الآية ١٤٢ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٤٢ من سورة البقرة

۞ سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّىٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِى كَانُوا۟ عَلَيْهَا ۚ قُل لِّلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ ۚ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ ١٤٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 219 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٤٢ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٤٢ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

[ قيل المراد بالسفهاء هاهنا : المشركون ; مشركو العرب ، قاله الزجاج .

وقيل : أحبار يهود ، قاله مجاهد .

وقيل : المنافقون ، قاله السدي .

والآية عامة في هؤلاء كلهم ، والله أعلم ] .

قال البخاري : حدثنا أبو نعيم ، سمع زهيرا ، عن أبي إسحاق ، عن البراء ، رضي الله عنه ; أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا ، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت ، وأنه صلى أول صلاة صلاها ، صلاة العصر ، وصلى معه قوم .

فخرج رجل ممن كان صلى معه ، فمر على أهل المسجد وهم راكعون ، فقال : أشهد بالله لقد صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل مكة ، فداروا كما هم قبل البيت .

وكان الذي مات على القبلة قبل أن تحول قبل البيت رجالا قتلوا لم ندر ما نقول فيهم ، فأنزل الله عز وجل ( وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرءوف رحيم ) انفرد به البخاري من هذا الوجه .

ورواه مسلم من وجه آخر .

وقال محمد بن إسحاق : حدثني إسماعيل بن أبي خالد ، عن أبي إسحاق ، عن البراء ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي نحو بيت المقدس ، ويكثر النظر إلى السماء ينتظر أمر الله ، فأنزل الله : ( قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام ) فقال رجال من المسلمين : وددنا لو علمنا علم من مات منا قبل أن نصرف إلى القبلة ، وكيف بصلاتنا نحو بيت المقدس ؟

فأنزل الله : ( وما كان الله ليضيع إيمانكم ) وقال السفهاء من الناس ، وهم أهل الكتاب : ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ؟

فأنزل الله : ( سيقول السفهاء من الناس ) إلى آخر الآية .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا الحسن بن عطية ، حدثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن البراء قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صلى نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرا ، وكان يحب أن يوجه نحو الكعبة ، فأنزل الله : ( قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام ) قال : فوجه نحو الكعبة .

وقال السفهاء من الناس ، وهم اليهود : ( ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ) فأنزل الله ( قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة ، أمره الله أن يستقبل بيت المقدس ، ففرحت اليهود ، فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعة عشر شهرا ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب قبلة إبراهيم ، فكان يدعو الله وينظر إلى السماء ، فأنزل الله عز وجل : ( فولوا وجوهكم شطره ) أي : نحوه .

فارتاب من ذلك اليهود ، وقالوا : ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ؟

فأنزل الله : ( قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) .

وقد جاء في هذا الباب أحاديث كثيرة ، وحاصل الأمر أنه قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر باستقبال الصخرة من بيت المقدس ، فكان بمكة يصلي بين الركنين ، فتكون بين يديه الكعبة وهو مستقبل صخرة بيت المقدس ، فلما هاجر إلى المدينة تعذر الجمع بينهما ، فأمره الله بالتوجه إلى بيت المقدس ، قاله ابن عباس والجمهور ، ثم اختلف هؤلاء هل كان الأمر به بالقرآن أو بغيره ; على قولين ، وحكى القرطبي في تفسيره عن عكرمة وأبي العالية والحسن البصري أن التوجه إلى بيت المقدس كان باجتهاده عليه الصلاة والسلام .

والمقصود أن التوجه إلى بيت المقدس بعد مقدمه صلى الله عليه وسلم المدينة ، فاستمر الأمر على ذلك بضعة عشر شهرا ، وكان يكثر الدعاء والابتهال أن يوجه إلى الكعبة ، التي هي قبلة إبراهيم ، عليه السلام ، فأجيب إلى ذلك ، وأمر بالتوجه إلى البيت العتيق ، فخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس ، وأعلمهم بذلك .

وكان أول صلاة صلاها إليها صلاة العصر ، كما تقدم في الصحيحين من رواية البراء .

ووقع عند النسائي من رواية أبي سعيد بن المعلى : أنها الظهر .

وأما أهل قباء ، فلم يبلغهم الخبر إلى صلاة الفجر من اليوم الثاني ، كما جاء في الصحيحين ، عن ابن عمر أنه قال : بينما الناس بقباء في صلاة الصبح ، إذ جاءهم آت فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن وقد أمر أن يستقبل الكعبة ، فاستقبلوها .

وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة .

وفي هذا دليل على أن الناسخ لا يلزم حكمه إلا بعد العلم به ، وإن تقدم نزوله وإبلاغه ; لأنهم لم يؤمروا بإعادة العصر والمغرب والعشاء ، والله أعلم .

ولما وقع هذا حصل لبعض الناس من أهل النفاق والريب والكفرة من اليهود ارتياب وزيغ عن الهدى وتخبيط وشك ، وقالوا : ( ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ) أي : ما لهؤلاء تارة يستقبلون كذا ، وتارة يستقبلون كذا ؟

فأنزل الله جوابهم في قوله : ( قل لله المشرق والمغرب ) أي : الحكم والتصرف والأمر كله لله ، وحيثما تولوا فثم وجه الله ، و ( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله ) [ البقرة : 177 ] أي : الشأن كله في امتثال أوامر الله ، فحيثما وجهنا توجهنا ، فالطاعة في امتثال أمره ، ولو وجهنا في كل يوم مرات إلى جهات متعددة ، فنحن عبيده وفي تصريفه وخدامه ، حيثما وجهنا توجهنا ، وهو تعالى له بعبده ورسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه وأمته عناية عظيمة ; إذ هداهم إلى قبلة إبراهيم ، خليل الرحمن ، وجعل توجههم إلى الكعبة المبنية على اسمه تعالى وحده لا شريك له ، أشرف بيوت الله في الأرض ، إذ هي بناء إبراهيم الخليل ، عليه السلام ، ولهذا قال : ( قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) .

وقد روى الإمام أحمد ، عن علي بن عاصم ، عن حصين بن عبد الرحمن ، عن عمر بن قيس ، عن محمد بن الأشعث ، عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني في أهل الكتاب : " إنهم لا يحسدوننا على شيء كما يحسدوننا على يوم الجمعة ، التي هدانا الله لها وضلوا عنها ، وعلى القبلة التي هدانا الله لها وضلوا عنها ، وعلى قولنا خلف الإمام : آمين " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " سيقول السفهاء "، سيقول الجهال " منَ الناس ", وهم اليهود وأهل النفاق.

وإنما سماهم الله عز وجل " سُفهاء "، لأنهم سَفِهوا الحق.

(1) فتجاهلت أحبارُ اليهود, وتعاظمت جهالهم وأهل الغباء منهم، عن اتِّباع محمد صلى الله عليه وسلم, إذ كان من العرب ولم يكن من بني إسرائيل, وتحيّر المنافقون فتبلَّدوا.

* * * وبما قلنا في" السفهاء " -أنهم هم اليهود وأهلُ النفاق- قال أهل التأويل.

ذكر من قال: هم اليهود: 2142- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله عز وجل: " سيقول السفهاء من الناس مَا وَلاهم عن قِبْلتهم " قال، اليهود تقوله، حين تَرَك بيتَ المقدس.

2143- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.

2144- حدثت عن أحمد بن يونس, عن زهير, عن أبي إسحاق، عن البَراء: " سيقول السفهاء من الناس " قال، اليهود.

(2) 2145- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع, عن إسرائيل, عن أبي إسحاق, عن البراء: " سيقول السفهاء من الناس " قال، اليهود.

2146- حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك, عن أبي إسحاق, عن البراء في قوله: " سيقول السفهاء من الناس " قال، أهل الكتاب 2147- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قال: اليهودُ.

* * * وقال آخرون: " السفهاء "، المنافقون.

* ذكر من قال ذلك.

2148- حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: نـزلت " سَيقول السفهاء من الناس "، في المنافقين.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : مَا وَلاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " ما ولاهم ": أيُّ شيء صَرَفهم عن قبلتهم؟

وهو من قول القائل: " ولاني فلان دُبُره "، إذا حوّل وجهه عنه واستدبره، فكذلك قوله: " ما ولاهم "؟

أيّ شيء حَوَّل وُجُوههم؟

(3) * * * وأما قوله: " عن قبلتهم "، فإن " قبلة " كل شيء ما قابلَ وجهه.

وإنما هي" فِعْلة " بمنـزلة " الجلسة والقِعْدة "، (4) من قول القائل." قابلت فلانًا "، إذا صرتُ قُبالته أقابله, فهو لي" قبلة " وأنا له " قبلة ", إذا قابل كلّ واحد منهما بوجهه وجهَ صاحبه.

* * * قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذًا -إذْ كان ذلك معناه (5) -: سيقول السفهاء من الناس لكم، أيها المؤمنون بالله ورسوله, - إذا حوّلتم وجوهكم عَن قبلة اليهود التي كانتْ لكم قبلةً قَبلَ أمري إياكم بتحويل وجوهكم عنها شَطْر المسجد الحرام -: أيّ شيء حوّل وُجوه هؤلاء, فصرفها عن الموضع الذي كانوا يستقبلونه بوجوههم في صلاتهم؟

فأعلم الله جل ثناؤه نبيَّه صلى الله عليه وسلم، مَا اليهودُ والمنافقون قائلون من القول عند تحويل قبلته وقبلة أصحابه عن الشأم إلى المسجد الحرام, وعلّمه ما ينبغي أن يكون من ردِّه عليهم من الجواب.

فقال له: إذا قالوا ذلك لك يا محمد, فقل لهم: لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ .

* * * وكان سببُ ذلك أنّ النبي صلى الله عليه وسلم صلّى نحو بيت المقدس مُدة سنذكر مبلغها فيما بعد إن شاء الله تعالى، ثم أراد الله تعالى صَرْف قبلة نبيّة صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الحرام.

فأخبره عما اليهود قائلوه من القول عند صرفه وجهَه ووجهَ أصحابه شطرَه, وما الذي ينبغي أن يكون من ردِّه عليهم من الجواب.

* * * ذكر المدة التي صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه نحو بيت المقدس، وما كان سببُ صلاته نحوه؟

وما الذي دَعا اليهودَ والمنافقين إلى قِيلِ ما قالوا عند تحويل الله قبلةَ المؤمنين عن بيت المقدس إلى الكعبة؟

اختلف أهل العلم في المدة التي صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس بعد الهجرة.

فقال بعضهم بما:- 2149- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير -وحدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة- قالا جميعًا : حدثنا محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد قال، أخبرني سعيد بن جبير، أو عكرمة -شكّ محمد-، عن ابن عباس قال: لما صُرفت القبلةُ عن الشأم إلى الكعبة -وصرفت في رَجَب، على رأس سبعة عشر شهرًا من مَقدَم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينةَ- أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم رفاعةُ بنُ قيس, وقَرْدَم بن عمرو, وكعبُ بن الأشرف, ونافعُ بن أبي نافع - هكذا قال ابن حميد, وقال أبو كريب: ورَافع بن أبي رافع (6) - والحجاج بن عمرو = حليفُ كعب بن الأشرف = والربيعُ بن الربيعُ بن [أبي] الحقيق، وكنانةُ بن أبي الحقيق، (7) فقالوا: يا محمد، ما ولاك عن قبلتك التي كنت عليها، وأنتَ تزعمُ أنك على ملة إبراهيم ودينه؟

ارجع إلى قبلتك التي كنت عليها نتبعْك ونصدقك!

وإنما يريدون فتنته عن دينه.

فأنـزل الله فيهم: " سيقول السفهاءُ من الناس مَا ولاهم عنْ قبلتهم التي كانوا عليها " إلى قوله: إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ .

(8) 2150- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو بكر بن عياش, قال البراء: صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس سَبعةَ عشر شهرًا, وكان يشتهي أن يُصرف إلى الكعبة.

قال: فبينا نحن نُصلي ذاتَ يوم, فمر بنا مارٌّ فقال: ألا هلْ علمتم أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قد صُرف إلى الكعبة؟

قال: وقد صلينا ركعتين إلى هاهنا, وصلينا ركعتين إلى هاهنا - قال أبو كريب: فقيل له: فيه أبو إسحاق؟

فسكت.

(9) 2151- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يحيى بن آدم, عن أبي بكر بن عياش, عن أبي إسحاق, عن البراء قال: صلينا بعد قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينةَ سبعة عشر شهرًا إلى بيت المقدس.

(10) 2152- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا يحيى, عن سفيان قال، حدثنا أبو إسحاق، عن البراء بن عازب قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعةَ عشر شهرًا -شك سفيان- ثم صُرفنا إلى الكعبة.

(11) 2153- حدثني المثنى قال، حدثنا الُّنفيلي قال، حدثنا زهير قال: حدثنا أبو إسحاق, عن البراء: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أوَّلَ ما قَدم المدينة، نـزلَ على أجداده -أو أخواله- من الأنصار, وأنه صَلَّى قِبَل بيت المقدس ستة عشر شهرًا, وكان يعجبه أن تكون قبلته قبَلَ البيت, وأنه صلى صلاة العصر ومعه قومٌ.

فخرج رجل ممن صلى معه, فمرّ على أهل المسجد وهم رُكوع فقال: أشهدُ لقد صلَّيت مع رسول الله قبلَ مكة.

فداروا كما همْ قِبَل البيت.

وكانَ يُعجبه أن يحوَّل قبَل البيت.

وكان اليهودُ أعجبهم أنّ رسول الله صلى الله علايه وسلم يُصَلّي قبَل بيت المقدس وأهلُ الكتاب, فلما ولَّى وجْهه قبَل البيت أنكروا ذلك.

(12) 2154- حدثني عمران بن موسى قال، حدثنا عبد الوارث قال، حدثنا يحيى بن سعيد, عن ابن المسيب قال: صلى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس بَعْد أن قدِم المدينةَ ستة عشر شهرًا, ثم وُجِّه نحو الكعبة قَبل بَدْرٍ بشهرين.

(13) * * * وقال آخرون بما:- 2155- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عثمان بن سعد الكاتب قال، حدثنا أنس بن مالك قال: صلى نبي الله صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس تسعة أشهر أو عشرة أشهر.

فبينما هو قائمٌ يصلي الظهر بالمدينة وقد صلى ركعتين نحو بيت المقدس, انصرف بوَجْهه إلى الكعبة, فقال السفهاء: " ما وَلاهُم عن قبلتهم التي كانوا عَليها ".

(14) * * * وقال آخرون بما:- 2156- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا أبو داود قال، حدثنا المسعودي, عن عمرو بن مرة, عن ابن أبي ليلى, عن معاذ بن جبل: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فصلى نحو بيت المقدس ثَلاثة عَشر شهرًا.

(15) 2157- حدثنا أحمد بن المقدام العجلي قال، حدثنا المعتمر بن سليمان قال، سمعت أبي قال، حدثنا قتادة, عن سعيد بن المسيب: أنّ الأنصار صلَّت القبلةَ الأولى، قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث حجج, وأن النبي صلى الله عليه وسلم صلَّى القبلةَ الأولى بعد قُدومه المدينة ستة عشر شهرًا، أو كما قال.

وكلا الحديثين يحدِّث قتادة عن سعيد.

* * * ذكر السبب الذي كان من أجله يُصلِّي رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس، قبل أن يُفرض عليه التوجُّه شطرَ الكعبة.

* * * اختلف أهلُ العلم في ذلك.

فقال بعضهم: كان ذلك باختيار من النبي صلى الله عليه وسلم ذكرُ من قال ذلك: 2158- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح أبو تَميلة قال، حدثنا الحسين بن واقد, عن عكرمة -وعن يزيد النحويّ, عن عكرمة- والحسن البصري قالا أوَّلُ ما نُسخ من القرآن القبلةُ.

وذلك أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يستقبل صَخرَة بيت المقدس، وهي قبلة اليهودِ, فاستقبلها النبيّ صلى الله عليه وسلم سبعةَ عشر شهرًا, ليؤمنوا به ويتبعوه, ويدعو بذلك الأميين من العرب.

فقال الله عز وجل: وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [سورة البقرة: 115].

2159- حدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع في قوله: " سيقولُ السفهاء من الناس مَا وَلاهم عَن قبلتهم التي كانوا عليها "، يعنون بيتَ المقدس.

قال الربيع.

قال أبو العالية : إنّ نبيّ الله صلى الله عليه وسلم خُيّر أن يوجِّه وجهه حيث شاء, فاختار بيت المقدس لكي يتألَّف أهلَ الكتاب, فكانت قبلتهُ ستة عشر شهرًا, وهو في ذلك يقلِّب وَجهه في السماء، ثم وَجَّهه الله إلى البيت الحرام.

* * * وقال آخرون: بل كان فعلُ ذلك -من النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه- بفرض الله عز ذكره عليهم.

* ذكر من قال ذلك: 2160- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثنا معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قال: لما هاجَرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة, وكان [أكثرَ] أهلها اليهودُ, أمَره الله أن يستقبل بيتَ المقدس.

ففرحت اليهود.

فاستقبلها رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بضْعة عَشر شَهرًا, فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُحبّ قبلةَ إبراهيم عليه السلام, وكان يدعو وينظر إلى السماء.

فأنـزل الله عز وجل: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ [سورة البقرة: 144] الآية.

فارتاب من ذلك اليهود وقالوا: " ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها "؟

فأنـزل الله عز وجل: قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ .

(16) 2161- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أوَّلَ ما صلى إلى الكعبة, ثم صُرف إلى بَيت المقدس.

فصلَّت الأنصارُ نحو بيت المقدس قبلَ قُدومه ثلاث حِجَجٍ: وصلّى بعد قُدومه ستة عشر شهرًا, ثم ولاه الله جل ثناؤه إلى الكعبة.

* * * ذكر السبب الذي من أجله قال من قال " ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها "؟

* * * اختلف أهل التأويل في ذلك.

فرُوي عن ابن عباس فيه قولان.

أحدهما ما:- 2162- حدثنا به ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثنا ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس قال: قال ذلك قومٌ من اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم, فقالوا له: ارجِعْ إلى قبلتك التي كنت عليها نتَّبعك ونصدّقك!

يريدون فتنتَهُ عن دينه.

(17) والقول الآخر: ما ذكرتُ من حَديث علي بن أبي طلحة عنه الذي مضى قبل.

(18) * * * 2163- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد, عن سعيد, عن قتادة قوله: " سيقول السفهاءُ من الناس ما وَلاهم عن قبلتهم التي كانوا عَليها "؟

قال: صلَّت الأنصار نحو بيت المقدس حَولين قَبْل قُدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينةَ وصلى نبي الله صلى الله عليه وسلم بعدَ قدومه المدينة مهاجرًا، نحو بيت المقدس، ستة عشر شَهرًا، ثم وجَّهه اللهُ بعد ذلك إلى الكعبة البيتِ الحرام.

فقال في ذلك قائلون من الناس: " ما ولاهمْ عَنْ قبلتهم التي كانوا عليها "؟

لقد اشتاق الرَّجُل إلى مَوْلده!

فقال الله عز وجل: قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ .

* * * وقيل: قائل هذه المقالة المنافقون.

وإنما قالوا ذلك استهزاءً بالإسلام.

* ذكر من قال ذلك: 2164- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي, قال: لما وُجِّه النبيُّ صلى الله عليه وسلم قبَلَ المسجد الحرام، اختلفَ الناس فيها فكانوا أصنافًا.

فقال المنافقون: ما بالُهم كانوا على قبلة زمانًا، ثم تركوها وتوجَّهوا إلى غيرها؟

فأنـزل الله في المنافقين: سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ ، الآية كلها.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (142) قال أبو جعفر: يعني بذلك عز وجل: قُلْ يا محمد -لهؤلاء الذين قالوا لك ولأصحابك: ما ولاكم عن قبلتكم من بيت المقدس، التي كنتم على التوجُّه إليها, إلى التوجُّه إلى شطر المسجد الحرام؟-: لله مُلك المشرق والمغرب = يعني بذلك: ملكُ ما بين قُطرَيْ مشرق الشمس, وقُطرَيْ مغربها, وما بينهما من العالم (19) = يَهدي من يشاء من خلقه، (20) فيُسدده, ويوفِّقه إلى الطريق القويم، وهو " الصراط المستقيم " (21) -ويعني بذلك: إلى قبلة إبراهيمَ الذي جعله للناس إمامًا- ويخذُل من يشاء منهم، فيضلُّه عن سبيل الحق.

* * * وإنّما عنى جل ثناؤه بقوله: " يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ"، قُلْ يا محمد: إنّ الله هَدانا بالتوجُّه شطرَ المسجد الحرام لقبلة إبراهيم، وأضلَّكم -أيها اليهودُ والمنافقون وجماعةُ الشرك بالله- فخذلكم عما هدانا لهُ من ذلك.

----------------- الهوامش : (1) سفه الحق : جهله .

وانظر ما سلف في معنى"السفه" 1 : 293-294 / ثم هذا الجزء 3 : 90 .

(2) الأثر : 2144- هذا إسناد ليس بذاك ، فإن الطبري رواه عن شخص مبهم ، عن أحمد بن يونس ، وهو أحمد بن عبد الله بن يونس التميمي .

وهو ثقة ، أخرج له الجماعة ، وقد ينسب إلى جده .

ولد سنة 133 ، أو 134 ، ومات سنة 227 .

مترجم في التهذيب ، والكبير 1/2/6 ، والصغير ، ص : 239 ، وابن أبي حاتم 1/1/57 .

وابن سعد 6 : 283 .

زهير : هو ابن معاوية أبو خيثمة الكوفي .

ثقة ثبت معروف .

وأبو إسحاق : هو السبيعي ، عمرو بن عبد الله .

التابعي الكبير المشهور ، البراء : هو ابن عازب الصحابي .

(3) انظر ما سلف في معنى"ولي" 2 : 162 ، وهذا الجزء 3 : 115 .

(4) انظر ما قال من ذلك في"الحكمة" في هذا الجزء 3 : 87 .

(5) في المطبوعة : "إذ كان معناه" بإسقاط"ذلك" ، ولا يقوم الكلام إلا بها .

(6) انظر ما سلف في هذا الجزء 3 : 111 تعليق : 1 .

(7) الزيادة بين القوسين من سيرة ابن هشام .

وفيها : "وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق" .

(8) الأثر : 2149- نص ما في سيرة ابن هشام 2 : 198-199 .

(9) الحديث : 2150- أبو بكر بن عياش : ثقة معروف ، إلا أنهم أخذوا عليه بعض الأخطاء ، لأنه لما كبر ساء حفظه وتغير .

وهو هنا يروى الحديث -منقطعًا- عن البراء ، لأنه لم يدركه .

وقد سأله بعض سامعيه ، كما حكى أبو كريب في آخر الحديث : "فيه : أبو إسحاق"؟

يريد السائل أن يستوثق منه : أسمعه من أبي إسحاق السبيعي عن البراء؟

فسكت ولم يجبه .

ولو كان هذا وحده كان الحديث ضعيفًا .

ولكنه ثابت من رواية أبي إسحاق السبيعي عن البراء ، في الأسانيد الثلاثة التالية -وأولها من رواية ابن عياش نفسه- ومن مصادر الحديث الأخر ، كما سيأتي .

(10) الحديث : 2151- هذا إسناد ضعيف ، لضعف سفيان بن وكيع - شيخ الطبري .

ولكنه يتقوى بالروايات الآتية وغيرها .

وقد رواه ابن ماجه : 1010 ، عن علقمة بن عمرو الدارمي ، عن أبي بكر بن عياش ، عن أبي إسحاق ، عن البراء ، مطولا .

وذكر فيه أن صلاتهم إلى بيت المقدس كانت"ثمانية عشر شهرًا" .

وعلقمة بن عمرو الدارمي : ثقة .

وقال البوصيري في زوائد ابن ماجه : "حديث البراء صحيح ، ورجاله ثقات" .

(11) الحديث : 2152- هذا إسناد صحيح جدًا .

يحيى : هو ابن سعيد القطان .

سفيان : هو الثوري .

والحديث مختصر .

وهكذا رواه البخاري 8 : 132 (فتح الباري) ومسلم 1 : 148 - كلاهما من طريق يحيى ، عن سفيان ، به ، مختصرًا .

(12) الحديث : 2153- وهذه رواية مفصلة .

والإسناد صحيح جدًا .

رواه الإمام أحمد في المسند 4 : 283 (حلبي) ، عن حسن بن موسى ، عن زهير وهو ابن معاوية .

بهذا الإسناد نحوه .

بأطول منه .

ورواه ابن سعد في الطبقات 1/2/5 ، عن الحسن بن موسى ، بهذا الإسناد .

وكذلك رواه البخاري 1 : 89-90 ، عن عمرو بن خالد ، عن زهير ، به .

ورواه أيضًا 8 : 130 ، عن أبي نعيم ، عن زهير ، مختصرًا قليلا .

ورواه أيضًا البخاري 1 : 421-422 ، و 13 : 202 .

ومسلم 1 : 148 ، من أوجه ، عن البراء بن عازب .

وسيأتي باقيه بهذا الإسناد : 2222 .

(13) الحديث : 2154- عمران بن موسى بن حيان القزاز الليثي ، شيخ الطبري : ثقة .

مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3/1/305-306 .

عبد الوارث : هو ابن سعيد بن ذكوان ، أحد الأعلام ، يحيى بن سعيد : هو الأنصاري البخاري ثقة حجة ، من شيوخ الزهري ومالك والثوري وغيرهم .

ابن المسيب : هو سعيد بن المسيب الإمام التابعي الكبير ، ووقع في المطبوعة"المسيب" ، بحذف"ابن"!

وهو خطأ واضح من الناسخين .

وهذا الحديث مرسل ، كما هو مبين ، وكذلك رواه مالك في الموطأ ، ص 196 ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب مرسلا .

وكذلك رواه الشافعي عن مالك ، في الرسالة ، بتحقيقنا ، رقم 366 .

وكذلك رواه ابن سعد في الطبقات 1/2/4 ، عن يزيد بن هارون ، عن يحيى بن سعيد .

وقد وصله العطاردي .

من حديث سعد بن أبي وقاص : فرواه البيهقي في السنن الكبرى 2 : 3 ، من طريق أحمد بن عبد الجبار العطاردي : "حدثنا محمد بين الفضيل ، حدثنا يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب قال ، سمعت سعدًا يقول .

.

.

" .

فذكر الحديث .

ثم قال البيهقي : "هكذا رواه العطاردي عن ابن فضيل .

ورواه مالك ، والثوري ، وحماد بن زيد - عن يحيى بن سعيد ، عن ابن المسيب ، مرسلا دون ذكر سعد" .

وهذا إسناد جيد ، يصلح متابعة جيدة للرواية المرسلة .

فإن"أحمد بن عبد الجبار العطاردي" : قد مضى في : 66 أن أبا حاتم قال فيه : "ليس بقوي" .

ولكن المتأمل في ترجمته في التهذيب 1 : 51-52 ، وتاريخ بغداد 4 : 262-265 - يرى أن توثيقه أرجح ، وأن الكلام فيه لم يكن عن بينة .

ولذلك قال الخطيب : "كان أبو كريب من الشيوخ الكبار ، الصادقين الأبرار وأبو عبيدة السري ابن يحيى شيخ جليل أيضًا ثقة ، من طبقة العطاردي .

وقد شهد له أحدهما بالسماع ، والآخر بالعدالة .

وذلك يفيد حسن حالته ، وجواز روايته .

إذ لم يثبت لغيرهما قول يوجب إسقاط حديثه ، واطراح خبره" .

وهذا كاف في قبول زيادته في هذا الحديث ، بوصله من رواية سعيد بن المسيب عن سعد بن أبي وقاص .

(14) الحديث : 2155- عمرو بن علي : هو الفلاس ، مضت ترجمته : 1989 .

أبو عاصم : هو النيل ، واسمه"الضحاك بن مخلد" ، وهو فقيه ثقة حافظ ، من شيوخ أحمد وإسحاق وابن المديني وغيرهم من الأئمة .

مترجم في التهذيب ، والكبير 2/2/337 ، والصغير : 231 ، وابن سعد 7/2/49 ، وابن أبي حاتم2/1/463 ، والجمع بين رجال الصحيحين 228-229 .

وكان نبيلا حقًا ، صفة ولقبًا .

قال البخاري في الكبير : "سمعت أبا عاصم يقول : ما اغتبت أحدًا منذ علمت أن الغيبة تضر أهلها" .

ولد سنة 122 ، ومات سنة 212 وهو ابن 90 سنة و 4 أشهر ولدته أمه وعمرها 12 سنة .

رحمهما الله .

عثمان بن سعد التميمي الكاتب المعلم : ثقة ، وثقه أبو نعيم ، والحاكم وغيرهما ، وتكلم فيه بعضهم بغير حجة, ونقل بعضهم عن النسائي أنه قال : "ليس بثقة" ، ونقل الحافظ أنه رأى بخط ابن عبد الهادي : "الصواب في قول النسائي : أنه ليس بالقوي" .

وهذا هو الصواب عن النسائي ، وهو الذي في كتاب الضعفاء له ، ص : 22 .

وترجمه ابن أبي حاتم 3/1/153 ، وقال : "سمع أنس بن مالك" .

وسماعه من أنس ثابت عندنا في حديث آخر في المسند : 13201 .

فهذا الإسناد -عندنا- صحيح .

والحديث ذكره السيوطي في الدر المنثور 1 : 143 ، ونسبه البزار وابن جرير .

وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 2 : 13 ، وقال : "رواه البزار ، وفيه عثمان بن سعد ، ضعفه يحيى القطان وابن معين وأبو زرعة ، ووثقه ابو نعيم الحافظ ، وقال أبو حاتم : شيخ" .

وقال الهيثمي أيضًا : "حديث أنس في الصحيح ، إلا أنه جعل ذلك في صلاة الصبح ، وهنا : الظهر" .

يشير بذلك إلى أن أصله في الصحيح ، وهو الحديث في صحيح مسلم 1 : 148 ، من رواية حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس ، بنحوه ، وفيه : "فمر رجل من بني سلمة ، وهم ركوع في صلاة الفجر ، فنادى : ألا إن القبلة قد حولت!

فمالوا كما هم نحو القبلة" .

وكذلك رواه ابن سعد 1/2/4 ، من طريق حماد بن سلمة .

ومن الواضح أن هذه قصة غير التي رواها الطبري هنا .

فإن الذي هنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي انصرف بوجهه إلى الكعبة .

فهذا أول تحويل القبلة .

وأما رواية مسلم فتلك بشأن جماعة آخرين ، في مسجد قباء ، جاءهم مخبر فأخبرهم وهم في الصلاة بتحويل القبلة ، فاستداروا إليها .

كما ثبت في الصحيحين وغيرهما ، من حديث عبد الله بن عمر .

وهو في المسند : 4642 ، 4794 ، 5934 ، 5827 .

(15) الحديث : 2156- أبو داود : هو الطيالسي الإمام الحافظ ، واسمه : "سليمان بن داود بن الجارود" .

مترجم في التهذيب ، والكبير 2/2/11 ، وابن سعد 7/2/51 ، وابن أبي حاتم 2/1/111-113 ، مات سنة 203 عن 92 سنة لم يستكملها ، كما قال ابن سعد .

المسعودي : هو عبد الرحمن بن عبد لله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود ، وهو ثقة ، تغير حفظه في آخر عمره .

مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2/2/250-252 .

وترجمنا له في شرح المسند مرارًا ، آخرها في الحديث : 7105 .

ابن أبي ليلى : هو عبد الرحمن ، التابعي المشهور .

ولكنه لم يسمع من معاذ بن جبل ، كما جزم بذلك علي بن المديني والترمذي وابن خزيمة ، لأنه ولد سنة وفاة معاذ أو قبلها أو بعدها بقليل .

فهذا الإسناد منقطع .

والحديث بهذا الإسناد ، مختصرًا ، رواه أبو داود الطيالسي في مسنده : 566 ، بلفظ : "أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة ، فصلى سبعة عشر شهرًا نحو بيت المقدس ، ثم نزلت عليه هذه الآية : "قد نرى تقلب وجهك في السماء" ، إلى آخر الآية قال ، فوجهه الله إلى الكعبة" .

وهو جزء من حديث طويل ، رواه أبو داود السجستاني في سننه : 507 ، بإسنادين : عن محمد بن المثنى -شيخ الطبري هنا- عن أبي داود ، وهو الطيالسي - ثم رواه عن نصر بن المهاجر ، عن يزيد بن هارون ، كلاهما عن المسعودي .

ولكن بين أبو داود أن رواية محمد بن المثنى مختصرة ، كالرواية التي في مسند الطيالسي ، ولكن ذكر أن صلاتهم نحو بيت المقدس كانت"ثلاثة عشر شهرًا" ، كرواية الطبري هنا عن ابن المثنى .

وأنا أرجح أن تكون رواية ابن المثنى عن الطيالسي .

أرجح من الرواية التي في مسند الطيالسي ، إذ أنه ليس من جمعه ، بل هو من جمع أحد الرواة عنه .

ثم إن حديث معاذ -بطوله- رواه أحمد في المسند 5 : 246-247 ، عن أبي النضر هاشم بن القاسم ، عن يزيد بن هارون - كلاهما عن المسعودي ، بهذا الإسناد .

ولكن فيه"سبعة عشر شهرًا" ، كرواية مسند الطيالسي .

وقد أشار الحافظ في الفتح 1 : 89-90 إلى كثير من الروايات في ذلك ، وحاول الجمع بينهما أو الترجيح .

وعندي أن مثل هذا لا يستطاع ضبطه إلا أن يكتبوه في حينه ، أو تتجه همّتهم إلى العناية بحفظه .

وقال الحافظ ابن كثير 1 : 345-346 : "والمقصود أن التوجه إلى بيت المقدس ، بعد مقدمه صلى الله عليه وسلم المدينة .

واستمر الأمر على ذلك بضعة عشر شهرًا ، وكان يكثر الدعاء والابتهال أن يوجه إلى الكعبة .

التي هي قبلة إبراهيم عليه السلام .

فأجيب إلى ذلك ، وأمر بالتوجه إلى البيت العتيق" .

وانظر أيضًا تاريخ ابن كثير 3 : 252-254 .

(16) الأثر : 2160- مضى برقم : 1833 ويأتي برقم : 2236 ، والزيادة بين القوسين من الموضعين .

(17) الأثر : 2162- هو بعض الأثر السالف رقم : 2149 .

(18) يعني الأثر رقم : 2160 .

(19) انظر تفسير"المشرق والمغرب" فيما سلف 2 : 526-530 .

(20) انظر تفسير"هدى" فيما سلف1 : 166- 169 ، وفي فهرس اللغة في الجزء الأول والثاني .

(21) انظر تفسير"الصراط المستقيم" فيما سلف 1 : 170-177 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيمفيه إحدى عشرة مسألة الأولى : قوله تعالى : سيقول السفهاء من الناس أعلم الله تعالى أنهم سيقولون في تحويل المؤمنين من الشام إلى الكعبة ما ولاهم .

وسيقول بمعنى قال ، جعل المستقبل موضع الماضي ، دلالة على استدامة ذلك وأنهم يستمرون على ذلك القول .

وخص بقوله : من الناس لأن السفه يكون في جمادات وحيوانات .

والمراد من السفهاء جميع من قال : ما ولاهم .

والسفهاء جمع ، واحده سفيه ، وهو الخفيف العقل ، من قولهم : ثوب سفيه إذا كان خفيف النسج ، وقد تقدم .

والنساء سفائه .

وقال المؤرج : السفيه البهات الكذاب المتعمد خلاف ما يعلم .

قطرب : الظلوم الجهول ، والمراد بالسفهاء هنا اليهود الذين بالمدينة ، قاله مجاهد .

السدي : المنافقون .

الزجاج : كفار قريش لما أنكروا تحويل القبلة قالوا : قد اشتاق محمد إلى مولده وعن قريب يرجع إلى دينكم ، وقالت اليهود : قد التبس عليه أمره وتحير .

وقال المنافقون : ما ولاهم عن قبلتهم ، واستهزءوا بالمسلمين .

وولاهم يعني عدلهم وصرفهم .[ ص: 139 ] الثانية : روى الأئمة واللفظ لمالك عن ابن عمر قال : بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن ، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها ، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة .

وخرج البخاري عن البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا ، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت ، وإنه صلى أول صلاة صلاها العصر وصلى معه قوم ، فخرج رجل ممن كان صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فمر على أهل المسجد وهم راكعون فقال : أشهد بالله ، لقد صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل مكة ، فداروا كما هم قبل البيت .

وكان الذي مات على القبلة قبل أن تحول قبل البيت رجال قتلوا لم ندر ما نقول فيهم ، فأنزل الله عز وجل : وما كان الله ليضيع إيمانكم ، ففي هذه الرواية صلاة العصر ، وفي رواية مالك صلاة الصبح .

وقيل : نزل ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم في مسجد بني سلمة وهو في صلاة الظهر بعد ركعتين منها فتحول في الصلاة ، فسمي ذلك المسجد مسجد القبلتين .

وذكر أبو الفرج أن عباد بن نهيك كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الصلاة .

وذكر أبو عمر في التمهيد عن نويلة بنت أسلم وكانت من المبايعات ، قالت : كنا في صلاة الظهر فأقبل عباد بن بشر بن قيظي فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استقبل القبلة - أو قال : البيت الحرام - فتحول الرجال مكان النساء ، وتحول النساء مكان الرجال .

وقيل : إن الآية نزلت في غير صلاة ، وهو الأكثر .

وكان أول صلاة إلى الكعبة العصر ، والله أعلم .وروي أن أول من صلى إلى الكعبة حين صرفت القبلة عن بيت المقدس أبو سعيد بن المعلى وذلك أنه كان مجتازا على المسجد فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس بتحويل القبلة على المنبر وهو يقرأ هذه الآية : قد نرى تقلب وجهك في السماء حتى فرغ من الآية ، فقلت لصاحبي : تعال نركع ركعتين قبل أن ينزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فنكون أول من صلى فتوارينا نعما فصليناهما ، [ ص: 140 ] ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بالناس الظهر يومئذ .

قال أبو عمر : ليس لأبي سعيد بن المعلى غير هذا الحديث ، وحديث : " كنت أصلي " في فضل الفاتحة ، خرجه البخاري ، وقد تقدم .الثالثة : واختلف في وقت تحويل القبلة بعد قدومه المدينة ، فقيل : حولت بعد ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا ، كما في البخاري .

وخرجه الدارقطني عن البراء أيضا .

قال : صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قدومه المدينة ستة عشر شهرا نحو بيت المقدس ، ثم علم الله هوى نبيه فنزلت : قد نرى تقلب وجهك في السماء الآية .

ففي هذه الرواية ستة عشر شهرا من غير شك .

وروى مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن تحويلها كان قبل غزوة بدر بشهرين .

قال إبراهيم بن إسحاق : وذلك في رجب من سنة اثنتين .

وقال أبو حاتم البستي : صلى المسلمون إلى بيت المقدس سبعة عشر شهرا وثلاثة أيام سواء ، وذلك أن قدومه المدينة كان يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول ، وأمره الله عز وجل باستقبال الكعبة يوم الثلاثاء للنصف من شعبان .الرابعة : واختلف العلماء أيضا في كيفية استقباله بيت المقدس على ثلاثة أقوال ، فقال الحسن : كان ذلك منه عن رأي واجتهاد ، وقاله عكرمة وأبو العالية .

الثاني : أنه كان مخيرا بينه وبين الكعبة ، فاختار القدس طمعا في إيمان اليهود واستمالتهم ، قاله الطبري ، وقال الزجاج : امتحانا للمشركين لأنهم ألفوا الكعبة .

الثالث : وهو الذي عليه الجمهور : ابن عباس وغيره ، وجب عليه استقباله بأمر الله تعالى ووحيه لا محالة ، ثم نسخ الله ذلك وأمره الله أن يستقبل بصلاته الكعبة ، واستدلوا بقوله تعالى : وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه الآية .الخامسة : واختلفوا أيضا حين فرضت عليه الصلاة أولا بمكة ، هل كانت إلى بيت المقدس أو إلى مكة ، على قولين ، فقالت طائفة : إلى بيت المقدس وبالمدينة سبعة عشر شهرا ، ثم صرفه الله تعالى إلى الكعبة ، قاله ابن عباس .

وقال آخرون : أول ما افترضت [ ص: 141 ] الصلاة عليه إلى الكعبة ، ولم يزل يصلي إليها طول مقامه بمكة على ما كانت عليه صلاة إبراهيم وإسماعيل ، فلما قدم المدينة صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا ، على الخلاف ، ثم صرفه الله إلى الكعبة .

قال أبو عمر : وهذا أصح القولين عندي .

قال غيره : وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة أراد أن يستألف اليهود فتوجه [ إلى ] قبلتهم ليكون ذلك أدعى لهم ، فلما تبين عنادهم وأيس منهم أحب أن يحول إلى الكعبة فكان ينظر إلى السماء ، وكانت محبته إلى الكعبة لأنها قبلة إبراهيم ، عن ابن عباس .

وقيل : لأنها كانت أدعى للعرب إلى الإسلام ، وقيل : مخالفة لليهود ، عن مجاهد .

وروي عن أبي العالية الرياحي أنه قال : كانت مسجد صالح عليه السلام وقبلته إلى الكعبة ، قال : وكان موسى عليه السلام يصلي إلى الصخرة نحو الكعبة ، وهي قبلة الأنبياء كلهم ، صلوات الله عليهم أجمعين .السادسة : في هذه الآية دليل واضح على أن في أحكام الله تعالى وكتابه ناسخا ومنسوخا ، وأجمعت عليه الأمة إلا من شذ ، كما تقدم .

وأجمع العلماء على أن القبلة أول ما نسخ من القرآن ، وأنها نسخت مرتين ، على أحد القولين المذكورين في المسألة قبل .السابعة : ودلت أيضا على جواز نسخ السنة بالقرآن ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى نحو بيت المقدس ، وليس في ذلك قرآن ، فلم يكن الحكم إلا من جهة السنة ثم نسخ ذلك بالقرآن ، وعلى هذا يكون : " كنت عليها " بمعنى أنت عليها .الثامنة : وفيها دليل على جواز القطع بخبر الواحد ، وذلك أن استقبال بيت المقدس كان مقطوعا به من الشريعة عندهم ، ثم إن أهل قباء لما أتاهم الآتي وأخبرهم أن القبلة قد حولت إلى المسجد الحرام قبلوا قوله واستداروا نحو الكعبة ، فتركوا المتواتر بخبر الواحد وهو مظنون .وقد اختلف العلماء في جوازه عقلا ووقوعه ، فقال أبو حاتم : والمختار جواز ذلك عقلا لو تعبد الشرع به ، ووقوعا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم بدليل قصة قباء ، وبدليل أنه كان عليه السلام ينفذ آحاد الولاة إلى الأطراف وكانوا يبلغون الناسخ والمنسوخ جميعا .

ولكن ذلك ممنوع بعد وفاته صلى الله عليه وسلم ، بدليل الإجماع من الصحابة على أن القرآن والمتواتر المعلوم لا يرفع بخبر الواحد ، فلا ذاهب إلى تجويزه من السلف والخلف .

احتج من منع ذلك بأنه يفضي إلى المحال وهو رفع المقطوع بالمظنون .

وأما قصة أهل قباء وولاة النبي صلى الله عليه وسلم فمحمول على قرائن إفادة العلم [ ص: 142 ] إما نقلا وتحقيقا ، وإما احتمالا وتقديرا .

وتتميم هذا سؤالا وجوابا في أصول الفقه .التاسعة : وفيها دليل على أن من لم يبلغه الناسخ إنه متعبد بالحكم الأول ، .

خلافا لمن قال : إن الحكم الأول يرتفع بوجود الناسخ لا بالعلم به ، والأول أصح ; لأن أهل قباء لم يزالوا يصلون إلى بيت المقدس إلى أن أتاهم الآتي فأخبرهم بالناسخ فمالوا نحو الكعبة .

فالناسخ إذا حصل في الوجود فهو رافع لا محالة لكن بشرط العلم به ; لأن الناسخ خطاب ، ولا يكون خطابا في حق من لم يبلغه .

وفائدة هذا الخلاف في عبادات فعلت بعد النسخ وقبل البلاغ هل تعاد أم لا ، وعليه تنبني مسألة الوكيل في تصرفه بعد عزل موكله أو موته وقبل علمه بذلك على قولين .

وكذلك المقارض والحاكم إذا مات من ولاه أو عزل .

والصحيح أن ما فعله كل واحد من هؤلاء ينفذ فعله ولا يرد حكمه .

قال القاضي عياض : ولم يختلف المذهب في أحكام من أعتق ولم يعلم بعتقه أنها أحكام حر فيما بينه وبين الناس ، وأما بينه وبين الله تعالى فجائزة .

ولم يختلفوا في المعتقة أنها لا تعيد ما صلت بعد عتقها وقبل علمها بغير ستر ، وإنما اختلفوا فيمن يطرأ عليه موجب يغير حكم عبادته وهو فيها ، قياسا على مسألة قباء ، فمن صلى على حال ثم تغيرت به حاله تلك قبل أن يتم صلاته إنه يتمها ولا يقطعها ويجزيه ما مضى .

وكذلك كمن صلى عريانا ثم وجد ثوبا في الصلاة ، أو ابتدأ صلاته صحيحا فمرض ، أو مريضا فصح ، أو قاعدا ثم قدر على القيام ، أو أمة عتقت وهي في الصلاة إنها تأخذ قناعها وتبني .قلت : وكمن دخل في الصلاة بالتيمم فطرأ عليه الماء إنه لا يقطع ، كما يقوله مالك والشافعي - رحمهما الله - وغيرهما .

وقيل : يقطع ، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى وسيأتي .العاشرة : وفيها دليل على قبول خبر الواحد ، وهو مجمع عليه من السلف معلوم بالتواتر من عادة النبي صلى الله عليه وسلم في توجيهه ولاته ورسله آحادا للآفاق ، ليعلموا الناس دينهم فيبلغوهم سنة رسولهم صلى الله عليه وسلم من الأوامر والنواهي .الحادية عشرة : وفيها دليل على أن القرآن كان ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا بعد شيء وفي حال بعد حال على حسب الحاجة إليه ، حتى أكمل الله دينه ، كما قال : اليوم أكملت لكم دينكم .[ ص: 143 ] قوله تعالى : قل لله المشرق والمغرب أقامه حجة ، أي له ملك المشارق والمغارب وما بينهما ، فله أن يأمر بالتوجه إلى أي جهة شاء ، وقد تقدم .قوله تعالى : يهدي من يشاء إشارة إلى هداية الله تعالى هذه الأمة إلى قبلة إبراهيم ، والله تعالى أعلم .

والصراط الطريق .

والمستقيم : الذي لا اعوجاج فيه ، وقد تقدم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

قد اشتملت الآية على معجزة, وتسلية, وتطمين قلوب المؤمنين, واعتراض وجوابه, من ثلاثة أوجه, وصفة المعترض, وصفة المسلم لحكم الله ودينه.

فأخبر تعالى أنه سيعترض السفهاء من الناس, وهم الذين لا يعرفون مصالح أنفسهم, بل يضيعونها ويبيعونها بأبخس ثمن, وهم اليهود والنصارى, ومَنْ أَشبههم من المعترضين على أحكام الله وشرائعه، وذلك أنَّ المسلمين كانوا مأمورين باستقبال بيت المقدس, مدة مقامهم بمكة، ثم بعد الهجرة إلى المدينة, نحو سنة ونصف - لما لله تعالى في ذلك من الحكم التي سيشير إلى بعضها, وكانت حكمته تقتضي أمرهم باستقبال الكعبة، فأخبرهم أنه لا بد أن يقول السفهاء من الناس: { مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا } وهي استقبال بيت المقدس، أي: أيُّ شيء صرفهم عنه؟

وفي ذلك الاعتراض على حكم الله وشرعه, وفضله وإحسانه، فسلاهم, وأخبر بوقوعه, وأنه إنما يقع ممن اتصف بالسفه, قليل العقل, والحلم, والديانة، فلا تبالوا بهم, إذ قد علم مصدر هذا الكلام، فالعاقل لا يبالي باعتراض السفيه, ولا يلقي له ذهنه.

ودلت الآية على أنه لا يعترض على أحكام الله, إلا سفيه جاهل معاند، وأما الرشيد المؤمن العاقل, فيتلقى أحكام ربه بالقبول, والانقياد, والتسليم كما قال تعالى: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ } { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } الآية، { إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } وقد كان في قوله { السفهاء } ما يغني عن رد قولهم, وعدم المبالاة به.

ولكنه تعالى مع هذا لم يترك هذه الشبهة, حتى أزالها وكشفها مما سيعرض لبعض القلوب من الاعتراض, فقال تعالى: { قُلْ } لهم مجيبا: { لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } أي: فإذا كان المشرق والمغرب ملكا لله, ليس جهة من الجهات خارجة عن ملكه, ومع هذا يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم, ومنه هدايتكم إلى هذه القبلة التي هي من ملة أبيكم إبراهيم، فلأي شيء يعترض المعترض بتوليتكم قبلة داخلة تحت ملك الله, لم تستقبلوا جهة ليست ملكا له؟

فهذا يوجب التسليم لأمره, بمجرد ذلك، فكيف وهو من فضل الله عليكم, وهدايته وإحسانه, أن هداكم لذلك فالمعترض عليكم, معترض على فضل الله, حسدا لكم وبغيا.

ولما كان قوله: { يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } والمطلق يحمل على المقيد, فإن الهداية والضلال, لهما أسباب أوجبتها حكمة الله وعدله, وقد أخبر في غير موضع من كتابه بأسباب الهداية, التي إذا أتى بها العبد حصل له الهدى كما قال تعالى: { يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( سيقول السفهاء ) الجهال ( من الناس ما ولاهم ) صرفهم وحولهم ( عن قبلتهم التي كانوا عليها ) يعني بيت المقدس والقبلة فعلة من المقابلة نزلت في اليهود ومشركي مكة طعنوا في تحويل القبلة من بيت المقدس إلى مكة ، فقالوا لمشركي مكة : قد تردد على محمد أمره فاشتاق إلى مولده وقد توجه نحو بلدكم وهو راجع إلى دينكم فقال الله تعالى : ( قل لله المشرق والمغرب ) ملك له والخلق عبيده .

( يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«سيقول السفهاء» الجهال «من الناس» اليهود والمشركين «ما ولاّهم» أي شيء، صرف النبي والمؤمنين «عن قبلتهم التي كانوا عليها» على استقبالها في الصلاة وهي بيت المقدس، والإتيان بالسين الدالة على الاستقبال من الإخبار بالغيب «قل لله المشرق والمغرب» أي الجهات كلها فيأمر بالتوجه إلى أي جهة شاء لا اعتراض عليه «يهدي من يشاء» هدايته «إلى صراط» طريق «مستقيم» دين الإسلام أي ومنهم أنتم دل على هذا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

سيقول الجهال وضعاف العقول من اليهود وأمثالهم، في سخرية واعتراض: ما الذي صرف هؤلاء المسلمين عن قبلتهم التي كانوا يُصَلُّون إلى جهتها أول الإسلام؛ (وهي "بيت المقدس") قل لهم -أيها الرسول-: المشرق والمغرب وما بينهما ملك لله، فليست جهة من الجهات خارجة عن ملكه، يهدي مَن يشاء من عباده إلى طريق الهداية القويم.

وفي هذا إشعار بأن الشأن كله لله في امتثال أوامره، فحيثما وَجَّهَنا تَوَجَّهْنا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

هذا ، وبعد تلك المقدمة الموجزة لما اشتملت عليه آيات تحويل القبلة من مقاصد ، نحب أن نتعرض لتفسيرها بالتفصيل ، فنقول قال الله تعالى :( سَيَقُولُ السفهآء مِنَ الناس مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ .

.

.

)تضمنت هذه الآيات الكريمة إعلام النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أن فريقاً من الناس الذين خفت أحلامهم وضعفت عقولهم وعدولا عما ينفعهم إلى ما يضرهم ، سيقولون على سبيل الإِنكار عند تحويل القبلة إلى المسجد الحرام ، ما صرفهم عن القبلة التي كانوا عليها ، وهي بيت المقدس .قال صاحب الكشاف : " فإن قلت ، أي فائدة في الإِخبار بقولهم قبل وقوعه؟

قلت : فائدته أن مفاجأت المكروه أشد ، والعلم به قبل وقوعه أبعد من الاضطراب إذا وقع ، لما يتقدمه من توطين النفس ، وأن الجواب العتيد قبل الحاجة إليه أقطع للخصم وأرد لشغبه " .والمراد بالسفهاء اليهود الذين استنكروا تحويل القبلة ، ومن لف لفهم من المنافقين ومشركي العرب .وإنما سماهم الله - تعالى - سفهاء لأنهم سفهوا الحق ، وجحدوه ، وأنكروا نبوة النبي صلى الله عليه وسلم مع علمهم بصدقه في رسالته .وقد صرح البخاري - رحمه الله - بأن المراد بالسفهاء اليهود ، فقد روى عن البراء بن عازب قال :كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يتوجه إلى الكعبة ، فأنزل الله - تعالى - ( قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السمآء ) فتوجه نحو الكعبة ، وقال السفهاء من الناس - وهم اليهود - ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها .ثم لقن الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم الجواب الذي يخرس به ألسنة المعترضين من اليهود وغيرهم ، فقال تعالى : ( قُل للَّهِ المشرق والمغرب يَهْدِي مَن يَشَآءُ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) .أي قل لهم - يا محمد - إذا اعترضوا على التحويل : إن الأمكنة كلها لله ملكاً وتصرفاً وهي بالنسبة إليه متساوية ، وله أن يخص بعضها بحكم دون بعض ، فإذا أمرنا باستقبال جهة في الصلاة فلحكمة اقتضت الأمر وما على الناس إلا أن يمتثلوا أمره ، والمؤمنون ما اتخذوا الكعبة قبلة لهم إلا امتثالا لأمر ربهم ، لا ترجيحاً لبعض الجهات من تلقاء أنفسهم فالله هو الذي يهدي من يشاء هدايته ، إلى السبيل الحق ، فيوجه إلى بيت المقدس مدة حيث اقتضت حكمته ذلك ، ثم إلى الكعبة ، حيث يعلم المصلحة فيما أمر به .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا هو الشبهة الثانية من الشبه التي ذكرها اليهود والنصارى طعناً في الإسلام فقالوا: النسخ يقتضي إما الجهل أو التجهيل، وكلاهما لا يليق بالحكيم، وذلك لأن الأمر إما أن يكون خالياً عن القيد، وإما أن يكون مقيداً بلا دوام، وإما أن يكون مقيداً بقيد الدوام، فإن كان خالياً عن القيد لم يقتض الفعل إلا مرة واحدة، فلا يكون ورود الأمر بعد ذلك على خلافه ناسخاً وإن كان مقيداً بقيد اللا دوام فهاهنا ظاهر أن الوارد بعده على خلافه لا يكون ناسخاً له، وإن كان مقيداً بقيد الدوام فإن كان الأمر يعتقد فيه أنه يبقى دائماً مع أنه ذكر لفظاً يدل على أنه يبقى دائماً ثم إنه رفعه بعد ذلك، فهاهنا كان جاهلاً ثم بدا له ذلك، وإن كان عالماً بأنه لا يبقى دائماً مع أنه ذكر لفظاً يدل على أنه يبقى دائماً كان ذلك تجهيلاً فثبت أن النسخ يقتضي إما الجهل أو التجهيل وهما محالان على الله تعالى، فكان النسخ منه محالاً، فالآتي بالنسخ في أحكام الله تعالى يجب أن يكون مبطلاً.

فبهذا الطريق توصلوا بالقدح في نسخ القبلة إلى الطعن في الإسلام، ثم إنهم خصصوا هذه الصورة بمزيد شبهة فقالوا: إنا إذا جوزنا النسخ إنما نجوزه عند اختلاف المصالح وهاهنا الجهات متساوية في أنها لله تعالى ومخلوقة له فتغيير القبلة من جانب فعل خال عن المصلحة فيكون عبثاً والعبث لا يليق بالحكيم، فدل هذا على أن هذا التغيير ليس من الله تعالى، فتوصلوا بهذا الوجه إلى الطعن في الإسلام، ولنتكلم الآن في تفسير الألفاظ ثم لنذكر الجواب عن هذه الشبهة على الوجه الذي قرره الله تعالى في كتابه الكريم.

أما قوله: ﴿ سَيَقُولُ السفهاء ﴾ ففيه قولان.

الأول- وهو اختيار القفال-: أن هذا اللفظ وإن كان للمستقبل ظاهراً لكنه قد يستعمل في الماضي أيضاً، كالرجل يعمل عملاً فيطعن فيه بعض أعدائه فيقول: أنا أعلم أنهم سيطعنون علي فيما فعلت، ومجاز هذا أن يكون القول فيما يكرر ويعاد، فإذا ذكروه مرة فسيذكرونه بعد ذلك مرة أخرى، فصح على هذا التأويل أن يقال: سيقول السفهاء من الناس ذلك، وقد وردت الأخبار أنهم لما قالوا ذلك نزلت الآية.

القول الثاني: إن الله تعالى أخبر عنهم قبل أن ذكروا هذا الكلام أنهم سيذكرونه وفيه فوائد.

أحدها: أنه عليه الصلاة والسلام إذا أخبر عن ذلك قبل وقوعه، كان هذا اخباراً عن الغيب فيكون معجزاً.

وثانيها: أنه تعالى إذا أخبر عن ذلك أولاً ثم سمعه منهم، فإنه يكون تأذية من هذا الكلام أقل مما إذا سمعه منهم أولاً.

وثالثها: أن الله تعالى إذا أسمعه ذلك أولاً ثم ذكر جوابه معه فحين يسمعه النبي عليه الصلاة والسلام منهم يكون الجواب حاضراً، فكان ذلك أولى مما إذا سمعه ولا يكون الجواب حاضراً، وأما السفه في أصل اللغة فقد شرحناه في تفسير قوله تعالى: ﴿ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السفهاء  ﴾ وبالجملة فإن من لا يميز بين ما له وعليه، ويعدل عن طريق منافعه إلى ما يضره، يوصف بالخفة والسفه، ولا شك أن الخطأ في باب الدين أعظم مضرة منه في باب الدنيا فإذا كان العادل عن الرأي الواضح في أمر دنياه يعد سفيهاً، فمن يكون كذلك في أمر دينه كان أولى بهذا الاسم فلا كافر إلا وهو سفيه فهذا اللفظ يمكن حمله على اليهود، وعلى المشركين وعلى المنافقين، وعلى جملتهم، ولقد ذهب إلى كل واحد من هذه الوجوه قوم من المفسرين.

فأولها: قال ابن عباس ومجاهد: هم اليهود، وذلك لأنهم كانوا يأتسون بموافقة الرسول لهم في القبلة، وكانوا يظنون أن موافقته لهم في القبلة ربما تدعوه إلى أن يصير موافقاً لهم بالكلية، فلما تحول عن تلك القبلة استوحشوا من ذلك واغتموا وقالوا: قد عاد إلى طريقة آبائه، واشتاق إلى دينهم، ولو ثبت على قبلتنا لعلمنا أنه الرسول المنتظر المبشر به في التوراة، فقالوا: ما حكى الله عنهم في هذه الآية.

وثانيها: قال ابن عباس والبراء بن عازب والحسن والأصم، إنهم مشركو العرب، وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام كان متوجهاً إلى بيت المقدس حين كان بمكة، والمشركون كانوا يتأذون منه بسبب ذلك فلما جاء إلى المدينة وتحول إلى الكعبة قالوا: أبى إلا الرجوع إلى موافقتنا، ولو ثبت عليه لكان أولى به.

وثالثها: أنهم المنافقون وهو قول السدي، وهؤلاء إنما ذكروا ذلك استهزاء من حيث لا يتميز بعض الجهات عن بعض بخاصية معقولة تقتضي تحويل القبلة إليها، فكان هذا التحويل مجرد العبث والعمل بالرأي والشهوة، وإنما حملنا لفظ السفهاء على المنافقين لأن هذا الاسم مختص بهم، قال الله تعالى: ﴿ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السفهاء ولكن لاَّ يَعْلَمُونَ  ﴾ .

ورابعها: أنه يدخل فيه الكل لأن لفظ السفهاء لفظ عموم دخل فيه الألف واللام، وقد بينا صلاحيته لكل الكفار بحسب الدليل العقلي والنص أيضاً يدل عليه وهو قوله: ﴿ وَمَن يَرْغَبُ عَن مِلَّةِ إبراهيم إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ  ﴾ فوجب أن يتناول الكل.

قال القاضي: المقصود من الآية بيان وقوع هذا الكلام منهم في الجملة وإذا كان كذلك لم يكن ادعاء العموم فيه بعيداً قلنا: هذا القدر لا ينافي العموم ولا يقتضي تخصيصه بل الأقرب أن يكون الكل قد قال ذلك لأن الأعداء مجبولون على القدح والطعن فإذا وجدوا مجالاً لم يتركوا مقالاً ألبتة.

أما قوله تعالى: ﴿ مَا ولاهم عَن قِبْلَتِهِمُ التى كَانُواْ عَلَيْهَا ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: ولاه عنه صرفه عنه وولى إليه بخلاف ولى عنه ومنه قوله: ﴿ وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ  ﴾ وقوله: ﴿ مَا ولاهم ﴾ استفهام على جهة الاستهزاء والتعجب.

المسألة الثانية: في هذا التولي وجهان.

الأول: وهو المشهور المجمع عليه عند المفسرين: أنه لما حولت القبلة إلى الكعبة من بيت المقدس عاب الكفار المسلمين فقالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها فالضمير في قوله: ﴿ مَا ولاهم ﴾ للرسول والمؤمنين والقبلة التي كانوا عليها هي بيت المقدس، واختلفت الروايات في أنه عليه الصلاة والسلام متى حول القبلة بعد ذهابه إلى المدينة فعن أنس بن مالك رضي الله عنه بعد تسعة أشهر أو عشرة أشهر، وعن معاذ بعد ثلاثة عشر شهراً وعن قتادة بعد ستة عشر شهراً وعن ابن عباس والبراء بن عازب بعد سبعة عشر شهراً، وهذا القول أثبت عندنا من سائر الأقوال وعن بعضهم ثمانية عشر شهراً من مقدمه.

قال الواقدي: صرفت القبلة يوم الاثنين النصف من رجب على رأس سبعة عشر شهراً، وقال آخرون: بل سنتان.

الوجه الثاني: قول أبي مسلم وهو أنه لما صح الخبر بأن الله تعالى حوله عن بيت المقدس إلى الكعبة وجب القول به، ولولا ذلك لاحتمل لفظ الآية أن يراد بقوله كانوا عليها، أي السفهاء كانوا عليها فإنهم كانوا لا يعرفون إلا قبلة اليهود وقبلة النصارى، فالأولى إلى المغرب والثانية إلى المشرق، وما جرت عادتهم بالصلاة حتى يتوجهوا إلى شيء من الجهات فلما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم متوجهاً نحو الكعبة كان ذلك عندهم مستنكراً، فقالوا: كيف يتوجه أحد إلى هاتين الجهتين المعروفتين، فقال الله تعالى راداً عليهم؛ ﴿ قُل لِّلَّهِ المشرق والمغرب ﴾ واعلم أن أبا مسلم صدق فإنه لولا الروايات الظاهرة لكان هذا القول محتملاً والله أعلم.

المسألة الثالثة: قال القفال: القبلة هي الجهة التي يستقبلها الإنسان، وهي من المقابلة، وإنما سميت القبلة قبلة لأن المصلي يقابلها وتقابله، وقال قطرب: يقولون في كلامهم ليس لفلان قبلة، أي ليس له جهة يأوي إليها، وهو أيضاً مأخوذ من الإستقبال، وقال غيره: إذ تقابل الرجلان فكل واحد منهما قبلة للآخر، وقال بعض المحدثين: جعلت مأواك لي قراراً *** وقبلة حيثما لجأت أما قوله تعالى: ﴿ قُل لّلَّهِ المشرق والمغرب ﴾ فاعلم أن هذا هو الجواب الأول عن تلك الشبهة، وتقريره أن الجهات كلها لله ملكاً وملكاً، فلا يستحق شيء منها لذاته أن يكون قبلة، بل إنما تصير قبلة لأن الله تعالى جعلها قبلة، وإذا كان الأمر كذلك فلا اعتراض عليه بالتحويل من جهة إلى جهة أخرى، فإن قيل: ما الحكمة أولاً في تعيين القبلة؟

ثم ما الحكمة في تحويل القبلة من جهة إلى جهة؟

قلنا: أما المسألة الأولى ففيها الخلاف الشديد بين أهل السنة والمعتزلة، أما أهل السنة فإنهم يقولون: لا يجب تعليل أحكام الله تعالى ألبتة، واحتجوا عليه بوجوه: أحدها: أن كل من فعل فعلاً لغرض، فإما أن يكون وجود ذلك الغرض أولى له من لا وجوده، وإما أن لا يكون كذلك، بل الوجود والعدم بالنسبة إليه سيان، فإن كان الأول، كان ناقصاً لذاته مستكملاً بغيره، وذلك على الله محال، وإن كان الثاني استحال أن يكون غرضاً ومقصوداً ومرجحاً فإن قيل: إنه وإن كان وجوده وعدمه بالنسبة إليه على السوية إلا أن وجوده لما كان أنفع للغير من عدمه، فالحكيم يفعله ليعود النفع إلى الغير قلنا: عود النفع إلى الغير ولا عوده إليه، هل هما بالنسبة إلى الله تعالى على السواء، أو ليس الأمر كذلك، وحينئذ يعود التقسيم.

وثانيها: أن كل من فعل فعلاً لغرض فإما أن يكون قادراً على تحصيل ذلك الغرض من دون تلك الواسطة، أو لا يكون قادراً عليه.

فإن كان الأول كان توسط تلك الواسطة عبثاً، وإن كان الثاني كان عجزاً وهو على الله محال.

وثالثها: أنه تعالى إن فعل فعلاً لغرض فذلك الغرض وإن كان قديماً لزم من قدمه قدم الفعل وهو محال، وإن كان محدثاً توقف إحداثه على غرض آخر، ولزم الدور أو التسلسل وهو محال.

ورابعها: أن تخصيص إحداث العالم بوقت معين دون ما قبله وما بعده إن كان لحكمة اختص بها ذلك الوقت دون ما قبله وما بعده كان طلب العلة في أنه لم حصلت تلك الحكمة في ذلك الوقت دون سائر الأوقات كطلب العلة في أنه لم حصل العالم في ذلك الوقت دون سائر الأوقات، فإن استغنى أحدهما عن المرجح فكذا الآخر، وإن افتقر فكذا الآخر وإن لم يتوقف ذلك على الحكمة فقد بطل توقيف فاعلية الله على الحكمة والغرض.

وخامسها: ما سبق من الدلائل على أن جميع الكائنات من الخير والشر، والكفر والإيمان، والطاعة والعصيان واقع بقدرة الله تعالى وإرادته، وذلك يبطل القول بالغرض، لأنه يستحيل أن يكون لله غرض يرجع إلى العبد في خلق الكفر فيه وتعذيبه عليه أبد الآباد.

وسادسها: أن تعلق قدرة الله تعالى وإرادته بإيجاد الفعل المعين في الأزل، إما أن يكون جائزاً أو واجباً، فإن كان جائزاً افتقر إلى مؤثر آخر ويلزم التسلسل، ولأنه يلزم صحة العدم على القديم، وإن كان واجباً فالواجب لا يعلل فثبت عندنا بهذه الوجوه أن تعليل أفعال الله وأحكامه بالدواعي والأغراض محال، وإذا كان كذلك كانت فاعليته بمحض الإلهية والقدرة والنفاذ والاستيلاء، وهذا هو الذي دل عليه صريح قوله تعالى: ﴿ قُل لّلَّهِ المشرق والمغرب ﴾ فإنه علل جواز النسخ بكونه مالكاً للمشرق والمغرب، والملك يرجع حاصله إلى القدرة، ولم يعلل ذلك بالحكمة على ما تقوله المعتزلة، فثبت أن هذه الآية دالة بصريحها على قولنا ومذهبنا، أما المعتزلة فقد قالوا: لما دلت الدلائل على أنه تعالى حكيم، والحكيم لا يجوز أن تكون أفعاله خالية عن الأغراض، علمنا أن له سبحانه في كل أفعاله وأحكامه حكماً وأغراضاً، ثم إنها تارة تكون ظاهرة جلية لنا، وتارة مستورة خفية عنا، وتحويل القبلة من جهة إلى جهة أخرى يمكن أن يكون لمصالح خفية وأسرار مطوية عنا، وإذا كان الأمر كذلك: استحال الطعن بهذا التحويل في دين الإسلام.

المسألة الرابعة: في الكلام في تلك الحكم على سبيل التفصيل، واعلم أن أمثال هذه المباحث لا تكون قطعية، بل غايتها أن تكون أموراً احتمالية أما تعيين القبلة في الصلاة فقد ذكروا فيه حكماً.

أحدها: أن الله تعالى خلق في الإنسان قوة عقلية مدركة للمجردات والمعقولات، وقوة خيالية متصرفة في عالم الأجساد، وقلما تنفك القوة العقلية عن مقارنة القوة الخيالية ومصاحبتها، فإذا أراد الإنسان استحضار أمر عقلي مجرد وجب أن يضع له صورة خيالية يحسبها حتى تكون تلك الصورة الخيالية معينة على إدراك تلك المعاني العقلية، ولذلك فإن المهندس إذا أراد إدراك حكم من أحكام المقادير، وضع له صورة معينة وشكلاً معيناً ليصير الحس والخيال معينين للعقل على إدراك ذلك الحكم الكلي، ولما كان العبد الضعيف إذا وصل إلى مجلس الملك العظيم، فإنه لابد وأن يستقبله بوجهه، وأن لا يكون معرضاً عنه، وأن يبالغ في الثناء عليه بلسانه، ويبالغ في الخدمة والتضرع له، فاستقبال القبلة في الصلاة يجري مجرى كونه مستقبلاً للملك لا معرضاً عنه، والقراءة والتسبيحات تجري مجرى الثناء عليه والركوع والسجود يجري مجرى الخدمة.

وثانيها: أن المقصود من الصلاة حضور القلب وهذا الحضور لا يحصل إلا مع السكون وترك الالتفات والحركة، وهذا لا يتأتى إلا إذا بقي في جميع صلاته مستقبلاً لجهة واحدة على التعيين، فإذا اختص بعض الجهات بمزيد شرف في الأوهام، كان استقبال تلك الجهة أولى.

وثالثها: أن الله تعالى يحب الموافقة والألفة بين المؤمنين، وقد ذكر المنة بها عليهم، حيث قال: ﴿ واذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ  ﴾ إلى قوله: ﴿ إِخْوَانًا  ﴾ ولو توجه كل واحد في صلاته إلى ناحية أخرى، لكان ذلك يوهم اختلافاً ظاهراً، فعين الله تعالى لهم جهة معلومة، وأمرهم جميعاً بالتوجه نحوها، ليحصل لهم الموافقة بسبب ذلك، وفيه إشارة إلى أن الله تعالى يحب الموافقة بين عباده في أعمال الخير.

ورابعها: أن الله تعالى خص الكعبة بإضافتها إليه في قوله: ﴿ بَيْتِىَ ﴾ وخص المؤمنين باضافتهم بصفة العبودية إليه، وكلتا الإضافتين للتخصيص والتكريم فكأنه تعالى قال: يا مؤمن أنت عبدي، والكعبة بيتي، والصلاة خدمتي، فأقبل بوجهك في خدمتي إلى بيتي، وبقلبك إلي.

وخامسها: قال بعض المشايخ: إن اليهود استقبلوا القبلة لأن النداء لموسى عليه السلام جاء منه، وذلك قوله: ﴿ وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الغربى  ﴾ الآية، والنصارى استقبلوا المغرب، لأن جبريل عليه السلام إنما ذهب إلى مريم عليها السلام من جانب المشرق، لقوله تعالى: ﴿ واذكر فِي الكتاب مَرْيَمَ إِذِ انتبذت مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً  ﴾ والمؤمنون استقبلوا الكعبة لأنها قبلة خليل الله، ومولد حبيب الله، وهي موضع حرم الله، وكان بعضهم يقول: استقبلت النصارى مطلع الأنوار، وقد استقبلنا مطلع سيد الأنوار، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، فمن نوره خلقت الأنوار جميعاً.

وسادسها: قالوا: الكعبة سرة الأرض ووسطها، فأمر الله تعالى جميع خلقه بالتوجه إلى وسط الأرض في صلاتهم، وهو إشارة إلى أنه يجب العدل في كل شيء، ولأجله جعل وسط الأرض قبلة للخلق.

وسابعها: أنه تعالى أظهر حبه لمحمد عليه الصلاة والسلام بواسطة أمره باستقبال الكعبة، وذلك لأنه عليه الصلاة والسلام كان يتمنى ذلك مدة لأجل مخالفة اليهود، فأنزل الله تعالى: ﴿ قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السماء  ﴾ الآية، وفي الشاهد إذا وصف واحد من الناس بمحبة آخر قالوا: فلان يحول القبلة لأجل فلان على جهة التمثيل، فالله تعالى قد حول القبلة لأجل حبيبه محمد عليه الصلاة والسلام على جهة التحقيق، وقال: ﴿ فَلَنُوَلّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا  ﴾ ولم يقل قبلة أرضاها، والإشارة فيه كأنه تعالى قال: يا محمد كل أحد يطلب رضاي وأنا أطلب رضاك في الدارين، أما في الدنيا فهذا الذي ذكرناه وأما في الآخرة فقوله تعالى: ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى  ﴾ وفيه إشارة أيضاً إلى شرف الفقراء: ﴿ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظالمين  ﴾ وقال في الإعراض عن القبلة: ﴿ وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءَهُم مّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ العلم إِنَّكَ إِذَا لَّمِنَ الظالمين  ﴾ فكأنه تعالى قال: الكعبة قبلة وجهك، والفقراء قبلة رحمتي، فإعراضك عن قبلة وجهك، يوجب كونك ظالماً، فالأعراض عن قبلة رحمتي كيف يكون.

وثامنها: العرش قبلة الحملة، والكرسي قبلة البررة، والبيت المعمور قبلة السفرة، والكعبة قبلة المؤمنين، والحق قبلة المتحيرين من المؤمنين، قال الله تعالى: ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله  ﴾ وثبت أن العرش مخلوق من النور، والكرسي من الدر، والبيت المعمور من الياقوت، والكعبة من جبال خمسة: من طور سينا، وطور زيتا، والجودي، ولبنان، وحراء، والإشارة فيه كأن الله تعالى يقول: إن كانت عليك ذنوب بمثقال هذه الجبال فأتيت الكعبة حاجاً أو توجهت نحوها مصلياً كفرتها عنك وغفرتها لك فهذا جملة الوجوه المذكورة في هذا الباب، والتحقيق هو الأول.

المسألة الخامسة: في حكمة تحويل القبلة من جهة إلى جهة، قد ذكرنا شبهة القوم في إنكار هذا التحويل، وهي أن الجهات لما كانت متساوية في جميع الصفات كان تحويل القبلة من جهة إلى جهة مجرد العبث، فلا يكون ذلك من فعل الحكيم.

والجواب عنه: أما على قول أهل السنة: إنه لا يجب تعليل أحكام الله تعالى بالحكم فالأمر ظاهر، وأما على قول المعتزلة فلهم طريقان.

الأول: أنه لا يمتنع اختلاف المصالح بحسب اختلاف الجهات، وبيانه من وجوه: أحدها: أنه إذا ترسخ في أوهام بعض الناس أن هذه الجهات أشرف من غيرها بسبب أن هذا البيت بناه الخليل وعظمه، كان هذا الإنسان عند استقباله أشد تعظيماً وخشوعاً، وذلك مصلحة مطلوبة.

وثانيها: أنه لما كان بناء هذا البيت سبباً لظهور دولة العرب كانت رغبتهم في تعظيمه أشد.

وثالثها: أن اليهود لما كانوا يعيرون المسلمين عند استقبال بيت المقدس بأنه لولا أنا أرشدناكم إلى القبلة لما كنتم تعرفون القبلة، فصار ذلك سبباً لتشويش الخواطر، وذلك مخل بالخضوع والخشوع، فهذا يناسب الصرف عن تلك القبلة.

ورابعها: أن الكعبة منشأ محمد صلى الله عليه وسلم، فتعظيم الكعبة يقتضي تعظيم محمد عليه الصلاة والسلام، وذلك أمر مطلوب لأنه متى رسخ في قلبهم تعظيمه، كان قبولهم لأوامره ونواهيه في الدين والشريعة أسرع وأسهل، والمفضي إلى المطلوب مطلوب، فكان تحويل القبلة مناسباً.

وخامسها: أن الله تعالى بين ذلك في قوله: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا القبلة التى كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرسول مِمَّن يَنقَلِبُ على عَقِبَيْهِ  ﴾ فأمرهم الله تعالى حين كانوا بمكة أن يتوجهوا إلى بيت المقدس ليتميزوا عن المشركين، فلما هاجروا إلى المدينة وبها اليهود، أمروا بالتوجه إلى الكعبة ليتميزوا عن اليهود.

أما قوله: ﴿ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ ﴾ فالهداية قد تقدم القول فيها، قالت المعتزلة: إنما هي الدلالة الموصلة، والمعنى أنه تعالى يدل على ما هو للعبادة أصلح، والصراط المستقيم هو الذي يؤديهم إذا تمسكوا به إلى الجنة، قال أصحابنا: هذه الهداية إما أن يكون المراد منها الدعوة أو الدلالة أو تحصيل العلم فيه، والأولان باطلان، لأنهما عامان لجميع المكلفين فوجب حمله على الوجه الثالث وذلك يقتضي بأن الهداية والإضلال من الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ سَيَقُولُ السفهاء ﴾ الخفاف الأحلام وهم اليهود لكراهتهم التوجه إلى الكعبة، وأنهم لا يرون النسخ.

وقيل: المنافقون، لحرصهم على الطعن والاستهزاء.

وقيل: المشركون، قالوا: رغب عن قبلة آبائه ثم رجع إليها، والله ليرجعن إلى دينهم.

فإن قلت: أي فائدة في الإخبار بقولهم قبل وقوعه؟

قلت: فائدته أن مفاجأة المكروه أشدّ، والعلم به قبل وقوعه أبعد من الاضطراب إذا وقع لما يتقدّمه من توطين النفس، وأنّ الجواب العتيد قبل الحاجة إليه أقطع للخصم وأرد لشغبه، وقبل الرمي يراش السهم ﴿ مَا ولاهم ﴾ ما صرفهم ﴿ عَن قِبْلَتِهِمُ ﴾ وهي بيت المقدس ﴿ لّلَّهِ المشرق والمغرب ﴾ أي بلاد المشرق والمغرب والأرض كلها ﴿ يَهْدِى مَن يَشَآءُ ﴾ من أهلها ﴿ إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ ﴾ وهو ما توجبه الحكمة والمصلحة، من توجيههم تارة إلى بيت المقدس، وأخرى إلى الكعبة ﴿ وكذلك جعلناكم ﴾ ومثل ذلك الجعل العجيب جعلناكم ﴿ أُمَّةً وَسَطًا ﴾ خياراً، وهي صفة بالاسم الذي هو وسط الشيء.

ولذلك استوى فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث.

ونحوه قوله عليه السلام: «وأنطوا الثبجة» يريد الوسيطة بين السمينة والعجفاء وصفاً بالثَّج وهو: وسط الظهر، إلا أنه ألحق تاء التأنيث مراعاة لحق الوصف.

وقيل: للخيار: وسط لأنّ الأطراف يتسارع إليها الخلل، والأعوار والأوساط محمية محوّطة.

ومنه قول الطائي: كَانَتْ هِيَ الْوَسَط المَحْمِيَّ فَاكْتَنفَتْ ** بِهَا الْحَوَادِثُ حَتَّى أَصْبَحَتْ طَرَفَا وقد اكتريت بمكة جمل أعرابي للحج فقال: أعطني من سطاتهنه، أراد من خيار الدنانير.

أو عدولاً، لأنّ الوسط عدل بين الأطراف ليس إلى بعضها أقرب من بعض ﴿ لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس ﴾ روي: (أنّ الأمم يوم القيامة يجحدون تبليغ الأنبياء، فيطالب الله الأنبياء بالبينة على أنهم قد بلغوا وهو أعلم، فيؤتى بأمّة محمد صلى الله عليه وسلم فيشهدون، فتقول الأمم: من أين عرفتم؟

فيقولون علمنا ذلك بإخبار الله في كتابه الناطق على لسان نبيه الصادق، فيؤتى بمحمد صلى الله عليه وسلم فيسأل عن حال أمته، فيزكيهم ويشهد بعدالتهم) وذلك قوله تعالى: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هَؤُلاء شَهِيداً ﴾ [النساء: 41] .

فإن قلت: فهلا قيل لكم شهيداً وشهادته لهم لا عليهم.

قلت: لما كان الشهيد كالرقيب والمهيمن على المشهود له، جيء بكلمة الاستعلاء.

ومنه قوله تعالى: ﴿ والله على كُلّ شَيْء شَهِيدٌ ﴾ [المجادلة: 7] ، ﴿ كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ على كُلّ شَيْء شَهِيدٌ ﴾ [المائدة: 17] .

وقيل: لتكونوا شهداء على الناس في الدنيا فيما لا يصح إلا بشهادة العدول الأخيار ﴿ وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ يزكيكم ويعلم بعدالتكم، فإن قلت: لم أخرت صلة الشهادة أولاً وقدّمت آخراً؟

قلت: لأن الغرض في الأول إثبات شهادتهم على الأمم، وفي الآخر اختصاصهم بكون الرسول شهيداً عليهم ﴿ التى كُنتَ عَلَيْهَا ﴾ ليست بصفة للقبلة إنما هي ثاني مفعولي جعل.

يريد: وما جعلنا القبلة الجهة التي كنت عليها وهي الكعبة، لأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلّي بمكة إلى الكعبة، ثم أمر بالصلاة إلى صخرة بيت المقدس بعد الهجرة تألفاً لليهود، ثم حوّل إلى الكعبة فيقول: وما جعلنا القبلة التي تجب أن تستقبلها الجهة التي كنت عليها أوّلاً بمكة، يعني: وما رددناك إليها إلا امتحاناً للناس وابتلاء ﴿ لَنَعْلَمُ ﴾ الثابت على الإسلام الصادق فيه، ممن هو على حرف ينكُص ﴿ على عَقِبَيْهِ ﴾ لقلقه فيرتدّ كقوله: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ الآية.

ويجوز أن يكون بياناً للحكمة في جعل بيت المقدس قبلته.

يعني أنّ أصل أمرك أن تستقبل الكعبة، وأن استقبالك بيت المقدس كان أمراً عارضاً لغرض.

وإنما جعلنا القبلة الجهة التي كنت عليها قبل وقتك هذا وهي بيت المقدس، لنمتحن الناس وننظر من يتبع الرسول منهم ومن لا يتبعه وينفر عنه.

وعن ابن عباس رضي الله عنه: (كانت قبلته بمكة بيت المقدس إلا أنه كان يجعل الكعبة بينه وبينه) فإن قلت: كيف قال ﴿ لِنَعْلَمَ ﴾ ولم يزل عالماً بذلك؟

قلت: معناه: لنعلمه علماً يتعلق به الجزاء، وهو أن يعلمه موجوداً حاصلاً ونحوه: ﴿ وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جاهدوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصابرين ﴾ [التوبة: 16] .

وقيل: ليعلم رسول الله والمؤمنون.

وإنَما أسند علمهم إلى ذاته، لأنهم خواصه وأهل الزلفى عنده.

وقيل: معناه لنميز التابع من الناكص، كما قال: ﴿ لِيَمِيزَ الله الخبيث مِنَ الطيب ﴾ [الأنفال: 37] فوضع العلم موضع التمييز لأنّ العلم به يقع التمييز به ﴿ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً ﴾ هي إن المخففة التي تلزمها اللام الفارقة.

والضمير في ﴿ كَانَتْ ﴾ لما دلّ عليه قوله: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا القبلة التى كُنتَ عَلَيْهَا ﴾ من الردّة، أو التحويلة، أو الجعلة.

ويجوز أن يكون للقبلة ﴿ لَكَبِيرَةٌ ﴾ لثقيلة شاقة ﴿ إِلاَّ عَلَى الذين هَدَى الله ﴾ إلا على الثابتين الصادقين في اتباع الرسول الذين لطف الله بهم وكانوا أهلاً للطفه ﴿ وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إيمانكم ﴾ أي ثباتكم على الإيمان وأنكم لم تزلّوا ولم ترتابوا، بل شكر صنيعكم وأعدّ لكم الثواب العظيم.

ويجوز أن يراد: وما كان الله ليترك تحويلكم لعلمه أن تركه مفسدة وإضاعة لإيمانكم.

وقيل: من كان صلى إلى بيت المقدس قبل التحويل فصلاته غير ضائعة.

عن ابن عباس رضي الله عنه: لما وجه رسول الله إلى الكعبة قالوا: كيف بمن مات قبل التحويل من إخواننا فنزلت.

﴿ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ لا يضيع أجورهم ولا يترك ما يصلحهم.

ويحكى عن الحجاج أنه قال للحسن: ما رأيك في أبي تراب، فقرأ قوله: ﴿ إِلاَّ عَلَى الذين هَدَى الله ﴾ ثم قال: وعليٌّ منهم، وهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنه على ابنته، وأقرب الناس إليه، وأحبهم.

وقرئ: ﴿ إلا لِيُعْلِمَ ﴾ على البناء للمفعول.

ومعنى العلم: المعرفة.

ويجوز أن تكون (من) متضمنة لمعنى الاستفهام معلقاً عنها العلم، كقولك: علمت أزيد في الدار أم عمرو.

وقرأ ابن أبي إسحاق ﴿ على عقبيه ﴾ بسكون القاف.

وقرأ اليزيدي ﴿ لكبيرة ﴾ بالرفع.

ووجهها أن تكون (كان) مزيدة، كما في قوله: وَجِيْرَانٍ لَنَا كانُوا كِرَامِ والأصل: وإن هي لكبيرةٌ كقولك: إن زيد لمنطلق ثم وإن كانت لكبيرة وقرئ: ﴿ ليضيع ﴾ بالتشديد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ﴾ الَّذِينَ خَفَّتَ أحْلامُهُمْ، واسْتَمْهَنُوها بِالتَّقْلِيدِ والإعْراضِ عَنِ النَّظَرِ.

يُرِيدُ بِهِ المُنْكِرِينَ لِتَغْيِيرِ القِبْلَةِ مِنَ المُنافِقِينَ واليَهُودِ والمُشْرِكِينَ.

وفائِدَةُ تَقْدِيمِ الإخْبارِ بِهِ تَوْطِينُ النَّفْسِ وإعْدادُ الجَوابِ وإظْهارُ المُعْجِزَةِ.

﴿ ما ولاهُمْ ﴾ ما صَرَفَهم.

﴿ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها ﴾ يَعْنِي بَيْتَ المَقْدِسِ، والقِبْلَةُ في الأصْلِ الحالَةُ الَّتِي عَلَيْها الإنْسانُ مِنَ الِاسْتِقْبالِ، فَصارَتْ عُرْفًا لِلْمَكانِ المُتَوَجَّهِ نَحْوَهُ لِلصَّلاةِ ﴿ قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ ﴾ لا يَخْتَصُّ بِهِ مَكانٌ دُونَ مَكانٍ بِخاصِّيَّةٍ ذاتِيَّةٍ تَمْنَعُ إقامَةَ غَيْرِهِ مَقامَهُ، وإنَّما العِبْرَةُ بِارْتِسامِ أمْرِهِ لا بِخُصُوصِ المَكانِ ﴿ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ وهو ما تَرْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، وتَقْتَضِيهِ المَصْلَحَةُ مِنَ التَّوَجُّهِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ تارَةً والكَعْبَةِ أُخْرى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢)

{سَيَقُولُ السفهاء مِنَ الناس} الخفاف الأحلام فأصل السفه الخفة وهم اليهود لكراهتمهم التوجه إلى الكعبة وأنهم لا يرون النسخ أو المنافقون لحرصهم على الطعن والاستهزاء اوالمشركون لقولهم رغب عن قبلة آبائه ثم رجع إليها والله ليرجعن إلى دينهم وفائدة الإخبار بقولهم قبل وقوعه توطين النفس إذ المفاجأة بالمكروه أشد وعداد الجواب قبل الحاجة إليه أقطع للخصم فقيل الرمي يراش السهم {مَا ولاهم} ما صرفهم {عَن قِبْلَتِهِمُ التى كَانُواْ عَلَيْهَا} يعنون بيت المقدس والقبلة الجهة التي يستقبلها الإنسان في الصلاة لأن المصلي يقابلها {قُل لّلَّهِ المشرق والمغرب} أى بلاد الشرق والمغرب والأرض كلها له {يَهْدِى مَن يَشَآءُ} من أهلها {إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ} طريق مستوٍ أي يرشد من يشاء إلى قبلة الحق وهي الكعبة التي أمرنا بالتوجه

إليها أو الأماكن كلها لله فيأمر بالتوجه إلى حيث شاء فتارة الكعبة وطورا إلى البيت المقدس لا اعتراض عليه لأنه المالك وحده

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ سَيَقُولُ السُّفَهاءُ ﴾ أيِ الخِفافُ الأحْلامِ أوِ المُسْتَمْهِنُوها بِالتَّقْلِيدِ المَحْضِ والإعْراضِ عَنِ التَّدَبُّرِ والمُتَبادِرُ مِنهم ما يَشْمَلُ سائِرَ المُنْكِرِينَ لِتَغَيُّرِ القِبْلَةِ مِنَ المُنافِقِينَ واليَهُودِ والمُشْرِكِينَ، ورُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ الِاقْتِصارُ عَلى الأوَّلِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ الِاقْتِصارُ عَلى الثّانِي، وعَنِ الحَسَنِ الِاقْتِصارُ عَلى الثّالِثِ، ولَعَلَّ المُرادَ بَيانُ طائِفَةٍ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في حَقِّهِمْ لا حَمْلُ الآيَةِ عَلَيْها؛ لِأنَّ الجَمْعَ فِيها مُحَلّى بِاللّامِ وهو يُفِيدُ العُمُومَ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الكُلُّ، والتَّخْصِيصُ بِالبَعْضِ يَدْعُو إلَيْهِ داعٍ، وتَقْدِيمُ الإخْبارِ بِالقَوْلِ عَلى الوُقُوعِ لِتَوْطِينِ النَّفْسِ بِهِ، فَإنَّ مُفاجَأةَ المَكْرُوهِ أشَدُّ إيلامًا، والعِلْمَ بِهِ قَبْلَ الوُقُوعِ أبْعَدُ مِنَ الِاضْطِرابِ، ولِما أنَّ فِيهِ إعْدادَ الجَوابِ، والجَوابُ المُعَدُّ قَبْلَ الحاجَةِ إلَيْهِ أقْطَعُ لِلْخَصْمِ، وفي المَثَلِ: قَبْلَ الرَّمْيِ يُراشُ السَّهْمُ.

ولِيَكُونَ الوُقُوعُ بَعْدَ الإخْبارِ مُعْجِزَةً لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: إنَّ الوَجْهَ في التَّقْدِيمِ هو التَّعْلِيمُ والتَّنْبِيهُ عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ أثَرُ السَّفاهَةِ، فَلا يُبالى بِهِ، ولا يُتَألَّمُ مِنهُ، ويُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ التَّعْلِيمَ والتَّنْبِيهَ المَذْكُورَيْنِ يَحْصُلانِ بِمُجَرَّدِ ذِكْرِ هَذا السُّؤالِ والجَوابِ ولَوْ بَعْدَ الوُقُوعِ.

وقالَ القَفّالُ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ، وإنَّ لَفْظَ ”سَيَقُولُ“ مُرادٌ مِنهُ الماضِيَ، وهَذا كَما يَقُولُ الرَّجُلُ إذا عَمِلَ عَمَلًا فَطَعَنَ فِيهِ بَعْضُ أعْدائِهِ: أنا أعْلَمُ أنَّهم سَيَطْعَنُونَ فِيَّ كَأنَّهُ يُرِيدُ أنَّهُ إذا ذَكَرَ مَرَّةً فَيَذْكُرُونَهُ مَرّاتٍ أُخْرى، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما رَواهُ البُخارِيُّ عَنِ البَراءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «لِما قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ المَدِينَةَ فَصَلّى نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يُحِبُّ أنْ يَتَوَجَّهَ نَحْوَ الكَعْبَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَقالَ السُّفَهاءُ وهُمُ اليَهُودُ ﴿ ما ولاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ،» وفي رِوايَةِ أبِي إسْحاقَ وعُبَيْدِ بْنِ حُمَيْدٍ وأبِي حاتِمٍ عَنْهُ زِيادَةٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ سَيَقُولُ السُّفَهاءُ ﴾ إلَخْ.

ومُناسَبَةُ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّ الأُولى قَدْحٌ في الأُصُولِ، وهَذا في أمْرٍ مُتَعَلِّقٍ بِالفُرُوعِ، وإنَّما لَمْ يَعْطِفْ تَنْبِيهًا عَلى اسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنهُما في الشَّناعَةِ.

﴿ مِنَ النّاسِ ﴾ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمُرادُ مِنهُمُ الجِنْسُ، وفائِدَةُ ذِكْرِهِ التَّنْبِيهُ عَلى كَمالِ سَفاهَتِهِمْ بِالقِياسِ إلى الجِنْسِ، وقِيلَ: الكَفَرَةُ، وفائِدَتُهُ بَيانُ أنَّ ذَلِكَ القَوْلَ المَحْكِيَّ لَمْ يَصْدُرْ عَنْ كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِن تِلْكَ الطَّوائِفِ، بَلْ عَنْ أشْقِيائِهِمُ المُعْتادِينَ لِلْخَوْضِ في آسِنِ الفَسادِ، والأوَّلُ أوْلى كَما لا يَخْفى.

﴿ ما ولاهُمْ ﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ صَرَفَهم، وأصْلُهُ مِنَ الوَلِيِّ، وهو حُصُولُ الثّانِي بَعْدَ الأوَّلِ مِن غَيْرِ فَصْلٍ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ.

﴿ عَنْ قِبْلَتِهِمُ ﴾ يَعْنِي بَيْتَ المَقْدِسِ، وهي فِعْلَةٌ مِنَ المُقابَلَةِ، كالوِجْهَةِ مِنَ الواجِهَةِ، وأصْلُها الحالَةُ الَّتِي كانَ عَلَيْها المُقابِلُ، إلّا أنَّها في العُرْفِ العامِّ اسْمٌ لِلْمَكانِ المُقابِلِ المُتَوَجَّهِ إلَيْهِ لِلصَّلاةِ.

﴿ الَّتِي كانُوا عَلَيْها ﴾ أيْ عَلى اسْتِقْبالِها، والمَوْصُولُ صِفَةُ القِبْلَةِ، وفي وصْفِها بِذَلِكَ بَعْدَ إضافَتِها إلى ضَمِيرِ المُسْلِمِينَ تَأْكِيدٌ لِلْإنْكارِ، ومَدارُ هَذا الإنْكارِ بِالنِّسْبَةِ إلى اليَهُودِ زَعْمُهُمُ اسْتِحالَةَ النَّسْخِ، وكَراهَتُهم مُخالَفَتَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَهم في القِبْلَةِ، حَتّى أنَّهم قالُوا لَهُ: ارْجِعْ إلى قِبْلَتِنا نَتَّبِعْكَ ونُؤْمِن بِكَ، ولَعَلَّهم ما أرادُوا بِذَلِكَ إلّا فِتْنَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وبِالنِّسْبَةِ إلى مُشْرِكِي العَرَبِ القَصْدُ إلى الطَّعْنِ في الدِّينِ وإظْهارُ أنَّ كُلًّا مِنَ التَّوَجُّهِ إلَيْها والِانْصِرافِ عَنْها بِغَيْرِ داعٍ إلَيْهِ حَتّى أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: إنَّهُ رَغِبَ عَنْ قِبْلَةِ آبائِهِ ثُمَّ رَجَعَ إلَيْها، ولَيَرْجِعَنَّ إلى دِينِهِمْ أيْضًا، وبِالنِّسْبَةِ إلى المُنافِقِينَ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلافِ أُصُولِهِمْ، فَإنَّ فِيهِمُ اليَهُودَ وغَيْرَهم، واخْتَلَفَ النّاسُ في مُدَّةِ بَقائِهِ مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ المَقْدِسِ؛ فَفي رِوايَةِ البُخارِيِّ ما عَلِمْتَ، وفي رِوايَةِ مالِكِ بْنِ أنَسٍ تِسْعَةُ أشْهُرٍ أوْ عَشَرَةُ أشْهُرٍ، وعَنْ مُعاذٍ ثَلاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وعَنِ الصّادِقِ سَبْعَةُ أشْهُرٍ، وهَلِ اسْتَقْبَلَ غَيْرُهُ قَبْلُ بِمَكَّةَ أمْ لا ؟

قَوْلانِ أشْهَرُهُما الثّانِي، وهو المَرْوِيُّ أيْضًا عَنِ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.

﴿ قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ ﴾ أيْ جَمِيعُ الأمْكِنَةِ والجِهاتِ مَمْلُوكَةٌ لَهُ تَعالى، مُسْتَوِيَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ عَزَّ شَأْنُهُ لا اخْتِصاصَ لِشَيْءٍ مِنها بِهِ جَلَّ وعَلا، إنَّما العِبْرَةُ لِامْتِثالِ أمْرِهِ، فَلَهُ أنْ يُكَلِّفَ عِبادَهُ بِاسْتِقْبالِ أيِّ مَكانٍ وأيِّ جِهَةٍ شاءَ ﴿ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ أيْ طَرِيقٍ مُسْتَوٍ، وهو ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ مِنَ التَّوَجُّهِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ تارَةً وإلى الكَعْبَةِ أُخْرى، والجُمْلَةُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِمّا تَقَدَّمَ، وهو إشارَةٌ إلى مُصَحِّحِ التَّوْلِيَةِ، وهَذا إلى مُرَجِّحِها كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ لِلتَّوْلِيَةِ المَذْكُورَةِ هِدايَةً يَخُصُّ اللَّهُ تَعالى بِها مَن يَشاءُ ويَخْتارُ مِن عِبادِهِ، وقَدْ خَصَّنا بِها فَلَهُ الحَمْدُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ، يعني الجهال وهم اليهود والمنافقون.

ويقال: هم أهل مكة: مَا وَلَّاهُمْ؟

أي يقولوا: ما الذي صرفهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها؟

يعني التي صلوا إليها من قبل وذلك أن الأنصار قبل قدوم النبيّ  بسنتين كانوا يصلون إلى بيت المقدس، فَلَمَّا قدم النبيّ  المدينة، صلى إلى بيت المقدس ثمانية عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، ثم أمر بالتحويل إلى مكة.

فقال أهل مكة: رجع محمد إلى قبلتنا، فعن قريب يرجع إلى ديننا فأنزل الله تعالى قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ، يقول: إن الصلاة إلى بيت المقدس والصلاة إلى الكعبة لله إذا كان بأمر الله.

يَهْدِي مَنْ يَشاءُ، أي يرشد من يشاء إلى قبلة الكعبة إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أي ديناً يرضاه.

روي عن أبي العالية الرياحي أنه قال: رأيت مسجد صالح النبيّ  وقبلته إلى الكعبة.

قال: وكان موسى-  - يصلي من الصخرة إلى الكعبة، وهي قبلة الأنبياء كلهم، صلوات الله عليهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

إنَّ الأنبياء المذكُورين على اليهوديَّة والنصرانية، كَذَبوا لأنه قد عُلِمَ أن هذين الدينَيْن حَدَثَا بعدهم، وإِن قالوا: لم يكونوا على اليهودية والنصرانية، قيل لهم: فهلُمُّوا إِلى دينهم إِذ تقرّون بالحق.

وقوله تعالى: قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ تقريرٌ على فساد دعواهم إذ لا جواب لمفطورٍ إلا أن اللَّه تعالى أعلم، وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً، أيْ: لا أحد أظلم منه، وإياهم أراد تعالى بكتمانِ الشهادةِ، قال مجاهد وغيره: فالذي كتموه هو ما في كتبِهِمْ مِنْ أنَّ الأنبياء على الحنيفيَّة، لا على ما ادعوه «١» ، وقال قتادةُ وغيره: هو ما عندهم من الأمر بتصديق النبيّ صلّى الله عليه وسلم «٢» والأولُ أشبه بسياقِ الآيةِ، «ومِن» متعلِّقةٌ ب «عِنْده» ، ويحتمل أن تتعلق ب «كَتَمَ» .

وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ ...

الآيةَ: فيه وعيد وإِعلام أنه لا يترك أمرهم سدًى، والغافل:

الذي لا يفطنُ للأمور إهْمالاً منه، مأخوذ من الأرض الغُفْلِ، وهي التي لا مَعْلَمَ بها.

وقوله تعالى تِلْكَ أُمَّةٌ ...

الآية: كرَّرها عن قرب لأنها تضمَّنت معنى التهْديدِ والتخويفِ، ولترداد ذكرهم أيضا في معنى غير الأول.

سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢) وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)

قوله تعالى: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ...

الآية: اختلف في تعْيينِ هؤلاء السفهاءِ، فقال ابن عبَّاس: هم الأحبارُ، وذلك أنهم جاءوا إِلى النبيّ صلّى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمَّد، ما ولاَّك عَنْ قبلتنا، ارجع إليها، ونؤمنْ بك «٣» ، يريدُونَ فتنتَهُ، وقيل: اليهود والمنافقُونَ، وقالت فرقة: هم كفّار قريش.

ووَلَّاهُمْ: معناه: صرفهم، ويَهْدِي مَنْ يَشاءُ: إِشارة إِلى هداية اللَّه تعالى هذه الأمة إلى قبلة إِبراهيم، وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ، أيْ كما هديناكم إلى قبلة إبراهيم وشريعته، جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً، أي: عدولاً روي ذلك عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم وتظاهَرَتْ به عباراتُ المفسِّرين، والوَسَط: الخيارُ والأعلى من الشيء، وواسطة القلادةِ أنفَسُ حَجَر فيها ومنه قوله تعالى: قالَ أَوْسَطُهُمْ [القلم: ٢٨] .

وشُهَداءَ: جمع شاهدٍ، والمراد بالناسِ هنا في قول جماعة: جميع الجنس، وأن أمة محمّد صلّى الله عليه وسلم تشهدُ يوم القيامة للأنبياءِ على أممهم بالتبليغِ، وروي في هذا المعنى حديثٌ صحيحٌ عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم وروي عنه أنَّ أُمته تشهدُ لكُلِّ نبيٍّ نَاكَرَهُ قومه «١» .

ت: وهذا الحديثُ خرَّجه البخاريُّ، وابن ماجة، وابن المبارك في «رقائقه» وغيرهم قائلا صلّى الله عليه وسلم، فذلك قوله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً ...

الآية.

وكون الرسولِ شهيداً، قيل: معناه: بأعمالكم يوم القيامة، وقيل: «عليكم» بمعنى «لَكُمْ» ، أي: يَشْهَدُ لَكُمْ بالإِيمان.

وقوله تعالى: وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ ...

الآية: قال قتادةُ وغيره: القِبْلة هنا بيْتُ المَقْدِس «٢» ، أي: إِلا فِتْنَةً لنعلَمَ من يتبعك مِنَ العربِ الذين لم يألفوا إِلا مسجد مكَّة أو من اليهود على ما قاله الضّحّاك الذين قالوا للنبيّ صلّى الله عليه وسلم: «إِنْ صَلَيْتَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، اتبعناك» ، فأمره اللَّه بالصَّلاة إِليه، امتحانا لهم، فلم يؤمنوا «٣» .

وقال ابنُ عَبَّاس: القبلة في الآيَةِ: الكعبةُ «٤» ، وكُنْتَ عَلَيْها بمعنى: أَنْتَ عليها كقوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ [آل عمران: ١١٠] ، بمعنى: أنتم.

وَمَا جَعَلْنَاهَا وَصَرَّفْنَاكَ إلَيْهَا إلا فتنةً، وروي في ذلك أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم لما حُوِّل إِلى الكعبة، أكْثَرَ في ذلك اليهودُ والمنافقونَ، وارتاب بعض المؤمنين حتى نزلتِ الآية، ومعنى: لِنَعْلَمَ، أي ليعلم رسولِي والمؤمنون به، والقاعدة نَفْيُ استقبال العلْمِ بعد أنْ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ﴾ .

فِيهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُمُ اليَهُودُ، قالَهُ البَراءُ بْنُ عازِبٍ، ومُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: أنَّهم أهْلُ مَكَّةَ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، ذَكَرَهُ السُّدِّيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ.

وقَدْ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الكُلُّ قالُوا ذَلِكَ، والآَيَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ.

والسُّفَهاءُ: الجَهَلَةُ.

ما ولّاهم، أيْ: صَرَفَهم عَنْ قِبْلَتِهِمْ: يُرِيدُ: قِبْلَةَ المُقْدِسِ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في مُدَّةِ صَلاةِ النَّبِيِّ  ، إلى بَيْتِ المَقْدِسِ بَعْدَ قَدُومِهِ إلى المَدِينَةِ عَلى سِتَّةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أوْ سَبْعَةَ عَشَرَ، قالَهُ البَراءُ بْنُ عازِبٍ.

والثّانِي: سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: ثَلاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا، قالَهُ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ.

والرّابِعُ: تِسْعَةُ أشْهُرٍ، أوْ عَشْرَةُ أشْهُرٍ، قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ.

والخامِسُ: سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا.

والسّادِسُ: ثَمانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا، رُوِيَ القَوْلانِ عَنْ قَتادَةَ.

وَهَلْ كانَ اسْتِقْبالُهُ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ بِرَأْيِهِ، أوْ عَنْ وحْيٍ؟

فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى ووَحْيِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُرَيْجٍ.

والثّانِي: أنَّهُ كانَ بِاجْتِهادِهِ ورَأْيِهِ، قالَهُ الحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ، وعِكْرِمَةُ، والرَّبِيعُ.

وقالَ قَتادَةُ: كانَ النّاسُ يَتَوَجَّهُونَ إلى أيِّ جِهَةٍ شاؤُوا بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ  ﴾ .

ثُمَّ أمَرَهم بِاسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ.

وفي سَبَبِ اخْتِيارِهِ بَيْتَ المَقْدِسِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لِيَتَألَّفَ أهْلُ الكِتابِ، ذَكَرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.

والثّانِي: لِامْتِحانِ العَرَبِ بِغَيْرِ ما ألِفُوهُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ سَيَقُولُ السُفَهاءُ مِنَ الناسِ ما ولاهم عن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ يَهْدِي مِنَ يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى الناسِ ويَكُونَ الرَسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا وما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إلا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَسُولُ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إلا عَلى الَّذِينَ هَدى اللهُ وما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إيمانَكم إنَّ اللهُ بِالناسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ أعْلَمَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم سَيَقُولُونَ في شَأْنِ تَحَوُّلِ المُؤْمِنِينَ مِنَ الشامِ إلى الكَعْبَةِ: "ما ولّاهُمْ"، و"السُفَهاءُ" هُمُ الخِفافُ الأحْكامِ والعُقُولِ، والسَفَهُ: الخِفَّةُ والهَلْهَلَةُ، ثَوْبٌ سَفِيهٌ أيْ غَيْرُ مُتْقَنِ النَسْجِ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ: مَشِينٌ كَما اهْتَزَّتْ رِماحٌ تَسَفَّهَتْ أعالِيها مَرَّ الرِياحُ النَواسِمُ أيِ اسْتَخَفَّتْها، وخَصَّ بِقَوْلِهِ: " مِنَ الناسِ " لِأنَّ السَفَهَ يَكُونُ في جَماداتٍ وحَيَواناتٍ، والمُرادُ بِـ "السُفَهاءُ" هُنا جَمِيعُ مَن قالَ: " ما ولّاهم "، وقالَها فِرَقٌ، واخْتَلَفَ في تَعْيِينِهِمْ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَها الأحْبارُ مِنهُمْ، وذَلِكَ أنَّهم جاءُوا إلى النَبِيِّ  فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ: ما ولّاكَ عن قِبْلَتِنا؟

ارْجِعْ إلَيْها ونُؤْمِنُ بِكَ، يُرِيدُونَ فِتْنَتَهُ، وقالَ السُدِّيُّ: قالَها بَعْضُ اليَهُودِ والمُنافِقُونَ اسْتِهْزاءً، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا: اشْتاقَ الرَجُلُ إلى وطَنِهِ.

وقالَتْ طائِفَةٌ: قالَها كُفّارُ قُرَيْشٍ، لِأنَّهم قالُوا: ما ولّاهُ عن قِبْلَتِهِ؟

ما رَجَعَ إلَيْنا إلّا لِعِلْمِهِ أنّا عَلى الحَقِّ، وسَيَرْجِعُ إلى دِينِنا كُلِّهِ، و"وَلّاهُمْ" مَعْناهُ صَرَفَهُمْ، والقِبْلَةُ: فِعْلَةُ هَيْئَةِ المُقابِلِ لِلشَّيْءِ، فَهي كالقَعْدَةِ والإزْرَةِ.

وَجُعِلَ المُسْتَقْبَلُ مَوْضِعَ الماضِي في قَوْلِهِ: " سَيَقُولُ " دَلالَةٌ عَلى اسْتِدامَةِ ذَلِكَ، وأنَّهم يَسْتَمِرُّونَ عَلى ذَلِكَ القَوْلِ، ونَصَّ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ قَوْلِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ ﴾ إقامَةُ حُجَّةٍ، أيْ: لَهُ مُلْكُ المَشارِقِ والمَغارِبِ وما بَيْنَهُما، و ﴿ يَهْدِي مَن يَشاءُ ﴾ إشارَةٌ إلى هِدايَةِ اللهِ تَعالى هَذِهِ الأُمَّةَ إلى قِبْلَةِ إبْراهِيمَ.

والصِراطُ: الطَرِيقُ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ، هَلْ كانَتْ صَلاةُ رَسُولِ اللهِ  إلى بَيْتِ المَقْدِسِ بِأمْرٍ مِنَ اللهِ تَعالى في القُرْآنِ، أو بِوَحْيٍ غَيْرِ مَتْلُوٍّ؟، فَذَكَرَ ابْنُ فَوْرَكٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أوَّلُ ما نُسِخَ مِنَ القُرْآنِ القِبْلَةُ، وقالَ الجُمْهُورُ: بَلْ كانَ أمْرُ قِبْلَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ بِوَحْيٍ غَيْرِ مَتْلُوٍّ، وقالَ الرَبِيعُ: خَيْرُ رَسُولِ اللهِ  في النَواحِي فاخْتارَ بَيْتُ المَقْدِسِ لِيَسْتَأْلِفَ بِها أهْلَ الكِتابِ، ومَن قالَ كانَ بِوَحْيٍ غَيْرِ مَتْلُوٍّ قالَ: كانَ ذَلِكَ لِيَخْتَبِرَ اللهُ تَعالى مَن آمَنَ مِنَ العَرَبِ لِأنَّهم كانُوا يَأْلَفُونَ الكَعْبَةَ ويُنافِرُونَ بَيْتَ المَقْدِسِ وغَيْرَهُ، واخْتُلِفَ كَمْ صَلّى إلى بَيْتِ المَقْدِسِ ؟

فَفي البُخارِيِّ سِتَّةَ عَشَرَ أو سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، ورُوِيَ عن أنَسِ بْنِ مالِكٍ تِسْعَةُ أو عَشَرَةُ أشْهُرٍ، ورُوِيَ عن غَيْرِهِ ثَلاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا.

وحَكى مَكِّيٌّ عن إبْراهِيمَ بْنِ إسْحاقَ «أنَّهُ قالَ: أوَّلُ أمْرِ الصَلاةِ أنَّها فُرِضَتْ بِمَكَّةَ رَكْعَتَيْنِ في أوَّلِ النَهارِ، ورَكْعَتَيْنِ في آخِرِهِ، ثُمَّ كانَ الإسْراءُ لَيْلَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ مِن شَهْرِ رَبِيعٍ الآخَرِ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِسَنَةٍ فَفُرِضَتِ الخَمْسُ وأمَّ فِيها جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وكانَتْ أوَّلَ صَلاةٍ الظُهْرُ، وتَوَجَّهَ بِالنَبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِما وسَلَّمَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، ثُمَّ هاجَرَ النَبِيُّ  إلى المَدِينَةِ في رَبِيعٍ الأوَّلِ وتَمادى إلى بَيْتِ المَقْدِسِ إلى رَجَبٍ مِن سَنَةِ اثْنَتَيْنِ»، وقِيلَ: إلى جُمادى، وقِيلَ: إلى نِصْفِ شَعْبانَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا ﴾ ، الكافُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالمَعْنى الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿ يَهْدِي مَن يَشاءُ ﴾ ، أيْ كَما هَدَيْناكم إلى قِبْلَةِ إبْراهِيمَ وشَرِيعَتِهِ كَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً، وَ"أُمَّةً": مَفْعُولٌ ثانٍ، و"وَسَطًا": نَعْتٌ.

و"الأُمَّةُ": القُرُونُ مِنَ الناسِ، و"وَسَطًا": مَعْناهُ عُدُولًا، رُوِيَ ذَلِكَ عن رَسُولِ اللهِ  ، وتَظاهَرَتْ بِهِ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ.

والوَسَطُ: الخِيارُ والأعْلى مِنَ الشَيْءِ، كَما تَقُولُ: وسَطُ القَوْمِ، وواسِطَةُ القِلادَةِ أنْفَسُ حَجَرٍ فِيها، والأمِيرُ وسَطُ الجَيْشِ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قالَ أوسَطُهُمْ  ﴾ ، والوَسَطُ بِإسْكانِ السِينِ ظَرْفٌ مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ، وقَدْ جاءَ مُتَمَكِّنًا في بَعْضِ الرِواياتِ في بَيْتِ الفَرَزْدَقَ: فَجاءَتْ بِمَلْجُومٍ كَأنَّ جَبِينَهُ ∗∗∗ صَلاءَةُ ورْسٍ وسْطُها قَدْ تَفَلَّقا بِرَفْعِ الطاءِ، والضَمِيرُ عائِدٌ عَلى الصَلاءَةِ، ورُوِيَ بِفَتْحِ الطاءِ، والضَمِيرُ عائِدٌ عَلى الجائِيَةِ، فَإذا قُلْتَ: حَفَرْتُ وسْطَ الدارِ أو وسَطَ الدارِ فالمَعْنى مُخْتَلِفٌ.

قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: أُمَّةُ مُحَمَّدٍ  لَمْ تَغْلُ في الدِينِ كَما فَعَلَتِ اليَهُودُ، ولا فَتَرَتْ كالنَصارى، فَهي مُتَوَسِّطَةٌ، فَهي أعْلاها وخَيْرُها مِن هَذِهِ الجِهَةِ.

وقَوْلُ النَبِيِّ  : «خَيْرُ الأُمُورِ أوساطُها» أيْ: خِيارُها.

وقَدْ يَكُونُ العُلُوُّ والخَيْرُ في الشَيْءِ إمّا بِأنَّهُ أنْفَسُ جِنْسِهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ بَيْنَ الإفْراطِ والتَقْصِيرِ، فَهو خِيارٌ مِن هَذِهِ الجِهَةِ، و"شُهَداءَ" جَمْعُ شاهِدٍ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ بِـ "الناسِ" في هَذا المَوْضِعِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هم جَمِيعُ الجِنْسِ.

وأُمَّةُ مُحَمَّدٍ  تَشْهَدُ يَوْمَ القِيامَةِ لِلْأنْبِياءِ عَلى أُمَمِهِمْ بِالتَبْلِيغِ، وذَلِكَ أنَّ نُوحًا تُناكِرُهُ أُمَّتُهُ في التَبْلِيغِ، فَتَقُولُ لَهُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ: نَحْنُ نَشْهَدُ لَكَ، فَيَشْهَدُونَ، فَيَقُولُ اللهُ لَهُمْ: كَيْفَ شَهِدْتُمْ عَلى ما لَمْ تَحْضُرُوا؟

فَيَقُولُونَ: أيْ رَبَّنا، جاءَنا رَسُولُكَ، ونَزَلَ إلَيْنا كِتابَكَ، فَنَحْنُ نَشْهَدُ بِما عَهِدْتَ إلَيْنا وأعْلَمْتَنا بِهِ، فَيَقُولُ اللهُ تَعالى: صَدَقْتُمْ.

ورُوِيَ في هَذا المَعْنى حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَنِ النَبِيِّ  ، ورُوِيَ عنهُ «أنَّ أُمَّتَهُ تَشْهَدُ لِكُلِّ نَبِيٍّ ناكَرَهُ قَوْمُهُ».

وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْنى الآيَةِ: تَشْهَدُونَ لِمُحَمَّدٍ  أنَّهُ قَدْ بَلَّغَ الناسَ في مُدَّتِهِ مِنَ اليَهُودِ والنَصارى والمَجُوسِ.

وقالَتْ طائِفَةٌ: مَعْنى الآيَةِ: يَشْهَدُ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ بَعْدَ المَوْتِ، كَما «قالَ رَسُولُ اللهِ  حِينَ مَرَّتْ بِهِ جِنازَةٌ فَأثْنى عَلَيْها بِالخَيْرِ فَقالَ: "وَجَبَتْ"، ثُمَّ مَرَّ بِأُخْرى، فَأثْنى عَلَيْها بِشَرٍّ، فَقالَ: "وَجَبَتْ"، يَعْنِي الجَنَّةَ والنارَ، فَسُئِلَ عن ذَلِكَ فَقالَ: "أنْتُمْ شُهَداءُ اللهِ في الأرْضِ»، ورُوِيَ في بَعْضِ الطُرُقِ أنَّهُ قَرَأ: ﴿ لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى الناسِ ﴾ .

﴿ وَيَكُونَ الرَسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا ﴾ قِيلَ: مَعْناهُ: بِأعْمالِكم يَوْمَ القِيامَةِ، وقِيلَ: أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم بِالتَبْلِيغِ إلَيْكُمْ، وقِيلَ: عَلَيْكم بِمَعْنى: لَكُمْ، أيْ يَشْهَدُ لَكم بِالإيمانِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها ﴾ الآيَةُ، قالَ قَتادَةُ، والسُدِّيُّ، وعَطاءٌ، وغَيْرُهُمُ: القِبْلَةُ هُنا بَيْتُ المَقْدِسِ، والمَعْنى: لَمْ نَجْعَلْها حِينَ أمَرْناكَ بِها أوَّلًا إلّا فِتْنَةً، لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُكَ مِنَ العَرَبِ الَّذِينَ إنَّما يَأْلَفُونَ مَسْجِدَ مَكَّةَ، أو مِنَ اليَهُودِ عَلى ما قالَ الضَحّاكُ مِن «أنَّ الأحْبارَ قالُوا لِلنَّبِيِّ  : إنَّ بَيْتَ المَقْدِسِ هو قِبْلَةُ الأنْبِياءِ، فَإنْ صَلَّيْتَ إلَيْهِ اتَّبَعْناكَ، فَأمَرَهُ اللهُ بِالصَلاةِ إلَيْهِ امْتِحانًا لَهم فَلَمْ يُؤْمِنُوا».

وقالَ بَعْضُ مَن ذَكَرَ القِبْلَةَ بَيْتُ المَقْدِسِ: والمَعْنى: وما جَعَلْنا صَرْفَ القِبْلَةِ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها وتَحْوِيلَها، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: القِبْلَةُ في الآيَةِ الكَعْبَةُ، و"كُنْتَ" بِمَعْنى "أنْتِ" كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ  ﴾ ، بِمَعْنى أنْتُمْ، أيْ: وما جَعَلْناها وصَرَفْناكَ إلَيْها إلّا فِتْنَةً.

ورُوِيَ في ذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  لَمّا حُوِّلَ إلى الكَعْبَةِ أكْثَرَ في ذَلِكَ اليَهُودُ والمُنافِقُونَ، وارْتابَ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ حَتّى نَزَلَتِ الآيَةُ»، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: بَلَغَنِي أنَّ ناسًا مِمَّنْ كانَ أسْلَمَ رَجَعُوا عَنِ الإسْلامِ.

ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: "لِنَعْلَمَ" أيْ: لِيَعْلَمَ رَسُولِي والمُؤْمِنُونَ بِهِ، وجاءَ الإسْنادُ بَنُونِ العَظَمَةِ إذْ هم حِزْبُهُ وخاصَّتُهُ، وهَذا شائِعٌ في كَلامِ العَرَبِ، كَما تَقُولُ: فَتَحَ عُمَرُ العِراقَ وجَبى خَراجَها، وإنَّما فَعَلَ ذَلِكَ جُنْدُهُ وأتْباعُهُ، فَهَذا وجْهُ التَجَوُّزِ إذا ورَدَ عِلْمُ اللهِ تَعالى بِلَفْظِ اسْتِقْبالٍ لِأنَّهُ قَدِيمٌ لَمْ يَزَلْ.

ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ اللهَ تَعالى قَدْ عَلِمَ في الأزَلِ مَن يَتَّبِعُ الرَسُولَ، واسْتَمَرَّ العِلْمُ حَتّى وقَعَ حُدُوثُهُمْ، واسْتَمَرَّ في حِينِ الاتِّباعِ والِانْقِلابِ، ويَسْتَمِرُّ بَعْدَ ذَلِكَ، واللهُ تَعالى مُتَّصِفٌ في كُلِّ ذَلِكَ بِأنَّهُ يَعْلَمُ.

فَأرادَ بِقَوْلِهِ: "لِنَعْلَمَ" ذِكْرَ عِلْمِهِ وقْتَ مُواقَعَتِهِمُ الطاعَةَ والمَعْصِيَةَ، إذْ بِذَلِكَ الوَقْتِ يَتَعَلَّقُ الثَوابُ والعِقابُ، فَلَيْسَ مَعْنى "لِنَعْلَمَ" لِنَبْتَدِئَ العِلْمَ، وإنَّما المَعْنى لِنَعْلَمَ ذَلِكَ مَوْجُودًا.

وحَكى ابْنُ فَوْرَكٍ أنَّ مَعْنى "لِنَعْلَمَ": لِنُثِيبَ، فالمَعْنى: لِنَعْلَمَ في حالٍ اسْتَحَقُّوا فِيها الثَوابَ، وعَلَّقَ العِلْمَ بِأفْعالِهِمْ لِتَقْوى الحُجَّةِ ويَقَعَ التَثَبُّتُ فِيما عَلِمَهُ، لا مُدافَعَةً لَهم فِيهِ.

وحَكى ابْنُ فَوْرَكٍ أيْضًا: أنَّ مَعْنى "لِنَعْلَمَ": لِنُمَيِّزَ، وذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وَحَكى الطَبَرِيُّ أيْضًا أنَّ مَعْنى "لِنَعْلَمَ": لِنَرى، وهَذا كُلُّهُ مُتَقارِبٌ، والقاعِدَةُ نَفْيُ اسْتِقْبالِ العِلْمِ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ.

وقَرَأ الزُهْرِيُّ: "لِيَعْلَمَ" عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ.

و ﴿ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ ﴾ عِبارَةٌ عَنِ المُرْتَدِّ الراجِعِ عَمّا كانَ فِيهِ مِن إيمانٍ أو شُغْلٍ أو غَيْرِ ذَلِكَ.

والرُجُوعُ عَلى العَقِبِ أسْوَأُ حالاتِ الراجِعِ في مَشْيِهِ عن وِجْهَتِهِ، فَلِذَلِكَ شُبِّهَ المُرْتَدُّ في الدِينِ بِهِ، وظاهِرُ التَشْبِيهِ أنَّهُ بِالمُتَقَهْقِرِ، وهي مِشْيَةُ الحَيَوانِ الفازِعِ مِن شَيْءٍ قَدْ قَرُبَ مِنهُ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا التَشْبِيهُ بِالَّذِي رَدَّ ظَهْرَهُ ومَشى أدْراجَهُ، فَإنَّهُ عِنْدَ انْقِلابِهِ إنَّما يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً ﴾ الآيَةُ، الضَمِيرُ في "كانَتْ" راجِعٌ إلى القِبْلَةِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، أو إلى التَحْوِيلَةِ إلى الكَعْبَةِ حَسَبَ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الِاخْتِلافِ في القِبْلَةِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو راجِعٌ إلى الصَلاةِ الَّتِي صُلِّيَتْ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ.

وشَهِدَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ لِلْمُتَّبَعِينَ بِالهِدايَةِ، و"كَبِيرَةً" هُنا مَعْناهُ: شاقَّةً صَعْبَةً تَكْبُرُ في الصُدُورِ، و"إنْ" هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ، ولِذَلِكَ لَزِمَتْها اللامُ لِتُزِيلَ اللَبْسَ الَّذِي بَيْنَها وبَيْنَ النافِيَةِ، وإذا ظَهَرَ التَثْقِيلُ في "إنْ" فَرُبَّما لَزِمَتِ اللامَ ورُبَّما لَمْ تَلْزَمْ.

وقالَ الفَرّاءُ: "إنْ" بِمَعْنى "ما" واللامُ بِمَنزِلَةِ إلّا.

وَلَمّا حُوِّلَتِ القِبْلَةُ كانَ مِن قَوْلِ اليَهُودِ: يا مُحَمَّدُ إنْ كانَتِ الأولى حَقًّا فَأنْتَ الآنُ عَلى باطِلٍ، وإنْ كانَتْ هَذِهِ حَقًّا فَكُنْتَ في الأُولى عَلى ضَلالٍ فَوَجَسَتْ نُفُوسُ بَعْضِ المُؤْمِنِينَ، وأشْفَقُوا عَلى مَن ماتَ قَبْلَ التَحْوِيلِ عَلى صَلاتِهِمُ السالِفَةِ فَنَزَلَتْ: ﴿ وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ ﴾ .

وخاطَبَ الحاضِرِينَ، والمُرادُ مَن حَضَرَ ومَن ماتَ، لِأنَّ الحاضِرَ يَغْلُبُ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: ألَمْ نَقْتُلْكم في مَوْطِنِ كَذا؟

ومَن خُوطِبَ لَمْ يُقْتَلْ ولَكِنَّهُ غَلَبَ لِحُضُورِهِ، وقَرَأ الضَحّاكُ "لِيُضِيعَ" بِفَتْحِ الضادِ وشَدِّ الياءِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والبَراءُ بْنُ عازِبٍ، وقَتادَةُ، والسُدِّيُّ، والرَبِيعُ، وغَيْرُهُمُ: الإيمانُ هُنا: الصَلاةُ، وسَمّى الصَلاةَ إيمانًا لَمّا كانَتْ صادِرَةً عَنِ الإيمانِ والتَصْدِيقِ في وقْتِ بَيْتِ المَقْدِسِ وفي وقْتِ التَحْوِيلِ.

ولَمّا كانَ الإيمانُ قُطْبًا عَلَيْهِ تَدُورُ الأعْمالُ، وكانَ ثابِتًا في حالِ التَوَجُّهِ هُنا، وهُنا ذَكَرَهُ إذْ هو الأصْلُ الَّذِي بِهِ يَرْجِعُ في الصَلاةِ وغَيْرِها إلى الأمْرِ والنَهْيِ.

ولِئَلّا تَنْدَرِجَ في اسْمِ الصَلاةِ صَلاةِ المُنافِقِينَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، فَذَكَرَ المَعْنى الَّذِي هو مَلاكُ الأمْرِ.

وأيْضًا فَسُمِّيَتْ إيمانًا إذْ هي مِن شُعَبِ الإيمانِ.

والرَأْفَةُ أعْلى مَنازِلِ الرَحْمَةِ، وقَرَأ قَوْمٌ: "لَرَؤُفٌ" عَلى وزْنِ فَعُلٌ، ومِنهُ قَوْلُ الوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ: وشَرُّ الطالِبِينَ -وَلا تَكُنْهُ ∗∗∗ -بِقاتِلِ عَمِّهِ الرَؤُفُ الرَحِيمُ تَقُولُ العَرَبُ: رَؤُفٌ ورَؤُوفٌ- ورَئِفٌ كَحَذِرٌ- ورَأفٌ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ ابْنِ القَعْقاعِ: "لَرَوُفٌ" بِغَيْرِ هَمْزٍ، وكَذَلِكَ سَهَّلَ كُلُّ هَمْزَةٍ في كِتابِ اللهِ تَعالى؛ ساكِنَةً كانَتْ أو مُتَحَرِّكَةً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

قد خفي موقع هذه الآية من الآي التي بَعْدَها لأن الظاهر منها أنها إخبار عن أمر يقع في المستقبل وأن القبلة المذكورة فيها هي القبلة التي كانت في أول الهجرة بالمدينة وهي استقبال بيت المقدس وأنَّ التولي عنها هو نسخها باستقبال الكعبة فكان الشأن أن يترقب طعن الطاعنين في هذا التحويل بعد وقوع النسخ أي بعد الآيات الناسخة لاستقبال بيت المقدس لِمَا هو معلوم من دأبهم من الترصد للطعن في تصرفات المسلمين فإن السورة نزلت متتابعة، والأصل موافقة التلاوة للنزول في السورة الواحدة إلاّ ما ثبت أنه نزل متأخراً ويتلى متقدماً.

والظاهر أن المراد بالقبلة المحولة القبلةُ المنسوخة وهي استقبال بيت المقدس أعني الشرقَ وهي قبلة اليهود، ولم يشف أحد من المفسرين وأصحاب «أسباب النزول» الغليل في هذا، على أن المناسبة بينها وبين الآي الذي قبلها غير واضحة فاحتاج بعض المفسرين إلى تكلف إبدائها.

والذي استقر عليه فهمي أن مناسبة وقوع هذه الآية هنا مناسبةٌ بديعة وهي أن الآيات التي قبلها تكرر فيها التنويه بإبراهيم وملته، والكعبة وأن من يرغب عنها قد سفِه نفسه، فكانت مثاراً لأن يقول المشركون، ما ولَّى محمداً وأتباعه عن قبلتهم التي كانوا عليها بمكة أي استقبال الكعبة مع أنه يقول إنه على ملة إبراهيم ويأبى عن إتباع اليهودية والنصرانية، فكيف ترك قبلة إبراهيم واستقبل بيت المقدس؟

ولأنه قد تكررت الإشارة في الآيات السابقة إلى هذا الغرض بقوله: ﴿ ولله المشرق والمغرب ﴾ [البقرة: 115].

وقوله: ﴿ ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ﴾ [البقرة: 120] كما ذكرناه هنالك، وقد علم الله ذلك منهم فأنبأ رسوله بقولهم وأتى فيه بهذا الموقع العجيب وهو أن جعله بعد الآيات المثيرة له وقبل الآيات التي أُنزلت إليه في نسخ استقبال بيت المقدس والأمر بالتوجه في الصلاة إلى جهة الكعبة، لئلا يكون القرآن الذي فيه الأمر باستقبال الكعبة نازلاً بعد مقالة المشركين فيشمخوا بأنوفهم يقولون غيَّر محمد قبلته من أجل اعتراضنا عليه فكان لموضع هذه الآية هنا أفضل تمكن وأوثق ربط، وبهذا يظهر وجه نزولها قبل آية النسخ وهي قوله: ﴿ قد نرى تقلب وجهك في السماء ﴾ [البقرة: 144] الآيات، لأن مقالة المشركين أو توقُّعَها حاصل قبل نسخ استقبال بيت المقدس وناشئ عن التنويه بملة إبراهيم والكعبة.

فالمراد بالسفهاء المشركون ويدل لذلك تبيينه بقوله ﴿ من الناس، ﴾ فقد عرف في اصطلاح القرآن النازل بمكة أن لفظ الناس يراد به المشركون كما روي ذلك عن ابن عباس ولا يظهر أن يكون المراد به اليهود أو أهل الكتاب لأنه لو كان ذلك لَنَاسب أن يقال سيقولون بالإضمار لأن ذكرهم لم يزل قريباً من الآي السابقة إلى قوله: ﴿ ولا تسألون ﴾ [البقرة: 134، 141] الآية.

ويعضدنا في هذا ما ذكر الفخر عن ابن عباس والبراء بن عازب والحسن أن المراد بالسفهاء المشركون وذكر القرطبي أنه قول الزجاج، ويجوز أن يكون المراد بهم المنافقين وقد سبق وصفهم بهذا في أول السورة فيكون المقصود المنافقين الذين يبطنون الشرك، والذي يبعثهم على هذا القول هو عين الذي يبعث المشركين عليه وقد روي عن السدي أن السفهاء هنا هم المنافقون.

أما الذين فسروا ﴿ السفهاء ﴾ باليهود فقد وقعوا في حيرة من موقع هذه الآية لظهور أن هذا القول ناشئ عن تغيير القبلة إلى بيت المقدس وذلك قد وقع الإخبار به قبل سماع الآية الناسخة للقبلة لأن الأصل موافقة التلاوة للنزول فكيف يقول السفهاء هذا القول قبل حدوث داع إليه لأنهم إنما يطعنون في التحول عن استقبال بيت المقدس لأنه مسجدهم وهو قبلتهم في قول كثير من العلماء، ولذلك جزم أصحاب هذا القول بأن هذه الآية نزلت بعد نسخ استقبال بيت المقدس ورووا ذلك عن مجاهد وروى البخاري في كتاب الصلاة من طريق عبد الله بن رجاء عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء حديث تحويل القبلة ووقع فيه «فقال السفهاء وهم اليهود ﴿ ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ﴾ ، وأخرجه في كتاب الإيمان من طريق عمرو بن خالد عن زهير عن أبي إسحاق عن البراء بغير هذه الزيادة، ولكن قال عوضها: " وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قبَل بيت المقدس وأهل الكتاب، فلما وَلَّى وجهه قبَل البيت أَنكروا ذلك " وأخرجه في كتاب التفسير من طريق أبي نعيم عن زهير بدون شيء من هاتين الزيادتين، والظاهر أن الزيادة الأولى مدرجة من إسرائيل عن أبي إسحاق، والزيادة الثانية مدرجة من عمرو بن خالد لأن مسلماً والترمذي والنسائي قد رووا حديث البراء عن أبي إسحاق من غير طريق إسرائيل ولم يكن فيه إحدى الزيادتين، فاحتاجوا إلى تأويل حرف الاستقبال من قوله ﴿ سيقول السفهاء ﴾ بمعنى التحقيق لا غير أي قد قال السفهاء ما ولاهم.

ووجه فصل هذه الآية عما قبلها بدون عطف، اختلافُ الغرض عن غرض الآيات السابقة فهي استئناف محض ليس جواباً عن سؤال مقدر.

والأولى بقاء السين على معنى الاستقبال إذ لا داعي إلى صرفه إلى معنى المضي وقد علمتم الداعي إلى الإخبار به قبل وقوعه منهم وقال في «الكشاف» " فائدة الإخبار به قبل وقوعه أن العلم به قبل وقوعه أبعد من الاضطراب إذا وقع وأن الجواب العتيد قبل الحاجة إليه أقطع للخصم وأرد لشغبه " وذكر ابن عطية عن ابن عباس أنه من وضع المستقبل موضع الماضي ليدل على استمرارهم فيه وقال الفخر إنه مختار القفال.

وكأنَّ الذي دعاهم إلى ذلك أنهم ينظرون إلى أن هذا القول وقع بعد نسخ استقبال بيت المقدس وأن الآية نزلت بعد ذلك وهذا تكلف ينبغي عدم التعويل عليه، والإخبار عن أقوالهم المستقبلة ليس بعزيز في القرآن مثل قوله: ﴿ فسيقولون من يعيدنا فسيتغضون إليك رؤوسهم ﴾ [الإسراء: 51] وإذا كان الذي دعاهم إلى ذلك ثبوت أنهم قالوا هذه المقالة قبل نزول هذه الآية وشيوع ذلك كان لتأويل المستقبل بالماضي وجه وجيه، وكان فيه تأييد لما أسلفناه في تفسير قوله تعالى: ﴿ ولله المشرق والمغرب ﴾ [البقرة: 115] وقوله: ﴿ ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى ﴾ [البقرة: 120].

والسفهاء جمع سفيه الذي هو صفة مشبهة من سفه بضم الفاء إذا صار السفه له سجية وتقدم القول في السفه عند قوله تعالى: ﴿ ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ﴾ [البقرة: 130] وفائدة وصفهم بأنهم من الناس مع كونه معلوماً هو التنبيه على بلوغهم الحد الأقصى من السفاهة بحيث لا يوجد في الناس سفهاء غير هؤلاء فإذا قسم نوع الإنسان أصنافاً كان هؤلاء صنف السفهاء فيفهم أنه لا سفيه غيرهم على وجه المبالغة، والمعنى أن كل من صدر منه هذا القول هو سفيه سواء كان القائل اليهود أو المشركين من أهل مكة.

وضمير الجمع في قوله: ﴿ ما ولاهم ﴾ عائد إلى معلوم من المقام غير مذكور في اللفظ حكاية لقول السفهاء، وهم يريدون بالضمير أو بما يعبر عنه في كلامهم أنه عائد على المسلمين.

وفعل (ولاهم) أصله مضاعف ولي إذا دنا وقرب، فحقه أن يتعدى إلى مفعول واحد بسبب التضعيف فيقال ولاه من كذا أي قربه منه وولاه عن كذا أي صرفه عنه ومنه قوله تعالى هنا ﴿ ما ولاهم عن قبلتهم ﴾ ، وشاع استعماله في الكلام فكثر أن يحذفوا حرف الجر الذي يعديه إلى متعلق ثان فبذلك عدوه إلى مفعول ثان كثيراً على التوسع فقالوا ولى فلاناً وجهه مثلاً دون أن يقولوا ولَّى فلان وجهه من فلان أو عن فلان فأشبه أفعال كسا وأعطى ولذلك لم يعبأوا بتقديم أحد المفعولين على الآخر قال تعالى: ﴿ فلا تولوهم الأدبار ﴾ [الأنفال: 15] أصله فلا تولوا الأدبار منهم، فالأدبار هو الفاعل في المعنى لأنه لو رُفع لقيل وَلِيَ دُبُرُه الكافرين، ومنه قوله تعالى: ﴿ نوله ما تولى ﴾ [النساء: 115] أي نجعله والياً مما تولى أي قريباً له أي ملازماً له فهذا تحقيق تصرفات هذا الفعل.

وجملة ﴿ ما ولهام ﴾ إلخ هي مقول القول فضمائر الجمع كلها عائدة على معاد معلوم من المقام وهم المسلمون ولا يحتمل غير ذلك لئلا يلزم تشتيت الضمائر ومخالفة الظاهر في أصل حكاية الأقوال.

والاستفهام في قوله: ﴿ ما ولهام ﴾ مستعمل في التعريض بالتخطئة واضطراب العقل.

والمراد بالقبلة في قوله: ﴿ عن قبلتهم ﴾ الجهة التي يُوَلَّوُن إليها وجوههم عند الصلاة كما دل عليه السياق وأخبار سبب نزول هذه الآيات.

والقبلة في أصل الصيغة اسم على زنة فِعْلة بكسر الفاء وسكون العين، وهي زنة المصدر الدال على هيئة فعل الاستقبال أي التوجه اشتق على غير قياس بحذف السين والتاء ثم أطلقت على الشي الذي يستقبله المستقبلُ مجازاً وهو المراد هنا لأن الانصراف لا يكون عن الهيئة قال حسان في رثاء أبي بكر رضي الله عنه: أَلَيْسَ أَوَّلَ من صلَى لقبلتكم *** والأظهر عندي أن تكون القبلة اسم مفعول على وزن فِعْل كالذِّبح والطِّحْن وتأنيثه باعتبار الجهة كما قالوا: ما له في هذا الأمر قِبْلَة ولا دِبْرَة أي وِجهة.

وإضافة القبلة إلى ضمير المسلمين للدلالة على مزيد اختصاصها بهم إذ لم يستقبلها غيرهم من الأمم لأن المشركين لم يكونوا من المصلين وأهل الكتاب لم يكونوا يستقبلون في صلاتهم، وهذا مما يعضد حمل «السفهآء» على المشركين إذ لو أريد بهم اليهود لقيل عن قبلتنا إذ لا يرضون أن يضيفوا تلك القبلة إلى المسلمين، ومن فسر «السفهآء» باليهود ونسب إليهم استقبال بيت المقدس حَمَل الإضافة على أدنى ملابسة لأن المسلمين استقبلوا تلك القبلة مدة سنةٍ وأشهرٍ فصارت قبلة لهم.

وضمير الجمع في قوله: ﴿ ما ولهام ﴾ عائد إلى معلوم من المقام غير مذكور اللفظ حكاية لقول السفهاء وهم يريدون بالضمير أو بمساويه في كلامهم عودهُ على المسلمين.

وقوله: ﴿ التي كانوا عليها ﴾ أي كانوا ملازمين لها فعَلَى هنا للتمكن المجازي وهو شدة الملازمة مثل وقوله: ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ [البقرة: 5]، وفيه زيادة توجيه للإنكار والاستغراب أي كيف عدلوا عنها بعد أن لارموها ولم يكن استقبالهم إياها مجرد صدفة فإنهم استقبلوا الكعبة ثلاث عشرة سنة قبل الهجرة.

واعلم أن اليهود يستقبلون بيت المقدس وليس هذا الاستقبال من أصل دينهم لأن بيت المقدس إنما بني بعد موسى عليه السلام بناه سليمان عليه السلام، فلا تجد في أسفار «التوراة» الخمسة ذكراً لاستقبال جهة معينة في عبادة الله تعالى والصلاة والدعاء، ولكن سليمان عليه السلام هو الذي سنّ استقبال بيت المقدس ففي سفر الملوك الأول أن سليمان لما أتم بناء بيت المقدس جمع شيوخ إسرائيل وجمهورهم ووقف أمام المذبح في بيت المقدس وبسط يديه ودعا الله دعاء جاء فيه: " إذا انكسر شعبُ إسرائيل أمام العدو ثم رجعوا واعترفوا وصلوا نحو هذا البيت فأرجعهم إلى الأرض التي أعطيت لآبائهم وإذا خرج الشعب لمحاربة العدو وصلَّوا إلى الرب نحو المدينة التي اخترتَها والبيتتِ الذي بنيتُه لاسمك فاسمعْ صلاتهم وتضرعهم " إلخ، وذكر بعد ذلك أن الله تجلّى لسليمان وقال له " قد سمعتُ صلاتك وتضرعك الذي تضرعتَ به أمامي " وهذا لا يدل على أن استقبال بيت المقدس شرط في الصلاة في دين اليهود وقصاراه الدلالة على أن التوجه نحو بيت المقدس بالصلاة والدعاء هيئة فاضلة، فلعل بني إسرائيل التزموه لا سيما بعد خروجهم من بيت المقدس أو أن أنبياءهم الموجودين بعد خروجهم أمروهم بذلك بوحي من الله.

وقد قال ابن عباس ومجاهد: كان اليهود يظنون أن موافقة الرسول لهم في القبلة ربما تدعوه إلى أن يصير موافقاً لهم بالكلية، وجرى كلام ابن العربي في «أحكام القرآن» على الجزم بأن اليهود كانوا يستقبلون بيت المقدس بناء على كلام ابن عباس ومجاهد، ولم يثبت هذا من دين اليهود، كما علمت، وذكر الفخر عن أبي مسلم ما فيه أن اليهود كانوا يستقبلون جهةَ المغرببِ وأن النصارى يستقبلون المشرق، وقد علمت آنفاً أن اليهود لم تكن لهم في صلاتهم جهة معينة يستقبلونها وأنهم كانوا يتيمنون في دعائهم بالتوجه إلى صوب بيت المقدس على اختلاف موقع جهته من البلاد التي هم بها فليس لهم جهة معينة من جهات مطلع الشمس ومغربها وما بينهما فلما تقرر ذلك عادة عندهم توهموه من الدين وتعجبوا من مخالفة المسلمين في ذلك.

وأما النصارى فإنهم لم يقع في إنجيلهم تغيير لما كان عليه اليهود في أمر الاستقبال في الصلاة ولا تعيين جهة معينة ولكنهم لما وجدوا الروم يجعلون أبواب هياكلهم مستقبلة لمشرق الشمس بحيث تدخل أشعة الشمس عند طلوعها من باب الهيكل وتقع على الصَّنم صاحب الهيكل الموضوع في منتهى الهيكل عكسوا ذلك فجعلوا أبواب الكنائس إلى الغرب وبذلك يكون المذبح إلى الغرب والمصلون مستقبلين الشرق، وذكر الخفاجي أن بولس هو الذي أمرهم بذلك، فهذه حالة النصارى في وقت نزول الآية ثم إن النصارى من العصور الوسطى إلى الآن توسعوا فتركوا استقبال جهة معينة فلذلك تكون كنائسهم مختلفة الاتجاه وكذلك المذابح المتعددة في الكنيسة الواحدة.

وأما استقبال الكعبة في الحنيفية فالظاهر أن إبراهيم عليه السلام لما بنى الكعبة استقبلها عند الدعاء وعند الصلاة وأنه بناها للصلاة حولها فإن داخلها لا يسع الجماهير من الناس وإذا كان بناؤها للصلاة حولها فهي أول قبلة وُضعت للمصلي تجاهها وبذلك اشتهرت عند العرب ويدل عليه قول زيد بن عَمرو بن نفيل: عذت بما عاذ به إبراهمْ *** مستقبل المعبة وهو قائم أما توجهه إلى جهتها من بلد بعيد عنها فلا دليل على وقوعه فيكون الأمر بالتزام الاستقبال في الصلاة من خصائص هذه الشريعة ومن جملة معاني إكمال الدين بها كما سنبينه.

وقد دلت هذه الآية على أن المسلمين كانوا يستقبلون جهة ثم تحولوا عنها إلى جهة أخرى وليست التي تحول إليها المسلمون إلاّ جهة الكعبة فدل على أنهم كانوا يستقبلون بيت المقدس وبذلك جاءت الآثار.

والأحاديثُ الصحيحة في هذا ثلاثة، أولها وأصحها حديث «الموطأ» عن ابن دينار عن ابن عمر " بينما الناس في صلاة الصبح بقباء إذ جاءهم آت فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة (قرآن) وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبِلوها وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة " ورواه أيضاً البخاري من طريق مالك، ومسلم من طريق مالك ومن طريق عبد العزيز بن مسلم وموسى بن عقبة، وفيه أن نزول آية تحويل القبلة كان قبل صلاة الصبح وأنه لم يكن في أثناء الصلاة وأنه صلى الصبح للكعبة وهذا الحديث هو أصل الباب وهو فصل الخطاب.

ثانيها: حديث مسلم عن أنس بن مالك وفيه " فمر رجل من بني سلمة وهم ركوع في صلاة الفجر وقد صلوا ركعة فنادى ألا إن القبلة قد حُوِّلت فمالوا كما هم نحو القبلة ".

الثالث حديث البخاري ومسلم واللفظ للبخاري في كتاب التفسير عن البراء بن عازب قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، وكان رسول الله يحب أن يوجه إلى الكعبة فأنزل الله تعالى ﴿ قد نرى تقلب وجهك في السماء ﴾ [البقرة: 144] فتوجه نحو الكعبة ثم قال فصلى مع النبي رجل ثم خرج بعد ما صلى فمر على قوم من الأنصار في صلاة العصر يصلون نحو بيت المقدس فقال: هو يشهد أنه صلى مع رسول الله وأنه توجه نحو الكعبة فتحرف القوم حتى توجهوا نحو الكعبة، وحمل ذكر صلاة الصبح في روايتي ابن عمر وأنس بن مالك وذكر صلاة العصر في رواية البراء كلٌّ على أهل مكان مخصوص، وهنالك آثار أخرى تخالف هذه لم يصح سندها ذكرها القرطبي.

فتحويل القبلة كان في رجب سنة اثنتين من الهجرة قبل بدر بشهرين وقيل يوم الثلاثاء نصف شعبان منها.

واختلفوا في أن استقباله صلى الله عليه وسلم بيت المقدس هل كان قبل الهجرة أو بعدها؟

فالجمهور على أنه لما فرضت عليه الصلاة بمكة كان يستقبل الكعبة فلما قدم المدينة استقبل بيت المقدس تألُّفاً لليهود قاله بعضهم وهو ضعيف، وقيل كان يستقبل بيت المقدس وهو في مكان يجعل الكعبة أمامه من جهة الشرق فيكون مستقبلاً الكعبة وبيت المقدس معاً، ولم يصح هذا القول.

واختلفوا هل كان استقبال بيت المقدس بأمر من الله؟

فقال ابن عباس والجمهور أوجبه الله عليه بوحي ثم نسخه باستقبال الكعبة ودليلهم قوله تعالى: ﴿ وما جعلنا القبلة التي كنت عليها ﴾ [البقرة: 143] الآية، وقال الطبري كان مخيراً بين الكعبة وبيت المقدس واختار بيت المقدس استئلافاً لليهود، وقال الحسن وعكرمة وأبو العالية: كان ذلك عن اجتهاد من النبي صلى الله عليه وسلم وعلى هذا القول يكون قوله تعالى: ﴿ فلنولينك قبلة ترضاها ﴾ [البقرة: 144] دالاً على أنه اجتهد فرأى أن يتبع قبلة الدينين اللذين قبله ومع ذلك كان يود أن يأمره الله باستقبال الكعبة، فلما غيرت القبلة قال السفهاء وهم اليهود أو المنافقون على اختلاف الروايات المتقدمة وقيل كفار قريش قالوا اشتاق محمد إلى بلده وعن قريب يرجع إلى دينكم ذكره الزجاج ونسب إلى البراء بن عازب وابن عباس والحسن، وروى القرطبي أن أول من صلى نحو الكعبة من المسلمين أبو سعيد بن المعلى وفي الحديث ضعف.

وقوله: ﴿ قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ﴾ جواب قاطع معناه أن الجهات كلها سواء في أنها مواقع لبعض المخلوقات المعظمة فالجهات ملك لله تبعاً للأشياء الواقعة فيها المملوكة له، وليست مستحقة للتوجه والاستقبال استحقاقاً ذاتياً.

وذكر المشرق والمغرب مراد به تعميم الجهات كما تقدم عند قوله تعالى: ﴿ ولله المشرق والمغرب ﴾ [البقرة: 115]، ويجوز أن يكون المراد من المشرق والمغرب الكناية عن الأرض كلها لأن اصطلاح الناس أنهم يقسمون الأرض إلى جهتين شرقية وغربية بحسب مطلع الشمس ومغربها، والمقصود أن ليس لبعض الجهات اختصاص بقرب من الله تعالى لأنه منزه عن الجهة وإنما يكون أمره باستقبال بعض الجهات لحكمة يريدها كالتيمن أو التذكر فلا بدع في التولي لجهة دون أخرى حسب ما يأمر به الله تعالى، فقوله تعالى: ﴿ قل لله المشرق والمغرب ﴾ ، إشارة إلى وجه صحة التولية إلى الكعبة وقوله: ﴿ يهدي من يشاء ﴾ إشارة إلى وجه ترجيح التولية إلى الكعبة على التولية إلى غيرها لأن قوله: ﴿ يهدي من يشاء ﴾ تعريض بأن الذي أمر الله به المسلمين هو الهدى دون قبلة اليهود إلاّ أن هذا التعريض جيء به على طريقة الكلام المنصف من حيث ما في قوله ﴿ من يشاء ﴾ من الإجمال الذي يبينه المقام فإن المهدي من فريقين كانا في حالة واحدة هو الفريق الذي أمره من بيده الهدى بالعدول عن الحالة التي شاركه فيها الفريق الآخر إلى حالة اختص هو بها، فهذه الآية بهذا المعنى فيها إشارة إلى ترجيح أحد المعنيين من الكلام الموجه أقوى من آية: ﴿ وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ﴾ [سبأ: 24].

وقد سلك في هذا الجواب لهم طريق الإعراض والتبكيت لأن إنكارهم كان عن عناد لا عن طلب الحق فأجيبوا بما لا يدفع عنهم الحيرة ولم تبين لهم حكمة تحويل القبلة ولا أحقية الكعبة بالاستقبال وذلك ما يعلمه المؤمنون.

فأما إذا جرينا على قول الذين نسبوا إلى اليهود استقبال جهة المغرب وإلى النصارى استقبال جهة المشرق من المفسرين فيأتي على تفسيرهم أن تقول إن ذكر المشرق والمغرب إشارة إلى قبلة النصارى وقبلة اليهود، فيكون الجواب جواباً بالإعراض عن ترجيح قبلة المسلمين لعدم جدواه هنا، أو يكون قوله: ﴿ يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ﴾ إيماء إلى قبلة الإسلام، والمراد بالصراط المستقيم هنا وسيلة الخير وما يوصل إليه كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ اهدنا الصراط المستقيم ﴾ [الفاتحة: 6] فيشمل ذلك كل هَدْي إلى خير ومنه الهدى إلى استقبال أفضل جهة.

فجملة: ﴿ يهدي من يشاء ﴾ حال من اسم الجلالة ولا يحسن جعلها بدل اشتمال من جملة: ﴿ لله المشرق والمغرب ﴾ لعدم وضوح اشتمال جملة: قل لله المشرق والمغرب على معنى جملة: ﴿ يهدي من يشاء ﴾ إذ مفاد الأولى أن الأرض جميعها لله أي فلا تتفاضل الجهات ومفاد الثانية أن الهدى بيد الله.

واتفق علماء الإسلام على أن استقبال الكعبة أي التوجه إليها شرط من شروط صحة الصلاة المفروضة والنافلةِ إلاّ لضرورة في الفريضة كالقتال والمريض لا يجد من يوجهه إلى جهة القبلة أو لرخصة في النافلة للمسافر إذا كان راكباً على دابة أو في سفينة لا يستقر بها.

فأما الذي هو في المسجد الحرام ففرض عليه استقبال عين الكعبة من أحد جوانبها ومن كان بمكة في موضع يعاين منه الكعبة فعليه التوجه إلى جهة الكعبة التي يعاينها فإذا طال الصف من أحد جوانب الكعبة وجب على من كان من أهل الصف غيرَ مقابل لركن من أركان الكعبة أن يستدير بحيث يصلون دائرين بالكعبة صفاً وراء صف بالاستدارة، وأما الذي تَغيب ذات الكعبة عن بصره فعليه الاجتهاد بأن يتوخى أن يستقبل جهتها فمن العلماء من قال يتوخَّى المصلي جهةَ مصادفة عين الكعبة بحيث لو فُرض خط بينه وبين الكعبة لوجَدَ وجهه قُبالة جدارها، وهذا شاق يعسر تحققه إلاّ بطريق أرصاد علم الهيئة ويعبر عن هذا باستقبال العين وباستقبال السمت وهذا قول ابن القصار واختاره أحد أشياخ أبي الطيب عبد المنعم الكندي ونقله المالكية عن الشافعي، ومن العلماء من قال يتوخى المصلى أن يستقبل جهةً أقرب ما بينه وبين الكعبة بحيث لو مشى باستقامة لوصل حول الكعبة ويعبر عن هذا باستقبال الجهة أي جهة الكعبة وهذا قول أكثر المالكية واختاره الأبهري والباجي وهو قول أبي حنيفة وأحمد بن حنبل وهو من التيسير ورفع الحرج، ومن كان بالمدينة يستدل بموضع صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في مسجده لأن الله أذن لرسوله بالصلاة فيه، وروى ابن القاسم عن مالك أن جبريل هو الذي أقام للنبيء صلى الله عليه وسلم قِبلة مسجده.

وبين المازري معنى المسامتة بأن يكون جزء من سطح وجه المصلي وجزء من سمت الكعبة طرفي خط مستقيم وذلك ممكن بكون صف المصلين كالخط المستقيم الواصل بين طرفي خطين متباعدين خرجا من المركز إلى المحيط في جهته لأن كل نقطة منه ممر لخارج من المركز إلى المحيط ا ه، واستبعد عز الدين بن عبد السلام هذا الكلام بأن تكليف البعيد استقبال عين البيت لا يطاق، وبإجماعهم على صحة ذوي صفَ مائةِ ذراع وعَرضُ البيت خمسة أذرع فبعض هذا الصف خارج عن سمت البيت قطعاً ووافقه القرافي ثم أجاب بأن البيت لمستقبليه كمركز دائرة لمحيطها والخطوط الخارجة من مركز لمحيطه كلما قربت منه اتسعت ولا سيما في البعد.

فإذا طالت الصفوف فلا حرج عليهم لأنهم إنما يجب عليهم أن يكونوا متوجهين نحو الجهة التي يعبرون عنها بأنها قبلة الصلاة.

ومن أخطأ القبلة أو نسي الاستقبال حتى فرغ من صلاته لا يجب عليه إعادة صلاته عند مالك وأبي حنيفة وأحمد إلاّ أن مالكاً استحب له أن يعيدها ما لم يخرج الوقت ولم ير ذلك أبو حنيفة وأحمد وهذا بناء على أن فرض المكلف هو الاجتهاد في استقبال الجهة وأما الشافعي فأوجب عليه الإعادة أبداً بناء على أنه يرى أن فرض المكلف هو إصابة سمت الكعبة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ﴾ السُّفَهاءُ: واحِدُهُ سَفِيهٌ، والسَّفِيهُ: الخَفِيفُ الحِلْمِ، مِن قَوْلِهِمْ: ثَوْبٌ سَفِيهٌ إذا كانَ خَفِيفَ النَّسْجِ، ورُمْحٌ سَفِيهٌ إذا أسْرَعَ نُفُوذُهُ.

وَفِي المُرادِ بِالسُّفَهاءِ هَهُنا ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: اليَهُودُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: المُنافِقُونَ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّالِثُ: كُفّارُ قُرَيْشٍ وحَكاهُ الزَّجّاجُ.

﴿ ما ولاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها ﴾ يَعْنِي ما صَرَفَهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها، وهي بَيْتُ المَقْدِسِ، حَيْثُ كانَ يَسْتَقْبِلُها رَسُولُ اللَّهِ  بِمَكَّةَ، بَعْدَ هِجْرَتِهِ إلى المَدِينَةِ بِسِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا في رِوايَةِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ، وفي رِوايَةِ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ: ثَلاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وفي رِوايَةِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ تِسْعَةُ أشْهُرٍ أوْ عَشَرَةُ أشْهُرٍ، ثُمَّ نُسِخَتْ قِبْلَةُ بَيْتِ المَقْدِسِ بِاسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ، ورَسُولُ اللَّهِ  بِالمَدِينَةِ في صَلاةِ الظُّهْرِ وقَدْ صَلّى مِنها رَكْعَتَيْنِ نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ، فانْصَرَفَ بِوَجْهِهِ إلى الكَعْبَةِ، هَذا قَوْلُ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، وقالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: «كُنّا في صَلاةِ العَصْرِ بِقُباءَ، فَمَرَّ رَجُلٌ عَلى أهْلِ المَسْجِدِ وهم رُكُوعٌ في الثّانِيَةِ، فَقالَ: أشْهَدُ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  قِبَلَ مَكَّةَ، فَدارُوا كَما هم قِبَلَ البَيْتِ، وقِبَلُ كُلِّ شَيْءٍ: ما قابَلَ وجْهَهُ.

» واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في اسْتِقْبالِ رَسُولِ اللَّهِ  بَيْتَ المَقْدِسِ، هَلْ كانَ بِرَأْيِهِ واجْتِهادِهِ، أوْ كانَ عَنْ أمْرِ اللَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِ: ﴿ وَما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إلا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ ﴾ ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُرَيْجٍ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ كانَ يَسْتَقْبِلُها بِرَأْيِهِ واجْتِهادِهِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وأبِي العالِيَةِ، والرَّبِيعِ.

واخْتَلَفُوا في سَبَبِ اخْتِيارِهِ بَيْتَ المَقْدِسِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اخْتارَ بَيْتَ المَقْدِسِ لِيَتَألَّفَ أهْلَ الكِتابِ، وهَذا قَوْلُ أبِي جَعْفَرٍ الطَّبَرِيِّ.

والثّانِي: لِأنَّ العَرَبَ كانَتْ تَحُجُّ البَيْتَ غَيْرَ آلِفَةٍ لِبَيْتِ المَقْدِسِ، فَأحَبَّ اللَّهُ أنْ يَمْتَحِنَهم بِغَيْرِ ما ألِفُوهُ، لِيَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ، وهَذا قَوْلُ أبِي إسْحاقَ الزَّجّاجِ، فَلَمّا اسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ  الكَعْبَةَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «أتى رِفاعَةُ بْنُ قَيْسٍ وكَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ والرَّبِيعُ وكِنانَةُ بْنُ أبِي الحُقَيْقِ، فَقالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ  : ما ولّاكَ عَنْ قِبْلَتِكَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها وأنْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ ودِينِهِ؟

ارْجِعْ إلى قِبْلَتِكَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها، نَتَّبِعْكَ ونُصَدِّقْكَ.

وَإنَّما يُرِيدُونَ فِتْنَتَهُ عَنْ دِينِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ما ولاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ » يَعْنِي حَيْثُما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِاسْتِقْبالِهِ مِن مَشْرِقٍ أوْ مَغْرِبٍ.

والصِّراطُ: الطَّرِيقُ: والمُسْتَقِيمُ: المُسْتَوِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي خِيارًا، مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ وسَطُ الحَسَبِ في قَوْمِهِ، إذا أرادُوا بِذَلِكَ الرَّفِيعَ في حَسَبِهِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: هم وسَطٌ يَرْضى الإلَهُ بِحُكْمِهِمْ إذا نَزَلَتْ إحْدى اللَّيالِي بِمُعَظَّمِ والثّانِي: أنَّ الوَسَطَ مِنَ التَّوَسُّطِ في الأُمُورِ، لِأنَّ المُسْلِمِينَ تَوَسَّطُوا في الدِّينِ، فَلا هم أهْلُ غُلُوٍّ فِيهِ، ولا هم أهْلُ تَقْصِيرٍ فِيهِ، كاليَهُودِ الَّذِينَ بَدَّلُوا كِتابَ اللَّهِ وقَتَلُوا أنْبِياءَهم وكَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ، فَوَصَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهم وسَطٌ، لِأنَّ أحَبَّ الأُمُورِ إلَيْهِ أوْسَطُها.

والثّالِثُ: يُرِيدُ بِالوَسَطِ: عَدْلًا، لِأنَّ العَدْلَ وسَطٌ بَيْنَ الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ، وقَدْ رَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، «عَنِ النَّبِيِّ  في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا ﴾ أيْ عَدْلًا.

» ﴿ لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: لِتَشْهَدُوا عَلى أهْلِ الكِتابِ، بِتَبْلِيغِ الرَّسُولِ إلَيْهِمْ رِسالَةَ رَبِّهِمْ.

والثّانِي: لِتَشْهَدُوا عَلى الأُمَمِ السّالِفَةِ، بِتَبْلِيغِ أنْبِيائِهِمْ إلَيْهِمْ رِسالَةَ رَبِّهِمْ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ النَّبِيِّ  ، أنَّ الأُمَمَ السّالِفَةَ تَقُولُ لَهُمْ: كَيْفَ تَشْهَدُونَ عَلَيْنا ولَمْ تُشاهِدُونا، فَيَقُولُونَ: أعْلَمَنا نَبِيُّ اللَّهِ بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِن كِتابِ اللَّهِ.

والثّالِثُ: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ﴾ أيْ لِتَكُونُوا مُحْتَجِّينَ عَلى الأُمَمِ كُلِّها، فَعَبَّرَ عَنِ الِاحْتِجاجِ بِالشَّهادَةِ، وهَذا قَوْلٌ حَكاهُ الزَّجّاجُ.

﴿ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَكُونُ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلى أُمَّتِهِ أنْ قَدْ بَلَّغَ إلَيْهِمْ رِسالَةَ رَبِّهِ.

والثّانِي: أنَّ مَعْنى ذَلِكَ أنْ يَكُونَ شَهِيدًا لَهم بِإيمانِهِمْ، وتَكُونُ (عَلَيْهِمْ) بِمَعْنى (لَهُمْ).

والثّالِثُ: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا ﴾ أيْ مُحْتَجًّا.

﴿ وَما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها ﴾ أيْ بَيْتَ المَقْدِسِ، ﴿ إلا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ ﴾ فَإنْ قِيلَ: اللَّهُ أعْلَمُ بِالأشْياءِ قَبْلَ كَوْنِها، فَكَيْفَ جُعِلَ تَحْوِيلُ القِبْلَةِ طَرِيقًا إلى عِلْمِهِ؟

قِيلَ: في قَوْلِهِ: ﴿ إلا لِنَعْلَمَ ﴾ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي إلّا لِيَعْلَمَ رَسُولِي، وحِزْبِي، وأوْلِيائِي; لِأنَّ مِن شَأْنِ العَرَبِ إضافَةُ ما فَعَلَهُ أتْباعُ الرَّئِيسِ إلَيْهِ، كَما قالُوا: فَتَحَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ سَوادَ العِراقِ وجَبى خَراجَها.

والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إلا لِنَعْلَمَ ﴾ بِمَعْنى: إلّا لِنَرى، والعَرَبُ قَدْ تَضَعُ العِلْمَ مَكانَ الرُّؤْيَةِ، والرُّؤْيَةَ مَكانَ العِلْمِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأصْحابِ الفِيلِ  ﴾ يَعْنِي: ألَمْ تَعْلَمْ.

والثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا لِنَعْلَمَ ﴾ بِمَعْنى إلّا لِتَعْلَمُوا أنَّنا نَعْلَمُ، فَإنَّ المُنافِقِينَ كانُوا في شَكٍّ مِن عِلْمِ اللَّهِ بِالأشْياءِ قَبْلَ كَوْنِها.

والرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ إلا لِنَعْلَمَ ﴾ بِمَعْنى إلّا لِنُمَيِّزَ أهْلَ اليَقِينِ مِن أهْلِ الشَّكِّ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ ﴾ بِمَعْنى فِيما أمَرَ بِهِ مِنِ اسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ ﴿ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ ﴾ بِمَعْنى: مِمَّنْ يَرْتَدُّ عَنْ دِينِهِ، لِأنَّ المُرْتَدَّ راجِعٌ مُنْقَلِبٌ عَمّا كانَ عَلَيْهِ، فَشَبَّهَهُ بِالمُنْقَلِبِ عَلى عَقِبِهِ، لِأنَّ القِبْلَةَ لَمّا حُوِّلَتِ ارْتَدَّ مِنَ المُسْلِمِينَ قَوْمٌ، ونافَقَ قَوْمٌ، وقالَتِ اليَهُودُ: إنَّ مُحَمَّدًا قَدِ اشْتاقَ إلى بَلَدِ أبِيهِ، وقالَتْ قُرَيْشٌ: إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ عَلِمَ أنَّنا عَلى هُدًى وسَيُتابِعُنا.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إلا عَلى الَّذِينَ هَدى اللَّهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ وإنَّ التَّوْلِيَةَ عَنْ بَيْتِ المَقْدِسِ إلى الكَعْبَةِ والتَّحْوِيلَ إلَيْها لَكَبِيرَةٌ، وهَذا هو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ.

والثّانِي: إنَّ الكَبِيرَةَ هي القِبْلَةُ بِعَيْنِها الَّتِي كانَ رَسُولُ اللَّهِ  يَتَوَّجَهُ إلَيْها مِن بَيْتِ المَقْدِسِ قَبْلَ التَّحْوِيلِ، وهَذا قَوْلُ أبِي العالِيَةِ الرِّياحِيِّ.

والثّالِثُ: أنَّ الكَبِيرَةَ هي الصَّلاةُ، الَّتِي كانُوا صَلَّوْها إلى القِبْلَةِ الأُولى، وهَذا قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ ﴾ يَعْنِي صَلاتَكم إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، فَسَمّى الصَّلاةَ إيمانًا لِاشْتِمالِها عَلى نِيَّةٍ وقَوْلٍ وعَمَلٍ، وسَبَبُ ذَلِكَ «أنَّ المُسْلِمِينَ لَمّا حُوِّلُوا عَنِ اسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ إلى الكَعْبَةِ، قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ  : كَيْفَ مَن ماتَ مِن إخْوانِنا؟

فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ ﴾ » فَإنْ قِيلَ: هم سَألُوهُ عَنْ صَلاةِ غَيْرِهِمْ، فَأجابَهم بِحالِ صَلاتِهِمْ؟

قِيلَ: لِأنَّ القَوْمَ أشْفَقُوا أنْ تَكُونَ صَلاتُهم إلى بَيْتِ المَقْدِسِ مُحْبَطَةً لِمَن ماتَ ومَن بَقِيَ، فَأجابَهم بِما دَلَّ عَلى الأمْرَيْنِ، عَلى أنَّهُ قَدْ رَوى قَوْمٌ أنَّهم قالُوا: كَيْفَ تَضِيعُ صَلاتُنا إلى بَيْتِ المَقْدِسِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ.

﴿ إنَّ اللَّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ الرَّأْفَةُ: أشَدُّ مِنَ الرَّحْمَةِ، وقالَ أبُو عُمَرَ عَمْرُو بْنُ العَلاءِ: الرَّأْفَةُ أكْثَرُ مِنَ الرَّحْمَةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود في ناسخه والترمذي والنسائي وابن جرير وابن حبان والبيهقي في سننه عن البراء بن عازب «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أول ما قدم المدينة نزل على أخواله من الأنصار، وأنه صلى إلى بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهراً، وكان يعجبه أن تكون قبلته إلى البيت، وأن أول صلاة صلاها صلاة العصر، وصلى معه قوم فخرج رجل ممن كان صلى معه، فمر على أهل المسجد وهم راكعون فقال: أشهد بالله لقد صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل الكعبة، فداروا كما هم قبل البيت ثم أنكروا ذلك، وكان الذي مات على القبلة قبل أن تحوّل قبل البيت رجالاً وقتلوا فلم ندر ما نقول فيهم، فأنزل الله: ﴿ وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤوف رحيم ﴾ [ البقرة: 143] » .

وأخرج ابن إسحاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن البراء قال «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي نحو بيت المقدس ويكثر النظر إلى السماء ينتظر أمر الله، فأنزل الله: ﴿ قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام ﴾ [ البقرة: 144] فقال رجال من المسلمين: وددنا لو علمنا من مات منا قبل أن نصرف إلى القبلة، وكيف بصلاتنا نحو بيت المقدس؟

فأنزل الله: ﴿ وما كان الله ليضيع إيمانكم ﴾ [ البقرة: 143] وقال السفهاء من الناس وهم من أهل الكتاب: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟

فأنزل الله: ﴿ سيقول السفهاء من الناس...

﴾ إلى آخر الآية» .

وأخرج الترمذي والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم والدارقطني والبيهقي عن البراء قال «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صلى نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهراً، وكان يحب أن يصلي نحو الكعبة، فكان يرفع رأسه إلى السماء، فأنزل الله: ﴿ قد نرى تقلب وجهك...

﴾ [ البقرة: 144] الآية.

فوجه نحو الكعبة، وقال السفهاء من الناس وهم اليهود ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟

فأنزل الله: ﴿ قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ﴾ » .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه والبيهقي عن ابن عباس قال إن أول ما نسخ في القرآن القبلة، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة وكان أكثر أهلها اليهود أمره الله أن يستقبل بيت المقدس ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعة عشر شهراً، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب قبلة إبراهيم، وكان يدعو الله وينظر إلى السماء، فأنزل الله: ﴿ قد نرى تقلب وجهك ﴾ إلى قوله: ﴿ فولوا وجوهكم شطره ﴾ يعني نحوه، فارتاب من ذلك اليهود وقالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟

فأنزل الله: ﴿ قل لله المشرق والمغرب ﴾ وقال: ﴿ أينما تولوا فثم وجه الله ﴾ [ البقرة: 115] .

وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود في ناسخه والنحاس والبيهقي في سننه عن ابن عباس «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهو بمكة نحو بيت المقدس والكعبة بين يديه، وبعدها تحول إلى المدينة ستة عشر شهراً، ثم صرفه الله إلى الكعبة» .

وأخرج أبو داود في ناسخه عن ابن عباس قال: أوّل ما نسخ من القرآن القبلة، وذلك أن محمداً كان يستقبل صخرة بيت المقدس وهي قبلة اليهود، فاستقبلها سبعة عشر شهراً ليؤمنوا به وليتبعوه وليدعوا بذلك الأميين من العرب.

فقال الله: ﴿ ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله ﴾ وقال: ﴿ قد نرى تقلب وجهك ﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير عن عكرمة مرسلاً.

وأخرج أبو داود في ناسخه عن أبي العالية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر نحو بيت المقدس فقال لجبريل «وددت أن الله صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها؟» فقال له جبريل: إنما أنا عبد مثلك، ولا أملك لك شيئاً إلا ما أمرت، فادع ربّك وسله، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يديم النظر إلى السماء رجاء أن يأتيه جبريل بالذي سأل، فأنزل الله: ﴿ قد نرى تقلب وجهك في السماء ﴾ [ البقرة: 144] يقول: إنك تديم النظر إلى السماء للذي سألت ﴿ فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام ﴾ يقول فحوّل وجهك في الصلاة نحو المسجد الحرام ﴿ وحيثما كنتم ﴾ يعني من الأرض ﴿ فولوا وجوهكم ﴾ في الصلاة ﴿ شطره ﴾ نحو الكعبة.

وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: صرفت القبلة عن الشام إلى الكعبة في رجب، على رأس سبعة عشر شهراً من مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينه، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رفاعة بن قيس، وقردم بن عمرو، وكعب بن الأشرف، ونافع بن أبي نافع، والحجاج بن عمرو، حليف كعب بن الأشرف، والربيع بن أبي الحقيق، وكنانة بن أبي الحقيق، فقالوا له: يا محمد ما ولاك عن قبلتك التي كنت عليها وأنت تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه، ارجع إلى قبلتك التي كنت عليها نتبعك ونصدقك، وإنما يريدون فتنته عن دينه.

فأنزل الله: ﴿ سيقول السفهاء من الناس ﴾ إلى قوله: ﴿ إلاَّ لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه ﴾ أي ابتلاء واختباراً ﴿ وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله ﴾ [ البقرة: 143] أي ثبت الله ﴿ وما كان الله ليضيع إيمانكم ﴾ يقول: صلاتكم بالقبلة الأولى، وتصديقكم نبيكم، واتباعكم اياه إلى القبلة الآخرة، أي ليعطينكم أجرهما جميعاً ﴿ إن الله بالناس لرؤوف رحيم ﴾ إلى قوله: ﴿ فلا تكونن من الممترين ﴾ .

وأخرج وكيع وعبد بن حميد وأبو داود في ناسخه والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن البراء في قوله: ﴿ سيقول السفهاء من الناس ﴾ قال: اليهود.

وأخرج أبو داود في ناسخه من طريق مجاهد عن ابن عباس قال: أول آية نسخت من القرآن القبلة، ثم الصلاة الأولى.

وأخرج الطبراني عن ابن عبّاس قال: «صلى النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً، ثم حوّلت القبلة بعد» .

وأخرج البيهقي في الدلائل عن الزهري قال: «صرفت القبلة نحو المسجد الحرام في رجب على رأس ستة عشر شهراً من مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقلب وجهه في السماء وهو يصلي نحو بيت المقدس، فأنزل الله حين وجهه إلى البيت الحرام ﴿ سيقول السفهاء من الناس ﴾ وما بعدها من الآيات، فأنشأت اليهود تقول: قد اشتاق الرجل إلى بلده وبيت أبيه، وما لهم حتى تركوا قبلتهم يصلون مرة وجهاً ومرة وجهاً آخر، وقال رجال من الصحابة: فكيف بمن مات منا وهو يصلي قبل بيت المقدس؛ وفرح المشركون وقالوا: إن محمداً قد التبس عليه أمره، ويوشك أن يكون على دينكم، فأنزل الله في ذلك هؤلاء الآيات» .

وأخرج ابن جرير عن السدي قال: لما وجه النبي صلى الله عليه وسلم قبل المسجد الحرام اختلف الناس فيها فكانوا أصنافاً، فقال المنافقون: ما بالهم كانوا على قبلة زماناً ثم تركوها وتوجهوا غيرها؟

وقال المسلمون: ليت شعرنا عن إخواننا الذين ماتوا وهم يصلون قبل بيت المقدس هل يقبل الله منا ومنهم أم لا؟

وقال اليهود: إن محمداً اشتاق إلى بلد أبيه ومولده، ولو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن يكون هو صاحبنا الذي ننتظر، وقال المشركون من أهل مكة: تحير على محمد دينه فتوجه بقبلته إليكم وعلم أنكم كنتم أهدى منه، ويوشك أن يدخل في دينكم، فأنزل الله في المنافقين ﴿ سيقول السفهاء من الناس ﴾ إلى قوله: ﴿ إلا على الذين هدى الله ﴾ ، وأنزل في الآخرين الآيات بعدها.

وأخرج مالك وأبو داود في ناسخه وابن جرير والبيهقي في الدلائل عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بعد أن قدم المدينة ستة عشر شهراً نحو بيت المقدس، ثم تحوّلت القبلة إلى الكعبة قبل بدر بشهرين.

وأخرج ابن عدي والبيهقي في السنن والدلائل من طريق سعيد بن المسيب قال: سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: «صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما قدم المدينة ستة عشر شهراً نحو بيت المقدس، ثم حوّل بعد ذلك قبل المسجد الحرام قبل بدر بشهرين» .

وأخرج أبو داود في ناسخه عن سعيد بن عبد العزيز «أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى نحو بيت المقدس من شهر ربيع الأول إلى جمادى الآخرة» .

وأخرج ابن جرير عن سعيد بن المسيب «أن الأنصار صلت للقبلة الأولى قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة بثلاث حجج، وأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى للقبلة الأولى بعد قدومه المدينة ستة عشر شهراً» .

وأخرج ابن جرير عن معاذ بن جبل «أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى للقبلة الأولى بعد قدومه المدينة ستة عشر شهراً» .

وأخرج ابن جرير عن معاذ بن جبل «أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فصلى نحو بيت المقدس ثلاثة عشر شهراً» .

وأخرج البزار وابن جرير عن أنس قال: «صلى النبي صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس تسعة أشهر أو عشرة أشهر، فبينما هو قائم يصلي الظهر بالمدينة وقد صلى ركعتين نحو بيت المقدس انصرف بوجهه إلى الكعبة، فقال السفهاء: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟» .

وأخرج البخاري عن أنس قال: لم يبق ممن صلى للقبلتين غيري.

وأخرج أبو داود في ناسخه وأبو يعلى والبيهقي في سننه عن أنس «أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يصلون نحو بيت المقدس، فلما نزلت هذه الآية ﴿ فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام ﴾ [ البقرة: 144] مر رجل من بني سلمة فناداهم وهم ركوع في صلاة الفجر نحو بيت المقدس ألا إنَّ القبلة قد حوّلت إلى الكعبة مرتين، فمالوا كما هم ركوع إلى الكعبة» .

وأخرج مالك وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود في ناسخه والنسائي عن ابن عمر قال: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة» .

وأخرج الزبير بن بكار في أخبار المدينة عن عثمان بن عبد الرحمن قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام يصلي انتظر أمر الله في القبلة، وكان يفعل أشياء لم يؤمر بها ولم ينه عنها من فعل أهل الكتاب، فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر في مسجده، قد صلى ركعتين إذ نزل عليه جبريل، فأشار له أنْ صل إلى البيت وصلى جبريل إلى البيت، وأنزل الله: ﴿ قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فوِّل وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره ﴾ [ البقرة: 144] .

و ﴿ وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون ﴾ [ البقرة: 144] قال: فقال المنافقون: حن محمد إلى أرضه وقومه، وقال المشركون: أراد محمد أن يجعلنا له قبلة ويجعلنا له وسيلة، وعرف أن ديننا أهدى من دينه.

وقال اليهود للمؤمنين: ما صرفكم إلى مكة وترككم به القبلة، قبلة موسى ويعقوب والأنبياء، والله إن أنتم إلا تفتنون.

وقال المؤمنون: لقد ذهب منا قوم ماتوا ما ندري أكنا نحن وهم على قبلة أو لا؟

قال: فأنزل الله عز وجل في ذلك ﴿ سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ﴾ إلى قوله: ﴿ إن الله بالناس لرؤوف رحيم ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة قال «كانت القبلة فيها بلاء وتمحيص، صلت الأنصار نحو الكعبة حولين قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم، وصلى نبي الله بعد قدومه المدينة نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً، ثم وجهه الله بعد ذلك إلى الكعبة البيت الحرام فقال في ذلك قائلون من الناس: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها لقد اشتاق الرجل إلى مولده؟!

قال الله عز وجل ﴿ قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ﴾ وقال أناس من أناس: لقد صرفت القبلة إلى البيت الحرام فكيف أعمالنا التي عملنا في القبلة الأولى؟

فأنزل الله: ﴿ وما كان الله ليضيع إيمانكم ﴾ [ البقرة: 143] وقد يبتلي الله عباده بما شاء من أمره الأمر بعد الأمر، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه، وكل ذلك مقبول في درجات في الإِيمان بالله والاخلاص، والتسليم لقضاء الله» .

وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة عن عمارة بن أوس الأنصاري قال: صلينا إحدى صلاتي العشي، فقام رجل على باب المسجد ونحن في الصلاة، فنادى أن الصلاة قد وجبت نحو الكعبة، فحوّل أو انحرف أمامنا نحو الكعبة والنساء والصبيان.

وأخرج ابن أبي شيبة والبزار عن أنس بن مالك قال: جاءنا منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال «إن القبلة قد حوّلت إلى بيت الله الحرام، وقد صلى الإِمام ركعتين فاستداروا، فصلوا الركعتين الباقيتين نحو الكعبة» .

وأخرج ابن سعد عن محمد بن عبد الله بن جحش قال «صلّيت القبلتين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فصرفت القبلة إلى البيت ونحن في صلاة الظهر، فاستدار رسول الله صلى الله عليه وسلم بنا فاستدرنا معه» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله: ﴿ يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ﴾ قال: يهديهم إلى المخرج من الشبهات والضلالات والفتن.

وأخرج أحمد والبيهقي في سننه عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنهم- يعني أهل الكتاب- لا يحسدونا على شيء كما يحسدونا على الجمعة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى القبلة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى قولنا خلف الإِمام آمين» .

وأخرج الطبراني عن عثمان بن حنيف قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يقدم من مكة يدعو الناس إلى الإِيمان بالله في تصديق به قولاً بلا عمل، والقبلة إلى بيت المقدس، فلما هاجر إلينا نزلت الفرائض، ونسخت المدينة مكة والقول فيها، ونسخ البيت الحرام بيت المقدس، فصار الإِيمان قولاً وعملاً» .

وأخرج البزار والطبراني عن عمرو بن عوف قال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة فصلى نحو بيت المقدس سبعة عشر شهراً، ثم حولت إلى الكعبة» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى ﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ ﴾ الآية، نزلت في تحويل القبلة إلى الكعبة.

قال ابن عباس: عَنَى بالسفهاء يهود المدينة (١) وقال السدي: يعني منافقي المدينة، وذلك أن المشركين قالوا لما توجه النبي  إلى الكعبة: قد اشتاق محمد إلى مولده، ومولد آبائه، وقد توجه نحو قبلتكم، وهو راجع إلى دينكم.

وقالت اليهود: قد تردد على محمد أمره، ولا يدري أين يتوجه.

وقالت المنافقون استهزاءً بالإسلام والمسلمين: ﴿ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ ﴾ (٢) (٣) وقوله تعالى: ﴿ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ ﴾ أي: عَدَلهم وصرفهم (٤) ﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ عَنْ قِبْلَتِهِمُ ﴾ القبلة: الوجهة، وهي الفعلة من المقابلة، والعرب تقول: ماله قِبلة ولا دِبرة، إذا لم يهتد لجهة أمره، وأصل القبلة في اللغة: الحالة التي يقابل الشيء غيره عليها، كالجلسة للحال التي يجلس عليها، إلا أنها الآن صارت كالعلم للجهة التي تستقبل في الصلاة (٥) وقوله تعالى: ﴿ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ﴾ يعنون: بيت المقدس، في قول أكثر المفسرين، والضمير في قبلتهم: للنبي  وأصحابه.

وقال عطاء عن ابن عباس: يريد التي كان عليها إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط (٦) (٧) ﴿ قِبلَتِهِمُ ﴾ لإبراهيم ومن ذُكر بعده، كأنهم قالوا: ما ولّى النبي وأصحابه عن قبلة إبراهيم والأسباط.

والقول هو الأول، وعليه المفسرون.

وقوله تعالى: ﴿ قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ﴾ أي: له أن يأمر بالتوجه إلى أي جهة شاء (٨) وقيل: أراد بالمشرق الكعبة؛ لأن المصلي بالمدينة إذا توجه إلى الكعبة فهو متوجه إلى المشرق، وإذا توجه إلى بيت المقدس فهو متوجه إلى المغرب (٩) وقوله تعالى: ﴿ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ قال ابن عباس: إلى دين مستقيم، يريد: أني قد رضيت قبلة أولئك، ورضيت هذه القبلة لمحمد  .

"ودين الله" يسمى: صراطًا مستقيمًا؛ لأنه يؤدي إلى الجنة؛ كما يؤدي الطريق المستقيم إلى البغية (١٠) (١) أخرجه الطبري 2/ 1، وذكره ابن أبي حاتم 1/ 247.

(٢) ينظر: "تفسير البغوي" 1/ 158.

(٣) ينظر: "اللسان" 4/ 2032 (سفه).

(٤) "تفسير الطبري" 2/ 2، "تفسير القرطبي" 2/ 137 - 138.

(٥) "اللسان" 6/ 3517 (قبل).

(٦) قريب منه في "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 247.

(٧) ساقط من (م).

(٨) كذا في "تفسير القرطبي" 2/ 140.

(٩) ذكره أبو حيان في "البحر" 1/ 421.

(١٠) ينظر: "تفسير القرطبي" 2/ 140.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ سَيَقُولُ ﴾ ظاهرة الإعلام بقولهم قبل وقوعه، إلاّ أن ابن عباس قال: نزلت بعد قولهم ﴿ السفهآء ﴾ هنا اليهود أو المشركون أو المنافقون ﴿ مَا ولاهم ﴾ أي ما ولى المسلمين ﴿ عَن قِبْلَتِهِمُ ﴾ الأولى وهي بيت المقدس إلى الكعبة ﴿ للَّهِ المشرق والمغرب ﴾ رداً عليهم لأن الله يحكم ما يريد، ويولي عباده حيث شاء، لأن الجهات كلها له ﴿ وَكَذَلِكَ ﴾ بعدما هديناكم ﴿ جعلناكم أُمَّةً وَسَطاً ﴾ أي خياراً ﴿ شُهَدَآءَ عَلَى الناس ﴾ أي تشهدون يوم القيامة بإبلاغ الرسل إلى قومهم ﴿ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ﴾ أي بأعمالكم، قال عليه الصلاة والسلام: أقول كما قال أخي عيسى: ﴿ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ﴾ [المائدة: 117] الآية، فإن قيل: لم قدّم المجرور في قوله عليكم شهيداً وأخره في قوله: شهداء على الناس؟

فالجواب: أنّ تقديم المعمولات يفيد الحصر، فقدّم المجرور في قوله: عليكم شهيداً: لاختصاص شهادة النبي صلى الله عليه وسلم بأمته، ولم يقدّمه في قوله شهداء على الناس لأنه لم يقصد الحصر ﴿ القبلة التي كُنتَ عَلَيْهَآ ﴾ فيها قولان: أحدهما: أنها الكعبة، وهو قول ابن عباس.

والآخر: هو بيت المقدس، وهو قول قتادة وعطاء والسُدّي، وهذا مع ظاهر قوله: كنت عليها؛ لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي إلى بيت المقدس، ثم انصرف عنه إلى الكعبة، وأما قول ابن عباس: فتأويله بوجهين: الأول: أن كنت بمعنى أنت، والثاني: قيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى الكعبة قبل بيت المقدس، وإعراب ﴿ إلا التي كنت عليها ﴾ مفعول بجعلنا، أو صفة للقبلة، ومعنى الآية على القولين: اختبار وفتنة للناس بأمر القبلة، وأما على قول قتادة: فإن الصلاة إلى هذا: ما جعلنا صرف القبلة، أما على قول ابن عباس: فإن الصلاة إلى الكعبة فتنة لليهود؛ لأنهم يعظمون بيت المقدس، وهم مع ذلك ينكرون النسخ، فأنكروا صرف القبلة، أو فتنة لضعفاء المسلمين؛ حتى رجع بعضهم عن الإسلام حين صرفت القبلة ﴿ لِنَعْلَمَ ﴾ أي العلم الذي تقوم به الحجة على العبد وهو إذا ظهر في الوجود ما علمه الله ﴿ يَنقَلِبُ على عَقِبَيْهِ ﴾ عبارة عن الارتداد عن الإسلام، وهو تشبيه بمن رجع يمشي إلى وراء ﴿ وَإِن كَانَتْ ﴾ إن مخففة من الثقيلة واسم كان ضمير الفعلة وهي التحوّل عن القبلة ﴿ إيمانكم ﴾ قيل صلاتكم إلى بيت المقدس واستدل به من قال إنّ الأعمال من الإيمان، وقيل: معناه ثبوتكم على الإيمان حين انقلب غيركم بسبب تحويل القبلة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ من يشاء إلى ﴾ بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر.

الباقون ﴿ يشاء ولى ﴾ بقلب الثانية واواً.

وروى الخزاعي وابن شنبوذ عن أهل مكة ﴿ يشاو إلى ﴾ بقلب الأولى واواً ﴿ لرؤف ﴾ مهموزاً مشبعاً: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وابن عامر وحفص والمفضل والبرجمي.

وقرأ يزيد بتليين الهمزة والإشباع.

الباقون: ﴿ لرؤف ﴾ على وزن "الرعف" ﴿ ..

يعملون ولئن ﴾ بياء الغيبة: ابن كثير ونافع وخلف وعاصم وأبو عمرو ويعقوب، الباقون: بالتاء ﴿ مولاها ﴾ بالألف: ابن عامر والباقون: بالباء وكسر اللام ﴿ يعملون ومن حيث ﴾ بياء المغايبة: أبو عمرو.

الباقون: بالتاء ﴿ ليلاً ﴾ مدغمة غير مهموزة عن ورش، وعن ابن كثير وحمزة وعلي وخلفٍ ويعقوب مدغماً مهموزاً.

الباقون: مظهراً مهموزاً، والاختيار عن يعقوب وهشام الإظهار.

﴿ فاذكروني ﴾ بفتح الياء: ابن كثير.

الوقوف: ﴿ عليها ﴾ ط ﴿ المغرب ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ شهيداً ﴾ ط ﴿ عقبيه ﴾ ط ﴿ هدى الله ﴾ ط ﴿ ايمانكم ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ في السماء ﴾ ج لأن الجملتين وإن اتفقتا فقد دخل الثانية حرفا توكيد يختصان بالقسم والقسم مصدّر ﴿ ترضيها ﴾ ص لأن فاء التعقيب لتعجيل الموعود ﴿ الحرام ﴾ ط ﴿ شطره ﴾ ط ﴿ من ربهم ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ قبلتك ﴾ ج ﴿ قبلتهم ﴾ ج وكلاهما لتفصيل الأحوال مع اتحاد المقصود ﴿ قبلة بعض ﴾ ط ﴿ من العلم ﴾ لا لأن "ان" جواب معنى القسم في "لئن"، فلو فصل كان ﴿ من الظالمين ﴾ مطلقاً وفي الاطلاق حظر ﴿ الظالمين ﴾ ه م لأنه لو وصل صار "الذين" صفة وهو مبتدأ في مدح عبد الله ابن سلام وأضرابه ﴿ أبناءهم ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ الممترين ﴾ ه ﴿ الخيرات ﴾ ط ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ الحرام ﴾ (ط) ﴿ من ربك ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الحرام ﴾ ط لأن "حيث" متضمن الشرط ﴿ شطره ﴾ لا لتعلق لام في ﴿ حجة ﴾ ط قبل تحرزاً عن إثبات الحجة بعد النفي والوصل ه في العربية أوضح، ولا منافاة لأن المراد من الحجة الخصومة وبيان الحق لا ينافي الخصومة ﴿ تهتدون ﴾ إذا علق ﴿ كما أرسلنا ﴾ بما قبله ووقف على ﴿ تعلمون ﴾ وإن علق بما بعده وقف على ﴿ تهتدون ﴾ دون ﴿ تعلمون ﴾ ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ ولا تكفرون ﴾ ه.

التفسير: هذه شبهة ثانية من أهل الكتاب طعناً في الإسلام.

قالوا: النسخ يقتضي إما الجهل أو التجهيل لأن الأمر إن كان خالياً عن القيد كفى فعله مرة واحدة، فلا يكون ورود الأمر بعده على خلافه ناسخاً مقيداً.

وإن كان مقيداً بالدوام فكذلك، وإن كان مقيداً بالدوام فإن كان الآمر يعتقد دوامه ثم رفعه كان جهلاً وبداء، وإن كان عالماً بلا دوامه كان تجهيلاً، وكل هذه من الحكيم قبيح.

ثم إنهم خصصوا هذه الصورة بمزيد شبهة، وهو أنّا إذا جوزنا النسخ عند اختلاف المصالح فههنا لا مصلحة فإن الجهات متساوية وهذا دليل على أن هذا التغيير ليس من عند الله.

قال القفال: لفظ ﴿ سيقول ﴾ وإن كان للاستقبال لكنه قد يستعمل في الماضي كالرجل يعمل عملاً فيطعن فيه بعض أعدائه فيقول: أنا أعلم أنهم سيطعنون فيّ.

كأنه يريد أنه إذا ذكر مرة فسيذكرونه مرات أخرى، ويؤيد ذلك ما ورد من الأخبار أنهم لما قالوا ذلك نزلت الآية.

والمشهور أن الله  أخبر عنهم قبل أن ذكروا هذا الكلام أنهم سيذكرونه، وفيه فوائد منها: أنه إخبار بالغيب فيكون معجزاً.

ومنها أن مفاجأة المكروه أشد مما إذا وطن النفس له.

ومنها أن الجواب العتيد أقطع للخصم وقبل الرمي يراش السهم، والسفهاء الخفاف الأحلام وإذا كان من لا يميز بين ما له وعليه في أمر دنياه يعدّ سفيهاً شرعاً، فالذي يضيع أمر آخرته أولى بهذا الاسم.

عن ابن عباس ومجاهد: هم اليهود، ذلك أنهم كانوا يأنسون بموافقة النبي  إياهم في القبلة، فلمّا تحول استوحشوا لا سيما وأنهم لا يرون النسخ.

وعن البراء بن عازب والحسن الأصم: أنهم مشركو العرب قالوا: أبى إلاّ الرجوع إلى موافقتنا ولو ثبت عليه أولاً كان أولى به.

وقيل: هم المنافقون ذكروا ذلك استهزاء من حيث إن تميز بعض الجهات عن بعض ليس له دليل معقول فحملوا الأمر على العبث والعمل بالرأي والتشهي والأقرب أن يكون الكل داخلاً فيه، لأن الأعداء جبلت على الغيظ وطلب التشفي، فإذا وجدوا مجالاً لم يتركوا مقالاً ﴿ ما ولاهم ﴾ ما صرفهم استفهموا على جهة التعجب والاستهزاء ﴿ عن قبلتهم التي كانوا عليها ﴾ القبلة بيت المقدس، وضمير الجمع للرسول والمؤمنين هذا هو المجمع عليه عند المفسرين، ولولا الإجماع لاحتمل أن يعود الضمير في "كانوا" إلى "السفهاء" أي ما الذي صرف الرسول والمؤمنين عن القبلة التي كان السفهاء عليها فإنهم كانوا لا يعرفون إلاّ قبلة اليهود وهي إلى المغرب وقبلة النصارى وهي إلى المشرق؟

فكأنهم قالوا: كيف يتوجه أحد إلى غير هاتين الجهتين المعروفتين؟

فاجابهم الله عن شبهتهم بقوله ﴿ قل لله المشرق والمغرب ﴾ أي بلادهما، والأرض كلها والجهات بأسرها ملكاً وملكاً، ثم أكد ذلك بقوله ﴿ يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيمٍ ﴾ وهو القبلة التي اقتضت الحكمة في هذا الزمان توجيه الناس إليها ويحتمل أن يراد به الطريقة المؤدية إلى سعادة الدارين فيشتمل القبلة وغيرها.

وحاصل الجواب بعد ما مر في آية النسخ أنه  فاعل لما يشاء كما يشاء، لا اعتراض لأحد عليه كما لا اعتراض على من يتصرف في ملكه كما يريد، وأفعاله  لا تعلل بغرض وإن كانت لا تخلو عن فائدة وحكمة كما سبق، وكثير منها مما لا يهتدي عقول البشر إلى تفاصيل حكمها لكنهم قد يستنبطون بحسب أفهامهم لبعضها وجوهاً مناسبة، أما تعيين القبلة في الصلاة فالحكمة فيه أن للإنسان قوة عقلية يدرك المجردات والمعقولات بها وقوة خيالية يتصرف بها في عالم الأجسام، وقلما تنفك العقلية عن الخيالية وإعانتها كالمهندس يضع في إدراك أحكام المقادير صورة معيّنة وشكلاً معيناً ليصير الحس والخيال معينين له على إدراك تلك الأحكام الكلية، وكالذي يريد أن يثني على ملك مجازي فإنه يستقبله بوجهه ثم يشتغل بالثناء والخدمة.

فاستقبال القبلة في الصلاة يجري مجرى كونه مستقبلاً للملك، والقراءة تجري مجرى الثناء عليه، والركوع والسجود جاريان مجرى الخدمة.

وأيضاً الخشوع في الصلاة لا يحصل إلا مع السكون وترك الالتفات، ولا يتأتى ذلك إلاّ إذا بقي في جميع صلاته مستقبلاً لجهة واحدة على التعيين.

وإذا اختص بعض الجهات بمزيد شرف في الأوهام فاستقباله أولى.

وأيضاً إنه  يحب الموافقة والألفة بين المؤمنين وقد من عليهم بذلك ﴿ واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً  ﴾ .

وتوجه كل مصلٍ إلى أي جهة تتفق مظنة الاختلاف فلم يكن بد من تعيين جهة ليحصل الاتفاق.

وأيضاً كأنه  يقول: يا مؤمن أنت عبد، والكعبة بيتي، والصلاة خدمتي، وقلبك عرشي، والجنة دار كرامتي، فاستقبل بوجهك إلى بيتي وبقلبك إليّ، أبوئك دار كرامتي.

وأيضاً اليهود استقبلوا مغرب الأنوار ﴿ وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر  ﴾ .

والنصارى استقبلوا مطلع الأنوار ﴿ إذ انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً  ﴾ فالمؤمنون استقبلوا مظهر الأنوار وهو مكة، فمنها محمد ومنه خلق الأنوار ولأجله دال الفلك الدوّار.

وأيضاً المغرب قبلة موسى، والمشرق قبلة عيسى، وبينهما قبلة إبراهيم ومحمد، وخير الأمور أوسطها؛ وأيضاً الكعبة سرة الأرض ووسطها، وأمة محمد وسط ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً ﴾ .

والوسط بالوسط أولى ﴿ الطيبات للطيبين  ﴾ .

وأيضاً العرش قبلة الحملة، والكرسي قبلة البررة، والبيت المعمور قبلة السفرة، والكعبة قبلة المؤمنين، والحق قبلة المتحيرين ﴿ فأينما تولوا فثم وجه الله ﴾ والعرش مخلوق من النور، والكرسي من الدر، والبيت المعمور من الياقوت، والكعبة من جبال خمسة: سينا وزيتا وجوديّ ولبنان وحراء.

كأنه قال: إن كان عليك مثل هذه الجبال ذنوباً فأتيت الكعبة حاجاً أو معتمراً أو توجهت مصلياً الصلوات الخمس غفرتها لك.

وأيضاً لما كان بناء هذا البيت سبباً لظهور دولة العرب كانت رغبتهم في توجهها أشد وأيضاً اليهود كانوا يعيرون المسلمين بأنا قد أرشدناكم إلى القبلة وينكسر بذلك قلوب المسلمين.

فأزيل تشويشهم، وأيضاً الكعبة منشأ محمد، فتعظيمها يقتضي تعظيمه، وتعظيمه مما يعين على قبول أوامره ونواهيه، فبمقدار حشمة المرء يكون قبول قوله.

فهذه هي الوجوه المناسبة، والوجه الأقوى هو الذي ذكره الله  في قوله ﴿ وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه ﴾ وقوله ﴿ وكذلك جعلناكم ﴾ الكاف للتشبيه، وفي اسم الإشارة وجوه.

فقيل: راجع إلى معنى يهدي أي كما أنعمنا عليكم بالهداية كذلك أنعمنا عليكم بأن جعلناكم، أو كما هديناكم إلى أوسط البقلة جعلناكم أمة وسطاً.

وقيل: عائد إلى قوله ﴿ ولقد اصطفينا  ﴾ .

أي كما اصطفينا إبراهيم في الدنيا جعلناكم.

وقيل: ينصرف إلى قوله ﴿ ولله المشرق والمغرب ﴾ أي كما خصصنا بعض الجهات المتساوية بمزيد التشريف والتكريم حتى صارت قبلةً فضلاً منا وإحساناً، جعلناكم مختصين بالعدالة براً منا وامتناناً مع تساوي الخلق في العبودية.

وقيل: قد يذكر ضمير الشيء وإن لم يكن المضمر مذكوراً إذا كان المضمر مشهوراً معروفاً مثل ﴿ إنا أنزلناه في ليلة القدر ﴾ ثم من المشهور المعروف عند كل أحد أنه  هو القادر على إعزاز من يشاء وإذلال من يشاء، فالمعنى ومثل ذلك الجعل العجيب الذي لا يقدر عليه أحد غيري جعلناكم أمةً وسطاً.

الجوهري: يقال جلست وسط القوم بالتسكين لأنه ظرف، وجلست وسط الدار بالتحريك لأنه اسم، وكل موضع صلح فيه بين فهو وسط، وإن لم يصلح فيه بين فهو وسط بالتحريك.

قال: والوسط من كل شيء أعدله، وشيء وسط أي بين الجيد والرديء، وأمةً وسطاً أي عدولاً قال زهير: همو وسط يرضى الأنام بحكمهم *** إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم وذلك أن العدل متوسط في الأخلاق بين طرفي الإفراط والتفريط، ولهذا ذكره الله تعالى في معرض المدح والامتنان.

وقيل: الوسط الخيار لأنه يستعمل في الجمادات.

قال في الكشاف: اكتريت بمكة جمل أعرابي فقال: أعطني من سطاتهن - أراد من خيار الدنانير - ويؤيده قوله  في موضع آخر ﴿ كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس  ﴾ وإنما أطلق الوسط على الخيار لأن الأطراف يتسارع إليها الخلل والعيب، والأوساط محمية محوطة.

وقيل: المراد بالوسط ههنا أنهم متوسطون في الدين بين المفرط والمفرّط والغالي والمقصر في شأن الأنبياء لا كالنصارى حيث جعلوا النبي صلّى الله عليه وسلم ابناً وإلهاً، ولا كاليهود حيث قتلوا الأنبياء وبدلوا الكتب، ولأن الوسط في الأصل اسم وصف به استوى فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث ﴿ لتكونوا شهداء على الناس ﴾ الأكثرون على أن هذه الشهادة في الآخرة إما بأن يكونوا شهداء للأنبياء على أممهم الذين يكذبونهم.

روي أن الأمم يجحدون تبليغ الأنبياء يوم القيامة فيطالب الله الأنبياء بالبينة على أنهم قد بلغوا - وهو أعلم - فيؤتى بأمة محمد فيشهدون فيقول الأمم: من أين عرفتم؟

فيقولون: علمنا ذلك بإخبار الله في كتابه الناطق على لسان نبيه الصادق.

فيؤتى بمحمد فيسأل عن حال أمته فيزكيهم ويشهد بعدالتهم وذلك قوله  ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمةٍ بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً  ﴾ قلت: والحكمة في ذلك تمييز أمة محمد  في الفضل عن سائر الأمم حيث يبادرون إلى تصديق الله  وتصديق جميع الأنبياء والإيمان بهم جميعاً، فهم بالنسبة إلى غيرهم كالعدل بالنسبة إلى الفاسق، ولذلك تقبل شهادتهم على الأمم، ولا تقبل شهادة الأمم عليهم.

وإنما سمي هذا الإخبار شهادة لقوله  "إذا علمت مثل الشمس فاشهد" .

والشيء الذي أخبر الله  عنه معلوم مثل الشمس فتصح الشهادة عليه، وإما بأنْ يشهدوا على الناس بأعمالهم التي خالفوا الحق فيها.

قال ابن زيد: الأشهاد أربعة: الملائكة الحفظة ﴿ وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد  ﴾ والنبيون ﴿ ويكون الرسول عليكم شهيد ﴾ وأمة محمد  خاصة ﴿ لتكونوا شهداء على الناس ﴾ ﴿ ويوم يقوم الأشهاد  ﴾ والجوارح ﴿ يوم تشهد عليهم ألسنتهم و أيديهم وأرجلهم  ﴾ .

وقيل: إن هذه الشهادة في الدنيا، وذلك أن الشاهد في عرف الشرع من يخبر عن حقوق الناس بألفاظ مخصوصة على جهات مخصوصة، فكل من عرف حال شخص فله أن يشهد عليه فإن الشهادة خبر قاطع، وشهادة الأمة لا يجوز أن تكون موقوفة على الآخرة لأن عدالتهم في الدنيا ثابتة بدليل ﴿ جعلناكم ﴾ بلفظ الماضي، فلا أقل من حصولها في الحال.

ثم رتب كونهم شهداء على عدالتهم، فيجب أن يكونوا شهداء في الدنيا.

وإن قيل: لعل التحمل في الدنيا ولكن الأداء في الآخرة.

قلنا: المراد في الآية الأداء لأن العدالة إنما تعتبر في الأداء لا في التحمل، ومن هنا يعلم أن إجماعهم حجة لا بمعنى أن كل واحدٍ منهم محق في نفسه، بل بمعنى أن هيئتهم الاجتماعية تقتضي كونهم محقين، وهذا من خواص هذه الأمة، ثم لا يبعد أن يحصل مع ذلك لهم الشهادة في الآخرة فيجري الواقع منهم في الدنيا مجرى التحمل لأنهم إذا بينوا الحق عرفوا عنده من القابل ومن الراد، ثم يشهدون بذلك يوم القيامة كما أن الشاهد علىالعقود يعرف ما الذي تم وما الذي لم يتم ثم يشهد بذلك عند الحاكم، أو يكون المعنى لتكونوا شهداء على الناس في الدنيا فيما لا يصح إلاّ بشهادة العدول الأخيار، ويكون الرسول عليكم شهيداً يزكيكم ويعلم بعدالتكم.

وإنما قدمت صلة الشهادة في الثاني لأن الغرض في الأول إثبات شهادتهم على الأمم فقط، فبقيت صلة الشهادة في مركزها.

والغرض في الآخر اختصاصهم بكون الرسول شهيداً عليهم فأزيلت عن مركزها ليفيد الاختصاص.

وإنما لم يقل لكم شهيداً مع أن شهادته لهم لا عليهم، لأنه ضمن معنى الرقيب مثل ﴿ والله على كل شيءٍ شهيد  ﴾ مع رعاية الطباق للأول.

وإنما قيل "شهداء على الناس في الدنيا" لأن قولهم يقتضي التكليف إما بفعل أو بقول وذلك عليهم لا لهم في الحال.

قيل: الآية متروكة الظاهر لأن وصف الأمة بالعدالة يقتضي اتصاف كل واحدٍ منهم بها وليس كذلك، فلا بد من حملها على البعض.

فنحن نحملها على الأئمة المعصومين سلمناه لكن الخطاب في ﴿ جعلناكم ﴾ للموجودين عند نزول الآية لأن خطاب من لم يوجد محال.

فالآية تدل على أن إجماع أولئك حق لكنا لا نعلم بقاء جميعهم بأعيانهم إلى ما بعد وفاة الرسول فلا تثبت صحة الإجماع وقتئذ.

سلمنا ذلك لكن المراد بالعدالة اجتناب الكبائر فقط، فيحتمل أن الذي أجمعوا عليه وإن كان خطأ لكنه من الصغائر فلا يقْدح ذلك في خيريتهم وعدالتهم.

وأجيب بأن حال الشخص في نفسه غير حاله بالقياس إلى غيره، فلم يجوز أن يكون الشخص غير مقبول القول عند الانفراد ويكون مقبولاً عند الاجتماع؟

والخطاب لجميع الأمة من حين نزول الآية إلى قيام الساعة كما في سائر التكاليف مثل ﴿ كتب عليكم الصيام كما  ﴾ ﴿ كتب عليكم القصاص  ﴾ فللموجودين بالذات وللباقين بالتبعية، لكنا لو اعتبرنا أوّل الأمة وآخرها بأسرها لزالت فائدة الآية إذا لم يبق بعد انقضائها من تكون الآية حجة عليه، فعلمنا أن المراد به أهل كل عصر.

ثم إن الله  منّ على هذه الأمة بأن جعلهم خياراً أو عدولاً عند الاجتماع، فلو أمكن اجتماعهم على الخطأ لم يبق بينهم وبين سائر الأمم فرق في ذلك فلا منة.

﴿ وما جعلنا ﴾ يريد الجعل بمعنى الشرع والحكم.

﴿ التي ﴾ صفة موصوف محذوف هو ثاني مفعولي "جعل" أي وما جعلنا القبلة أي الجهة التي كنت عليها أي كنت معتقداً لاستقبالها كقولك "الشافعي على كذا" ثم ههنا وجهان: أحدهما أن هذا الكلام بيان للحكمة في جعل الكعبة قبلة وذلك أنه  كان يصلي بمكة إلى الكعبة ثم أمر بالصلاة إلى بيت المقدس بعد الهجرة تألفاً لليهود وامتحاناً للذلن اتّبعوه بمكة، ثم حول إلى الكعبة اختباراً ثانياً أي ما رددناك إلى الجهة التي كنت عليها أولاً إلا امتحاناً للناس وابتلاء وثانيهما أنه بيان للحكمة في جعل بيت المقدس قبلة، يعني أن أصل أمرك أن تستقبل الكعبة وأن استقبالك بيت المقدس كان أمراً عارضاً لفائدة هي أن نمتحن الناس وننظر من يتبع الرسول ومن لا يتبعه.

واللام في ﴿ لنعلم ﴾ ليست لأجل الغرض وإنما هي لتقرير الحكمة والفائدة التي يستتبعها الجعل.

فإن قيل: كيف؟

قال ﴿ لنعلم ﴾ ولم يزل عالماً بذلك؟

فالجواب أن معناه ليعلم حزبنا من النبي والمؤمنين كما يقول الملك: فتحنا البلد.

وإنما فتحه جنده أو لنعلمه موجوداً حاصلاً وهو العلم الذي يتعلق به الجزاء.

ولا يلزم منه أن يحدث لله علم فإن العلم الأزلي بالحادث الفلاني في الوقت الفلاني غير متغير، وإنما هو قبل حدوث الحادث كهو حال حدوثه.

وإنما جاء المضي والاستقبال من ضرورة كون الحادث زمانياً وكون كل زمان مكنوفاً بزمانين: سابق ولاحق.

فإذا نسبت العلم الأزلي إلى الزمان السابق قلت "سيعلم الله" وإذا نسبت إلى زمانه قلت "يعلم" وإذا نسبت إلى الزمان اللاحق قلت "قد علم" فجميع هذه التغيرات انبعثت من اعتباراتك، وعلم الله واحد فافهم.

أو لنميز التابع من الناكص كقوله ﴿ ليميز الله الخبيث من الطيب  ﴾ فسمي التمييز علماً لأنه أحد فوائد العلم وثمراته، أو لنرى كما تستعمل الرؤية مكان العلم.

وعن الفراء: أن حدوث العلم في الآية راجع إلى المخاطبين ومثاله: أن جاهلاً وعاقلاً اجتمعا فيقول الجاهل: الحطب يحرق النار.

ويقول العاقل: بل النار تحرق الحطب، وسنجمع بينهما لنعلم أيهما يحرق صاحبه، معناه لنعلم أينا الجاهل.

وهذا من كلام المصنف مثل ﴿ وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين  ﴾ وقوله ﴿ ممن ينقلب على عقبيه ﴾ استعارة للكفر والارتداد كأنه يرجع إلى حيث أتى ثم إن هذه المحنة حصلت بسبب تعيين القبلة.

أو بسبب تحويلها من الناس، من قال بالأول لأنه  كان يصلي إلى الكعبة، فلما جاء إلى المدينة صلى إلى بيت المقدس فشق ذلك على العرب من حيث إنه ترك قبلتهم، ثم لما تحول إلى الكعبة شق ذلك على اليهود.

والأكثرون على الثاني لأن الشبهة في أمر النسخ أعظم منها في تعيين القبلة، عن ابن جريج أنه قال: بلغني أنه رجع ناس ممن أسلم وقالوا مرة ههنا ومرة ههنا، ولو كان على يقين من أمر تغير رأيه.

وعن السدي: لما توجه إلى الكعبة اختلفوا، قال المنافقون: ما بالهم كانوا على قبلة ثم تركوها؟

وقال المسلمون: ليتنا نعلم حال إخواننا الذين ماتوا وقد صلوا نحو البيت المقدس.

وقال آخرون: اشتاق إلى بلد أبيه ومولده.

وقال المشركون: تحير في دينه.

﴿ وإن كانت لكبيرة ﴾ هي "إن" المخففة التي يلزمها اللام الفارقة بينها وبين "إن" النافية، وتتهيأ بالتخفيف للدخول على الأفعال.

لكن البصريين أوجبوا كون الفعل الذي دخلت هي عليه من باب "كان" أو "علم" ويبطل عمل "إن" في الظاهر، وكذا في التقدير، فلا يقدر ضمير الشأنّ كما يقدر في "أن" المفتوحة إذا خففت، فقوله ﴿ لكبيرة ﴾ خبر "كانت" واسمها الضمير العائد إلى القبلة لأنها هي المذكورة، أو إلى ما دل عليه الكلام السابق من التولية في ﴿ ما ولاهم ﴾ أو الجعلة، أو الردة، أو التحويلة في ﴿ وما جعلنا ﴾ ومعنى لكبيرة لثقيلة شاقة مستنكرة كقوله ﴿ كبرت كلمة تخرج من أفواههم ﴾ وذلك أن الامتحان إن وقع بنفس القبلة فالفطام عن المألوف شديد والإعراض عن طريقة الآباء والأسلاف عسير، وإن وقع بالتحويل فهو مبني على جواز النسخ وفيه ما فيه من الشبه والإشكال فيصعب اعتقاد حقيقته إلا على الذين هدى الله.

الراجع محذوف أي هداهم الله إلى الثبات على دين الإسلام بأن نصب لهم الدلائل أولاً، ثم جعلهم منتفعين بها ثانياً، وإلا فالدلالة عامة للكل ﴿ وما كان الله ليضيع إيمانكم ﴾ الخطاب للمؤمنين المعاصرين، واللام لتأكيد النفي الداخل في "كان" ينتصب المضارع بعدها بتقدير "أن" أي لن يضيع الله ثواب ثباتكم على الإيمان، وأنكم لم تزلوا ولم ترتابوا، بل شكر صنيعكم وأعدّ لكم الثواب الجزيل عن الحسن.

وقال ابن زيد: ما كان الله ليترك تحويلكم من بيت المقدس إلى الكعبة لعلمه بأن تقريركم على ذلك مفسدة لكم وإضاعة لصلواتكم، أي لثوابها.

أطلق الإيمان على الصلاة لأنها أعظم آثار الإيمان وأشرف نتائجه، أو لأن المراد لا يضيع تصديقكم بوجوب تلك الصلاة.

وعن ابن عباس: لما وجه رسول الله  إلى الكعبة قالوا: يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟

فنزلت.

وإنما خوطبوا تغليباً للأحياء مثل ﴿ وإذ قتلتم نفساً  ﴾ ﴿ وإذ فرقنا بكم البحر  ﴾ والمراد أهل ملتهم.

وليس هذا السؤال من الشك في حقية النسخ في شيء وإنما هو لأجل الاطمئنان وازدياد اليقين ولعلهم إنما خصوا السؤال بالأموات لأنهم ظنوا أنفسهم مستغنين عن ذلك حيث تقع صلاتهم إلى الكعبة بقية عمرهم مكفرة لما سلف منهم، فأجيبوا بما يخرج عنه جواب الأموات والأحياء جميعاً، فإن المنسوخ حق في وقته كما أن الناسخ حق في وقته، سواء عمل المكلف بهما في وقتيهما أو لم يعمل إلا بالمنسوخ لانقضاء أجله قبل الناسخ.

وجوز بعضهم أن يكون السؤال صادراً عن منافق فنبه الله المسلمين على الجواب.

وقيل: بل المعنى وفقتكم لقبول هذا التكليف لئلا يضيع إيمانكم، فإنهم لو ردوا هذا التكليف لكفروا.

يحكى عن الحجاج أنه قال للحسن: ما رأيك في أبي تراب؟

فقرأ قوله ﴿ إلا على الذين هدى الله ﴾ ثم قال: وعلي منهم وهو ابن عم رسول الله  وختنه على ابنته وأقرب الناس إليه وأحبهم ﴿ إن الله بالناس لرؤف رحيم ﴾ الجوهري: الرأفة أشد الرحمة.

رؤفت به أرؤف بالضم فيهما رأفة ورآفة ورأفت به أرأف بالفتح فيهما.

ورئفت به بالكسر رأفاً والصفة رؤوف ورؤف على "فعول" و "فعل" وقيل: الرحمة تقع في الكراهة للمصلحة، والرأفة لا تكاد تكون في الكراهة، وقيل: الرأفة مبالغة في رحمة خاصة هي دفع المكروه وإزالة الضرر قال ﴿ ولا تأخذكم بهما رأفةٌ  ﴾ .

والرحمة اسم جامع خصص أولاً ثم عمم.

والمراد أن الرؤف الرحيم كيف يتصور منه الإضاعة، أو كيف لا ينقلكم من شرع إلى شرع هو أصلح لكم وإنما هَدى مَنْ هَدَى لأنه بالناس رؤف رحيم، فمن كان أقبل للفيض كان الأثر عليه أظهر.

قوله عز من قائل ﴿ قد نرى ﴾ معناه كثرة الرؤية ههنا وإن كان في الأصل للتقليل قال: قد أتـرك القـرن مصفـراً أناملـه *** كأن أثـوابـه مجـت بفـرصـاد كما أن "رب" في الأصل للتقليل، ثم قد تستعمل في معنى التكثير كقوله "فإن تمس مهجور الفناء فربما".

أقام به بعد الوفود وفود.

ووجه ذلك أن المادح يستقل الشيء الكثير من المدائح لأن الكثير منها كأنه قليل بالنسبة إلى الممدوح ومثله ﴿ قد يعلم الله ﴾ فإن المتمدح بكثرة العلم يقول لا تنكر أن أعرف شيئاً من العلم.

﴿ تقلب وجهك ﴾ تردد نظرك في جهة السماء وذلك لانتظار تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة.

عن ابن عباس أنه قال النبي  : "يا جبريل وددت أن الله  صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها فقد كرهتها" .

فقال له جبريل  : أنا عبد مثلك فسل ربك ذلك.

فجعل النبي  يديم النظر إلى السماء رجاء مجيء جبريل بما سأل فنزلت.

وإنما أحب ذلك لأن اليهود كانوا يقولون: إنه يخالفنا ثم إنه يتبع قبلتنا ولولا نحن لم يدر أين يستقبل أو لأن الكعبة كانت قبلة أبيه إبراهيم ولأن ذلك أدعى للعرب إلى الإيمان لأنها مفخرتهم ومزارهم ومطافهم، ولأنه أحب أن يحصل هذا الشرف للمسجد الذي في بلدته ومنشئه، ولا يبعد أن يميل طبعه إلى شيء ثم يتمنى في قلبه إذن الله فيه.

وقيل: إنه استأذن جبريل في أن يدعو الله  فأخبره بأن الله قد أذن له في الدعاء، فكان يقلب وجهه في السماء ينتظر مجيء جبريل للإجابة.

وعن الحسن: أن جبريل أخبره بأن الله  سيحوّل القبلة عن بيت المقدس من غير تعيين للمحول إليها - ولم تكن قبلة أحب إلى رسول الله  من الكعبة - فكان ينتظر الوحي بذلك وعلى هذا فقيل: منع من استقبال بيت المقدس ولم يعين له القبلة وكان يخاف أن يدخل وقت الصلاة ولا قبلة، فلذلك كان يقلب وجهه عن الأصم.

وقيل: بل وعد بذلك.

وقبلة بيت المقدس باقية بحيث تجوز الصلاة إليها لكن لأجل الوعد كان يقلب طرفه وهذا وإلا لم تكن القبلة ناسخة للأولى بل كانت مبتدأة، لكن المفسرين أجمعوا على أنها ناسخة للأولى، لأنه لا يجوز أن يؤمر بالصلاة إلا مع بيان موضع التوجه.

واختلف في صلاته بمكة فقيل: كان يصلي إلى الكعبة فلما صار إلى المدينة أمر بالتوجه إلى بيت المقدس تسعة أشهر أو عشرة أشهر أو ثلاثة عشر أو ستة عشر أو سبعة عشر - وهو الأكثر - أو ثمانية عشر أو سنتين أقوال.

وقيل: بل كان بمكة يصلي إلى بيت المقدس إلا أنه يجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس.

واختلفوا أيضاً في أن توجه بيت المقدس هل كان فرضاً لا يجوز غيره أو كان النبي  مخيراً في توجهه إليه وإلى غيره.

فعن الربيع بن أنس أنه كان مخيراً لقوله ﴿ ولله المشرق والمغرب  ﴾ الآية.

ولما روي أن قوماً قصدوا الرسول من المدينة إلى مكة للبيعة قبل الهجرة فتوجه بعضهم في الطريق لصلاته إلى الكعبة وبعضهم إلى بيت المقدس، فلما قدموا سألوا النبي  عن ذلك فلم ينكر عليهم.

وعن ابن عباس أن ذلك كان فرضاً لقوله ﴿ فلنولينك قبلة ترضاها ﴾ فدل على أنه ما كان مخيراً بينها وبين الكعبة.

ومعنى "فلنولينك" فلنعطينك ولنمكننك من استقبالها من قولهم "وليته كذا" جعلته والياً له، أو فلنجعلنك تلي سمتها دون سمت بيت المقدس.

ترضاها تحبها وتميل إليها لأغراضك الصحيحة التي أضمرتها ووافقت مشيئة الله  وحكمته.

وعن الأصم: كل جهة وجهك الله إليها يجب أن تكون رضاً لا تسخطها كما فعل من انقلب على عقبيه.

وقيل: ترضى عاقبتها لأنك تميز بها الموافق عن المنافق.

﴿ فول وجهك ﴾ أي كل بدنك لأن الواجب على الشخص أن يستقبل القبلة بجملته لا بوجهه فقط.

وإنما خص الوجه بالذكر لأنه أشرف الأعضاء وبه تتميز الأشخاص.

وشطر المسجد الحرام أي نحوه وجهته قاله جمهور المفسرين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.

وعن بعضهم أن الشطر نصف الشيء والكعبة واقعة من المسجد في النصف من جميع الجوانب، فاختبر هذه العبارة ليعرف أن الواجب هو التوجه إلى بقعة الكعبة، وزيف بالفرق بين النصف وبين المنتصف والمكلف مأمور بالثاني دون الأول.

عن ابن عباس: بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آتٍ فقال: إن النبي قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشأم فاستداروا إلى الكعبة.

وفي الموطأ: صلى رسول الله  بعد أن قدم المدينة ستة عشر شهراً نحو بيت المقدس ثم حوّلت القبلة قبل بدر بشهرين.

واختلفوا في المراد بالمسجد الحرام.

ففي شرح السنة عن ابن عباس أنه قال: البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل المشرق والمغرب، وهذا قول مالك.

وقال آخرون: القبلة هي الكعبة لما أخرج في الصحيحين عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: أخبرني أسامة بن زيد قال: لما دخل النبي  البيت دعا في نواحيه كلها ولم يصل حتى خرج منه، فلما خرج ركع ركعتين في قبل الكعبة وقال: هذه القبلة.

وقد وردت أخبار كثيرة في صرف القبلة إلى الكعبة كما قلنا في حديث ابن عمر، فاستداروا إلى الكعبة.

وقال آخرون: القبلة هي المسجد الحرام كله.

واعلم أن الواجب عند الشافعي في أظهر قوليه أن يستقبل المصلي عين الكعبة قريباً كان أو بعيداً لظاهر قوله  ﴿ وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره ﴾ ولقوله  : "هذه القبلة" مشيراً به إلى العين، ولأن تعظيم الكعبة من النبي  بلغ مبلغ التواتر.

وتوقيف صحة الصلاة وهي من أعظم شعائر الدين على استقبال عين الكعبة مما يوجب مزيد شرف الكعبة، فوجب أن يكون مشروعاً.

ولأن كون الكعبة قبلة أمر معلوم وغيره مشكوك فيه والأخذ بالمعلوم أحوط.

وأما عند أبي حنيفة ويوافقه القول الآخر للشافعي، فمحاذاة جهة الكعبة كافية لأن في استقبال عين الكعبة حرجاً عظيماً للبعيد، ولأن في ذكر المسجد الحرام دون الكعبة دلالة على أن الواجب مراعاة الجهة دون العين، ولأن الشطر الجانب واكتفى به في الآية، ولأن أهل قباء استداروا إلى الكعبة في أثناء الصلاة وفي ظلمة الليل ومن المعلوم أن مقابلة العين من المدينة إلى مكة حيث إنها تحتاج إلى النظر الدقيق لم يتأت لهم حينئذ، ثم لم ينكر النبي  عليهم وسمى مسجدهم بذي القبلتين، ولأن استقبال عين الكعبة لو كان واجباً ولا سبيل إليه إلا بالدلائل الهندسية فإنها هي المفيدة لليقين وغيرها من الأمارات لا يفيد إلا الظن، والقادر على اليقين لا يجوز له الاكتفاء بالظن وما لم يتم الواجب إلا به فهو واجب، لزم أن يكون تعلم تلك الدلائل واجباً، ولم يذهب إليه أحد والإنصاف أن القول الأول أقرب إلى التعبد، وإصابة العين للبعيد غير بعيد، فما من نقطتين في الأرض ولا في السماء إلا ويمكن أن يوصل بينهما بخط، والغرض أن يكون المصلي ساجداً على قوس عظيمة أرضية مارّة بقدميه وموضع سجوده ووسط البيت بشرط أن يكون القوس أقل من نصف الدور.

وغير عسير معرفة هذا القدر بالدائرة الهندسية وغيرها من الطرق المشهورة فيما بين أهل الهيئة وقد برهنا على كثير منها في كتبنا النجومية، وذكرها ههنا خروج عن الصناعة مع أن المتعلم لا ينتفع بها دون مقدماتها.

ولمعرفة القبلة أمارات أخر قد يستعين بها المتحير وهي: إما أرضية وهي الجبال والقرى والأنهار، أو هوائية وهي الرياح، أو سماوية وهي النجوم.

أما الأرضية والهوائية فغير مضبوطة لكن ربما يكون في الطريق جبل مرتفع يعلم أنه على يمين المستقبل أو شماله أو قدامه أو خلفه، وكذلك الرياح قد تهب في بعض النواحي من صوب معين، وأما السماوية ففي النهار لا بد أن يراعي قبل الخروج عن البلد، الشمس عند الزوال هي بين الحاجبين أم على العين اليمنى أم على اليسرى أم تميل ميلاً أكثر من ذلك، فإن الشمس في البلاد الشمالية قلما تعد وهذه المواقع.

وكذلك يراعى وقت العصر ويعرف وقت الغروب أنها تغرب عن يمين المستقبل أو هي مائلة إلى وجهه أو قفاه.

وكذلك يعرف وقت العشاء الاخرة موضع الشفق، ووقت الصبح مشرق الشمس، ويحتاط في مشرق الصيف والشتاء ومغربها.

وبالليل يستدل بالكوكب الذي يقال له "الجدي" فيعرف أنه على قفا المستقبل أو على منكبه الأيمن أو الأيسر في البلاد الشمالية من مكة وفي البلاد الجنوبية منها بخلاف ذلك.

فإذا عرف هذه الدلائل في بلده فليعول عليها في الطريق كله إلا إذا طال السفر، فحينئذ إذا انتهى إلى بلد سأل أهل البصيرة أو يراقب هذه الكواكب وهو يستقبل محراب جامع البلد ثم يستدل بها في سائر طريقه.

ومعرفة دلائل القبلة فرض على العين أم فرض على الكفاية؟

أصح الوجهين في مذهب الشافعي الأول كأركان الصلاة وشرائطها.

قوله  ﴿ وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره ﴾ ليس بتكرار لأن الأول الخطاب للرسول وهذا خطاب للأمة، أو لأن الأمة قد دخلت في الأول تبعاً.

واحتمل أيضاً أن يكون الخطاب مختصاً بأهل المدينة وفي الثاني عم المكلفين جميعاً في جميع بقاع الأرض.

واعلم أن الاستقبال يتوقف على مستقبل ومستقبل نحوه هو القبلة، ولا بد من حالة يقع فيها الاستقبال، فلنتكلم في هذه الأركان الثلاثة على الإجمال وتفصيل ذلك في كتبنا الفقهية.

الركن الأول الحالة: وهي الصلاة للإجماع على أن الاستقبال خارج الصلاة غير واجب وإن كان طاعة لقوله  "خير المجالس ما استقبل به القبلة" والصلاة إما فريضة ويتعين الاستقبال فيها إلا في حالة الخوف، وإما نافلة ويجب فيها الاستقبال إلا في حالة الخوف، وفي السفر راكباً أو ماشياً متوجهاً إلى طريقه لما روي عن ابن عمر أن النبي  كان يصلي في السفر في راحلته حيث توجهت به.

ويحكى عن أحمد خلاف في الماشي وكذا من أبي حنيفة.

وهل يجب على المتنقل أن يستقبل القبلة عند التحرم؟

الأصح نعم إن سهل بأن لم تكن مقطرة أو لا حران بها وإلا فلا، لما روي أن النبي  كان إذا سافر وأراد أن يتطوع استقبل القبلة بناقته وكبر ثم صلى حيث وجهه ركابه.

وأم عدم الاشتراط عند الصعوبة فلدفع المشقة واختلال أمر السير عليه، وأما الاستقبال عند السلام فالأصح أنه لا يشترط كما في سائر الأركان إلا الماشي فعليه الاستقبال في كل ركوع وسجود كما عليه الإتمام بخلاف الراكب فإنه لا يكلف الاستقبال فيهما ولا وضع الجبهة في السجود على السرج أو الإكاف، بل يقتصر فيهما على الإيماء ويجعل السجود أخفض.

وليس لراكب التعاسيف الذي لا مقصد له رخصة ترك الاستقبال في التنقل.

الركن الثاني القبلة: للمصلي إن وقف في جوف الكعبة وهي على هيئتها مبنية تصح صلاته فريضة كانت أو نافلة خلافاً لأحمد ومالك في الفريضة.

قيل لنا إنه صلى متوجهاً إلى بعض أجزاء الكعبة فتصح صلاته كالنافلة كما يتوجه إليها من خارج، ثم يتخير في استقبال أي جدار شاء.

ويجوز أن يستقبل الباب أيضاً إن كان مردوداً، وإن كان مفتوحاً فإن كانت العتبة قدر مؤخرة الرحل صحت صلاته وإلا فلا.

ومؤخرة الرحل ثلثا ذراع إلى ذراع تقريباً كأنهم راعوا أن يكون في سجوده يسامت بمعظم بدنه الشاخص.

وإن انهدمت الكعبة - حاشاها - وبقي موضعها عرصة فإن وقف خارجها وصلى إليها جاز لأن المتوجه إلى هواء البيت والحالة هذه متوجه نحو المسجد الحرام كمن صلى على أبي قبيس والكعبة تحته يجوز لتوجهه إلى هواء البيت.

ولو صلى في العرصة فالحكم كما لو وقف الآن على سطح الكعبة، فإن لم يكن بين يديه شاخص من نفس الكعبة قدر مؤخرة الرحل فالأصح أنه لا يجزيه خلافاً لأبي حنيفة.

وإن كان المصلي خارج الكعبة فإن كان حاضر المسجد الحرام وجب عليه لا محالة استقبال عين الكعبة بكل بدنه لأنه قادر عليه، والإمام يقف خلف المقام استحباباً، والقوم يقفون مستديرين بالبيت وإلا فصلاة الخارجين عن محاذاة الكعبة باطلة إلا عند من يرى الجهة كافية.

ولو تراخى الصف الطويل ووقفوا في آخر باب المسجد صحت صلاتهم لأن البعيد تزداد محاذاته.

يتبين ذلك إذا جعلت البيت رأس مثلث متساوي الساقين والصفوف خطوطاً موازية لقاعدته.

وإن كان خارج المسجد فإن كان يعاين القبلة سوّى محرابه بناء على العيان وصلى إليه أبداً.

ومحراب النبي  بالمدينة نازل منزلة الكعبة لأنه لا يقر على الخطأ فهو صواب قطعاً فيسوّي سائر المحاريب عليه.

وفي معنى المدينة سائر البقاع التي صلى فيها رسول الله  إذا ضبط المحراب، وكذا المحاريب المنصوبة في بلاد المسلمين.

وفي الطرق التي هي جادتهم يتعين التوجه إليها وكذلك في القرية الصغيرة التي نشأ فيها قرن من المسلمين، ولا بد من الاجتهاد في التيامن والتياسر، وأما في محراب الرسول  فلا.

ولا يجوز الاجتهاد في الجهة في شيء من محاريب المسلمين لأن الخطأ منهم في الجهة بعيد بخلاف التيامن والتياسر.

ويقال: إن عبد الله بن المبارك كان يقول بعد رجوعه من الحج: تياسروا يا أهل مرو.

الركن الثالث المستقبل: إذا قدر على اليقين بالمعاينة أو بأمارات أخر فلا يجتهد ولا يقلد وإن لم يقدر، فإن وجد من يخبره عن علم وكان المخبر ممن يعتد بقوله رجع إلى قوله ولم يجتهد أيضاً كما في الوقت إذا أخبره عدل عن طلوع الفجر يأخذ بقوله ولا يجتهد وكذلك في الحوادث إذا روى العدل خبراً يؤخذ به، وكل ذلك قبول الخبر من أهل الرواية وليس من التقليد في شيء ويشترط في المخبر أن يكون عدلاً يستوي فيه الرجل والمرأة والحر والعبد، ولا يقبل خبر الكافر بحال وكذا خبر الصبي غير المميز عند الأكثرين.

ثم الإخبار عن القبلة قد يكون صريحاً وذلك ظاهر، وقد يكون دلالة كما في نصب المحاريب في المواضع التي يعتمد عليها.

ولا فرق في لزوم الرجوع إلى الخبر بين أن يكون الشخص من أهل الاجتهاد وبين أن لا يكون.

فإن لم يجد من يخبره عن علم فإن قدر على الاجتهاد ولا يتيسر إلا بمعرفة أدلة القبلة كما عددنا اجتهد ولم يقلد كما في الأحكام الشرعية، ولو فعل يلزمه القضاء ولا فرق في وجوب الاجتهاد ههنا بين الغائب عن مكة والحاضر بها إذا حال بينه وبين الكعبة حائل أصليّ كالجبال أو حادث كالأبنية، ولو خفيت الدلائل على المجتهد بغيم أو حبس أو تعارضت، صلّى كيف اتفق لحق الوقت ويقضي.

وإن عجز عن الاجتهاد فإن لم يمكنه التعلم لعدم البصر أو لعدم البصيرة فالواجب عليه التقليد كالعامي في الأحكام، وتقليد الغير هو قبول قول المستند إلى الاجتهاد بعد أن كان المجتهد مسلماً عدلاً عارفاً بأدلة القبلة يستوي فيه الرجل والمرأة والحر والعبد.

فإن وجد مجتهدين مختلفين قلد من شاء منهما، والأحب أن يقلد الأوثق الأعلم عنده، وإن أمكنه التعلم فليس له التقليد بناء على ما مر من أن تعلم الأدلة فرض العين.

فإن قلد قضى، وإن ضاق الوقت عن التعلم صلى لحق الوقت وقضى.

ثم المجتهد إن بان له الخطأ يقيناً أو كان دليل الاجتهاد الثاني أرجح ولم يشرع بعد في الصلاة، عمل بمقتضى الثاني.

وإن بان بعد الفراغ من الصلاة فإن تيقن الخطأ قضى على الأصح، وإن ظن لم يقض.

وإن تغير الاجتهاد في أثناء الصلاة انحرف ويبني.

فهذه هي المسائل المستنبطة من الآية التي ذكرناها لأنها من أهم مهمات الدين ﴿ وإن الذين أوتوا الكتاب ﴾ يعني أحبار اليهود وعلماء النصارى لعموم اللفظ ولشمول الكتاب التوراة والإنجيل، ولكن يجب أن يكونوا أقل من عدد أهل التواتر ليصح عنهم الكتمان.

وعن السدي: أنهم اليهود خاصة، والكتاب التوراة، والضمير في أنه الحق إما للرسول أي أنه مع شرعه ونبوته حق يشمل أمر القبلة وغيرها، وإما لهذا التكليف الخاص وهو أنسب بالمقام، وذلك أن علماءهم عرفوا في كتب أنبيائهم خبر الرسول وأنه يصلي إلى القبلتين وأن الكعبة هي البيت العتيق الذي جعله الله قبلة لإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام.

وأيضاً أنهم كانوا يعلمون نبوة محمد  بالمعجزات والبشارات وكل ما أتى النبي  فهو حق، فهذا التحويل حق.

﴿ وما الله بغافلٍ عما يعملون ﴾ وعد للمتقين ووعيد للناكصين والمعاندين، ثم بين استمرار أهل الكتاب على عنادهم فقال ﴿ ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب ﴾ قيل: هم جميع اليهود والنصارى لعموم اللفظ، وقيل: هم علماؤهم المذكورون في الآية المتقدمة لأنهم وصفوا باتباع الهوى في قوله ﴿ ولئن اتبعت أهواءهم ﴾ ومجرد اعتقاد الباطل لا يكفي فيه، بل الذين بقلوبهم ثم يقولون غير الحق في الظاهر فهم المتبعون للهوى.

ونوقش فيه بأن صاحب كل شبهة صاحب هوى.

قالوا: الآيتان المكتنفتان بهذه الآية مخصوصتان بالعلماء منهم لأن الجمع العظيم لا يجوز منهم الكتمان فكذا هذه الآية.

وأجيب بأنه لا يلزم من تخصيصهما تخصيصها.

قالوا: أخبر عنهم بالإصرار والاستمرار وهذا شأن المعاند اللجوج لا دأب العامي المتحير.

وردّ بأن المقلد أيضاً قد يصر.

قالوا: الحمل على العموم يكذبه الوجود فإن كثيراً من أهل الكتاب آمن بمحمد  واتبع قبلته.

ووجه بأن المراد من قوله ﴿ ما تبعوا قبلتك ﴾ أنهم لا يجتمعون على الاتباع كقوله ﴿ ولو شاء الله لجمعهم على الهدى  ﴾ وسلب الاجتماع لا ينافي اتباع البعض ﴿ بكل آية ﴾ بكل برهان قاطع على أن التوجه إلى الكعبة هو الحق ﴿ ما تبعوا قبلتك ﴾ جواب للقسم المحذوف ساد مسد جواب الشرط واللام في ﴿ ولئن ﴾ لتوطئه القسم أي والله لئن أتيتهم بكل برهان ما اجتمعوا على قبلتك لأن فيهم من قد ترك اتباعك لا لشبهة تزيلها بإيراد الحجة بل عناداً ومكابرة مع علمهم بما في كتبهم من نعتك.

ومن خص اللفظ بالعلماء بأن صح عنده أنه لم يتبع منهم أحد قبلتنا لم يحتج إلى هذا التأويل بل يكون ما تبعوا في قوة ما تبع أحد منهم ﴿ وما أنت بتابعٍ قبلتهم ﴾ رفع لتجويز النسخ وبيان أن هذه القبلة لا تصير منسوخة بالتوجه إلى بيت المقدس حسماً لأطماع أهل الكتاب فإنهم طمعوا في رجوعه إلى قبلتهم وقالوا: لو ثبت على قبلتنا كلنا نرجو أن يكون صاحبنا الذي ننتظره.

وفيه أنه لا يجب عليه استصلاحهم باتباع قبلتهم لأن ذلك معصية.

وإنما وحد القبلة للعلم بأن لليهود قبلة وللنصارى قبلة أخرى أو لأنهما بحكم الاتحاد في البطلان واحد ﴿ وما بعضهم بتابعٍ قبلة بعض ﴾ إن حمل على الحال فالمعنى أنهم ليسوا مجتمعين على قبلة واحدة حتى يمكن رضاهم باتباعها أو أنهم مع اتفاقهم على تكذيبك متباينون في القبلة فكيف يدعونك إلى شيئين مختلفين؟

أو أنه إذا جاز أن يختلف قبلتاهما للمصلحة فلم لا يجوز أن تكون المصلحة في ثالث؟

وإن حمل على الاستقبال فالمعنى أن اليهود لا تترك قبلتهم إلى المشرق، ولا النصارى إلى المغرب، بحيث تتعطل إحدى القبلتين، لا أن اليهودي لا يصير نصرانياً أو بالعكس فإن ذلك قد وقع.

أخبر الله  عن تصلب كل حزب فيما هو فيه محقاً أو مبطلاً ﴿ ولئن اتبعت أهواءهم ﴾ كلام على سبيل الفرض والتقدير لقرينة وما أنت بتابع قبلتهم المعنى لئن اتبعت مثلاً بعد وضوح الدلائل وانكشاف جلية الأمر في باب الديانة ﴿ إنك إذاً ﴾ أي إذا اتبعت لمن المرتكبين الظلم الفاحش لأن صغائر الرجل الكبير كبائر فكيف بكبائره؟

وفيه أن ترك العمل من العلماء أقبح، وفيه لطف للنبي  فإن مزيد المحبة تقتضي التخصيص بمزيد التحذير، ولعله كان في بعض الأمور يتبع أغراضهم كترك المخاشنة في القول واستمالة قلوبهم طمعاً منه في إسلامهم ومعاضدتهم، فنهى عن ذلك القدر أيضاً وآيسه منهم بالكلية.

كقوله ﴿ ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً  ﴾ ﴿ يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم  ﴾ وفيه إشارة للأمة كالرجل الحازم يقبل على أبرّ أولاده وأصلحهم فيزجره عن شيء بحضرة سائر الأولاد والغرض زجرهم وإصلاحهم وأنه لا محالة يؤاخذون بالطريق الأولى لو خالفوه ﴿ الذين آتيناهم الكتاب ﴾ هم علماؤهم بدليل ﴿ يعرفونه ﴾ أي الرسول معرفة جلية يميزون بينه وبين غيره بالمشخصات من النعت والنسب والقبلة حسب ما وجدوه في كتبهم ﴿ كما يعرفون أبناءهم ﴾ لا يشتبه عليهم أبناؤهم وأبناء غيرهم.

"وما" مصدرية أو كافة، والغرض تشبيه عرفان شخصه بعرفان أشخاص الأبناء لا تشبيه العلم بنبوة محمد  بالعلم ببنوة الأبناء وإلا كان تشبيه المعلوم بالمظنون.

عن عمر أنه سأل عبد الله بن سلام عن رسول الله  فقال: أنا أعلم به مني يا بني.

قال: لم؟

قال: لأني لست أشك في محمد أنه نبي، فأما ولدي فلعل والدته قد خانت، فقبل عمر رأسه.

وجاز إضمار الرسول وإن لم يجز له ذكر لدلالة الكلام عليه، وفيه تفخيم لشأنه وأنه معلوم بغير إعلام، ولا يصح أن يقال: المراد بالمعرفة معرفتهم الحاصلة من قبل ظهور المعجزات على يده لأنه لا يفيد إلا كونه نبياً وهم لا ينكرون ذلك، وإنما ينكرون كونه النبي  المنعوت في كتبهم فرد الله عليه ذلك فافهم.

وإنما خص الأبناء بالذكر لأنهم أعرف وأشهر وبصحبة الآباء ألزم وبقلوبهم ألصق ولو تساويا فالذكور أولى بالذكر.

وقيل: الضمير للعلم أو القرآن أو تحويل القبلة وفي الكل تكلف ينبو عنه قوله ﴿ أبناءهم ﴾ ويباينه الحديث عن عبد الله بن سلام ولما كان من علمائهم العارفين بأحوال النبي  من آمن به وأظهر الحق وهو ما يجب القول به ويجب العمل بمقتضاه كعبد الله بن سلام وأتباعه.

قال  ﴿ وإن فريقاً منهم ﴾ يريد من سوى المسلمين المؤمنين منهم ﴿ ليكتمون الحق ﴾ الذي هو أمر محمد أو أمر القبلة ثم أكد ذلك بقوله ﴿ وهم يعلمون ﴾ فإنه لا يوصف بالكتمان إلا من علم المكتوم ﴿ الحق من ربك ﴾ يحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هو الحق، "ومن ربك" خبر بعد خبر أو حال.

وأن يكون مبتدأ خبره "من ربك".

ثم في اللام يكون وجهان: العهد والإشارة إلى الحق الذي عليه رسول الله  ، أو إلى الحق الذي في قوله ﴿ ليكتمون الحق ﴾ أو الجنس على معنى الحق ما ثبت أنه من الله كالذي أنت عليه وما سواه كما يدعيه أهل الكتاب باطل ﴿ فلا تكونن من الممترين ﴾ الشاكين في كتمانهم الحق مع علمهم أو في كون الحق من ربك.

وقد يجوز أن ينهى الشخص عما يعلم أنه منته عنه لمثل ما تقرر في قوله ﴿ ولئن اتبعت ﴾ .

﴿ ولكل ﴾ التنوين فيه عوض عن المضاف إليه، والوجهة اسم الجهة ولذلك ثبتت الواو كما قالوا "ولدة" في جمع الوليد الصبي، وإنما لا تجمع مع الهاء في المصادر، وقوله ﴿ هو ﴾ إما أن يعود إلى الكل وإما أن يعود إلى الله.

وثاني مفعولي ﴿ موليها ﴾ محذوف أي هو موليها وجهه، أو الله موليها إياه.

ثم اختلف في التفسير فقيل: المعنى ولكل أهل دين من الأديان المختلفة قبلة وجهة إما بشريعة وإما بهوى هو مستقبلها ومتوجه إليها لصلاته التي يتقرب بها إلى ربه، وكل يفرح بما هو عليه ولا يفارقه فلا سبيل إلى اجتماعكم على قبلة واحدة، ولستم تؤاخذون بفعل غيركم فإنما لهم أعمالهم ولكم أعمالكم ﴿ فاستبقوا ﴾ أنتم ﴿ الخيرات ﴾ الدنيوية وهي الشرف والفخر بقبلة إبراهيم، والأخروية وهي الثواب الجزيل المعد للمطيعين.

﴿ وأينما تكونوا ﴾ من جهات الأرض ﴿ يأت بكم الله جميعاً ﴾ في صعيد القيامة فيفصل بين المحق منكم والمبطل والمصيب والمخطئ إنه قادر على ذلك.

وقيل: إن الله  عرفنا أن كل واحدة من بيت المقدس والكعبة قبلة.

فالجهتان من الله  وهو الذي ولى وجوه عباده إليهما فاستبقوا الخيرات بالانقياد لأمره في الحالين ولا تلتفتوا إلى مطاعن السفهاء فإن الله يجمعكم وإياهم يوم القيامة فيحكم بينكم.

وقيل: ولكل قوم منكم يا أمة محمد  جهة يصلي إليها جنوبية أو شمالية أو شرقية أو غربية، فاستبقوا الفاضلات من الجهات وهي الجهات المسامتة للكعبة وإن اختلفت ﴿ أينما تكونوا ﴾ من الجهات المختلفة ﴿ يأت بكم الله جميعا ﴾ يجمعكم للجزاء ويجعل صلواتكم واحدة كأنها إلى جهة واحدة لمحاذاة الجميع الكعبة.

ولقراءة ابن عامر ﴿ مولاها ﴾ معنيان: أحدهما أن ما وليته فقد ولاك والآخر زينت له تلك الجهة وحببت إليه.

وقيل: ولكل مخلوق قبلة فقبلة المقربين العرش، وقبلة الروحانيين الكرسي، وقبلة الكروبيين البيت المعمور، وقبلة الأنبياء الذين قبلك بيت المقدس، وقبلتك أنت الكعبة، بل قبلة جسدك هي، وقبلة الأنبياء الذين قبلك بيت المقدس، وقبلتك أنت الكعبة، بل قبلة جسدك هي، وقبلة روحك أنا، وقبلتي أنت "أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي".

ثم إن الشافعي استدل بقوله ﴿ فاستبقوا الخيرات ﴾ على أن الصلاة في أول الوقت أفضل.

وعند أبي حنيفة: التأخير أفضل إحرازاً لفضيلة الانتظار ولتكثر الجماعة، ولما روي أنه  قال "أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر" وقال ابن مسعود: ما رأيت أصحاب رسول الله  حافظوا على شيء ما حافظوا على التنوير بالفجر.

وأجيب بأن الانتظار قبل مجيء الوقت لقوله  "يا علي ثلاث لا تؤخرها: الصلاة إذا أتت والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت لها كفؤاً" وأن المراد بالإسفار والتنوير هو طلوع الفجر الصادق بحيث لا يشك فيه وذلك مما لا نزاع فيه، وإنما النزاع فيما إذا تحقق دخول الوقت ثم تكاسل المكلف وتثاقل أو بغير أسباب الصلاة تشاغل.

﴿ ومن حيث خرجت ﴾ ومن أي بلد خرجت يا محمد ﴿ فولّ وجهك شطر المسجد الحرام ﴾ إذا صليت ﴿ وإنه ﴾ وإن هذا المأمور به ﴿ للحق ﴾ الذي يجب أن يقبل ويعمل به حال كونه ﴿ من ربك وما الله بغافلٍ عما يعملون ﴾ وعد للمتشاغلين ووعيد للمتغافلين.

واعلم أن أمر التولية ذكره الله  ثلاث مرات، وللعلماء في سبب التكرير أقوال: أولها: أن الآية الأولى محمولة على أن يكون المكلف حاضر المسجد الحرام، والثانية على أن يكون غائباً عنه ولكن يكون في البلد، والثالثة على أن يكون خارج البلد في أقطار الأرض، فقد يمكن أن يتوهم للقريب من التكليف ما ليس للبعيد فأزيل ذلك الوهم.

وثانيها: أنه نيط بكل واحد ما لم ينط بالآخر، وذلك أنه أكد الأول بأن أهل الكتاب يعلمون حقيته بشهادة التوراة والإنجيل، وأكد الثاني بإخبار الله  عن حقيته وكفى به شهيداً، وأتبع الثالث غرض التحويل وهو قوله ﴿ لئلا يكون للناس عليكم حجة ﴾ كما أن قوله ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ وأمثال ذلك تكرر حيث نيط بكل منها فائدة.

وثالثها: أن الآية الأولى توهم أن التحويل إنما فعل رضا للنبي  وطلباً لهواه حيث قال ﴿ فلنولينك قبلةً ترضاها ﴾ فأزيل الوهم بتكرار الأمر وتعقيبه بقوله ﴿ وإنه للحق من ربك ﴾ أي نحن ما حولناك إلى هذه القبلة بمجرد رضاك وهواك كقبلة اليهود والمنسوخة التي إنما يقيمون عليها بمجرد الهوى والتشهي، ولكنها حق من ربك بعد أنها وافقت رضاك، وفي الثالثة بيان الغرض.

ورابعها: أن الأولى لتعميم الأحوال والثانية لتعميم الأمكنة، والثالثة لتعميم الأزمنة إشعاراً بأنها لا تصير منسوخة ألبتة.

وخامسها: الزم هذه القبلة فإنها التي كنت تهواها، الزم هذه القبلة فإنها قبلة الحق لا قبلة الهوى.

الزم هذه القبلة فبها ينقطع عنك حجج العدا وهذا قريب من الثالث.

وسادسها: هذه الواقعة أولى الوقائع التي ظهر النسخ فيها في شرعنا فدعت الحاجة إلى التكرير لمزيد التأكيد والتقرير.

وسابعها: قلت: الآية الأولى مشتملة على تكليف خاص بالنبي  ﴿ فلنولينك قبلةً ترضاها فولّ وجهك شطر المسجد الحرام ﴾ ثم على تكليف عام له ولأمته ﴿ وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ﴾ والآية الثانية ﴿ ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام ﴾ لأجل تكليف أخص وهو تكليف الالتفات عما سوى الله إلى الله وهو تكليف الصدّيقين وهو سنة خليل الرحمن  ﴿ وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض  ﴾ ومما يؤيد هذا التأويل تعقيبه بقوله ﴿ وإنه للحق من ربك ﴾ لم يستظهر على هذا إلا بشهادة نفسه حيث لم يبق إلا هو وهو مقام الفناء في الله بخلاف الآية الأولى فإنها أكدت بشهادة الغير.

وأيضاً اقتصر ههنا على أمر النبي  دون الأمة لأن هذه المرتبة وهي المسجد الحرام - حرام لا يليق بكل أحد جل جناب الحق عن أن يكون شريعة لكل وارد أو يطلع عليه إلا واحد بعد واحد.

وأيضاً قدم على الآية قوله ﴿ ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات ﴾ فدل على أن المذكور بعدها مرتبة السابقين ﴿ ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله  ﴾ لما كان من المحتمل أن يظن أن التكليف الأخص ناسخ للتكليف الخاص منه والعام له ولأمته، كرر الآية الأولى بعينها ليعلم أن حكمها باقٍ بالنسبة إلى عموم المكلفين والله  أعلم بحقائق الأمور.

قوله ﴿ لئلا يكون ﴾ أي ولوا لأجل هذا الغرض.

وقال الزجاج: يتعلق بمحذوف أي عرفتكم لئلا يكون الناس عليكم حجة.

و الناس قيل للعموم، وقيل هم اليهود كانوا يطعنون بأنه يخالفنا في ديننا ويتبع قبلتنا ويقولون ما درى محمد أين يتوجه في صلاته حتى هديناه.

وقيل: هم العرب قالوا: إنه يقول أنا على دين إبراهيم، ولما ترك التوجه إلى الكعبة فقد ترك دين إبراهيم.

وإنما أطلق الحجة على قول المعاندين لأن المراد بها المحاجة، أو سماها حجة تهكماً أو طباقاً أو بناءً على معتقدهم لأنهم يسوقونها سياق الحجة.

وقد تكون الحجة باطلة قال  ﴿ حجتهم داحضة عند ربهم  ﴾ وكل كلام يقصد به غلبة الغير حجة، وعلى هذا فالاستثناء متصل.

والمراد بالذين ظلموا المعاندون من اليهود القائلون بأنه ما ترك قبلتنا إلى الكعبة إلا ميلاً إلى دين قومه وحباً لبلده، ولو كان على الحق للزم قبلة الأنبياء، أو بعض العرب القائلون بأن محمداً عاد إلى ديننا في الكعبة وسيعود إلى ديننا بالكلية.

وقيل: الاستثناء منقطع.

وقيل: "إلا" بمعنى الواو وأنشد شعر: وكــل أخٍ مفــارقــه أخــوه *** لعمــر أبيــك إلا الفـرقــدان يعني والفرقدان.

وإذا طعنوا في دينكم من غير ما سببٍ ﴿ فلا تخشوهم ﴾ فإنهم لا يضرونكم ﴿ واخشون ﴾ واحذروا عقابي إن أنتم عدلتم عما ألزمتكم وفرضت عليكم على وفق مصلحتكم، فعلى المرء أن ينصب بين عينيه في كل أفعاله وتروكه خشية الله ويقطع الرجاء والخوف عمن سواه.

قوله ﴿ ولأتم ﴾ قيل: معطوف على ﴿ لئلا ﴾ أي حوّلتكم إلى هذه القبلة لحكمتين: إحداهما انقطاع حجتهم، والثانية إتمام النعمة بحصول شرف قبلة إبراهيم.

وقيل: متعلقة محذوف معناه ولإتمامي النعمة عليكم وإرادتي اهتداءكم أمرتكم بذلك.

وقيل: معطوف على علة مقدرة كأنه قال: واخشوني لأوفقكم ولأتم نعمتي عليكم وهذا الإتمام لا ينافي ما أنزل في آخر عهد رسول الله  ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي  ﴾ فإن لله  في كل وقت نعمة على المكلفين ولها تمام بحسبها، فهذا إتمام النعمة في أمر القبلة، وذاك تمام النعمة في أمر الدين على الإطلاق وعن علي  : تمام النعمة الموت على الإسلام.

وفي الحديث "تمام النعمة دخول الجنة" ﴿ كما أرسلنا ﴾ "ما" مصدرية أو كافة.

ثم إن الجار والمجرور يتعلق بما قبله أو بما بعده.

وعلى الأول قيل: معناه ولأتم نعمتي عليكم في الدنيا بحصول الشرف وفي الآخرة بالفوز بالثواب كما أتممتها عليكم في الدنيا بإرسال الرسول، أو لأتم نعمتي ببيان الشرائع، أو أهديكم إلى الدين إجابة لدعوة إبراهيم حيث قال ﴿ ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا  ﴾ كما أرسلنا فيكم رسولاً إجابةً لدعوته حيث قال ﴿ ربنا وابعث فيهم رسولاً  ﴾ وقيل: معناه كذلك جعلناكم أمة وسطاً كما أرسلنا فيكم رسولاً، وعلى الثاني معناه كما ذكرتكم بإرسال الرسول فاذكروني أذكركم تارةً أخرى.

وفيه أن نعمه على العبد لا تنقطع، فكل نعمة سابقة فسيضم إليها أخرى لاحقة حتى يكون له الفضل أولاً وأخيراً وبدايةً ونهايةً.

وفي إرساله فيهم ومنهم أي من العرب نعمة عظيمة عليهم لما لهم فيه من الشرف، ولأن المشهور من حال العرب الأنفة الشديدة من الانقياد للغير فبعثه الله  من واسطتهم ليكونوا إلى القبول أقرب.

وكون القرآن متلواً من أعظم النعم لأنه معجزة باقية ولأنه يتلى فتتأدى به العبادات، ولأنه يتلى فتستفاد منه جميع العلوم، ولأنه يتلى فيوقف على مجامع الأخلاق الحميدة ففي تلاوته خير الدنيا والآخرة.

ومعنى التزكية وتعليم الكتاب والحكمة قد مر في دعاء إبراهيم.

وفي قوله ﴿ يعلمكم ما لم تكونوا تعلمون ﴾ تنبيه على أنه  أرسله على فترة من الرسل وجهالة من الأمر وتحير الناس في أمر الديانة، فعلمهم ما احتاجوا إليه في صلاح معاشهم ومعادهم وذلك من أعظم أنواع النعم ﴿ فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون ﴾ تكليف بأمرين: الذكر والشكر.

وقد مر ذكر الشكر في تفسير الحمد وقوله ﴿ ولا تكفرون ﴾ عطف بالواو ليعلم أن جحود النعمة منهيّ عنه كما أن الشكر مأمور به.

ولو قطع على طريقة قوله: "أقول له ارحل لا تقيمن عندنا" لأوهم أن المقصود بالذات هو الثاني والأول في حكم المنحى.

ويحتمل من حيث العربية أن تكون "لا" نافية والنون ليست للوقاية، ومحل الجملة النصب على الحال أي اشكروا لي غير جاحدين لنعمتي.

وأما الذكر فباللسان وهو أن يحمده ويسبحه ويمجده ويقرأ كتابه، أو بالقلب وهو أن يتفكر في الدلائل على ذاته وصفاته، وفي الأجوبة عن شبه الطاعنين فيها وفي الدلائل على كيفية تكاليفه وأحكامه وأوامره ونواهيه ووعده ووعيده ليعمل بمقتضاها، ثم يتفكر في أسرار المخلوقات متوصلاً من كل ذرة إلى موجدها، أو بالجوارح وهو أن تكون مستغرقة في الأعمال المأمور بها فارغة عن الأشغال المنهي عنها.

وبهذا الوجه سمى الصلاة ذكراً ﴿ فاسعوا إلى ذكر الله  ﴾ وأما ذكر الله  فلا بد أن يحمل على ما له تعلق بالثواب وإظهار الرضا واستحقاق المنزلة والإكرام فالحاصل اذكروني بطاعتي أذكركم برحمتي، اذكروني بالدعاء أذكركم بالإجابة، اذكروني في الدنيا أذكركم في الآخرة، اذكروني في الخلوات أذكركم في الفلوات، اذكروني في الرخاء أذكركم في البلاء، اذكروني بالمجاهدة أذكركم بالهداية، اذكروني بالصدق والإخلاص أذكركم بالخلاص ومزيد الاختصاص، اذكروني بالعبودية أذكركم بالربوبية، اذكروني بالفناء أذكركم بالبقاء.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا ﴾ .

هذا - والله أعلم - وعد كان وعده عز وجل لنبيه  أنه يحوله إلى الكعبة من بيت المقدس، وإخبار عما يقول له اليهود وقبل أن يحول وقبل أن يقولوا له شيئاً.

ألا ترى إلى قوله: ﴿ قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِ  ﴾ ، أنه لو لم يكن فيها وعد بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة لكان تقلب وجهه إلى السماء بذلك تخييراً منه وتحكماً عليه.

وليس لأحد على الله التخيير والتحكم عليه في الأحكام والشرائع ولا في غيرها، فدل أنه على الوعد له ما فعل.

والله أعلم.

ثم فيه إثبات رسالة محمد  حيث كان أخبره على ما أخبر من التحويل إلى الكعبة.

[والقول منهم نقل أنه علم ذلك بالله واختلف في قوله ﴿ سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ ﴾ قيل: هو اليهود، وقالوا ذلك عند تحويل القبلة إلى الكعبة].

وذلك أنهم لا يرون نسخ الشرائع والأحكام؛ لأنه كالبداء والرجوع عنها.

وذلك فعل من يجهل عواقب الأمور، كبانٍ بنى بناءً ثم نقضه لجهل منه به.

لكن ذلك منهم جهل بمعرفة النسخ وقدره.

ولو عرفوا ما النسخ ما نفوا نسخ الشرائع والأحكام.

وأما النسخ عندنا: فهو بيان منتهى الحكم إلى وقت ليس فيه بداء ولا نقض لما مضى، بل تجديد حكم في وقت بعد انقضاء حكم على بقاء الأول لوقت كونه، ليس على ما فهمت اليهود من البداء والنقض لما مضى كالبناء الذي وصفوا.

وبالله التوفيق.

وإن كانت الآية في غير اليهود من أهل مكة، على ما يقول بعض أهل التفسير، فقالوا: لما رجع محمد إلى قبلتنا من القبلة الأولى يرجع إلى ديننا.

فقال الله عز وجل: ﴿ قُل للَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ ﴾ .

قل يا محمد: لله المشرق والمغرب والأمكنة كلها والنواحي؛ يأمر بالتوجه إلى أي ناحية شاء شرقاً وغرباً، فالطاعة له في الائتمار لأمره، والقبول لدعائه، لا للتوجه نحو الشرق أو نحو الغرب لِهَوى هووا ولتمنٍّ تمنوا؛ لأن اليهود جعلوا قبلتهم المغرب اتباعاً لهواهم، لا اتباعاً لأمر أمروا به.

وكذلك النصارى اتخذوا المشرق قبلة لهوى أنفسهم؛ فأخبر الله  المؤمنين أنهم يأتمرون بالله حيث ما أمروا توجهوا نحوه.

وقوله: ﴿ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ .

هذا على المعتزلة؛ لأنه أخبر عز وجل أنه ﴿ يَهْدِي مَن يَشَآءُ ﴾ ، ولا جائز أن يهدي وهو لا يهتدي.

وهم يقولون: شاء أن يهدي ولكن لم يهتدوا.

قوله: ﴿ مَن يَشَآءُ ﴾ على أن مشيئة الهداية ليست للكل على ما قالت المعتزلة؛ أن هدايته بيان وذلك للجميع.

وفيه دليل نسخ السنة بالكتاب؛ لأن القبلة إلى بيت المقدس لم تكن مذكورة في الكتاب، بل عملوا على سنة الأولين الماضين، وهذا على الشافعي؛ لأنه لا يرى نسخ الكتاب بالسنة إلا بعد عمل رسول الله  فإذا عمل به صار سنة، فهو نسخ السنة بالسنة، لا نسخ بالكتاب.

فهذا منه قبيح فاحش.

وفيه نبذ الكتاب وهجره، وقد نهينا عنه، والتحكم على الله عز وجل؛ لأنه لم يجعل الكتاب من القدر ما يقع فيه الزجر على ما كان عليه آنفاً لولا علمه  .

فنعوذ بالله من السرف في القول والزيغ عن الهدى.

ولكن لم يعرف ما النسخ وما قدره، ولو علم لما قال بمثله.

وهو عندنا: ما ذكرنا من بيان منتهى الحكم إلى وقته، ولله  نصب الأحكام والشرائع في كل وقت، يبين ذلك مرة بالكتاب، وتارة على لسان المصطفى  .

وبالله التوفيق.

وكما جعل له  أن يعمل به، فنسخ الكتاب فيه تلك الشريعة.

فكذلك في غيره من الناس.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ﴾ .

﴿ وَكَذَلِكَ ﴾ ، لا يتكلم رسول الله  إلا على العطف على ما سبق من الخطاب، وهو - والله أعلم - معطوف على قوله: ﴿ قُلْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ...

﴾ الآية [آل عمران: 84]، كأنه قال: كما وفقكم على الإيمان بما ذكر، وهداكم للإسلام، كذلك جعلكم ﴿ أُمَّةً وَسَطاً ﴾ يعني عدلاً، ﴿ لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ ﴾ .

ثم اختلف في قوله: ﴿ عَلَى ٱلنَّاسِ ﴾ : قيل: "على" بمعنى "اللام" أي للناس.

وهذا جائز في اللغة سائغ، كقوله: ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ  ﴾ ، أي للنصب.

وقيل: ﴿ عَلَى ﴾ بمعنى "على" أي أن يشهدوا على الأمم للأنبياء على تبليغ الرسالة، ويشهد الرسول لهم بالعدالة.

وفيه دليل قبول شهادة أهل الإسلام على أهل الكفر، ورد شهادتهم علينا؛ لأنه لو قبلت شهادتنا عليهم على التبليغ، ثم شهد أولئك بأنهم لم يبلغوا، لكن فيه تناقض.

فدل أن شهادتنا تقبل عليهم، ولا تقبل شهادتهم علينا.

والله أعلم.

ويحتمل قوله: ﴿ لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ ﴾ الذين أبوا إجابة الرسل.

﴿ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ﴾ أن جحدتم الرسالة، وذلك قوله: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً...

﴾ الآية [143]، أضاف الله إليه جعلهم ﴿ أُمَّةً وَسَطاً ﴾ .

ثبت أن لله في فعل ذلك فعل به ذكر مننه.

والله أعلم.

قوله: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً ﴾ ، فالوسط: العدل.

أخبر - عز وجل - أنه جعل هذه الأمة عدلاً، فالعدل هو المستحق للشهادة والقبول لها.

ففيه الدلالة على [جعل إجماع هذه الأمة] حجة؛ لأنه وصفها بالعدالة، وصيرها من أهل الشهادة.

فإذا اجتمعوا على شيء وشهدوا به، لزم قبول ذلك، والحكم بما شهدوا، والشهادة فيه أنه من عند الله وقع لهم ذلك.

والثاني: قال: ﴿ يَـٰأيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّادِقِينَ  ﴾ ، أخبر الله عز وجل أن فيهم صدقة، يلزم اتباعهم.

والثالث: ما قال عز وجل: ﴿ وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيراً  ﴾ ولا يجوز الوعيد في مثله إذا لم يكن ذلك هو الحق عند الله.

والرابع: قوله: ﴿ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً  ﴾ ، أمر عز وجل عند التنازع الرد إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله  ؛ فدل أنه إذا لم يتنازع لم يجب الرد إلى ما ذكر.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ ﴾ ، روي عن ابن عباس - رضي الله  عنه - أنه قال: يسأل الله  يوم القيامة الأمم عن تبليغ الأنبياء رسالته إليهم، فينكرون.

ثم يأتي بهذه الأمة يشهدون عليهم بالتبليغ.

فذلك قوله: ﴿ لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ ﴾ ، ويشهد الرسول عليهم يعني لهم بالعدالة والتزكية.

والله أعلم.

قال الشيخ - رضي الله  عنه -: وفي قوله: ﴿ لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ ﴾ ، وجهان: أحدهما: على الكفرة.

وفي ذلك دليل قبول شهادة المسلمين عليهم، ورد شهادتهم عليهم، لما يتناقض فيزول منفعة الشهادة عليهم.

والثاني: ليكون من شهد رسول الله  ، شهود على من يكون بعدهم.

وفي ذلك دليل من تأخر الصحابة، رضوان الله  عليهم أجمعين، عن الخلاف لهم، ﴿ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ﴾ إذا خالفتموه وعصيتموه.

وقوله: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا ٱلْقِبْلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيْهَآ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ﴾ .

فهذا - والله أعلم - لما كانوا في المتابعة على قسمين: منهم من تبعه لما وافق هواه.

ومنهم من تبعه لما علم أنه الحق من عند الله عز وجل؛ ليبين لهم ويقع علم ذلك عندهم: من المتبع له بهواه، ومن المتبع له بالأمر والطاعة له.

وقيل أيضاً في قوله: ﴿ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ ﴾ ، قيل: ليعلم من يتبع الرسول ما قد علم أنه يكون كائناً، وليعلم ما قد علم أنه يوجد موجودا.

وقيل: إنه يجوز أن يراد بالعلم المعلوم.

معناه - والله أعلم - إلا ليكون المتبع له، والمنقلب على عقبيه.

ثم الأصل في هذا ونحوه من قوله: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَٱلصَّابِرِينَ  ﴾ ، أنا لا نصف الله  بالعلم في الخلق، قال: غير الحال التي الخلق عليها؛ لأن وصفنا إياه بالعلم على غير الحال التي عليها الخلق يومئ إلى وصفه بالجهل؛ لأنه يجوز أن يقال: يعلم من الساكن في حال السكون حركة، أو السكون في حال الحركة، أو يعلم من الجالس قياماً، أو القائم جلوساً.

وكذلك لا يجوز أن يقال: يعلم من العدم موجوداً؛ أو من الوجود معدوماً في حال وجوده؛ لأنه وصف بعلم ما ليس، وهو محال.

وبالله العصمة.

وقيل: إن كل علم يذكر على حدوث المعلوم يذكر بذكر الوقت للمحدث - بفتح الدال - أي: يسند علمه إلى المحدث بذكر الوقت؛ لئلا يفهم بذكره قدم المعلوم في الأزل.

وإذا وصفنا الله بما هو حقيقة بلا ذكر الخلق مع ذلك نصفه بالذي نصفه به في الأزل لتعاليه عن التغير والزوال وعن الانتقال من حال إلى حال.

ولا قوة إلا بالله.

وقوله: ﴿ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ ﴾ .

يعني: تحويل القبلة، لكبيرة: ثقيلة، على من كان اتباعه لهواه، دون أمر أمر به، إلا على الذي يتبع أمر الله فيها ويعتقد طاعته فإنها ليست بثقيلة عليه ولا كبيرة.

وقوله: ﴿ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ﴾ .

قال بعض أهل التفسير: إن قوماً صلوا إلى بيت المقدس ثم ماتوا على ذلك، فلما حولت القبلة إلى الكعبة قالوا: ضاعت صلواتهم التي صلوا إليها، إشفاقاً عليهم.

لكن هذا بعيد لا يحتمل؛ لأن الذي اعتقد الإسلام من الصحابة، رضي الله  عنهم، وعرف موقع أمر الله وأمر رسوله، لا يجوز أن يخطر ببالهم [هذا، أو يعملون لو خطر ببالهم] حتى يسألوا عن ذلك، بل كانوا أعلم بالله من أن يجد عدو لله فيهم ذلك؛ ولأنهم قوم يأتمرون بأمر الله وطاعته، ويموتون على التصديق، وعلموا أنهم مؤمنون، ثم يشككون في أحوالهم، لكن إن كان ثم سؤال فهو من اليهود الذين اعتقدوا بطلان التناسخ في الأحكام والشرائع، فكانوا يحتجون على رسول الله  بأنه ينهى عن التفرق والاختلاف، ثم يدعوهم إلى ذلك.

أو قوم من الكفرة آذوا رسول الله  وأفرطوا في التكذيب له والخلاف والمعاداة، فأرادوا الإسلام، فظنوا أن ما كان منهم من العصيان والتكذيب يمنع قبول الإسلام، فأنزل الله عز وجل: ﴿ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ﴾ ، لما كان منكم في حال الكفر.

ألا ترى أن آخر الآية يدل عليه.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ .

أخبر أنه ﴿ رَّحِيمٌ ﴾ يتجاوز عمن تاب.

أو قوم علموا ألا تناسخ في الدين ولا اختلاف فيه؛ فظنوا أن نسخ الأحكام وتبديلها يوجب اختلافاً في الدين وتفرقاً فيه.

فنقول: إن الإيمان في الأصل الذي لا يقع على اعتقاد الصلاة إلى جهة دون جهة، بل يقع على الائتمار.

فالإيمان من الصحابة، رضوان الله  عليهم أجمعين، الذين ماتوا كان على اعتقاد الائتمار فهم مؤمنون باعتقاد الائتمار إلى بيت المقدس، مؤمنون باعتقاد الائتمار إلى الكعبة.

فلا تفرق ولا اختلاف في الإيمان، إذ في الأصل به وقع الاعتقاد للائتمار.

وبالله التوفيق.

ثم قوله: ﴿ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ﴾ تأويله: أي لا يضيع إيمانكم بالصلاة إلى بيت المقدس.

ولو كان على الصلاة فهو لوجهين: أحدهما: أنها إنما قامت بالإيمان، فهو سبب لها، وقد يذكر الشيء باسم سببه.

والثاني: أن اليهود عرفوه إيمانا، فورد الخطاب على ما عندهم معروف؛ كقوله: ﴿ فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ  ﴾ ، لا أن كان ثم آلهة، لكن لما عندهم، وكذلك قوله: ﴿ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ ﴾ \[المؤمنون: 14\]، لا أن كان ثم خالق سواه، ولكن لما عرفوا كل صانع خالقاً، فخرج على الخطاب على ما عرفوا هم ذلك الأول.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

سيقول الجهال خِفَافُ العقول من اليهود، ومَنْ على شاكلتهم من المنافقين: ما صرف المسلمين عن قبلة بيت المقدس التي كانت قبلتهم من قبل؟!

قل -أيها النبي- مجيبًا إياهم ملك المشرق والمغرب وغيرهما من الجهات، يوجه من شاء من عباده إلى أي جهة شاء، وهو سبحانه يهدي من يشاء من عباده إلى طريق مستقيم لا اعوجاج فيه ولا انحراف.

<div class="verse-tafsir" id="91.XVegp"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

كان أنبياء بني إسرائيل يصلون إلى بيت المقدس، وكانت صخرة المسجد الأقصى المعروفة هي قبلتهم، وقد صلى النبي والمسلمون إليها زمنًا، وكان النبي  يتشوف لاستقبال الكعبة، ويتمنى لو حول الله القبلة إليها، بل كان يجمع بين استقبالها واستقبال الصخرة في مكة فيصلي في جهة الجنوب مستقبلًا للشمال فلما هاجر منها إلى المدينة تعذر هذا الجمع فتوجه إلى الله تعالى بجعل الكعبة هي القبلة فأمره الله بذلك كما يأتي تفصيله في الآيات الآتية، وقد ابتدأ الكلام في هذه المسألة ببيان ما يقع من اعتراض اليهود وغيرهم على التحويل، وإخبار الله نبيه والمؤمنين به قبل وقوعه، وتلقينهم الحجة البالغة عليه، والحكمة السديدة فيه، ويتضمن هذا بيان سر من أسرار الدين وقاعدة عظيمة من قواعد الإيمان كان أهل الكتاب في غفلة عنها وجهل بها، فهذه الآيات متصلة بما قبلها في كونها محاجة لأهل الكتاب في أمر الدين لإمالتهم عن التقليد الأعمى فيه، والجمود على ظواهره من غير تفقه فيه ولا نفوذ إلى أسراره وحكمه التي لم تشرع الأحكام إلا لأجلها.

قال  : ﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا  ﴾ السفه والسفاهة الاضطراب في الرأي والفكر أو الأخلاق يقال: سفه حلمه ورأيه ونفسه، ومنه: زمام سفيه، أي مضطرب لمرح الناقة ومنازعتها إياه.

واضطراب الحلم -العقل- والرأي جهل وطيش، واضطراب الأخلاق فساد فيها لعدم رسوخ ملكة الفضيلة.

قال البيضاوي في تفسير السفهاء، "هم الذين خفت أحلامهم واستمهنوها بالتقليد والإعراض عن النظر، يريد المنكرين لتغيير القبلة من المنافقين واليهود والمشركين.

وفائدة تقديم الإخبار توطين النفس وإعداد الجواب".

وولاه عن الشيء صرفه عنه، والاستفهام للإنكار والتعجب.

والمعنى: سيقول سفهاء الأحلام السخفاء: أي شيء جرى لهؤلاء المسلمين فحولهم وصرفهم عن قبلتهم التي كانوا عليها وهي قبلة النبيين من قبلهم؟

وهاك تفصيل الجواب: ليست صخرة بيت المقدس بأفضل من سائر الصخور في مادتها وجوهرها، وليس لها منافع وخواص لا توجد في غيرها، ولا هيكل سليمان في نفسه من حيث هو حجر وطين أفضل من سائر الأبنية، وكذلك يقال في الكعبة والبيت الحرام كما تقدم في تفسير ﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ  ﴾ وإنما يجعل الله للناس قبلة لتكون جامعة لهم في عبادتهم، إلى آخر ما تقدم شرحه في تفسير ﴿ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ  ﴾ في الكلام على الكعبة والحج.

ولكن سفهاء الأحلام من أهل الجمود والمقلدين لهم يظنون أن القبلة أصل في الدين من حيث هي الصخرة المعينة أو البناء المعين، ولذلك كانت الحجة التي لقنها الله لنبيه في الرد على السفهاء الجاهلين لهذه الحكمة ﴿ قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ  ﴾ أي أن الجهات كلها لله تعالى لا فضل لجهة منها بذاتها على جهة، وأن الله يخصص منها ما شاء فيجعله قبلة لمن يشاء، وهو الذي ﴿ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ  ﴾ وهو صراط الاعتدال في الأفكار والأخلاق والأعمال كما يبين في الآية الآتية.

فعلم أن نسبة الجهات كلها إلى الله تعالى واحدة وأن العبرة في التوجه إليه سبحانه بالقلوب، وإتباع وحيه لا في التوجه بالوجوه.

قال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا  ﴾ وهو تصريح بما فهم من قوله ﴿ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ  ﴾ إلخ أي على هذا النحو من الهداية جعلناكم أمة وسطًا.

قالوا إن الوسط هو العدل والخيار وذلك أن الزيادة على المطلوب في الأمر إفراط، والنقص عنه تفريط وتقصير، وكل من الإفراط والتفريط ميل عن الجادة القويمة فهو شر ومذموم، فالخيار هو الوسط بين طرفي الأمر أي المتوسط بينهما.

ولكن يقال: لم اختير لفظ الوسط على لفظ الخيار مع أن هذا هو المقصود، والأول إنما يدل عليه بالالتزام؟

والجواب من وجهين: أحدهما: أن وجه الاختيار هو التمهيد للتعليل الآتي فإن الشاهد على الشيء لا بد أن يكون عارفًا به، ومن كان في أحد الطرفين فلا يعرف حقيقة حال الطرف الآخر ولا حال الوسط أيضًا.

وثانيهما: أن في لفظ الوسط إشعارًا بالسببية فكأنه دليل على نفسه، أي أن المسلمين خيار وعدول لأنهم وسط، ليسوا من أرباب الغلو في الدين المفرطين، ولا من أرباب التعطيل المفرطين، فهم كذلك في العقائد والأخلاق والأعمال.

ذلك أن الناس كانوا قبل ظهور الإسلام على قسمين: قسم تقضي عليه تقاليده بالمادية المحضة فلا هَمَّ له إلا الحظوظ الجسدية كاليهود والمشركين، وقسم تحكم عليه تقاليده بالروحانية الخالصة، وترك الدنيا وما فيها من اللذات الجسمانية، كالنصارى والصبائين وطوائف من وثنيي الهند أصحاب الرياضيات.

وأما الأمة الإسلامية فقد جمع الله لها في دينها بين الحقين حق الروح وحق الجسد، فهي روحانية جسمانية، وإن شئت قلت إنه أعطاها جميع حقوق الإنسانية، فإن الإنسان جسم وروح، حيوان ومَلَك.

فكأنه قال: جعلناكم أمة وسطًا تعرفون الحقين، وتبلغون الكمالين ﴿ لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ  ﴾ بالحق ﴿ عَلَى النَّاسِ  ﴾ الجسمانيين بما فرطوا في جنب الدين، والروحانيين إذ أفرطوا وكانوا من الغالين، تشهدون على المفرطين بالتعطيل القائلين: ﴿ مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ  ﴾ بأنهم أخلدوا إلى البهيمية، وقضوا على استعدادهم بالحرمان من المزايا الروحانية، وتشهدون على المفرطين بالغلو في الدين القائلين: إن هذا الوجود حبس للأرواح وعقوبة لها، فعلينا أن نتخلص منه بالتخلي عن جميع اللذات الجسمانية وتعذيب الجسد وهضم حقوق النفس، وحرمانها من جميع ما أعده الله لها في هذه الحياة.

تشهدون عليهم بأنهم خرجوا عن جادة الاعتدال، وجنوا على أرواحهم بجنايتهم على أجسادهم وقواها الحيوية، تشهدون على هؤلاء وهؤلاء، وتسبقون الأمم كلها باعتدالكم وتوسطكم في الأمور كلها، ذلك بأن ما هديتم إليه هو الكمال الإنساني الي ليس بعده كمال، لأن صاحبه يعطي كل ذي حق حقه، يؤدي حقوق ربه، وحقوق نفسه، وحقوق جسمه، وحقوق ذوي القربى، وحقوق سائر الناس، ﴿ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا  ﴾ أي أن الرسول  هو المثال الأكمل لمرتبة الوسط، وإنما تكون هذه الأمة وسطًا باتباعها له في سيرته وشريعته، وهو القاضي بين الناس فيمن اتبع سنته ومن ابتدع لنفسه تقاليد أخرى أو حذا حذو المبتدعين، فكما تشهد هذه الأمة على الناس بسيرتها وارتقائها الجسدي والروحي بأنهم قد ضلوا عن القصد، يشهد لها الرسول بما وافقت فيه سنته وما كان لها من الأسوة الحسنة فيه، بأنها استقامت على صراط الهداية المستقيم، فكأنه قال: إنما يتحقق لكم وصف الوسط إذا حافظتم على العمل بهدى الرسول واستقمتم على سنته، وأما إذا انحرفتم عن هذه الجادة فالرسول بنفسه ودينه وسيرته حجة عليكم بأنكم لستم من أمته التي وصفها الله في كتابه بهذه الآية وبقوله ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ  ﴾ إلخ، بل تخرجون بالابتداع من الوسط وتكونون في أحد الطرفين كما قال الشاعر- وقد استشهد به الزمخشري في تفسير الآية:- كانت هي الوسط المحمي فاكتنفت بها الحوادث حتى أصبحت طرفًا يقال إن هذا خبر عظيم بمنحة جليلة، ومنة بنعمة كبيرة، فلم جيء به معترضًا في أطواء الكلام عن القبلة، ولم يجيء ابتداء أو في سياق تعداد الآلاء والنعم؟

والجواب: أن الله تعالى علم أن الفتنة بمسألة القبلة ستكون عظيمة، وأن سيقول أهل الكتاب أن محمدًا ليس على بينة من ربه لأنه غيَّر قبلته، ولو كان الله هو الذي أمره بالصلاة إلى بيت المقدس لما نهاه عنه ثانيًا وصرفه عن قبلة الأنبياء.

ويقول المنافقون إنه صلى أولًا إلى بيت المقدس استمالة لأهل الكتاب ودهانًا لهم، ثم غلب عليه حب وطنه وتعظيمه، فعاد إلى استقبال الكعبة، فهو مضطرب في دينه.

وأمثال هذه الشبهات على كونها تدل على عدم الاعتدال في أفكار قائليها تؤثر في نفوس المسلمين، فالمطمئن الراسخ في الإيمان يحزن لشكوك الناس وتشكيكهم في الدين، والضعيف غير المتمكن ربما يضطرب ويتزلزل، لذلك بدأ الله بإخبار المسلمين بما سيكون بعد تحويل القبلة من إثارة رياح الشبه والتشكيك، ولقنهم الحجة، وبين لهم ما فيها من الحكمة، وبين لهم منزلتهم من سائر الأمم وهي أنهم أمة وسط لا تغلو في شيء، ولا تقف عند الظواهر، وأنهم شهداء على الناس وحجة عليهم باعتدالهم في الأمور كلها، وفهمهم لحقائق الدين وأسراره، ومن أهمها أن القبلة التي يتوجه إليها لا شأن لها في ذاتها، وإنما العبرة فيها باجتماع أهل الملة على جهة واحدة وصفة واحدة عند التوجه إلى الله تعالى.

ولما كانت نسبة الجهات إليه  واحدة إذ لا تحصره ولا تحدده جهة كان التزام الجهة المعينة منها لغير مجرد الاتباع لأمر الرسول عن الله تعالى ميلًا مع الهوى أو تخصيصًا بغير مخصص، وكلاهما مما لا يرضاه لنفسه العاقل المعتدل في أمره.

نعم إن له أن يسأل عن حكمة التحول والانتقال لا سيما بعد ما ثبت بالواقع أن الرسول الذي أمر به لم يأمر إلا بما ظهرت فائدته ومنفعته للممتثلين له من إصلاح النفوس وحملها على الخير وتوجيهها إلى البر مما دل عليه أنه مؤيد من الله تعالى.

وجملة القول إن إعلام الله رسوله والمؤمنين بما سيكون من الكافرين والمنافقين، وتلقينه إياهم الحجة، وإنزالهم منزلة الشهداء والمحكمين، ثم تبيينه لهم حكمة التحويل، كان مؤيدًا ومسددًا لهم ونورًا يسعى بين أيديهم في ظلمة تلك الفتنة المدلهمة، ولعمري إن هذه هي البلاغة التي لا غاية وراءها.

إعلام بما سيكون من اضطراب السفهاء في أقوالهم أشير إليه بالاستفهام مجملًا، ولم يذكر معه وجه الشبهة حتى لا تسبق إلى النفوس، والغرض إقامة الموانع من تأثيرها عند ورودها من أربابها، واختصار للبرهان ببيان أن المشرق والمغرب كسائر الجهات لله تعالى، أي يخصص منها ما يشاء فيجعله قبلة لمن يشاء، وبيان لمكانة الأمة المحمدية التي أعطيت كل أصل ديني بدليله وحكمته، وكلفت العدل والاعتدال في الأمر كله، أي فلا يليق بها أن تبالي بانتقاد السفهاء المذبذبين بين الإفراط والتفريط ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ  ﴾ أي وما جعلنا القبلة فيما مضى هي الجهة التي كنت عليها إلى اليوم ثم أمرناك بالتحول عنها إلى الكعبة إلا ليتبين لك وللمؤمنين الثابت على إيمانه ممن لا ثبات له، فتعلموا المتبع للرسول من المنقلب على عقبيه، برجوعه إلى الكفر الذي كان عليه، أو إلا ليكون علمنا الغيبي بحقيقة أمرهما وما لهما علم شهادة بوقوع متعلقه وهو الذي يترتب عليه الجزاء.

أي أن الله تعالى يختبر المؤمنين بما يظهر به صدق الصادقين، وريب المرتابين، وعاقبة المنافقين، ليرتب عليه الجزاء.

وإنما يثبت من فقه في الشيء فعرف سره وحكمته، وأما المقلد الآخذ بالظواهر من غير فقه ولا عرفان والمنافق غير المطمئن بالإيمان فلا يثبتان في مهاب عواصف الشكوك والشبهات.

وقال مفسرنا (الجلال): وما صيرنا القبلة لك الآن الجهة التي كنت عليها أولًا وهي الكعبة إلخ- وهو مبني على قول أن النبي  كان يصلي أولًا إلى الكعبة ثم أُمر بالصلاة إلى بيت المقدس، فيكون النسخ قد حصل مرتين، والأكثرون على أن المراد بالقبلة التي كان عليها بيت المقدس.

قال بعض المحققين: إن هذه الجمل من قبيل ﴿ جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ  ﴾ فالرؤيا لم تكن بنفسها فتنة وإنما افتتن الناس إذ أُخبروا بها ولم يفقهوا المراد منها.

كذلك القبلة ليس في جعل جهة كذا قبلة فتنة واختبار للناس، وإنما الفتنة فيما ترتب على ذلك من حيث كونه صرفًا عن قبلة إلى غيرها، فالسفهاء والجهال الذين لا يفقهون ينكرون هذا التحويل ويرونه أمرًا إدًّا، والذين هداهم الله إلى فقه ذلك يرونه أمرًا حكيمًا جدًا، ولذلك قال تعالى: ﴿ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ  ﴾ فمنحهم الاعتدال في الفكر والإدراك وفي الميل والرغبة.

وقوله تعالى ﴿ لِنَعْلَمَ  ﴾ معهود في القرآن كثيرًا، ومثله ﴿ لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ  ﴾ وقوله ﴿ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ  ﴾ والعقل والنقل متفقان على أن علمه تعالى قديم لا يتجدد، وللمفسرين في هذه الألفاظ أقوال نذكر أظهرها: جرت عادة العرب في لغتها أن تنسب إلى الرئيس والكبير ما يحدث بأمره وتدبيره، يقولون فتح الأمير البلد وقاتل الجيش.

وكثيرًا ما يقولون هذا والأمير ليس واحدًا من العاملين، فهو أسلوب معهود، إذا أريد إسناد الفعل إلى الجمهور أسندوه إلى المقدم فيهم.

ولما كان الله تعالى وليّ الذين آمنوا، وخاطبهم خطاب السيد صح بحسب هذا الأسلوب العربي أن يذكر الفعل بصيغة الجمع التي تشمل المتكلم وغيره وإن كان غيره هو المقصود بالفعل، فمعنى ﴿ إِلَّا لِنَعْلَمَ  ﴾ : إلا ليعلم عبادي المؤمنون بإعلامي إياهم.

وقد علم المؤمنون في هذه الفتنة من هو الثابت على اتباع الرسول  ومن هو المنافق الذي قبلته ريح الشبهة على عقبيه، وكان المنافقون مع المؤمنين بحيث لا يماز أحدهم من الآخر لقيامهم جميعًا بأداء الأعمال الظاهرة المطلوبة.

وهكذا كان  يمحص ما في القلوب بما يبتلي به الناس من الفتن ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ  وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ  ﴾ وعلى هذا الأسلوب جاء ما روي في الحديث القدسي:"يا عبدي مرضت فلم تعدني، وجعت فلم تطعمني، وعطشت فلم تسقني".

خرجوه على أن المراد مرض عبادي الفقراء الذين هم عيال الله فلم تعدهم إلخ ..

نعم إن الرواية غير صحيحة ولكن لم يفهم أحد منها أنها على ظاهرها لقطع العقل بأن هذا محال ولقوله تعالى ﴿ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ  ﴾ وقالت العرب: إني جائع في بطن غيري وعريان في ظهر غيري!

ويدخل في هذا الأسلوب أيضًا مثل قوله تعالى ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا  ﴾ أي يعطي عباده المحتاجين، والله يكافئه عنهم إذ كانوا عاجزين.

ثم وجه آخر في تفسير ﴿ لِنَعْلَمَ  ﴾ وهو أدق من هذا -جرى عليه مفسرنا (الجلال) وغيره- وهو أن المراد بالعلم في مثل هذا علم الظهور والوقوع.

ذلك أن الله تعالى يعلم الأشياء قبل وقوعها أنها ستقع لا أنها واقعة، ويعلمها بعد وقوعها أنها وقعت، والجزاء يترتب علي ما وقع بالفعل فقوله ﴿ لِنَعْلَمَ  ﴾ يراد به الثاني أي لنعلم علم وقوع ووجود يترتب عليه الثواب والعقاب، وليس معناه أنه تجدد له علم لم يكن وإنما التجدد في المعلوم لا في نفس العلم، أي أن المعلوم لم يكن موجودًا ثم وجد وظهر، كأنه قال: وما جعلنا القبلة جهة بيت المقدس إلا لنحولها ونمتحن المؤمنين بالتحويل ليظهر ما ثبت في العلم القديم من اتباع بعض الناس للرسول، واستقامتهم على هدايته، وانقلاب بعضهم على عقبيه وإظهاره ما أكَنَّه في نفسه من الريب، وبذلك يمتاز المهتدون من الضالين، وتقوم الحجة للمؤمنين على الكافرين.

ومعنى الانقلاب على العقبين هو الانصراف عن الشيء بالرجوع إلى الوراء وهو طريق العقبين، فالمنقلبون قد خرجوا من عداد المؤمنين وعادوا إلى ما كانوا عليه من الكفر.

ويقال رجع على عقبيه ونكص على عقبيه وأبلغها انقلب على عقبيه لما فيها من الإشعار بأنه رجع عن خير إلى شر أو من سوء إلى أسوأ.

ومن قبيل استعمال العلم في متعلقه وما يصدق عليه قوله تعالى ﴿ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي  ﴾ الآية وقوله ﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ  ﴾ فالمراد من الكلمات هنا الموجودات كلها عبر عنها بذلك لأن كل موجود منها وجد بكلمة الله ﴿ كُنْ  ﴾ .

ثم قال جل شأنه ﴿ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً  ﴾ أي وأن القبلة أو قصتها في نسخها والتحول عنها لكبيرة الشأن شديدة الوقع فيما كان من أمر الناس.

أو ما كانت إلا كبيرة يشق التحول عنها ﴿ إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ  ﴾ أي هداهم إلى المعرفة به والعلم بحكم شرعه، فعقلوا أن التعبد بها إنما يكون بطاعة الله بها لا بسر في ذاتها أو مكانها، وأن حكمتها اجتماع الأمة عليها، الذي هو من أسباب اتحادهم وجمع كلمتهم.

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ  ﴾ .

إن سياق الآية بل الآيات يدل على أن الإيمان هنا مستعمل في معناه، فإنه لما بيّن أمر الفتنة في تحويل القبلة وبين أن من الناس من ينقلب إلى الكفر ويترك الإيمان، ومنهم من يثبت على إيمانه عالمًا أن الاعتماد في مثل مسألة القبلة على اتباع الرسول، لأن الجهات في نفسها متساوية لا فضل لجهة منها على جهة، بشر هؤلاء المؤمنين المتبعين بأنهم يجزون على إيمانهم الجزاء الأوفى فلا يضيع الله أجرهم، ولا يليتهم من ثباتهم على اتباع الرسول شيئًا.

﴿ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ  ﴾ هذه الجملة استئناف لبيان علة النفي في التي قبلها، وأن توفية المؤمن المخلص أجره هي من آثار رأفته ورحمته سبحانه فلا يخشى أن تتخلف وأن يضيع أجر المؤمنين الصادقين.

قال (الجلال): والرأفة شدة الرحمة وقدم الأبلغ للفاصلة.

ولا يصح هذا القول لأن كل كلمة في القرآن موضوعة في موضعها اللائق بها فليس فيه كلمة تقدمت ولا كلمة تأخرت لأجل الفاصلة، لأن القول برعاية الفواصل إثبات للضرورة كما قالوا في كثير من السجع والشعر أنه قدم كذا وأخّر كذا لأجل السجع ولأجل القافية.

والقرآن ليس بشعر، ولا التزام فيه للسجع، وهو من الله الذي لا تعرض له الضرورة بل هو على كل شيء قدير، وهو العليم الحكيم الذي يضع كل شيء في موضعه.

وما قال بعض المفسرين مثل هذا القول إلا لتأثرهم بقوانين فنون البلاغة وغلبتها عليهم في توجيه الكلام، مع الغفلة في هذه النقطة عن مكانة القرآن في ذاته، وعدم الالتفات إلى ما لكل كلمة في مكانها من التأثير الخاص عند أهل الذوق العربي.

وعندي أن الرأفة من آثار الرحمة والرحمة أعم، فإن الرأفة لا تستعمل إلا في حق من وقع في بلاء والرحمة تشمل دفع الألم والضر وتشمل الإحسان وزيادة الإحسان، فذكر الرحمة هنا فيه معنى التعليل والسببية وهو من قبيل الدليل بعد الدعوى، فهو واقع في موقعه كما تحب البلاغة وترضى، كأنه قال إن الله رؤوف بالناس لأنه ذو الرحمة الواسعة فلا يضيع عمل عامل منهم، ولا يبتليهم بما يظهر صدق إيمانهم وإخلاصهم في اتباع رسوله ليضيع عليهم هذا الإيمان والإخلاص، بل ليجزيهم عليه أحسن الجزاء.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 25%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله