوانهم الذين كانوا ماتوا وهم يصلون نحو بيت المقدس , وفي ذلك من أمرهم أنزلت هذه الآية ؟

قيل : إن القوم وإن كانوا أشفقوا من ذلك , فإنهم أيضا قد كانوا مشفقين من حبوط ثواب صلاتهم التي صلوها إلى بيت المقدس قبل التحويل إلى الكعبة , وظنوا أن عملهم ذلك قد بطل وذهب ضياعا , فأنزل الله جل ثناؤه هذه الآية حينئذ , فوجه الخطاب بها إلى الأحياء , ودخل فيهم الموتى منهم لأن من شأن العرب إذا اجتمع في الخبر المخاطب والغائب أن يغلبوا المخاطب , فيدخل الغائب في الخطاب , فيقولوا لرجل خاطبوه على وجه الخبر عنه وعن آخر غائب غير حاضر : فعلنا بكما وصنعنا بكما , كهيئة خطابهم لهما وهما حاضران , ولا يستجيزون أن يقولوا فعلنا بهما وهم يخاطبون أحدهما فيردوا المخاطب إلى عداد الغيب .إن الله بالناس لرءوف رحيم القول في تأويل قوله تعالى : { إن الله بالناس لرءوف رحيم } ويعني بقوله جل ثناؤه : { إن الله بالناس لرءوف رحيم } إن الله بجميع عباده ذو رأفة .

والرأفة أعلى معاني الرحمة , وهي عامة لجميع الخلق في الدنيا ولبعضهم في الآخرة .

وأما الرحيم , فإنه ذو الرحمة للمؤمنين في الدنيا والآخرة على ما قد بينا فيما مضى قبل .

وإنما أراد جل ثناؤه بذلك أن الله عز وجل أرحم بعباده من أن يضيع لهم طاعة أطاعوه بها فلا يثيبهم عليها , وأرأف بهم من أن يؤاخذهم بترك ما لم يفرضه عليهم .

أي ولا تأسوا على موتاكم الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس , فإني لهم على طاعتهم إياي بصلاتهم التي صلوها كذلك مثيب , لأني أرحم بهم من أن أضيع لهم عملا عملوه لي .

ولا تحزنوا عليهم , فإني غير مؤاخذهم بتركهم الصلاة إلى الكعبة , لأني لم أكن فرضت ذلك عليهم , وأنا أرأف بخلقي من أن أعاقبهم على تركهم ما لم آمرهم بعمله .

وفي الرءوف لغات : إحداها " رءوف " على مثال " فعل " كما قال الوليد بن عقبة : وشر الطالبين ولا تكنه بقاتل عمه الرءوف الرحيم وهي قراءة عامة قراء أهل الكوفة .

والأخرى رءوف " على مثال " فعول " , وهي قراءة عامة قراء المدينة .

و " رئف " , وهي لغة غطفان , على مثال " فعل " مثل " حذر " .

و " رأف " على مثال " فعل " بجزم العين , وهي لغة لبني أسد , والقراءة على أحد الوجهين الأولين .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرءوف رحيمفيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى : وكذلك جعلناكم أمة وسطا المعنى : وكما أن الكعبة وسط الأرض كذلك جعلناكم أمة وسطا ، أي جعلناكم دون الأنبياء وفوق الأمم .

والوسط : العدل ، وأصل هذا أن أحمد الأشياء أوسطها .

وروى الترمذي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : وكذلك جعلناكم أمة وسطا قال : ( عدلا ) .

قال : هذا حديث حسن صحيح .

وفي التنزيل : قال أوسطهم أي أعدلهم وخيرهم .

وقال زهير :هم وسط يرضى الأنام بحكمهم إذا نزلت إحدى الليالي بمعظمآخر :أنتم أوسط حي علموا بصغير الأمر أو إحدى الكبروقال آخر :لا تذهبن في الأمور فرطا لا تسألن إن سألت شططاوكن من الناس جميعا وسطاووسط الوادي : خير موضع فيه وأكثره كلأ وماء .

ولما كان الوسط مجانبا للغلو والتقصير كان محمودا ، أي هذه الأمة لم تغل غلو النصارى في أنبيائهم ، ولا قصروا تقصير اليهود في [ ص: 144 ] أنبيائهم .

وفي الحديث : خير الأمور أوسطها .

وفيه عن علي رضي الله عنه : " عليكم بالنمط الأوسط ، فإليه ينزل العالي ، وإليه يرتفع النازل " .

وفلان من أوسط قومه ، وإنه لواسطة قومه ، ووسط قومه ، أي من خيارهم وأهل الحسب منهم .

وقد وسط وساطة وسطة ، وليس من الوسط الذي بين شيئين في شيء .

والوسط ( بسكون السين ) الظرف ، تقول : صليت وسط القوم .

وجلست وسط الدار ( بالتحريك ) لأنه اسم .

قال الجوهري : وكل موضع صلح فيه " بين " فهو وسط ، وإن لم يصلح فيه " بين " فهو وسط بالتحريك ، وربما يسكن وليس بالوجه .الثانية : قوله تعالى : لتكونوا نصب بلام كي ، أي لأن تكونوا .

شهداء على الناس خبر كان .

على الناس أي في المحشر للأنبياء على أممهم ، كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يدعى نوح عليه السلام يوم القيامة فيقول لبيك وسعديك يا رب فيقول هل بلغت فيقول نعم فيقال لأمته هل بلغكم فيقولون ما أتانا من نذير فيقول من يشهد لك فيقول محمد وأمته فيشهدون أنه قد بلغ ويكون الرسول عليكم شهيدا فذلك قوله عز وجل : وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا .

وذكر هذا الحديث مطولا ابن المبارك بمعناه ، وفيه : فتقول تلك الأمم كيف يشهد علينا من لم يدركنا فيقول لهم الرب سبحانه كيف تشهدون على من لم تدركوا فيقولون ربنا بعثت إلينا رسولا وأنزلت إلينا عهدك وكتابك وقصصت علينا أنهم قد بلغوا فشهدنا بما عهدت إلينا فيقول الرب صدقوا فذلك قوله عز وجل وكذلك جعلناكم أمة وسطا - والوسط العدل - لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا .

قال ابن أنعم : فبلغني أنه يشهد يومئذ أمة محمد عليه السلام ، إلا من كان في قلبه حنة على أخيه .

وقالت طائفة : معنى الآية يشهد بعضكم على بعض بعد الموت ، كما ثبت في صحيح مسلم عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال حين مرت به جنازة فأثني عليها خير فقال : وجبت وجبت وجبت .

ثم مر عليه بأخرى فأثني عليها شر فقال : وجبت وجبت وجبت .

فقال عمر : فدى لك أبي وأمي ، مر بجنازة فأثني عليها خير فقلت : وجبت وجبت وجبت ، ومر بجنازة فأثني عليها شر فقلت : وجبت وجبت وجبت ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أثنيتم عليه خيرا وجبت له [ ص: 145 ] الجنة ومن أثنيتم عليه شرا وجبت له النار أنتم شهداء الله في الأرض أنتم شهداء الله في الأرض أنتم شهداء الله في الأرض .

أخرجه البخاري بمعناه .

وفي بعض طرقه في غير الصحيحين وتلا : لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا .

وروى أبان وليث عن شهر بن حوشب عن عبادة بن الصامت قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : أعطيت أمتي ثلاثا لم تعط إلا الأنبياء ؛ كان الله إذا بعث نبيا قال له ادعني أستجب لك وقال لهذه الأمة ادعوني أستجب لكم وكان الله إذا بعث النبي قال له ما جعل عليك في الدين من حرج وقال لهذه الأمة وما جعل عليكم في الدين من حرج وكان الله إذا بعث النبي جعله شهيدا على قومه وجعل هذه الأمة شهداء على الناس .

خرجه الترمذي الحكيم أبو عبد الله في " نوادر الأصول " .الثالثة : قال علماؤنا : أنبأنا ربنا تبارك وتعالى في كتابه بما أنعم علينا من تفضيله لنا باسم العدالة وتولية خطير الشهادة على جميع خلقه ، فجعلناه أولا مكانا وإن كنا آخرا زمانا ، كما قال عليه السلام : نحن الآخرون الأولون .

وهذا دليل على أنه لا يشهد إلا العدول ، ولا ينفذ قول الغير على الغير إلا أن يكون عدلا .

وسيأتي بيان العدالة وحكمها في آخر السورة إن شاء الله تعالى .[ ص: 146 ] الرابعة : وفيه دليل على صحة الإجماع ووجوب الحكم به ; لأنهم إذا كانوا عدولا شهدوا على الناس .

فكل عصر شهيد على من بعده فقول الصحابة حجة وشاهد على التابعين ، وقول التابعين على من بعدهم .

وإذ جعلت الأمة شهداء فقد وجب قبول قولهم .

ولا معنى لقول من قال : أريد به جميع الأمة لأنه حينئذ لا يثبت مجمع عليه إلى قيام الساعة .

وبيان هذا في كتب أصول الفقه .قوله تعالى : ويكون الرسول عليكم شهيدا قيل : معناه بأعمالكم يوم القيامة .

وقيل : " عليكم " بمعنى لكم ، أي يشهد لكم بالإيمان .

وقيل : أي يشهد عليكم بالتبليغ لكم .قوله تعالى : وما جعلنا القبلة التي كنت عليها قيل : المراد بالقبلة هنا القبلة الأولى ، لقوله كنت عليها .

وقيل : الثانية ، فتكون الكاف زائدة ، أي أنت الآن عليها ، كما تقدم ، وكما قال : كنتم خير أمة أخرجت للناس أي أنتم ، في قول بعضهم ، وسيأتي .قوله تعالى : إلا لنعلم من يتبع الرسول قال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه : معنى لنعلم لنرى .

والعرب تضع العلم مكان الرؤية ، والرؤية مكان العلم ، كقوله تعالى : ألم تر كيف فعل ربك بمعنى ألم تعلم .

وقيل : المعنى إلا لتعلموا أننا نعلم ، فإن المنافقين كانوا في شك من علم الله تعالى بالأشياء قبل كونها .

وقيل : المعنى لنميز أهل اليقين من أهل الشك ، حكاه ابن فورك ، وذكره الطبري عن ابن عباس .

وقيل : المعنى إلا ليعلم النبي وأتباعه ، وأخبر تعالى بذلك عن نفسه ، كما يقال : فعل الأمير كذا ، وإنما فعله أتباعه ، ذكره المهدوي وهو جيد .

وقيل : معناه ليعلم محمد ، فأضاف علمه إلى نفسه تعالى تخصيصا وتفضيلا ، كما كنى عن نفسه سبحانه في قوله : يا بن آدم مرضت فلم تعدني الحديث .

والأول أظهر ، وأن معناه علم المعاينة الذي يوجب الجزاء ، وهو سبحانه عالم الغيب والشهادة ، علم ما يكون قبل أن يكون ، تختلف الأحوال على المعلومات ، وعلمه لا يختلف بل يتعلق بالكل تعلقا واحدا .

وهكذا كل ما ورد في الكتاب من [ ص: 147 ] هذا المعنى من قوله تعالى : وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء ، ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين وما أشبه .

والآية جواب لقريش في قولهم : ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها وكانت قريش تألف الكعبة ، فأراد الله عز وجل أن يمتحنهم بغير ما ألفوه ليظهر من يتبع الرسول ممن لا يتبعه .

وقرأ الزهري إلا ليعلم ف من في موضع رفع على هذه القراءة ; لأنها اسم ما لم يسم فاعله .

وعلى قراءة الجماعة في موضع نصب على المفعول .

يتبع الرسول يعني فيما أمر به من استقبال الكعبة .

ممن ينقلب على عقبيه يعني ممن يرتد عن دينه ; لأن القبلة لما حولت ارتد من المسلمين قوم ونافق قوم ; و لهذا قال : وإن كانت لكبيرة أي تحويلها ، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة .

والتقدير في العربية : وإن كانت التحويلة .قوله تعالى : وإن كانت لكبيرة ذهب الفراء إلى أن إن واللام بمعنى ما وإلا ، والبصريون يقولون : هي إن الثقيلة خففت .

وقال الأخفش : أي وإن كانت القبلة أو التحويلة أو التولية لكبيرة ، إلا على الذين هدى الله أي خلق الهدى الذي هو الإيمان في قلوبهم ، كما قال تعالى : أولئك كتب في قلوبهم الإيمان .قوله تعالى : وما كان الله ليضيع إيمانكم اتفق العلماء على أنها نزلت فيمن مات وهو يصلي إلى بيت المقدس ، كما ثبت في البخاري من حديث البراء بن عازب على ما تقدم .

وخرج الترمذي عن ابن عباس قال : لما وجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة قالوا : يا رسول الله ، كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس ؟

فأنزل الله تعالى : وما كان الله ليضيع إيمانكم الآية ، قال : هذا حديث حسن صحيح .

فسمى الصلاة إيمانا لاشتمالها على نية وقول وعمل .

وقال مالك : إني لأذكر بهذه الآية قول المرجئة : إن الصلاة ليست من الإيمان .

وقال محمد بن إسحاق : وما كان الله ليضيع إيمانكم أي بالتوجه إلى القبلة وتصديقكم لنبيكم ، وعلى هذا معظم المسلمين والأصوليين .

وروى ابن وهب وابن القاسم وابن عبد الحكم وأشهب عن مالك وما كان الله ليضيع إيمانكم قال : صلاتكم .قوله تعالى : إن الله بالناس لرءوف رحيم الرأفة أشد من الرحمة .

وقال أبو عمرو بن العلاء : الرأفة أكثر من الرحمة ، والمعنى متقارب .

وقد أتينا على لغته وأشعاره [ ص: 148 ] ومعانيه في الكتاب " الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى " فلينظر هناك .

وقرأ الكوفيون وأبو عمرو " لرؤف " على وزن فعل ، وهي لغة بني أسد ، ومنه قول الوليد بن عقبة :وشر الطالبين فلا تكنه يقاتل عمه الرؤف الرحيموحكى الكسائي أن لغة بني أسد " لرأف " ، على فعل .

وقرأ أبو جعفر بن القعقاع " لروف " مثقلا بغير همز ، وكذلك سهل كل همزة في كتاب الله تعالى ، ساكنة كانت أو متحركة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ذكر في هذه الآية السبب الموجب لهداية هذه الأمة مطلقا بجميع أنواع الهداية, ومنة الله عليها فقال: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } أي: عدلا خيارا، وما عدا الوسط, فأطراف داخلة تحت الخطر، فجعل الله هذه الأمة, وسطا في كل أمور الدين، وسطا في الأنبياء, بين من غلا فيهم, كالنصارى, وبين من جفاهم, كاليهود, بأن آمنوا بهم كلهم على الوجه اللائق بذلك، ووسطا في الشريعة, لا تشديدات اليهود وآصارهم, ولا تهاون النصارى.

وفي باب الطهارة والمطاعم, لا كاليهود الذين لا تصح لهم صلاة إلا في بيعهم وكنائسهم, ولا يطهرهم الماء من النجاسات, وقد حرمت عليهم الطيبات, عقوبة لهم، ولا كالنصارى الذين لا ينجسون شيئا, ولا يحرمون شيئا, بل أباحوا ما دب ودرج.

بل طهارتهم أكمل طهارة وأتمها، وأباح الله لهم الطيبات من المطاعم والمشارب والملابس والمناكح, وحرم عليهم الخبائث من ذلك، فلهذه الأمة من الدين أكمله, ومن الأخلاق أجلها, ومن الأعمال أفضلها.

ووهبهم الله من العلم والحلم, والعدل والإحسان, ما لم يهبه لأمة سواهم، فلذلك كانوا { أُمَّةً وَسَطًا }كاملين ليكونوا { شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ } بسبب عدالتهم وحكمهم بالقسط, يحكمون على الناس من سائر أهل الأديان, ولا يحكم عليهم غيرهم، فما شهدت له هذه الأمة بالقبول, فهو مقبول, وما شهدت له بالرد, فهو مردود.

فإن قيل: كيف يقبل حكمهم على غيرهم, والحال أن كل مختصمين غير مقبول قول بعضهم على بعض؟

قيل: إنما لم يقبل قول أحد المتخاصمين, لوجود التهمة فأما إذا انتفت التهمة, وحصلت العدالة التامة, كما في هذه الأمة, فإنما المقصود, الحكم بالعدل والحق، وشرط ذلك, العلم والعدل, وهما موجودان في هذه الأمة, فقبل قولها.

فإن شك شاك في فضلها, وطلب مزكيا لها, فهو أكمل الخلق, نبيهم صلى الله عليه وسلم، فلهذا قال تعالى: { وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } ومن شهادة هذه الأمة على غيرهم, أنه إذا كان يوم القيامة, وسأل الله المرسلين عن تبليغهم, والأمم المكذبة عن ذلك, وأنكروا أن الأنبياء بلغتهم، استشهدت الأنبياء بهذه الأمة, وزكاها نبيها.

وفي الآية دليل على أن إجماع هذه الأمة, حجة قاطعة, وأنهم معصومون عن الخطأ, لإطلاق قوله: { وَسَطًا } فلو قدر اتفاقهم على الخطأ, لم يكونوا وسطا, إلا في بعض الأمور, ولقوله: { ولتكونوا شهداء على الناس } يقتضي أنهم إذا شهدوا على حكم أن الله أحله أو حرمه أو أوجبه، فإنها معصومة في ذلك.

وفيها اشتراط العدالة في الحكم, والشهادة, والفتيا, ونحو ذلك.

يقول تعالى: { وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا } وهي استقبال بيت المقدس أولا { إِلَّا لِنَعْلَمَ } أي: علما يتعلق به الثواب والعقاب, وإلا فهو تعالى عالم بكل الأمور قبل وجودها.

ولكن هذا العلم, لا يعلق عليه ثوابا ولا عقابا, لتمام عدله, وإقامة الحجة على عباده، بل إذا وجدت أعمالهم, ترتب عليها الثواب والعقاب، أي: شرعنا تلك القبلة لنعلم ونمتحن { مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ } ويؤمن به, فيتبعه على كل حال, لأنه عبد مأمور مدبر، ولأنه قد أخبرت الكتب المتقدمة, أنه يستقبل الكعبة، فالمنصف الذي مقصوده الحق, مما يزيده ذلك إيمانا, وطاعة للرسول.

وأما من انقلب على عقبيه, وأعرض عن الحق, واتبع هواه, فإنه يزداد كفرا إلى كفره, وحيرة إلى حيرته, ويدلي بالحجة الباطلة, المبنية على شبهة لا حقيقة لها.

{ وَإِنْ كَانَتْ } أي: صرفك عنها { لَكَبِيرَةٌ } أي: شاقة { إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ } فعرفوا بذلك نعمة الله عليهم, وشكروا, وأقروا له بالإحسان, حيث وجههم إلى هذا البيت العظيم, الذي فضله على سائر بقاع الأرض، وجعل قصده, ركنا من أركان الإسلام, وهادما للذنوب والآثام, فلهذا خف عليهم ذلك, وشق على من سواهم.

ثم قال تعالى: { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ } أي: ما ينبغي له ولا يليق به تعالى, بل هي من الممتنعات عليه، فأخبر أنه ممتنع عليه, ومستحيل, أن يضيع إيمانكم، وفي هذا بشارة عظيمة لمن مَنَّ الله عليهم بالإسلام والإيمان, بأن الله سيحفظ عليهم إيمانهم, فلا يضيعه, وحفظه نوعان: حفظ عن الضياع والبطلان, بعصمته لهم عن كل مفسد ومزيل له ومنقص من المحن المقلقة, والأهواء الصادة، وحفظ له بتنميته لهم, وتوفيقهم لما يزداد به إيمانهم, ويتم به إيقانهم، فكما ابتدأكم, بأن هداكم للإيمان, فسيحفظه لكم, ويتم نعمته بتنميته وتنمية أجره, وثوابه, وحفظه من كل مكدر، بل إذا وجدت المحن المقصود منها, تبيين المؤمن الصادق من الكاذب، فإنها تمحص المؤمنين, وتظهر صدقهم، وكأن في هذا احترازا عما قد يقال إن قوله: { وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ } قد يكون سببا لترك بعض المؤمنين إيمانهم, فدفع هذا الوهم بقوله: { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ } بتقديره لهذه المحنة أو غيرها.

ودخل في ذلك من مات من المؤمنين قبل تحويل الكعبة, فإن الله لا يضيع إيمانهم, لكونهم امتثلوا أمر الله وطاعة رسوله في وقتها، وطاعة الله, امتثال أمره في كل وقت, بحسب ذلك، وفي هذه الآية, دليل لمذهب أهل السنة والجماعة, أن الإيمان تدخل فيه أعمال الجوارح.

وقوله: { إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ } أي: شديد الرحمة بهم عظيمها، فمن رأفته ورحمته بهم, أن يتم عليهم نعمته التي ابتدأهم بها، وأن ميَّزَ عنهم من دخل في الإيمان بلسانه دون قلبه، وأن امتحنهم امتحانا, زاد به إيمانهم, وارتفعت به درجتهم، وأن وجههم إلى أشرف البيوت, وأجلها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

{وكذلك جعلناكم أمة وسطاً} نزلت في رؤساء اليهود، قالوا لمعاذ ابن جبل: "ما ترك محمد قبلتنا إلا حسداً، وإن قبلتنا قبلة الأنبياء، ولقد علم محمد أنا عدل بين الناس، فقال معاذ: إنا على حق وعدل فأنزل الله تعالى: {وكذلك..} أي وهكذا"، وقيل: الكاف للتشبيه أي كما اخترنا إبراهيم وذريته واصطفيناهم {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} مردودة على قوله: {ولقد اصطفيناه في الدنيا} [130-البقرة] أي عدلا خياراً قال الله تعالى: {قال أوسطهم} [28-القلم] أي خيرهم وأعدلهم وخير الأشياء أوسطها، وقال الكلبي: "يعني أهل دين وسط بين الغلو والتقصير لأنهما مذمومان في الدين".

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أبو معشر إبراهيم بن محمد بن الحسين الوراق أنا أبو عبد الله محمد بن زكريا بن يحيى أنا أبو الصلت أنا حماد بن زيد عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً بعد العصر فما ترك شيئاً إلى يوم القيامة إلا ذكره في مقامه ذلك حتى إذا كانت الشمس على رؤوس النخل وأطراف الحيطان، قال: "أما أنه لم يبق من الدنيا فيما مضى منها إلا بقي من يومكم هذا، ألا وإن هذه الأمة توفي سبعين أمة هي آخرها وأخيرها وأكرمها على الله تعالى"".

قوله تعالى: {لتكونوا شهداء على الناس} يوم القيامة أن الرسل قد بلغتهم.

قال ابن جريج: "قلت لعطاء ما معنى قوله تعالى لتكونوا شهداء على الناس؟

قال: أمة محمد صلى الله عليه وسلم شهداء على من يترك الحق من الناس أجمعين.

{ويكون الرسول} محمد صلى الله عليه وسلم.

{عليكم شهيداً} معدلاً مزكياً لكم، وذلك أن الله تعالى يجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد، ثم يقول لكفار الأمم الماضية: {ألم يأتكم نذير} [8-الملك] فينكرون ويقولون ما جاءنا من بشير ولا نذير، فيسأل الله تعالى الأنبياء عليهم السلام عن ذلك فيقولون: كذبوا قد بلغناهم فيسألهم البينة - وهو أعلم بهم - إقامة للحجة، فيؤتى بأمة محمد صلى الله عليه وسلم فيشهدون لهم أنهم قد بلغوا، فتقول الأمم الماضية: من أين علموا وإنما أتوا بعدنا؟

فيسأل هذه الأمة فيقولون أرسلت إلينا رسولاً، وأنزلت عليه كتاباً، أخبرتنا فيه تبليغ الرسل وأنت صادق فيما أخبرت، ثم يؤتى بمحمد صلى الله عليه وسلم فيسأل عن حال أمته فيزكيهم ويشهد بصدقهم.

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا إسحاق بن منصور أخبرنا أبو أسامة قال الأعمش أخبرنا أبو صالح عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يجاء بنوح يوم القيامة فيقال له: هل بلغت؟

فيقول: نعم يارب، فيسأل أمته هل بلغكم؟

فيقولون: ما جاءنا من نذير، فيقال: من شهودك فيقول محمد وأمته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيجاء بكم فتشهدون ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً}".

قوله تعالى: {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها} أي تحويلها يعني بيت المقدس، فيكون من باب حذف المضاف ويحتمل أن يكون المفعول الثاني للجعل محذوفاً، على تقدير وما جعلنا القبلة التي كنت عليها منسوخة، وقيل: معناه التي أنت عليها، وهي الكعبة كقوله تعالى {كنتم خير أمة} أي أنتم.

{إلا لنعلم من يتبع الرسول} فإن قيل ما معنى قوله: ((إلا لنعلم)) وهو عالم بالأشياء كلها قبل يتعلق بما يوجد معناه ليعلم العلم الذي يستحق العامل عليه الثواب والعقاب، وقيل: إلا لنعلم أي: لنرى ونميز من يتبع الرسول في القبلة.

{ممن ينقلب على عقبيه} فيرتد وفي الحديث إن القبلة لما حولت ارتد قوم من المسلمين إلى اليهودية، وقالوا: رجع محمد إلى دين آبائه، وقال أهل المعاني: معناه إلا لعلمنا من يتبع الرسول ممن على عقبيه كأنه سبق في علمه أن تحويل القبلة سبب لهداية قوم وضلالة قوم، وقد يأتي لفظ الاستقبال بمعنى الماضي كما قال الله تعالى: {فلم تقتلون أنبياء الله} [91-البقرة] أي فلم قتلتموهم.

{وإن كانت} أي قد كانت أي تولية الكعبة، وقيل: الكناية راجعة إلى القبلة، وقيل: إلى الكعبة.

قال الزجاج: "وإن كانت التحويلة {لكبيرة} ثقيلة شديدة.

{إلا على الذين هدى الله }أي هداهم الله، قال سيبويه: "(( وإن )) تأكيد يشبه اليمين ولذلك دخلت اللام في جوابها".

{وما كان الله ليضيع إيمانكم} وذلك أن حيي بن أخطب وأصحابه من اليهود قالوا للمسلمين: أخبرونا عن صلاتكم نحو بيت المقدس، إن كانت هدى فقد تحولتم عنها وإن كانت ضلالة فقد دنتم الله بها، ومن مات منكم عليها فقد مات على الضلالة، فقال المسلمون إنما الهدى ما أمر الله به، والضلالة مانهى الله عنه.

قالوا: فما شهادتكم على من مات منكم على قبلتنا؟

وكان قد مات قبل أن تحول القبلة من المسلمين أسعد بن زرارة من بني النجار، والبراء بن معرور من بني سلمة، وكانوا من النقباء ورجال آخرون فانطلق عشائرهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله قد صرفك الله إلى قبلة إبراهيم فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟

فأنزل الله تعالى {وما كان الله ليضيع إيمانكم} يعني صلاتكم إلى بيت المقدس.

{إن الله بالناس لرؤوف رحيم} قرأ أهل الحجاز وابن عامر وحفص (لرؤوف) مشبع على وزن فعول، لأن أكثر أسماء الله تعالى على فعول وفعيل، والشكور والرحيم والكريم وغيرها، و أبو جعفر يلين الهمزة وقرأ الآخرون بالاختلاس على وزن فعل.

قال جرير: "ترى للمسلمين عليك حقاً كفعل الواحد الرؤف الرحيم والرأفة أشد الرحمة".

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وكذلك» كما هديناكم إليه «جعلناكم» يا أمة محمد «أمة وسطا» خيارا عدولا «لتكونوا شهداء على الناس» يوم القيامة أنَّ رسلهم بلَّغتهم «ويكون الرسول عليكم شهيدا» أنه بلغكم «وما جعلنا» صيرنا «القبلة» لك الآن الجهة «التي كنت عليها» أولا وهي الكعبة وكان يصلى إليها فلما هاجر أمر باستقبال بيت المقدس تألُّفا لليهود فصلى إليه ستة أو سبعة عشر شهرا ثم حول «إلا لنعلم» علم ظهور «من يتبع الرسول» فيصدقه «ممن ينقلب على عقبيه» أي يرجع إلى الكفر شكا في الدين وظنا أن النبي في حيرة من أمره وقد ارتد لذلك جماعة «وإن» مخففة من الثقيلة واسمها محذوف أي وإنها «كانت» أي التولية إليها «لكبيرة» شاقة على الناس «إلا على الذين هدى الله» منهم «وما كان الله ليضيع إيمانكم» أي صلاتكم إلى بيت المقدس بل يثيبكم عليه لأن سبب نزولها السؤال عمن مات قبل التحويل «إن الله بالناس» المؤمنين «لرؤوف رحيم» في عدم إضاعة أعمالهم، والرأفةُ شدة الرحمة وقدَّم الأبلغ للفاصلة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وكما هديناكم -أيها المسلمون- إلى الطريق الصحيح في الدين، جعلناكم أمة خيارًا عدولا لتشهدوا على الأمم في الآخرة أن رسلهم بلَّغتهم رسالات ربهم، ويكون الرسول في الآخرة كذلك شهيدًا عليكم أنَّه بلَّغكم رسالة ربه.

وما جعلنا -أيها الرسول- قبلة "بيت المقدس" التي كنت عليها، ثم صرفناك عنها إلى الكعبة بـ "مكة"، إلا ليظهر ما علمناه في الأزل؛ علما يتعلق به الثواب والعقاب لنميز مَن يتبعك ويطيعك ويستقبل معك حيث توجهت، ومَن هو ضعيف الإيمان فينقلب مرتدًا عن دينه لشكه ونفاقه.

وإن هذه الحال التي هي تحول المسلم في صلاته من استقبال بيت المقدس إلى استقبال الكعبة لثقيلة شاقة إلا على الذين هداهم ومنّ عليهم بالإيمان والتقوى وما كان الله ليضيع إيمانكم به واتباعكم لرسوله، ويبطل صلاتكم إلى القبلة السابقة.

إنه سبحانه وتعالى بالناس لرءوف رحيم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم وصف الله - تعالى - الأمة الإسلامية ، بأنها أمة خيرة عادلة مزكاة بالعلم والعمل فقال تعالى : ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيداً ) .والمعنى : ومثل ما جعلنا قبلتكم - أيها المسلمون - وسطاً لأنها البيت الحرام الذي هو المثابة للناس ، والأمن لهم ، جعلناكم - أيضاً - ( أُمَّةً وَسَطاً ) أي : خياراً عدولا بين الأمم ليتحقق التناسب بينكم وبين القبلة التي تتوجهون إليها في صلواتكم ، تشهدون على الأمم السابقة بأن أنبياءهم قد بلغوهم الرسالة ، ونصحوهم بما ينفعهم ، ولكي يشهد الرسول صلى الله عليه وسلم عليكم بأنكم صدقتموه وآمنتم به .أخرج البخاري عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعى نوح يوم القيامة فيقول : لبيك وسعديك يا رب ، فيقال له : هل بلغت ما أرسلت به؟

فيقول نعم ، فيقال لأمته هل بلغكم .

فيقولون : ما أتانا من نذير ، فيقال له : من يشهد لك .

فيقول : محمد وأمته .

فيشهدون أنه قد بلغ ، فذلك قوله - جل ذكره - ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيداً ) .ثم بين الله - تعالى - الحكمة في تحويل القبلة إلى الكعبة فقال تعالى :( وَمَا جَعَلْنَا القبلة التي كُنتَ عَلَيْهَآ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرسول مِمَّن يَنقَلِبُ على عَقِبَيْهِ ) .أي وما شرعنا التوجه إلى القبلة التي كنت عليها قبل وقتك هذا وهي بيت المقدس ، إلا لنعامل الناس معاملة الممتحن المختبر ، فنعلم من يتبع الرسول ويأتمر بأوامره في كل حال ممن لم يدخل الدين في قرارة نفسه ، وإنما دخل فيه على حرف ، بحيث يترد عنه لأقل شبهة ، وأدنى ملابسة كما حصل ذلك من ضعاف الإِيمان عند تحويل القبلة إلى الكعبة والله - تعالى - عالم بكل شيء ، ولكنه شاء أن يكون معلومه الغيبي مشاهداً في العيان ، إذ تعلق الشيء واقعاً في العيان ، هو الذي تقوم عليه الحجة ، ويترتب عليه الثواب والعقاب .ولذا قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف قال لنعلم ولم يزل عالماً بذلك؟

قلت؛ معناه لنلعمه علماً يتعلق به الجزاء ، وهو أن يعلمه موجوداً حاصلا ، ونحوه ( وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصابرين ) وقيل ليعلم رسول الله والمؤمنون ، وإنما أسند علمهم إلى ذاته ، لأنهنم خواصه وأهل الزلفى عنده ، وقيل معناه .

ليميز التابع من الناكص كما قال - تعالى - : ( لِيَمِيزَ الله الخبيث مِنَ الطيب ) فوضع العلم موضع التمييز؛ لأن العلم يقع التميز به " .ثم بين الله - تعالى - آثار تحويل القبلة في نفوس المؤمنين وغيرهم فقال تعالى : ( وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الذين هَدَى الله ) .أي : إنما شرعنا لك - يا محمد - القبلة أولا إلى بيت المقدس ، ثم صرفناك عنها إلى الكمية ليظهر حال من يتبعك ويطيعك في كل حالة ممن لا يطيعك ، وإن كانت هذه الفعلة - وهي تحويلنا لك من بيت المقدس إلى الكعبة - لكبيرة وشاقة ، إلا على الذين خلق الله الهداية في قلوبهم فتلقوا أوامرنا بالخضوع والإِذعان ، وقالوا سمعنا وأطعنا كل من عند ربنا .وقوله - تعالى - : ( وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ .

.

.

) .بشارة عظيمة للمؤمنين ، وجواب لما جاشت به الصدور ، وتكذيب لما ادعاه اليهود من أن عبادة المؤمنين في الفترة التي سبقت تحويل القبلة إلى الكعبة ضائعة وباطلة .فقد أخرج البخاري من حديث البراء بن عازب - رضي الله عنه - أنه مات على القبلة قبل أن تحول رجال وقتلوا ، فلم ندر ما تقول فيهم ، فأنزل الله - تعالى - ( وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ) .وقال ابن عباس : كان رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ماتوا على القبلة الأولى ، منهم : أسعد بن زرارة ، وأبو أمامة .

.

.

وأناس آخرون فجاءت عشائرهم فقالوا : يا رسول الله : مات إخواننا وهم يصلون إلى القبلة الأولى وقد صرفك الله إلى قبلة إبراهيم ، فكيف بإخواننا ، فأنزل الله - تعالى - ( وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ) .وروى أن حيي بن أخطب وجماعة من اليهود قالوا للمسلمين : أخبرونا عن صلاتكم إلى بيت المقدس إن كانت على هدى لقد تحولتم عنه ، وإن كانت على ضلالة فقد عبدتم الله بهامدة ، ومن مات عليها فقد مات على ضلالة فقال المسلمون إنما الهدى فيما أمر الله - تعالى - والضلالة فيما نهى الله عنه فقالوا : فما شهادتكم على من مات منكم على قبلتنا؟

- وكان قد مات من المسلمين جماعة قبل تحويل القبلة - فانطلق عشائرهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله : كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟

فأنزل الله تعالى : ( وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ الله بالناس لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ) .والمعنى - وما كان الله - تعالى - ليذهب صلاتكم وأعمالكم الصالحة التي قمتم بها خلال توجهكم إلى بيت المقدس ، لأنه - سبحانه - بعباده رءوف رحيم ولا يضيع أجر من أحسن عملا .ثم خاطب الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم ووعده بأن القبلة التي سيؤمر بالتوجه إليها هي التي يحرص عليها ويرغب فيها .قال الإِمام ابن كثير : قال علي بن أبي طلحة قال ابن عباس : كان أول ما نسخ في القرآن القبلة ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة وكان أكثر أهلها اليهود فأمره الله تعالى أن يستقبل بيت المقدس ففرحت اليهود فاستقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعة عشر شهراً ، وكان يجب قبلة أبيه إبراهيم ، فكان يدعو الله ، وينظر إلى السماء ، فأنزل الله - تعالى -

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قوله تعالى: ﴿ وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ .

اعلم أن في هذه الآية مسائل: المسألة الأولى: الكاف في ﴿ كذلك ﴾ كاف التشبيه، والمشبه به أي شيء هو؟

وفيه وجوه: أحدها: أنه راجع إلى معنى يهدي، أي كما أنعمنا عليكم بالهداية، كذلك أنعمنا عليكم بأن جعلناكم أمة وسطاً.

وثانيها: قول أبي مسلم تقريره كما هديناكم إلى قبلة هي أوسط القبل وكذلك جعلناكم أمة وسطاً.

وثالثها: أنه عائد إلى ما تقدم من قوله في حق إبراهيم عليه السلام: ﴿ وَلَقَدِ اصطفيناه فِي الدنيا  ﴾ أي فكما اصطفيناه في الدنيا فكذلك جعلناكم أمة وسطاً.

ورابعها: يحتمل عندي أن يكون التقدير: ﴿ وَلِلَّهِ المشرق والمغرب  ﴾ فهذه الجهات بعد استوائها في كونها ملكاً لله وملكاً له، خص بعضها بمزيد التشريف والتكريم بأن جعله قبلة فضلاً منه وإحساناً فكذلك العباد كلهم مشتركون في العبودية إلا أنه خص هذه الأمة بمزيد الفضل والعبادة فضلاً منه وإحساناً لا وجوباً.

وخامسها: أنه قد يذكر ضمير الشيء وإن لم يكن المضمر مذكوراً إذا كان المضمر مشهوراً معروفاً كقوله تعالى: ﴿ إِنَّا أنزلناه فِي لَيْلَةِ القدر  ﴾ ثم من المشهور المعروف عند كل أحد أنه سبحانه هو القادر على إعزاز من شاء وإذلال من شاء فقوله: ﴿ وكذلك جعلناكم ﴾ أي ومثل ذلك الجعل العجيب الذي لا يقدر عليه أحد سواه جعلناكم أمة وسطاً.

المسألة الثانية: اعلم أنه إذا كان الوسط اسماً حركت الوسط كقوله: ﴿ أُمَّةً وَسَطًا ﴾ والظرف مخفف تقول: جلست وسط القوم، واختلفوا في تفسير الوسط وذكروا أموراً.

أحدها: أن الوسط هو العدل والدليل عليه الآية والخبر والشعر والنقل والمعنى، أما الآية فقوله تعالى: ﴿ قَالَ أَوْسَطُهُمْ  ﴾ أي أعدلهم، وأما الخبر فما روى القفال عن الثوري عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أمة وسطاً قال عدلاً» وقال عليه الصلاة والسلام: «خير الأمور أوسطها» أي أعدلها، وقيل: كان النبي صلى الله عليه وسلم أوسط قريش نسباً، وقال عليه الصلاة والسلام: «عليكم بالنمط الأوسط» وأما الشعر فقول زهير: هم وسط يرضى الأنام بحكمهم *** إذا نزلت إحدى الليالي العظائم وأما النقل فقال الجوهري في الصحاح: ﴿ وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا ﴾ أي عدلاً وهو الذي قاله الأخفش والخليل وقطرب، وأما المعنى فمن وجوه: أحدها: أن الوسط حقيقة في البعد عن الطرفين ولا شك أن طرفي الإفراط والتفريط رديئان فالمتوسط في الأخلاق يكون بعيداً عن الطرفين فكان معتدلاً فاضلاً.

وثانيها: إنما سمي العدل وسطاً لأنه لا يميل إلى أحد الخصمين، والعدل هو المعتدل الذي لا يميل إلى أحد الطرفين.

وثالثها: لا شك أن المراد بقوله: ﴿ وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا ﴾ طريقة المدح لهم لأنه لا يجوز أن يذكر الله تعالى وصفاً ويجعله كالعلة في أن جعلهم شهوداً له ثم يعطف على ذلك شهادة الرسول إلا وذلك مدح فثبت أن المراد بقوله: (وسطاً) ما يتعلق بالمدح في باب الدين، ولا يجوز أن يمدح الله الشهود حال حكمه عليهم بكونهم شهوداً إلا بكونهم عدولاً، فوجب أن يكون المراد في الوسط العدالة.

ورابعها: أن أعدل بقاع الشيء وسطه، لأن حكمه مع سائر أطرافه على سواء وعلى اعتدال، والأطراف يتسارع إليها الخلل والفساد والأوسط محمية محوطة فلما صح ذلك في الوسط صار كأنه عبارة عن المعتدل الذي لا يميل إلى جهة دون جهة.

القول الثاني: أن الوسط من كل شيء خياره قالوا: وهذا التفسير أولى من الأول لوجوه: الأول: أن لفظ الوسط يستعمل في الجمادات قال صاحب الكشاف: اكتريت جملاً من أعرابي بمكة للحج فقال: أعطى من سطا تهنة أراد من خيار الدنانير ووصف العدالة لا يوجد في الجمادات فكان هذا التفسير أولى.

الثاني: أنه مطابق لقوله تعالى: ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ  ﴾ .

القول الثالث: أن الرجل إذا قال: فلان أوسطنا نسباً فالمعنى أنه أكثر فضلاً وهذا وسط فيهم كواسطة القلادة، وأصل هذا أن الاتباع يتحوشون الرئيس فهو في وسطهم وهم حوله فقيل وسط لهذا المعنى.

القول الرابع: يجوز أن يكونوا وسطاً على معنى أنهم متوسطون في الدين بين المفرط والمفرط والغالي والمقصر في الأشياء لأنهم لم يغلوا كما غلت النصارى فجعلوا ابناً وإلهاً ولا قصروا كتقصير اليهود في قتل الأنبياء وتبديل الكتب وغير ذلك مما قصروا فيه.

واعلم أن هذه الأقوال متقاربة غير متنافية والله أعلم.

المسألة الثالثة: احتج الأصحاب بهذه الآية على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى لأن هذه الآية دالة على أن عدالة هذه الأمة وخيريتهم بجعل الله وخلقه وهذا صريح في المذهب، قالت المعتزلة: المراد من هذا الجعل فعل الألطاف التي علم الله تعالى أنه متى فعلها لهذه الأمة اختاروا عندها الصواب في القول والعمل، أجاب الأصحاب عنه من وجوه: الأول: أن هذا ترك للظاهر وذلك مما لا يصار إليه إلا عند قيام الدلائل على أنه لا يمكن حمل الآية على ظاهرها، لكنا قد بينا أن الدلائل العقلية الباهرة ليست إلا معنا، أقصى ما للمعتزلة في هذا الباب التمسك بفصل المدح والذم والثواب والعقاب، وقد بينا مراراً كثيرة أن هذه الطريقة منتقضة على أصولهم بمسألة العلم ومسألة الداعي، والكلام المنقوض لا التفات إليه ألبتة.

الوجه الثاني: أنه تعالى قال قبل هذه الآية: ﴿ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ  ﴾ وقد بينا دلالة هذه الآية على قولنا في أنه تعالى يخص البعض بالهداية دون البعض، فهذه الآية يجب أن تكون محمولة على ذلك لتكون كل واحدة منهما مؤكدة لمضمون الأخرى.

الوجه الثالث: أن كل ما في مقدور الله تعالى من الألطاف في حق الكل فقد فعله، وإذا كان كذلك لم يكن لتخصيص المؤمنين بهذا المعنى فائدة.

الوجه الرابع: وهو أن الله تعالى ذكر ذلك في معرض الامتنان على هذه الأمة وفعل اللطف واجب والواجب لا يجوز ذكره في معرض الامتنان.

المسألة الرابعة: احتج جمهور الأصحاب وجمهور المعتزلة بهذه الآية على أن إجماع الأمة حجة فقالوا: أخبر الله تعالى عن عدالة هذه الأمة وعن خيريتهم فلو أقاموا على شيء من المحظورات لما اتصفوا بالخيرية وإذا ثبت أنهم لا يقدمون على شيء من المحظورات وجب أن يكون قولهم حجة، فإن قيل: الآية متروكة الظاهر، لأن وصف الأمة بالعدالة يقتضي اتصاف كل واحد منهم بها وخلاف ذلك معلوم بالضرورة، فلابد من حملها على البعض فنحن نحملها على الأئمة المعصومين، سلمنا أنها ليست متروكة الظاهرة لكن لا نسلم أن الوسط من كل شيء خياره والوجوه التي ذكرتموها معارضة بوجهين: الأول: أن عدالة الرجل عبارة عن أداء الواجبات واجتناب المحرمات وهذا من فعل العبد وقد أخبر الله تعالى أن جعلهم وسطاً فاقتضى ذلك أن كونهم وسطاً من فعل الله تعالى، وذلك يقتضي أن يكون كونهم وسطاً غير كونهم عدولاً وإلا لزم وقوع مقدور واحد بقادرين وهو محال.

الثاني: أن الوسط اسم لما يكون متوسطاً بين شيئين، فجعله حقيقة في العدالة والخيرية يقتضي الاشتراك وهو خلاف الأصل، سلمنا اتصافهم بالخيرية ولكن لم لا يكفي في حصول هذا الوصف الاجتناب عن الكبائر فقط، وإذا كان كذلك احتمل أن الذي اجمعوا عليه وإن كان خطأ لكنه من الصغائر فلا يقدح ذلك في خيريتهم، ومما يؤكد هذا الاحتمال أنه تعالى حكم بكونهم عدولاً ليكونوا شهداء على الناس وفعل الصغائر لا يمنع الشهادة، سلمنا اجتنابهم عن الصغائر والكبائر ولكن الله تعالى بين أن اتصافهم بذلك إنما كان لكونهم شهداء على الناس معلوم أن هذه الشهادة إنما تتحقق في الآخرة فيلزم وجوب تحقق عدالتهم هناك لأن عدالة الشهود إنما تعتبر حالة الأداء لا حالة التحمل، وذلك لا نزاع فيه، لأن الأمة تصير معصومة في الآخرة فلم قلت إنهم في الدنيا كذلك؟

سلمنا وجوب كونهم عدولاً في الدنيا لكن المخاطبين بهذا الخطاب هم الذين كانوا موجودين عند نزول هذه الآية لأن الخطاب مع من لم يوجد محال وإذا كان كذلك فهذه الآية تقتضي عدالة أولئك الذين كانوا موجودين في ذلك الوقت ولا تقتضي عدالة غيرهم، فهذه الآية تدل على أن إجماع أولئك حق فيجب أن لا نتمسك بالإجماع إلا إذا علمنا حصول قول كل أولئك فيه لكن ذلك لا يمكن إلا إذا علمنا كل واحد من أولئك الأقوام بأعيانهم وعلمنا بقاء كل واحد منهم إلى ما بعد وفاة محمد صلى الله عليه وسلم وعلمنا حصول أقوالهم بأسرهم في ذلك الإجماع ولما كان ذلك كالمتعذر امتنع التمسك بالإجماع.

والجواب عن قوله الآية متروكة الظاهر قلنا: لا نسلم فإن قوله: ﴿ وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا ﴾ يقتضي أنه تعالى جعل كل واحد منهم عند اجتماعه مع غيره بهذه الصفة، وعندنا أنهم في كل أمر اجتمعوا عليه فإن كل واحد منهم يكون عدلاً في ذلك الأمر، بل إذا اختلفوا فعند ذلك قد يفعلون القبيح، وإنما قلنا إن هذا خطاب معهم حال الاجتماع، لأن قوله: ﴿ جعلناكم ﴾ خطاب لمجموعهم لا لكل واحد منهم وحده، على أن وإن سلمنا أن هذا يقتضي كون كل واحد منهم عدلاً لكنا نقول ترك العمل به في حق البعض لدليل قام عليه فوجب أن يبقى معمولاً به في حق الباقي وهذا معنى ما قال العلماء: ليس المراد من الآية أن كلهم كذلك، بل المراد أنه لابد وأن يوجد فيما بينهم من يكون بهذه الصفة، فإذا كنا لا نعلم بأعيانهم افتقرنا إلى اجتماع جماعتهم على القول والفعل، لكي يدخل المعتبرون في جملتهم، مثاله: أن الرسول عليه الصلاة والسلام إذا قال إن واحداً من أولاد فلان لابد وإن يكون مصيباً في الرأي والتدبير فإذا لم نعلمه بعينه ووجدنا أولاده مجتمعين على رأي علمناه حقاً لأنه لابد وأن يوجد فيهم ذلك المحق، فأما إذا اجتمعوا سوى الواحد على رأي لم نحكم بكونه حقاً لتجويز أن يكون الصواب مع ذلك الواحد الذي خالف، ولهذا قال كثير من العلماء: إنا لو ميزنا في الأمة من كان مصيباً عمن كان مخطئاً كانت الحجة قائمة في قول المصيب ولم نعتبر ألبتة بقول المخطئ قوله: لو كان المراد من كونهم وسطاً هو المراد من عدالتهم، لزم أن يكون فعل العبد خلقاً لله تعالى قلنا: هذا مذهبنا على ما تقدم بيانه، قوله: لم قلتم أن إخبار الله تعالى عن عدالتهم وخيريتهم يقتضي اجتنابهم عن الصغائر؟

قلنا: خبر الله تعالى صدق، والخبر الصدق يقتضي حصول المخبر عنه، وفعل الصغيرة ليس بخير، فالجمع بينهما متناقض، ولقائل أن يقول: الإخبار عن الشخص بأنه خير أعم من الإخبار عنه بأنه خير في جميع الأمور، أو في بعض الأمور، ولذلك فإنه يصح تقسيمه إلى هذين القسمين فيقال: الخير إما أن يكون خيراً في بعض الأمور دون البعض أو في كل الأمور، ومورد التقسيم مشترك بين القسمين، فمن كان خيراً من بعض الوجوه دون البعض، يصدق عليه أنه خير، فإذن إخبار الله تعالى عن خيرية الأمة لا يقتضي إخباره تعالى عن خيريتهم في كل الأمور، فثبت أن هذا لا ينافي إقدامهم على الكبائر فضلاً عن الصغائر، وكنا قد نصرنا هذه الدلالة في أصول الفقه إلا أن هذا السؤال وارد عليها، أما السؤال الآخر فقد أجيب عنه بأن قوله: ﴿ وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا ﴾ خطاب لجميع الأمة أولها وآخرها، من كان منهم موجوداً وقت نزول هذه الآية ومن جاء بعدهم إلى قيام الساعة، كما أن قوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص  ﴾ ، ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام  ﴾ يتناول الكل، ولا يختص بالموجودين في ذلك الوقت، وكذلك سائر تكاليف الله تعالى وأوامره وزواجره خطاب لجميع الأمة فإن قيل: لو كان الأمر كذلك لكان هذا خطاباً لجميع من يوجد إلى قيام الساعة، فإنما حكم لجماعتهم بالعدالة فمن أين حكمت لأهل كل عصر بالعدالة حتى جعلتهم حجة على من بعدهم؟

قلنا: لأنه تعالى لما جعلهم شهداء على الناس، فلو اعتبرنا أول الأمة وآخرها بمجموعها في كونها حجة على غيرها لزالت الفائدة إذ لم يبق بعد انقضائها من تكون الأمة حجة عليه، فعلمنا أن المراد به أهل كل عصر، ويجوز تسمية أهل العصر الواحد بالأمة، فإن الأمة اسم للجماعة التي تؤم جهة واحدة، ولا شك أن أهل كل عصر كذلك ولأنه تعالى قال: ﴿ أُمَّةً وَسَطًا ﴾ فعبر عنهم بلفظ النكرة ولا شك أن هذا يتناول أهل كل عصر.

المسألة الخامسة: اختلف الناس في أن الشهادة المذكورة في قوله تعالى: ﴿ لّتَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى الناس ﴾ تحصل في الآخرة أو في الدنيا.

فالقول الأول: إنها تقع في الآخرة، والذاهبون إلى هذا القول لهم وجهان.

الأول: وهو الذي عليه الأكثرون: أن هذه الأمة تشهد للأنبياء على أممهم الذين يكذبونهم، روي أن الأمم يجحدون تبليغ الأنبياء، فيطالب الله تعالى الأنبياء بالبينة على أنهم قد بلغوا وهو أعلم، فيؤتى بأمة محمد صلى الله عليه وسلم فيشهدون فتقول الأمم من أين عرفتم فيقولون: علمنا ذلك بإخبار الله تعالى في كتابه الناطق على لسان نبيه الصادق، فيؤتى بمحمد عليه الصلاة والسلام، فيسأل عن حال أمته فيزكيهم ويشهد بعدالتهم وذلك قوله: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هَؤُلاء شَهِيداً  ﴾ وقد طعن القاضي في هذه الرواية من وجوه: أولها: أن مدار هذه الرواية عن أن الأمم يكذبون أنبياءهم وهذا بناء على أن أهل القيامة قد يكذبون، وهذا باطل عند القاضي، إلا أنا سنتكلم على هذه المسألة في سورة الأنعام في تفسير قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلَّآ أَن قَالُوا وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ  ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ  ﴾ .

وثانيها: أن شهادة الأمة وشهادة الرسول مستندة في الآخرة إلى شهادة الله تعالى على صدق الأنبياء، وإذا كان كذلك فلم لم يشهد الله تعالى لهم بذلك ابتداء؟

وجوابه: الحكمة في ذلك تمييز أمة محمد صلى الله عليه وسلم في الفضل عن سائر الأمم بالمبادرة إلى تصديق الله تعالى وتصديق جميع الأنبياء، والإيمان بهم جميعاً، فهم بالنسبة إلى سائر الأمم كالعدل بالنسبة إلى الفاسق، فلذلك يقبل الله شهادتهم على سائر الأمم ولا يقبل شهادة الأمم عليهم إظهاراً لعدالتهم وكشفاً عن فضيلتهم ومنقبتهم.

وثالثها: أن مثل هذه الأخبار لا تسمى شهادة وهذا ضعيف لقوله عليه الصلاة والسلام: «إذا علمت مثل الشمس فاشهد».

والشيء الذي أخبر الله تعالى عنه فهو معلوم مثل الشمس فوجب جواز الشهادة عليه.

الوجه الثاني: قالوا معنى الآية: لتشهدوا على الناس بأعمالهم التي خالفوا الحق فيها قال ابن زيد: الأشهاد أربعة.

أولها: الملائكة الموكلون بإثبات أعمال العباد.

قال تعالى: ﴿ وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ  ﴾ وقال: ﴿ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ  ﴾ وقال: ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَٰفِظِينَ  كِرَامًا كَٰتِبِينَ  يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ  ﴾ .

وثانيها: شهادة الأنبياء وهو المراد بقوله حاكياً عن عيسى عليه السلام: ﴿ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ على كُلّ شَيء شَهِيدٌ  ﴾ وقال في حق محمد صلى الله عليه وسلم وأمته في هذه الآية: ﴿ لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ وقال: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هَؤُلاء شَهِيداً  ﴾ .

وثالثها: شهادة أمة محمد خاصة.

قال تعالى: ﴿ وَجِئ بالنبيين والشهداء  ﴾ وقال تعالى: ﴿ وَيَوْمَ يَقُومُ الأشهاد  ﴾ .

ورابعها: شهادة الجوارح وهي بمنزلة الإقرار بل أعجب منه قال تعالى: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ  ﴾ الآية، وقال: ﴿ اليوم نَخْتِمُ على أفواههم  ﴾ الآية.

القول الثاني: أن أداء هذه الشهادة إنما يكون في الدنيا وتقريره أن الشهادة والمشاهدة والشهود هو الرؤية يقال: شاهدت كذا إذا رأيته وأبصرته، ولما كان بين الإبصار بالعين وبين المعرفة بالقلب مناسبة شديدة لا جرم قد تسمى المعرفة التي في القلب: مشاهدة وشهوداً، والعارف بالشيء: شاهداً ومشاهداً، ثم سميت الدلالة على الشيء: شاهداً على الشيء لأنها هي التي بها صار الشاهد شاهداً، ولما كان المخبر عن الشيء والمبين لحاله جارياً مجرى الدليل على ذلك سمي ذلك المخبر أيضاً شاهداً، ثم اختص هذا اللفظ في عرف الشرع بمن يخبر عن حقوق الناس بألفاظ مخصوصة على جهات مخصوصة، إذا عرفت هذا فنقول: إن كل من عرف حال شيء وكشف عنه كان شاهداً عليه والله تعالى وصف هذه الأمة بالشهادة، فهذه الشهادة إما أن تكون في الآخرة أو في الدنيا لا جائز أن تكون في الآخرة، لأن الله تعالى جعلهم عدولاً في الدنيا لأجل أن يكونوا شهداء وذلك يقتضي أن يكونوا شهداء في الدنيا، إنما قلنا: إنه تعالى جعلهم عدولاً في الدنيا لأنه تعالى قال: ﴿ وكذلك جعلناكم أُمَّةً ﴾ وهذا إخبار عن الماضي فلا أقل من حصوله في الحال، وإنما قلنا: إن ذلك يقتضي صيرورتهم شهوداً في الدنيا لأنه تعالى قال: ﴿ وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس ﴾ رتب كونهم شهداء على صيرورتهم وسطاً ترتيب الجزاء على الشرط، فإذا حصل وصف كونهم وسطاً في الدنيا وجب أن يحصل وصف كونهم شهداء في الدنيا، فإن قيل: تحمل الشهادة لا يحصل إلا في الدنيا، ومتحمل الشهادة قد يسمى شاهداً وإن كان الأداء لا يحصل إلا في القيامة قلنا: الشهادة المعتبرة في الآية لا التحمل، بدليل أنه تعالى اعتبر العدالة في هذه الشهادة والشهادة التي يعتبر فيها العدالة، هي الأداء لا التحمل، فثبت أن الآية تقتضي كون الأمة مؤدين للشهادة في دار الدنيا، وذلك يقتضي أن يكون مجموع الأمة إذا أخبروا عن شيء أن يكون قولهم حجة ولا معنى لقولنا الإجماع حجة إلا هذا، فثبت أن الآية تدل على أن الإجماع حجة من هذا الوجه أيضاً، واعلم أن الدليل الذي ذكرناه على صحة هذا القول لا يبطل القولين الأولين لأنا بينا بهذه الدلالة أن الأمة لابد وأن يكونوا شهوداً في الدنيا وهذا لا ينافي كونهم شهوداً في القيامة أيضاً على الوجه الذي وردت الأخبار به، فالحاصل أن قوله تعالى: ﴿ لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس ﴾ إشارة إلى أن قولهم عند الإجماع حجة من حيث أن قولهم: عند الإجماع يبين للناس الحق، ويؤكد ذلك قوله تعالى: ﴿ وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ يعني مؤدياً ومبيناً، ثم لا يمتنع أن تحصل مع ذلك لهم الشهادة في الآخرة فيجري الواقع منهم في الدنيا مجرى التحمل لأنهم إذا أثبتوا الحق عرفوا عنده من القابل ومن الراد، ثم يشهدون بذلك يوم القيامة كما أن الشاهد على العقود يعرف ما الذي تم وما الذي لم يتم ثم يشهد بذلك عند الحاكم.

المسألة السادسة: دلت الآية على أن من ظهر كفره وفسقه نحو المشبهة والخوارج والروافض فإنه لا يعتد به في الإجماع لأن الله تعالى إنما جعل الشهداء من وصفهم بالعدالة والخيرية، ولا يختلف في ذلك الحكم من فسق أو كفر بقوله أو فعل، ومن كفر برد النص أو كفر بالتأويل.

المسألة السابعة: إنما قال: ﴿ شُهَدَاءَ عَلَى الناس ﴾ ولم يقل: شهداء للناس لأن قولهم يقتضي التكليف إما بقول وإما بفعل وذلك عليه لا له في الحال، فإن قيل: لم أخرت صلة الشهادة أولاً وقدمت آخراً؟

قلنا؛ لأن الغرض في الأول إثبات شهادتهم على الأمم وفي الآخر الاختصاص بكون الرسول شهيداً عليهم.

قوله تعالى: ﴿ وما جعلنا القبلةَ التي كنت عليها إِلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤوف رحيم ﴾ .

اعلم أن قوله: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا ﴾ معناه ما شرعنا وما حكمنا كقوله: ﴿ مَا جَعَلَ الله مِن بَحِيرَةٍ  ﴾ أي ما شرعها ولا جعلها ديناً، وقوله: ﴿ كُنتَ عَلَيْهَا ﴾ أي كنت معتقداً لاستقبالها، كقول القائل: كان لفلان على فلان دين، وقوله: ﴿ كُنتَ عَلَيْهَا ﴾ ليس بصفة للقبلة، إنما هو ثاني مفعولي جعل يريد: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا القبلة ﴾ الجهة التي كنت عليها.

ثم هاهنا وجهان.

الأول: أن يكون هذا الكلام بياناً للحكمة في جعل القبلة، وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام كان يصلي بمكة إلى الكعبة ثم أمر بالصلاة إلى بيت المقدس بعد الهجرة تأليفاً لليهود، ثم حول إلى الكعبة فنقول: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا القبلة ﴾ الجهة: ﴿ التى كُنتَ عَلَيْهَا ﴾ أولاً: يعني وما رددناك إليها إلا امتحاناً للناس وابتلاء.

الثاني: يجوز أن يكون قوله: ﴿ التى كُنتَ عَلَيْهَا ﴾ لساناً للحكمة في جعل بيت المقدس قبلة يعني إن أصل أمرك أن تسقبل الكعبة وأن استقبالك بيت المقدس كان أمراً عارضاً لغرض وإنما جعلنا القبلة الجهة التي كنت عليها قبل وقتك هذا، وهي بيت المقدس، لنمتحن الناس وننظر من يتبع الرسول ومن لا يتبعه وينفر عنه.

وهاهنا وجه ثالث ذكره أبو مسلم فقال: لولا الروايات لم تدل الآية على قبلة من قبل الرسول عليه الصلاة والسلام عليها، لأنه قد يقال: كنت بمعنى صرت كقوله تعالى: ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ  ﴾ وقد يقال: كان في معنى لم يزل كقوله تعالى: ﴿ وَكَانَ الله عَزِيزاً حَكِيماً  ﴾ فلا يمتنع أن يراد بقوله: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا القبلة التى كُنتَ عَلَيْهَا ﴾ أي التي لم تزل عليها وهي الكعبة إلا كذا وكذا.

أما قوله: ﴿ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرسول مِمَّن يَنقَلِبُ على عَقِبَيْهِ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: اللام في قوله: ﴿ إِلاَّ لِنَعْلَمَ ﴾ لام الغرض والكلام في أنه هل يصح الغرض على الله أو لا يصح وبتقدير أن لا يصح فكيف تأويل هذا الكلام فقد تقدم.

المسألة الثانية: وما جعلنا كذا وكذا إلا لنعلم كذا يوهم أن العلم بذلك الشيء لم يكن حاصلاً فهو فعل ذلك الفعل ليحصل له ذلك العلم وهذا يقتضي أن الله تعالى لم يعلم تلك الأشياء قبل وقوعها، ونظيره في الإشكال قوله: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حتى نَعْلَمَ المجاهدين مِنكُمْ والصابرين  ﴾ وقوله: ﴿ الئان خَفَّفَ الله عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً  ﴾ وقوله: ﴿ لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى  ﴾ وقوله: ﴿ فَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين صَدَقُواْ  ﴾ وقوله: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جاهدوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصابرين  ﴾ وقوله: ﴿ وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مّن سلطان إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بالأخرة  ﴾ والكلام في هذه المسألة أمر مستقصى في قوله: ﴿ وَإِذِ ابتلى ﴾ والمفسرون أجابوا عنه من وجوه: أحدها: أن قوله: ﴿ إِلاَّ لِنَعْلَمَ ﴾ معناه إلا ليعلم حزبنا من النبيين والمؤمنين كما يقول الملك: فتحنا البلدة الفلانية بمعنى: فتحها أولياؤنا، ومنه يقال: فتح عمر السواد، ومنه قول عليه الصلاة والسلام فيما يحكيه عن ربه: استقرضت عبدي فلم يقرضني، وشتمني ولم يكن ينبغي له أن يشتمني يقول وادهراه وأنا الدهر وفي الحديث: «من أهان لي ولياً فقد أهانني».

وثانيها: معناه ليحصل المعدوم فيصير موجوداً، فقوله: ﴿ إِلاَّ لِنَعْلَمَ ﴾ معناه: إلا لنعلمه موجوداً، فإن قيل: فهذا يقتضي حدوث العلم، قلنا: اختلفوا في أن العلم بأن الشيء سيوجد هل هو علم بوجوده إذا وجد الخلاف فيه مشهور.

وثالثها: إلا لنميز هؤلاء من هؤلاء بانكشاف ما في قلوبهم من الإخلاص والنفاق، فيعلم المؤمنون من يوالون منهم ومن يعادون، فسمي التمييز علماً، لأنه أحد فوائد العلم وثمراته.

ورابعها: ﴿ إِلاَّ لِنَعْلَمَ ﴾ معناه: إلا لنرى، ومجاز هذا أن العرب تضع العلم مكان الرؤية، والرؤية مكان العلم كقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ  ﴾ [الفيل: 1] [إبراهيم: 19] ورأيت، وعلمت، وشهدت، ألفاظ متعاقبة.

وخامسها: ما ذهب إليه الفراء: وهو أن حدوث العلم في هذه الآية راجع إلى المخاطبين، ومثاله أن جاهلاً وعاقلاً اجتمعا، فيقول الجاهل: الحطب يحرق النار، ويقول العاقل: بل النار تحرق الحطب، وسنجمع بينهما لنعلم أيهما يحرق صاحبه معناه: لنعلم أينا الجاهل، فكذلك قوله: ﴿ إِلاَّ لِنَعْلَمَ ﴾ إلا لتعلموا والغرض من هذا الجنس من الكلام: الاستمالة والرفق في الخطاب، كقوله: ﴿ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لعلى هُدًى  ﴾ فأضاف الكلام الموهم للشك إلى نفسه ترقيقاً للخطاب ورفقاً بالمخاطب، فكذا قوله: ﴿ إِلاَّ لِنَعْلَمَ ﴾ .

وسادسها: نعاملكم معاملة المختبر الذي كأنه لا يعلم، إذ العدل يوجب ذلك.

وسابعها: أن العلم صلة زائدة، فقوله؛ ﴿ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرسول مِمَّن يَنقَلِبُ على عَقِبَيْهِ ﴾ معناه: إلا ليحصل اتباع المتبعين، وانقلاب المنقلبين، ونظيره قولك في الشيء الذي تنفيه عن نفسك: ما علم الله هذا مني أي ما كان هذا مني والمعنى: أنه لو كان لعلمه الله.

المسألة الثالثة: اختلفوا في أن هذه المحنة حصلت بسبب تعيين القبلة أو بسبب تحويلها، فمن الناس من قال: إنما حصلت بسبب تعيين القبلة لأنه عليه الصلاة والسلام كان يصلي إلى الكعبة، فلما جاء المدينة صلى إلى بيت المقدس، فشق ذلك على العرب من حيث إنه ترك قبلتهم، ثم إنه لما حوله مرة أخرى إلى الكعبة شق ذلك على اليهود من حيث إنه ترك قبلتهم، وأما الأكثرون من أهل التحقيق قالوا: هذه المحنة إنما حصلت بسبب التحويل فإنهم قالوا: إن محمداً صلى الله عليه وسلم لو كان على يقين من أمره لما تغير رأيه، روى القفال عن ابن جريج أنه قال: بلغني أنه رجع ناس ممن أسلم، وقالوا مرة هاهنا ومرة هاهنا، وقال السدي: لما توجه النبي عليه الصلاة والسلام نحو المسجد الحرام اختلف الناس فقال المنافقون: ما بالهم كانوا على قبلة ثم تركوها، وقال المسلمون: لسنا نعلم حال إخواننا الذين ماتوا وهم يصلون نحو بيت المقدس، وقال آخرون: اشتاق إلى بلد أبيه ومولده، وقال المشركون: تحير في دينه، واعلم أن هذا القول الأخير أولى لأن الشبهة في أمر النسخ أعظم من الشبهة الحاصلة بسبب تعيين القبلة، وقد وصفها الله تعالى بالكبيرة فقال: ﴿ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الذين هَدَى الله ﴾ فكان حمله عليه أولى.

المسألة الرابعة: قوله: ﴿ مِمَّن يَنقَلِبُ على عَقِبَيْهِ ﴾ استعارة ومعناه: من يكفر بالله ورسوله، ووجه الاستعارة أن المنقلب على عقبيه قد ترك ما بين يديه وأدبر عنه، فلما تركوا الإيمان والدلائل صاروا بمنزلة المدبر عما بين يديه فوصفوا بذلك كما قال تعالى: ﴿ ثُمَّ أَدْبَرَ واستكبر  ﴾ وكما قال: ﴿ كَذَّبَ وتولى  ﴾ وكل ذلك تشبيه.

أما قوله تعالى: ﴿ وَإِن كَانَتْ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: (إن) المكسورة الخفيفة، معناها على أربعة أوجه: جزاء، ومخففة من الثقيلة، وجحد، وزائدة، أما الجزاء فهي تفيد ربط إحدى الجملتين بالأخرى فالمستلزم هو الشرط واللازم هو الجزاء كقولك: إن جئتني أكرمتك، وأما الثانية: وهي المخففة من الثقيلة فهي تفيد توكيد المعنى في الجملة بمنزلة ﴿ إن ﴾ المشددة كقولك: إن زيداً لقائم، قال الله تعالى: ﴿ إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ  ﴾ وقال: ﴿ إِن كَانَ وَعْدُ رَبّنَا لَمَفْعُولاً  ﴾ ومثله في القرآن كثير، والغرض في تخفيفها إيلاؤها ما لم يجز أن يليها من الفعل، وإنما لزمت اللام هذه المخففة للعوض عما حذف منها، والفرق بينها وبين التي للجحد في قوله تعالى: ﴿ إِنِ الكافرون إِلاَّ فِي غُرُورٍ  ﴾ وقوله: ﴿ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَىَّ  ﴾ إذ كانت كل واحدة منهما يليها الإسم والفعل جميعاً كما وصفنا، وأما الثالثة: وهي التي للجحد، كقوله: ﴿ إِنِ الحكم إِلاَّ للَّهِ  ﴾ وقال: ﴿ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن  ﴾ وقال: ﴿ وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا  ﴾ أي ما يمسكهما، وأما الرابعة وهي الزائدة فكقولك: ما إن رأيت زيداً.

إذا عرفت هذا فنقول: ﴿ إن ﴾ في قوله: ﴿ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً ﴾ هي المخففة التي تلزمها اللام، والغرض منها توكيد المعنى في الجملة.

المسألة الثانية: الضمير في قوله: ﴿ كَانَتْ ﴾ إلى أي شيء يعود؟

فيه وجهان: الأول: أنه يعود إلى القبلة لأنه لابد له من مذكور سابق وما ذاك إلا القبلة في قوله: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا القبلة التى كُنتَ عَلَيْهَا ﴾ .

الثاني: أنه عائد إلى ما دل عليه الكلام السابق وهي مفارقة القبلة، والتأنيث للتولية لأنه قال: ﴿ مَا ولاهم عَن قِبْلَتِهِمُ التى كَانُواْ عَلَيْهَا ﴾ ثم قال عطفاً على هذا: ﴿ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً ﴾ أي وإن كانت التولية لأن قوله: ﴿ مَا ولاهم ﴾ يدل على التولية كما قيل في قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسم الله عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ  ﴾ ويحتمل أن يكون المعنى: وإن كانت هذه الفعلة، نظيره قوله فبها ونعمت، واعلم أن هذا البحث متفرع على المسألة التي قدمناها وهي أن الامتحان والابتلاء حصل بنفس القبلة، أو بتحويل القبلة، وقد بينا أن الثاني أولى لأن الإشكال الحاصل بسبب النسخ أقوى من الإشكال الحاصل بسبب تلك الجهات، ولهذا وصفه الله تعالى بالكبيرة في قوله: ﴿ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً ﴾ .

أما قوله تعالى: ﴿ لَكَبِيرَة ﴾ فالمعنى: لثقيلة شاقة مستنكرة كقوله: ﴿ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ  ﴾ أي: عظمت الفرية بذلك، وقال الله تعالى: ﴿ سبحانك هذا بهتان عظِيمٌ  ﴾ وقال: ﴿ إِنَّ ذلكم كَانَ عِندَ الله عَظِيماً  ﴾ ثم إنا إن قلنا الامتحان وقع بنفس القبلة، قلنا: إن تركها ثقيل عليهم، لأن ذلك يقتضي ترك الألف والعادة، والإعراض عن طريقة الآباء والأسلاف وإن قلنا: الامتحان وقع بتحريف القبلة قلنا: إنها لثقيلة من حيث أن الإنسان لا يمكنه أن يعرف أن ذلك حق إلا بعد أن عرف مسألة النسخ وتخلص عما فيها من السؤالات، وذلك أمر ثقيل صعب إلا على من هداه الله تعالى حتى عرف أنه لا يستنكر نقل القبلة من جهة إلى جهة كما لا يستنكر نقلة إياهم من حال إلى حال في الصحة والسقم والغنى والفقر، فمن اهتدى لهذا النظر ازداد بصره، ومن سفه واتبع الهوى وظواهر الأمور ثقلت عليه هذه المسألة.

أما قوله: ﴿ إِلاَّ عَلَى الذين هَدَى الله ﴾ فاحتج الأصحاب بهذه الآية في مسألة خلق الأعمال فقالوا: المراد من الهداية إما الدعوة أو وضع الدلالة أو خلق المعرفة، والوجهان الأولان هاهنا باطلان، وذلك لأنه تعالى حكم بكونها ثقيلة على الكل إلا على الذين هدى الله فوجب أن يقال: إن الذي هداه الله لا يثقل ذلك عليه، والهداية بمعنى الدعوة، ووضع الدلائل عامة في حق الكل، فوجب أن لا يثقل ذلك على أحد من الكفار، فلما ثقل عليهم علمنا أن المراد من الهداية هاهنا خلق المعرفة والعلم وهو المطلوب، قالت المعتزلة: الجواب عنه من ثلاثة أوجه، أحدها: أن الله تعالى ذكرهم على طريق المدح فخصهم بذلك.

وثانيها: أراد به الاهتداء.

وثالثها: أنهم الذين انتفعوا بهدى الله فغيرهم كأنه لم يعتد بهم.

والجواب عن الكل: أنه ترك للظاهر فيكون على خلاف الأصل والله أعلم.

أما قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إيمانكم ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: أن رجالاً من المسلمين كأبي أمامة، وسعد بن زرارة، والبراء بن عازب، والبراء بن معرور، وغيرهم ماتوا على القبلة الأولى فقال عشائرهم: يا رسول الله توفي إخواننا على القبلة الأولى فكيف حالهم؟

فأنزل الله تعالى هذه الآية.

واعلم أنه لابد من هذا السبب، وإلا لم يتصل بعض الكلام ببعض، ووجه تقرير الإشكال أن الذين لم يجوزوا النسخ إلا مع البداء يقولون: إنه لما تغير الحكم وجب أن يكون الحكم مفسدة وباطلاً فوقع في قلبهم بناء على هذا السؤال أن تلك الصلوات التي أتوا بها متوجهين إلى بيت المقدس كانت ضائعة، ثم إن الله تعالى أجاب عن هذا الإشكال وبين أن النسخ نقل من مصلحة إلى مصلحة ومن تكليف إلى تكليف، والأول كالثاني في أن القائم به متمسك بالدين، وأن من هذا حاله فإنه لا يضيع أجره ونظيره: ما سألوا بعد تحريم الخمر عمن مات وكان يشربها، فأنزل الله تعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَى الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جُنَاحٌ  ﴾ فعرفهم الله تعالى أنه لا جناح عليهم فيما مضى لما كان ذلك بإباحة الله تعالى، فإن قيل: إذا كان الشك إنما تولد من تجويز البداء على الله تعالى فكيف يليق ذلك بالصحابة؟

قلنا: الجواب من وجوه: أحدها: أن ذلك الشك وقع لمنافق فذكر الله تعالى ذلك ليذكره المسلمون جواباً لسؤال ذلك المنافق.

وثانيها: لعلهم اعتقدوا أن الصلاة إلى الكعبة أفضل فقالوا: ليت إخواننا ممن مات أدرك ذلك، فذكر الله تعالى هذا الكلام جواباً عن ذلك.

وثالثها: لعله تعالى ذكر هذا الكلام ليكون دفعاً لذلك السؤال لو خطر ببالهم.

القول الثاني: وهو قول ابن زيد أن الله تعالى إذا علم أن الصلاح في نقلكم من بيت المقدس إلى الكعبة فلو أقركم على الصلاة إلى بيت المقدس كان ذلك إضاعة عنه لصلاتكم لأنها تكون على هذا التقدير خالية عن المصالح فتكون ضائعة والله تعالى لا يفعل ذلك.

القول الثالث: أنه تعالى لما ذكر ما عليهم من المشقة في هذا التحويل عقبه بذكر ما لهم عنده من الثواب وأنه لا يضيع ما عملوه وهذا قول الحسن.

القول الرابع: كأنه تعالى قال: وفقتكم لقبول هذا التكليف لئلا يضيع إيمانكم فإنهم لو ردوا هذا التكليف لكفروا ولو كفروا لضاع إيمانهم فقال: ﴿ وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إيمانكم ﴾ فلا جرم وفقكم لقبول هذا التكليف وأعانكم عليه.

المسألة الثانية: اختلفوا في أن قوله: ﴿ وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إيمانكم ﴾ خطاب مع من؟

على قولين: الأول: أنه مع المؤمنين، وذكر القفال على هذا القول وجوهاً أربعة.

الأول: أن الله خاطب به المؤمنين الذين كانوا موجودين حينئذ، وذلك جواب عما سألوه من قبل.

الثاني: أنهم سألوا عمن مات قبل نسخ القبلة فأجابهم الله تعالى بقوله: ﴿ وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إيمانكم ﴾ أي وإذا كان إيمانكم الماضي قبل النسخ لا يضيعه الله فكذلك إيمان من مات قبل النسخ.

الثالث: يجوز أن يكون الأحياء قد توهموا أن ذلك لما نسخ بطل، وكان ما يؤتى به بعد النسخ من الصلاة إلى الكعبة كفارة لما سلف واستغنوا عن السؤال عن أمر أنفسهم لهذا الضرب من التأويل فسألوا عن إخوانهم الذين ماتوا ولم يأتوا بما يكفر ما سلف فقيل: ﴿ وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إيمانكم ﴾ والمراد أهل ملتكم كقوله لليهود الحاضرين في زمان محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا  ﴾ ، ﴿ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ البحر  ﴾ .

الرابع: يجوز أن يكون السؤال واقعاً عن الأحياء والأموات معاً، فإنهم اشفقوا على ما كان من صلاتهم أن يبطل ثوابهم، وكان الإشفاق واقعاً في الفريقين فقيل: إيمانكم للأحياء والأموات، إذ من شأن العرب إذا أخبروا عن حاضر وغائب أن يغلبوا الخطاب فيقولوا: كنت أنت وفلان الغائب فعلتما والله أعلم.

القول الثاني: قول أبي مسلم، وهو أنه يحتمل أن يكون ذلك خطاباً لأهل الكتاب، والمراد بالإيمان صلاتهم وطاعتهم قبل البعثة ثم نسخ، وإنما اختار أبو مسلم هذا القول لئلا يلزمه وقوع النسخ في شرعنا.

المسألة الثالثة: استدلت المعتزلة بقوله: ﴿ وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إيمانكم ﴾ على أن الإيمان اسم لفعل الطاعات فإنه تعالى أراد بالإيمان هاهنا الصلاة.

والجواب: لا نسلم أن المراد من الإيمان هاهنا الصلاة، بل المراد منه التصديق والإقرار فكأنه تعالى قال: أنه لا يضيع تصديقكم بوجوب تلك الصلاة سلمنا أن المراد من الإيمان هاهنا الصلاة ولكن الصلاة أعظم الإيمان وأشرف نتائجه وفوائده فجاز إطلاق اسم الإيمان على الصلاة على سبيل الإستعارة من هذه الجهة.

المسألة الرابعة: قوله: ﴿ وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إيمانكم ﴾ أي لا يضيع ثواب إيمانكم لأن الإيمان قد انقضى وفني وما كان كذلك استحال حفظه وإضاعته إلا أن استحقاق الثواب قائم بعد انقضائه فصح حفظه وإضاعته وهو كقوله تعالى: ﴿ أَنّى لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ  ﴾ .

أما قوله: ﴿ إِنَّ الله بالناس لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال القفال رحمه الله: الفرق بين الرأفة والرحمة أن الرأفة مبالغة في رحمة خاصة وهي دفع المكروه وإزالة الضرر كقوله: ﴿ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ الله  ﴾ أي لا ترأفوا بهما فترفعوا الجلد عنهما، وأما الرحمة فإنها اسم جامع يدخل فيه ذلك المعنى ويدخل فيه الإفضال والإنعام، وقد سمى الله تعالى المطر رحمة فقال: ﴿ وَهُوَ الذي يُرْسِلُ الرياح بُشْرًاَ بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ  ﴾ لأنه إفضال من الله وإنعام، فذكر الله تعالى الرأفة أولاً بمعنى أنه لا يضيع أعمالهم ويخفف المحن عنهم، ثم ذكر الرحمة لتكون أعم وأشمل، ولا تختص رحمته بذلك النوع بل هو رحيم من حيث أنه دافع للمضار التي هي الرأفة وجالب للمنافع معاً.

المسألة الثانية: ذكروا في وجه تعلق هذين الاسمين بما قبلهما وجوهاً: أحدها: أنه تعالى لما أخبر أنه لا يضيع إيمانهم قال: ﴿ إِنَّ الله بالناس لَرَءوفٌ رَّحِيمٌ  ﴾ والرؤف الرحيم كيف يتصور منه هذه الإضاعة.

وثانيها: أنه لرؤف رحيم فلذلك ينقلكم من شرع إلى شرع آخر وهو أصلح لكم وأنفع في الدين والدنيا.

وثالثها: قال: ﴿ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الذين هَدَى الله ﴾ فكأنه تعالى قال: وإنما هداهم الله ولأنه رؤف رحيم.

المسألة الثالثة: قرأ عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم: ﴿ رَءوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ مهموزاً غير مشبع على وزن رعف والباقون ﴿ رؤف ﴾ مثقلاً مهموزاً مشبعاً على وزن رعوف وفيه أربع لغات رئف أيضاً كحزر، ورأف على وزن فعل.

المسألة الرابعة: استدلت المعتزلة بهذه الآية على أنه تعالى لا يخلق الكفر ولا الفساد قالوا لأنه تعالى بين أنه بالناس لرؤف رحيم، والكفار من الناس فوجب أن يكون رؤفاً رحيماً بهم، وإنما يكون كذلك لو لم يخلق فيهم الكفر الذي يجرهم إلى العقاب الدائم والعذاب السرمدي، ولو لم يكلفهم ما لا يطيقون فإنه تعالى لو كان مع مثل هذا الإضرار رؤفاً رحيماً فعلى أي طريق يتصور أن لا يكون رؤفاً رحيماً واعلم أن الكلام عليه قد تقدم مراراً والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ سَيَقُولُ السفهاء ﴾ الخفاف الأحلام وهم اليهود لكراهتهم التوجه إلى الكعبة، وأنهم لا يرون النسخ.

وقيل: المنافقون، لحرصهم على الطعن والاستهزاء.

وقيل: المشركون، قالوا: رغب عن قبلة آبائه ثم رجع إليها، والله ليرجعن إلى دينهم.

فإن قلت: أي فائدة في الإخبار بقولهم قبل وقوعه؟

قلت: فائدته أن مفاجأة المكروه أشدّ، والعلم به قبل وقوعه أبعد من الاضطراب إذا وقع لما يتقدّمه من توطين النفس، وأنّ الجواب العتيد قبل الحاجة إليه أقطع للخصم وأرد لشغبه، وقبل الرمي يراش السهم ﴿ مَا ولاهم ﴾ ما صرفهم ﴿ عَن قِبْلَتِهِمُ ﴾ وهي بيت المقدس ﴿ لّلَّهِ المشرق والمغرب ﴾ أي بلاد المشرق والمغرب والأرض كلها ﴿ يَهْدِى مَن يَشَآءُ ﴾ من أهلها ﴿ إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ ﴾ وهو ما توجبه الحكمة والمصلحة، من توجيههم تارة إلى بيت المقدس، وأخرى إلى الكعبة ﴿ وكذلك جعلناكم ﴾ ومثل ذلك الجعل العجيب جعلناكم ﴿ أُمَّةً وَسَطًا ﴾ خياراً، وهي صفة بالاسم الذي هو وسط الشيء.

ولذلك استوى فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث.

ونحوه قوله عليه السلام: «وأنطوا الثبجة» يريد الوسيطة بين السمينة والعجفاء وصفاً بالثَّج وهو: وسط الظهر، إلا أنه ألحق تاء التأنيث مراعاة لحق الوصف.

وقيل: للخيار: وسط لأنّ الأطراف يتسارع إليها الخلل، والأعوار والأوساط محمية محوّطة.

ومنه قول الطائي: كَانَتْ هِيَ الْوَسَط المَحْمِيَّ فَاكْتَنفَتْ ** بِهَا الْحَوَادِثُ حَتَّى أَصْبَحَتْ طَرَفَا وقد اكتريت بمكة جمل أعرابي للحج فقال: أعطني من سطاتهنه، أراد من خيار الدنانير.

أو عدولاً، لأنّ الوسط عدل بين الأطراف ليس إلى بعضها أقرب من بعض ﴿ لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس ﴾ روي: (أنّ الأمم يوم القيامة يجحدون تبليغ الأنبياء، فيطالب الله الأنبياء بالبينة على أنهم قد بلغوا وهو أعلم، فيؤتى بأمّة محمد صلى الله عليه وسلم فيشهدون، فتقول الأمم: من أين عرفتم؟

فيقولون علمنا ذلك بإخبار الله في كتابه الناطق على لسان نبيه الصادق، فيؤتى بمحمد صلى الله عليه وسلم فيسأل عن حال أمته، فيزكيهم ويشهد بعدالتهم) وذلك قوله تعالى: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هَؤُلاء شَهِيداً ﴾ [النساء: 41] .

فإن قلت: فهلا قيل لكم شهيداً وشهادته لهم لا عليهم.

قلت: لما كان الشهيد كالرقيب والمهيمن على المشهود له، جيء بكلمة الاستعلاء.

ومنه قوله تعالى: ﴿ والله على كُلّ شَيْء شَهِيدٌ ﴾ [المجادلة: 7] ، ﴿ كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ على كُلّ شَيْء شَهِيدٌ ﴾ [المائدة: 17] .

وقيل: لتكونوا شهداء على الناس في الدنيا فيما لا يصح إلا بشهادة العدول الأخيار ﴿ وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ يزكيكم ويعلم بعدالتكم، فإن قلت: لم أخرت صلة الشهادة أولاً وقدّمت آخراً؟

قلت: لأن الغرض في الأول إثبات شهادتهم على الأمم، وفي الآخر اختصاصهم بكون الرسول شهيداً عليهم ﴿ التى كُنتَ عَلَيْهَا ﴾ ليست بصفة للقبلة إنما هي ثاني مفعولي جعل.

يريد: وما جعلنا القبلة الجهة التي كنت عليها وهي الكعبة، لأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلّي بمكة إلى الكعبة، ثم أمر بالصلاة إلى صخرة بيت المقدس بعد الهجرة تألفاً لليهود، ثم حوّل إلى الكعبة فيقول: وما جعلنا القبلة التي تجب أن تستقبلها الجهة التي كنت عليها أوّلاً بمكة، يعني: وما رددناك إليها إلا امتحاناً للناس وابتلاء ﴿ لَنَعْلَمُ ﴾ الثابت على الإسلام الصادق فيه، ممن هو على حرف ينكُص ﴿ على عَقِبَيْهِ ﴾ لقلقه فيرتدّ كقوله: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ الآية.

ويجوز أن يكون بياناً للحكمة في جعل بيت المقدس قبلته.

يعني أنّ أصل أمرك أن تستقبل الكعبة، وأن استقبالك بيت المقدس كان أمراً عارضاً لغرض.

وإنما جعلنا القبلة الجهة التي كنت عليها قبل وقتك هذا وهي بيت المقدس، لنمتحن الناس وننظر من يتبع الرسول منهم ومن لا يتبعه وينفر عنه.

وعن ابن عباس رضي الله عنه: (كانت قبلته بمكة بيت المقدس إلا أنه كان يجعل الكعبة بينه وبينه) فإن قلت: كيف قال ﴿ لِنَعْلَمَ ﴾ ولم يزل عالماً بذلك؟

قلت: معناه: لنعلمه علماً يتعلق به الجزاء، وهو أن يعلمه موجوداً حاصلاً ونحوه: ﴿ وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جاهدوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصابرين ﴾ [التوبة: 16] .

وقيل: ليعلم رسول الله والمؤمنون.

وإنَما أسند علمهم إلى ذاته، لأنهم خواصه وأهل الزلفى عنده.

وقيل: معناه لنميز التابع من الناكص، كما قال: ﴿ لِيَمِيزَ الله الخبيث مِنَ الطيب ﴾ [الأنفال: 37] فوضع العلم موضع التمييز لأنّ العلم به يقع التمييز به ﴿ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً ﴾ هي إن المخففة التي تلزمها اللام الفارقة.

والضمير في ﴿ كَانَتْ ﴾ لما دلّ عليه قوله: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا القبلة التى كُنتَ عَلَيْهَا ﴾ من الردّة، أو التحويلة، أو الجعلة.

ويجوز أن يكون للقبلة ﴿ لَكَبِيرَةٌ ﴾ لثقيلة شاقة ﴿ إِلاَّ عَلَى الذين هَدَى الله ﴾ إلا على الثابتين الصادقين في اتباع الرسول الذين لطف الله بهم وكانوا أهلاً للطفه ﴿ وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إيمانكم ﴾ أي ثباتكم على الإيمان وأنكم لم تزلّوا ولم ترتابوا، بل شكر صنيعكم وأعدّ لكم الثواب العظيم.

ويجوز أن يراد: وما كان الله ليترك تحويلكم لعلمه أن تركه مفسدة وإضاعة لإيمانكم.

وقيل: من كان صلى إلى بيت المقدس قبل التحويل فصلاته غير ضائعة.

عن ابن عباس رضي الله عنه: لما وجه رسول الله إلى الكعبة قالوا: كيف بمن مات قبل التحويل من إخواننا فنزلت.

﴿ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ لا يضيع أجورهم ولا يترك ما يصلحهم.

ويحكى عن الحجاج أنه قال للحسن: ما رأيك في أبي تراب، فقرأ قوله: ﴿ إِلاَّ عَلَى الذين هَدَى الله ﴾ ثم قال: وعليٌّ منهم، وهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنه على ابنته، وأقرب الناس إليه، وأحبهم.

وقرئ: ﴿ إلا لِيُعْلِمَ ﴾ على البناء للمفعول.

ومعنى العلم: المعرفة.

ويجوز أن تكون (من) متضمنة لمعنى الاستفهام معلقاً عنها العلم، كقولك: علمت أزيد في الدار أم عمرو.

وقرأ ابن أبي إسحاق ﴿ على عقبيه ﴾ بسكون القاف.

وقرأ اليزيدي ﴿ لكبيرة ﴾ بالرفع.

ووجهها أن تكون (كان) مزيدة، كما في قوله: وَجِيْرَانٍ لَنَا كانُوا كِرَامِ والأصل: وإن هي لكبيرةٌ كقولك: إن زيد لمنطلق ثم وإن كانت لكبيرة وقرئ: ﴿ ليضيع ﴾ بالتشديد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَكَذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى مَفْهُومِ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، أيْ كَما جَعَلْناكم مَهْدِيِّينَ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، أوْ جَعَلْنا قِبْلَتَكم أفْضَلَ القِبَلِ.

﴿ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا ﴾ أيْ خِيارًا، أوْ عُدُولًا مُزَكِّينَ بِالعِلْمِ والعَمَلِ.

وهو في الأصْلِ اسْمٌ لِلْمَكانِ الَّذِي تَسْتَوِي إلَيْهِ المِساحَةُ مِنَ الجَوانِبِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلْخِصالِ المَحْمُودَةِ لِوُقُوعِها بَيْنَ طَرَفَيْ إفْراطٍ وتَفْرِيطٍ، كالجُودِ بَيْنَ الإسْرافِ والبُخْلِ، والشَّجاعَةِ بَيْنَ التَّهَوُّرِ والجُبْنِ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى المُتَّصِفِ بِها مُسْتَوِيًا فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ، والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ كَسائِرِ الأسْماءِ الَّتِي وُصِفَ بِها، واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ الإجْماعَ حُجَّةٌ إذْ لَوْ كانَ فِيما اتَّفَقُوا عَلَيْهِ باطِلٌ لانْثَلَمَتْ بِهِ عَدالَتُهم ﴿ لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا ﴾ عِلَّةٌ لِلْجَعْلِ، أيْ لِتَعْلَمُوا بِالتَّأمُّلِ فِيما نُصِبَ لَكم مِنَ الحُجَجِ، وأنْزَلَ عَلَيْكم مِنَ الكِتابِ أنَّهُ تَعالى ما بَخِلَ عَلى أحَدٍ وما ظَلَمَ، بَلْ أوْضَحَ السُّبُلَ وأرْسَلَ الرُّسُلَ، فَبَلَّغُوا ونَصَحُوا.

ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا حَمَلَهُمُ الشَّقاءُ عَلى اتِّباعِ الشَّهَواتِ، والإعْراضِ عَنِ الآياتِ، فَتَشْهَدُونَ بِذَلِكَ عَلى مُعاصِرِيكم وعَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكم أوْ بَعْدِكم.

رُوِيَ «أنَّ الأُمَمَ يَوْمَ القِيامَةِ يَجْحَدُونَ تَبْلِيغَ الأنْبِياءِ، فَيُطالِبُهُمُ اللَّهُ بِبَيِّنَةِ التَّبْلِيغِ - وهو أعْلَمُ بِهِمْ - إقامَةً لِلْحُجَّةِ عَلى المُنْكِرِينَ، فَيُؤْتى بِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ  فَيَشْهَدُونَ، فَتَقُولُ الأُمَمُ مِن أيْنَ عَرَفْتُمْ؟

فَيَقُولُونَ: عَلِمْنا ذَلِكَ بِإخْبارِ اللَّهِ تَعالى في كِتابِهِ النّاطِقِ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ الصّادِقِ، فَيُؤْتى بِمُحَمَّدٍ  فَيُسْألُ عَنْ حالِ أُمَّتِهِ، فَيَشْهَدُ بِعَدالَتِهِمْ» وَهَذِهِ الشَّهادَةُ وإنْ كانَتْ لَهم لَكِنْ لَمّا كانَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ كالرَّقِيبِ المُهَيْمِنِ عَلى أُمَّتِهِ عُدِّي بِعَلى، وقُدِّمَتِ الصِّلَةُ لِلدَّلالَةِ عَلى اخْتِصاصِهِمْ يَكُونُ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ.

﴿ وَما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها ﴾ أيِ الجِهَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها، وهي الكَعْبَةُ فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يُصَلِّي إلَيْها بِمَكَّةَ، ثُمَّ لَمّا هاجَرَ أُمِرَ بِالصَّلاةِ إلى الصَّخْرَةِ تَألُّفًا لِلْيَهُودِ.

أوِ الصَّخْرَةُ لِقَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما (كانَتْ قِبْلَتُهُ بِمَكَّةَ بَيْتَ المَقْدِسِ إلّا أنَّهُ كانَ يَجْعَلُ الكَعْبَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ) فالمُخْبَرُ بِهِ عَلى الأوَّلِ الجَعْلُ النّاسِخُ، وعَلى الثّانِي المَنسُوخِ.

والمَعْنى أنَّ أصْلَ أمْرِكَ أنْ تَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ، وما جَعَلْنا قِبْلَتَكَ بَيْتَ المَقْدِسِ.

﴿ إلا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ ﴾ إلّا لِنَمْتَحِنَ بِهِ النّاسَ ونَعْلَمَ مَن يَتْبَعُكَ في الصَّلاةِ إلَيْها، مِمَّنْ يَرْتَدُّ عَنْ دِينِكَ إلْفًا لِقِبْلَةِ آبائِهِ.

أوْ لِنَعْلَمَ الآنَ مَن يُتْبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ لا يَتْبَعُهُ، وما كانَ لِعارِضٍ يَزُولُ بِزَوالِهِ.

وعَلى الأوَّلِ مَعْناهُ: ما رَدَدْناكَ إلى الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إلّا لِنَعْلَمَ الثّابِتَ عَلى الإسْلامِ مِمَّنْ يَنْكِصُ عَلى عَقِبَيْهِ لِقَلَقِهِ وضَعْفِ إيمانِهِ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ عِلْمُهُ تَعالى غايَةَ الجَعْلِ وهو لَمْ يَزَلْ عالِمًا.

قُلْتُ: هَذا وأشْباهُهُ بِاعْتِبارِ التَّعَلُّقِ الحالِيِّ الَّذِي هو مَناطُ الجَزاءِ، والمَعْنى لِيَتَعَلَّقَ عِلْمُنا بِهِ مَوْجُودًا.

وقِيلَ: لِيَعْلَمَ رَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ لَكِنَّهُ أسْنَدَهُ إلى نَفْسِهِ لِأنَّهم خَواصُّهُ، أوْ لِتَمَيُّزِ الثّابِتِ مِنَ المُتَزَلْزِلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾ فَوُضِعَ العِلْمُ مَوْضِعَ التَّمْيِيزِ المُسَبَّبِ عَنْهُ، ويَشْهَدُ لَهُ قِراءَةُ « لِيُعْلَمَ» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والعِلْمُ إمّا بِمَعْنى المَعْرِفَةِ، أوْ مُعَلَّقٌ لِما في مَن مِن مَعْنى الِاسْتِفْهامِ، أوْ مَفْعُولُهُ الثّانِي مِمَّنْ يَنْقَلِبُ، أيْ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مُتَمَيِّزًا مِمَّنْ يَنْقَلِبُ.

﴿ وَإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً ﴾ إنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ هي الفاصِلَةُ.

وَقالَ الكُوفِيُّونَ: هي النّافِيَةُ واللّامُ بِمَعْنى إلّا.

والضَّمِيرُ لَمّا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها ﴾ مِنَ الجَعْلَةِ، أوِ الرِّدَّةِ، أوِ التَّوْلِيَةِ، أوِ التَّحْوِيلَةِ، أوِ القِبْلَةِ.

وقُرِئَ « لَكَبِيرَةٌ» بِالرَّفْعِ فَتَكُونُ كانَ زائِدَةً ﴿ إلا عَلى الَّذِينَ هَدى اللَّهُ ﴾ إلى حِكْمَةِ الأحْكامِ الثّابِتِينَ عَلى الإيمانِ والِاتِّباعِ ﴿ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ ﴾ أيْ ثَباتَكم عَلى الإيمانِ.

وقِيلَ: إيمانَكم بِالقِبْلَةِ المَنسُوخَةِ، أوْ صَلاتَكم إلَيْها لِما رُوِيَ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا وُجِّهَ إلى الكَعْبَةِ قالُوا: كَيْفَ بِمَن ماتَ يا رَسُولَ اللَّهِ قَبْلَ التَّحْوِيلِ مِن إخْوانِنا فَنَزَلَتْ: ﴿ إنَّ اللَّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ فَلا يُضِيعُ أُجُورَهم ولا يَدَعُ صَلاحَهُمْ، ولَعَلَّهُ قَدَّمَ الرَّءُوفَ وهو أبْلَغُ مُحافَظَةً عَلى الفَواصِلِ وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ لَرَءُوفٌ بِالمَدِّ، والباقُونَ بِالقَصْرِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وكذلك جعلناكم} ومثل ذلك الجعل جعلناكم فالكاف للتشبيه وذاجر بالكاف واللام للفرق بين الإشارة إلى القريب والإشارة إلى البعيد والكاف للخطاب لا محل لها من الإعراب {أُمَّةً وَسَطًا} خياراً وقيل للخيار وسط لأن الأطراف يتسارع إليها الخلل والأوساط محمية أي كما جعلت قبلتكم خير القبل جعلتكم خير الأمم أو عدولاً لأن الوسط عدل بين الأطراف ليس إلى بعضها أقرب من بعض أي كما جعلنا قبلتكم متوسطة بين المشرق والمغرب جعلناكم أمة وسطاً بين العلو والتقصير فانكم لم تغلو غلو النصارى حيث وصفوا المسيح بالألوهية ولم تقصروا تقصير اليهود حيث وصفوا مريم بالزنا وعيسى بأنه ولد الزنا {لّتَكُونُواْ شُهَدَاءَ} غير منصرف لمكان ألف التأنيث {عَلَى الناس} صلة شهداء {وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} عطف على لتكونوا روي أن الأمم يوم القيامة يجحدون تبليغ الأنبياء فيطالب الله الأنبياء البينة على أنهم قد بلغوا وهو أعلم فيؤتى بأمة محمد عليه السلام فيشهدون فيقول الأمم من أين عرفتم فيقولون علمنا ذلك بإخبار الله تعالى في كتابه الناطق على لسان نبيه الصادق فيؤتى بمحمد عليه السلام فيسأل عن حال أمته فيزكيهم ويشهد بعدالتهم والشهادة قد تكون بلا مشاهدة كالشهادة بالتسامع في الأشياء المعروفة ولما كان الشهيد كالرقيب جيء بكلمة الاستعلاء كقوله تعالى {كُنتَ أَنتَ الرقيب عليهم} وقيل {لتكونوا شهداء على الناس} في الدنيا فيما لا يصح إلا بشهادة العدول

الأخيار ويكون الرسول عليكم شهيداً يزكيكم ويعلم بعدالتكم واستدل الشيخ أبو منصور رحمه الله بالآية على أن الإجماع حجة

البقرة (١٤٣ _ ١٤٤)

لأن الله تعالى وصف هذه الأمة بالعدالة والعدل هو المستحق للشهادة وقبولها فإذا اجتمعوا على شيء وشهدوا به لزم قبوله وأخرت صلة الشهادة أو لا وقدمت آخراً لأن المراد في الأول إثبات شهادتهم على الأمم وفي الآخر اختصاصهم بكون الرسول شهيداً عليهم {وَمَا جَعَلْنَا القبلة التى كُنتَ عَلَيْهَا} أي وما جعلنا القبلة الجهة كنت عليها وهي الكعبة فالتي كنت عليها ليست بصفة للقبلة بل هي ثانى مفعول جعل روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي بمكة إلى الكعبة ثم أمر بالصلاة إلى صخرة بيت المقدس بعد الهجرة تأليفاً لليهود ثم حول إلى الكعبة {إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرسول مِمَّن يَنقَلِبُ على عَقِبَيْهِ} أي وما جعلنا القبلة التي تحب أن تستقبلها الجهة التى كنت عليها أو لا بمكة إلا امتحانا للناس وابتلاء لنعلم الثابث على الإسلام الصادق فيه ممن هو على حرف ينكص على عقبيه لقلقلته يرجع فيرتد عن الإسلام عند تحويل القبلة قال الشيخ أبو منصور رحمه الله معنى قوله لنعلم أي لنعلم كائناً أو موجوداً ما قد علمناه أنه يكون ويوجد فالله تعالى عالم في الأزل بكل ما أراد وجوده أنه يوجد في الوقت الذي شاء وجوده فيه ولا يوصف بأنه عالم في الأزل بأنه موجود كائن لأنه ليس بموجود في الأزل فكيف يعلمه موجوداً فإذا صار موجوداً يدخل تحت علمه الأزلي فيصير معلوما له موجودا كائنا والتغير عل المعلوم لا على العلم أو لتميز النابع من الناكص كما قال تعالى لِيَمِيزَ الله الخبيث من الطيب فوضع العلم موضع التميز لأن العلم به يقع التميز أو ليعلم رسول الله عليه الصلاة والسلام والمؤمنون وإنما أسند علمهم إلى ذاته لأنهم

خواصه أو هو على ملاطفة الخطاب لمن لا يعلم كقولك لمن ينكر ذوب الذهب فليلقه في النار لنعلم أيذوب {وَإِن كَانَتْ} أي التحويلة أو الجعلة أو القبلة وإن هي المخففة واللام في {لَكَبِيرَةً} أي ثقيلة شاقة وهي خبر كان واللام فارقة {إِلاَّ عَلَى الذين هَدَى الله} أي هداهم الله فحذف العائد أي إلا على الثابتين الصادقين في اتباع الرسول {وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إيمانكم} أي صلاتكم إلى بيت المقدس سمى الصلاة إيماناً لأن وجوبها على أهل الإيمان وقبولها من أهل الإيمان وأداؤها فى الجمعة دليل الإيمان ولما توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة قالوا كيف بمن مات قبل التحويل من إخواننا فنزلت ثم علل ذلك فقال {إِنَّ الله بالناس

لَرَؤُوفٌ} مهموز مشبع حجازى وشامى وحفص رءوف غيرهم بوزن فعل وهما المبالغة {رَّحِيمٌ} لا يضيع أجورهم والرأفة أشد من الرحمة وجمع بينهما كما في الرحمن الرحيم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ كَلامَيْنِ مُتَّصِلَيْنِ وقَعا خِطابًا لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ اسْتِطْرادًا لِمَدْحِ المُؤْمِنِينَ بِوَجْهٍ آخَرَ، أوْ تَأْكِيدًا لِرَدِّ الإنْكارِ بِأنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ وأهْلَ هَذِهِ المِلَّةِ شُهَداءُ عَلَيْكم يَوْمَ الجَزاءِ، وشَهاداتُهم مَقْبُولَةٌ عِنْدَكم، فَأنْتُمْ إذًا أحَقُّ بِاتِّباعِهِمْ والِاقْتِداءِ بِهِمْ، فَلا وجْهَ لِإنْكارِكم عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى الجَعْلِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِجَعَلْناكُمْ، وجِيءَ بِما يَدُلُّ عَلى البُعْدِ تَفْخِيمًا، والكافُ مُقْحَمٌ لِلْمُبالَغَةِ، وهو إقْحامٌ مُطَّرِدٌ، ومَحَلُّها في الأصْلِ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وأصْلُ التَّقْدِيرِ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا جَعْلًا كائِنًا مِثْلَ ذَلِكَ الجَعْلِ، فَقُدِّمَ عَلى الفِعْلِ لِإفادَةِ القَصْرِ، وأُقْحِمَتِ الكافُ فَصارَ نَفْسَ المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ لا نَعْتًا لَهُ، أيْ ذَلِكَ الجَعْلُ البَدِيعُ جَعَلْناكم لا جَعْلًا آخَرَ أدْنى مِنهُ، كَذا قالُوا، وقَدْ ذَكَرْنا قَبْلُ أنَّ ”كَذَلِكَ“ كَثِيرًا ما يُقْصَدُ بِها تَثْبِيتُ ما بَعْدَها، وذَلِكَ لِأنَّ وجْهَ الشَّبَهُ يَكُونُ كَثِيرًا في النَّوْعِيَّةِ والجِنْسِيَّةِ كَقَوْلِكَ: هَذا الثَّوْبُ كَهَذا الثَّوْبِ في كَوْنِهِ خَزًّا أوْ بَزّا، وهَذا التَّشْبِيهُ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ مِثْلِهِ وثُبُوتَهُ في ضِمْنِ النَّوْعِ، فَأُرِيدَ بِهِ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ مُجَرَّدُ الثُّبُوتِ لِما بَعْدَهُ، ولَمّا كانَتِ الجُمْلَةُ تَدُلُّ عَلى الثُّبُوتِ كانَ مَعْناها مَوْجُودًا بِدُونِها، وهي مُؤَكِّدَةٌ لَهُ، فَكانَتْ كالكَلِمَةِ الزّائِدَةِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِمْ: إنَّ الكافَ مُقْحَمَةٌ لا أنَّها زائِدَةٌ كَما يُوهِمُهُ كَلامُهم، وأمّا اسْتِفادَةُ كَوْنِ ما بَعْدَها عَجِيبًا فَلَيْسَ إلّا لِأنَّ ما لَيْسَ كَذَلِكَ لا يَحْتاجُ لِبَيانٍ، فَلَمّا اهْتَمَّ بِإثْباتِهِ في الكَلامِ البَلِيغِ عُلِمَ أنَّهُ أمْرٌ غَرِيبٌ، أوْ لِحَمْلِ البَعْدِ المَفْهُومِ مِن ذَلِكَ عَلى البْعْدِ الرَّتَبِيِّ، ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ ”كَذَلِكَ“ لِلتَّشْبِيهِ ”بِجَعَلَ“ مَفْهُومٌ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ أيْ مِثْلَ ما جَعَلْناكم مَهْدِيِّينَ، أوْ جَعَلْنا قِبْلَتَكم أفْضَلَ القِبَلِ -جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا- ويُرَدُّ عَلى ذَلِكَ أنَّ المَحَلَّ المُشَبَّهَ بِهِ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِهَذِهِ الأُمَّةِ؛ لِأنَّ مُؤْمِنِي الأُمَمِ السّابِقَةِ كانُوا أيْضًا مُهْتَدِينَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، وكانَتْ قِبْلَةُ بَعْضِهِمْ أفْضَلَ القِبَلِ أيْضًا، والجَعْلُ المُشَبَّهُ مُخْتَصٌّ بِهِمْ، فَلا يَحْسُنُ التَّشْبِيهُ عَلى أنَّهُ لا يُفْهَمُ مِنَ السّابِقِ سِوى أنَّ التَّوَجُّهَ إلى كُلِّ واحِدِ القِبْلَتَيْنِ في وقْتِهِ صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ، والأمْرُ بِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ هِدايَةٌ ولا يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ قِبْلَتَهم أفْضَلُ القِبَلِ، والنّاسِخُ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ خَيْرًا مِنَ المَنسُوخِ -اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ مُرادُ القائِلِ كَما جَعَلْنا قِبْلَتْكُمُ الكَعْبَةَ الَّتِي هي أفْضَلُ القِبَلِ في الواقِعِ جَعَلْنا- إلّا أنَّهُ عَلى ما فِيهِ لا يَحْسِمُ الإيرادَ كَما يَخْفى.

ومَعْنًى (وسَطًا) خِيارًا أوْ عُدُولًا، وهو في الأصْلِ اسْمٌ لِما يَسْتَوِي نِسْبَةُ الجَوانِبِ إلَيْهِ -كالمَرْكَزِ- ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلْخِصالِ المَحْمُودَةِ البَشَرِيَّةِ لِكَوْنِها أوْساطًا لِلْخِصالِ الذَّمِيمَةِ المُكْتَنِفَةِ بِها مِن طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ، كالجُودِ بَيْنَ الإسْرافِ والبُخْلِ، والشَّجاعَةِ بَيْنَ الجُبْنِ والتَّهَوُّرِ، والحِكْمَةِ بَيْنَ الجَرْبَزَةِ والبَلادَةِ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى المُتَّصِفِ بِها إطْلاقَ الحالِ عَلى المَحَلِّ، واسْتَوى فِيهِ الواحِدُ وغَيْرُهُ؛ لِأنَّهُ بِحَسَبِ الأصْلِ جامِدٌ لا تُعْتَبَرُ مُطابَقَتُهُ، وقَدْ يُراعى فِيهِ ذَلِكَ، ولَيْسَ هَذا الإطْلاقُ مُطَّرِدًا كَما يُظَنُّ مِن قَوْلِهِمْ: خَيْرُ الأُمُورِ الوَسَطُ، إذْ يُعارِضُهُ قَوْلُهم عَلى الذَّمِّ: أثْقَلُ مِن مُغَنٍّ وسَطٌ؛ لِأنَّهُ كَما قالَ الجاحِظُ: يَخْتِمُ عَلى القَلْبِ، ويَأْخُذُ بِالأنْفاسِ، ولَيْسَ بِجَيِّدٍ فَيُطْرِبُ، ولا بِرَدِيءٍ فَيُضْحِكُ.

وقَوْلُهم: أخُو الدُّونِ الوَسَطُ، بَلْ هو وصْفُ مَدْحٍ في مَقامَيْنِ؛ في النَّسَبِ لِأنَّ أوْسَطَ القَبِيلَةِ أعْرَقُها وصَمِيمُها، وفي الشَّهادَةِ كَما هُنا؛ لِأنَّهُ العَدالَةُ الَّتِي هي كَمالُ القُوَّةِ العَقْلِيَّةِ والشَّهَوِيَّةِ والغَضَبِيَّةِ، أعْنِي اسْتِعْمالَها فِيما يَنْبَغِي عَلى ما يَنْبَغِي، ولَمّا كانَ عِلْمُ العِبادِ لَمْ يُعْطَ إلّا بِالظّاهِرِ أقامَ الفُقَهاءُ الِاجْتِنابَ عَنِ الكَبائِرِ وعَدَمِ الإصْرارِ عَلى الصَّغائِرِ مَقامَ ذَلِكَ وسَمَّوْهُ عَدالَةً في إحْياءِ الحُقُوقِ فَلْيُحْفَظْ.

وشاعَ عَنْ أبِي مَنصُورٍ الِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الإجْماعَ حُجَّةٌ؛ إذْ لَوْ كانَ ما اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الأُمَّةُ باطِلًا لانْثَلَمَتْ بِهِ عَدالَتُهُمْ، وهو مَعَ بِنائِهِ عَلى تَفْسِيرِ الوَسَطِ بِالعُدُولِ ولِلْخَصْمِ أنْ يُفَسِّرَهُ بِالخِيارِ، فَلا يَتِمُّ، إذْ كَوْنُهم خِيارًا يَقْتَضِي خَيْرِيَّتَهم في جَمِيعِ الأُمُورِ، فَيُنافِي اتِّفاقَهم عَلى الخَطَأِ لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ: أمّا أوَّلًا: فَلِأنَّ العَدالَةَ لا تُنافِي الخَطَأ في الِاجْتِهادِ، إذْ لا فِسْقَ فِيهِ، كَيْفَ والمُجْتَهِدُ المُخْطِئُ مَأْجُورٌ.

وأما ثانِيًا: فَلِأنَّ المُرادَ كَوْنُهم وسَطًا بِالنِّسْبَةِ إلى سائِرِ الأُمَمِ.

وأمّا ثالِثًا: فَلِأنَّهُ لا مَعْنًى لِعَدالَةِ المَجْمُوعِ بَعْدَ القَطْعِ بِعَدَمِ عَدالَةِ كُلِّ واحِدٍ.

وأمّا رابِعًا: فَلِأنَّهُ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونُوا عُدُولًا في جَمِيعِ الأوْقاتِ، بَلْ وقْتَ أداءِ الشَّهادَةِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ.

وأمّا خامِسًا: فَلِأنَّ قُصارى ما تَدُلُّ عَلَيْهِ -بَعْدَ اللُّتَيّا والَّتِي- حُجِّيَّةُ إجْماعِ كُلِّ الأُمَّةِ أوْ كُلِّ أهْلِ الحَلِّ والعَقْدِ مِنهم وذا مُتَعَذِّرٌ، ولا تَدُلُّ عَلى حُجِّيَّةُ إجْماعِ مُجْتَهَدِي كُلِّ عَصْرٍ والمُسْتَدِلُّ بِصَدَدِ ذَلِكَ.

وأُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ والثّانِي بِأنَّ العَدالَةَ بِالمَعْنى المُرادِ تَقْتَضِي العِصْمَةَ في الِاعْتِقادِ والقَوْلِ والفِعْلِ، وإلّا لَما حَصَلَ التَّوَسُّطُ بَيْنَ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ، وبِأنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ حالَةٍ مُتَشابِهَةٍ حاصِلَةٍ عَنِ امْتِزاجِ الأوْساطِ مِنَ القُوى الَّتِي ذَكَرْناها، فَلا يَكُونُ أمْرًا نِسْبِيًّا.

وعَنِ الثّالِثِ بِأنَّ المُرادَ أنَّ فِيهِمْ مَن يُوجَدُ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ، فَإذا كُنّا لا نَعْرِفُهم بِأعْيانِهِمُ افْتَقَرْنا إلى اجْتِماعِهِمْ؛ كَيْلا يَخْرُجَ مَن يُوجَدُ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ، لَكِنْ يَدْخُلُ المُعْتَبَرُونَ في اجْتِماعِهِمْ ومَتى دَخَلُوا وحَصَلَ الخَطَأُ انْثَلَمَتْ عَدالَةُ المَجْمُوعِ.

وعَنِ الرّابِعِ بِأنَّ ( جَعَلْناكم ) يَقْتَضِي تَحَقُّقَ العَدالَةِ بِالفِعْلِ، واسْتِعْمالُ الماضِي بِمَعْنى المُضارِعِ خِلافُ الظّاهِرِ.

وعَنِ الخامِسِ بِأنَّ الخِطابَ لِلْحاضِرِينَ -أعْنِي الصَّحابَةَ كَما هو أصْلُهُ- فَيَدُلُّ عَلى حُجِّيَّةِ الإجْماعِ في الجُمْلَةِ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا الجَوابَ الأخِيرَ لا يَشْفِي عَلِيلًا ولا يَرْوِي غَلِيلًا؛ لِأنَّهُ بَعِيدٌ بِمَراحِلَ عَنْ مَقْصُودِ المُسْتَدِلِّ عَلى أنَّ مَن نَظَرَ بِعَيْنِ الإنْصافِ لَمْ يَرَ في الآيَةِ أكْثَرَ مِن دَلالَتِها عَلى أفْضَلِيَّةِ هَذِهِ الأُمَّةِ عَلى سائِرِ الأُمَمِ، وذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى حُجِّيَّةِ إجْماعٍ ولا عَدَمِها.

نَعَمْ ذَهَبَ بَعْضُ الشِّيعَةِ إلى أنَّ الآيَةَ خاصَّةٌ بِالأئِمَّةِ الِاثْنَيْ عَشَرَ ورَوَوْا عَنِ الباقِرِ أنَّهُ قالَ: نَحْنُ الأُمَّةُ الوَسَطُ، ونَحْنُ شُهَداءُ اللَّهِ عَلى خَلْقِهِ، وحُجَّتُهُ في أرْضِهِ، وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: نَحْنُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ: ﴿ وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا ﴾ وقالُوا: قَوْلُ كُلِّ واحِدٍ مِن أُولَئِكَ حُجَّةٌ فَضْلًا عَنْ إجْماعِهِمْ، وأنَّ الأرْضَ لا تَخْلُو عَنْ واحِدٍ مِنهم حَتّى يَرِثَ اللَّهُ تَعالى الأرْضَ ومَن عَلَيْها، ولا يَخْفى أنَّ دُونَ إثْباتِ ما قالُوهُ خَرْطُ القَتادِ.

﴿ لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ﴾ أيْ سائِرِ الأُمَمِ يَوْمَ القِيامَةِ؛ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أوْضَحَ السُّبُلَ وأرْسَلَ الرُّسُلَ فَبَلَّغُوا ونَصَحُوا، وهو غايَةٌ لِلْجَعْلِ المَذْكُورِ مُتَرَتِّبَةٌ عَلَيْهِ؛ أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ وغَيْرُهُ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «”يَجِيءُ النَّبِيُّ يَوْمَ القِيامَةِ ومَعَهُ الرَّجُلُ، والنَّبِيُّ ومَعَهُ الرَّجُلانِ، وأكْثَرُ مِن ذَلِكَ فَيُدْعى قَوْمُهُ فَيُقالُ لَهم: هَلْ بَلَّغَكم هَذا؟

فَيَقُولُونَ: لا.

فَيُقالُ لَهُ: هَلْ بَلَّغْتَ قَوْمَكَ؟

فَيَقُولُ: نَعَمْ.

فَيُقالُ لَهُ: مَن يَشْهَدُ لَكَ؟

فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وأُمَّتُهُ.

فَيُدْعى مُحَمَّدٌ وأُمَّتُهُ فَيُقالُ لَهم: هَلْ بَلَّغَ هَذا قَوْمَهُ ؟

فَيَقُولُونَ: نَعَمْ.

فَيُقالُ: وما عَلَّمَكم ؟

فَيَقُولُونَ: جاءَنا نَبِيُّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَأخْبَرَنا أنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغُوا فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا ﴾ وفي رِوايَةٍ:“فَيُؤْتى بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَيُسْألُ عَنْ حالِ أُمَّتِهِ، فَيُزَكِّيهِمْ ويَشْهَدُ بِعَدالَتِهِمْ"، وذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا ﴾ » وكَلِمَةُ الِاسْتِعْلاءِ لِما في الشَّهِيدِ مِن مَعْنى الرَّقِيبِ، أوْ لِمُشاكَلَةِ ما قَبْلَهُ، وأُخِّرَتْ صِلَةُ الشَّهادَةِ أوَّلًا وقُدِّمَتْ آخِرًا لِأنَّ المُرادَ في الأوَّلِ إثْباتُ شَهادَتِهِمْ عَلى الأُمَمِ، وفي الثّانِي اخْتِصاصُهم بِكَوْنِ الرَّسُولِ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ في الدُّنْيا فِيما لا يَصْلُحُ إلّا بِشَهادَةِ العُدُولِ الأخْيارِ، ﴿ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا ﴾ ويُزَكِّيكم ويَعْلَمُ بِعَدالَتِكم، والآثارُ لا تُساعِدُ ذَلِكَ عَلى ما فِيهِ.

﴿ وما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها ﴾ وهي صَخْرَةُ بَيْتِ المَقْدِسِ بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ قِبْلَتَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِمَكَّةَ كانَتْ بَيْتَ المَقْدِسِ، لَكِنَّهُ لا يَسْتَدْبِرُ الكَعْبَةَ بَلْ يَجْعَلُها بَيْنَهُ وبَيْنَهُ، والَّتِي مَفْعُولٌ ثانٍ لِجَعَلَ، لا صِفَةُ (القِبْلَةِ)، والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، أيْ: قِبْلَةً كَما قِيلَ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ الجَعْلَ تَحْوِيلُ الشَّيْءِ مِن حالَةٍ إلى أُخْرى، فالمُتَلَبِّسُ بِالحالَةِ الثّانِيَةِ هو المَفْعُولُ الثّانِي كَما فِي: جَعَلْتُ الطِّينَ خَزَفًا.

فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الأوَّلُ هو المَوْصُولُ، والثّانِي هو (القِبْلَةُ) وهو المُنْساقُ إلى الذِّهْنِ بِالنَّظَرِ الجَلِيلِ، ولَكِنَّ التَّأمُّلَ الدَّقِيقَ يَهْدِي إلى ما ذَكَرْنا؛ لِأنَّ (القِبْلَةَ) عِبارَةٌ عَنِ الجِهَةِ الَّتِي تُسْتَقْبَلُ لِلصَّلاةِ -وهُوَ كُلِّيٌّ- والجِهَةُ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها جُزْئِيٌّ مِن جُزْئِيّاتِها، فالجَعْلُ المَذْكُورُ مِن بابِ تَصْيِيرِ الكُلِّيِّ جُزْئِيًّا، ولا شَكَّ أنَّ الكُلِّيَّ يَصِيرُ جُزْئِيًّا، كالحَيَوانِ يَصِيرُ إنْسانًا دُونَ العَكْسِ، والمَعْنى أنَّ أصْلَ أمْرِكَ أنْ تَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ كَما هو الآنَ، ﴿ وما جَعَلْنا ﴾ قِبْلَتَكَ بَيْتَ المَقْدِسِ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ ﴿ إلا لِنَعْلَمَ ﴾ أيْ في ذَلِكَ الزَّمانِ ﴿ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ ﴾ أيْ يَتَّبِعُكَ في الصَّلاةِ إلَيْها، والِالتِفاتُ إلى الغَيْبَةِ مَعَ إيرادِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ لِلْإشارَةِ إلى عِلَّةِ الِاتِّباعِ.

﴿ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ ﴾ أيْ يَرْتَدُّ عَنْ دِينِ الإسْلامِ فَلا يَتَّبِعُكَ فِيها ألِفًا لِقِبْلَةِ آبائِهِ و(مِن) هَذِهِ لِلْفَصْلِ كالَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ ﴾ والكَلامُ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ بِجامِعِ أنَّ المُنْقَلِبَ يَتْرُكُ ما في يَدِهِ ويُدْبِرُ عَنْهُ عَلى أسْوَأِ أحْوالِ الرُّجُوعِ، وكَذَلِكَ المُرْتَدُّ يَرْجِعُ عَنِ الإسْلامِ ويَتْرُكُ ما في يَدِهِ مِنَ الدَّلائِلِ عَلى أسْوَأِ حالٍ، و (نَعْلَمُ) حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ و( يَتَّبِعُ ) و( يَنْقَلِبُ ) بِمَعْنى الحُدُوثِ والجَعْلِ مَجازٌ بِاعْتِبارِ أنَّهُ كانَ الأصْلُ اسْتِقْبالَ الكَعْبَةِ أوِ المَعْنى: ما جَعَلْنا قِبْلَتَكَ بَيْتَ المَقْدِسِ إلّا لِنَعْلَمَ الآنَ بَعْدَ التَّحْوِيلِ إلى الكَعْبَةِ مَن يَتَّبِعُكَ حِينَئِذٍ مِمَّنْ لا يَتَّبِعُكَ كَبَعْضِ أهْلِ الكِتابِ ارْتَدُّوا لَمّا تَحَوَّلَتِ القِبْلَةُ فَنَعْلَمُ عَلى حَقِيقَةِ الحالِ.

والحاصِلُ أنَّ ما فَعَلْناهُ كانَ لِأمْرٍ عارِضٍ وهو امْتِحانُ النّاسِ إمّا في وقْتِ الجَعْلِ أوْ في وقْتِ التَّحْوِيلِ، وما كانَ لِعارِضٍ يَزُولُ بِزَوالِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِـ (القِبْلَةِ) الكَعْبَةُ بِناءً عَلى أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ يُصَلِّي إلَيْها بِمَكَّةَ، والمَعْنى: ما رَدَدْناكَ ﴿ إلا لِنَعْلَمَ ﴾ الثّابِتَ الَّذِي لا يُزِيغُهُ شُبْهَةٌ ولا يَعْتَرِيهِ اضْطِرابٌ مِمَّنْ يَرْتَدُّ بِقَلْقَلَةٍ واضْطِرابٍ بِسَبَبِ التَّحْوِيلِ بِأنَّهُ إنْ كانَ الأوَّلُ حَقًّا فَلا وجْهَ لِلتَّحْوِيلِ عَنْهُ، وإنْ كانَ الثّانِي فَلا مَعْنًى لِلْأمْرِ بِالأوَّلِ والجَعْلُ عَلى هَذا حَقِيقَةٌ، و( يَتَّبِعُ ) لِلِاسْتِمْرارِ بِقَرِينَةِ مُقابِلِهِ ويُضَعِّفُ هَذا القَوْلَ أنَّهُ يَسْتَلْزِمُ دَعْوى نَسْخِ القِبْلَةِ مَرَّتَيْنِ، واسْتُشْكِلَتِ الآيَةُ بِأنَّها تُشْعِرُ بِحُدُوثِ العِلْمِ في المُسْتَقْبَلِ، وهو تَعالى لَمْ يَزَلْ عالِمًا، وأُجِيبَ بِوُجُوهٍ؛ الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ، أيْ: فِعْلُنا ذَلِكَ فِعْلُ مَن يُرِيدُ أنْ يَعْلَمَ.

الثّانِي: أنَّ المُرادَ العِلْمُ الحالِيُّ الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهِ فَلَكُ الجَزاءِ، أيْ لِيَتَعَلَّقَ عِلْمُنا بِهِ مَوْجُودًا بِالفِعْلِ، فالعِلْمُ مُقَيَّدٌ بِالحادِثِ، والحُدُوثُ راجِعٌ إلى القَيْدِ.

الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ لِيَعْلَمَ الرَّسُولُ والمُؤْمِنُونَ ويَجُوزَ في إسْنادِ فِعْلِ بَعْضِ خَواصِّ المُلْكِ إلَيْهِ تَنْبِيهًا عَلى كَرامَةِ القُرْبِ والِاخْتِصاصِ، فَهو كَقَوْلِ المَلِكِ: فَتَحْنا البَلَدَ، وإنَّما فَتَحَها جُنْدُهُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ ضَمَّنَ العِلْمَ مَعْنى التَّمْيِيزِ أوْ أُرِيدَ بِهِ التَّمْيِيزُ في الخارِجِ، وتَجُوزُ بِإطْلاقِ اسْمِ السَّبَبَ عَلى المُسَبِّبِ، ويُؤَيِّدُهُ تَعَدِّيهِ بِـ (مَن) كالتَّمْيِيزِ، وبِهِ فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، ويَشْهَدُ لَهُ قِراءَةُ: (لِيُعْلَمَ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، حَيْثُ إنَّ المُرادَ: لِيَعْلَمَ كُلُّ مَن يَأْتِي مِنهُ -العِلْمُ- وظاهِرٌ أنَّهُ فَرَّعَ تَمْيِيزَ اللَّهِ وتَفْرِيقَهُ بَيْنَهُما في الخارِجِ بِحَيْثُ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ.

الخامِسُ: أنَّ المُرادَ بِهِ الجَزاءُ، أيْ: لِنُجازِيَ الطّائِعَ والعاصِيَ، وكَثِيرًا ما يَقَعُ التَّهْدِيدُ في القُرْآنِ بِالعِلْمِ.

السّادِسُ: أنَّ (نَعْلَمَ) لِلْمُتَكَلِّمِ مَعَ الغَيْرِ، فالمُرادُ: لِيَشْتَرِكَ العِلْمُ بَيْنِي وبَيْنَ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ والمُؤْمِنِينَ، ويُرَدُّ عَلى هَذا أنَّ مُخالَفَتَهُ مَعَ جَعْلِنا آبَ عَنْهُ، مَعَ أنَّ تَشْرِيكَ اللَّهِ تَعالى مَعَ غَيْرِهِ في ضَمِيرٍ واحِدٍ غَيْرُ مُناسِبٍ، ثُمَّ العِلْمُ إنْ كانَ مَجازًا عَنِ التَّمْيِيزِ فَمَن ومِمَّنْ مَفْعُولاهُ بِواسِطَةٍ وبِلا واسِطَةٍ، وإنْ كانَ حَقِيقَةً فَإمّا أنْ يَكُونَ مِنَ الإدْراكِ المُعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ -فَمَن- مَوْصُولَةٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِهِ، و (مِمَّنْ) حالٌ، أيْ: مُتَمَيِّزًا مِمَّنْ أوْ مِنَ العِلْمِ المُعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، فَـ ( مَنِ ) اسْتِفْهامِيَّةٌ في مَوْضِعِ المُبْتَدَأِ، و( يَتْبَعُ ) في مَوْضِعِ الخَبَرِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولَيْنِ.

﴿ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ ( يَتْبَعُ ) وبِهَذا يَنْدَفِعُ قَوْلُ أبِي البَقاءِ: إنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مَنِ) اسْتِفْهامِيَّةً لِأنَّهُ لا يَبْقى لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ ﴾ مُتَعَلِّقٌ؛ لِأنَّ ما قَبْلَ الِاسْتِفْهامِ لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَهُ، ولا مَعْنًى لِتَعَلُّقِهِ بِـ ( يَتْبَعُ ) والكَلامُ دالٌّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، فَلا يُرادُ أنَّهُ لا قَرِينَةَ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّ جُمْلَةَ ( وما جَعَلَنا ) إلَخْ مَعْطُوفَةٌ كالجُمْلَتَيْنِ التّالِيَتَيْنِ لَها عَلى مَجْمُوعِ السُّؤالِ، والجَوابُ بَيانٌ لِحِكْمَةِ التَّحْوِيلِ.

وقِيلَ: مَعْطُوفَةٌ عَلى ﴿ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ ﴾ ويَحْتاجُ إلى أنْ يُقالَ حِينَئِذٍ: إنَّهُ مَأْمُورٌ بِأداءِ مَضْمُونِ هَذا الكَلامِ بِألْفاظِهِ، إذْ لا يَصِحُّ ضَمِيرُ المُتَكَلِّمِ في كَلامِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وفِيهِ بُعْدٌ كَما لا يَخْفى.

﴿ وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً ﴾ أيْ شاقَّةٌ ثَقِيلَةٌ، والضَّمِيرُ لَمّا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما جَعَلْنا ﴾ إلَخْ مِنَ الجَعْلَةِ أوِ التَّوْلِيَةِ أوِ الرِّدَّةِ أوِ التَّحْوِيلَةِ أوِ الصَّيْرُورَةِ أوِ المُتابَعَةِ أوِ القِبْلَةِ، وفائِدَةُ اعْتِبارِ التَّأْنِيثِ عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ هَذا الرَّدَّ والتَّحْوِيلَ بِوُقُوعِهِ مَرَّةً واحِدَةً، واخْتِصاصُهُ بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَتْ ثَقِيلَةً عَلَيْهِمْ حَيْثُ لَمْ يَعْهَدُوهُ سابِقًا، والقَوْلُ بِأنَّ تَأْنِيثَ كَبِيرَةٍ يَجْعَلُهُ صِفَةً حادِثَةً، وتَأْنِيثُ الضَّمِيرِ لِتَأْنِيثِ الخَبَرِ فَيَرْجِعُ إلى الجَعْلِ أوِ الرَّدِّ أوِ التَّحْوِيلِ بِدُونِ تَكَلُّفٍ تُكَلِّفَ عَرِيَ عَنِ الفائِدَةِ وإنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ المُفِيدَةِ لِتَأْكِيدِ الحُكْمِ، أُلْغِيَتْ عَنِ العَمَلِ فِيما بَعْدَها بِتَوَسُّطِ (كانَ)، واللّامُ هي الفاصِلَةُ بَيْنَ المُخَفَّفَةِ والنّافِيَةِ.

وزَعَمَ الكُوفِيُّونَ أنَّ إنْ هي النّافِيَةُ، واللّامُ بِمَعْنى إلّا، وقالَ البَصْرِيُّونَ: لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَجازَ أنْ يُقالَ: جاءَ القَوْمُ لَزَيْدًا عَلى مَعْنى إلّا زَيْدًا -ولَيْسَ فَلَيْسَ- وقُرِئَ (لَكَبِيرَةٌ) بِالرَّفْعِ، فَفي كانَ ضَمِيرُ القِصَّةِ، و( كَبِيرَة ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: لَهي كَبِيرَةٌ، والجُمْلَةُ خَبَرُ (كانَ)، وقِيلَ: (إنْ كانَتْ) زائِدَةٌ كَما في قَوْلِهِ: وإخْوانٌ لَنا كانُوا كِرامُ واعْتُرِضَ بِأنَّهُ إنْ أُرِيدَ أنَّ: (كانَ) مَعَ اسِمِها زائِدَةٌ كانَتْ (كَبِيرَةٌ) بِلا مُبْتَدَأٍ، وإنَّ المُخَفِّفَةَ بِلا جُمْلَةٍ، ومِثْلُهُ خارِجٌ عَنِ القِياسِ، وإنْ أُرِيدَ أنَّ (كانَ) وحْدَها كَذَلِكَ، والضَّمِيرُ باقٍ عَلى الرَّفْعِ، بِالِابْتِداءِ، فَلا وجْهَ لِاتِّصالِهِ واسْتِتارِهِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ لَمّا وقَعَ بَعْدَ (كانَ) و(كانَ) مِن جِهَةِ المَعْنى في مَوْقِعِ اسْمِ (كانَ) جُعِلَ مُسْتَتِرًا تَشْبِيهًا بِالِاسْمِ، وإنْ كانَ مُبْتَدَأً تَحْقِيقًا، ولا يَخْفى أنَّهُ مِنَ التَّكَلُّفِ غايَتُهُ، ومِنَ التَّعَسُّفِ نِهايَتُهُ ﴿ إلا عَلى الَّذِينَ هَدى اللَّهُ ﴾ أيْ إلى سِرِّ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ والمَصالِحِ إجْمالًا أوْ تَفْصِيلًا، والمُرادُ بِهِمْ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِنَ الثّابِتِينَ عَلى الإيمانِ الغَيْرِ المُتَزَلْزِلِينَ المُنْقَلِبِينَ عَلى أعْقابِهِمْ.

﴿ وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ ﴾ أيْ صَلاتِكم إلى القِبْلَةِ المَنسُوخَةِ، فَفي الصَّحِيحِ أنَّهُ «لَمّا وُجِّهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إلى القِبْلَةِ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ بِالَّذِينِ ماتُوا وهم يُصَلُّونَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، فَنَزَلَتْ،» فالإيمانُ مَجازٌ مِن إطْلاقِ اللّازِمِ عَلى مَلْزُومِهِ، والمَقامُ قَرِينَةٌ وهو التَّفْسِيرُ المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وغَيْرِهِ مِن أئِمَّةِ الدِّينِ، فَلا مَعْنًى لِتَضْعِيفِهِ كَما يَحْكِيهِ صَنِيعُ بَعْضِهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ ثَباتَكم عَلى الإيمانِ أوْ إيمانَكم بِالقِبْلَةِ المَنسُوخَةِ، واللّامُ في ﴿ لِيُضِيعَ ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِخَبَرِ ( كانَ ) المَحْذُوفِ كَما هو رَأْيُ البَصْرِيِّينَ، وانْتِصابُ الفِعْلِ بَعْدَها بِأنَّ مُضْمَرَةٍ، أيْ: ما كانَ مُرِيدًا -لِأنْ يُضِيعَ- وفي تَوْجِيهِ النَّفْيِ إلى إرادَةِ الفِعْلِ مُبالَغَةٌ لَيْسَتْ في تَوْجِيهِهِ إلَيْهِ نَفْسِهِ، وقالَ الكُوفِيُّونَ: اللّامُ زائِدَةٌ وهي النّاصِبَةُ لِلْفِعْلِ، و( يُضِيعُ ) هو الخَبَرُ، ولا يَقْدَحُ في عَمَلِها زِيادَتُها كَما لا تَقْدَحُ زِيادَةُ حُرُوفِ الجَرِّ في العَمَلِ، وبِهَذا يَنْدَفِعُ اسْتِبْعادُ أبِي البَقاءِ خَبَرِيَّةِ ( يُضِيعَ ) بِأنَّ اللّامَ لامُ الجَرِّ، و( إنَّ ) بَعْدَها مُرادَةٌ، فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ ما كانَ اللَّهُ إضاعَةَ إيمانِكم فَيُحْوِجُ لِلتَّأْوِيلِ، لَكِنْ أنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الكُوفِيُّونَ بِعِيدٌ مِن جِهَةٍ أُخْرى لا تَخْفى.

﴿ إنَّ اللَّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ تَذْيِيلٌ لِجَمِيعِ ما تَقَدَّمَ، فَإنَّ اتِّصافَهُ تَعالى بِهَذَيْنَ الوَصْفَيْنِ يَقْتَضِي -لا مَحالَةَ- أنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أُجُورَهم ولا يَدَعُ ما فِيهِ صَلاحَهم، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ رءوف وقُدِّمَ عَلى رَحِيم لِأنَّ الرَّأْفَةَ مُبالَغَةٌ في رَحْمَةٍ خاصَّةٍ، وهي رَفْعُ المَكْرُوهِ وإزالَةُ الضَّرَرِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ اللَّهِ ﴾ أيْ لا تَرْأفُوا بِهِما فَتَرْفَعُوا الجَلْدَ عَنْهُما، والرَّحْمَةُ أعَمُّ مِنهُ ومِنَ الإفْضالِ، ودَفْعُ الضَّرَرِ أهَمُّ مِن جَلْبِ النَّفْعِ، وقَوْلُ القاضِي بَيَّضَ اللَّهُ تَعالى غِرَّةَ أحْوالِهِ: لَعَلَّ تَقْدِيمَ (الرَّءُوفِ) مَعَ أنَّهُ أبْلَغُ مُحافَظَةً عَلى الفَواصِلِ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ فَواصِلَ القُرْآنِ لا يُلاحَظُ فِيها الحَرْفُ الأخِيرُ كالسَّجْعِ، فالمُراعاةُ حاصِلَةٌ عَلى كُلِّ حالٍ؛ ولِأنَّ الرَّحْمَةَ حَيْثُ ورَدَتْ في القُرْآنِ قُدِّمَتْ ولَوْ في غَيْرِ الفَواصِلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ رَأْفَةً ورَحْمَةً ورَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ﴾ في وسَطِ الآيَةِ، وكَلامُ الجَوْهَرِيِّ في هَذا المَوْضِعِ خَزَفٌ لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وقَوْلُ عِصامٍ: إنَّهُ لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: -الرَّءُوفُ- إشارَةً إلى المُبالَغَةِ في رَحْمَتِهِ لِخَواصِّ عِبادِهِ -والرَّحِيمُ- إشارَةً إلى الرَّحْمَةِ لِمَن دُونَهم فَرُتِّبا عَلى حَسَبِ تَرْتِيبِهِمْ، فَقُدِّمَ الرَّءُوفُ لِتَقَدُّمِ مُتَعَلِّقِهِ شَرَفًا وقَدْرًا لا شَرَفَ ولا قَدَرَ، بَلْ ولا عِصامَ لَهُ لِأنَّهُ تَخْصِيصٌ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ كِتابٌ ولا سُنَّةٌ ولا اسْتِعْمالٌ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ لرءوف بِالمَدِّ، والباقُونَ بِغَيْرِ مَدٍّ كَنَدْسٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً والوسط هو العدل، كما قال تعالى في آية أخرى: قالَ أَوْسَطُهُمْ [القلم: 28] ، أي أخيرهم وأعدلهم.

والعرب تقول: فلان من أوسط قومه، أي خيارهم وأعدلهم، ومنه قيل للنبي  : هو أوسط قريش حسباً.

أي جعلناكم عدلاً للخلائق.

لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ، يعني للنبيين.

وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً بالتصديق لكم وذلك أن الله تعالى إذا جمع الخلق يوم القيامة فيسأل الأنبياء- عليهم السلام- عن تبليغ الرسالة كقوله تعالى: لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ [الأحزاب: 8] فيقولون: قد بلغنا الرسالة، فتنكر أممهم تبليغ رسالته، فتشهد لهم أمة محمد  بتبليغ الرسالة فتطعن الأمم في شهادتهم، فيزكيهم النبي  فذلك معنى قوله تعالى: لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمعنى قوله وَكَذلِكَ أي وكما هديناكم للإسلام والقبلة الكعبة فكذلك جعلناكم أمة عدلاً لتكونوا شهداء على الناس.

وللآية تأويل آخر: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً أي عدلاً، لتكونوا شهداء على الناس.

يقول: إنكم حجة على جميع من خلقنا ورسول الله  حجة عليكم.

والشهادة في اللغة: هي البيان، فلهذا يسمى الشاهد بيِّنة، لأنه بيَّن حق المدعي، يعني أنكم تبيِّنون لمن بعدكم، والنبي  يبين لكم.

قوله تعالى: وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها، أي ما أمرناك بالصلاة إلى القبلة الأولى، ويقال: ما حولنا القبلة التى كنت عليها، إِلَّا لِنَعْلَمَ.

يقول: إلا لنختبر ونبيِّن مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ، يطيع الرسول في تحويل القبلة، مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ، أي يرجع إلى دينه بعد تحويل الله القبلة.

وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً، أي وقد كانت لثقيلة وهو صرف القبلة.

إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ، أي حفظ الله قلوبهم على الإسلام وأكرمهم باتباع محمد  في تحويل القبلة، وهم أصحاب محمد  قالوا: يا رسول الله فإخواننا الذين ماتوا ما صنع الله بصلاتهم التي صلوا إلى بيت المقدس؟

فأنزل الله تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ، يعني لم يبطل إيمانكم وإنما تحولت قبلتكم.

ويقال: يعني صلاتهم إلى بيت المقدس، التي صلوا إليها وماتوا عليها لأن اليهود قالوا: قد بطل إيمانكم حين تركتم القبلة، فنزل وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ يعني يبطل إيمانكم.

قال الضحاك: يعني لم يبطل تصديقكم بالقبلتين.

ثم قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ، يعني بالمؤمنين رحيم حين قبلها منهم ولم يضيع إيمانهم.

قرأ حمزة والكسائي وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر: لَرَؤُفٌ بالهمزة على وزن رعف، وقرأ الباقون: رؤف على وزن فعول في جميع القرآن، وهما لغتان ومعناهما واحد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

إنَّ الأنبياء المذكُورين على اليهوديَّة والنصرانية، كَذَبوا لأنه قد عُلِمَ أن هذين الدينَيْن حَدَثَا بعدهم، وإِن قالوا: لم يكونوا على اليهودية والنصرانية، قيل لهم: فهلُمُّوا إِلى دينهم إِذ تقرّون بالحق.

وقوله تعالى: قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ تقريرٌ على فساد دعواهم إذ لا جواب لمفطورٍ إلا أن اللَّه تعالى أعلم، وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً، أيْ: لا أحد أظلم منه، وإياهم أراد تعالى بكتمانِ الشهادةِ، قال مجاهد وغيره: فالذي كتموه هو ما في كتبِهِمْ مِنْ أنَّ الأنبياء على الحنيفيَّة، لا على ما ادعوه «١» ، وقال قتادةُ وغيره: هو ما عندهم من الأمر بتصديق النبيّ صلّى الله عليه وسلم «٢» والأولُ أشبه بسياقِ الآيةِ، «ومِن» متعلِّقةٌ ب «عِنْده» ، ويحتمل أن تتعلق ب «كَتَمَ» .

وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ ...

الآيةَ: فيه وعيد وإِعلام أنه لا يترك أمرهم سدًى، والغافل:

الذي لا يفطنُ للأمور إهْمالاً منه، مأخوذ من الأرض الغُفْلِ، وهي التي لا مَعْلَمَ بها.

وقوله تعالى تِلْكَ أُمَّةٌ ...

الآية: كرَّرها عن قرب لأنها تضمَّنت معنى التهْديدِ والتخويفِ، ولترداد ذكرهم أيضا في معنى غير الأول.

سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢) وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)

قوله تعالى: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ...

الآية: اختلف في تعْيينِ هؤلاء السفهاءِ، فقال ابن عبَّاس: هم الأحبارُ، وذلك أنهم جاءوا إِلى النبيّ صلّى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمَّد، ما ولاَّك عَنْ قبلتنا، ارجع إليها، ونؤمنْ بك «٣» ، يريدُونَ فتنتَهُ، وقيل: اليهود والمنافقُونَ، وقالت فرقة: هم كفّار قريش.

ووَلَّاهُمْ: معناه: صرفهم، ويَهْدِي مَنْ يَشاءُ: إِشارة إِلى هداية اللَّه تعالى هذه الأمة إلى قبلة إِبراهيم، وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ، أيْ كما هديناكم إلى قبلة إبراهيم وشريعته، جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً، أي: عدولاً روي ذلك عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم وتظاهَرَتْ به عباراتُ المفسِّرين، والوَسَط: الخيارُ والأعلى من الشيء، وواسطة القلادةِ أنفَسُ حَجَر فيها ومنه قوله تعالى: قالَ أَوْسَطُهُمْ [القلم: ٢٨] .

وشُهَداءَ: جمع شاهدٍ، والمراد بالناسِ هنا في قول جماعة: جميع الجنس، وأن أمة محمّد صلّى الله عليه وسلم تشهدُ يوم القيامة للأنبياءِ على أممهم بالتبليغِ، وروي في هذا المعنى حديثٌ صحيحٌ عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم وروي عنه أنَّ أُمته تشهدُ لكُلِّ نبيٍّ نَاكَرَهُ قومه «١» .

ت: وهذا الحديثُ خرَّجه البخاريُّ، وابن ماجة، وابن المبارك في «رقائقه» وغيرهم قائلا صلّى الله عليه وسلم، فذلك قوله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً ...

الآية.

وكون الرسولِ شهيداً، قيل: معناه: بأعمالكم يوم القيامة، وقيل: «عليكم» بمعنى «لَكُمْ» ، أي: يَشْهَدُ لَكُمْ بالإِيمان.

وقوله تعالى: وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ ...

الآية: قال قتادةُ وغيره: القِبْلة هنا بيْتُ المَقْدِس «٢» ، أي: إِلا فِتْنَةً لنعلَمَ من يتبعك مِنَ العربِ الذين لم يألفوا إِلا مسجد مكَّة أو من اليهود على ما قاله الضّحّاك الذين قالوا للنبيّ صلّى الله عليه وسلم: «إِنْ صَلَيْتَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، اتبعناك» ، فأمره اللَّه بالصَّلاة إِليه، امتحانا لهم، فلم يؤمنوا «٣» .

وقال ابنُ عَبَّاس: القبلة في الآيَةِ: الكعبةُ «٤» ، وكُنْتَ عَلَيْها بمعنى: أَنْتَ عليها كقوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ [آل عمران: ١١٠] ، بمعنى: أنتم.

وَمَا جَعَلْنَاهَا وَصَرَّفْنَاكَ إلَيْهَا إلا فتنةً، وروي في ذلك أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم لما حُوِّل إِلى الكعبة، أكْثَرَ في ذلك اليهودُ والمنافقونَ، وارتاب بعض المؤمنين حتى نزلتِ الآية، ومعنى: لِنَعْلَمَ، أي ليعلم رسولِي والمؤمنون به، والقاعدة نَفْيُ استقبال العلْمِ بعد أنْ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا ﴾ .

سَبَبُ نُزُولِها أنَّ اليَهُودَ قالُوا: قَبِلَتُنا قَبْلَةُ الأنْبِياءِ، ونَحْنُ عَدْلٌ بَيْنَ النّاسِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والأُمَّةُ: الجَماعَةُ والوَسَطُ: العَدْلُ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو سَعِيدٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الوَسَطُ: العَدْلُ، الخِيارُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ أوْسَطُهُمْ  ﴾ .

أيْ: أعْدَلُهم، وخَيْرُهم.

قالَ الشّاعِرُ: هم وسَطٌ يَرْضى الأنامُ بِحُكْمِهِمْ إذا نَزَلْتَ إحْدى اللَّيالِي بِمُعْظَمِ وَأصْلُ ذَلِكَ أنَّ خَيْرَ الأشْياءِ أوْساطُهُا، والغُلُوُّ والتَّقْصِيرُ مَذْمُومانِ.

وذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ أنَّهُ مِنَ التَّوَسُّطِ في الفِعْلِ، فَإنَّ المُسْلِمِينَ لَمْ يُقَصِّرُوا في دِينِهِمْ كاليَهُودِ، فَإنَّهم قَتَلُوا الأنْبِياءَ، وبَدَّلُوا كِتابَ اللَّهِ، ولَمْ يَغْلُوا كالنَّصارى، فَإنَّهم زَعَمُوا أنَّ عِيسى ابْنُ اللَّهِ.

وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: في هَذا الكَلامِ مَحْذُوفٌ، ومَعْناهُ: جَعَلْتُ قَبْلَتَكم وسَطًا بَيْنَ القِبْلَتَيْنِ، فَإنَّ اليَهُودَ يُصَلُّونَ نَحْوَ المَغْرِبِ، والنَّصارى نَحْوَ المَشْرِقِ، وأنْتُمْ بَيْنَهُما.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ: لِتَشْهَدُوا لِلْأنْبِياءِ عَلى أُمَمِهِمْ.

رَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: «يَجِيءُ النَّبِيُّ يَوْمَ القِيامَةِ ومَعَهُ الرَّجُلُ، ويَجِيءُ النَّبِيُّ ومَعَهُ الرَّجُلانِ، ويَجِيءُ النَّبِيُّ ومَعَهُ أكْثَرُ مِن ذَلِكَ، فَيُقالُ لَهُمْ: أبَلَغَكم هَذا؟

فَيَقُولُونَ: لا، فَيُقالُ: لِلنَّبِيِّ: أبْلَغْتَهُمْ؟

فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقالُ: مَن يَشْهَدُ لَكَ؟

قالَ: مُحَمَّدٌ وأُمَّتُهُ؛ فَيَشْهَدُونَ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغُوا، فَيُقالُ: ما عِلْمُكُمْ؟

فَيَقُولُونَ: أخْبَرَنا نَبِيُّنا أنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغُوا، فَصَدَّقْناهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ﴾ » وهَذا مَذْهَبُ عِكْرِمَةَ، وقَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ: لِتَكُونُوا شُهَداءَ لِمُحَمَّدٍ  ، عَلى الأُمَمِ: اليَهُودُ والنَّصارى والمَجُوسُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا ﴾ يَعْنِي: مُحَمَّدًا  ، وبِماذا يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ؟

في ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: بِأعْمالِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: بِتَبْلِيغِهِمُ الرِّسالَةَ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: بِإيمانِهِمْ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

فَيَكُونُ عَلى هَذا "عَلَيْكُمْ" بِمَعْنى: لَكم.

قالَ عِكْرِمَةُ: لا يُسْألُ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ إلّا نَبِيُّها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها ﴾ يُرِيدُ: قِبْلَةَ بَيْتِ المَقْدِسِ.

﴿ إلا لِنَعْلَمَ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لِنَرى.

والثّانِي: لِنُمَيِّزَ.

رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: لِنُعْلِمَهُ واقِعًا، إذْ عِلْمُهُ قَدِيمٌ، قالَهُ جَماعَةٌ مِن أهْلِ التَّفْسِيرِ، وهو يَرْجِعُ إلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ: "لِنَرى" والرّابِعُ: أنَّ العِلْمَ راجِعٌ إلى المُخاطَبِينَ، والمَعْنى: لِتَعْلَمُوا أنْتُمْ، قالَهُ الفَرّاءُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ ﴾ أيْ: يَرْجِعُ إلى الكُفْرِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً ﴾ في المُشارِ إلَيْها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ التَّوْلِيَةُ إلى الكَعْبَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّها قِبْلَةُ بَيْتِ المَقْدِسِ قَبْلَ التَّحَوُّلِ عَنْها، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، والزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ ﴾ نَزَلَ عَلى سَبَبٍ؛ وهو «أنَّ المُسْلِمِينَ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ!

أرَأيْتَ إخْوانَنا الَّذِينَ ماتُوا وهم يُصَلُّونَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ؟!

فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ ﴾ » والإيمانُ المَذْكُورُ هاهُنا أُرِيدَ بِهِ: الصَّلاةُ في قَوْلِ الجَماعَةِ.

وقِيلَ: إنَّما سُمِّيَتِ الصَّلاةُ إيمانًا، لِاشْتِمالِها عَلى قَوْلٍ ونِيَّةٍ وعَمَلٍ.

قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما أسْنَدَ الإيمانَ إلى الأحْياءِ [مِنَ المُؤْمِنِينَ ] والمَعْنى: فِيمَن ماتَ [مِنَ المُسْلِمِينَ قَبْلَ أنْ تُحَوَّلَ القِبْلَةُ ] لِأنَّهم داخِلُونَ مَعَهم في المِلَّةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَرَءُوفٌ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: (لَرَؤُوفٌ) عَلى وزْنِ: لَرَعُوفٌ، في جَمِيعِ القُرْآَنِ، ووَجْهُها: أنْ فَعُولًا أكْثَرُ في كَلامِهِمْ مِن فَعِلٍ، فَبابُ ضَرُوبٍ وشَكُورٍ، أوْسَعُ مِن بابِ حَذِرٍ ويَقِظٍ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: (لَرَؤُفٌ) عَلى وزْنِ: رَعُفٍ.

ويُقالُ: هو الغالِبُ عَلى أهْلِ الحِجازِ.

قالَ جَرِيرٌ: تَرى لِلْمُسْلِمِينَ عَلَيْكَ حَقًّا ∗∗∗ كَفِعْلِ الوالِدِ الرَّؤُفِ الرَّحِيمِ والرَّؤُوفُ بِمَعْنى: الرَّحِيمُ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

وذَكَرَ الخَطّابِيُّ عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ أنَّ الرَّأْفَةَ أبْلَغُ الرَّحْمَةِ وأرَقُّها.

قالَ: ويُقالُ: الرَّأْفَةُ أخَصُّ، والرَّحْمَةُ أعَمُّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ سَيَقُولُ السُفَهاءُ مِنَ الناسِ ما ولاهم عن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ يَهْدِي مِنَ يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى الناسِ ويَكُونَ الرَسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا وما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إلا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَسُولُ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إلا عَلى الَّذِينَ هَدى اللهُ وما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إيمانَكم إنَّ اللهُ بِالناسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ أعْلَمَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم سَيَقُولُونَ في شَأْنِ تَحَوُّلِ المُؤْمِنِينَ مِنَ الشامِ إلى الكَعْبَةِ: "ما ولّاهُمْ"، و"السُفَهاءُ" هُمُ الخِفافُ الأحْكامِ والعُقُولِ، والسَفَهُ: الخِفَّةُ والهَلْهَلَةُ، ثَوْبٌ سَفِيهٌ أيْ غَيْرُ مُتْقَنِ النَسْجِ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ: مَشِينٌ كَما اهْتَزَّتْ رِماحٌ تَسَفَّهَتْ أعالِيها مَرَّ الرِياحُ النَواسِمُ أيِ اسْتَخَفَّتْها، وخَصَّ بِقَوْلِهِ: " مِنَ الناسِ " لِأنَّ السَفَهَ يَكُونُ في جَماداتٍ وحَيَواناتٍ، والمُرادُ بِـ "السُفَهاءُ" هُنا جَمِيعُ مَن قالَ: " ما ولّاهم "، وقالَها فِرَقٌ، واخْتَلَفَ في تَعْيِينِهِمْ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَها الأحْبارُ مِنهُمْ، وذَلِكَ أنَّهم جاءُوا إلى النَبِيِّ  فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ: ما ولّاكَ عن قِبْلَتِنا؟

ارْجِعْ إلَيْها ونُؤْمِنُ بِكَ، يُرِيدُونَ فِتْنَتَهُ، وقالَ السُدِّيُّ: قالَها بَعْضُ اليَهُودِ والمُنافِقُونَ اسْتِهْزاءً، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا: اشْتاقَ الرَجُلُ إلى وطَنِهِ.

وقالَتْ طائِفَةٌ: قالَها كُفّارُ قُرَيْشٍ، لِأنَّهم قالُوا: ما ولّاهُ عن قِبْلَتِهِ؟

ما رَجَعَ إلَيْنا إلّا لِعِلْمِهِ أنّا عَلى الحَقِّ، وسَيَرْجِعُ إلى دِينِنا كُلِّهِ، و"وَلّاهُمْ" مَعْناهُ صَرَفَهُمْ، والقِبْلَةُ: فِعْلَةُ هَيْئَةِ المُقابِلِ لِلشَّيْءِ، فَهي كالقَعْدَةِ والإزْرَةِ.

وَجُعِلَ المُسْتَقْبَلُ مَوْضِعَ الماضِي في قَوْلِهِ: " سَيَقُولُ " دَلالَةٌ عَلى اسْتِدامَةِ ذَلِكَ، وأنَّهم يَسْتَمِرُّونَ عَلى ذَلِكَ القَوْلِ، ونَصَّ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ قَوْلِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ ﴾ إقامَةُ حُجَّةٍ، أيْ: لَهُ مُلْكُ المَشارِقِ والمَغارِبِ وما بَيْنَهُما، و ﴿ يَهْدِي مَن يَشاءُ ﴾ إشارَةٌ إلى هِدايَةِ اللهِ تَعالى هَذِهِ الأُمَّةَ إلى قِبْلَةِ إبْراهِيمَ.

والصِراطُ: الطَرِيقُ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ، هَلْ كانَتْ صَلاةُ رَسُولِ اللهِ  إلى بَيْتِ المَقْدِسِ بِأمْرٍ مِنَ اللهِ تَعالى في القُرْآنِ، أو بِوَحْيٍ غَيْرِ مَتْلُوٍّ؟، فَذَكَرَ ابْنُ فَوْرَكٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أوَّلُ ما نُسِخَ مِنَ القُرْآنِ القِبْلَةُ، وقالَ الجُمْهُورُ: بَلْ كانَ أمْرُ قِبْلَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ بِوَحْيٍ غَيْرِ مَتْلُوٍّ، وقالَ الرَبِيعُ: خَيْرُ رَسُولِ اللهِ  في النَواحِي فاخْتارَ بَيْتُ المَقْدِسِ لِيَسْتَأْلِفَ بِها أهْلَ الكِتابِ، ومَن قالَ كانَ بِوَحْيٍ غَيْرِ مَتْلُوٍّ قالَ: كانَ ذَلِكَ لِيَخْتَبِرَ اللهُ تَعالى مَن آمَنَ مِنَ العَرَبِ لِأنَّهم كانُوا يَأْلَفُونَ الكَعْبَةَ ويُنافِرُونَ بَيْتَ المَقْدِسِ وغَيْرَهُ، واخْتُلِفَ كَمْ صَلّى إلى بَيْتِ المَقْدِسِ ؟

فَفي البُخارِيِّ سِتَّةَ عَشَرَ أو سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، ورُوِيَ عن أنَسِ بْنِ مالِكٍ تِسْعَةُ أو عَشَرَةُ أشْهُرٍ، ورُوِيَ عن غَيْرِهِ ثَلاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا.

وحَكى مَكِّيٌّ عن إبْراهِيمَ بْنِ إسْحاقَ «أنَّهُ قالَ: أوَّلُ أمْرِ الصَلاةِ أنَّها فُرِضَتْ بِمَكَّةَ رَكْعَتَيْنِ في أوَّلِ النَهارِ، ورَكْعَتَيْنِ في آخِرِهِ، ثُمَّ كانَ الإسْراءُ لَيْلَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ مِن شَهْرِ رَبِيعٍ الآخَرِ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِسَنَةٍ فَفُرِضَتِ الخَمْسُ وأمَّ فِيها جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وكانَتْ أوَّلَ صَلاةٍ الظُهْرُ، وتَوَجَّهَ بِالنَبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِما وسَلَّمَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، ثُمَّ هاجَرَ النَبِيُّ  إلى المَدِينَةِ في رَبِيعٍ الأوَّلِ وتَمادى إلى بَيْتِ المَقْدِسِ إلى رَجَبٍ مِن سَنَةِ اثْنَتَيْنِ»، وقِيلَ: إلى جُمادى، وقِيلَ: إلى نِصْفِ شَعْبانَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا ﴾ ، الكافُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالمَعْنى الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿ يَهْدِي مَن يَشاءُ ﴾ ، أيْ كَما هَدَيْناكم إلى قِبْلَةِ إبْراهِيمَ وشَرِيعَتِهِ كَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً، وَ"أُمَّةً": مَفْعُولٌ ثانٍ، و"وَسَطًا": نَعْتٌ.

و"الأُمَّةُ": القُرُونُ مِنَ الناسِ، و"وَسَطًا": مَعْناهُ عُدُولًا، رُوِيَ ذَلِكَ عن رَسُولِ اللهِ  ، وتَظاهَرَتْ بِهِ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ.

والوَسَطُ: الخِيارُ والأعْلى مِنَ الشَيْءِ، كَما تَقُولُ: وسَطُ القَوْمِ، وواسِطَةُ القِلادَةِ أنْفَسُ حَجَرٍ فِيها، والأمِيرُ وسَطُ الجَيْشِ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قالَ أوسَطُهُمْ  ﴾ ، والوَسَطُ بِإسْكانِ السِينِ ظَرْفٌ مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ، وقَدْ جاءَ مُتَمَكِّنًا في بَعْضِ الرِواياتِ في بَيْتِ الفَرَزْدَقَ: فَجاءَتْ بِمَلْجُومٍ كَأنَّ جَبِينَهُ ∗∗∗ صَلاءَةُ ورْسٍ وسْطُها قَدْ تَفَلَّقا بِرَفْعِ الطاءِ، والضَمِيرُ عائِدٌ عَلى الصَلاءَةِ، ورُوِيَ بِفَتْحِ الطاءِ، والضَمِيرُ عائِدٌ عَلى الجائِيَةِ، فَإذا قُلْتَ: حَفَرْتُ وسْطَ الدارِ أو وسَطَ الدارِ فالمَعْنى مُخْتَلِفٌ.

قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: أُمَّةُ مُحَمَّدٍ  لَمْ تَغْلُ في الدِينِ كَما فَعَلَتِ اليَهُودُ، ولا فَتَرَتْ كالنَصارى، فَهي مُتَوَسِّطَةٌ، فَهي أعْلاها وخَيْرُها مِن هَذِهِ الجِهَةِ.

وقَوْلُ النَبِيِّ  : «خَيْرُ الأُمُورِ أوساطُها» أيْ: خِيارُها.

وقَدْ يَكُونُ العُلُوُّ والخَيْرُ في الشَيْءِ إمّا بِأنَّهُ أنْفَسُ جِنْسِهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ بَيْنَ الإفْراطِ والتَقْصِيرِ، فَهو خِيارٌ مِن هَذِهِ الجِهَةِ، و"شُهَداءَ" جَمْعُ شاهِدٍ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ بِـ "الناسِ" في هَذا المَوْضِعِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هم جَمِيعُ الجِنْسِ.

وأُمَّةُ مُحَمَّدٍ  تَشْهَدُ يَوْمَ القِيامَةِ لِلْأنْبِياءِ عَلى أُمَمِهِمْ بِالتَبْلِيغِ، وذَلِكَ أنَّ نُوحًا تُناكِرُهُ أُمَّتُهُ في التَبْلِيغِ، فَتَقُولُ لَهُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ: نَحْنُ نَشْهَدُ لَكَ، فَيَشْهَدُونَ، فَيَقُولُ اللهُ لَهُمْ: كَيْفَ شَهِدْتُمْ عَلى ما لَمْ تَحْضُرُوا؟

فَيَقُولُونَ: أيْ رَبَّنا، جاءَنا رَسُولُكَ، ونَزَلَ إلَيْنا كِتابَكَ، فَنَحْنُ نَشْهَدُ بِما عَهِدْتَ إلَيْنا وأعْلَمْتَنا بِهِ، فَيَقُولُ اللهُ تَعالى: صَدَقْتُمْ.

ورُوِيَ في هَذا المَعْنى حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَنِ النَبِيِّ  ، ورُوِيَ عنهُ «أنَّ أُمَّتَهُ تَشْهَدُ لِكُلِّ نَبِيٍّ ناكَرَهُ قَوْمُهُ».

وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْنى الآيَةِ: تَشْهَدُونَ لِمُحَمَّدٍ  أنَّهُ قَدْ بَلَّغَ الناسَ في مُدَّتِهِ مِنَ اليَهُودِ والنَصارى والمَجُوسِ.

وقالَتْ طائِفَةٌ: مَعْنى الآيَةِ: يَشْهَدُ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ بَعْدَ المَوْتِ، كَما «قالَ رَسُولُ اللهِ  حِينَ مَرَّتْ بِهِ جِنازَةٌ فَأثْنى عَلَيْها بِالخَيْرِ فَقالَ: "وَجَبَتْ"، ثُمَّ مَرَّ بِأُخْرى، فَأثْنى عَلَيْها بِشَرٍّ، فَقالَ: "وَجَبَتْ"، يَعْنِي الجَنَّةَ والنارَ، فَسُئِلَ عن ذَلِكَ فَقالَ: "أنْتُمْ شُهَداءُ اللهِ في الأرْضِ»، ورُوِيَ في بَعْضِ الطُرُقِ أنَّهُ قَرَأ: ﴿ لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى الناسِ ﴾ .

﴿ وَيَكُونَ الرَسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا ﴾ قِيلَ: مَعْناهُ: بِأعْمالِكم يَوْمَ القِيامَةِ، وقِيلَ: أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم بِالتَبْلِيغِ إلَيْكُمْ، وقِيلَ: عَلَيْكم بِمَعْنى: لَكُمْ، أيْ يَشْهَدُ لَكم بِالإيمانِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها ﴾ الآيَةُ، قالَ قَتادَةُ، والسُدِّيُّ، وعَطاءٌ، وغَيْرُهُمُ: القِبْلَةُ هُنا بَيْتُ المَقْدِسِ، والمَعْنى: لَمْ نَجْعَلْها حِينَ أمَرْناكَ بِها أوَّلًا إلّا فِتْنَةً، لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُكَ مِنَ العَرَبِ الَّذِينَ إنَّما يَأْلَفُونَ مَسْجِدَ مَكَّةَ، أو مِنَ اليَهُودِ عَلى ما قالَ الضَحّاكُ مِن «أنَّ الأحْبارَ قالُوا لِلنَّبِيِّ  : إنَّ بَيْتَ المَقْدِسِ هو قِبْلَةُ الأنْبِياءِ، فَإنْ صَلَّيْتَ إلَيْهِ اتَّبَعْناكَ، فَأمَرَهُ اللهُ بِالصَلاةِ إلَيْهِ امْتِحانًا لَهم فَلَمْ يُؤْمِنُوا».

وقالَ بَعْضُ مَن ذَكَرَ القِبْلَةَ بَيْتُ المَقْدِسِ: والمَعْنى: وما جَعَلْنا صَرْفَ القِبْلَةِ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها وتَحْوِيلَها، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: القِبْلَةُ في الآيَةِ الكَعْبَةُ، و"كُنْتَ" بِمَعْنى "أنْتِ" كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ  ﴾ ، بِمَعْنى أنْتُمْ، أيْ: وما جَعَلْناها وصَرَفْناكَ إلَيْها إلّا فِتْنَةً.

ورُوِيَ في ذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  لَمّا حُوِّلَ إلى الكَعْبَةِ أكْثَرَ في ذَلِكَ اليَهُودُ والمُنافِقُونَ، وارْتابَ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ حَتّى نَزَلَتِ الآيَةُ»، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: بَلَغَنِي أنَّ ناسًا مِمَّنْ كانَ أسْلَمَ رَجَعُوا عَنِ الإسْلامِ.

ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: "لِنَعْلَمَ" أيْ: لِيَعْلَمَ رَسُولِي والمُؤْمِنُونَ بِهِ، وجاءَ الإسْنادُ بَنُونِ العَظَمَةِ إذْ هم حِزْبُهُ وخاصَّتُهُ، وهَذا شائِعٌ في كَلامِ العَرَبِ، كَما تَقُولُ: فَتَحَ عُمَرُ العِراقَ وجَبى خَراجَها، وإنَّما فَعَلَ ذَلِكَ جُنْدُهُ وأتْباعُهُ، فَهَذا وجْهُ التَجَوُّزِ إذا ورَدَ عِلْمُ اللهِ تَعالى بِلَفْظِ اسْتِقْبالٍ لِأنَّهُ قَدِيمٌ لَمْ يَزَلْ.

ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ اللهَ تَعالى قَدْ عَلِمَ في الأزَلِ مَن يَتَّبِعُ الرَسُولَ، واسْتَمَرَّ العِلْمُ حَتّى وقَعَ حُدُوثُهُمْ، واسْتَمَرَّ في حِينِ الاتِّباعِ والِانْقِلابِ، ويَسْتَمِرُّ بَعْدَ ذَلِكَ، واللهُ تَعالى مُتَّصِفٌ في كُلِّ ذَلِكَ بِأنَّهُ يَعْلَمُ.

فَأرادَ بِقَوْلِهِ: "لِنَعْلَمَ" ذِكْرَ عِلْمِهِ وقْتَ مُواقَعَتِهِمُ الطاعَةَ والمَعْصِيَةَ، إذْ بِذَلِكَ الوَقْتِ يَتَعَلَّقُ الثَوابُ والعِقابُ، فَلَيْسَ مَعْنى "لِنَعْلَمَ" لِنَبْتَدِئَ العِلْمَ، وإنَّما المَعْنى لِنَعْلَمَ ذَلِكَ مَوْجُودًا.

وحَكى ابْنُ فَوْرَكٍ أنَّ مَعْنى "لِنَعْلَمَ": لِنُثِيبَ، فالمَعْنى: لِنَعْلَمَ في حالٍ اسْتَحَقُّوا فِيها الثَوابَ، وعَلَّقَ العِلْمَ بِأفْعالِهِمْ لِتَقْوى الحُجَّةِ ويَقَعَ التَثَبُّتُ فِيما عَلِمَهُ، لا مُدافَعَةً لَهم فِيهِ.

وحَكى ابْنُ فَوْرَكٍ أيْضًا: أنَّ مَعْنى "لِنَعْلَمَ": لِنُمَيِّزَ، وذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وَحَكى الطَبَرِيُّ أيْضًا أنَّ مَعْنى "لِنَعْلَمَ": لِنَرى، وهَذا كُلُّهُ مُتَقارِبٌ، والقاعِدَةُ نَفْيُ اسْتِقْبالِ العِلْمِ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ.

وقَرَأ الزُهْرِيُّ: "لِيَعْلَمَ" عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ.

و ﴿ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ ﴾ عِبارَةٌ عَنِ المُرْتَدِّ الراجِعِ عَمّا كانَ فِيهِ مِن إيمانٍ أو شُغْلٍ أو غَيْرِ ذَلِكَ.

والرُجُوعُ عَلى العَقِبِ أسْوَأُ حالاتِ الراجِعِ في مَشْيِهِ عن وِجْهَتِهِ، فَلِذَلِكَ شُبِّهَ المُرْتَدُّ في الدِينِ بِهِ، وظاهِرُ التَشْبِيهِ أنَّهُ بِالمُتَقَهْقِرِ، وهي مِشْيَةُ الحَيَوانِ الفازِعِ مِن شَيْءٍ قَدْ قَرُبَ مِنهُ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا التَشْبِيهُ بِالَّذِي رَدَّ ظَهْرَهُ ومَشى أدْراجَهُ، فَإنَّهُ عِنْدَ انْقِلابِهِ إنَّما يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً ﴾ الآيَةُ، الضَمِيرُ في "كانَتْ" راجِعٌ إلى القِبْلَةِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، أو إلى التَحْوِيلَةِ إلى الكَعْبَةِ حَسَبَ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الِاخْتِلافِ في القِبْلَةِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو راجِعٌ إلى الصَلاةِ الَّتِي صُلِّيَتْ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ.

وشَهِدَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ لِلْمُتَّبَعِينَ بِالهِدايَةِ، و"كَبِيرَةً" هُنا مَعْناهُ: شاقَّةً صَعْبَةً تَكْبُرُ في الصُدُورِ، و"إنْ" هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ، ولِذَلِكَ لَزِمَتْها اللامُ لِتُزِيلَ اللَبْسَ الَّذِي بَيْنَها وبَيْنَ النافِيَةِ، وإذا ظَهَرَ التَثْقِيلُ في "إنْ" فَرُبَّما لَزِمَتِ اللامَ ورُبَّما لَمْ تَلْزَمْ.

وقالَ الفَرّاءُ: "إنْ" بِمَعْنى "ما" واللامُ بِمَنزِلَةِ إلّا.

وَلَمّا حُوِّلَتِ القِبْلَةُ كانَ مِن قَوْلِ اليَهُودِ: يا مُحَمَّدُ إنْ كانَتِ الأولى حَقًّا فَأنْتَ الآنُ عَلى باطِلٍ، وإنْ كانَتْ هَذِهِ حَقًّا فَكُنْتَ في الأُولى عَلى ضَلالٍ فَوَجَسَتْ نُفُوسُ بَعْضِ المُؤْمِنِينَ، وأشْفَقُوا عَلى مَن ماتَ قَبْلَ التَحْوِيلِ عَلى صَلاتِهِمُ السالِفَةِ فَنَزَلَتْ: ﴿ وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ ﴾ .

وخاطَبَ الحاضِرِينَ، والمُرادُ مَن حَضَرَ ومَن ماتَ، لِأنَّ الحاضِرَ يَغْلُبُ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: ألَمْ نَقْتُلْكم في مَوْطِنِ كَذا؟

ومَن خُوطِبَ لَمْ يُقْتَلْ ولَكِنَّهُ غَلَبَ لِحُضُورِهِ، وقَرَأ الضَحّاكُ "لِيُضِيعَ" بِفَتْحِ الضادِ وشَدِّ الياءِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والبَراءُ بْنُ عازِبٍ، وقَتادَةُ، والسُدِّيُّ، والرَبِيعُ، وغَيْرُهُمُ: الإيمانُ هُنا: الصَلاةُ، وسَمّى الصَلاةَ إيمانًا لَمّا كانَتْ صادِرَةً عَنِ الإيمانِ والتَصْدِيقِ في وقْتِ بَيْتِ المَقْدِسِ وفي وقْتِ التَحْوِيلِ.

ولَمّا كانَ الإيمانُ قُطْبًا عَلَيْهِ تَدُورُ الأعْمالُ، وكانَ ثابِتًا في حالِ التَوَجُّهِ هُنا، وهُنا ذَكَرَهُ إذْ هو الأصْلُ الَّذِي بِهِ يَرْجِعُ في الصَلاةِ وغَيْرِها إلى الأمْرِ والنَهْيِ.

ولِئَلّا تَنْدَرِجَ في اسْمِ الصَلاةِ صَلاةِ المُنافِقِينَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، فَذَكَرَ المَعْنى الَّذِي هو مَلاكُ الأمْرِ.

وأيْضًا فَسُمِّيَتْ إيمانًا إذْ هي مِن شُعَبِ الإيمانِ.

والرَأْفَةُ أعْلى مَنازِلِ الرَحْمَةِ، وقَرَأ قَوْمٌ: "لَرَؤُفٌ" عَلى وزْنِ فَعُلٌ، ومِنهُ قَوْلُ الوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ: وشَرُّ الطالِبِينَ -وَلا تَكُنْهُ ∗∗∗ -بِقاتِلِ عَمِّهِ الرَؤُفُ الرَحِيمُ تَقُولُ العَرَبُ: رَؤُفٌ ورَؤُوفٌ- ورَئِفٌ كَحَذِرٌ- ورَأفٌ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ ابْنِ القَعْقاعِ: "لَرَوُفٌ" بِغَيْرِ هَمْزٍ، وكَذَلِكَ سَهَّلَ كُلُّ هَمْزَةٍ في كِتابِ اللهِ تَعالى؛ ساكِنَةً كانَتْ أو مُتَحَرِّكَةً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذه الجملة معترضة بين جملة: سيقول السفهاء ﴿ وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ [البقرة: 142] الخ وجملة: ﴿ وما جعلنا القبلة التي كنت عليها ﴾ الخ، والواو اعتراضية وهي من قبيل الواو الاستئنافية، فالآية السابقة لما أشارت إلى أن الذين هدوا إلى صراط مستقيم هم المسلمون وأن ذلك فضل لهم ناسب أن يستطرد لذكر فضيلة أخرى لهم هي خير مِما تقدم وهي فضيلة كون المسلمين عُدولاً خياراً ليشهدوا على الأمم لأن الآيات الواقعة بعدها هي في ذكر أمر القبلة وهذه الآية لا تتعلق بأمر القبلة.

وقوله: ﴿ وكذلك ﴾ مركب من كاف التشبيه واسممِ الإشارة فيتعيَّن تَعَرُّف المشار إليه وما هو المشبه به قال صاحب «الكشاف»: «أي مثلَ ذلك الجَعْل العَجيب جعلناكم أمةً وسطاً» فاختلف شارحُوه في تقرير كلامه وتبين مراده، فقال البيضاوي: «الإشارة إلى المفهوم أي ما فهم من قوله: ﴿ يهدي من يشاى إلى صراط مستقيم ﴾ [البقرة: 142] أي كما جعلناكم أمة وسطاً أو كما جعلنا قبلتكم أفضلَ قِبلة جعلناكم أمة وسطاً» اه.

أي إن قوله: ﴿ يهدي من يشاء ﴾ يُومِئ إلى أن المهدي هم المسلمون وإلى أن المهدي إليه هو استقبال الكعبة وقت قول السفهاء ﴿ ما وَلاَّهم ﴾ [البقرة: 142] على ما قدمناه وهذا يجعل الكاف باقية على معنى التشبيه ولم يُعَرِّجْ على وصف «الكشاف» الجعل بالعجيب كأنه رأى أن اسم الإشارة لا يتعين للحمل على أكثر من الإشارة وإن كان إشارة البعيد فهو يستعمل غالباً من دون إرادة بُعد وفيه نظر، والمشار إليه على هذا الوجه معنى تقدم في الكلام السَّابق فالإشارة حينئذٍ إلى مذكور متقرر في العِلم فهي جارية على سَنن الإشارات.

وحمل شراح «الكشاف» الكاف على غير ظاهر التشبيه، فأما الطيبي والقطب فقالا الكاف فيه اسم بمعنى مِثل منتصب على المفعولية المطلقة لِجعلناكم أي مثلَ الجَعْل العجيب جعلناكم فليس تشبيهاً ولكنه تمثيل لحالة والمشار إليه ما يفهم من مضمون قوله: ﴿ يهدي ﴾ وهو الأمر العجيب الشأن أي الهدى التام، ووجه الإتيان بإشارة البعيد التنبيه على تعظيم المشار إليه وهو الذي عناه في «الكشاف» بالجعل العجيب، فالتعظيم هنا لبداعة الأمر وعجابته، ثم إن القطب ساق كلاماً نقض به صدر كلامه.

وأما القزويني صاحبُ «الكشْف» والتفتزاني فبيناه بأن الكاف مقحمة كالزائدة لا تدل على تمثيل ولا تشبيه فيصير اسم الإشارة على هذا نائباً مناب مفعول مطلق لجعلناكم كأنه قيل ذلك الجعلَ جعلناكم أي فعدل عن المصدر إلى اسم إشارته النائب عنه لإفادة عجابة هذا الجعل بما مع اسم الإشارة من علامة البعد المتعين فيها لبعد المرتبة.

والتشبيه على هذا الوجه مقصود منه المبالغة بإيهام أنه لو أراد المشبِّه أن يشبه هذا في غرابته لما وجد له إلاّ أن يشبهه بنفسه وهذا قريب من قوله النابغة: «والسفاهة كاسمها» فليست الكاف بزائدة ولا هي للتشبيه ولكنها قريبة من الزائدة، والإشارة حينئذٍ إلى ما سيذكر بعد اسم الإشارة.

وكلام «الكشاف» أظهر في هذا المحمل فيدل على ذلك تصريحه في نظائره إذ قال في قوله تعالى: ﴿ كذلك وأورثناها بني إسرائيل ﴾ [الشعراء: 59] الكاف منصوبة على معنى مثل أي مثل ذلك الإخراج أخرجناهم وأورثناها.

واعلم أن الذي حدا صاحب «الكشاف» إلى هذا المحمل أن استعمال اسم الإشارة في هذا وأمثاله لا يطرد فيه اعتبار مشار إليه مما سبق من الكلام ألا ترى أنه لا يتجه اعتبار مشار إليه في هذه الآية وفي آية سورة الشعراء ولكن صاحب «الكشاف» قد خالف ذلك في قوله تعالى في سورة الأنعام (112) ﴿ وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً ﴾ فقال: كما خلَّيْنَا بينَك وبين أعدائك كذلك فعلنا بمن قبلك من الأنبياء وأعدائهم اه وما قاله في هذه الآية منزع حسن؛ لكنه لم يضرب الناظرون فيه بعَطن.

والتحقيق عندي أن أصل: كذلك } أن يدل على تشبيه شيء بشيء والمشبه به ظاهر مشار إليه أو كالظاهر ادعاءً، فقد يكون المشبه به المشار إليه مذكوراً مثل قوله تعالى: ﴿ وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة ﴾ [هود: 102] إشارة إلى قوله: ﴿ وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله ﴾ [هود: 101] الآية.

وكقول النابغة: فأَلْفَيْتُ الأَمانةَ لم تَخُنْها *** كذلك كانَ نوحٌ لا يَخُون وقد يكون المشبه به المُشارُ إليه مفهوماً من السياق فيحتمل اعتبار التشبيه ويُحتمل اعتبار المفعوليَّة المطلقة كقوللِ أبي تَمَّام: كَذا فليجلَّ الخَطْبُ وَلْيَفْدحَ الأَمْر *** فليس لعين لم يفض دمعُها عُذر قال التبريزي في «شرحه» الإشارة للتعظيم والتهويل وهو في صدر القصيدة لم يسبق له ما يشبه به فقُطع النظر فيه عن التشبيه واستعمل في لازم معنى التشبيه اه، يعني أن الشاعر أشار إلى الحادث العظيم وهو موت محمد بن حميد الطوسي، ومثله قول الأسدي من شعراء «الحماسة» يرثى أخاه: فهكذا يذهب الزمان ويفْـ *** ـنَى العلم فيه ويَدْرُسُ الأَثَر وقوله تعالى: ﴿ وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً ﴾ على ما فسر به البيضاوي من هذا القبيل.

وقد يكون مراداً منه التنويه بالخبر فيجعل كأنه مما يروم المتكلم تشبيهه ثم لا يجد إلاّ أن يشبهه بنفسه وفي هذا قطع للنظر عن التشبيه في الواقع ومثله قول أحد شعراء فزارة في الأدب من «الحماسة»: كذاك أُدِّبْت حتى صار من خُلُقي *** أني رأيتُ مِلاكَ الشِّيمة الأدبا أي أدبت هذا الأدب الكامن العجيب، ومنه قول زهير: كَذَلك خِيمهم ولكُلِّ قوم *** إذا مَسَّتْهم الضَّراء خِيمُ وقوله تعالى: ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً ﴾ من هذا القبيل عند شراح «الكشاف» وهو الحق، وأوضح منه في هذا المعنى قوله تعالى: ﴿ وكذلك فتنا بعضهم ببعض ﴾ [الأنعام: 53] فإنه لم يسبق ذكر شيء غير الذي سماه الله تعالى فتنة أخذاً من فعل ﴿ فتنا ﴾ .

والإشارة على هذا المحمل المشار إليه مأخوذ من كلام متأخر عن اسم الإشارة كما علمت آنفاً لأنه الجعل المأخوذ من ﴿ جعلناكم ﴾ ، وتأخير المشار إليه عن الإشارة استعمال بليغ في مقام التشويق كقوله تعالى: ﴿ قال هذا فراق بيني وبينك ﴾ [الكهف: 78] أو من كلام متقدم عن اسم الإشارة كما للبيضاوي إذ جعل المشار إليه هو الهدى المأخوذة من قوله تعالى: ﴿ يهدي من يشاء ﴾ [البقرة: 142] ولعله رأى لزوم تقدم المشار إليه.

والوسط اسم للمكان الواقع بين أمكنة تحيط به أو للشيء الواقع بين أشياء محيطة به ليس هو إلى بعضها أقرب منه إلى بعض عرفاً ولما كان الوصول إليه لا يقع إلاّ بعد اختراق ما يحيط به أخذ فيه معنى الصيانة والعزة طبعاً كوسط الوادي لا تصل إليه الرعاة والدواب إلاّ بعد أكل ما في الجوانب فيبقى كثير العشب والكلأ، ووضعاً كوسط المملكة يجعل محل قاعدتها ووسط المدينة يجعل موضع قصبتها لأن المكان الوسط لا يصل إليه العدو بسهولة، وكواسطة العقد لأنفس لؤلؤة فيه، فمن أجل ذلك صار معنى النفاسة والعزة والخيار من لوازم معنى الوسط عرفاً فأطلقوه على الخيار النفيس كناية قال زهير: هُمُ وسَط يَرضى الأنام بحكمهم *** إذا نزلت إحدى الليالي بمعضل وقال تعالى: ﴿ قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون ﴾ [القلم: 28].

ويقال أوسط القبيلة لصميمها.

وأما إطلاق الوسط على الصفة الواقعة عدلاً بين خلقين ذميمين فيهما إفراط وتفريط كالشجاعة بين الجبن والتهور، والكرم بين الشح والسرف والعدالة بين الرحمة والقساوة، فذلك مجاز بتشبيه الشيء الموهوم بالشيء المحسوس فلذلك روي حديث: " خير الأمور أوساطها " وسنده ضعيف وقد شاع هذان الإطلاقان حتى صارا حقيقتين عرفيتين.

فالوسط في هذه الآية فسر بالخيار لقوله تعالى: ﴿ كنتم خير أمةٍ أُخرجت للناس ﴾ [آل عمران: 110] وفسر بالعدول والتفسير الثاني رواه الترمذي في «سننه» من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال حسن صحيح، والجمع في التفسيرين هو الوجه كما قدمناه في المقدمة التاسعة.

ووصفت الأمة بوسط بصيغة المذكر لأنه اسم جامد فهو لجموده يستوي فيه التذكير والتأنيث مثل الوصف بالمصدر في الجمود والإشعار بالوصفية بخلاف نحو رأيت الزيدين هذين فإنه وصف باسم مطابق لعدم دلالته على صفة بل هو إشارة محضة لا تشعر بصفة في الذات.

وضمير المخاطبين هنا مراد به جميع المسلمين لترتبه على الاهتداء لاستقبال الكعبة فيعم كل من صلى لها، ولأن قوله ﴿ لتكونوا شهداء ﴾ قد فسر في الحديث الصحيح بأنها شهادة الأمة كلها على الأمم فلا يختص الضمير بالموجودين يوم نزول الآية.

والآية ثناء على المسلمين بأن الله قد ادخر لهم الفضل وجعلهم وسطاً بما هيأ لهم من أسبابه في بيان الشريعة بياناً جعل أذهان أتباعها سالمة من أن تروج عليهم الضلالات التي راجت على الأمم، قال فخر الدين يجوز أن يكونوا وسطاً بمنعى أنهم متوسطون في الدين بين المفرط والمفرط والغالي والمقصر لأنهم لم يغلوا كما غلت النصارى فجعلوا المسيح ابن الله، ولم يقصروا كما قصرت اليهود فبدلوا الكتب واستخفوا بالرسل.

واستدل أهل أصول الفقه بهذه الآية على أن إجماع علماء الأمة أي المجتهدين حجة شرعية فيما أجمعوا عليه، وفي بيان هذا الاستدلال طرق: الأول قال الفخر إن الله أخبر عن عدالة الأمة وخيريتها فلو أقدموا على محظور لما اتصفوا بالخيرية وإذا ثبت ذلك وجب كون قولهم حجة اه، أي لأن مجموع المجتهدين عدول بقطع النظر عن احتمال تخلف وصف العدالة في بعض أفرادهم، ويبطل هذا أن الخطأ لا ينافي العدالة ولا الخيرية فلا تدل الآية على عصمتهم من الخطأ فيما أجمعوا عليه وهذا رَدٌّ متمكن، وأجيب عنه بأن العدالة الكاملة التي هي التوسط بين طرفي إفراط وتفريط تستلزم العصمة من وقوع الجميع في الخطأ في الأقوال والأفعال والمعتقدات.

الطريق الثاني قال البيضاوي لو كان فيما اتفقوا عليه باطل لانثلمت عدالتهم اه، يعني أن الآية اقتضت العدالة الكاملة لاجتماع الأمة فلو كان إجماعهم على أمر باطل لانثلمت عدالتهم أي كانت ناقصة وذلك لا يناسب الثناء عليهم بما في هذه الآية، وهذا يرجع إلى الطريق الأول.

الطريق الثالث قال جماعة الخطاب للصحابة وهم لا يجمعون على خطأ فالآية حجة على الإجماع في الجملة، ويرد عليه أن عدالة الصحابة لا تنافي الخطأ في الاجتهاد وقد يكون إجماعهم عن اجتهاد أما إجماعهم على ما هو من طريق النقل فيندرج فيما سنذكره.

والحق عندي أن الآية صريحة في أن الوصف المذكور فيها مدحٌ للأمة كلها لا لخصوص علمائها فلا معنى للاحتجاج بها من هاته الجهة على حجية الإجماع الذي هو من أحوال بعض الأمة لا من أحوال جميعها، فالوجه أن الآية دالة على حجية إجماع جميع الأمة فيما طريقه النقل للشريعة وهو المعبر عنه بالتواتر وبما علم من الدين بالضرورة وهو اتفاق المسلمين على نسبة قول أو فعل أو صفة للنبيء صلى الله عليه وسلم مما هو تشريع مؤصل أو بيان مجمل مثل أعداد الصلوات والركعات وصفة الصلاة والحج ومثل نقل القرآن، وهذا من أحوال إثبات الشريعة، به فسرت المجملات وأسست الشريعة، وهذا هو الذي قالوا بكفر جاحد المجمع عليه منه، وهو الذي اعتبر فيه أبو بكر الباقلاني وفاق العوام واعتبر فيه غيره عدد التواتر، وهو الذي يصفه كثير من قدماء الأصوليين بأنه مقدم على الأدلة كلها.

وأما كون الآية دليلاً على حجية إجماع المجتهدين عن نظر واجتهاد فلا يؤخذ من الآية إلاَّ بأن يقال إن الآية يستأنس بها لذلك فإنها لما أخبرت أن الله تعالى جعل هذه الأمة وسطاً وعلمنا أن الوسط هو الخيار العدل الخارج من بين طرفي إفراط وتفريط علمنا أن الله تعالى أكمَلَ عقولَ هذه الأمة بما تنشأ عليه عقولهم من الاعتياد بالعقائد الصحيحة ومجانبة الأوهام السخيفة التي ساخت فيها عقول الأمم، ومن الاعتياد بتلقي الشريعة من طرق العدول وإِثبات أحكامها بالاستدلال استنباطاً بالنسبة للعلماء وفَهْماً بالنسبة للعامة، فإذا كان كذلك لزم من معنى الآية أن عقول أفراد هاته الأمة عقول قَيِّمة وهو معنى كونها وسطاً، ثم هذه الاستقامة تختلف بما يناسب كل طبقة من الأمة وكلَّ فرد، ولما كان الوصف الذي ذكر أثبتَ لمجموع الأمة قلنا إن هذا المجموع لا يقع في الضلال لا عمداً ولا خطأ، أما التعمد فلأنه ينافي العدالة وأما الخطأ فلأنه ينافي الخلقة على استقامة الرأي فإذا جاز الخطأ على آحادهم لا يجوز توارد جميع علمائهم على الخطأ نظراً، وقد وقع الأمران للأمم الماضية فأجمعوا على الخطأ متابعة لقول واحد منهم لأن شرائعهم لم تحذرهم من ذلك أو لأنهم أساءوا تأويلها، ثم إن العامة تأخذ نصيباً من هذه العصمة فيما هو من خصائصها وهو الجزء النقلي فقط وبهذا ينتظم الاستدلال.

وقوله: ﴿ لتكونوا شهداء ﴾ علة لجَعْلِهم وسطاً فإن أفعال الله تعالى كلها منوطة بحكم وغايات لعلمه تعالى وحكمته وذلك عن إرادة واختيار لا كصدور المعلول عن العلة كما يقول بعض الفلاسفة، ولا بوجوب وإلجاء كما توهمه عبارات المعتزلة وإن كان مرادهم منها خيراً فإنهم أرادوا أن ذلك واجب لذاته تعالى لكمال حكمته.

و (الناس) عام والمراد بهم الأمم الماضون والحاضرون وهذه الشهادة دنيوية وأخروية.

فأما الدنيوية فهي حكم هاته الأمة على الأمم الماضين والحاضرين بتبرير المؤمنين منهم بالرسل المبعوثين في كل زمان وبتضليل الكافرين منهم برسلهم والمكابرين في العكوف على مللهم بعد مجيء ناسخها وظهورِ الحق، وهذا حكم تاريخي ديني عليه إذا نشأت عليه الأمة نشأت على تعود عرض الحوادث كلها على معيار النقد المصيب.

والشهادة الأخروية هي ما رواه البخاري والترمذي عن أبي سعيد الخدري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يجاء بنوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت فيقول نعَمْ يا رب فتُسْأل أمتُه هل بلغكم فيقولون ما جاءنا من نذير فيقول الله مَن شهودك فيقول محمد وأمته فيجاء بكم فتشهدون ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً ﴾ قال عدلاً ﴿ ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً زنجشره يوم القيامة أعمى، قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا7 قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم ﴾ [طه: 124 126].

ومن مكملات معنى الشهادة على الناس في الدنيا وجوب دَعوتنا الأممَ للإِسلام، ليقوم ذلك مقامَ دعوة الرسول إياهم حتى تتم الشهادة للمؤمنين منهم على المعرضين.

والشهادة على الأمم تكون لهم وعليهم، ولكنه اكتفى في الآية بتعديتها بعلى إشارة إلى أن معظم شهادة هذه الأمة وأهمها شهادتهم على المعرضين لأن المؤمنين قد شَهِد لهم إيمانهم فالاكتفاء بعلى تحذير للأمم من أن يكونوا بحيث يشهد عليهم وتنويه بالمسلمين بحالة سلامتهم من وصمة أن يكونوا ممن يشهد عليهم وبحالة تشريفهم بهاته المنقبة وهي إثقاف المخالفين لهم بموجب شهادتهم.

وقوله: ﴿ ويكون الرسول عليكم شهيداً ﴾ معطوف على العلة وليس علة ثانية لأنه ليس مقصوداً بالذات بل هو تَكميل للشهادة الأولى لأن جعلنا وسطاً يناسبه عدم الاحتياج إلى الشهادة لنا وانتفاء الشهادة علينا، فأما الدنيوية فشهادة الرسول علينا فيها هي شهادته بذاته على معاصريه وشهادة شرعه على الذين أتوا بعده إنما بوفائهم ما أوجبه عليهم شرعه وإما بعكس ذلك، وأما الأخروية فهي ما روى في الحديث المتقدم من شهادة الرسول بصدق الأمة فيما شهِدت به، وما روي في الحديث الآخر في «الموطأ» و«الصحاح»: " فَلَيُذَادنَّ أقوام عن حوضي فأقول يا رب أمتي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك إنهم بدلوا وغيروا فأقول سحقاً سُحقاً لمن بدل بعدي ".

وتعدية شهادة الرسول على الأمة بحرف على مشاكلة لقوله قبله ﴿ لتكونوا شهداء على الناس ﴾ وإلاَّ فإنها شهادة للأمة وقيل بل لتضمين ﴿ شهيداً ﴾ معنى رقيباً ومهيمناً في الموضعين كما في «الكشاف».

وقد دلت هذه الآية على التنويه بالشهادة وتشريفها حتى أظهر العليم بكل شيء أنه لا يقضي إلاّ بعد حصطولها.

ويؤخذ من الآية أن الشاهد شهيد بما حصل له من العلم وإن لم يشهده المشهود عليه وأنه يشهد على العلم بالسماع والأدلة القاطعة وإن لم ير بعينه أو يسمع بأذنيه، وأن التزكية أصل عظيم في الشهادة، وأن المزكي يجب أن يكون أفضل وأعدل من المزكَّى، وأن المزكي لا يحتاج للتزكية، وأن الأمَّة لا تشهد على النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا كان يقول في حجة الوداع: " أَلاَ هل بَلغْتُ فيقولون نعم فيقول اللهم اشْهَد " فجعل الله هو الشاهد على تبليغه وهذا من أدق النكت.

وتقديم الجار والمجرور على عامله لا أراه إلاّ لمجرد الاهتمام بتشريف أمر هذه الأمة حتى أنها تشهد على الأمم والرسل وهي لا يشهد عليها إلاّ رسولها، وقد يكون تقديمه لتكون الكلمة التي تختم بها الآية في محل الوقف كلمةً ذاتَ حرف مد قبل الحرف الأخير لأن المد أمْكن للوقف وهذا من بدائع فصاحة القرآن، وقيل تقديم المجرور مفيد لقصر الفاعل على المفعول وهو تكلف ومثله غير معهود في كلامهم.

الواو عاطفة على جملة: ﴿ سيقول السفهاء من الناس ﴾ [البقرة: 142] وما اتصل بها من الجواب بقوله: ﴿ قل لله المشرق والمغرب ﴾ قُصد به بيان الحكمة من شرع استقبال بيت المقدس ثم تحويل ذلك إلى شرع استقبال الكعبة، وما بين الجملتين من قوله: ﴿ وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً ﴾ إلى آخرها اعتراض.

والجَعْل هنا جَعْل التشريع بدليل أن مفعوله من شؤون التعبد لا من شؤون الخلق وهو لفظ القبلة، ولذلك فَفِعْلُ جَعَل هنا متعد إلى مفعول واحد لأنه بمعنى شرعنا، فهذه الآيات نزلت بعد الأمر بالتوجه إلى الكعبة فيكون المراد بيت المقدس، وعدل عن تعريف المسند باسمه إلى الموصول لمحاكاة كلام المردود عليهم حين قالوا ﴿ ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ﴾ [البقرة: 142] مع الإيماء إلى تعليل الحكمة المشار إليها بقوله تعالى: ﴿ إلا لنعلم ﴾ أي ما جعلنا تلك قبلةً مع إرادة نسخها فألزمناكَها زمناً إلاّ لنعلم الخ.

والاستثناء في قوله: ﴿ إلا لنعلم ﴾ استثناء من علل وأحوال أي ما جعلنا ذلك لسبب وفي حال إلاّ لنظهر من كان صادق الإيمان في الحالتين حالة تشريع استقبال بيت المقدس وحالة تحويل الاستقبال إلى الكعبة.

وذكر عبد الحكيم أنه قد روي أن بعض العرب ارتدوا عن الإسلام لما استقبل رسول الله بيت المقدس حمية لقبلة العرب، واليهود كانوا تأولوا لأنفسهم العذر في التظاهر بالإسلام كما قررناه عند قوله تعالى: ﴿ وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ﴾ [البقرة: 14] فنافقوا وهم يتأولون للصلاة معه بأنها عبادة لله تعالى وزيادة على صلواتهم التي هم محافظون عليها إذا خلوا إلى شياطينهم مع أن صلاتهم مع المسلمين لا تشتمل على ما ينافي تعظيم شعائرهم إذ هم مستقبلون بيت المقدس فلما حولت القبلة صارت صفة الصلاة منافية لتعظيم شعائرهم لأنها استدبار لما يجب استقباله فلم تبق لهم سمة للتأويل فظهر من دام على الإسلام وأعرض المنافقون عن الصلاة.

وجعل علم الله تعالى بمن يتبع الرسول ومن ينقلب على عقبيه علة هذين التشريعين يقتضي أن يحصل في مستقبل الزمان من التشريع كما يقتضيه لام التعليل وتقدير أن بعد اللام وأن حرف استقبال مع أن الله يعلم ذلك وهو ذاتي له لا يحدث ولا يتجدد لكن المراد بالعلم هنا علم حصول ذلك وهو تعلق علمه بوقوع الشيء الذي علم في الأزل أنه سيقع فهذا تعلق خاص وهو حادث لأنه كالتعلق التنجيزي للإرادة والقدرة وإن أغفل المتكلمون عدّه في تعلقات العلم ().

ولك أن تجعل قوله: ﴿ لنعلم من يتبع الرسول ﴾ كناية عن أن يعلم بذلك كل من لم يعلم على طريق الكناية الرمزية فيذكر علمه وهو يريد علم الناس كما قال إياس بن قبيصة الطائي: وأقَدْمتُ والْخَطِّيُّ يَخْطِرُ بينَنَا *** لأَعْلَمَ مَنْ جُبَّاؤها مِن شُجاعِها أراد ليظهر من جبانها من شجاعها فأعلمه أنا ويعلمه الناس فجاء القرآن في هذه الآية ونظائرها على هذا الأسلوب، ولك أن تجعله كناية عن الجزاء للمتبع والمنقلب كل بما يناسبه ولك أن تجعل (نعلم) مجازاً عن التحيز لنظهر للناس بقرينة كلمة (مَنْ) المسماة بمن الفصلية كما سماها ابن مالك وابن هشام وهي في الحقيقة من فروع معاني من الابتدائية كما استظهره صاحب «المغني»، وهذا لا يريبك إشكال يذكرونه، كيف يكون الجعل الحادث علة لحصول العلم القديم إذ تبين لك أنه راجع لمعنى كنائي.

والانقلاب الرجوع إلى المكان الذي جاء منه، يقال انقلب إلى الدار، وقوله: ﴿ على عقيبه ﴾ زيادة تأكيد في الرجوع إلى ما كان وراءه لأن العقبين هما خلف الساقين أي انقلب على طريق عقيبه وهو هنا استعارة تمثيلية للارتداد عن الإسلام رجوعاً إلى الكفر السابق.

و(مَنْ) موصولة وهي مفعول (نعلم) والعلم بمعنى المعرفة وفعله يتعدى إلى مفعول واحد.

وقوله: ﴿ وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله ﴾ عطف على جملة ﴿ وما جعلنا القبلة التي كنت عليها ﴾ والمناسبة ظاهرة لأن جملة ﴿ وإن كانت ﴾ بمنزلة العلة لجملة ﴿ نعلم من يتبع الرسول ﴾ فإنها مكا كانت دالة على الاتباع والانقلاب إلاّ لأنها أمر عظيم لا تساهل فيه فيظهر به المؤمن الخالص من المشوب والضمير المؤنث عائد للحادثة أو القبلة باعتبار تغيرها.

وإن مخففة من الثقيلة.

والكبيرة هنا بمعنى الشديدة المحرجة للنفوس، تقول العرب كبر عليه كذا إذا كان شديداً على نفسه كقوله تعالى: ﴿ وإن كان كبر عليك إعراضهم ﴾ [الأنعام: 35].

الجملة في موضع الحال من ضمير {لنعلم أي لنُظْهر من يتبع الرسول ومن ينقلب على عقيبه ونحن غير مضيعين إيمانكم.

وذكر اسم الجلالة من الإظهار في مقام الإضمار للتعظيم.

روى البخاري عن البراء بن عازب قال: (و) كان (الذي) (1) مات على القبلة قبل أن تُحَوَّل (قِبل البيت) (1) رجال قُتلوا لم نَدْر ما نقول فيهم فأنزل الله تعالى: وما كان الله ليضيع إيمانكم } .

وفي قوله: «قتلوا» إشكال لأنه لم يكن قتال قبل تحويل القبلة وسنين ذلك، وأخرج الترمذي عن ابن عباس قال لما وُجِّه النبي إلى الكعبة قالوا يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس فأنزل الله: ﴿ وما كان الله ليضيع إيمانكم ﴾ الآية قال هذا حديث حسن صحيح.

والإضاعة إتلاف الشيء وإبطال آثاره وفُسِّر الإيمان على ظاهره، وفسر أيضاً بالصلاة نقله القرطبي عن مالك.

وتعلق (يضيع) بالإيمان على تقدير مضاف فإن فسر الإيمان على ظاهره كان التقدير ليضيع حق إيمانكم حين لم تزلزله وسَاوس الشيطان عند الاستقبال إلى قبلة لا تَودونها، وإن فسر الإيمانُ بالصلاة كان التقدير ما كان الله ليضيع فضل صلاتكم أو ثوابها، وفي إطلاق اسم الإيمان على الصلاة تنويه بالصلاة لأنها أعظم أركان الإيمان، وعن مالك: «إِنِّي لأَذكر بهذا قول المرجئة الصلاة ليست من الإيمان».

ومعنى حديث البخاري والترمذي أن المسلمين كانوا يظنون أنَّ نَسْخَ حُكْم، يجعل المنسوخ باطلاً فلا تترتب عليه آثار العمل به فلذلك توجسوا خيفة على صلاة إخوانهم اللذين ماتوا قبل نسخ استقبال بيت المقدس مثل أسعد بن زُرَارَة والبراءِ بن مَعْرُور وأبي أمامة، وظن السائلون أنهم سيجب عليهم قضاء ما صلَّوه قبل النسخ ولهذا أجيب سؤالهم بما يشملهم ويشمل من ماتوا قبلُ فقال ﴿ إيمانكم ﴾ ، ولم يقل إيمانكم على حسب السؤال.

والتذييل بقوله: ﴿ إن الله بالناس لرءوف رحيم ﴾ تأكيد لعدم إضاعة إيمانهم ومنة وتعليم بأن الحكم المنسوخ إنما يلغى العمل به في المستقبل لا في ما مضى.

والرءوف الرحيم صفتان مُشَبَّهَتان مشتقة أولاهما من الرأفة والثانية من الرحمة.

والرأفة مفسرة بالرحمة في إطلاق كلام الجمهور من أهل اللغة وعليه درج الزجاج وخص المحققون من أهل اللغة الرأفة بمعنى رحمة خاصة، فقال أبو عَمرو بن العلاء الرأفة أكثر من الرحمة أي أقوى أي هي رحمة قوية، وهو معنى قول الجوهري الرأفة أشد الرحمة، وقال في «المُجْمَل» الرأفة أخص من الرحمة ولا تكاد تقع في الكراهية والرحمةُ تقع في الكراهية للمصلحة، فاستخلص القفال من ذلك أن قال: الفرق بين الرأفة والرحمة أن الرأفة مبالغة في رحمة خاصة وهي دفع المكروه وإزلة الضر كقوله تعالى: ﴿ ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ﴾ [النور: 2]، وأما الرحمة فاسم جامع يدخل فيه ذلك المعنى ويدخل فيه الإفضال والإنعام اه.

وهذا أحسن ما قيل فيها واختاره الفخر وعبد الحكيم وربما كان مشيراً إلى أن بين الرأفة والرحمة عموماً وخصوصاً مطلقاً وأياً ما كان معنى الرأفة فالجمع بين رءوف ورحيم في الآية يفيد توكيد مدلول أحدهما بمدلول الآخر بالمساواة أو بالزيادة.

وأما على اعتبار تفسير المحققين لِمعنى الرأفة والرحمة فالجمع بين الوصفين لإفادة أنه تَعَالى يرحم الرحمة القوية لمُستحقها ويرحم مطلق الرحمة مَنْ دونَ ذلك.

وتقدم معنى الرحمة في سورة الفاتحة.

وتقديم (رءوف) ليقع لفظ رحيم فاصلة فيكون أنسب بفواصل هذه السورة لانبناء فواصلها على حرف صحيح ممدود يعقبه حرف صحيح ساكن ووصف رءوف معتمد ساكنه على الهمز والهمز شبيه بحروف العلة فالنطق به غير تام التمكن على اللسان وحرف الفاء لكونه يخرج من بطن الشفة السفلى وأطراف الثنايا أشبه حرف اللين فلا يتمكن عليه سكون الوقف.

وتقديم ﴿ بالناس ﴾ على متعلَّقه وهو ﴿ رءوف رحيم ﴾ للتنبيه على عنايته بهم إيقاظاً لهم ليشكروه مع الرعاية على الفاصلة.

وقرأ الجمهور (لرءوف) بواو ساكنة بعد الهمزة وقرأهُ أبو عمرو وحمزة والكسائي ويعقوب وخَلَف بدون واو مع ضم الهمزة بوزن عَضُد وهو لغة على غير قياس.

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ﴾ السُّفَهاءُ: واحِدُهُ سَفِيهٌ، والسَّفِيهُ: الخَفِيفُ الحِلْمِ، مِن قَوْلِهِمْ: ثَوْبٌ سَفِيهٌ إذا كانَ خَفِيفَ النَّسْجِ، ورُمْحٌ سَفِيهٌ إذا أسْرَعَ نُفُوذُهُ.

وَفِي المُرادِ بِالسُّفَهاءِ هَهُنا ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: اليَهُودُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: المُنافِقُونَ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّالِثُ: كُفّارُ قُرَيْشٍ وحَكاهُ الزَّجّاجُ.

﴿ ما ولاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها ﴾ يَعْنِي ما صَرَفَهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها، وهي بَيْتُ المَقْدِسِ، حَيْثُ كانَ يَسْتَقْبِلُها رَسُولُ اللَّهِ  بِمَكَّةَ، بَعْدَ هِجْرَتِهِ إلى المَدِينَةِ بِسِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا في رِوايَةِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ، وفي رِوايَةِ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ: ثَلاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وفي رِوايَةِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ تِسْعَةُ أشْهُرٍ أوْ عَشَرَةُ أشْهُرٍ، ثُمَّ نُسِخَتْ قِبْلَةُ بَيْتِ المَقْدِسِ بِاسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ، ورَسُولُ اللَّهِ  بِالمَدِينَةِ في صَلاةِ الظُّهْرِ وقَدْ صَلّى مِنها رَكْعَتَيْنِ نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ، فانْصَرَفَ بِوَجْهِهِ إلى الكَعْبَةِ، هَذا قَوْلُ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، وقالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: «كُنّا في صَلاةِ العَصْرِ بِقُباءَ، فَمَرَّ رَجُلٌ عَلى أهْلِ المَسْجِدِ وهم رُكُوعٌ في الثّانِيَةِ، فَقالَ: أشْهَدُ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  قِبَلَ مَكَّةَ، فَدارُوا كَما هم قِبَلَ البَيْتِ، وقِبَلُ كُلِّ شَيْءٍ: ما قابَلَ وجْهَهُ.

» واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في اسْتِقْبالِ رَسُولِ اللَّهِ  بَيْتَ المَقْدِسِ، هَلْ كانَ بِرَأْيِهِ واجْتِهادِهِ، أوْ كانَ عَنْ أمْرِ اللَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِ: ﴿ وَما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إلا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ ﴾ ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُرَيْجٍ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ كانَ يَسْتَقْبِلُها بِرَأْيِهِ واجْتِهادِهِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وأبِي العالِيَةِ، والرَّبِيعِ.

واخْتَلَفُوا في سَبَبِ اخْتِيارِهِ بَيْتَ المَقْدِسِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اخْتارَ بَيْتَ المَقْدِسِ لِيَتَألَّفَ أهْلَ الكِتابِ، وهَذا قَوْلُ أبِي جَعْفَرٍ الطَّبَرِيِّ.

والثّانِي: لِأنَّ العَرَبَ كانَتْ تَحُجُّ البَيْتَ غَيْرَ آلِفَةٍ لِبَيْتِ المَقْدِسِ، فَأحَبَّ اللَّهُ أنْ يَمْتَحِنَهم بِغَيْرِ ما ألِفُوهُ، لِيَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ، وهَذا قَوْلُ أبِي إسْحاقَ الزَّجّاجِ، فَلَمّا اسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ  الكَعْبَةَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «أتى رِفاعَةُ بْنُ قَيْسٍ وكَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ والرَّبِيعُ وكِنانَةُ بْنُ أبِي الحُقَيْقِ، فَقالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ  : ما ولّاكَ عَنْ قِبْلَتِكَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها وأنْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ ودِينِهِ؟

ارْجِعْ إلى قِبْلَتِكَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها، نَتَّبِعْكَ ونُصَدِّقْكَ.

وَإنَّما يُرِيدُونَ فِتْنَتَهُ عَنْ دِينِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ما ولاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ » يَعْنِي حَيْثُما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِاسْتِقْبالِهِ مِن مَشْرِقٍ أوْ مَغْرِبٍ.

والصِّراطُ: الطَّرِيقُ: والمُسْتَقِيمُ: المُسْتَوِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي خِيارًا، مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ وسَطُ الحَسَبِ في قَوْمِهِ، إذا أرادُوا بِذَلِكَ الرَّفِيعَ في حَسَبِهِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: هم وسَطٌ يَرْضى الإلَهُ بِحُكْمِهِمْ إذا نَزَلَتْ إحْدى اللَّيالِي بِمُعَظَّمِ والثّانِي: أنَّ الوَسَطَ مِنَ التَّوَسُّطِ في الأُمُورِ، لِأنَّ المُسْلِمِينَ تَوَسَّطُوا في الدِّينِ، فَلا هم أهْلُ غُلُوٍّ فِيهِ، ولا هم أهْلُ تَقْصِيرٍ فِيهِ، كاليَهُودِ الَّذِينَ بَدَّلُوا كِتابَ اللَّهِ وقَتَلُوا أنْبِياءَهم وكَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ، فَوَصَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهم وسَطٌ، لِأنَّ أحَبَّ الأُمُورِ إلَيْهِ أوْسَطُها.

والثّالِثُ: يُرِيدُ بِالوَسَطِ: عَدْلًا، لِأنَّ العَدْلَ وسَطٌ بَيْنَ الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ، وقَدْ رَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، «عَنِ النَّبِيِّ  في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا ﴾ أيْ عَدْلًا.

» ﴿ لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: لِتَشْهَدُوا عَلى أهْلِ الكِتابِ، بِتَبْلِيغِ الرَّسُولِ إلَيْهِمْ رِسالَةَ رَبِّهِمْ.

والثّانِي: لِتَشْهَدُوا عَلى الأُمَمِ السّالِفَةِ، بِتَبْلِيغِ أنْبِيائِهِمْ إلَيْهِمْ رِسالَةَ رَبِّهِمْ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ النَّبِيِّ  ، أنَّ الأُمَمَ السّالِفَةَ تَقُولُ لَهُمْ: كَيْفَ تَشْهَدُونَ عَلَيْنا ولَمْ تُشاهِدُونا، فَيَقُولُونَ: أعْلَمَنا نَبِيُّ اللَّهِ بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِن كِتابِ اللَّهِ.

والثّالِثُ: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ﴾ أيْ لِتَكُونُوا مُحْتَجِّينَ عَلى الأُمَمِ كُلِّها، فَعَبَّرَ عَنِ الِاحْتِجاجِ بِالشَّهادَةِ، وهَذا قَوْلٌ حَكاهُ الزَّجّاجُ.

﴿ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَكُونُ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلى أُمَّتِهِ أنْ قَدْ بَلَّغَ إلَيْهِمْ رِسالَةَ رَبِّهِ.

والثّانِي: أنَّ مَعْنى ذَلِكَ أنْ يَكُونَ شَهِيدًا لَهم بِإيمانِهِمْ، وتَكُونُ (عَلَيْهِمْ) بِمَعْنى (لَهُمْ).

والثّالِثُ: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا ﴾ أيْ مُحْتَجًّا.

﴿ وَما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها ﴾ أيْ بَيْتَ المَقْدِسِ، ﴿ إلا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ ﴾ فَإنْ قِيلَ: اللَّهُ أعْلَمُ بِالأشْياءِ قَبْلَ كَوْنِها، فَكَيْفَ جُعِلَ تَحْوِيلُ القِبْلَةِ طَرِيقًا إلى عِلْمِهِ؟

قِيلَ: في قَوْلِهِ: ﴿ إلا لِنَعْلَمَ ﴾ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي إلّا لِيَعْلَمَ رَسُولِي، وحِزْبِي، وأوْلِيائِي; لِأنَّ مِن شَأْنِ العَرَبِ إضافَةُ ما فَعَلَهُ أتْباعُ الرَّئِيسِ إلَيْهِ، كَما قالُوا: فَتَحَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ سَوادَ العِراقِ وجَبى خَراجَها.

والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إلا لِنَعْلَمَ ﴾ بِمَعْنى: إلّا لِنَرى، والعَرَبُ قَدْ تَضَعُ العِلْمَ مَكانَ الرُّؤْيَةِ، والرُّؤْيَةَ مَكانَ العِلْمِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ  ﴾ يَعْنِي: ألَمْ تَعْلَمْ.

والثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا لِنَعْلَمَ ﴾ بِمَعْنى إلّا لِتَعْلَمُوا أنَّنا نَعْلَمُ، فَإنَّ المُنافِقِينَ كانُوا في شَكٍّ مِن عِلْمِ اللَّهِ بِالأشْياءِ قَبْلَ كَوْنِها.

والرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ إلا لِنَعْلَمَ ﴾ بِمَعْنى إلّا لِنُمَيِّزَ أهْلَ اليَقِينِ مِن أهْلِ الشَّكِّ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ ﴾ بِمَعْنى فِيما أمَرَ بِهِ مِنِ اسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ ﴿ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ ﴾ بِمَعْنى: مِمَّنْ يَرْتَدُّ عَنْ دِينِهِ، لِأنَّ المُرْتَدَّ راجِعٌ مُنْقَلِبٌ عَمّا كانَ عَلَيْهِ، فَشَبَّهَهُ بِالمُنْقَلِبِ عَلى عَقِبِهِ، لِأنَّ القِبْلَةَ لَمّا حُوِّلَتِ ارْتَدَّ مِنَ المُسْلِمِينَ قَوْمٌ، ونافَقَ قَوْمٌ، وقالَتِ اليَهُودُ: إنَّ مُحَمَّدًا قَدِ اشْتاقَ إلى بَلَدِ أبِيهِ، وقالَتْ قُرَيْشٌ: إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ عَلِمَ أنَّنا عَلى هُدًى وسَيُتابِعُنا.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إلا عَلى الَّذِينَ هَدى اللَّهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ وإنَّ التَّوْلِيَةَ عَنْ بَيْتِ المَقْدِسِ إلى الكَعْبَةِ والتَّحْوِيلَ إلَيْها لَكَبِيرَةٌ، وهَذا هو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ.

والثّانِي: إنَّ الكَبِيرَةَ هي القِبْلَةُ بِعَيْنِها الَّتِي كانَ رَسُولُ اللَّهِ  يَتَوَّجَهُ إلَيْها مِن بَيْتِ المَقْدِسِ قَبْلَ التَّحْوِيلِ، وهَذا قَوْلُ أبِي العالِيَةِ الرِّياحِيِّ.

والثّالِثُ: أنَّ الكَبِيرَةَ هي الصَّلاةُ، الَّتِي كانُوا صَلَّوْها إلى القِبْلَةِ الأُولى، وهَذا قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ ﴾ يَعْنِي صَلاتَكم إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، فَسَمّى الصَّلاةَ إيمانًا لِاشْتِمالِها عَلى نِيَّةٍ وقَوْلٍ وعَمَلٍ، وسَبَبُ ذَلِكَ «أنَّ المُسْلِمِينَ لَمّا حُوِّلُوا عَنِ اسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ إلى الكَعْبَةِ، قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ  : كَيْفَ مَن ماتَ مِن إخْوانِنا؟

فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ ﴾ » فَإنْ قِيلَ: هم سَألُوهُ عَنْ صَلاةِ غَيْرِهِمْ، فَأجابَهم بِحالِ صَلاتِهِمْ؟

قِيلَ: لِأنَّ القَوْمَ أشْفَقُوا أنْ تَكُونَ صَلاتُهم إلى بَيْتِ المَقْدِسِ مُحْبَطَةً لِمَن ماتَ ومَن بَقِيَ، فَأجابَهم بِما دَلَّ عَلى الأمْرَيْنِ، عَلى أنَّهُ قَدْ رَوى قَوْمٌ أنَّهم قالُوا: كَيْفَ تَضِيعُ صَلاتُنا إلى بَيْتِ المَقْدِسِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ.

﴿ إنَّ اللَّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ الرَّأْفَةُ: أشَدُّ مِنَ الرَّحْمَةِ، وقالَ أبُو عُمَرَ عَمْرُو بْنُ العَلاءِ: الرَّأْفَةُ أكْثَرُ مِنَ الرَّحْمَةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج سعيد بن منصور وأحمد والترمذي والنسائي وصححه وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان والإِسماعيلي في صحيحه والحاكم وصححه عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً ﴾ قال: عدلاً.

وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ جعلناكم أمة وسطاً ﴾ قال: عدلاً.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ جعلناكم أمة وسطاً ﴾ قال: جعلكم أمة عدلاً.

وأخرج ابن سعد عن القاسم بن عبد الرحمن قال: قال رجل لابن عمر: من أنتم؟

قال: ما تقولون؟

قال: نقول إنكم سبط، وتقول إنكم وسط.

فقال: سبحان الله...

!

إنما كان السبط في بني إسرائيل، والأمة الوسط أمة محمد جميعاً.

وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يدعى نوح يوم القيامة فيقال له: هل بلغت؟

فيقول: نعم.

فيدعو قومه فيقال لهم: هل بلغكم؟

فيقولون: ما أتانا من نذير وما أتانا من أحد.

فيقال لنوح: من يشهد لك؟

فيقول: محمد وأمته، فذلك قوله: ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً ﴾ قال: والوسط العدل، فتدعون فتشهدون له بالبلاغ وأشهد عليكم» .

وأخرج سعيد بن منصور وأحمد والنسائي وابن ماجة والبيهقي في البعث والنشور عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجل والنبي ومعه الرجلان وأكثر من ذلك، فيدعى قومه فيقال لهم: هل بلغكم هذا؟

فيقولون: لا.

فيقال له: هل بلغت قومك؟

فيقول نعم.

فيقال له: من يشهد لك؟

فيقول: محمد وأمته.

فيدعى محمد وأمته.

فيقال لهم: هل بلغ هذا قومه؟

فيقولون: نعم.

فيقال: وما علمكم؟

فيقولون: جاءنا نبينا فأخبرنا أن الرسل قد بلغوا.

فذلك قوله: ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً ﴾ قال: عدلاً ﴿ لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً ﴾ » .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أنا وأمتي يوم القيامة على كوم مشرفين على الخلائق، ما من الناس أحد إلا ودّ أنه منا، وما من نبي كذبه قومه إلا ونحن نشهد أنه بلغ رسالة ربه» .

وأخرج ابن جرير عن أبي سعيد في قوله: ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ﴾ بأن الرسل قد بلغوا ﴿ ويكون الرسول عليكم شهيداً ﴾ بما عملتم.

وأخرج ابن المنذر والحاكم وصححه عن جابر قال: «شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم جنازة في بني سلمة وكنت إلى جانبه، فقال بعضهم: والله يا رسول الله لنعم المرء كان، لقد كان عفيفاً مسلماً وكان، وأثنوا عليه خيراً.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنت الذي تقول؟فقال: يا رسول الله ذلك بدا لنا والله أعلم بالسرائر.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وجبت.

قال: وكنا معه في جنازة رجل من بني حارثة أو من بني عبد الأشهل، فقال رجل: بئس المرء ما علمنا أن كان لفظاً غليظاً أن كان...

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنت الذي تقول؟

فقال: يا رسول الله، الله أعلم بالسرائر، فأما الذي بدا لنا منه فذاك.

فقال: وجبت، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ﴾ » .

وأخرج الطيالسي وأحمد والبخاري ومسلم والنسائي والحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أنس قال: «مروا بجنازة فأثني عليه خير فقال النبي صلى الله عليه وسلم» وجبت وجبت وجبت «، ومر بجنازة فأثني عليه بشر فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وجبت وجبت.

فسأله عمر...؟

فقال: من أثنيتم عليه خيراً وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شراً وجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض.

زاد الحكيم الترمذي ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ﴾ » .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري والترمذي والنسائي عن عمر: أنه مرت به جنازة فأثني على صاحبها خير فقال: وجبت وجبت، ثم مر بأخرى فأثني شر فقال عمر: وجبت.

فقال أبو الأسود: وما وجبت؟

قال: قلت كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة.

فقلنا: وثلاثة...؟

فقال: وثلاثة.

فقلنا: واثنان...؟

فقال: واثنان، ثم لم نسأله عن الواحد» .

وأخرج أحمد وابن ماجة والطبراني والبغوي والحاكم في الكنى والدارقطني في الافراد والحاكم في المستدرك والبيهقي في سننه عن أبي زهير الثقفي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبناوة يقول: «يوشك أن تعلموا خياركم من شراركم.

قال: بم يا رسول الله؟

قال: بالثناء الحسن والثناء السيء، أنتم شهداء الله في الأرض» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: «أتي النبي صلى الله عليه وسلم بجنازة يصلي عليها فقال الناس: نعم الرجل.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وجبت.

وأتي بجنازة أخرى فقال الناس: بئس الرجل.

فقال: وجبت.

قال أبي بن كعب: ما قولك؟

فقال: قال الله تعالى ﴿ لتكونوا شهداء على الناس ﴾ » .

وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن حبان والحاكم وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في شعب الإِيمان والضياء في المختارة عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من مسلم يموت فتشهد له أربعة من أهل أبيات جيرانه الأدنين أنهم لا يعلمون منه إلا خيراً إلا قال الله: قد قبلت شهادتكم فيه وغفرت له ما لا تعلمون» .

وأخرج ابن أبي شيبة وهناد وابن جرير والطبراني عن سلمة بن الأكوع قال: «مر على النبي صلى الله عليه وسلم بجنازة رجل من الأنصار، فأثني عليها خيراً فقال: وجبت.

ثم مر عليه بجنازة أخرى، فأثني عليها دون ذلك فقال: وجبت فقال: يا رسول الله وما وجبت؟

قال: الملائكة شهود الله في السماء وأنتم شهود الله في الأرض» .

وأخرج الخطيب في تاريخه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم يموت فيشهد له رجلان من جيرانه الأدنين فيقولان اللهم لا نعلم إلا خيراً إلا قال الله للملائكة: اشهدوا أني قد قبلت شهادتهما وغفرت ما لا يعلمان» .

وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن كعب قال: أعطيت هذه الأمة ثلاث خصال لم يعطها إلا الأنبياء، كان النبي يقال له: بلغ ولا حرج، وأنت شهيد على قومك، وادع اجبك.

وقل لهذه الأمة ﴿ ما جعل عليكم في الدين من حرج ﴾ [ الحج: 78] وقال: ﴿ لتكونوا شهداء على الناس ﴾ وقال: ﴿ ادعوني أستجب لكم ﴾ [ غافر: 60] .

وأخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم أن الأمم يقولون يوم القيامة: والله لقد كادت هذه الأمة أن يكونوا أنبياء كلهم لما يرون الله أعطاهم.

وأخرج ابن المبارك في الزهد وابن جرير عن حبان بن أبي جبلة يسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا جمع الله عباده يوم القيامة كان أول من يدعى إسرافيل، فيقول له ربه: ما فعلت في عهدي هل بلغت عهدي؟

فيقول: نعم، رب قد بلغته جبريل.

فيدعى جبريل فيقال: هل بلغك إسرافيل عهدي؟

فيقول: نعم.

فيخلى عن إسرافيل، ويقول لجبريل: هل بلغت عهدي؟

فيقول: نعم، قد بلغت الرسل، فتدعى الرسل فيقال لهم: هل بلغكم جبريل عهدي؟

فيقولون: نعم.

فيخلى جبريل، ثم يقال للرسل: هل بلغتم عهدي؟

فيقولون: نعم، بلغناه الأمم.

فتدعى الأمم فيقال لهم: هل بلغتكم الرسل عهدي؟

فمنهم المكذب ومنهم المصدق.

فتقول الرسل: إن لنا عليهم شهداء.

فيقول: من؟

فيقولون: أمة محمد.

فتدعى أمة محمد فيقال لهم: أتشهدون أن الرسل قد بلغت الأمم؟

فيقولون: نعم.

فتقول الأمم: يا ربنا كيف يشهد علينا من لم يدركنا؟

فيقول الله: كيف تشهدون عليهم ولم تدركوهم؟

فيقولون: يا ربنا أرسلت إلينا رسولاً، وأنزلت علينا كتاباً، وقصصت علينا فيه أن قد بلغوا، فنشهد بما عهدت إلينا.

فيقول الرب: صدقوا، فذلك قوله: ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً ﴾ والوسط العدل ﴿ لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً ﴾ » .

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق أبي العالية عن أبي كعب في الآية قال: ﴿ لتكونوا شهداء على الناس ﴾ يوم القيامة، كانوا شهداء على نوح، وعلى قوم هود، وعلى قوم صالح، وعلى قوم شعيب، وعندهم أن رسلهم بلغتهم وأنهم كذبوا رسلهم.

قال أبو العالية: وهي في قراءة أبي ﴿ لتكونوا شهداء على الناس يوم القيامة ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء في قوله: ﴿ ويكون الرسول عليكم شهيداً ﴾ قال: يشهد أنهم قد آمنوا بالحق إذ جاءهم وقبلوه وصدقوا به.

وأخرج عبد بن حميد عن عبيد بن عمير قال: يأتي النبي صلى الله عليه وسلم بإذنه ليس معه أحد، فتشهد له أمة محمد أنه قد بلغهم.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال: يقال: يا نوح قد بلغت؟

قال: نعم يا رب.

قال: فمن يشهد لك؟

قال: رب أحمد وأمته.

قال: فكلما دعي نبي كذبه قومه شهدت له هذه الأمة بالبلاغ، فإذا سأل عن هذه الأمة لم يسأل عنها إلا نبيها.

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن حبان بن أبي جبلة قال: بلغني أن ترفع أمة محمد على كوم بين يدي الله تشهد للرسل على أممها بالبلاغ، فإنما يشهد منهم يومئذ من لم يكن في قلبه أحنة على أخيه المسلم.

وأخرج مسلم وأبو داود والحكيم الترمذي عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يكون اللعانون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة» .

وأما قوله تعالى: ﴿ وما جعلنا القبلة التي كنت عليها ﴾ الآية.

أخرج ابن جرير عن عطاء في قوله: ﴿ وما جعلنا القبلة التي كنت عليها ﴾ قال: يعني بيت المقدس ﴿ إلا لنعلم من يتبع الرسول ﴾ قال: يبتليهم ليعلم من يسلم لأمره.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: ﴿ إلا لنعلم ﴾ قال: إلا لنميز أهل اليقين من أهل الشك ﴿ وإن كانت لكبيرة ﴾ يعني تحويلها عن أهل الشك والريب.

وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال: بلغني أن أناساً من الذين أسلموا رجعوا فقالوا مرة هاهنا ومرة ههنا.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ وإن كانت لكبيرة ﴾ يقول: ما أمر به من التحوّل إلى الكعبة من بيت المقدس.

وأخرج وكيع والفريابي والطيالسي وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وابن جرير والمنذر وابن حبان والطبراني والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: لما وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القبلة قالوا: يا رسول الله فكيف بالذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟

فأنزل الله: ﴿ وما كان الله ليضيع إيمانكم ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن البراء بن عازب في قوله: ﴿ وما كان الله ليضيع إيمانكم ﴾ قال: صلاتكم نحو بيت المقدس.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما كان الله ليضيع إيمانكم ﴾ يقول: صلاتكم التي صليتم من قبل أن تكون القبلة، وكان المؤمنون قد أشفقوا على من صلى منهم أن لا يقبل صلاتهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ رؤوف ﴾ قال: يرأف بكم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ﴾ الآية.

قال أهل المعاني: التشبيه في قوله: ﴿ وَكذَلِكَ ﴾ يرجع إلى ذكر الأنبياء الذين أنعم الله عليهم، وهم إبراهيم وأولاده، فلما ذكرهم وذكر النعمة عليهم بالكتاب المنزل، والحنيفية المستقيمة، قال: ﴿ وَكذَلِكَ ﴾ أي: وكما اخترنا إبراهيم وذريته واصطفيناهم، كذلك جعلناكم أمةً وسطًا (١) وقيل: هذه الآية تتصل بما قبلها من قوله: ﴿ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ أي: هديناكم وخصصناكم دونهم بالصراط المستقيم، وتحويل قبلتكم إلى قبلة إبراهيم، وكذلك أنعمنا عليكم نعمة أخرى فقال: إنا جعلناكم عدولًا (٢) وقوله: ﴿ وَسَطًا ﴾ الوسط: اسم لما بين طرفي الشيء.

قال الفراء: الوَسَط المثقل: اسم، كقولك: رأسٌ وسط وأسفل، ولا تقولن ههنا: وسْط بالتخفيف، واحتجم وَسَط رأسه، وربما خفف، وليس بالوجه.

وجلس وسْط القوم، ولا تقول (٣) قال الفراء: قال ابن يونس: سمعت وسْط ووَسَط بمعنًى (٤) قالوا يالَ أشجع يومَ هَيْجٍ ...

ووَسْط الدار ضَربًا واحْتِمايا (٥) قال أحمد بن يحيى: ما اتحدت أجزاؤه فلم يتميز بعضه من بعض فهو وسَط بتحريك السين، نحو: وسَط الدار، ووسَط الرأس والكف، وما أشبهها.

وما التفت أجزاؤه متجاورة، بعضها يتميز (٦) (٧) (٨) (٩) قال الفراء: ويقال: وسطتُ القوم سِطةً ووسوطًا إذا دخلت وسطهم: قال الله تعالى: ﴿ فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا  ﴾ (١٠) فأما التفسير: فقال عُظْم أهل التفسير في قوله: ﴿ أُمَّةً وَسَطًا ﴾ أي: عدلًا خيارًا (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥)  : "يدعى نوح يوم القيامة، فيقال له (١٦)  وأمته، فذلك قوله عز وجل: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ﴾ " (١٧) والوسط: العدل، ثم اختلفوا لِمَ سمّي العدل وسطًا؟

فقالت طائفة: هذا مأخوذ من وسط الوادي والقاع، وهو خير موضح فيه، وأكثره كَلأً وماءً، وذلك أن في غالب الأمر الماء يبرح وسط الوادي؛ لأنه في الصيف وشدة الحر ينحسر عن الأطراف إلى جوف الوادي، فيكون الكلأ هناك أكثر، ولذلك تقول العرب: انزل وسط الوادي، أي (١٨) (١٩) (٢٠) هم وَسَطٌ يرضى الأنام بحكمهم (٢١) ويحتمل على هذا الاشتقاق: أنه أراد: هم وسط بين طرفين: أحدهما: الغلو.

والثاني: التقصير، وهما مذمومان، وهذا قول الكلبي (٢٢) قال أهل المعاني: لما صار ما بين (٢٣) (٢٤) ﴿ قَالَ أَوْسَطُهُمْ  ﴾ قيل في تفسيره: خيرهم وأعدلهم (٢٥)  : "خير هذا الدين النمط الأوسط" (٢٦)  وسط، أي: عدول؛ لأنهم لم يغلوا غلو النصارى، ولا قصّروا تقصير اليهود، في حقوق أنبيائهم، بالقتل والصلب (٢٧) وقالت طائفة: وَسَط جمع واسط، وفَعَل يجوز في جمع فاعل، نحو: خدَم ونشَأ.

والواسط: الذي يسِطُ الشيء، أي: يتوسطه، قال الشاعر: وَسَطتْ نسبتي الذوائبَ منهم ...

كلُّ دار فيها أبٌ لي عظيم (٢٨) (٢٩) وفلان من واسطة قومه، أي: من أعيانهم، وهذا يحتمل أمرين: أحدهما: أن نسبه توسط نسبهم، فهو كريم الطرفين، أبوه وأمه من ذلك النسب.

والثاني: أنه أخذ من واسطة القلادة؛ لأنه يجعل فيه أنفَسَ خَرَزها.

قال بعض سعد بن زيد مناة: ومَن يفتقِرْ في قومه يحمَدِ الغنى ...

وإن كان فيهم واسطَ العَمِّ مُخْوِلا (٣٠) قوله: واسط العم، يحتمل المعنيين (٣١) وقوله تعالى: ﴿ لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد: على جميع الأمم، وذلك أن (٣٢) ﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ  ﴾ ، إلى قوله: ﴿ قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ  ﴾ .

قال: ثم يؤتى بأمة بعد أمة فيشهدون عليهم (٣٣) وشهداء: لا ينوّن؛ لأن فيه ألف التأنيث، وألف التأنيث يبنى معها الاسم، وجعل الجمع بألف التأنيث كما جعل بهاء التأنيث، نحو: أَجْرِبَة، وأغْرِبَة، وضَرَبَة، وكَتَبَة (٣٤)  ، والجوارح، وهذا كقوله: ﴿ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ  ﴾ (٣٥) وقوله تعالى: ﴿ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ قال المفسرون: وذلك أن محمدًا  يُسأل عن حال أمته، فيزكّيهم، ويشهد بصدقهم (٣٦) وقوله تعالى: ﴿ عَلَيْكُمْ ﴾ أي: لكم (٣٧) (٣٨) ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ  ﴾ ، أي: للنصب، وقيل: معناه: على صدقهم، فهو من باب حذف المضاف (٣٩) قال ابن جريج: قلت لعطاء: ما معنى: ﴿ لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ﴾ ؟

قال: أمةُ محمد شهداءُ على من ترك الحق من الناس أجمعين (٤٠) ﴿ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ يشهد على أنهم آمنوا بالحق حين جاءهم، وقبلوا، وصدّقوا به.

وقوله تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ ﴾ اختلف أهل المعاني في هذا، فقال بعضهم: إن الله تعالى تعبّد نبيه والمسلمين بالصلاة إلى بيت المقدس حيث (٤١) وعلى هذا التأويل خبر ﴿ جَعَلْنَا ﴾ محذوف، معناه: وما جعلنا القبلة التي كنت عليها قبلة إلا لهذا، فحذف المفعول الثاني؛ لإحاطة العلم، ويقال: إن ﴿ جَعَلْنَا ﴾ هاهنا لا يقتضي (٤٢) وقال بعضهم: إن النبي  لما (٤٣) (٤٤) ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا ﴾ فيكون من باب حذف المضاف (٤٥) وتحتمل الآية على هذا التأويل وجهًا ثالثًا، وهو أن ﴿ كُنْتَ ﴾ بمعنى: أنت (٤٦) ويجوز أن يريد بمعنى الكون: الحال، كقوله: ﴿ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا  ﴾ أي: من هو في الحال صبي، وكقوله: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ  ﴾ أي: أنتم.

ويؤكد هذا التأويل الثاني: أن جماعة من اليهود لما صرفت القبلة إلى الكعبة، قالوا للمسلمين: أخبرونا عن صلاتكم نحو بيت المقدس، أكانت هدًى أو ضلالةً؟

فإن كانت هدًى، فقد تحولتم عنها، وإن كانت ضلالة، لقد دنتم الله بها؟

فقال المسلمون: إنما الهدى ما أمر الله به، والضلالة ما نهى الله عنه، عيّروهم بنسخ القبلة (٤٧) وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا لِنَعْلَمَ ﴾ والله تعالى عالم لم يزل، ولا يجوز أن يحدث له علم.

واختلف أهل المعاني في وجه تأويله (٤٨) فذهب جماعة إلى أن العلم له منزلتان: علم بالشيء قبل وجوده، وعلم به (٤٩) فمعنى قوله: ﴿ إِلَّا لِنَعْلَمَ ﴾ أي: لنعلم العلم الذي يستحق العامل به الثواب والعقاب، وتبدل الأحوال على المعلوم لا يقتضي تبدل العلم وتغيره، وهذا مذهب جماعة من أهل النظر (٥٠) ﴿ إِلَّا لِنَعْلَمَ ﴾ : إلا لنرى (٥١) وحكى ابن الأنباري، عن الفراء، أنه قال: يجوز أن يكون الله جل اسمه أضاف العلم إليه، وهو للمخاطبين (٥٢) ﴿ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ  ﴾ ، على هذا التأويل.

ويجوز في سَعَة العربية إضافة الفعل إلى من ليس له في الحقيقة، كقول العرب: طلعت الشِّعرى، وانتصب العود على الحرباء، معناه: انتصب الحرباء على العود، فنسب الانتصاب إلى غير فاعله، ومثله في الكلام: لا أرَيَنَّك ههنا، أوقع النهي على غير المنهي؛ لأن المنهيَّ المخاطب، وذكرنا هذا في قوله: ﴿ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ  ﴾ .

وقيل: أراد ليعلم محمد  ، فأضاف علمه إلى نفسه تخصيصًا وتفضيلًا، كقوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ  ﴾ وقوله: ﴿ فَلَمَّا آسَفُونَا  ﴾ (٥٣) (٥٤) وقوله تعالى: ﴿ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ ﴾ أي: يطيعه في التوجه (٥٥) (٥٦) ﴿ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ ﴾ أي: يرتد فيرجع إلى الشرك دين آبائه (٥٧) ويجوز أن يكون المراد: ممن هو مقيم على كفره (٥٨) ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا ﴾ بيت المقدس وإن قلنا: إن المراد هناك: التحويل عن بيت المقدس، وهو أظهر التأويلين (٥٩) ﴿ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ ﴾ أي: يوافقه في التوجه إلى الكعبة، والانحراف عن بيت المقدس ﴿ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ ﴾ أي: يرتّد عن الدين فيرجع إلى اليهودية، أو إلى ما كان عليه.

وذلك أن الله تعالى جعل نسخ القبلة عن الصخرة إلى الكعبة ابتلاء لعباده المؤمنين، فمن عصمه ووفقه صدَّق الرسول في ذلك، وعلم أن لله (٦٠) والانقلاب على العَقِب: عبارة عن الانصراف إلى حيث أقبل منه؛ لأن عقبَ الإنسان يكون وراءه، فإذا رجع إلى وراء يقال: نكص على عقبيه، وانقلب على عقبيه، أي: انصرف راجعًا (٦١) قال ابن عباس: ﴿ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ ﴾ يريد: من يرجع إلى دينه الأول (٦٢) (٦٣) وقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً ﴾ قال سيبويه: ﴿ وَإِنْ ﴾ تأكيد شبيه باليمين؛ لذلك دخلت اللام في جوابها (٦٤) قال أبو إسحاق: دخلت اللام مع إن، لأنها لو لم تدخل كان الكلام جحدًا، فلولا اللام كان المعنى: (ما كانت كبيرة)، فإذا جاءت (إن واللام) فمعناهما التوكيد للقصة (٦٥) وأما التفسير: فقال ابن عباس (٦٦) (٦٧) (٦٨) قال ابن زيد (٦٩) (٧٠) (٧١) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ﴾ قال المفسرون: قالت اليهود للمسلمين لما حُوِّلت القبلة إلى الكعبة: إن كان هذا التحويل حقًّا فإنَّ من مات منكم وهو يصلي إلى بيت المقدس مات على الضَّلالة، وكان قد مات رجال من المسلمين قبل تحويل القبلة، فانطلق عشائرهم إلى النبي  ، فقالوا: يارسول الله، صرفك الله إلى قبلة إبراهيم، فكيف بإخواننا الذين ماتوا منا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟

فأنزل الله: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ﴾ (٧٢) قال الفراء: أسند الإيمان إلى الأحياء من المؤمنين، والمعنى: فيمن مات من المسلمين.

وإنما أضيف إلى الأحياء؛ لأن الذين ماتوا على القبلة الأولى كانوا منهم.

فقال: ﴿ إِيمَانَكُمْ ﴾ وهو يريد: إيمانهم؛ لأنهم داخلون معهم في الملة، وهو كقولك للقوم: قد قتلناكم وهزمناكم، يريد: قتلنا منكم، فيواجههم بالقتل وهم أحياء (٧٣) ويمكن أن يحمل على العموم، بأن أراد: إيمان الأحياء والأموات (٧٤) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ الرأفة: أخص من الرحمة وأرق، قال الفراء: الرأْفة والرآفة، مثل: الكأبة والكآبة (٧٥) وقال أبو زيد: رَأَفْتُ بالرجل، أَرْأَفُ به رأفةً، ورآفةً، ورَؤُفْتُ أَرْؤُفُ به، كلٌ من كلام العرب (٧٦) (٧٧) أحدهما: رؤوف على وزن فعول.

والثانية: رؤف على وزن رَعُف.

فمن قرأ على فَعُول؛ فلأنه أكثر في كلامهم من فَعُل، ألا ترى أن باب صبور وشكور، أكثر من باب حذُر ويقُظ، وإذا كان أكثر في كلامهم كان أولى.

يؤكد هذا: أن صفات الله قد جاءت على هذا (٧٨) ﴿ غَفُورٌ شَكُورٌ ﴾ ، ولا نعلم فَعُلًا فيها قال الشاعر: نطيع إلهنا ونطيع ربًّا ...

هو الرحمن كان بنا رؤوفًا (٧٩) ومن قرأ على وزن "رَعُف"، فقد قيل: إنه غالبُ لغة أهل الحجاز، ومنه قول الوليد بن عقبة بن أبي معيط (٨٠) (٨١) (٨٢) وكثر ذلك حتى قاله غيرهم، قال جرير: ترى للمسلمين عليك حقًّا ...

كفعل الوالد (٨٣) (٨٤) (٨٥) (١) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1235، "تفسير البغوي" 1/ 158، "تفسير الرازي" 4/ 96 - 97.

(٢) ذكر الرازي في "التفسير الكبير" 4/ 96 - 97، وجوهًا أخر.

وينظر: "المحرر الوجيز" 2/ 3 - 4، "البحر المحيط" 1/ 412.

(٣) في (أ): (ولا يقول).

(٤) قال الجوهري: كل وضع صلح فيه بين فهو وسْط، وإن لم يصلح فيه بين فهو وسَط بالتحريك، وقال: وربما سكن، وليس بالوجه.

وذكر البيت.

(٥) البيت، نسبه في "اللسان" 8/ 4831 (وسط) لأعصر بن سعد بن قيس عيلان.

(٦) في (م): (يتميز بعضها من بعض).

(٧) نقله عنه بمعناه في "تهذيب اللغة" 4/ 2888، "تفسير الثعلبي" 1/ 1234، "اللسان" 8/ 4832 (وسط).

(٨) أخرجه الإمام أحمد في "المسند" 5/ 384 عن حذيفة، في الذي يقعد في وسط الحلقة قال: ملعون على لسان 22752، والترمذي (2753) الأدب، باب: كراهية القعود وسط الحلقة، وأبو داود (4826) الأدب، باب: في الجلوس وسط الحلقة، وقال الترمذي: حسن صحيح.

(٩) نقله عنه بمعناه في "تهذيب اللغة" 4/ 2888، "اللسان" 2/ 4832 (وسط).

(١٠) نقله عنه بمعناه في "اللسان" 8/ 4833، ينظر في معاني الوسط: "المفردات" ص 537 - 538، "البحر المحيط" 1/ 418، "اللسان" 8/ 4831 - 4834 (وسط).

(١١) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 7، وابن أبي حاتم 1/ 249، "تفسير الثعلبي" 1/ 1234، "المحرر الوجيز" 2/ 4 - 5، "تفسير القرطبي" 2/ 140.

(١٢) هو محمد بن محمد بن محمش الزيادي، أبو طاهر، من شيوخ الواحدي، كان إمام أصحاب الحديث بخراسان، وفقيههم ومفتيهم، أخذ الواحدي عنه، توفي سنة 410هـ.

ينظر: "سير أعلام النبلاء" 17/ 276 - 278، "تذكرة الحفاظ" 3/ 1051.

(١٣) هو الإمام الزاهد المعمر أبو بكر محمد بن عمر بن حفص النيسابوري العابد، سمع سهل بن عمار وغيره، روى عنه أبو طاهر بن محمش وغيره، توفي سنة 335 هـ.

ينظر: "سير أعلام النبلاء" 15/ 376.

(١٤) هو إبراهيم بن عبد الله العبسي الكوفي أبو شيبة، سمع من أبي نعيم وقبيصة والإمام أحمد وغيرهم، وحدث عنه ابن ماجه والنسائي في اليوم والليلة، قال أبو حاتم: صدوق، توفي سنة 265 هـ.

ينظر: "السير" 11/ 128، "الجرح والتعديل" 2/ 110.

(١٥) هو وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسي الكوفي الحافظ، تقدمت ترجمته.

(١٦) ساقط من (ش).

(١٧) أخرجه البخاري (3339) كتاب أحاديث الأنبياء، باب: قول الله ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ ﴾ ، ورواه أحمد 3/ 32، 58، والطبري في "تفسيره" 2/ 8، وابن أبي حاتم 1/ 249.

(١٨) في (م): (انزل إلى وسط الوادي إلى)، وفي (أ): (انزل وسط الوادي إلى).

وما أثبته موافق لما في "تفسير الثعلبي" 1/ 1243.

(١٩) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 219، "تفسير الثعلبي" 1/ 1233.

(٢٠) ينظر: "اللسان" 8/ 4834 "وسط".

(٢١) البيت تتمته: إذا نزلت إحدى الليالي بمعظَمِ= ذكره بهذا اللفظ الجاحظ في "البيان والتبيين" 3/ 325، لكنه قال: يرضى الإله.

وهو تحريف مفسد للمعنى، وذكره ابن قتيبة في "غريب القرآن" ص 63، ولم ينسبه، وذكره الطبري في "تفسيره" 2/ 6، والثعلبي 1/ 1234، والسمعاني 2/ 80، وأبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 418، والسمين في "الدر المصون" 1/ 393، وقال المعلق على "تفسير الطبري" 2/ 6: البيت من معلقة زهير، وروايته كما في "ديوانه" بشرح ثعلب، وفي شرحي التبريزي والزوزني للمعلقات، وكما في جمهرة أشعار العرب للقرشي: لحيٍّ حلال يعصم الناس أمرهم ...

إذا طرقت إحدى الليالي بِمُعْظَمِ (٢٢) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1234، وذكره البغوي في "تفسيره" 1/ 158.

(٢٣) من قوله: (الغلو)، ساقط من (ش).

(٢٤) في (ش): (مبهمًا).

(٢٥) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1234.

(٢٦) قال العراقي في "تخريج الإحياء" 1/ 106: حديث: "عليكم بالنمط الأوسط"، رواه أبو عبيد في "غريب الحديث" موقوفا على علي بن أبي طالب، ولم أجده مرفوعا، وذكره في "اللسان" 8/ 4833 "وسط" من كلام علي.

وفي "تفسير القرطبي" 2/ 140 - 141: "عليكم بالنمط الأوسط، فإليه ينزل العالي وإليه يرتفع النازل".

والنمط: جماعة من الناس أمرهم واحد، وقيل هو الطريقة.

(٢٧) ينظر: "المحرر الوجيز" 1/ 3 - 5.

(٢٨) سقطت من (م).

(٢٩) البيت لحسان بن ثابت في "ديوانه" ص 225.

(٣٠) البيت لجابر بن الثعلب الطائي، ينظر: "ديوان الحماسة" 1/ 109.

(٣١) ينظر: "زاد المسير" 1/ 154.

(٣٢) في (م): (لأن الله).

(٣٣) ذكره بمعناه من غير نسبة الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1236، وينظر: "تفسير البغوي" 1/ 158، وبمعناه: حديث أبي سعيد عند البخاري (7349) كتاب الاعتصام، باب: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ﴾ ، ورواه الترمذي (2961) كتاب التفسير، باب: ومن تفسير سورة البقرة، والنسائي في "التفسير" 1/ 197، وابن ماجه (4284) كتاب الزهد، باب: صفة أمة محمد  .

(٣٤) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 220 بتصرف، وأجربة: جمع جريب، والأصل فيه: كل أرض ذات حدود، ثم استعمل في مقدار معين من الأرض، وهو يستعمل في المساحة والكيل.

وضربة: جمع ضارب.

(٣٥) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 11.

(٣٦) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 9 - 11، "تفسير الثعلبي" 1/ 1235.

وقال في "البحر المحيط" 1/ 422: وفي شهادته أقوال: أحدها: شهادته عليهم أنه قد بلغهم رسالة ربه.

والثاني: شهادته عليهم بإيمانهم.

والثالث: يكون حجة عليهم.

والرابع: تزكيته لهم وتعديلهم.

ثم عزا هذا القول لأكثر المفسرين.

(٣٧) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1235.

(٣٨) في (م): (لقوله).

(٣٩) ينظر: "البحر المحيط" 2/ 423.

(٤٠) رواه "الطبري" في "تفسيره" 2/ 11، وابن أبي حاتم 1/ 250، والبغوي 1/ 159.

(٤١) في (ش): (حين).

(٤٢) في (ش): (تقتضي).

(٤٣) ساقطة من (ش).

(٤٤) في (م): (وعلى هذا التقدير تأويل الآية).

(٤٥) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1236.

(٤٦) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1236، "البغوي" 1/ 159، "الكشاف" 1/ 199، وروي هذا عن ابن عباس.

ينظر: "البحر المحيط" 1/ 423، وقال: وهذا من ابن عباس إن صح: تفسير معنى، لا تفسير إعراب؛ لأنه يؤول إلى زيادة كان الرافعة للاسم والناصبة للخبر، وهذا لم يذهب إليه أحد.

(٤٧) ذكره مقاتل في "تفسيره" 1/ 145 - 146، والثعلبي 1/ 1238.

وتنظر بعض الآثار التي تدل على هذا عند الطبري 2/ 11 - 12، وابن أبي حاتم 1/ 248.

وتنظر الوجوه الإعرابية في: "البحر المحيط" 1/ 423، "التبيان" للعكبري ص 98.

(٤٨) ينظر في وجوه تأويل هذا: "تفسير الطبري" 2/ 12 - 14، "تفسير البغوي" 1/ 160، "المحرر الوجيز" 2/ 7 - 8، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 223، "البحر المحيط" 1/ 424.

(٤٩) سقطت من (ش).

(٥٠) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1237، "تفسير السمعاني" 2/ 83، البغوي في "تفسيره" 1/ 160، "التفسير الكبير" 4/ 115.

(٥١) ذكره الطبري في "تفسيره" 2/ 13 - 14، ولم ينسبه لابن عباس، ثم رد عليه، وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 155.

(٥٢) في (أ): (المخاطبين).

(٥٣) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 13، والثعلبي في "تفسيره" 1/ 1238.

(٥٤) قال ابن عطية في "المحرر الوجيز" 2/ 8 عن الأقوال السابقة: وهذا كله متقارب، والقاعدة: نفي استقبال العلم بعد أن لم يكن.

وقال أبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 424: فهذه كلها تأويلات في قوله: (لنعلم) فرارًا من حدوث العلم وتجدده؛ إذ ذاك على الله مستحيل، وكل ما وقع في القرآن مما يدل على ذلك أُوِّل بما يناسبه من هذه التأويلات.

(٥٥) في (ش): (التوحيد).

(٥٦) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 14.

(٥٧) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 15، "زاد المسير" 1/ 155، "المحرر الوجيز" 2/ 10، "تفسير القرطبي" 2/ 144.

(٥٨) ينظر: "التفسير الكبير" 4/ 105.

(٥٩) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 425.

(٦٠) في (م) و (ش): (الله).

(٦١) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 15، "المحرر الوجيز" 2/ 10.

(٦٢) هذه من رواية عطاء التي تقدم الحديث عنها بالمقدمة.

(٦٣) ينظر: "المفردات" ص 343 - 344، "اللسان" 5/ 3022 (عقب).

(٦٤) ينظر: "الكتاب" لسيبويه 4/ 233، 2/ 140.

(٦٥) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 220، وينظر: "التبيان" للعكبري 98، "البحر المحيط" 1/ 425.

(٦٦) رواه عنه الطبري 2/ 15، وابن أبي حاتم 1/ 251.

(٦٧) رواه عنه الطبري 2/ 15، وابن أبي حاتم 1/ 251.

(٦٨) رواه عنه الطبري 2/ 15، وذكره ابن أبي حاتم 1/ 251.

(٦٩) رواه عنه الطبري 2/ 16.

(٧٠) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 15، بلفظ: عن أبي العالية (وإن كانت لكبيرة) أي: قبلة بيت المقدس (إلا على الذين هدى الله)، وذكره ابن أبي حاتم 1/ 251، وجعل قوله كقول مجاهد.

(٧١) وعلى هذا المعنى حمله الطبري 2/ 16.

(٧٢) روي بهذا اللفظ في: "تفسير الطبري" 2/ 17، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 251، "تفسير مقاتل" 1/ 74، "تفسير الثعلبي" 1/ 1239، "الكفاية" للحيري 1/ 79، "أسباب النزول" للواحدي ص 45 - 46، "تفسير البغوي" 1/ 123.

وروى البخاري (40) كتاب الإيمان، باب: الصلاة من الإيمان، عن البراء بن عازب أنه مات على القبلة قبل أن تحول رجال وقتلوا، فلم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله تعالى: (وما كان الله ليضيع إيمانكم).

(٧٣) ينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 83 - 74.

(٧٤) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 18.

(٧٥) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 2/ 1323، وينظر: "لسان العرب" 3/ 1535 (رأف)، "البحر المحيط" 1/ 426.

(٧٦) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 2/ 1323، وينظر: "لسان العرب" 3/ 1535 (رأف).

وينظر في بيان معاني الرؤوف: "اشتقاق أسماء الله" للزجاجي ص 86.

(٧٧) قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وشعبة عن عاصم: (رؤف)، بهمزة من غير واو.

وقرأ الباقون بواو بعد الهمزة.

ينظر "السبعة" ص 171، "النشر" 2/ 223.

(٧٨) في (أ)، (م): (على وزن رعف الوزن).

(٧٩) البيت لكعب بن مالك الأنصاري في "ديوانه" ص 236، "تفسير الثعلبي" 1/ 1240 وروايته: نطيع رسولنا، "لسان العرب" 3/ 1535 "رأف"، وروايته: نطيع ربنا، "تاج العروس" 12/ 221 (رجف).

(٨٠) هو الوليد بن عقبة بن أبي معيط، واسم أبي معيط أبان بن عمرو، أسلم يوم فتح == مكة، كان من الشعراء المطبوعين، قال الأصمعي كان شاعرًا كريمًا، توفي بالرقة.

ينظر: "أسد الغابة" 5/ 451، "الإصابة" 3/ 637.

(٨١) في (أ)، (م): (للطالبين).

(٨٢) البيت للوليد في "الحجة" لأبي علي 2/ 230، ابن عطية في "تفسيره" 2/ 12، "تفسير القرطبي" 2/ 145، "البحر المحيط" 1/ 601، "أنساب الأشراف" ص 140، "تاريخ الطبري" 5/ 236.

وورد البيت في بعض المصادر هكذا: وشر الظالمين للظالمين فلا تكنه ...

يقابل عمه الرؤف الرحيمُ (٨٣) في (ش): (الوليد).

(٨٤) البيت لجرير في "ديوانه" ص 412، "الخزانة" 4/ 222، "الكامل" للمبرد 2/ 139، "تفسير الثعلبي" 1/ 1241، "البحر المحيط" 1/ 601.

(٨٥) من كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 229 - 230.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ سَيَقُولُ ﴾ ظاهرة الإعلام بقولهم قبل وقوعه، إلاّ أن ابن عباس قال: نزلت بعد قولهم ﴿ السفهآء ﴾ هنا اليهود أو المشركون أو المنافقون ﴿ مَا ولاهم ﴾ أي ما ولى المسلمين ﴿ عَن قِبْلَتِهِمُ ﴾ الأولى وهي بيت المقدس إلى الكعبة ﴿ للَّهِ المشرق والمغرب ﴾ رداً عليهم لأن الله يحكم ما يريد، ويولي عباده حيث شاء، لأن الجهات كلها له ﴿ وَكَذَلِكَ ﴾ بعدما هديناكم ﴿ جعلناكم أُمَّةً وَسَطاً ﴾ أي خياراً ﴿ شُهَدَآءَ عَلَى الناس ﴾ أي تشهدون يوم القيامة بإبلاغ الرسل إلى قومهم ﴿ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ﴾ أي بأعمالكم، قال عليه الصلاة والسلام: أقول كما قال أخي عيسى: ﴿ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ﴾ [المائدة: 117] الآية، فإن قيل: لم قدّم المجرور في قوله عليكم شهيداً وأخره في قوله: شهداء على الناس؟

فالجواب: أنّ تقديم المعمولات يفيد الحصر، فقدّم المجرور في قوله: عليكم شهيداً: لاختصاص شهادة النبي صلى الله عليه وسلم بأمته، ولم يقدّمه في قوله شهداء على الناس لأنه لم يقصد الحصر ﴿ القبلة التي كُنتَ عَلَيْهَآ ﴾ فيها قولان: أحدهما: أنها الكعبة، وهو قول ابن عباس.

والآخر: هو بيت المقدس، وهو قول قتادة وعطاء والسُدّي، وهذا مع ظاهر قوله: كنت عليها؛ لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي إلى بيت المقدس، ثم انصرف عنه إلى الكعبة، وأما قول ابن عباس: فتأويله بوجهين: الأول: أن كنت بمعنى أنت، والثاني: قيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى الكعبة قبل بيت المقدس، وإعراب ﴿ إلا التي كنت عليها ﴾ مفعول بجعلنا، أو صفة للقبلة، ومعنى الآية على القولين: اختبار وفتنة للناس بأمر القبلة، وأما على قول قتادة: فإن الصلاة إلى هذا: ما جعلنا صرف القبلة، أما على قول ابن عباس: فإن الصلاة إلى الكعبة فتنة لليهود؛ لأنهم يعظمون بيت المقدس، وهم مع ذلك ينكرون النسخ، فأنكروا صرف القبلة، أو فتنة لضعفاء المسلمين؛ حتى رجع بعضهم عن الإسلام حين صرفت القبلة ﴿ لِنَعْلَمَ ﴾ أي العلم الذي تقوم به الحجة على العبد وهو إذا ظهر في الوجود ما علمه الله ﴿ يَنقَلِبُ على عَقِبَيْهِ ﴾ عبارة عن الارتداد عن الإسلام، وهو تشبيه بمن رجع يمشي إلى وراء ﴿ وَإِن كَانَتْ ﴾ إن مخففة من الثقيلة واسم كان ضمير الفعلة وهي التحوّل عن القبلة ﴿ إيمانكم ﴾ قيل صلاتكم إلى بيت المقدس واستدل به من قال إنّ الأعمال من الإيمان، وقيل: معناه ثبوتكم على الإيمان حين انقلب غيركم بسبب تحويل القبلة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ من يشاء إلى ﴾ بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر.

الباقون ﴿ يشاء ولى ﴾ بقلب الثانية واواً.

وروى الخزاعي وابن شنبوذ عن أهل مكة ﴿ يشاو إلى ﴾ بقلب الأولى واواً ﴿ لرؤف ﴾ مهموزاً مشبعاً: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وابن عامر وحفص والمفضل والبرجمي.

وقرأ يزيد بتليين الهمزة والإشباع.

الباقون: ﴿ لرؤف ﴾ على وزن "الرعف" ﴿ ..

يعملون ولئن ﴾ بياء الغيبة: ابن كثير ونافع وخلف وعاصم وأبو عمرو ويعقوب، الباقون: بالتاء ﴿ مولاها ﴾ بالألف: ابن عامر والباقون: بالباء وكسر اللام ﴿ يعملون ومن حيث ﴾ بياء المغايبة: أبو عمرو.

الباقون: بالتاء ﴿ ليلاً ﴾ مدغمة غير مهموزة عن ورش، وعن ابن كثير وحمزة وعلي وخلفٍ ويعقوب مدغماً مهموزاً.

الباقون: مظهراً مهموزاً، والاختيار عن يعقوب وهشام الإظهار.

﴿ فاذكروني ﴾ بفتح الياء: ابن كثير.

الوقوف: ﴿ عليها ﴾ ط ﴿ المغرب ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ شهيداً ﴾ ط ﴿ عقبيه ﴾ ط ﴿ هدى الله ﴾ ط ﴿ ايمانكم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ في السماء ﴾ ج لأن الجملتين وإن اتفقتا فقد دخل الثانية حرفا توكيد يختصان بالقسم والقسم مصدّر ﴿ ترضيها ﴾ ص لأن فاء التعقيب لتعجيل الموعود ﴿ الحرام ﴾ ط ﴿ شطره ﴾ ط ﴿ من ربهم ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ قبلتك ﴾ ج ﴿ قبلتهم ﴾ ج وكلاهما لتفصيل الأحوال مع اتحاد المقصود ﴿ قبلة بعض ﴾ ط ﴿ من العلم ﴾ لا لأن "ان" جواب معنى القسم في "لئن"، فلو فصل كان ﴿ من الظالمين ﴾ مطلقاً وفي الاطلاق حظر ﴿ الظالمين ﴾ ه م لأنه لو وصل صار "الذين" صفة وهو مبتدأ في مدح عبد الله ابن سلام وأضرابه ﴿ أبناءهم ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ الممترين ﴾ ه ﴿ الخيرات ﴾ ط ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ الحرام ﴾ (ط) ﴿ من ربك ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الحرام ﴾ ط لأن "حيث" متضمن الشرط ﴿ شطره ﴾ لا لتعلق لام في ﴿ حجة ﴾ ط قبل تحرزاً عن إثبات الحجة بعد النفي والوصل ه في العربية أوضح، ولا منافاة لأن المراد من الحجة الخصومة وبيان الحق لا ينافي الخصومة ﴿ تهتدون ﴾ إذا علق ﴿ كما أرسلنا ﴾ بما قبله ووقف على ﴿ تعلمون ﴾ وإن علق بما بعده وقف على ﴿ تهتدون ﴾ دون ﴿ تعلمون ﴾ ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ ولا تكفرون ﴾ ه.

التفسير: هذه شبهة ثانية من أهل الكتاب طعناً في الإسلام.

قالوا: النسخ يقتضي إما الجهل أو التجهيل لأن الأمر إن كان خالياً عن القيد كفى فعله مرة واحدة، فلا يكون ورود الأمر بعده على خلافه ناسخاً مقيداً.

وإن كان مقيداً بالدوام فكذلك، وإن كان مقيداً بالدوام فإن كان الآمر يعتقد دوامه ثم رفعه كان جهلاً وبداء، وإن كان عالماً بلا دوامه كان تجهيلاً، وكل هذه من الحكيم قبيح.

ثم إنهم خصصوا هذه الصورة بمزيد شبهة، وهو أنّا إذا جوزنا النسخ عند اختلاف المصالح فههنا لا مصلحة فإن الجهات متساوية وهذا دليل على أن هذا التغيير ليس من عند الله.

قال القفال: لفظ ﴿ سيقول ﴾ وإن كان للاستقبال لكنه قد يستعمل في الماضي كالرجل يعمل عملاً فيطعن فيه بعض أعدائه فيقول: أنا أعلم أنهم سيطعنون فيّ.

كأنه يريد أنه إذا ذكر مرة فسيذكرونه مرات أخرى، ويؤيد ذلك ما ورد من الأخبار أنهم لما قالوا ذلك نزلت الآية.

والمشهور أن الله  أخبر عنهم قبل أن ذكروا هذا الكلام أنهم سيذكرونه، وفيه فوائد منها: أنه إخبار بالغيب فيكون معجزاً.

ومنها أن مفاجأة المكروه أشد مما إذا وطن النفس له.

ومنها أن الجواب العتيد أقطع للخصم وقبل الرمي يراش السهم، والسفهاء الخفاف الأحلام وإذا كان من لا يميز بين ما له وعليه في أمر دنياه يعدّ سفيهاً شرعاً، فالذي يضيع أمر آخرته أولى بهذا الاسم.

عن ابن عباس ومجاهد: هم اليهود، ذلك أنهم كانوا يأنسون بموافقة النبي  إياهم في القبلة، فلمّا تحول استوحشوا لا سيما وأنهم لا يرون النسخ.

وعن البراء بن عازب والحسن الأصم: أنهم مشركو العرب قالوا: أبى إلاّ الرجوع إلى موافقتنا ولو ثبت عليه أولاً كان أولى به.

وقيل: هم المنافقون ذكروا ذلك استهزاء من حيث إن تميز بعض الجهات عن بعض ليس له دليل معقول فحملوا الأمر على العبث والعمل بالرأي والتشهي والأقرب أن يكون الكل داخلاً فيه، لأن الأعداء جبلت على الغيظ وطلب التشفي، فإذا وجدوا مجالاً لم يتركوا مقالاً ﴿ ما ولاهم ﴾ ما صرفهم استفهموا على جهة التعجب والاستهزاء ﴿ عن قبلتهم التي كانوا عليها ﴾ القبلة بيت المقدس، وضمير الجمع للرسول والمؤمنين هذا هو المجمع عليه عند المفسرين، ولولا الإجماع لاحتمل أن يعود الضمير في "كانوا" إلى "السفهاء" أي ما الذي صرف الرسول والمؤمنين عن القبلة التي كان السفهاء عليها فإنهم كانوا لا يعرفون إلاّ قبلة اليهود وهي إلى المغرب وقبلة النصارى وهي إلى المشرق؟

فكأنهم قالوا: كيف يتوجه أحد إلى غير هاتين الجهتين المعروفتين؟

فاجابهم الله عن شبهتهم بقوله ﴿ قل لله المشرق والمغرب ﴾ أي بلادهما، والأرض كلها والجهات بأسرها ملكاً وملكاً، ثم أكد ذلك بقوله ﴿ يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيمٍ ﴾ وهو القبلة التي اقتضت الحكمة في هذا الزمان توجيه الناس إليها ويحتمل أن يراد به الطريقة المؤدية إلى سعادة الدارين فيشتمل القبلة وغيرها.

وحاصل الجواب بعد ما مر في آية النسخ أنه  فاعل لما يشاء كما يشاء، لا اعتراض لأحد عليه كما لا اعتراض على من يتصرف في ملكه كما يريد، وأفعاله  لا تعلل بغرض وإن كانت لا تخلو عن فائدة وحكمة كما سبق، وكثير منها مما لا يهتدي عقول البشر إلى تفاصيل حكمها لكنهم قد يستنبطون بحسب أفهامهم لبعضها وجوهاً مناسبة، أما تعيين القبلة في الصلاة فالحكمة فيه أن للإنسان قوة عقلية يدرك المجردات والمعقولات بها وقوة خيالية يتصرف بها في عالم الأجسام، وقلما تنفك العقلية عن الخيالية وإعانتها كالمهندس يضع في إدراك أحكام المقادير صورة معيّنة وشكلاً معيناً ليصير الحس والخيال معينين له على إدراك تلك الأحكام الكلية، وكالذي يريد أن يثني على ملك مجازي فإنه يستقبله بوجهه ثم يشتغل بالثناء والخدمة.

فاستقبال القبلة في الصلاة يجري مجرى كونه مستقبلاً للملك، والقراءة تجري مجرى الثناء عليه، والركوع والسجود جاريان مجرى الخدمة.

وأيضاً الخشوع في الصلاة لا يحصل إلا مع السكون وترك الالتفات، ولا يتأتى ذلك إلاّ إذا بقي في جميع صلاته مستقبلاً لجهة واحدة على التعيين.

وإذا اختص بعض الجهات بمزيد شرف في الأوهام فاستقباله أولى.

وأيضاً إنه  يحب الموافقة والألفة بين المؤمنين وقد من عليهم بذلك ﴿ واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً  ﴾ .

وتوجه كل مصلٍ إلى أي جهة تتفق مظنة الاختلاف فلم يكن بد من تعيين جهة ليحصل الاتفاق.

وأيضاً كأنه  يقول: يا مؤمن أنت عبد، والكعبة بيتي، والصلاة خدمتي، وقلبك عرشي، والجنة دار كرامتي، فاستقبل بوجهك إلى بيتي وبقلبك إليّ، أبوئك دار كرامتي.

وأيضاً اليهود استقبلوا مغرب الأنوار ﴿ وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر  ﴾ .

والنصارى استقبلوا مطلع الأنوار ﴿ إذ انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً  ﴾ فالمؤمنون استقبلوا مظهر الأنوار وهو مكة، فمنها محمد ومنه خلق الأنوار ولأجله دال الفلك الدوّار.

وأيضاً المغرب قبلة موسى، والمشرق قبلة عيسى، وبينهما قبلة إبراهيم ومحمد، وخير الأمور أوسطها؛ وأيضاً الكعبة سرة الأرض ووسطها، وأمة محمد وسط ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً ﴾ .

والوسط بالوسط أولى ﴿ الطيبات للطيبين  ﴾ .

وأيضاً العرش قبلة الحملة، والكرسي قبلة البررة، والبيت المعمور قبلة السفرة، والكعبة قبلة المؤمنين، والحق قبلة المتحيرين ﴿ فأينما تولوا فثم وجه الله ﴾ والعرش مخلوق من النور، والكرسي من الدر، والبيت المعمور من الياقوت، والكعبة من جبال خمسة: سينا وزيتا وجوديّ ولبنان وحراء.

كأنه قال: إن كان عليك مثل هذه الجبال ذنوباً فأتيت الكعبة حاجاً أو معتمراً أو توجهت مصلياً الصلوات الخمس غفرتها لك.

وأيضاً لما كان بناء هذا البيت سبباً لظهور دولة العرب كانت رغبتهم في توجهها أشد وأيضاً اليهود كانوا يعيرون المسلمين بأنا قد أرشدناكم إلى القبلة وينكسر بذلك قلوب المسلمين.

فأزيل تشويشهم، وأيضاً الكعبة منشأ محمد، فتعظيمها يقتضي تعظيمه، وتعظيمه مما يعين على قبول أوامره ونواهيه، فبمقدار حشمة المرء يكون قبول قوله.

فهذه هي الوجوه المناسبة، والوجه الأقوى هو الذي ذكره الله  في قوله ﴿ وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه ﴾ وقوله ﴿ وكذلك جعلناكم ﴾ الكاف للتشبيه، وفي اسم الإشارة وجوه.

فقيل: راجع إلى معنى يهدي أي كما أنعمنا عليكم بالهداية كذلك أنعمنا عليكم بأن جعلناكم، أو كما هديناكم إلى أوسط البقلة جعلناكم أمة وسطاً.

وقيل: عائد إلى قوله ﴿ ولقد اصطفينا  ﴾ .

أي كما اصطفينا إبراهيم في الدنيا جعلناكم.

وقيل: ينصرف إلى قوله ﴿ ولله المشرق والمغرب ﴾ أي كما خصصنا بعض الجهات المتساوية بمزيد التشريف والتكريم حتى صارت قبلةً فضلاً منا وإحساناً، جعلناكم مختصين بالعدالة براً منا وامتناناً مع تساوي الخلق في العبودية.

وقيل: قد يذكر ضمير الشيء وإن لم يكن المضمر مذكوراً إذا كان المضمر مشهوراً معروفاً مثل ﴿ إنا أنزلناه في ليلة القدر ﴾ ثم من المشهور المعروف عند كل أحد أنه  هو القادر على إعزاز من يشاء وإذلال من يشاء، فالمعنى ومثل ذلك الجعل العجيب الذي لا يقدر عليه أحد غيري جعلناكم أمةً وسطاً.

الجوهري: يقال جلست وسط القوم بالتسكين لأنه ظرف، وجلست وسط الدار بالتحريك لأنه اسم، وكل موضع صلح فيه بين فهو وسط، وإن لم يصلح فيه بين فهو وسط بالتحريك.

قال: والوسط من كل شيء أعدله، وشيء وسط أي بين الجيد والرديء، وأمةً وسطاً أي عدولاً قال زهير: همو وسط يرضى الأنام بحكمهم *** إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم وذلك أن العدل متوسط في الأخلاق بين طرفي الإفراط والتفريط، ولهذا ذكره الله تعالى في معرض المدح والامتنان.

وقيل: الوسط الخيار لأنه يستعمل في الجمادات.

قال في الكشاف: اكتريت بمكة جمل أعرابي فقال: أعطني من سطاتهن - أراد من خيار الدنانير - ويؤيده قوله  في موضع آخر ﴿ كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس  ﴾ وإنما أطلق الوسط على الخيار لأن الأطراف يتسارع إليها الخلل والعيب، والأوساط محمية محوطة.

وقيل: المراد بالوسط ههنا أنهم متوسطون في الدين بين المفرط والمفرّط والغالي والمقصر في شأن الأنبياء لا كالنصارى حيث جعلوا النبي صلّى الله عليه وسلم ابناً وإلهاً، ولا كاليهود حيث قتلوا الأنبياء وبدلوا الكتب، ولأن الوسط في الأصل اسم وصف به استوى فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث ﴿ لتكونوا شهداء على الناس ﴾ الأكثرون على أن هذه الشهادة في الآخرة إما بأن يكونوا شهداء للأنبياء على أممهم الذين يكذبونهم.

روي أن الأمم يجحدون تبليغ الأنبياء يوم القيامة فيطالب الله الأنبياء بالبينة على أنهم قد بلغوا - وهو أعلم - فيؤتى بأمة محمد فيشهدون فيقول الأمم: من أين عرفتم؟

فيقولون: علمنا ذلك بإخبار الله في كتابه الناطق على لسان نبيه الصادق.

فيؤتى بمحمد فيسأل عن حال أمته فيزكيهم ويشهد بعدالتهم وذلك قوله  ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمةٍ بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً  ﴾ قلت: والحكمة في ذلك تمييز أمة محمد  في الفضل عن سائر الأمم حيث يبادرون إلى تصديق الله  وتصديق جميع الأنبياء والإيمان بهم جميعاً، فهم بالنسبة إلى غيرهم كالعدل بالنسبة إلى الفاسق، ولذلك تقبل شهادتهم على الأمم، ولا تقبل شهادة الأمم عليهم.

وإنما سمي هذا الإخبار شهادة لقوله  "إذا علمت مثل الشمس فاشهد" .

والشيء الذي أخبر الله  عنه معلوم مثل الشمس فتصح الشهادة عليه، وإما بأنْ يشهدوا على الناس بأعمالهم التي خالفوا الحق فيها.

قال ابن زيد: الأشهاد أربعة: الملائكة الحفظة ﴿ وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد  ﴾ والنبيون ﴿ ويكون الرسول عليكم شهيد ﴾ وأمة محمد  خاصة ﴿ لتكونوا شهداء على الناس ﴾ ﴿ ويوم يقوم الأشهاد  ﴾ والجوارح ﴿ يوم تشهد عليهم ألسنتهم و أيديهم وأرجلهم  ﴾ .

وقيل: إن هذه الشهادة في الدنيا، وذلك أن الشاهد في عرف الشرع من يخبر عن حقوق الناس بألفاظ مخصوصة على جهات مخصوصة، فكل من عرف حال شخص فله أن يشهد عليه فإن الشهادة خبر قاطع، وشهادة الأمة لا يجوز أن تكون موقوفة على الآخرة لأن عدالتهم في الدنيا ثابتة بدليل ﴿ جعلناكم ﴾ بلفظ الماضي، فلا أقل من حصولها في الحال.

ثم رتب كونهم شهداء على عدالتهم، فيجب أن يكونوا شهداء في الدنيا.

وإن قيل: لعل التحمل في الدنيا ولكن الأداء في الآخرة.

قلنا: المراد في الآية الأداء لأن العدالة إنما تعتبر في الأداء لا في التحمل، ومن هنا يعلم أن إجماعهم حجة لا بمعنى أن كل واحدٍ منهم محق في نفسه، بل بمعنى أن هيئتهم الاجتماعية تقتضي كونهم محقين، وهذا من خواص هذه الأمة، ثم لا يبعد أن يحصل مع ذلك لهم الشهادة في الآخرة فيجري الواقع منهم في الدنيا مجرى التحمل لأنهم إذا بينوا الحق عرفوا عنده من القابل ومن الراد، ثم يشهدون بذلك يوم القيامة كما أن الشاهد علىالعقود يعرف ما الذي تم وما الذي لم يتم ثم يشهد بذلك عند الحاكم، أو يكون المعنى لتكونوا شهداء على الناس في الدنيا فيما لا يصح إلاّ بشهادة العدول الأخيار، ويكون الرسول عليكم شهيداً يزكيكم ويعلم بعدالتكم.

وإنما قدمت صلة الشهادة في الثاني لأن الغرض في الأول إثبات شهادتهم على الأمم فقط، فبقيت صلة الشهادة في مركزها.

والغرض في الآخر اختصاصهم بكون الرسول شهيداً عليهم فأزيلت عن مركزها ليفيد الاختصاص.

وإنما لم يقل لكم شهيداً مع أن شهادته لهم لا عليهم، لأنه ضمن معنى الرقيب مثل ﴿ والله على كل شيءٍ شهيد  ﴾ مع رعاية الطباق للأول.

وإنما قيل "شهداء على الناس في الدنيا" لأن قولهم يقتضي التكليف إما بفعل أو بقول وذلك عليهم لا لهم في الحال.

قيل: الآية متروكة الظاهر لأن وصف الأمة بالعدالة يقتضي اتصاف كل واحدٍ منهم بها وليس كذلك، فلا بد من حملها على البعض.

فنحن نحملها على الأئمة المعصومين سلمناه لكن الخطاب في ﴿ جعلناكم ﴾ للموجودين عند نزول الآية لأن خطاب من لم يوجد محال.

فالآية تدل على أن إجماع أولئك حق لكنا لا نعلم بقاء جميعهم بأعيانهم إلى ما بعد وفاة الرسول فلا تثبت صحة الإجماع وقتئذ.

سلمنا ذلك لكن المراد بالعدالة اجتناب الكبائر فقط، فيحتمل أن الذي أجمعوا عليه وإن كان خطأ لكنه من الصغائر فلا يقْدح ذلك في خيريتهم وعدالتهم.

وأجيب بأن حال الشخص في نفسه غير حاله بالقياس إلى غيره، فلم يجوز أن يكون الشخص غير مقبول القول عند الانفراد ويكون مقبولاً عند الاجتماع؟

والخطاب لجميع الأمة من حين نزول الآية إلى قيام الساعة كما في سائر التكاليف مثل ﴿ كتب عليكم الصيام كما  ﴾ ﴿ كتب عليكم القصاص  ﴾ فللموجودين بالذات وللباقين بالتبعية، لكنا لو اعتبرنا أوّل الأمة وآخرها بأسرها لزالت فائدة الآية إذا لم يبق بعد انقضائها من تكون الآية حجة عليه، فعلمنا أن المراد به أهل كل عصر.

ثم إن الله  منّ على هذه الأمة بأن جعلهم خياراً أو عدولاً عند الاجتماع، فلو أمكن اجتماعهم على الخطأ لم يبق بينهم وبين سائر الأمم فرق في ذلك فلا منة.

﴿ وما جعلنا ﴾ يريد الجعل بمعنى الشرع والحكم.

﴿ التي ﴾ صفة موصوف محذوف هو ثاني مفعولي "جعل" أي وما جعلنا القبلة أي الجهة التي كنت عليها أي كنت معتقداً لاستقبالها كقولك "الشافعي على كذا" ثم ههنا وجهان: أحدهما أن هذا الكلام بيان للحكمة في جعل الكعبة قبلة وذلك أنه  كان يصلي بمكة إلى الكعبة ثم أمر بالصلاة إلى بيت المقدس بعد الهجرة تألفاً لليهود وامتحاناً للذلن اتّبعوه بمكة، ثم حول إلى الكعبة اختباراً ثانياً أي ما رددناك إلى الجهة التي كنت عليها أولاً إلا امتحاناً للناس وابتلاء وثانيهما أنه بيان للحكمة في جعل بيت المقدس قبلة، يعني أن أصل أمرك أن تستقبل الكعبة وأن استقبالك بيت المقدس كان أمراً عارضاً لفائدة هي أن نمتحن الناس وننظر من يتبع الرسول ومن لا يتبعه.

واللام في ﴿ لنعلم ﴾ ليست لأجل الغرض وإنما هي لتقرير الحكمة والفائدة التي يستتبعها الجعل.

فإن قيل: كيف؟

قال ﴿ لنعلم ﴾ ولم يزل عالماً بذلك؟

فالجواب أن معناه ليعلم حزبنا من النبي والمؤمنين كما يقول الملك: فتحنا البلد.

وإنما فتحه جنده أو لنعلمه موجوداً حاصلاً وهو العلم الذي يتعلق به الجزاء.

ولا يلزم منه أن يحدث لله علم فإن العلم الأزلي بالحادث الفلاني في الوقت الفلاني غير متغير، وإنما هو قبل حدوث الحادث كهو حال حدوثه.

وإنما جاء المضي والاستقبال من ضرورة كون الحادث زمانياً وكون كل زمان مكنوفاً بزمانين: سابق ولاحق.

فإذا نسبت العلم الأزلي إلى الزمان السابق قلت "سيعلم الله" وإذا نسبت إلى زمانه قلت "يعلم" وإذا نسبت إلى الزمان اللاحق قلت "قد علم" فجميع هذه التغيرات انبعثت من اعتباراتك، وعلم الله واحد فافهم.

أو لنميز التابع من الناكص كقوله ﴿ ليميز الله الخبيث من الطيب  ﴾ فسمي التمييز علماً لأنه أحد فوائد العلم وثمراته، أو لنرى كما تستعمل الرؤية مكان العلم.

وعن الفراء: أن حدوث العلم في الآية راجع إلى المخاطبين ومثاله: أن جاهلاً وعاقلاً اجتمعا فيقول الجاهل: الحطب يحرق النار.

ويقول العاقل: بل النار تحرق الحطب، وسنجمع بينهما لنعلم أيهما يحرق صاحبه، معناه لنعلم أينا الجاهل.

وهذا من كلام المصنف مثل ﴿ وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين  ﴾ وقوله ﴿ ممن ينقلب على عقبيه ﴾ استعارة للكفر والارتداد كأنه يرجع إلى حيث أتى ثم إن هذه المحنة حصلت بسبب تعيين القبلة.

أو بسبب تحويلها من الناس، من قال بالأول لأنه  كان يصلي إلى الكعبة، فلما جاء إلى المدينة صلى إلى بيت المقدس فشق ذلك على العرب من حيث إنه ترك قبلتهم، ثم لما تحول إلى الكعبة شق ذلك على اليهود.

والأكثرون على الثاني لأن الشبهة في أمر النسخ أعظم منها في تعيين القبلة، عن ابن جريج أنه قال: بلغني أنه رجع ناس ممن أسلم وقالوا مرة ههنا ومرة ههنا، ولو كان على يقين من أمر تغير رأيه.

وعن السدي: لما توجه إلى الكعبة اختلفوا، قال المنافقون: ما بالهم كانوا على قبلة ثم تركوها؟

وقال المسلمون: ليتنا نعلم حال إخواننا الذين ماتوا وقد صلوا نحو البيت المقدس.

وقال آخرون: اشتاق إلى بلد أبيه ومولده.

وقال المشركون: تحير في دينه.

﴿ وإن كانت لكبيرة ﴾ هي "إن" المخففة التي يلزمها اللام الفارقة بينها وبين "إن" النافية، وتتهيأ بالتخفيف للدخول على الأفعال.

لكن البصريين أوجبوا كون الفعل الذي دخلت هي عليه من باب "كان" أو "علم" ويبطل عمل "إن" في الظاهر، وكذا في التقدير، فلا يقدر ضمير الشأنّ كما يقدر في "أن" المفتوحة إذا خففت، فقوله ﴿ لكبيرة ﴾ خبر "كانت" واسمها الضمير العائد إلى القبلة لأنها هي المذكورة، أو إلى ما دل عليه الكلام السابق من التولية في ﴿ ما ولاهم ﴾ أو الجعلة، أو الردة، أو التحويلة في ﴿ وما جعلنا ﴾ ومعنى لكبيرة لثقيلة شاقة مستنكرة كقوله ﴿ كبرت كلمة تخرج من أفواههم ﴾ وذلك أن الامتحان إن وقع بنفس القبلة فالفطام عن المألوف شديد والإعراض عن طريقة الآباء والأسلاف عسير، وإن وقع بالتحويل فهو مبني على جواز النسخ وفيه ما فيه من الشبه والإشكال فيصعب اعتقاد حقيقته إلا على الذين هدى الله.

الراجع محذوف أي هداهم الله إلى الثبات على دين الإسلام بأن نصب لهم الدلائل أولاً، ثم جعلهم منتفعين بها ثانياً، وإلا فالدلالة عامة للكل ﴿ وما كان الله ليضيع إيمانكم ﴾ الخطاب للمؤمنين المعاصرين، واللام لتأكيد النفي الداخل في "كان" ينتصب المضارع بعدها بتقدير "أن" أي لن يضيع الله ثواب ثباتكم على الإيمان، وأنكم لم تزلوا ولم ترتابوا، بل شكر صنيعكم وأعدّ لكم الثواب الجزيل عن الحسن.

وقال ابن زيد: ما كان الله ليترك تحويلكم من بيت المقدس إلى الكعبة لعلمه بأن تقريركم على ذلك مفسدة لكم وإضاعة لصلواتكم، أي لثوابها.

أطلق الإيمان على الصلاة لأنها أعظم آثار الإيمان وأشرف نتائجه، أو لأن المراد لا يضيع تصديقكم بوجوب تلك الصلاة.

وعن ابن عباس: لما وجه رسول الله  إلى الكعبة قالوا: يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟

فنزلت.

وإنما خوطبوا تغليباً للأحياء مثل ﴿ وإذ قتلتم نفساً  ﴾ ﴿ وإذ فرقنا بكم البحر  ﴾ والمراد أهل ملتهم.

وليس هذا السؤال من الشك في حقية النسخ في شيء وإنما هو لأجل الاطمئنان وازدياد اليقين ولعلهم إنما خصوا السؤال بالأموات لأنهم ظنوا أنفسهم مستغنين عن ذلك حيث تقع صلاتهم إلى الكعبة بقية عمرهم مكفرة لما سلف منهم، فأجيبوا بما يخرج عنه جواب الأموات والأحياء جميعاً، فإن المنسوخ حق في وقته كما أن الناسخ حق في وقته، سواء عمل المكلف بهما في وقتيهما أو لم يعمل إلا بالمنسوخ لانقضاء أجله قبل الناسخ.

وجوز بعضهم أن يكون السؤال صادراً عن منافق فنبه الله المسلمين على الجواب.

وقيل: بل المعنى وفقتكم لقبول هذا التكليف لئلا يضيع إيمانكم، فإنهم لو ردوا هذا التكليف لكفروا.

يحكى عن الحجاج أنه قال للحسن: ما رأيك في أبي تراب؟

فقرأ قوله ﴿ إلا على الذين هدى الله ﴾ ثم قال: وعلي منهم وهو ابن عم رسول الله  وختنه على ابنته وأقرب الناس إليه وأحبهم ﴿ إن الله بالناس لرؤف رحيم ﴾ الجوهري: الرأفة أشد الرحمة.

رؤفت به أرؤف بالضم فيهما رأفة ورآفة ورأفت به أرأف بالفتح فيهما.

ورئفت به بالكسر رأفاً والصفة رؤوف ورؤف على "فعول" و "فعل" وقيل: الرحمة تقع في الكراهة للمصلحة، والرأفة لا تكاد تكون في الكراهة، وقيل: الرأفة مبالغة في رحمة خاصة هي دفع المكروه وإزالة الضرر قال ﴿ ولا تأخذكم بهما رأفةٌ  ﴾ .

والرحمة اسم جامع خصص أولاً ثم عمم.

والمراد أن الرؤف الرحيم كيف يتصور منه الإضاعة، أو كيف لا ينقلكم من شرع إلى شرع هو أصلح لكم وإنما هَدى مَنْ هَدَى لأنه بالناس رؤف رحيم، فمن كان أقبل للفيض كان الأثر عليه أظهر.

قوله عز من قائل ﴿ قد نرى ﴾ معناه كثرة الرؤية ههنا وإن كان في الأصل للتقليل قال: قد أتـرك القـرن مصفـراً أناملـه *** كأن أثـوابـه مجـت بفـرصـاد كما أن "رب" في الأصل للتقليل، ثم قد تستعمل في معنى التكثير كقوله "فإن تمس مهجور الفناء فربما".

أقام به بعد الوفود وفود.

ووجه ذلك أن المادح يستقل الشيء الكثير من المدائح لأن الكثير منها كأنه قليل بالنسبة إلى الممدوح ومثله ﴿ قد يعلم الله ﴾ فإن المتمدح بكثرة العلم يقول لا تنكر أن أعرف شيئاً من العلم.

﴿ تقلب وجهك ﴾ تردد نظرك في جهة السماء وذلك لانتظار تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة.

عن ابن عباس أنه قال النبي  : "يا جبريل وددت أن الله  صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها فقد كرهتها" .

فقال له جبريل  : أنا عبد مثلك فسل ربك ذلك.

فجعل النبي  يديم النظر إلى السماء رجاء مجيء جبريل بما سأل فنزلت.

وإنما أحب ذلك لأن اليهود كانوا يقولون: إنه يخالفنا ثم إنه يتبع قبلتنا ولولا نحن لم يدر أين يستقبل أو لأن الكعبة كانت قبلة أبيه إبراهيم ولأن ذلك أدعى للعرب إلى الإيمان لأنها مفخرتهم ومزارهم ومطافهم، ولأنه أحب أن يحصل هذا الشرف للمسجد الذي في بلدته ومنشئه، ولا يبعد أن يميل طبعه إلى شيء ثم يتمنى في قلبه إذن الله فيه.

وقيل: إنه استأذن جبريل في أن يدعو الله  فأخبره بأن الله قد أذن له في الدعاء، فكان يقلب وجهه في السماء ينتظر مجيء جبريل للإجابة.

وعن الحسن: أن جبريل أخبره بأن الله  سيحوّل القبلة عن بيت المقدس من غير تعيين للمحول إليها - ولم تكن قبلة أحب إلى رسول الله  من الكعبة - فكان ينتظر الوحي بذلك وعلى هذا فقيل: منع من استقبال بيت المقدس ولم يعين له القبلة وكان يخاف أن يدخل وقت الصلاة ولا قبلة، فلذلك كان يقلب وجهه عن الأصم.

وقيل: بل وعد بذلك.

وقبلة بيت المقدس باقية بحيث تجوز الصلاة إليها لكن لأجل الوعد كان يقلب طرفه وهذا وإلا لم تكن القبلة ناسخة للأولى بل كانت مبتدأة، لكن المفسرين أجمعوا على أنها ناسخة للأولى، لأنه لا يجوز أن يؤمر بالصلاة إلا مع بيان موضع التوجه.

واختلف في صلاته بمكة فقيل: كان يصلي إلى الكعبة فلما صار إلى المدينة أمر بالتوجه إلى بيت المقدس تسعة أشهر أو عشرة أشهر أو ثلاثة عشر أو ستة عشر أو سبعة عشر - وهو الأكثر - أو ثمانية عشر أو سنتين أقوال.

وقيل: بل كان بمكة يصلي إلى بيت المقدس إلا أنه يجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس.

واختلفوا أيضاً في أن توجه بيت المقدس هل كان فرضاً لا يجوز غيره أو كان النبي  مخيراً في توجهه إليه وإلى غيره.

فعن الربيع بن أنس أنه كان مخيراً لقوله ﴿ ولله المشرق والمغرب  ﴾ الآية.

ولما روي أن قوماً قصدوا الرسول من المدينة إلى مكة للبيعة قبل الهجرة فتوجه بعضهم في الطريق لصلاته إلى الكعبة وبعضهم إلى بيت المقدس، فلما قدموا سألوا النبي  عن ذلك فلم ينكر عليهم.

وعن ابن عباس أن ذلك كان فرضاً لقوله ﴿ فلنولينك قبلة ترضاها ﴾ فدل على أنه ما كان مخيراً بينها وبين الكعبة.

ومعنى "فلنولينك" فلنعطينك ولنمكننك من استقبالها من قولهم "وليته كذا" جعلته والياً له، أو فلنجعلنك تلي سمتها دون سمت بيت المقدس.

ترضاها تحبها وتميل إليها لأغراضك الصحيحة التي أضمرتها ووافقت مشيئة الله  وحكمته.

وعن الأصم: كل جهة وجهك الله إليها يجب أن تكون رضاً لا تسخطها كما فعل من انقلب على عقبيه.

وقيل: ترضى عاقبتها لأنك تميز بها الموافق عن المنافق.

﴿ فول وجهك ﴾ أي كل بدنك لأن الواجب على الشخص أن يستقبل القبلة بجملته لا بوجهه فقط.

وإنما خص الوجه بالذكر لأنه أشرف الأعضاء وبه تتميز الأشخاص.

وشطر المسجد الحرام أي نحوه وجهته قاله جمهور المفسرين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.

وعن بعضهم أن الشطر نصف الشيء والكعبة واقعة من المسجد في النصف من جميع الجوانب، فاختبر هذه العبارة ليعرف أن الواجب هو التوجه إلى بقعة الكعبة، وزيف بالفرق بين النصف وبين المنتصف والمكلف مأمور بالثاني دون الأول.

عن ابن عباس: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آتٍ فقال: إن النبي قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشأم فاستداروا إلى الكعبة.

وفي الموطأ: صلى رسول الله  بعد أن قدم المدينة ستة عشر شهراً نحو بيت المقدس ثم حوّلت القبلة قبل بدر بشهرين.

واختلفوا في المراد بالمسجد الحرام.

ففي شرح السنة عن ابن عباس أنه قال: البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل المشرق والمغرب، وهذا قول مالك.

وقال آخرون: القبلة هي الكعبة لما أخرج في الصحيحين عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: أخبرني أسامة بن زيد قال: لما دخل النبي  البيت دعا في نواحيه كلها ولم يصل حتى خرج منه، فلما خرج ركع ركعتين في قبل الكعبة وقال: هذه القبلة.

وقد وردت أخبار كثيرة في صرف القبلة إلى الكعبة كما قلنا في حديث ابن عمر، فاستداروا إلى الكعبة.

وقال آخرون: القبلة هي المسجد الحرام كله.

واعلم أن الواجب عند الشافعي في أظهر قوليه أن يستقبل المصلي عين الكعبة قريباً كان أو بعيداً لظاهر قوله  ﴿ وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره ﴾ ولقوله  : "هذه القبلة" مشيراً به إلى العين، ولأن تعظيم الكعبة من النبي  بلغ مبلغ التواتر.

وتوقيف صحة الصلاة وهي من أعظم شعائر الدين على استقبال عين الكعبة مما يوجب مزيد شرف الكعبة، فوجب أن يكون مشروعاً.

ولأن كون الكعبة قبلة أمر معلوم وغيره مشكوك فيه والأخذ بالمعلوم أحوط.

وأما عند أبي حنيفة ويوافقه القول الآخر للشافعي، فمحاذاة جهة الكعبة كافية لأن في استقبال عين الكعبة حرجاً عظيماً للبعيد، ولأن في ذكر المسجد الحرام دون الكعبة دلالة على أن الواجب مراعاة الجهة دون العين، ولأن الشطر الجانب واكتفى به في الآية، ولأن أهل قباء استداروا إلى الكعبة في أثناء الصلاة وفي ظلمة الليل ومن المعلوم أن مقابلة العين من المدينة إلى مكة حيث إنها تحتاج إلى النظر الدقيق لم يتأت لهم حينئذ، ثم لم ينكر النبي  عليهم وسمى مسجدهم بذي القبلتين، ولأن استقبال عين الكعبة لو كان واجباً ولا سبيل إليه إلا بالدلائل الهندسية فإنها هي المفيدة لليقين وغيرها من الأمارات لا يفيد إلا الظن، والقادر على اليقين لا يجوز له الاكتفاء بالظن وما لم يتم الواجب إلا به فهو واجب، لزم أن يكون تعلم تلك الدلائل واجباً، ولم يذهب إليه أحد والإنصاف أن القول الأول أقرب إلى التعبد، وإصابة العين للبعيد غير بعيد، فما من نقطتين في الأرض ولا في السماء إلا ويمكن أن يوصل بينهما بخط، والغرض أن يكون المصلي ساجداً على قوس عظيمة أرضية مارّة بقدميه وموضع سجوده ووسط البيت بشرط أن يكون القوس أقل من نصف الدور.

وغير عسير معرفة هذا القدر بالدائرة الهندسية وغيرها من الطرق المشهورة فيما بين أهل الهيئة وقد برهنا على كثير منها في كتبنا النجومية، وذكرها ههنا خروج عن الصناعة مع أن المتعلم لا ينتفع بها دون مقدماتها.

ولمعرفة القبلة أمارات أخر قد يستعين بها المتحير وهي: إما أرضية وهي الجبال والقرى والأنهار، أو هوائية وهي الرياح، أو سماوية وهي النجوم.

أما الأرضية والهوائية فغير مضبوطة لكن ربما يكون في الطريق جبل مرتفع يعلم أنه على يمين المستقبل أو شماله أو قدامه أو خلفه، وكذلك الرياح قد تهب في بعض النواحي من صوب معين، وأما السماوية ففي النهار لا بد أن يراعي قبل الخروج عن البلد، الشمس عند الزوال هي بين الحاجبين أم على العين اليمنى أم على اليسرى أم تميل ميلاً أكثر من ذلك، فإن الشمس في البلاد الشمالية قلما تعد وهذه المواقع.

وكذلك يراعى وقت العصر ويعرف وقت الغروب أنها تغرب عن يمين المستقبل أو هي مائلة إلى وجهه أو قفاه.

وكذلك يعرف وقت العشاء الاخرة موضع الشفق، ووقت الصبح مشرق الشمس، ويحتاط في مشرق الصيف والشتاء ومغربها.

وبالليل يستدل بالكوكب الذي يقال له "الجدي" فيعرف أنه على قفا المستقبل أو على منكبه الأيمن أو الأيسر في البلاد الشمالية من مكة وفي البلاد الجنوبية منها بخلاف ذلك.

فإذا عرف هذه الدلائل في بلده فليعول عليها في الطريق كله إلا إذا طال السفر، فحينئذ إذا انتهى إلى بلد سأل أهل البصيرة أو يراقب هذه الكواكب وهو يستقبل محراب جامع البلد ثم يستدل بها في سائر طريقه.

ومعرفة دلائل القبلة فرض على العين أم فرض على الكفاية؟

أصح الوجهين في مذهب الشافعي الأول كأركان الصلاة وشرائطها.

قوله  ﴿ وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره ﴾ ليس بتكرار لأن الأول الخطاب للرسول وهذا خطاب للأمة، أو لأن الأمة قد دخلت في الأول تبعاً.

واحتمل أيضاً أن يكون الخطاب مختصاً بأهل المدينة وفي الثاني عم المكلفين جميعاً في جميع بقاع الأرض.

واعلم أن الاستقبال يتوقف على مستقبل ومستقبل نحوه هو القبلة، ولا بد من حالة يقع فيها الاستقبال، فلنتكلم في هذه الأركان الثلاثة على الإجمال وتفصيل ذلك في كتبنا الفقهية.

الركن الأول الحالة: وهي الصلاة للإجماع على أن الاستقبال خارج الصلاة غير واجب وإن كان طاعة لقوله  "خير المجالس ما استقبل به القبلة" والصلاة إما فريضة ويتعين الاستقبال فيها إلا في حالة الخوف، وإما نافلة ويجب فيها الاستقبال إلا في حالة الخوف، وفي السفر راكباً أو ماشياً متوجهاً إلى طريقه لما روي عن ابن عمر أن النبي  كان يصلي في السفر في راحلته حيث توجهت به.

ويحكى عن أحمد خلاف في الماشي وكذا من أبي حنيفة.

وهل يجب على المتنقل أن يستقبل القبلة عند التحرم؟

الأصح نعم إن سهل بأن لم تكن مقطرة أو لا حران بها وإلا فلا، لما روي أن النبي  كان إذا سافر وأراد أن يتطوع استقبل القبلة بناقته وكبر ثم صلى حيث وجهه ركابه.

وأم عدم الاشتراط عند الصعوبة فلدفع المشقة واختلال أمر السير عليه، وأما الاستقبال عند السلام فالأصح أنه لا يشترط كما في سائر الأركان إلا الماشي فعليه الاستقبال في كل ركوع وسجود كما عليه الإتمام بخلاف الراكب فإنه لا يكلف الاستقبال فيهما ولا وضع الجبهة في السجود على السرج أو الإكاف، بل يقتصر فيهما على الإيماء ويجعل السجود أخفض.

وليس لراكب التعاسيف الذي لا مقصد له رخصة ترك الاستقبال في التنقل.

الركن الثاني القبلة: للمصلي إن وقف في جوف الكعبة وهي على هيئتها مبنية تصح صلاته فريضة كانت أو نافلة خلافاً لأحمد ومالك في الفريضة.

قيل لنا إنه صلى متوجهاً إلى بعض أجزاء الكعبة فتصح صلاته كالنافلة كما يتوجه إليها من خارج، ثم يتخير في استقبال أي جدار شاء.

ويجوز أن يستقبل الباب أيضاً إن كان مردوداً، وإن كان مفتوحاً فإن كانت العتبة قدر مؤخرة الرحل صحت صلاته وإلا فلا.

ومؤخرة الرحل ثلثا ذراع إلى ذراع تقريباً كأنهم راعوا أن يكون في سجوده يسامت بمعظم بدنه الشاخص.

وإن انهدمت الكعبة - حاشاها - وبقي موضعها عرصة فإن وقف خارجها وصلى إليها جاز لأن المتوجه إلى هواء البيت والحالة هذه متوجه نحو المسجد الحرام كمن صلى على أبي قبيس والكعبة تحته يجوز لتوجهه إلى هواء البيت.

ولو صلى في العرصة فالحكم كما لو وقف الآن على سطح الكعبة، فإن لم يكن بين يديه شاخص من نفس الكعبة قدر مؤخرة الرحل فالأصح أنه لا يجزيه خلافاً لأبي حنيفة.

وإن كان المصلي خارج الكعبة فإن كان حاضر المسجد الحرام وجب عليه لا محالة استقبال عين الكعبة بكل بدنه لأنه قادر عليه، والإمام يقف خلف المقام استحباباً، والقوم يقفون مستديرين بالبيت وإلا فصلاة الخارجين عن محاذاة الكعبة باطلة إلا عند من يرى الجهة كافية.

ولو تراخى الصف الطويل ووقفوا في آخر باب المسجد صحت صلاتهم لأن البعيد تزداد محاذاته.

يتبين ذلك إذا جعلت البيت رأس مثلث متساوي الساقين والصفوف خطوطاً موازية لقاعدته.

وإن كان خارج المسجد فإن كان يعاين القبلة سوّى محرابه بناء على العيان وصلى إليه أبداً.

ومحراب النبي  بالمدينة نازل منزلة الكعبة لأنه لا يقر على الخطأ فهو صواب قطعاً فيسوّي سائر المحاريب عليه.

وفي معنى المدينة سائر البقاع التي صلى فيها رسول الله  إذا ضبط المحراب، وكذا المحاريب المنصوبة في بلاد المسلمين.

وفي الطرق التي هي جادتهم يتعين التوجه إليها وكذلك في القرية الصغيرة التي نشأ فيها قرن من المسلمين، ولا بد من الاجتهاد في التيامن والتياسر، وأما في محراب الرسول  فلا.

ولا يجوز الاجتهاد في الجهة في شيء من محاريب المسلمين لأن الخطأ منهم في الجهة بعيد بخلاف التيامن والتياسر.

ويقال: إن عبد الله بن المبارك كان يقول بعد رجوعه من الحج: تياسروا يا أهل مرو.

الركن الثالث المستقبل: إذا قدر على اليقين بالمعاينة أو بأمارات أخر فلا يجتهد ولا يقلد وإن لم يقدر، فإن وجد من يخبره عن علم وكان المخبر ممن يعتد بقوله رجع إلى قوله ولم يجتهد أيضاً كما في الوقت إذا أخبره عدل عن طلوع الفجر يأخذ بقوله ولا يجتهد وكذلك في الحوادث إذا روى العدل خبراً يؤخذ به، وكل ذلك قبول الخبر من أهل الرواية وليس من التقليد في شيء ويشترط في المخبر أن يكون عدلاً يستوي فيه الرجل والمرأة والحر والعبد، ولا يقبل خبر الكافر بحال وكذا خبر الصبي غير المميز عند الأكثرين.

ثم الإخبار عن القبلة قد يكون صريحاً وذلك ظاهر، وقد يكون دلالة كما في نصب المحاريب في المواضع التي يعتمد عليها.

ولا فرق في لزوم الرجوع إلى الخبر بين أن يكون الشخص من أهل الاجتهاد وبين أن لا يكون.

فإن لم يجد من يخبره عن علم فإن قدر على الاجتهاد ولا يتيسر إلا بمعرفة أدلة القبلة كما عددنا اجتهد ولم يقلد كما في الأحكام الشرعية، ولو فعل يلزمه القضاء ولا فرق في وجوب الاجتهاد ههنا بين الغائب عن مكة والحاضر بها إذا حال بينه وبين الكعبة حائل أصليّ كالجبال أو حادث كالأبنية، ولو خفيت الدلائل على المجتهد بغيم أو حبس أو تعارضت، صلّى كيف اتفق لحق الوقت ويقضي.

وإن عجز عن الاجتهاد فإن لم يمكنه التعلم لعدم البصر أو لعدم البصيرة فالواجب عليه التقليد كالعامي في الأحكام، وتقليد الغير هو قبول قول المستند إلى الاجتهاد بعد أن كان المجتهد مسلماً عدلاً عارفاً بأدلة القبلة يستوي فيه الرجل والمرأة والحر والعبد.

فإن وجد مجتهدين مختلفين قلد من شاء منهما، والأحب أن يقلد الأوثق الأعلم عنده، وإن أمكنه التعلم فليس له التقليد بناء على ما مر من أن تعلم الأدلة فرض العين.

فإن قلد قضى، وإن ضاق الوقت عن التعلم صلى لحق الوقت وقضى.

ثم المجتهد إن بان له الخطأ يقيناً أو كان دليل الاجتهاد الثاني أرجح ولم يشرع بعد في الصلاة، عمل بمقتضى الثاني.

وإن بان بعد الفراغ من الصلاة فإن تيقن الخطأ قضى على الأصح، وإن ظن لم يقض.

وإن تغير الاجتهاد في أثناء الصلاة انحرف ويبني.

فهذه هي المسائل المستنبطة من الآية التي ذكرناها لأنها من أهم مهمات الدين ﴿ وإن الذين أوتوا الكتاب ﴾ يعني أحبار اليهود وعلماء النصارى لعموم اللفظ ولشمول الكتاب التوراة والإنجيل، ولكن يجب أن يكونوا أقل من عدد أهل التواتر ليصح عنهم الكتمان.

وعن السدي: أنهم اليهود خاصة، والكتاب التوراة، والضمير في أنه الحق إما للرسول أي أنه مع شرعه ونبوته حق يشمل أمر القبلة وغيرها، وإما لهذا التكليف الخاص وهو أنسب بالمقام، وذلك أن علماءهم عرفوا في كتب أنبيائهم خبر الرسول وأنه يصلي إلى القبلتين وأن الكعبة هي البيت العتيق الذي جعله الله قبلة لإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام.

وأيضاً أنهم كانوا يعلمون نبوة محمد  بالمعجزات والبشارات وكل ما أتى النبي  فهو حق، فهذا التحويل حق.

﴿ وما الله بغافلٍ عما يعملون ﴾ وعد للمتقين ووعيد للناكصين والمعاندين، ثم بين استمرار أهل الكتاب على عنادهم فقال ﴿ ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب ﴾ قيل: هم جميع اليهود والنصارى لعموم اللفظ، وقيل: هم علماؤهم المذكورون في الآية المتقدمة لأنهم وصفوا باتباع الهوى في قوله ﴿ ولئن اتبعت أهواءهم ﴾ ومجرد اعتقاد الباطل لا يكفي فيه، بل الذين بقلوبهم ثم يقولون غير الحق في الظاهر فهم المتبعون للهوى.

ونوقش فيه بأن صاحب كل شبهة صاحب هوى.

قالوا: الآيتان المكتنفتان بهذه الآية مخصوصتان بالعلماء منهم لأن الجمع العظيم لا يجوز منهم الكتمان فكذا هذه الآية.

وأجيب بأنه لا يلزم من تخصيصهما تخصيصها.

قالوا: أخبر عنهم بالإصرار والاستمرار وهذا شأن المعاند اللجوج لا دأب العامي المتحير.

وردّ بأن المقلد أيضاً قد يصر.

قالوا: الحمل على العموم يكذبه الوجود فإن كثيراً من أهل الكتاب آمن بمحمد  واتبع قبلته.

ووجه بأن المراد من قوله ﴿ ما تبعوا قبلتك ﴾ أنهم لا يجتمعون على الاتباع كقوله ﴿ ولو شاء الله لجمعهم على الهدى  ﴾ وسلب الاجتماع لا ينافي اتباع البعض ﴿ بكل آية ﴾ بكل برهان قاطع على أن التوجه إلى الكعبة هو الحق ﴿ ما تبعوا قبلتك ﴾ جواب للقسم المحذوف ساد مسد جواب الشرط واللام في ﴿ ولئن ﴾ لتوطئه القسم أي والله لئن أتيتهم بكل برهان ما اجتمعوا على قبلتك لأن فيهم من قد ترك اتباعك لا لشبهة تزيلها بإيراد الحجة بل عناداً ومكابرة مع علمهم بما في كتبهم من نعتك.

ومن خص اللفظ بالعلماء بأن صح عنده أنه لم يتبع منهم أحد قبلتنا لم يحتج إلى هذا التأويل بل يكون ما تبعوا في قوة ما تبع أحد منهم ﴿ وما أنت بتابعٍ قبلتهم ﴾ رفع لتجويز النسخ وبيان أن هذه القبلة لا تصير منسوخة بالتوجه إلى بيت المقدس حسماً لأطماع أهل الكتاب فإنهم طمعوا في رجوعه إلى قبلتهم وقالوا: لو ثبت على قبلتنا كلنا نرجو أن يكون صاحبنا الذي ننتظره.

وفيه أنه لا يجب عليه استصلاحهم باتباع قبلتهم لأن ذلك معصية.

وإنما وحد القبلة للعلم بأن لليهود قبلة وللنصارى قبلة أخرى أو لأنهما بحكم الاتحاد في البطلان واحد ﴿ وما بعضهم بتابعٍ قبلة بعض ﴾ إن حمل على الحال فالمعنى أنهم ليسوا مجتمعين على قبلة واحدة حتى يمكن رضاهم باتباعها أو أنهم مع اتفاقهم على تكذيبك متباينون في القبلة فكيف يدعونك إلى شيئين مختلفين؟

أو أنه إذا جاز أن يختلف قبلتاهما للمصلحة فلم لا يجوز أن تكون المصلحة في ثالث؟

وإن حمل على الاستقبال فالمعنى أن اليهود لا تترك قبلتهم إلى المشرق، ولا النصارى إلى المغرب، بحيث تتعطل إحدى القبلتين، لا أن اليهودي لا يصير نصرانياً أو بالعكس فإن ذلك قد وقع.

أخبر الله  عن تصلب كل حزب فيما هو فيه محقاً أو مبطلاً ﴿ ولئن اتبعت أهواءهم ﴾ كلام على سبيل الفرض والتقدير لقرينة وما أنت بتابع قبلتهم المعنى لئن اتبعت مثلاً بعد وضوح الدلائل وانكشاف جلية الأمر في باب الديانة ﴿ إنك إذاً ﴾ أي إذا اتبعت لمن المرتكبين الظلم الفاحش لأن صغائر الرجل الكبير كبائر فكيف بكبائره؟

وفيه أن ترك العمل من العلماء أقبح، وفيه لطف للنبي  فإن مزيد المحبة تقتضي التخصيص بمزيد التحذير، ولعله كان في بعض الأمور يتبع أغراضهم كترك المخاشنة في القول واستمالة قلوبهم طمعاً منه في إسلامهم ومعاضدتهم، فنهى عن ذلك القدر أيضاً وآيسه منهم بالكلية.

كقوله ﴿ ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً  ﴾ ﴿ يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم  ﴾ وفيه إشارة للأمة كالرجل الحازم يقبل على أبرّ أولاده وأصلحهم فيزجره عن شيء بحضرة سائر الأولاد والغرض زجرهم وإصلاحهم وأنه لا محالة يؤاخذون بالطريق الأولى لو خالفوه ﴿ الذين آتيناهم الكتاب ﴾ هم علماؤهم بدليل ﴿ يعرفونه ﴾ أي الرسول معرفة جلية يميزون بينه وبين غيره بالمشخصات من النعت والنسب والقبلة حسب ما وجدوه في كتبهم ﴿ كما يعرفون أبناءهم ﴾ لا يشتبه عليهم أبناؤهم وأبناء غيرهم.

"وما" مصدرية أو كافة، والغرض تشبيه عرفان شخصه بعرفان أشخاص الأبناء لا تشبيه العلم بنبوة محمد  بالعلم ببنوة الأبناء وإلا كان تشبيه المعلوم بالمظنون.

عن عمر أنه سأل عبد الله بن سلام عن رسول الله  فقال: أنا أعلم به مني يا بني.

قال: لم؟

قال: لأني لست أشك في محمد أنه نبي، فأما ولدي فلعل والدته قد خانت، فقبل عمر رأسه.

وجاز إضمار الرسول وإن لم يجز له ذكر لدلالة الكلام عليه، وفيه تفخيم لشأنه وأنه معلوم بغير إعلام، ولا يصح أن يقال: المراد بالمعرفة معرفتهم الحاصلة من قبل ظهور المعجزات على يده لأنه لا يفيد إلا كونه نبياً وهم لا ينكرون ذلك، وإنما ينكرون كونه النبي  المنعوت في كتبهم فرد الله عليه ذلك فافهم.

وإنما خص الأبناء بالذكر لأنهم أعرف وأشهر وبصحبة الآباء ألزم وبقلوبهم ألصق ولو تساويا فالذكور أولى بالذكر.

وقيل: الضمير للعلم أو القرآن أو تحويل القبلة وفي الكل تكلف ينبو عنه قوله ﴿ أبناءهم ﴾ ويباينه الحديث عن عبد الله بن سلام ولما كان من علمائهم العارفين بأحوال النبي  من آمن به وأظهر الحق وهو ما يجب القول به ويجب العمل بمقتضاه كعبد الله بن سلام وأتباعه.

قال  ﴿ وإن فريقاً منهم ﴾ يريد من سوى المسلمين المؤمنين منهم ﴿ ليكتمون الحق ﴾ الذي هو أمر محمد أو أمر القبلة ثم أكد ذلك بقوله ﴿ وهم يعلمون ﴾ فإنه لا يوصف بالكتمان إلا من علم المكتوم ﴿ الحق من ربك ﴾ يحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هو الحق، "ومن ربك" خبر بعد خبر أو حال.

وأن يكون مبتدأ خبره "من ربك".

ثم في اللام يكون وجهان: العهد والإشارة إلى الحق الذي عليه رسول الله  ، أو إلى الحق الذي في قوله ﴿ ليكتمون الحق ﴾ أو الجنس على معنى الحق ما ثبت أنه من الله كالذي أنت عليه وما سواه كما يدعيه أهل الكتاب باطل ﴿ فلا تكونن من الممترين ﴾ الشاكين في كتمانهم الحق مع علمهم أو في كون الحق من ربك.

وقد يجوز أن ينهى الشخص عما يعلم أنه منته عنه لمثل ما تقرر في قوله ﴿ ولئن اتبعت ﴾ .

﴿ ولكل ﴾ التنوين فيه عوض عن المضاف إليه، والوجهة اسم الجهة ولذلك ثبتت الواو كما قالوا "ولدة" في جمع الوليد الصبي، وإنما لا تجمع مع الهاء في المصادر، وقوله ﴿ هو ﴾ إما أن يعود إلى الكل وإما أن يعود إلى الله.

وثاني مفعولي ﴿ موليها ﴾ محذوف أي هو موليها وجهه، أو الله موليها إياه.

ثم اختلف في التفسير فقيل: المعنى ولكل أهل دين من الأديان المختلفة قبلة وجهة إما بشريعة وإما بهوى هو مستقبلها ومتوجه إليها لصلاته التي يتقرب بها إلى ربه، وكل يفرح بما هو عليه ولا يفارقه فلا سبيل إلى اجتماعكم على قبلة واحدة، ولستم تؤاخذون بفعل غيركم فإنما لهم أعمالهم ولكم أعمالكم ﴿ فاستبقوا ﴾ أنتم ﴿ الخيرات ﴾ الدنيوية وهي الشرف والفخر بقبلة إبراهيم، والأخروية وهي الثواب الجزيل المعد للمطيعين.

﴿ وأينما تكونوا ﴾ من جهات الأرض ﴿ يأت بكم الله جميعاً ﴾ في صعيد القيامة فيفصل بين المحق منكم والمبطل والمصيب والمخطئ إنه قادر على ذلك.

وقيل: إن الله  عرفنا أن كل واحدة من بيت المقدس والكعبة قبلة.

فالجهتان من الله  وهو الذي ولى وجوه عباده إليهما فاستبقوا الخيرات بالانقياد لأمره في الحالين ولا تلتفتوا إلى مطاعن السفهاء فإن الله يجمعكم وإياهم يوم القيامة فيحكم بينكم.

وقيل: ولكل قوم منكم يا أمة محمد  جهة يصلي إليها جنوبية أو شمالية أو شرقية أو غربية، فاستبقوا الفاضلات من الجهات وهي الجهات المسامتة للكعبة وإن اختلفت ﴿ أينما تكونوا ﴾ من الجهات المختلفة ﴿ يأت بكم الله جميعا ﴾ يجمعكم للجزاء ويجعل صلواتكم واحدة كأنها إلى جهة واحدة لمحاذاة الجميع الكعبة.

ولقراءة ابن عامر ﴿ مولاها ﴾ معنيان: أحدهما أن ما وليته فقد ولاك والآخر زينت له تلك الجهة وحببت إليه.

وقيل: ولكل مخلوق قبلة فقبلة المقربين العرش، وقبلة الروحانيين الكرسي، وقبلة الكروبيين البيت المعمور، وقبلة الأنبياء الذين قبلك بيت المقدس، وقبلتك أنت الكعبة، بل قبلة جسدك هي، وقبلة الأنبياء الذين قبلك بيت المقدس، وقبلتك أنت الكعبة، بل قبلة جسدك هي، وقبلة روحك أنا، وقبلتي أنت "أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي".

ثم إن الشافعي استدل بقوله ﴿ فاستبقوا الخيرات ﴾ على أن الصلاة في أول الوقت أفضل.

وعند أبي حنيفة: التأخير أفضل إحرازاً لفضيلة الانتظار ولتكثر الجماعة، ولما روي أنه  قال "أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر" وقال ابن مسعود: ما رأيت أصحاب رسول الله  حافظوا على شيء ما حافظوا على التنوير بالفجر.

وأجيب بأن الانتظار قبل مجيء الوقت لقوله  "يا علي ثلاث لا تؤخرها: الصلاة إذا أتت والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت لها كفؤاً" وأن المراد بالإسفار والتنوير هو طلوع الفجر الصادق بحيث لا يشك فيه وذلك مما لا نزاع فيه، وإنما النزاع فيما إذا تحقق دخول الوقت ثم تكاسل المكلف وتثاقل أو بغير أسباب الصلاة تشاغل.

﴿ ومن حيث خرجت ﴾ ومن أي بلد خرجت يا محمد ﴿ فولّ وجهك شطر المسجد الحرام ﴾ إذا صليت ﴿ وإنه ﴾ وإن هذا المأمور به ﴿ للحق ﴾ الذي يجب أن يقبل ويعمل به حال كونه ﴿ من ربك وما الله بغافلٍ عما يعملون ﴾ وعد للمتشاغلين ووعيد للمتغافلين.

واعلم أن أمر التولية ذكره الله  ثلاث مرات، وللعلماء في سبب التكرير أقوال: أولها: أن الآية الأولى محمولة على أن يكون المكلف حاضر المسجد الحرام، والثانية على أن يكون غائباً عنه ولكن يكون في البلد، والثالثة على أن يكون خارج البلد في أقطار الأرض، فقد يمكن أن يتوهم للقريب من التكليف ما ليس للبعيد فأزيل ذلك الوهم.

وثانيها: أنه نيط بكل واحد ما لم ينط بالآخر، وذلك أنه أكد الأول بأن أهل الكتاب يعلمون حقيته بشهادة التوراة والإنجيل، وأكد الثاني بإخبار الله  عن حقيته وكفى به شهيداً، وأتبع الثالث غرض التحويل وهو قوله ﴿ لئلا يكون للناس عليكم حجة ﴾ كما أن قوله ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ وأمثال ذلك تكرر حيث نيط بكل منها فائدة.

وثالثها: أن الآية الأولى توهم أن التحويل إنما فعل رضا للنبي  وطلباً لهواه حيث قال ﴿ فلنولينك قبلةً ترضاها ﴾ فأزيل الوهم بتكرار الأمر وتعقيبه بقوله ﴿ وإنه للحق من ربك ﴾ أي نحن ما حولناك إلى هذه القبلة بمجرد رضاك وهواك كقبلة اليهود والمنسوخة التي إنما يقيمون عليها بمجرد الهوى والتشهي، ولكنها حق من ربك بعد أنها وافقت رضاك، وفي الثالثة بيان الغرض.

ورابعها: أن الأولى لتعميم الأحوال والثانية لتعميم الأمكنة، والثالثة لتعميم الأزمنة إشعاراً بأنها لا تصير منسوخة ألبتة.

وخامسها: الزم هذه القبلة فإنها التي كنت تهواها، الزم هذه القبلة فإنها قبلة الحق لا قبلة الهوى.

الزم هذه القبلة فبها ينقطع عنك حجج العدا وهذا قريب من الثالث.

وسادسها: هذه الواقعة أولى الوقائع التي ظهر النسخ فيها في شرعنا فدعت الحاجة إلى التكرير لمزيد التأكيد والتقرير.

وسابعها: قلت: الآية الأولى مشتملة على تكليف خاص بالنبي  ﴿ فلنولينك قبلةً ترضاها فولّ وجهك شطر المسجد الحرام ﴾ ثم على تكليف عام له ولأمته ﴿ وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ﴾ والآية الثانية ﴿ ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام ﴾ لأجل تكليف أخص وهو تكليف الالتفات عما سوى الله إلى الله وهو تكليف الصدّيقين وهو سنة خليل الرحمن  ﴿ وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض  ﴾ ومما يؤيد هذا التأويل تعقيبه بقوله ﴿ وإنه للحق من ربك ﴾ لم يستظهر على هذا إلا بشهادة نفسه حيث لم يبق إلا هو وهو مقام الفناء في الله بخلاف الآية الأولى فإنها أكدت بشهادة الغير.

وأيضاً اقتصر ههنا على أمر النبي  دون الأمة لأن هذه المرتبة وهي المسجد الحرام - حرام لا يليق بكل أحد جل جناب الحق عن أن يكون شريعة لكل وارد أو يطلع عليه إلا واحد بعد واحد.

وأيضاً قدم على الآية قوله ﴿ ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات ﴾ فدل على أن المذكور بعدها مرتبة السابقين ﴿ ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله  ﴾ لما كان من المحتمل أن يظن أن التكليف الأخص ناسخ للتكليف الخاص منه والعام له ولأمته، كرر الآية الأولى بعينها ليعلم أن حكمها باقٍ بالنسبة إلى عموم المكلفين والله  أعلم بحقائق الأمور.

قوله ﴿ لئلا يكون ﴾ أي ولوا لأجل هذا الغرض.

وقال الزجاج: يتعلق بمحذوف أي عرفتكم لئلا يكون الناس عليكم حجة.

و الناس قيل للعموم، وقيل هم اليهود كانوا يطعنون بأنه يخالفنا في ديننا ويتبع قبلتنا ويقولون ما درى محمد أين يتوجه في صلاته حتى هديناه.

وقيل: هم العرب قالوا: إنه يقول أنا على دين إبراهيم، ولما ترك التوجه إلى الكعبة فقد ترك دين إبراهيم.

وإنما أطلق الحجة على قول المعاندين لأن المراد بها المحاجة، أو سماها حجة تهكماً أو طباقاً أو بناءً على معتقدهم لأنهم يسوقونها سياق الحجة.

وقد تكون الحجة باطلة قال  ﴿ حجتهم داحضة عند ربهم  ﴾ وكل كلام يقصد به غلبة الغير حجة، وعلى هذا فالاستثناء متصل.

والمراد بالذين ظلموا المعاندون من اليهود القائلون بأنه ما ترك قبلتنا إلى الكعبة إلا ميلاً إلى دين قومه وحباً لبلده، ولو كان على الحق للزم قبلة الأنبياء، أو بعض العرب القائلون بأن محمداً عاد إلى ديننا في الكعبة وسيعود إلى ديننا بالكلية.

وقيل: الاستثناء منقطع.

وقيل: "إلا" بمعنى الواو وأنشد شعر: وكــل أخٍ مفــارقــه أخــوه *** لعمــر أبيــك إلا الفـرقــدان يعني والفرقدان.

وإذا طعنوا في دينكم من غير ما سببٍ ﴿ فلا تخشوهم ﴾ فإنهم لا يضرونكم ﴿ واخشون ﴾ واحذروا عقابي إن أنتم عدلتم عما ألزمتكم وفرضت عليكم على وفق مصلحتكم، فعلى المرء أن ينصب بين عينيه في كل أفعاله وتروكه خشية الله ويقطع الرجاء والخوف عمن سواه.

قوله ﴿ ولأتم ﴾ قيل: معطوف على ﴿ لئلا ﴾ أي حوّلتكم إلى هذه القبلة لحكمتين: إحداهما انقطاع حجتهم، والثانية إتمام النعمة بحصول شرف قبلة إبراهيم.

وقيل: متعلقة محذوف معناه ولإتمامي النعمة عليكم وإرادتي اهتداءكم أمرتكم بذلك.

وقيل: معطوف على علة مقدرة كأنه قال: واخشوني لأوفقكم ولأتم نعمتي عليكم وهذا الإتمام لا ينافي ما أنزل في آخر عهد رسول الله  ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي  ﴾ فإن لله  في كل وقت نعمة على المكلفين ولها تمام بحسبها، فهذا إتمام النعمة في أمر القبلة، وذاك تمام النعمة في أمر الدين على الإطلاق وعن علي  : تمام النعمة الموت على الإسلام.

وفي الحديث "تمام النعمة دخول الجنة" ﴿ كما أرسلنا ﴾ "ما" مصدرية أو كافة.

ثم إن الجار والمجرور يتعلق بما قبله أو بما بعده.

وعلى الأول قيل: معناه ولأتم نعمتي عليكم في الدنيا بحصول الشرف وفي الآخرة بالفوز بالثواب كما أتممتها عليكم في الدنيا بإرسال الرسول، أو لأتم نعمتي ببيان الشرائع، أو أهديكم إلى الدين إجابة لدعوة إبراهيم حيث قال ﴿ ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا  ﴾ كما أرسلنا فيكم رسولاً إجابةً لدعوته حيث قال ﴿ ربنا وابعث فيهم رسولاً  ﴾ وقيل: معناه كذلك جعلناكم أمة وسطاً كما أرسلنا فيكم رسولاً، وعلى الثاني معناه كما ذكرتكم بإرسال الرسول فاذكروني أذكركم تارةً أخرى.

وفيه أن نعمه على العبد لا تنقطع، فكل نعمة سابقة فسيضم إليها أخرى لاحقة حتى يكون له الفضل أولاً وأخيراً وبدايةً ونهايةً.

وفي إرساله فيهم ومنهم أي من العرب نعمة عظيمة عليهم لما لهم فيه من الشرف، ولأن المشهور من حال العرب الأنفة الشديدة من الانقياد للغير فبعثه الله  من واسطتهم ليكونوا إلى القبول أقرب.

وكون القرآن متلواً من أعظم النعم لأنه معجزة باقية ولأنه يتلى فتتأدى به العبادات، ولأنه يتلى فتستفاد منه جميع العلوم، ولأنه يتلى فيوقف على مجامع الأخلاق الحميدة ففي تلاوته خير الدنيا والآخرة.

ومعنى التزكية وتعليم الكتاب والحكمة قد مر في دعاء إبراهيم.

وفي قوله ﴿ يعلمكم ما لم تكونوا تعلمون ﴾ تنبيه على أنه  أرسله على فترة من الرسل وجهالة من الأمر وتحير الناس في أمر الديانة، فعلمهم ما احتاجوا إليه في صلاح معاشهم ومعادهم وذلك من أعظم أنواع النعم ﴿ فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون ﴾ تكليف بأمرين: الذكر والشكر.

وقد مر ذكر الشكر في تفسير الحمد وقوله ﴿ ولا تكفرون ﴾ عطف بالواو ليعلم أن جحود النعمة منهيّ عنه كما أن الشكر مأمور به.

ولو قطع على طريقة قوله: "أقول له ارحل لا تقيمن عندنا" لأوهم أن المقصود بالذات هو الثاني والأول في حكم المنحى.

ويحتمل من حيث العربية أن تكون "لا" نافية والنون ليست للوقاية، ومحل الجملة النصب على الحال أي اشكروا لي غير جاحدين لنعمتي.

وأما الذكر فباللسان وهو أن يحمده ويسبحه ويمجده ويقرأ كتابه، أو بالقلب وهو أن يتفكر في الدلائل على ذاته وصفاته، وفي الأجوبة عن شبه الطاعنين فيها وفي الدلائل على كيفية تكاليفه وأحكامه وأوامره ونواهيه ووعده ووعيده ليعمل بمقتضاها، ثم يتفكر في أسرار المخلوقات متوصلاً من كل ذرة إلى موجدها، أو بالجوارح وهو أن تكون مستغرقة في الأعمال المأمور بها فارغة عن الأشغال المنهي عنها.

وبهذا الوجه سمى الصلاة ذكراً ﴿ فاسعوا إلى ذكر الله  ﴾ وأما ذكر الله  فلا بد أن يحمل على ما له تعلق بالثواب وإظهار الرضا واستحقاق المنزلة والإكرام فالحاصل اذكروني بطاعتي أذكركم برحمتي، اذكروني بالدعاء أذكركم بالإجابة، اذكروني في الدنيا أذكركم في الآخرة، اذكروني في الخلوات أذكركم في الفلوات، اذكروني في الرخاء أذكركم في البلاء، اذكروني بالمجاهدة أذكركم بالهداية، اذكروني بالصدق والإخلاص أذكركم بالخلاص ومزيد الاختصاص، اذكروني بالعبودية أذكركم بالربوبية، اذكروني بالفناء أذكركم بالبقاء.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا ﴾ .

هذا - والله أعلم - وعد كان وعده عز وجل لنبيه  أنه يحوله إلى الكعبة من بيت المقدس، وإخبار عما يقول له اليهود وقبل أن يحول وقبل أن يقولوا له شيئاً.

ألا ترى إلى قوله: ﴿ قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ  ﴾ ، أنه لو لم يكن فيها وعد بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة لكان تقلب وجهه إلى السماء بذلك تخييراً منه وتحكماً عليه.

وليس لأحد على الله التخيير والتحكم عليه في الأحكام والشرائع ولا في غيرها، فدل أنه على الوعد له ما فعل.

والله أعلم.

ثم فيه إثبات رسالة محمد  حيث كان أخبره على ما أخبر من التحويل إلى الكعبة.

[والقول منهم نقل أنه علم ذلك بالله واختلف في قوله ﴿ سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ ﴾ قيل: هو اليهود، وقالوا ذلك عند تحويل القبلة إلى الكعبة].

وذلك أنهم لا يرون نسخ الشرائع والأحكام؛ لأنه كالبداء والرجوع عنها.

وذلك فعل من يجهل عواقب الأمور، كبانٍ بنى بناءً ثم نقضه لجهل منه به.

لكن ذلك منهم جهل بمعرفة النسخ وقدره.

ولو عرفوا ما النسخ ما نفوا نسخ الشرائع والأحكام.

وأما النسخ عندنا: فهو بيان منتهى الحكم إلى وقت ليس فيه بداء ولا نقض لما مضى، بل تجديد حكم في وقت بعد انقضاء حكم على بقاء الأول لوقت كونه، ليس على ما فهمت اليهود من البداء والنقض لما مضى كالبناء الذي وصفوا.

وبالله التوفيق.

وإن كانت الآية في غير اليهود من أهل مكة، على ما يقول بعض أهل التفسير، فقالوا: لما رجع محمد إلى قبلتنا من القبلة الأولى يرجع إلى ديننا.

فقال الله عز وجل: ﴿ قُل للَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ ﴾ .

قل يا محمد: لله المشرق والمغرب والأمكنة كلها والنواحي؛ يأمر بالتوجه إلى أي ناحية شاء شرقاً وغرباً، فالطاعة له في الائتمار لأمره، والقبول لدعائه، لا للتوجه نحو الشرق أو نحو الغرب لِهَوى هووا ولتمنٍّ تمنوا؛ لأن اليهود جعلوا قبلتهم المغرب اتباعاً لهواهم، لا اتباعاً لأمر أمروا به.

وكذلك النصارى اتخذوا المشرق قبلة لهوى أنفسهم؛ فأخبر الله  المؤمنين أنهم يأتمرون بالله حيث ما أمروا توجهوا نحوه.

وقوله: ﴿ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ .

هذا على المعتزلة؛ لأنه أخبر عز وجل أنه ﴿ يَهْدِي مَن يَشَآءُ ﴾ ، ولا جائز أن يهدي وهو لا يهتدي.

وهم يقولون: شاء أن يهدي ولكن لم يهتدوا.

قوله: ﴿ مَن يَشَآءُ ﴾ على أن مشيئة الهداية ليست للكل على ما قالت المعتزلة؛ أن هدايته بيان وذلك للجميع.

وفيه دليل نسخ السنة بالكتاب؛ لأن القبلة إلى بيت المقدس لم تكن مذكورة في الكتاب، بل عملوا على سنة الأولين الماضين، وهذا على الشافعي؛ لأنه لا يرى نسخ الكتاب بالسنة إلا بعد عمل رسول الله  فإذا عمل به صار سنة، فهو نسخ السنة بالسنة، لا نسخ بالكتاب.

فهذا منه قبيح فاحش.

وفيه نبذ الكتاب وهجره، وقد نهينا عنه، والتحكم على الله عز وجل؛ لأنه لم يجعل الكتاب من القدر ما يقع فيه الزجر على ما كان عليه آنفاً لولا علمه  .

فنعوذ بالله من السرف في القول والزيغ عن الهدى.

ولكن لم يعرف ما النسخ وما قدره، ولو علم لما قال بمثله.

وهو عندنا: ما ذكرنا من بيان منتهى الحكم إلى وقته، ولله  نصب الأحكام والشرائع في كل وقت، يبين ذلك مرة بالكتاب، وتارة على لسان المصطفى  .

وبالله التوفيق.

وكما جعل له  أن يعمل به، فنسخ الكتاب فيه تلك الشريعة.

فكذلك في غيره من الناس.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ﴾ .

﴿ وَكَذَلِكَ ﴾ ، لا يتكلم رسول الله  إلا على العطف على ما سبق من الخطاب، وهو - والله أعلم - معطوف على قوله: ﴿ قُلْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ...

﴾ الآية [آل عمران: 84]، كأنه قال: كما وفقكم على الإيمان بما ذكر، وهداكم للإسلام، كذلك جعلكم ﴿ أُمَّةً وَسَطاً ﴾ يعني عدلاً، ﴿ لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ ﴾ .

ثم اختلف في قوله: ﴿ عَلَى ٱلنَّاسِ ﴾ : قيل: "على" بمعنى "اللام" أي للناس.

وهذا جائز في اللغة سائغ، كقوله: ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ  ﴾ ، أي للنصب.

وقيل: ﴿ عَلَى ﴾ بمعنى "على" أي أن يشهدوا على الأمم للأنبياء على تبليغ الرسالة، ويشهد الرسول لهم بالعدالة.

وفيه دليل قبول شهادة أهل الإسلام على أهل الكفر، ورد شهادتهم علينا؛ لأنه لو قبلت شهادتنا عليهم على التبليغ، ثم شهد أولئك بأنهم لم يبلغوا، لكن فيه تناقض.

فدل أن شهادتنا تقبل عليهم، ولا تقبل شهادتهم علينا.

والله أعلم.

ويحتمل قوله: ﴿ لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ ﴾ الذين أبوا إجابة الرسل.

﴿ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ﴾ أن جحدتم الرسالة، وذلك قوله: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً...

﴾ الآية [143]، أضاف الله إليه جعلهم ﴿ أُمَّةً وَسَطاً ﴾ .

ثبت أن لله في فعل ذلك فعل به ذكر مننه.

والله أعلم.

قوله: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً ﴾ ، فالوسط: العدل.

أخبر - عز وجل - أنه جعل هذه الأمة عدلاً، فالعدل هو المستحق للشهادة والقبول لها.

ففيه الدلالة على [جعل إجماع هذه الأمة] حجة؛ لأنه وصفها بالعدالة، وصيرها من أهل الشهادة.

فإذا اجتمعوا على شيء وشهدوا به، لزم قبول ذلك، والحكم بما شهدوا، والشهادة فيه أنه من عند الله وقع لهم ذلك.

والثاني: قال: ﴿ يَـٰأيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّادِقِينَ  ﴾ ، أخبر الله عز وجل أن فيهم صدقة، يلزم اتباعهم.

والثالث: ما قال عز وجل: ﴿ وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيراً  ﴾ ولا يجوز الوعيد في مثله إذا لم يكن ذلك هو الحق عند الله.

والرابع: قوله: ﴿ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً  ﴾ ، أمر عز وجل عند التنازع الرد إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله  ؛ فدل أنه إذا لم يتنازع لم يجب الرد إلى ما ذكر.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ ﴾ ، روي عن ابن عباس - رضي الله  عنه - أنه قال: يسأل الله  يوم القيامة الأمم عن تبليغ الأنبياء رسالته إليهم، فينكرون.

ثم يأتي بهذه الأمة يشهدون عليهم بالتبليغ.

فذلك قوله: ﴿ لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ ﴾ ، ويشهد الرسول عليهم يعني لهم بالعدالة والتزكية.

والله أعلم.

قال الشيخ - رضي الله  عنه -: وفي قوله: ﴿ لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ ﴾ ، وجهان: أحدهما: على الكفرة.

وفي ذلك دليل قبول شهادة المسلمين عليهم، ورد شهادتهم عليهم، لما يتناقض فيزول منفعة الشهادة عليهم.

والثاني: ليكون من شهد رسول الله  ، شهود على من يكون بعدهم.

وفي ذلك دليل من تأخر الصحابة، رضوان الله  عليهم أجمعين، عن الخلاف لهم، ﴿ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ﴾ إذا خالفتموه وعصيتموه.

وقوله: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ﴾ .

فهذا - والله أعلم - لما كانوا في المتابعة على قسمين: منهم من تبعه لما وافق هواه.

ومنهم من تبعه لما علم أنه الحق من عند الله عز وجل؛ ليبين لهم ويقع علم ذلك عندهم: من المتبع له بهواه، ومن المتبع له بالأمر والطاعة له.

وقيل أيضاً في قوله: ﴿ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ ﴾ ، قيل: ليعلم من يتبع الرسول ما قد علم أنه يكون كائناً، وليعلم ما قد علم أنه يوجد موجودا.

وقيل: إنه يجوز أن يراد بالعلم المعلوم.

معناه - والله أعلم - إلا ليكون المتبع له، والمنقلب على عقبيه.

ثم الأصل في هذا ونحوه من قوله: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّابِرِينَ  ﴾ ، أنا لا نصف الله  بالعلم في الخلق، قال: غير الحال التي الخلق عليها؛ لأن وصفنا إياه بالعلم على غير الحال التي عليها الخلق يومئ إلى وصفه بالجهل؛ لأنه يجوز أن يقال: يعلم من الساكن في حال السكون حركة، أو السكون في حال الحركة، أو يعلم من الجالس قياماً، أو القائم جلوساً.

وكذلك لا يجوز أن يقال: يعلم من العدم موجوداً؛ أو من الوجود معدوماً في حال وجوده؛ لأنه وصف بعلم ما ليس، وهو محال.

وبالله العصمة.

وقيل: إن كل علم يذكر على حدوث المعلوم يذكر بذكر الوقت للمحدث - بفتح الدال - أي: يسند علمه إلى المحدث بذكر الوقت؛ لئلا يفهم بذكره قدم المعلوم في الأزل.

وإذا وصفنا الله بما هو حقيقة بلا ذكر الخلق مع ذلك نصفه بالذي نصفه به في الأزل لتعاليه عن التغير والزوال وعن الانتقال من حال إلى حال.

ولا قوة إلا بالله.

وقوله: ﴿ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ ﴾ .

يعني: تحويل القبلة، لكبيرة: ثقيلة، على من كان اتباعه لهواه، دون أمر أمر به، إلا على الذي يتبع أمر الله فيها ويعتقد طاعته فإنها ليست بثقيلة عليه ولا كبيرة.

وقوله: ﴿ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ﴾ .

قال بعض أهل التفسير: إن قوماً صلوا إلى بيت المقدس ثم ماتوا على ذلك، فلما حولت القبلة إلى الكعبة قالوا: ضاعت صلواتهم التي صلوا إليها، إشفاقاً عليهم.

لكن هذا بعيد لا يحتمل؛ لأن الذي اعتقد الإسلام من الصحابة، رضي الله  عنهم، وعرف موقع أمر الله وأمر رسوله، لا يجوز أن يخطر ببالهم [هذا، أو يعملون لو خطر ببالهم] حتى يسألوا عن ذلك، بل كانوا أعلم بالله من أن يجد عدو لله فيهم ذلك؛ ولأنهم قوم يأتمرون بأمر الله وطاعته، ويموتون على التصديق، وعلموا أنهم مؤمنون، ثم يشككون في أحوالهم، لكن إن كان ثم سؤال فهو من اليهود الذين اعتقدوا بطلان التناسخ في الأحكام والشرائع، فكانوا يحتجون على رسول الله  بأنه ينهى عن التفرق والاختلاف، ثم يدعوهم إلى ذلك.

أو قوم من الكفرة آذوا رسول الله  وأفرطوا في التكذيب له والخلاف والمعاداة، فأرادوا الإسلام، فظنوا أن ما كان منهم من العصيان والتكذيب يمنع قبول الإسلام، فأنزل الله عز وجل: ﴿ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ﴾ ، لما كان منكم في حال الكفر.

ألا ترى أن آخر الآية يدل عليه.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ .

أخبر أنه ﴿ رَّحِيمٌ ﴾ يتجاوز عمن تاب.

أو قوم علموا ألا تناسخ في الدين ولا اختلاف فيه؛ فظنوا أن نسخ الأحكام وتبديلها يوجب اختلافاً في الدين وتفرقاً فيه.

فنقول: إن الإيمان في الأصل الذي لا يقع على اعتقاد الصلاة إلى جهة دون جهة، بل يقع على الائتمار.

فالإيمان من الصحابة، رضوان الله  عليهم أجمعين، الذين ماتوا كان على اعتقاد الائتمار فهم مؤمنون باعتقاد الائتمار إلى بيت المقدس، مؤمنون باعتقاد الائتمار إلى الكعبة.

فلا تفرق ولا اختلاف في الإيمان، إذ في الأصل به وقع الاعتقاد للائتمار.

وبالله التوفيق.

ثم قوله: ﴿ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ﴾ تأويله: أي لا يضيع إيمانكم بالصلاة إلى بيت المقدس.

ولو كان على الصلاة فهو لوجهين: أحدهما: أنها إنما قامت بالإيمان، فهو سبب لها، وقد يذكر الشيء باسم سببه.

والثاني: أن اليهود عرفوه إيمانا، فورد الخطاب على ما عندهم معروف؛ كقوله: ﴿ فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ  ﴾ ، لا أن كان ثم آلهة، لكن لما عندهم، وكذلك قوله: ﴿ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ ﴾ \[المؤمنون: 14\]، لا أن كان ثم خالق سواه، ولكن لما عرفوا كل صانع خالقاً، فخرج على الخطاب على ما عرفوا هم ذلك الأول.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وكما جعلنا لكم قبلة ارتضيناها لكم؛ جعلناكم أمة خيارًا عدولًا، وسطًا بين الأمم كلها، في العقائد والعبادات والمعاملات؛ لتكونوا يوم القيامة شهداء لرسل الله أنهم بلّغوا ما أمرهم الله بتبليغه لأممهم، وليكون الرسول محمد  كذلك شهيدًا عليكم أنَّه بلغكم ما أُرْسِل به إليكم.

وما جعلنا تحويل القبلة التي كنت تتجه إليها؛ وهي بيت المقدس، إلا لنعلم -علمَ ظهورٍ يترتب عليه الجزاء- من يرضى بما شرعه الله، ويُذعن له، فيتبع الرسول، ومن يرتد عن دينه، ويتبع هواه، فلا يُذعن لما شرعه الله.

ولقد كان أمر تحويل القبلة الأولى عظيمًا إلا على الذين وفقهم الله للإيمان به، وبأن ما يشرعه لعباده إنما يشرعه لِحِكَمٍ بالغة.

وما كان الله ليضيع إيمانكم بالله، ومنه صلاتكم التي صلَّيتموها قبل تحويل القبلة، إن الله بالناس لرؤوف رحيم، فلا يشق عليهم، ولا يضيع ثواب أعمالهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.5ZVDy"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

كان أنبياء بني إسرائيل يصلون إلى بيت المقدس، وكانت صخرة المسجد الأقصى المعروفة هي قبلتهم، وقد صلى النبي والمسلمون إليها زمنًا، وكان النبي  يتشوف لاستقبال الكعبة، ويتمنى لو حول الله القبلة إليها، بل كان يجمع بين استقبالها واستقبال الصخرة في مكة فيصلي في جهة الجنوب مستقبلًا للشمال فلما هاجر منها إلى المدينة تعذر هذا الجمع فتوجه إلى الله تعالى بجعل الكعبة هي القبلة فأمره الله بذلك كما يأتي تفصيله في الآيات الآتية، وقد ابتدأ الكلام في هذه المسألة ببيان ما يقع من اعتراض اليهود وغيرهم على التحويل، وإخبار الله نبيه والمؤمنين به قبل وقوعه، وتلقينهم الحجة البالغة عليه، والحكمة السديدة فيه، ويتضمن هذا بيان سر من أسرار الدين وقاعدة عظيمة من قواعد الإيمان كان أهل الكتاب في غفلة عنها وجهل بها، فهذه الآيات متصلة بما قبلها في كونها محاجة لأهل الكتاب في أمر الدين لإمالتهم عن التقليد الأعمى فيه، والجمود على ظواهره من غير تفقه فيه ولا نفوذ إلى أسراره وحكمه التي لم تشرع الأحكام إلا لأجلها.

قال  : ﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا  ﴾ السفه والسفاهة الاضطراب في الرأي والفكر أو الأخلاق يقال: سفه حلمه ورأيه ونفسه، ومنه: زمام سفيه، أي مضطرب لمرح الناقة ومنازعتها إياه.

واضطراب الحلم -العقل- والرأي جهل وطيش، واضطراب الأخلاق فساد فيها لعدم رسوخ ملكة الفضيلة.

قال البيضاوي في تفسير السفهاء، "هم الذين خفت أحلامهم واستمهنوها بالتقليد والإعراض عن النظر، يريد المنكرين لتغيير القبلة من المنافقين واليهود والمشركين.

وفائدة تقديم الإخبار توطين النفس وإعداد الجواب".

وولاه عن الشيء صرفه عنه، والاستفهام للإنكار والتعجب.

والمعنى: سيقول سفهاء الأحلام السخفاء: أي شيء جرى لهؤلاء المسلمين فحولهم وصرفهم عن قبلتهم التي كانوا عليها وهي قبلة النبيين من قبلهم؟

وهاك تفصيل الجواب: ليست صخرة بيت المقدس بأفضل من سائر الصخور في مادتها وجوهرها، وليس لها منافع وخواص لا توجد في غيرها، ولا هيكل سليمان في نفسه من حيث هو حجر وطين أفضل من سائر الأبنية، وكذلك يقال في الكعبة والبيت الحرام كما تقدم في تفسير ﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ  ﴾ وإنما يجعل الله للناس قبلة لتكون جامعة لهم في عبادتهم، إلى آخر ما تقدم شرحه في تفسير ﴿ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ  ﴾ في الكلام على الكعبة والحج.

ولكن سفهاء الأحلام من أهل الجمود والمقلدين لهم يظنون أن القبلة أصل في الدين من حيث هي الصخرة المعينة أو البناء المعين، ولذلك كانت الحجة التي لقنها الله لنبيه في الرد على السفهاء الجاهلين لهذه الحكمة ﴿ قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ  ﴾ أي أن الجهات كلها لله تعالى لا فضل لجهة منها بذاتها على جهة، وأن الله يخصص منها ما شاء فيجعله قبلة لمن يشاء، وهو الذي ﴿ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ  ﴾ وهو صراط الاعتدال في الأفكار والأخلاق والأعمال كما يبين في الآية الآتية.

فعلم أن نسبة الجهات كلها إلى الله تعالى واحدة وأن العبرة في التوجه إليه سبحانه بالقلوب، وإتباع وحيه لا في التوجه بالوجوه.

قال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا  ﴾ وهو تصريح بما فهم من قوله ﴿ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ  ﴾ إلخ أي على هذا النحو من الهداية جعلناكم أمة وسطًا.

قالوا إن الوسط هو العدل والخيار وذلك أن الزيادة على المطلوب في الأمر إفراط، والنقص عنه تفريط وتقصير، وكل من الإفراط والتفريط ميل عن الجادة القويمة فهو شر ومذموم، فالخيار هو الوسط بين طرفي الأمر أي المتوسط بينهما.

ولكن يقال: لم اختير لفظ الوسط على لفظ الخيار مع أن هذا هو المقصود، والأول إنما يدل عليه بالالتزام؟

والجواب من وجهين: أحدهما: أن وجه الاختيار هو التمهيد للتعليل الآتي فإن الشاهد على الشيء لا بد أن يكون عارفًا به، ومن كان في أحد الطرفين فلا يعرف حقيقة حال الطرف الآخر ولا حال الوسط أيضًا.

وثانيهما: أن في لفظ الوسط إشعارًا بالسببية فكأنه دليل على نفسه، أي أن المسلمين خيار وعدول لأنهم وسط، ليسوا من أرباب الغلو في الدين المفرطين، ولا من أرباب التعطيل المفرطين، فهم كذلك في العقائد والأخلاق والأعمال.

ذلك أن الناس كانوا قبل ظهور الإسلام على قسمين: قسم تقضي عليه تقاليده بالمادية المحضة فلا هَمَّ له إلا الحظوظ الجسدية كاليهود والمشركين، وقسم تحكم عليه تقاليده بالروحانية الخالصة، وترك الدنيا وما فيها من اللذات الجسمانية، كالنصارى والصبائين وطوائف من وثنيي الهند أصحاب الرياضيات.

وأما الأمة الإسلامية فقد جمع الله لها في دينها بين الحقين حق الروح وحق الجسد، فهي روحانية جسمانية، وإن شئت قلت إنه أعطاها جميع حقوق الإنسانية، فإن الإنسان جسم وروح، حيوان ومَلَك.

فكأنه قال: جعلناكم أمة وسطًا تعرفون الحقين، وتبلغون الكمالين ﴿ لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ  ﴾ بالحق ﴿ عَلَى النَّاسِ  ﴾ الجسمانيين بما فرطوا في جنب الدين، والروحانيين إذ أفرطوا وكانوا من الغالين، تشهدون على المفرطين بالتعطيل القائلين: ﴿ مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ  ﴾ بأنهم أخلدوا إلى البهيمية، وقضوا على استعدادهم بالحرمان من المزايا الروحانية، وتشهدون على المفرطين بالغلو في الدين القائلين: إن هذا الوجود حبس للأرواح وعقوبة لها، فعلينا أن نتخلص منه بالتخلي عن جميع اللذات الجسمانية وتعذيب الجسد وهضم حقوق النفس، وحرمانها من جميع ما أعده الله لها في هذه الحياة.

تشهدون عليهم بأنهم خرجوا عن جادة الاعتدال، وجنوا على أرواحهم بجنايتهم على أجسادهم وقواها الحيوية، تشهدون على هؤلاء وهؤلاء، وتسبقون الأمم كلها باعتدالكم وتوسطكم في الأمور كلها، ذلك بأن ما هديتم إليه هو الكمال الإنساني الي ليس بعده كمال، لأن صاحبه يعطي كل ذي حق حقه، يؤدي حقوق ربه، وحقوق نفسه، وحقوق جسمه، وحقوق ذوي القربى، وحقوق سائر الناس، ﴿ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا  ﴾ أي أن الرسول  هو المثال الأكمل لمرتبة الوسط، وإنما تكون هذه الأمة وسطًا باتباعها له في سيرته وشريعته، وهو القاضي بين الناس فيمن اتبع سنته ومن ابتدع لنفسه تقاليد أخرى أو حذا حذو المبتدعين، فكما تشهد هذه الأمة على الناس بسيرتها وارتقائها الجسدي والروحي بأنهم قد ضلوا عن القصد، يشهد لها الرسول بما وافقت فيه سنته وما كان لها من الأسوة الحسنة فيه، بأنها استقامت على صراط الهداية المستقيم، فكأنه قال: إنما يتحقق لكم وصف الوسط إذا حافظتم على العمل بهدى الرسول واستقمتم على سنته، وأما إذا انحرفتم عن هذه الجادة فالرسول بنفسه ودينه وسيرته حجة عليكم بأنكم لستم من أمته التي وصفها الله في كتابه بهذه الآية وبقوله ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ  ﴾ إلخ، بل تخرجون بالابتداع من الوسط وتكونون في أحد الطرفين كما قال الشاعر- وقد استشهد به الزمخشري في تفسير الآية:- كانت هي الوسط المحمي فاكتنفت بها الحوادث حتى أصبحت طرفًا يقال إن هذا خبر عظيم بمنحة جليلة، ومنة بنعمة كبيرة، فلم جيء به معترضًا في أطواء الكلام عن القبلة، ولم يجيء ابتداء أو في سياق تعداد الآلاء والنعم؟

والجواب: أن الله تعالى علم أن الفتنة بمسألة القبلة ستكون عظيمة، وأن سيقول أهل الكتاب أن محمدًا ليس على بينة من ربه لأنه غيَّر قبلته، ولو كان الله هو الذي أمره بالصلاة إلى بيت المقدس لما نهاه عنه ثانيًا وصرفه عن قبلة الأنبياء.

ويقول المنافقون إنه صلى أولًا إلى بيت المقدس استمالة لأهل الكتاب ودهانًا لهم، ثم غلب عليه حب وطنه وتعظيمه، فعاد إلى استقبال الكعبة، فهو مضطرب في دينه.

وأمثال هذه الشبهات على كونها تدل على عدم الاعتدال في أفكار قائليها تؤثر في نفوس المسلمين، فالمطمئن الراسخ في الإيمان يحزن لشكوك الناس وتشكيكهم في الدين، والضعيف غير المتمكن ربما يضطرب ويتزلزل، لذلك بدأ الله بإخبار المسلمين بما سيكون بعد تحويل القبلة من إثارة رياح الشبه والتشكيك، ولقنهم الحجة، وبين لهم ما فيها من الحكمة، وبين لهم منزلتهم من سائر الأمم وهي أنهم أمة وسط لا تغلو في شيء، ولا تقف عند الظواهر، وأنهم شهداء على الناس وحجة عليهم باعتدالهم في الأمور كلها، وفهمهم لحقائق الدين وأسراره، ومن أهمها أن القبلة التي يتوجه إليها لا شأن لها في ذاتها، وإنما العبرة فيها باجتماع أهل الملة على جهة واحدة وصفة واحدة عند التوجه إلى الله تعالى.

ولما كانت نسبة الجهات إليه  واحدة إذ لا تحصره ولا تحدده جهة كان التزام الجهة المعينة منها لغير مجرد الاتباع لأمر الرسول عن الله تعالى ميلًا مع الهوى أو تخصيصًا بغير مخصص، وكلاهما مما لا يرضاه لنفسه العاقل المعتدل في أمره.

نعم إن له أن يسأل عن حكمة التحول والانتقال لا سيما بعد ما ثبت بالواقع أن الرسول الذي أمر به لم يأمر إلا بما ظهرت فائدته ومنفعته للممتثلين له من إصلاح النفوس وحملها على الخير وتوجيهها إلى البر مما دل عليه أنه مؤيد من الله تعالى.

وجملة القول إن إعلام الله رسوله والمؤمنين بما سيكون من الكافرين والمنافقين، وتلقينه إياهم الحجة، وإنزالهم منزلة الشهداء والمحكمين، ثم تبيينه لهم حكمة التحويل، كان مؤيدًا ومسددًا لهم ونورًا يسعى بين أيديهم في ظلمة تلك الفتنة المدلهمة، ولعمري إن هذه هي البلاغة التي لا غاية وراءها.

إعلام بما سيكون من اضطراب السفهاء في أقوالهم أشير إليه بالاستفهام مجملًا، ولم يذكر معه وجه الشبهة حتى لا تسبق إلى النفوس، والغرض إقامة الموانع من تأثيرها عند ورودها من أربابها، واختصار للبرهان ببيان أن المشرق والمغرب كسائر الجهات لله تعالى، أي يخصص منها ما يشاء فيجعله قبلة لمن يشاء، وبيان لمكانة الأمة المحمدية التي أعطيت كل أصل ديني بدليله وحكمته، وكلفت العدل والاعتدال في الأمر كله، أي فلا يليق بها أن تبالي بانتقاد السفهاء المذبذبين بين الإفراط والتفريط ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ  ﴾ أي وما جعلنا القبلة فيما مضى هي الجهة التي كنت عليها إلى اليوم ثم أمرناك بالتحول عنها إلى الكعبة إلا ليتبين لك وللمؤمنين الثابت على إيمانه ممن لا ثبات له، فتعلموا المتبع للرسول من المنقلب على عقبيه، برجوعه إلى الكفر الذي كان عليه، أو إلا ليكون علمنا الغيبي بحقيقة أمرهما وما لهما علم شهادة بوقوع متعلقه وهو الذي يترتب عليه الجزاء.

أي أن الله تعالى يختبر المؤمنين بما يظهر به صدق الصادقين، وريب المرتابين، وعاقبة المنافقين، ليرتب عليه الجزاء.

وإنما يثبت من فقه في الشيء فعرف سره وحكمته، وأما المقلد الآخذ بالظواهر من غير فقه ولا عرفان والمنافق غير المطمئن بالإيمان فلا يثبتان في مهاب عواصف الشكوك والشبهات.

وقال مفسرنا (الجلال): وما صيرنا القبلة لك الآن الجهة التي كنت عليها أولًا وهي الكعبة إلخ- وهو مبني على قول أن النبي  كان يصلي أولًا إلى الكعبة ثم أُمر بالصلاة إلى بيت المقدس، فيكون النسخ قد حصل مرتين، والأكثرون على أن المراد بالقبلة التي كان عليها بيت المقدس.

قال بعض المحققين: إن هذه الجمل من قبيل ﴿ جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ  ﴾ فالرؤيا لم تكن بنفسها فتنة وإنما افتتن الناس إذ أُخبروا بها ولم يفقهوا المراد منها.

كذلك القبلة ليس في جعل جهة كذا قبلة فتنة واختبار للناس، وإنما الفتنة فيما ترتب على ذلك من حيث كونه صرفًا عن قبلة إلى غيرها، فالسفهاء والجهال الذين لا يفقهون ينكرون هذا التحويل ويرونه أمرًا إدًّا، والذين هداهم الله إلى فقه ذلك يرونه أمرًا حكيمًا جدًا، ولذلك قال تعالى: ﴿ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ  ﴾ فمنحهم الاعتدال في الفكر والإدراك وفي الميل والرغبة.

وقوله تعالى ﴿ لِنَعْلَمَ  ﴾ معهود في القرآن كثيرًا، ومثله ﴿ لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ  ﴾ وقوله ﴿ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ  ﴾ والعقل والنقل متفقان على أن علمه تعالى قديم لا يتجدد، وللمفسرين في هذه الألفاظ أقوال نذكر أظهرها: جرت عادة العرب في لغتها أن تنسب إلى الرئيس والكبير ما يحدث بأمره وتدبيره، يقولون فتح الأمير البلد وقاتل الجيش.

وكثيرًا ما يقولون هذا والأمير ليس واحدًا من العاملين، فهو أسلوب معهود، إذا أريد إسناد الفعل إلى الجمهور أسندوه إلى المقدم فيهم.

ولما كان الله تعالى وليّ الذين آمنوا، وخاطبهم خطاب السيد صح بحسب هذا الأسلوب العربي أن يذكر الفعل بصيغة الجمع التي تشمل المتكلم وغيره وإن كان غيره هو المقصود بالفعل، فمعنى ﴿ إِلَّا لِنَعْلَمَ  ﴾ : إلا ليعلم عبادي المؤمنون بإعلامي إياهم.

وقد علم المؤمنون في هذه الفتنة من هو الثابت على اتباع الرسول  ومن هو المنافق الذي قبلته ريح الشبهة على عقبيه، وكان المنافقون مع المؤمنين بحيث لا يماز أحدهم من الآخر لقيامهم جميعًا بأداء الأعمال الظاهرة المطلوبة.

وهكذا كان  يمحص ما في القلوب بما يبتلي به الناس من الفتن ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ  وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ  ﴾ وعلى هذا الأسلوب جاء ما روي في الحديث القدسي:"يا عبدي مرضت فلم تعدني، وجعت فلم تطعمني، وعطشت فلم تسقني".

خرجوه على أن المراد مرض عبادي الفقراء الذين هم عيال الله فلم تعدهم إلخ ..

نعم إن الرواية غير صحيحة ولكن لم يفهم أحد منها أنها على ظاهرها لقطع العقل بأن هذا محال ولقوله تعالى ﴿ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ  ﴾ وقالت العرب: إني جائع في بطن غيري وعريان في ظهر غيري!

ويدخل في هذا الأسلوب أيضًا مثل قوله تعالى ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا  ﴾ أي يعطي عباده المحتاجين، والله يكافئه عنهم إذ كانوا عاجزين.

ثم وجه آخر في تفسير ﴿ لِنَعْلَمَ  ﴾ وهو أدق من هذا -جرى عليه مفسرنا (الجلال) وغيره- وهو أن المراد بالعلم في مثل هذا علم الظهور والوقوع.

ذلك أن الله تعالى يعلم الأشياء قبل وقوعها أنها ستقع لا أنها واقعة، ويعلمها بعد وقوعها أنها وقعت، والجزاء يترتب علي ما وقع بالفعل فقوله ﴿ لِنَعْلَمَ  ﴾ يراد به الثاني أي لنعلم علم وقوع ووجود يترتب عليه الثواب والعقاب، وليس معناه أنه تجدد له علم لم يكن وإنما التجدد في المعلوم لا في نفس العلم، أي أن المعلوم لم يكن موجودًا ثم وجد وظهر، كأنه قال: وما جعلنا القبلة جهة بيت المقدس إلا لنحولها ونمتحن المؤمنين بالتحويل ليظهر ما ثبت في العلم القديم من اتباع بعض الناس للرسول، واستقامتهم على هدايته، وانقلاب بعضهم على عقبيه وإظهاره ما أكَنَّه في نفسه من الريب، وبذلك يمتاز المهتدون من الضالين، وتقوم الحجة للمؤمنين على الكافرين.

ومعنى الانقلاب على العقبين هو الانصراف عن الشيء بالرجوع إلى الوراء وهو طريق العقبين، فالمنقلبون قد خرجوا من عداد المؤمنين وعادوا إلى ما كانوا عليه من الكفر.

ويقال رجع على عقبيه ونكص على عقبيه وأبلغها انقلب على عقبيه لما فيها من الإشعار بأنه رجع عن خير إلى شر أو من سوء إلى أسوأ.

ومن قبيل استعمال العلم في متعلقه وما يصدق عليه قوله تعالى ﴿ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي  ﴾ الآية وقوله ﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ  ﴾ فالمراد من الكلمات هنا الموجودات كلها عبر عنها بذلك لأن كل موجود منها وجد بكلمة الله ﴿ كُنْ  ﴾ .

ثم قال جل شأنه ﴿ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً  ﴾ أي وأن القبلة أو قصتها في نسخها والتحول عنها لكبيرة الشأن شديدة الوقع فيما كان من أمر الناس.

أو ما كانت إلا كبيرة يشق التحول عنها ﴿ إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ  ﴾ أي هداهم إلى المعرفة به والعلم بحكم شرعه، فعقلوا أن التعبد بها إنما يكون بطاعة الله بها لا بسر في ذاتها أو مكانها، وأن حكمتها اجتماع الأمة عليها، الذي هو من أسباب اتحادهم وجمع كلمتهم.

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ  ﴾ .

إن سياق الآية بل الآيات يدل على أن الإيمان هنا مستعمل في معناه، فإنه لما بيّن أمر الفتنة في تحويل القبلة وبين أن من الناس من ينقلب إلى الكفر ويترك الإيمان، ومنهم من يثبت على إيمانه عالمًا أن الاعتماد في مثل مسألة القبلة على اتباع الرسول، لأن الجهات في نفسها متساوية لا فضل لجهة منها على جهة، بشر هؤلاء المؤمنين المتبعين بأنهم يجزون على إيمانهم الجزاء الأوفى فلا يضيع الله أجرهم، ولا يليتهم من ثباتهم على اتباع الرسول شيئًا.

﴿ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ  ﴾ هذه الجملة استئناف لبيان علة النفي في التي قبلها، وأن توفية المؤمن المخلص أجره هي من آثار رأفته ورحمته سبحانه فلا يخشى أن تتخلف وأن يضيع أجر المؤمنين الصادقين.

قال (الجلال): والرأفة شدة الرحمة وقدم الأبلغ للفاصلة.

ولا يصح هذا القول لأن كل كلمة في القرآن موضوعة في موضعها اللائق بها فليس فيه كلمة تقدمت ولا كلمة تأخرت لأجل الفاصلة، لأن القول برعاية الفواصل إثبات للضرورة كما قالوا في كثير من السجع والشعر أنه قدم كذا وأخّر كذا لأجل السجع ولأجل القافية.

والقرآن ليس بشعر، ولا التزام فيه للسجع، وهو من الله الذي لا تعرض له الضرورة بل هو على كل شيء قدير، وهو العليم الحكيم الذي يضع كل شيء في موضعه.

وما قال بعض المفسرين مثل هذا القول إلا لتأثرهم بقوانين فنون البلاغة وغلبتها عليهم في توجيه الكلام، مع الغفلة في هذه النقطة عن مكانة القرآن في ذاته، وعدم الالتفات إلى ما لكل كلمة في مكانها من التأثير الخاص عند أهل الذوق العربي.

وعندي أن الرأفة من آثار الرحمة والرحمة أعم، فإن الرأفة لا تستعمل إلا في حق من وقع في بلاء والرحمة تشمل دفع الألم والضر وتشمل الإحسان وزيادة الإحسان، فذكر الرحمة هنا فيه معنى التعليل والسببية وهو من قبيل الدليل بعد الدعوى، فهو واقع في موقعه كما تحب البلاغة وترضى، كأنه قال إن الله رؤوف بالناس لأنه ذو الرحمة الواسعة فلا يضيع عمل عامل منهم، ولا يبتليهم بما يظهر صدق إيمانهم وإخلاصهم في اتباع رسوله ليضيع عليهم هذا الإيمان والإخلاص، بل ليجزيهم عليه أحسن الجزاء.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله