الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٤١ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 55 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٤١ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم قال تعالى : ( تلك أمة قد خلت ) أي : قد مضت ( لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ) أي : لهم أعمالهم ولكم أعمالكم ( ولا تسألون عما كانوا يعملون ) وليس يغني عنكم انتسابكم إليهم ، من غير متابعة منكم لهم ، ولا تغتروا بمجرد النسبة إليهم حتى تكونوا مثلهم منقادين لأوامر الله واتباع رسله ، الذين بعثوا مبشرين ومنذرين ، فإنه من كفر بنبي واحد فقد كفر بسائر الرسل ، ولا سيما من كفر بسيد الأنبياء ، وخاتم المرسلين ورسول رب العالمين إلى جميع الإنس والجن من سائر المكلفين ، صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر أنبياء الله أجمعين .
القول في تأويل قوله تعالى : تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (141) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " تلك أمة "، إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطَ.
كما:- 2140- حدثنا بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد, عن سعيد, عن قتادة قوله تعالى: " تلك أمة قَد خَلت "، يعني: إبراهيمَ وإسماعيل وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطَ.
2141- حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع بمثله.
* * * قال أبو جعفر: وقد بينا فيما مضى أن " الأمة "، الجماعة (47) .
* * * فمعنى الآية إذًا: قلْ يا محمد = لهؤلاء الذين يُجادلونك في الله من اليهود والنصارى، إن كتموا ما عندَهم من الشهادة في أمر إبراهيم ومن سَمَّينا مَعه, وأنهم كانوا مسلمين, وزعموا أنهم كانوا هودًا أو نصارى، فكذبوا =: إنّ إبراهيم وإسماعيل وإسحاقَ ويعقوبَ والأسباطَ أمَّةٌ قد خَلتْ -أي مضت لسبيلها (48) - فصارت إلى ربها, وخَلتْ بأعمالها وآمالها, لها عند الله ما كسبت من خير في أيام حياتها, وعليها ما اكتسبت من شر, لا ينفعها غيرُ صالح أعمالها، ولا يضرها إلا سيِّئها.
فاعلموا أيها اليهود والنصارى ذلك, فإنكم، إنْ كان هؤلاء - (49) وهم الذين بهم تَفتخرون، وتزعمون أنّ بهم تَرجُون النجاةَ من عذاب ربكم، مع سيئاتكم وعظيم خطيئاتكم - لا يَنفعهم عند الله غيرُ ما قدَّموا من صالح الأعمال، ولا يضرهم غير سيئها، فأنتم كذلك أحرَى أنْ لا ينفعكم عند الله غير ما قدمتم من صالح الأعمال, (50) ولا يضرّكم غيرُ سَيئها.
فاحذروا على أنفسكم، وبادروا خروجَها بالتوبة والإنابة إلى الله مما أنتم عليه من الكفر والضلالة والفِرية على الله وعلى أنبيائه ورُسُله, ودَعُوا الاتكالَ على فَضَائل الآباء والأجداد, فإنما لكم ما كسبتم, وعليكم ما اكتسبتم, ولا تُسألون عما كان إبراهيم وإسماعيلُ وإسحاقُ ويعقوبُ والأسباط يَعملون من الأعمال, لأن كل نفس قَدِمت على الله يوم القيامة, فإنما تُسأل عما كسبت وأسلفت، دون ما أسلفَ غيرُها.
* * * --------------------------- الهوامش: (47) انظر ما سلف 1 : 221 ثم هذا الجزء 3 : 74 ، 100 / ثم انظر"خلا" و"كسب" في هذا الجزء 3 : 101 والمراجع هناك .
(48) انظر ما سلف 1 : 221 ثم هذا الجزء 3 : 74 ، 100 / ثم انظر"خلا" و"كسب" في هذا الجزء 3 : 101 والمراجع هناك .
(49) في المطبوعة : "هم الذين بهم .
.
.
" ، والصواب"وهم .
.
.
" .
(50) سياق هذه العبارة : "إن كان هؤلاء .
.
.
لا ينفعهم عند الله غير ما قدموا .
.
.
فأنتم كذلك أحرى أن لا ينفعكم غير صالح الأعمال .
.
.
" .
قوله تعالى : تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملونكررها لأنها تضمنت معنى التهديد والتخويف ، أي إذا كان أولئك الأنبياء على إمامتهم وفضلهم يجازون بكسبهم فأنتم أحرى ، فوجب التأكيد ، فلذلك كررها .
تقدم تفسيرها, وكررها, لقطع التعلق بالمخلوقين, وأن المعول عليه ما اتصف به الإنسان, لا عمل أسلافه وآبائه، فالنفع الحقيقي بالأعمال, لا بالانتساب المجرد للرجال.
{تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون} كرره تأكيداً.
«تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تُسألون عما كانوا يعملون» تقدم مثله.
تلك أُمَّة من أسلافكم قد مضَتْ، لهم أعمالهم ولكم أعمالكم، ولا تُسْألون عن أعمالهم، وهم لا يُسْألون عن أعمالكم.
وفي الآية قطع للتعلق بالمخلوقين، وعدم الاغترار بالانتساب إليهم، وأن العبرة بالإيمان بالله وعبادته وحده، واتباع رسله، وأن من كفر برسول منهم فقد كفر بسائر الرسل.
ثم حذر الله - تعالى - أهل الكتاب - في ختام الآيات - من التمادي في الكفر والمعصية ، انكالا على انتسابهم لآباء كانوا من الأنبياء أو من الصالحين ، فقال تعالى : ( تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) .( تِلْكَ ) إشارة إلى أمة إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط و ( الأمة ) المراد بها هنا الجماعة من الناس الذين يجمعهم أمر واحد وهو هنا الدين ( قد خلت ) أي مضت وانقرضت .ومعنى الآية الكريمة : قل يا محمد لأهل الكتاب الذين زعموا أن الهداية في ملتهم وأن إبراهيم وآله كانوا هوداً أو نصارى ، قل لهم : إن إبراهيم وآله يمثلون أمة مضت لسبيلها لها عند الله ما كسبت من خير وعليها ما اكتسبت من شر ولا ينفعها غير صالح أعمالها ، ولا يضرها الأمر كذلك بالنسبة لكم فعليكم أن تسلكوا طريق الإيمان والعمل الصالح وأن تتركوا الاتكال على فضائل الآباء والأجداد فإن كل نفس يوم القيامة ستسأل عن أعمالها دون أعمال غيرها ، كما بين ذلك قوله تعالى : ( كُلُّ امرىء بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ ) فالمقصد الأول الذي ترمى إليه الآية الكريمة ، هو تحذير المخاطبين من تركهم الإِيمان والطاعة اعتماداً منهم على انتسابهم لآباء كانوا أنبياء أو صالحين ، فإن هذا الاعتماد إنما هو نوع من الأماني الكاذبة والأفكار الفاسدة وقد جاء في الحديث الشريف " من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه "وكأن الآية تقول لأهل الكتاب في تأكيد : إن أمامكم ديناً دعيتم إلى اتباعه ، واقترنت دعوته بالحجة فانظرو في دلائل صحته ، وسمو حكمته ، ولا تردوه بمجرد أن الأنبياء كانوا على ما أنتم عليه الآن ، فإن دعواكم هذه لا تنفعكم ولو في حال تسليمها لكن ، إذ لا يمنع اختلاف الشرائع باختلاف المصالح ، وعلى سحب ما تقتضيه حكمة عالم الغيب والشهادة .وإلى هنا تكون الآيات الكريمة قد دحضت ما ادعاه اليهود من أن الهدى في اتباع ملتهم ، وأقامت الحجج والشواهد على كذبهم وافترائهم وأرشدتهم إلى الدين الحق ، ودعتهم إلى الدخول فيه ، ووبختهم على المحاجة في دين الله بغير علم ، وحذرتهم من الانحراف عن الصراط المستقيم اعتماداً منهم على آباء لهم كانوا أنبياء أو صالحين ، فإنه لن تجزي نفسق عن نفس شيئاً يوم الدين .ثم تحدث القرآن الكريم بعد ذلك عن قصة تحويل القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام ، وأورد الشبهات التي أثارها المشركون وأهل الكتاب - وعلى رأسهم اليهود - حول هذه المسألة ، ورد عليها بما يدحضها ويبطلها .ونظراً لأهمية هذا الموضوع فسيكون كلامنا عنه على النحو التالي :أولاً : كيف كان المسلمون يتجهون في صلاتهم قبل تحويل القبلة إلى المسجد الحرام؟ثانياً : ما الشبهات التي أثارها اليهود بعد تحويل القبلة إلى المسجد الحرام؟ثالثاً : كيف مهد القرآن الكريم لهذا التحويل؟رابعاً : تفسير الآيات الكريمة التي نزلت بشأن القبلة؟خامساً : لماذا أطال القرآن الكريم حديثه عن تحويل القبلة مع أنها من الأمور الفرعية .وإليك الإِجابة عن كل سؤال من هذه الأسئلة .أولاً : فرضت الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في مكة ليلة الإِسراء والمعراج .
ويرى بعض العلماء أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستقبل في صلاته - وهو بمكة - بيت المقدس إلا أنه لم يكن يستدير الكعبة ، بل كان يجعلها بينه وبين ببيت المقدس ، وذلك بأن يقف بين الركنين الأسود واليماني .ويرى بعضهم أنه كان يستقبل في صلاته وهو بمكة المسجد الحرام .
وهذا الرأي هو الذي نرجحه ، لأن المسجد الحرام هو قبلة أبيه إبراهيم ، ولأنه صلى الله عليه وسلم عربي ، وظهر بين قومه العرب ، ولا شك أن اعتزازهم بالمسجد الحرام ، أشد من اعتزازهم بأي مسجد آخر ، إذن فالمصلحة والحكمة تقضيان بأن يستقبل المسلمون في صلاتهم بمكة الكعبة المشرفة .ومهما يكن من خلاف بين العلماء في الجهة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يستقبلها في صلاته وهو بمكة ، فإن الأمر الذي لا خلاف فيه ، أنه بعد الهجرة إلى المدينة لم يستقبل في صلاته سوى بيت المقدس بأمر من الله تعالى - وقد وردت أحاديث صحيحة في ذلك ، منها ما أخرجه البخاري في صحيحه عن البراء بن عازب - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجبه أن تكون قبلته قبل البيت ، وأنه صلى أول صلاة صلاها العصر وصلى معه قوم فخرج رجل ممن كان معه فمر على أهل مسجد وهم راكعون فقال : أشهد بالله لقد صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم جهة مكة فداروا كماهم قبل البيت وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قبل بيت المقدس فلما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك .ومنها ما أخرجه عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال : ( بينما الناس بقباء في صلاة الصبح ، إذ جاءهم آت فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن ، وقد أمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها ، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة ) .وبذلك نرى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوجه في صلاته وهو بالمدينة إلى بيت المقدس ، قبل أن يأمره الله - تعالى - بالتحول إلى المسجد الحرام .ثانياً : الشبهات التي أثارها اليهود بعد تحول المسلمين في صلاتهم إلى المسجد الحرام .قلنا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هجرته إلى المدينة استقبل في صلاته بيت المقدس بأمر من الله - تعالى - تأليفاً لقلوب اليهود لأن بيت المقدس قبلتهم ، ورمز وحدتهم ، وقد فرحوا لصلاة الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين إليه ، وكان أمل النبي أن يلبوا دعوتهه وأن يسارعوا إلى الدخول في الإسلام ، ولكنهم عموا وصموا ، وأخذوا يشيعون بين الناس أن النبي صلى الله عليه وسلم قد اتبع قبلتهم وعما قريب سيتبع ملتهم ، واعتبروا اتجاه المسلمين في صلاتهم إلى بيت المقدس نوعاً من اقتباس الهدى منهم ، فتأثر الرسول صلى الله عليه وسلم من موقفهم الجحودي ، وانبثقت في نفسه أمنية التحول إلى الكعبة ، وأكثر من التضرع والابتهال إلى الله كي يوجهه إلى قبلة أبيه إبراهيم .وقد أجاب الله تعالى رجاء نبيه صلى الله عليه وسلم فولاه القبلة التي يرضاها ، ففرح المؤمنون لذلك لأن في توجههم إلى البيت الحرام ، تأليفاً لقلوبهم ، فهو مثابتهم ومركز تجمعهم ، وموطن أمنهم ومهوى أفئدتهم ، وجامع وحدتهم وقد استقبلوا هذا التحويل بالسمع والطاعة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم .أما اليهود ومن على شاكلتهم ممن في قلوبهم مرض فقد استقبلوه بالاستهزاء والجحود ، وإثارة الشبهات ، لبلبلة الأفكار ، وتشكيك المسلمين في عقيدتهم .ومما قاله المشركون في ذلك : إن محمداً صلى الله عليه وسلم قد تحير في دينه ، وبوشك أن يرجع إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا .ومما قاله المنافقون : ما بال المسلمين كانوا على قبلة ثم تركوها؟ومما قاله اليهود - الذين تولوا كبر التشكيك في صحة التوجه إلى البيت الحرام - إن القبلة الأولى - وهي بيت المقدس - إن كانت على حق فقد تركتم أيها المسلمون الحق وإن كانت على باطل فعبادتكم السابقة باطلة ، ولو كان محمد صلى الله عليه وسلم نبياً حقاً ما ترك قبلة الأنبياء قبله وتحول إلى غيرها وما فعل اليوم شيئاً وخالفه غداً .ومقصدهم الأول من وراء هذه المقالات المرذلة ، الطعن في شريعة الإِسلام ، وفي نوبة النبي ( عليه الصلاة والسلام ) .ثالثاً : ولكن القرآن الكريم عليهم خطتهم ، وأحبط مكرهم ، فأخبر الله - تعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم بما سيقوله هؤلاء السفهاء جميعاً قبل أن يصدر عنهم ، ومهد لتحويل القبلة بما يطمئن النفوس ويثبت الإِيمان في القلوب ويهيئ الأفئدة لتقبل هذا الأمر العظيم ، فذكر الله في الآيات السابقة على التحويل أنه إذا نسخ آية أتى بما هو خير منها أو مثلها ، لأنه القادر على كل شيء ، المالك للسموات والأرض تصرفاً وتدبيراً ، وهو أعلم بما يتعبد به عباده وما فيه الخير لهم .ثم ذكر - سبحانه - بعد ذلك أن له المشرق والمغرب .
ففي أي مكان توجه المصلي فثم وجه الله ، ثم نبه - رسوله صلى الله عليه وسلم بأنه لن يرضى عنه اليهود ولا النصارى حتى يتبع ملتهم .إشارة إلى أن المصلحة في التوجه إلى بيت المقدس قد انتهت وان الاستمرار على ذلك لن يكبح جماح نفوس لم تصبغ بهداية الله وتوفيقه .ثم فصل القرآن بعد ذلك الحديث عن البيت الحرام وتعظيمه وشرفه فذكر أن الله - تعالى - قد جعله مثابة ومرجعاً للحجاج والعمار .
يتفرقون عنه ثم يثوبون إليه على تعاقب الأعوام من جميع الأفطار وكلما ازدادوا له زيارة زاد شوقهم إليه .
وجعله - أيضاً - حرماً آمناً لهم .
بينما يتخطف الناس من حولهم .وأخبر - سبحانه - أنه قد عهد في بنائه إلى نبيين كريمين هما سيدنا إبراهيم وانبه إسماعيل - عليهما السلام - وأمرهما بتطهيره من كل رجس للطائفين والعاكفين والركع السجود .وقد كانت الآيات الواردة في شأن المسجد الحرام قبيل الأمر بتحويل القبلة كفيلة بإعطاء صورة وافية لكل عاقل ، بأن بيتاً له هذه القداسة جدير بأن يكون قبله للناس في صلاتهم ، ولكن اليهود ومن في قلوبهم مرض ، لم يكن إعراضهم عن الحق لشبهة في نفوسهم ينقصها الدليل ، وإنما كان إعراضهم مرجعه العناد والمكابرة ، وكلاهما يعمى ويصم ، فلا غرابة أن نطقوا كفراً ، ولاكت ألسنتهم قبحاً وسفهاً .إلا أن ما قالوه من شبهات حول تحويل القبلة ، لم يجد آذاناً صاغية من المؤمنين ، لأن الله - تعالى - قد مهد للتحويل - كما قلنا بما يطمئن النفوس ولقن نبيه صلى الله عليه وسلم الجواب على شبهاتهم قبل أن ينطقوا بها ليكون ذلك أقطع لحجتهم ، كما قالوا في الأمثال : ( قبل الرمي يراش السهم ) .رابعاً : تفسير الآيات الكريمة التي نزلت في شأن تحويل القبلة إلى البيت الحرام ، لقن فيها المؤمنين الإِجابة على معارضات اليهود وغيرهم ، ونوه فيها بشأن الأمة الإِسلامية ، وبشرها بإجابة رجاء نبيها صلى الله عليه وسلم إذ ولاه القبلة التي يرضاها ، وأراحه من التطلع إلى اهتداء اليهود وغيرهم من الجاحدين .
ولو جاءهم بكل آية ، لأن إعراضهم عن دعوته ليس عن شبهة يزيلها الدليل ، ولكنه إعراض سببه الجحود والحقد ، والجاحد والحاقد لا ينفع معهما دليل أو برهان .وقد كرر القرآن الكريم الأمر بالتوجه إلى الكعبة ثلاث مرات في ثلاث آيات ، وعلق بكل أمر فائدة جديدة تناسبه ، لأن أهمية هذا الحادث تستلزم تكراراً في الخطاب ليرسخ في النفوس ، ويستقر في المشاعر والقلوب .
اعلم أنه تعالى لما حاج اليهود في هؤلاء الأنبياء عقبه بهذه الآية لوجوه: أحدها: ليكون وعظاً لهم وزجراً حتى لا يتكلوا على فضل الآباء فكل واحد يؤخذ بعمله.
وثانيها: أنه تعالى بين أنه متى لا يستنكر أن يكون فرضكم عين فرضهم لاختلاف المصالح لم يستنكر أن تختلف المصالح فينقلكم محمد صلى الله عليه وسلم من ملة إلى ملة أخرى.
وثالثها: أنه تعالى لما ذكر حسن طريقة الأنبياء الذين ذكرهم في هذه الآيات بين أن الدليل لا يتم بذلك بل كل إنسان مسؤول عن عمله، ولا عذر له في ترك الحق بأن توهم أنه متمسك بطريقة من تقدم، لأنهم أصابوا أم أخطأوا لا ينفع هؤلاء ولا يضرهم لئلا يتوهم أن طريقة الدين التقليد، فإن قيل لم كررت الآية؟
قلنا فيه قولان، أحدهما: أنه عني بالآية الأولى إبراهيم ومن ذكر معه، والثانية أسلاف اليهود.
قال الجبائي قال القاضي: هذا بعيد لأن أسلاف اليهود والنصارى لم يجر لهم ذكر مصرح وموضع الشبهة في هذا القول أن القوم لما قالوا في إبراهيم وبنيه إنهم كانوا هوداً فكأنهم قالوا: إنهم كانوا على مثل طريقة أسلافنا من اليهود فصار سلفهم في حكم المذكورين فجاز أن يقول: ﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ﴾ ويعينهم ولكن ذلك كالتعسف بل المذكور السابق هو إبراهيم وبنوه فقوله: ﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ ﴾ يجب أن يكون عائداً إليهم، والقول الثاني: أنه متى اختلفت الأوقات والأحوال والمواطن لم يكن التكرار عبثاً فكأنه تعالى قال: ما هذا إلا بشر فوصف هؤلاء الأنبياء فيما أنتم عليه من الدين لا يسوغ التقليد في هذا الجنس فعليكم بترك الكلام في تلك الأمة فلها ما كسبت وانظروا فيما دعاكم إليه محمد صلى الله عليه وسلم، فإن ذلك أنفع لكم وأعود عليكم ولا تسألون إلا عن عملكم.
<div class="verse-tafsir"
قرأ زيد بن ثابت ﴿ اتحاجُّونَّا ﴾ بإدغام النون.
والمعنى: اتجادلوننا في شأن الله واصطفائه النبي من العرب دونكم، وتقولون: لو أنزل الله على أحد لأنزل علينا، وترونكم أحق بالنبوة منا ﴿ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ﴾ نشترك جميعاً في أننا عباده، وهو ربنا، وهو يصيب برحمته وكرامته من يشاء من عباده، هم فوضى في ذلك لا يختص به عجمي دون عربي إذا كان أهلاً للكرامة ﴿ وَلَنَا أعمالنا وَلَكُمْ أعمالكم ﴾ يعني أن العمل هو أساس الأمر وبه العبرة، وكما أن لكم أعمالاً يعتبرها الله في إعطاء الكرامة ومنعها فنحن كذلك.
ثم قال: ﴿ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ ﴾ فجاء بما هو سبب الكرامة، أي ونحن له موحدون نخلصه بالإيمان فلا تستبعدوا أن يؤهل أهل إخلاصه لكرامته بالنبوّة، وكانوا يقولون: نحن أحقّ بأن تكون النبوَّة فينا، لأنا أهل كتاب والعرب عبدة أوثان ﴿ أَمْ تَقُولُونَ ﴾ يحتمل فيمن قرأ بالتاء أن تكون أم معادلة للهمزة في ﴿ أَتُحَاجُّونَنَا ﴾ بمعنى أيّ الأمرين تأتون: المحاجة في حكمة الله أم ادّعاء اليهودية والنصرانية على الأنبياء؟
والمراد بالاستفهام عنهما إنكارهما معاً، وأن تكون منقطعة بمعنى: بل أتقولون، والهمزة للإنكار أيضاً، وفيمن قرأ بالياء لا تكون إلا منقطعة ﴿ قُلْ ءأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ الله ﴾ يعني أن الله شهد لهم بملة الإسلام في قوله: ﴿ مَا كَانَ إبراهيم يَهُودِيّا وَلاَ نَصْرَانِيّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا ﴾ [آل عمران: 67] .
﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شهادة عِندَهُ مِنَ الله ﴾ أي كتم شهادة الله التي عنده أنه شهد بها وهي شهادته لإبراهيم بالحنيفية.
ويحتمل معنيين: أحدهما أن أهل الكتاب لا أحد أظلم منهم، لأنهم كتموا هذه الشهادة وهم عالمون بها.
والثاني: أنا لو كتمنا هذه الشهادة لم يكن أحد أظلم منا فلا نكتمها.
وفيه تعريض بكتمانهم شهادة الله لمحمد صلى الله عليه وسلم بالنبوة في كتبهم وسائر شهاداته.
(ومن) في قوله: ﴿ شهادة عِندَهُ مِنَ الله ﴾ مثلها في قولك: هذه شهادة مني لفلان إذا شهدت له، ومثله ﴿ بَرَاءةٌ مّنَ الله وَرَسُولِهِ ﴾ [التوبة: 1] .
<div class="verse-tafsir"
﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ تَكْرِيرٌ لِلْمُبالَغَةِ في التَّحْذِيرِ والزَّجْرِ عَمّا اسْتُحْكِمَ في الطِّباعِ مِنَ الِافْتِخارِ بِالآباءِ والِاتِّكالِ عَلَيْهِمْ.
قِيلَ: الخِطابُ فِيما سَبَقَ لَهُمْ، وفي هَذِهِ الآيَةِ لَنا تَحْذِيرٌ عَنِ الِاقْتِداءِ بِهِمْ.
وقِيلَ: المُرادُ بِالأُمَّةِ في الأوَّلِ الأنْبِياءُ، وفي الثّانِي أسْلافُ اليَهُودِ والنَّصارى.
<div class="verse-tafsir"
{تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون} كررت للتأكيد ولأن المراد بالأول الأنبياء عليهم
البقرة (١٤٢ _ ١٤٣)
السلام وبالثاني أسلاف اليهود والنصارى
﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ تَكْرِيرٌ لِما تَقَدَّمَ لِلْمُبالَغَةِ في التَّحْذِيرِ عَمّا اسْتَحْكَمَ في الطِّباعِ مِنَ الِافْتِخارِ بِالآباءِ، والِاتِّكالِ عَلَيْهِمْ كَما يُقالُ: اتَّقِ اللَّهَ اتَّقِ اللَّهَ، أوْ تَأْكِيدٌ وتَقْرِيرٌ لِلْوَعِيدِ، يَعْنِي أنَّ اللَّهَ تَعالى يُجازِيكم عَلى أعْمالِكُمْ، ولا تَنْفَعُكم آباؤُكُمْ، ولا تُسْألُونَ يَوْمَ القِيامَةِ عَنْ أعْمالِهِمْ، بَلْ عَنْ أعْمالِ أنْفُسِكُمْ، وقِيلَ: الخِطابُ فِيما سَبَقَ لِأهْلِ الكِتابِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ لَنا تَحْذِيرًا عَنِ الِاقْتِداءِ بِهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأُمَّةِ في الأوَّلِ الأنْبِياءُ، وفي الثّانِي أسْلافُ اليَهُودِ، لِأنَّ القَوْمَ لَمّا قالُوا في إبْراهِيمَ وبَنِيهِ: إنَّهم كانُوا ما كانُوا، فَكَأنَّهم قالُوا: إنَّهم عَلى مِثْلِ طَرِيقَةِ أسْلافِنا، فَصارَ سَلَفُهم في حُكْمِ المَذْكُورِينَ، فَجازَ أنْ يُعْنَوْا بِالآيَةِ، ولا يَخْفى ما في ذَلِكَ مِنَ التَّعَسُّفِ الظّاهِرِ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال تعالى: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ، وقد ذكرنا تفسيرها.
<div class="verse-tafsir"
شريعتُهُ ودينُهُ وسنَّته، وفطْرته، قال كَثِيرٌ من المفسّرين/: وذلك أن النصارى لهم ماء ٣٧ أيصبغون فيه أولادهم، فهذا ينظر إلى ذلك.
وقيل: سمي الدِّين صبغةً استعارةً من حيث تظهر أعْمَالُهُ وسِمَتُهُ على المتدِّين كما يظهر الصِّبْغ في الثَّوْب وغيره، ونصب الصِّبْغة على الإِغراء «١» .
قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩) أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٠) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤١)
وقوله تعالى: قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ ...
الآية: معنى الآية: قل يا محمَّد لهؤلاءِ اليهودِ والنصارى: أتحاجُّوننا في اللَّه، أي: أتجادلونَنَا في دِينِهِ، والقُرْب منه، والحُظْوة لديه سُبْحانه، والرب واحدٌ، وكلٌّ مجازًى بعمله، ثم وبَّخهم بقوله: وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ، أي: ولم تخلصوا أنتم، فكيف تدَّعون ما نَحْن أولى به منْكُمْ.
وقوله تعالى: أَمْ تَقُولُونَ عطْفٌ على ألف الاستفهامِ المتقدِّمة، وهذه القراءة بالتاء من فوقُ قراءةُ ابن عامر، وحمزةَ، وغيرهما، وقرأ نافعٌ وغيره بالياء من أسفل «٢» ، «وأَمْ» على هذه القراءةِ مقطوعةٌ، ووقفهم تعالى على موضعِ الإنقطاعِ في الحجّة لأنهم إن قالوا:
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ تَقُولُونَ إنَّ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ ﴾ الآَيَةِ.
سَبَبُ نُزُولِها أنَّ يَهُودَ المَدِينَةِ، ونَصارى نَجْرانَ قالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ: إنَّ أنْبِياءَ اللَّهِ كانُوا مِنّا مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وكانُوا عَلى دِينِنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
ومَعْنى الآَيَةِ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أعْلَمَنا بِدِينِ الأنْبِياءِ، ولاأحَدَ أعْلَمُ بِهِ مِنهُ.
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ، وأبُو عَمُورٍ: (أمْ يَقُولُونَ) بِالياءِ عَلى وجْهِ الخَبَرِ عَنِ اليَهُودِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفَصٌ عَنْ عاصِمٍ: (تَقُولُونَ) بِالتّاءِ لِأنَّ قَبْلَها مُخاطَبَةٌ، وهي "أتُحاجُونَنا" وبُعْدَها (قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ) .
وَفِي الشَّهادَةِ الَّتِي كَتَمُوها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى شَهِدَ عِنْدَهم بِشَهادَةٍ لِإبْراهِيمَ ومَن ذَكَرَ مَعَهُ أنَّهم كانُوا مُسْلِمِينَ، فَكَتَمُوها، قالَهُ الحَسَنُ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
والثّانِي: أنَّهم كَتَمُوا الإسْلامَ، وأمْرَ مُحَمَّدٍ وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ نَبِيٌّ دِينُهُ الإسْلامَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ أتُحاجُّونَنا في اللهِ وهو رَبُّنا ورَبُّكم ولَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم ونَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ ﴾ ﴿ أمْ تَقُولُونَ إنَّ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطَ كانُوا هُودًا أو نَصارى قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمْ اللهُ ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهُ وما اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ مَعْنى الآيَةِ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ اليَهُودِ والنَصارى الَّذِينَ زَعَمُوا أنَّهم أبْناءُ اللهِ وَأحِبّاؤُهُ وادَّعَوْا أنَّهم أولى بِاللهِ مِنكم لِقِدَمِ أدْيانِهِمْ وكُتُبِهِمْ: ﴿ أتُحاجُّونَنا في اللهِ ﴾ ؟
أيْ: أتُجاذِبُونَنا الحُجَّةَ عَلى دَعْواكُمْ؟
والرَبُّ تَعالى واحِدٌ.
وكُلٌّ مُجازى بِعَمَلِهِ فَأيُّ تَأْثِيرٍ لِقِدَمِ الدِينِ، ثُمَّ وُبِّخُوا بِقَوْلِهِ: ﴿ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ ﴾ ، أيْ: ولِمَ تُخْلِصُوا أنْتُمْ، فَكَيْفَ تَدَّعُونَ ما نَحْنُ أولى بِهِ مِنكُمْ؟
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "أتُحاجُّونّا" بِإدْغامِ النُونِ في النُونِ، وخَفَّ الجَمْعُ بَيْنَ ساكِنِينَ لِأنَّ الأوَّلَ حَرْفُ مَدٍّ ولِينٍ، فالمَدُّ كالحَرَكَةِ، ومِن هَذا البابِ: دابَّةٌ وشابَّةٌ، وفي اللهِ مَعْناهُ: في دِينِهِ والقُرْبِ مِنهُ والحُظْوَةِ لَدَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ تَقُولُونَ ﴾ عَطْفٌ عَلى ألِفِ الِاسْتِفْهامِ المُتَقَدِّمَةِ، وهَذِهِ القِراءَةُ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ قَرَأها ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "أمْ يَقُولُونَ" بِالياءِ مِن أسْفَلٍ، و"أمْ" عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مَقْطُوعَةٌ، ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ، وحُكِيَ عن بَعْضِ النُحاةِ أنَّها لَيْسَتْ بِالمَقْطُوعَةِ لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: أتَقُومُ أمْ يَقُومُ عَمْرٌو ؟
فالمَعْنى: أيَكُونُ هَذا أمْ هَذا؟
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا المِثالُ غَيْرُ جَيِّدٍ، لِأنَّ القائِلَ فِيهِ واحِدٌ والمُخاطَبُ واحِدٌ، والقَوْلُ في الآيَةِ مِنَ اثْنَيْنِ والمُخاطَبُ اثْنانِ غَيْرانِ، وإنَّما تَتَّجِهُ مُعادَلَةُ "أمْ" لِلْألْفِ عَلى الحُكْمِ المَعْنَوِيِّ، كَأنَّ مَعْنى ﴿ قُلْ أتُحاجُّونَنا ﴾ : أيْ أيُحاجُّونَ يا مُحَمَّدُ أمْ يَقُولُونَ؟
وقِيلَ: إنَّ "أمْ" في هَذا المَوْضِعِ غَيْرُ مُعادَلَةٍ عَلى القِراءَتَيْنِ، وحُجَّةُ ذَلِكَ اخْتِلافُ مَعْنى الآيَتَيْنِ وأنَّهُما لَيْسا قِسْمَيْنِ، بَلِ المُحاجَّةُ مَوْجُودَةٌ في دَعْواهُمُ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَلامُ.
وَوَقَفَهم تَعالى عَلى مَوْضِعِ الِانْقِطاعِ في الحُجَّةِ، لِأنَّهم إنْ قالُوا: إنَّ الأنْبِياءَ المَذْكُورِينَ عَلى اليَهُودِيَّةِ والنَصْرانِيَّةِ كَذَّبُوا، لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ أنَّ هَذَيْنَ الدِينَيْنِ حَدَثا بَعْدَهُمْ، وإنْ قالُوا: لَمْ يَكُونُوا عَلى اليَهُودِيَّةِ والنَصْرانِيَّةِ قِيلَ لَهُمْ: فَهَلُمُّوا إلى دِينِهِمْ إذْ تُقِرُّونَ بِالحَقِّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللهُ ﴾ ؟
تَقْرِيرٌ عَلى فَسادِ دَعْواهُمْ، إذْ لا جَوابَ لِمَفْطُورٍ إلّا أنَّ اللهَ تَعالى أعْلَمُ.
﴿ وَمَن أظْلَمُ ﴾ لَفْظُهُ الِاسْتِفْهامُ، والمَعْنى: لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُمْ، وإيّاهم أرادَ تَعالى بِكِتْمانِ الشَهادَةِ.
واخْتُلِفَ في الشَهادَةِ هُنا، ما هِيَ؟
فَقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، والرَبِيعُ: هي ما في كُتُبِهِمْ مِن أنَّ الأنْبِياءَ عَلى الحَنِيفِيَّةِ لا عَلى ما ادَّعَوْا هُمْ، وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: هي ما عِنْدَهم مِنَ الأمْرِ بِتَصْدِيقِ مُحَمَّدٍ واتِّباعُهُ، والأوَّلُ أشْبَهُ بِسِياقِ مَعْنى الآيَةِ، واسْتَوْدَعَهُمُ اللهُ تَعالى هَذِهِ الشَهادَةَ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿ مِنَ اللهِ ﴾ ، فمَن عَلى هَذا مُتَعَلِّقَةٌ، بِـ "عِنْدَهُ"، كَأنَّ المَعْنى شَهادَةٌ تَحَصَّلَتْ لَهُ مِنَ اللهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَتَعَلَّقَ "مَن" بِـ "كَتَمَ"، أيْ كَتْمُها مِنَ اللهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ ﴾ ، وعِيدٌ وإعْلامٌ أنَّهُ لا يَتْرُكُ أمْرَهم سُدًى، وأنَّ أعْمالَهم تَحْصُلُ ويُجازُونَ عَلَيْها، والغافِلُ الَّذِي لا يَفْطَنُ لِلْأُمُورِ إهْمالًا مِنهُ، مَأْخُوذٌ مِنَ الأرْضِ الغُفْلِ، وهي الَّتِي لا عِلْمَ بِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ ﴾ الآيَةُ، كَرَّرَها عن قُرْبٍ لِأنَّها تَضَمَّنَتْ مَعْنى التَهْدِيدِ والتَخْوِيفِ، أيْ إذا كانَ أُولَئِكَ الأنْبِياءُ عَلى إمامَتِهِمْ وفَضْلِهِمْ يُجازُونَ بِكَسْبِهِمْ فَأنْتُمْ أحْرى، فَوَجَبَ التَأْكِيدُ، فَلِذَلِكَ كَرَّرَها، ولِتَرْدادِ ذِكْرِهِمْ أيْضًا في مَعْنًى غَيْرِ الأوَّلِ.
<div class="verse-tafsir"
تكرير لنظيره الذي تقدم آنفاً لزيادة رسوخ مدلوله في نفوس السامعين اهتماماً بما تضمنه لكونه معنى لم يسبق سماعه للمخاطبين فلم يقتنع فيه بمرة واحدة ومثل هذا التكرير وارد في كلام العرب، قال لبيد: فَتَنَازَعَا سَبِطاً يَطِيرُ ظِلاَلُه *** كدُخَاننِ مُشْعَلَة يُشَبُّ ضِرَامُها مَشْمُولةٍ غُلِثَتْ بِنَابتتِ عَرْفَجِ *** كَدُخَاننِ نَارٍ سَاطِععٍ أَسْنَامُها فإنه لما شبه الغبار المتطاير بالنار المشبوبة واستطرد بوصف النار بأنها هبت عليها ريح الشمال وزادتها دخاناً وأوقدت بالعرفج الرطيب لكثرة دخانه، أعاد التشبيه ثانياً لأنه غريب مبتكر.
الجزء الثاني <div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أمْ تَقُولُونَ إنَّ إبْراهِيمَ ﴾ يَعْنِي قالُوا: ﴿ إنَّ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطَ ﴾ وهْمُ اثْنا عَشَرَ سِبْطًا مِن ولَدِ يَعْقُوبَ، والسِّبْطُ الجَماعَةُ الَّذِينَ يَرْجِعُونَ إلى أبٍ واحِدٍ، والسِّبْطُ في اللُّغَةِ: الشَّجَرُ الَّذِي يَرْجِعُ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ ﴿ كانُوا هُودًا أوْ نَصارى قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ تَزْعُمُ أنَّ هَؤُلاءِ كانُوا هُودًا، والنَّصارى تَزْعُمُ أنَّهم كانُوا نَصارى، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى أعْلَمُ بِهِمْ مِنكُمْ، يَعْنِي بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا هُودًا ولا نَصارى.
﴿ وَما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ ﴾ مِن كِتْمانِ الشَّهادَةِ، والِارْتِشاءِ عَلَيْها مِن أغْنِيائِهِمْ وسُفَهائِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ أتحاجوننا في الله ﴾ قال: أتخاصموننا؟
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ أتحاجوننا ﴾ تجادلوننا؟
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله ﴾ قال: في قول يهود لإِبراهيم وإسمعيل ومن ذكر معهما أنهم كانوا يهوداً أو نصارى، فيقول الله لهم: لا تكتموا مني شهادة إن كانت عندكم، وقد علم الله أنهم كاذبون.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ ومن أظلم ممن كتم شهادة...
﴾ الآية.
قال: أولئك أهل الكتاب كتموا الإِسلام وهم يعلمون أنه دين الله، واتخذوا اليهودية والنصرانية وكتموا محمداً وهم يعلمون أنه رسول الله.
وأخرج ابن جرير عن الحسن في قوله: ﴿ ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله ﴾ قال: كان عند القوم من الله شهادة أن أنبياءه برآء من اليهودية والنصرانية.
وأخرج ابن جرير عن قتادة والربيع في قوله: ﴿ تلك أمة قد خلت ﴾ قالا: يعني إبراهيم وإسمعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي المليح قال: الأمة ما بين الأربعين إلى المائة فصاعداً.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى ﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ ﴾ أي: ثواب ما كسبت ﴿ وَلَكُمْ ﴾ ثواب ﴿ مَا كَسَبْتُمْ ﴾ (١) (٢) (١) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 218.
(٢) ينظر: "الوسيط" 1/ 224، "البحر المحيط" 1/ 415، وقال: وليس ذلك بتكرار؛ لأن ذلك ورد إثر شيء مخالف لما وردت الجمل الأولى بإثره، وإذا كان كذلك فقد اختلف السياق فلا تكرار، بيان ذلك: أن الأولى وردت بإثر ذكر الأنبياء فتلك إشارة اليهم، وهذه وردت عقب أسلاف اليهود والنصارى فالمشار إليه هم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَسَيَكْفِيكَهُمُ ﴾ وعدٌ ظهر مصداقه فقتل بني قريظة وأجلى بني النضير وغير ذلك ﴿ صِبْغَةَ الله ﴾ أي دينه وهو استعارة من صبغ الثوب وغيره، ونصبه على الإغراء، وعلى المصدر من المعاني المتقدمة، أو بدل من ملة إبراهيم ﴿ كَتَمَ شهادة ﴾ من الشهادة بأن الأنبياء على الحنفية ﴿ مِنَ الله ﴾ يتعلق بكتم، أو كأن المعنى شهادة تخلصت له من الله.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ أم تقولون ﴾ بتاء الخطاب: ابن عامر وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر والحماد والمفضل، الباقون: بياء الغيبة.
الوقوف: ﴿ تهتدوا ﴾ (ط) ﴿ المشركين ﴾ (ه) ﴿ ومن ربهم ﴾ (ج) لطول الكلام والاستئناف والأصح أنه حال أي آمنا غير مفرقين ﴿ منهم ﴾ (ج) لاحتمال الابتداء والحال أوجه ﴿ مسلمون ﴾ (ه) ﴿ اهتدوا ﴾ (ج) لابتداء شرط آخر مع العطف ﴿ شقاق ﴾ ج للابتداء بسين الوعيد مع دخول الفاء ﴿ فسيكفيكهم الله ﴾ (ج) لاحتمال الواو الابتداء والحال ﴿ العليم ﴾ (ط) لأن الجملة الناصبة لقوله ﴿ صبغة الله ﴾ محذوفة يدل عليها قوله ﴿ آمنا بالله ﴾ وقوله ﴿ فإن آمنوا ﴾ شرط معترض ﴿ صبغة الله ﴾ (ج) لابتداء الاستفهام مع أن الواو للحال ﴿ صبغة ﴾ (ج) على جعل الواو للابتداء أو للحال أو للعطف على آمنا ﴿ عابدون ﴾ (ه) ﴿ وربكم ﴾ (ج) لأن الواو يصلح أن يكون عطفاً على الحال الأولى ويصلح أن يكون مستأنفاً ﴿ أعمالكم ﴾ (ج) ﴿ مخلصون ﴾ (ط) لمن قرأ ﴿ أم يقولون ﴾ بياء الغيبة، ومن قرأ بالتاء لم يقف لكون "أم" معادلة للهمزة في ﴿ أتحاجوننا ﴾ ﴿ أو نصارى ﴾ (ط) ﴿ أم الله ﴾ (ط) ﴿ من الله ﴾ (ط) ﴿ تعملون ﴾ (ه) ﴿ فدخلت ﴾ (ج) ﴿ ما كسبتم ﴾ (ج) ﴿ يعملون ﴾ .
التفسير: إنه لما بين بالدلائل المتقدمة صحة دين الإسلام، ذكر أنواعاً من شبه الطاعنين منها: أن اليهود قالوا ﴿ كونوا هوداً ﴾ تهتدوا، والنصارى قالوا كذلك، لما علم من التعادي بين الفريقين كما بين كل منهما وبين المسلمين وقد مر مثل هذا في قوله ﴿ وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى ﴾ فأجابهم الله بقوله ﴿ قل بل ملة إبراهيم ﴾ أي نكون أهل ملته مثل ﴿ وسئل القرية ﴾ أي أهلها، أو بل نتبع ملة إبراهيم وقرئ بالرفع أي ملتنا أو أمرنا ملته أو نحن أهل ملته، وحنيفاً حال من المضاف إليه كقولك "رأيت وجه هند قائمة" وذلك أن المضاف إليه متضمن للحرف فيقتضي متعلقاً هو الفعل أو شبهه، وحينئذ يشتمل على فاعل ومفعول.
فالحال عن المضاف إليه ترجع في التحقيق إلى الحال عن أحدهما وعند الكوفيين نصب على القطع أراد ملة إبراهيم الحنيف، فلما سقطت الألف واللام لم تتبع النكرة المعرفة فانقطع منها فانتصب، والحنيف المائل عن كل دين باطل إلى دين الحق، وتحنف إذا مال وحاصل الجواب أن المعّول في الدين إن كان النظر والاستدلال فقد قدمنا الدلائل، وإن كان التقليد فالمتفق أولى من المختلف.
وقد اتفق الكل على صحة دين إبراهيم فاتباعه أولى وهذا جواب إلزامي، ثم لما كان من المحتمل أن يزعم اليهود والنصارى أنهم على دين إبراهيم أزيحت علتهم بقوله ﴿ وما كان من المشركين ﴾ لكون النصارى قائلين بالتثليث واليهود بالتشبيه، وأيضاً قالوا عزير ابن الله والمسيح ابن الله، فليسوا من ملة إبراهيم التي هي محض التوحيد وخالص الإسلام في شيء ﴿ قولوا ﴾ خطاب للمؤمنين، ويجوز أن يكون للكافرين أي قولوا لتكونوا على الحق وإلا فأنتم على الباطل، وكذلك قوله ﴿ بل ملة إبراهيم ﴾ يجوز أن يكون أمراً لهم أي اتبعوا ملة إبراهيم أو كونوا أهل ملته، وهذا جواب آخر برهاني، وذلك أن طريق معرفة نبوة الأنبياء ظهور المعجز على أيديهم، ولما ظهر المعجز على يد محمد وجب الاعتراف بنبوته والإيمان به وبما أنزل عليه كما اعترفوا بنبوة إبراهيم وموسى وعيسى، فإن تخصيص البعض بالقبول وتخصيص البعض بالرد يوجب المناقضة في الدليل وعن الحسن أن قوله ﴿ قل بل ملة إبراهيم ﴾ خطاب للنبي وقوله ﴿ قولوا ﴾ خطاب لأمته والظاهر العموم وإنما قدم الإيمان بالله لأن معرفة النبي والكتاب متوقفة على معرفته وفيه إبطال ما ذهب إليه التعليمية والمقلدة من أن طريق معرفة الله الكتاب والسنة، قال الخليل: الأسباط في بني إسرائيل كالقبيلة في العرب.
وقيل: السبط الحافد، وكان الحسن والحسين سبطي النبي فهم حفدة يعقوب ذراري أبنائه الاثني عشر، عدّد بعض الأنبياء لتقدمهم وشرفهم ثم عمم لتعذر التفصيل.
﴿ لا نفرق بين أحد منهم ﴾ لا نؤمن ببعض ونكفر ببعض كأهل الكتاب.
ومعنى الإيمان بجميعهم أن كلا منهم حق في زمانه أولا نقول إنهم متفرقون في أصول الديانة ﴿ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً ﴾ وأحد في معنى الجماعة ولذلك صح دخول بين عليه ﴿ ونحن له مسلمون ﴾ إذعاناً وإخلاصاً فلا جرم لا نخص بالقبول بعض عبيده المؤيدين بالمعجزات خلاف من كان إسلامه تقليداً أو هوى.
ولما بين الطريق الواضح في الدين وهو أن يعترف الإنسان بنبوة كل من قامت الدلالة على نبوته من غير مناقضة، رغبهم في مثل هذا الإيمان، وههنا سؤال وهو أن دين الإسلام وهو الحق واحد فما معنى المثل في قوله ﴿ بمثل ما آمنتم به ﴾ ؟
والجواب أن قوله ﴿ فإن آمنوا ﴾ بكلمة الشك دليل على أن الأمر مبني على الفرض، والتقدير أي فإن حصلوا ديناً آخر مثل دينكم ومساوياً له في الصحة والسداد ﴿ فقد اهتدوا ﴾ لكن لا دين صحيحاً سوى هذا لسلامته عن التناقض بخلاف غيره فلا اهتداء إلا بهذا، ونظيره قولك للرجل الذي تشير عليه "هذا هو الرأي الصواب فإن كان عندك رأي أصوب منه فاعمل به" وقد علمت أن لا أصوب من رأيك، ولكنك تريد تبكيت صاحبك وتوقيفه على أن ما رأيت لا رأي وراءه وقيل: الباء للاستعانة لا للإلصاق والتمثيل بين التصديقين أي فإن دخلوا في الإيمان بشهادة مثل شهادتكم.
وقيل: المثل صلة ويؤيده قراءة ابن عباس وابن مسعود ﴿ فإن آمنوا بما آمنتم به ﴾ وقيل: معناه إنكم آمنتم بالفرقان من غير تصحيف وتحريف، فإن آمنوا هم بمثل ذلك في التوراة فقد اهتدوا لأنهم يتوسلون به إلى معرفة نبوة محمد .
وفي الآية دليل على أن الهداية كانت موجودة قبل هذا الاهتداء وهي الدلائل التي نصبها الله وكشف عن وجوهها، والاهتداء قبولها والعمل بها ليفوزوا بالسعادة العظمى.
وإن تولوا عما قيل لهم ولم ينصفوا فما هم إلا في شقاق خلاف وعداوة وهو مأخوذ من الشق كأنه صار في شق غير شق صاحبه، أو من الشق لأنه فارق الجماعة وشق عصاهم، أو من المشقة لأن كل واحد منهما يحرص على ما يشق على صاحبه ويؤذيه، وفي وصف القوم بذلك دليل على معاداتهم الرسول وإضمارهم له كل سوء وتربصهم به الإيقاع في المحن، فلا جرم آمنه الله والمؤمنين من كيدهم وقال ﴿ فسيكفيكهم الله ﴾ وناهيك به من كاف كافل.
ومعنى السين أن ذلك كائن لا محالة وإن تأخر إلى حين وذلك أن فيها معنى التوكيد لوقوعها في مقابلة "لن" قال سيبويه: لن أفعل نفى سأفعل، ولقد أنجز وعده عما قريب بقتل قريظة وسبيهم وإجلاء بني النضير وضرب الجزية عليهم، وهذا إخبار بالغيب وكم من مثله في القرآن وكل ذلك مما يتأكد به إعجاز التنزيل العزيز وحصوله بطريق الوحي الصراح ﴿ وهو السميع العليم ﴾ وعد لرسول الله أي يسمع دعاءك ويعلم نيتك في أعلاء كلمة الحق وإعلانها فهو يستجيب لك لا محالة، ووعيد لأعدائه أي هو منهم بمرأى ومسمع يعلم ما يسرون من الحسد والحقد والغل فيكافئهم على ذلك ﴿ صبغة الله ﴾ مصدر مؤكد منتصب عن قوله ﴿ آمنا بالله ﴾ مثل وعد الله قاله سيبويه وقيل: بدل من ﴿ ملة إبراهيم ﴾ أو نصب على الإغراء أي عليكم صبغة الله، وفيما فك لنظم الكلام وإخراج له عن الالتئام.
والصبغة فعلة من صبغ للحالة التي يقع عليها الصبغ كالجلسة.
والمعنى تطهير الله لأن الإيمان يطهر النفس.
وأصله أن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه بالمعمودية ويقولون هو تطهير لهم وبه يصير الواحد منهم نصرانياً حقاً، فأمر المسلمون أن يقولوا لهم آمنا وصبغنا الله بالإيمان صبغة لا مثل صبغتكم، وذلك على طريق المشاكلة كما تقول لمن يغرس الأشجار اغرس كما يغرس فلان تريد رجلاً يصطنع الكرام، ونظيره قوله ﴿ إنما نحن مستهزءون الله يستهزئ بهم ﴾ وقيل: اللفظة من قولهم "فلان يصبغ فلاناً في الشر" أي يدخله فيه ويلزمه إياه كما يجعل الصبغ لازماً للثوب.
وقيل: سمي الدين صبغة لظهور هيئته عند صاحبه.
﴿ سيماهم في وجوههم من أثر السجود ﴾ من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار" وقيل: وصف هذا الإيمان منهم بأنه صبغة الله ليبين أن المباينة بينه وبين غيره ظاهرة جلية يدركها كل ذي حس سليم كما يدرك الألوان.
وقيل: صبغة الله فطرته.
أقول: وذلك أن آثار النقص الإمكاني لازمة للإنسان لزوم الصبغ للثوب، فيمكنه أن يتدرج منها إلى وجود الصانع والإيمان به.
وقيل: صبغة الله الختان.
وقيل: حجة الله.
وقيل: سنة الله.
﴿ ومن أحسن من الله صبغة ﴾ معنى الاستفهام الإنكار وصبغة تمييز أي لا صبغة أحسن من الإيمان بالله والدين الذي شرع لكم ليطهركم به من أوضار الكفر وأوزار الشرك.
﴿ ونحن له عابدون ﴾ عبارة عن كمال الإيمان كما تقدم مراراً.
﴿ قل أتحاجوننا ﴾ أما المحاجة فهي إما قولهم نحن أحق بأن تكون النبوة فينا لأنا أهل الكتاب والعرب عبدة أوثان، وإما قولهم ﴿ نحن أبناء الله وأحباؤه ﴾ وقولهم ﴿ كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا ﴾ وأما الخطاب فإما لأهل الكتاب وإما لمشركي العرب حيث قالوا ﴿ لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ﴾ وإما للكل والمعنى، أتجادلون في شأن الله أو في دينه وهو ربنا وربكم وللرب أن يفعل بمربوبه ما يعلم فيه مصلحته ويعرفه أهلاً له، عبيده كلهم فوضى في ذلك لا يختص به عجمي دون عربي ﴿ ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ﴾ فكما أن لكم أعمالاً ترجون نيل الكرامة بها فنحن كذلك، فالعمل هو الأساس وبه الاعتبار ولكن ﴿ نحن له مخلصون ﴾ موحدون لا نقصد بالعبادة أحداً سواه، فلا يبعد أن يؤهل أهل إخلاصه بمزيد الكرامة من عنده.
﴿ أم تقولون ﴾ من قرأ بتاء الخطاب احتمل أن تكون "أم" منقطعة بمعنى استئناف استفهام آخر أي بل أتقولون والهمزة للإنكار كما في ﴿ أتحاجوننا ﴾ واحتمل أن تكون متصلة بمعنى أي الأمرين تأتون المحاجة في حكمة الله أم ادعاء اليهودية والنصرانية على الأنبياء إنكاراً عليهم واستجهالاً لهم بما كان منهم.
وعن الزجاج: بأي الحجتين تتعلقون في أمرنا، أبالتوحيد فنحن موحدون، أم باتباع دين الأنبياء فنحن متبعون؟
ومن قرأ بياء الغيبة فلا تكون إلا منقطعة لانقطاع الاستفهام الأول بسبب الالتفات.
﴿ قل أأنتم أعلم أم الله ﴾ بل الله أعلم وخبره أصدق، وقد أخبر في التوراة والإنجيل والقرآن بأن إبراهيم ما كان يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً، وكيف لا وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده؟
ولأنهم مقرون بأن الله أعلم، وقد أخبر بنقيض ما ادعوه فإن قالوا ذلك عن ظن فقد بان لهم خطؤه، وإن قالوا ذلك عن جحود وعناد فما أجهلهم وأشقاهم، فإذن فائدة الكلام إما التنبيه وإما التجهيل.
﴿ ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله ﴾ قوله ﴿ من الله ﴾ إما أن يتعلق بأظلم والمعنى لو كان إبراهيم وبنوه هوداً أو نصارى، ثم إن الله كتم هذه الشهادة لم يكن أحد ممن يكتم شهادة أظلم منه لأن الظلم من الأعدل أشنع، وإما أن يتعلق بكتم أي لا أحد أظلم ممن عنده شهادة، ثم إنه لم يقمها عند الله وكتمها وأخفاها منه وأما أن يتعلق بشهادة كقولك "عندي شهادة من فلان" ومثله ﴿ براءة من الله ورسوله ﴾ والمعنى ليس أحد أظلم ممن كتم شهادة عنده جاءته من الله، وفيه إشارة إلى أن المؤمنين لم يكتموا ما عندهم من الحق وشهدوا لإبراهيم بالحنيفية، وتعريض بأن أهل الكتاب قد كتموا شهادات الله فأنكروا نبوة محمد وحنيفية إبراهيم وغير ذلك من تحريفاتهم.
﴿ وما الله بغافل عما تعملون ﴾ كلام جامع لكل وعيد لهم ولأضرابهم، ولو أن أحداً كان عليه رقيب من قبل ملك مجازي لكان دائم الحذر والوجل، فكيف بالرقيب القريب الذي يعلم أسراره ويعد عليه أنفاسه وأفكاره ثم هو يقدر على أن يدخله جنته أو ناره؟
﴿ تلك أمة ﴾ إشارة إلى إبراهيم وبنيه.
كما مر، وإنما أعيدت الآية ههنا لغرض آخر وهو زجرهم عن الاشتغال بوصف ما عليه الأمم السالفة من الدين فإن أديانهم لا تنفع إلا إياهم لاندراس آثارها وانطماس أنوارها، وأما الآن فالدين هو الإسلام الثابت بالدليل القاطع والبرهان البين فيجب اتباع المعلوم واقتفاؤه وإلقاء المظنون وإلغاؤه، ولا يسأل المتأخر عن المتقدم ولا المحسن عن المسيء وكل بعمله مجزي.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِي اللَّهِ ﴾ .
روى ابن عباس - - أَنه قال: قالت اليهود والنصارى: نحن أَبناء الله وأَحباؤه، ونحن أَولى بالله منكم، فأَنزل الله - في ذلك -: ﴿ قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِي اللَّهِ ﴾ .
وقيل: في الله، يعني: في دين الله.
أَي: أَتحاجون وتخاصمون في دين الله؟!
وقوله: ﴿ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ﴾ .
أَي: أَتحاجُّون في الله مع علمكم وإِقراركم أَنه ربُّنا وربكم بقوله: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَلَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ﴾ .
قيل: لنا دينُنا ولكم دينُكم؛ كقوله : ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴾ .
ويحتمل: ﴿ وَلَنَآ أَعْمَالُنَا ﴾ لا تُسئلون أَنتم عنها، ﴿ وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ﴾ لا نُسأَل نحن عن أعمالكم؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ \[البقرة 134، 141\].
[وقوله:] ﴿ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ ﴾ .
ديناً وعملاً، لا نشرك فيه غيره.
وقوله: ﴿ أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَـاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ ٱللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ ٱللَّهِ ﴾ .
قيل: بل تقولون.
وقيل: على الاستفهام في الظاهر: أيقولون، لكنه على الرد والإنكار عليهم، وذلك أَن اليهود قالوا: إن إبراهيم وبنيه، ويعقوب وبنيه كانوا هوداً أو نصارى.
قال الله : قل يا محمد: أَنتم أَعلم بدينهم أَم الله، مع إِقراركم أَنه ربكم، لا يخفى عليه شيء في الأَرض ولا في السماء؟!.
ومعنى الاستفهام: هو تقرير ما قالوه، كالرد عليهم والإنكار.
وقوله: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ ٱللَّهِ ﴾ .
قيل: الشهادة التي عنده: علمهم أَنهم كانوا مسلمين، ولم يكونوا على دينهم.
وقيل: الشهادة التي عندهم بالإسلام: أنه دين الله وأَنه حق.
وقيل: الشهادة التي كانت عندهم: محمد ؛ بيَّنَه الله في كتابهم وأَخذ عليهم المواثيق والعهود بقوله: ﴿ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ ﴾ فكتموه وكذبوه.
وقيل: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ ٱللَّهِ ﴾ في قول اليهود لإبراهيم - - وما ذكر من الأَنبياءِ كانوا هوداً أو نصارى؛ فيقول الله - عز وجل -: لا تكتموا الشهادة إن كان عندكم علم بذلك.
وقد عَلِم الله أَنكم كاذبون.
وقيل: ﴿ وَالأَسْبَاطَ ﴾ : بنو يعقوب؛ سموا أسباطاً؛ لأَنه وُلِد لكل رجل منهم أُمَّةٌ.
وقوله: ﴿ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ .
خرج على الوعيد؛ أَي: لا تحسبوا أنه غافل عما تعملون.
ويجوز أَن يكون لم ينشئهم على غفلة مما يعملون، بل على علم بما يعملون خَلَقهم؛ ليُعلم أَن ليس له في شيء من عمل الخلق له حاجة؛ ليخلقهم على رجاء النفع له، ولا قوة إلا بالله.
خلقهم وهو يعلم أنهم يعصونه.
وقوله: ﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ الآية.
قد ذكرنا هذا فيما مرَّ.
<div class="verse-tafsir"
تلك أمة قد مضت من قبلكم، وأفضت إلى ما قدمت من عمل، فلها ما كسبت من الأعمال، ولكم ما كسبتم، ولا تسألون عن أعمالهم، ولا يسألون عن أعمالكم، فلا يؤخذ أحد بذنب أحد، ولا ينتفع بعمل غيره، بل كلٌّ سيجازى على ما قدم.
من فوائد الآيات أن دعوى أهل الكتاب أنهم على الحق لا تنفعهم وهم يكفرون بما أنزل الله على نبيه محمد .
سُمِّي الدين صبغة لظهور أعماله وسَمْته على المسلم كما يظهر أثر الصبغ في الثوب.
أن الله تعالى قد رَكَزَ في فطرةِ خلقه جميعًا الإقرارَ بربوبيته وألوهيته، وإنما يضلهم عنها الشيطان وأعوانه.
<div class="verse-tafsir" id="91.9JGkl"
هذا ضرب آخر من محاجة أهل الكتاب جار على نسق سابقه مؤتلف معه متصل به غير منقطع ولا نازل في واقعة خاصة للرد على كلمات قالها اليهود كما ذهب إليه (الجلال) وغيره، إذ قالوا: إن اليهود قالوا يجب أن يكون جميع الناس تابعين لنا في الدين لأن الأنبياء منا والشريعة نزلت علينا ولم يعهد في العرب أنبياء ولا شرائع.
نعم لا ننكر صدور هذا القول من اليهود فإنهم كانوا يقولون مثله دائمًا، وإنما نقول إن الآيات متناسقة مع ما قبلها متممة له مزيلة لشبهات كانت فاشية في القوم في كل مكان، لا خاصة برد قول لأحد يهود الحجاز.
الآيات السابقة بيّنت أن الملة الصحيحة هي ملة إبراهيم وهي لم تكن يهودية ولا نصرانية، وإنما هي صبغة الله التي لا صنع لأحد فيها، بل هي بريئة من اصطلاحات الناس وتقاليد الرؤساء، فهي الجديرة بالاتباع، ولكن التقاليد والأوضاع قد طمستها بعد ما جرى الأنبياء عليها، وحلت تلك التقاليد محلها، حتى ذابت هي فيها وخفيت فلم تعد تعرف، ولذلك جاء محمد ببيانها، ودعوة الناس إلى الرجوع إليها، فبيّن تعالى بتلك المحاجة الحق الذي يجب التعويل عليه، ثم أخذ في هذه الآيات يزيل الموانع ويبطل الشبهات المعترضة في طريق ذلك الحق، فأمر نبيه بما ترى من الحجة في قوله: ﴿ قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ ﴾ بدعواكم الاختصاص بالقرب منه وزعمكم أنكم أبناء الله وأحباؤه، وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى، ومن أين جاءكم هذا القرب والاختصاص بالله دوننا ﴿ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ﴾ ورب العالمين فنسبة الجميع إليه واحدة: هو الخالق وهم المخلوقون، وهو الرب وهم المربوبون، وإنما يتفاضلون بالأعمال البدنية والنفسية ﴿ وَلَنَا أَعْمَالُنَا ﴾ التي تختص آثارها بنا إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر ﴿ وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ﴾ كذلك، روح الأعمال كلها الإخلاص، فهو وحده الذي يجعلها مقربة لصاحبها من الله تعالى ووسيلة لمرضاته ﴿ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ ﴾ من دونكم فإنكم اتكلتم على أنسابكم وأحسابكم، واغتررتم بما كان من صلاح آبائكم وأجدادكم، واتخذتم لكم وسطاء وشفعاء منهم تعتمدون على جاههم، مع انحرافكم عن صراطهم، وما هو إلا التقرب إلى الله تعالى بإحسان الأعمال، مع الإخلاص المبني على صدق الإيمان، وهو ما ندعوكم إليه الآن، فكيف تزعمون أن الإدلاء إلى ذلك السلف الصالح بالنسب، والتوسل إليهم بالقول هو الذي ينفع عند الله تعالى، وإن الاستقامة على صراطهم المستقيم والتوسل إلى الله تعالى بما كانوا يتوسلون إليه به من صالح الأعمال والإخلاص في القلب لا ينفع ولا يفيد، وما كان سلفكم مرضيًا عند الله تعالى إلا به؟
هل كان إبراهيم مقربًا من الله تعالى بأبيه"آزر"المشرك أم كان قربه وفضله بإخلاصه وإسلام قلبه إلى ربه؟
فكما جعل الله النبوة في إبراهيم وجعله إمامًا للناس في الإسلام والإخلاص جعلها كذلك في محمد، فإذا صح لكم إنكار نبوة محمد لأنه لم يكن في سلفه العرب أنبياء فأنكروا نبوة إبراهيم، فإن العلة واحدة فكيف لا يتحد المعلول؟
وحاصل معنى الآية إبطال معنى شبهة أهل الكتاب أنهم أبناء الله وأحباؤه وأنه لا ينجو من كان على غير طريقتهم وإن أحسن في عمله وأخلص في قصده، وأنهم هم الناجون الفائزون وإن أساءوا عملًا ونيةً، لأن أنبياءهم هم الذين ينجونهم ويخلصونهم بجاههم، فالفوز عندهم بعمل سلفهم، لا بصلاح أنفسهم ولا أعمالهم.
وهذا الاعتقاد هدم لدين الله الذي بعث به جميع أنبيائه ودرج عليه من اتبع سبيلهم، فإن روح الدين الإلهي وملاكه هو التوحيد والإخلاص المعبر عنه بالإسلام.
وكل عمل أمر به الدين فإنما الغرض منه إصلاح القلب والعقل بسلامة الاعتقاد وحسن القصد، فإذا زال هذا المعنى وحفظت جميع الأعمال الصورية فإنها لا تفيد شيئًا، بل إنها تضر بدونه لأنها تشغل الإنسان بما لا يفيد وتصده عن المفيد.
ولا شك أن أهل الكتاب كانوا قد أزهقوا هذا الروح الإلهي من دينهم فسواء كان ما حفظوه من التقاليد، والأعمال مأثورًا عن أنبيائهم أم غير مأثور، إنهم ليسوا على دين الله، ومن كان على بصيرة منهم عرف أن ما جاء به محمد هو إحياء لروح الدين، الذي كان عليه جميع الأنبياء والمرسلين.
وتكميل لشرائعه وآدابه بما يصلح لجميع البشر في كل زمان ومكان.
ثم إن من تأمل هذا وتأمل حال المسلمين يظهر له أنهم قد اتبعوا سنن من قبلهم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع، وسيرجع من يريد الله بهم الخير إلى دين الله تعالى بالرجوع إلى كتابه الذي حرم عليهم تقليد آراء الناس فجاوزوه بأن حرموا العمل به، كما رجع الألوف وألوف الألوف من أهل الكتاب إلى ذلك في القرون الأولى من ظهور الإسلام وسيرجع غيرهم من سائر البشر إليه فيعم العالمين ﴿ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ ﴾ .
﴿ أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى ﴾ إن ﴿ أَمْ ﴾ هنا معادلة لما قبلها خلافًا (للجلال) ومن على رأيه القائلين إنها بمعنى بل- كأنه قال: أتقولون إن هذا الامتياز لكم علينا والاختصاص بالقرب من الله والحال أنه ربنا وربكم إلخ؟
أم تقولون إن امتياز اليهودية أو النصرانية التي أنتم عليها بأن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا عليها؟
إن كنتم تقولون هذا فإن الله يكذبكم فيه وأنتم تعلمون أيضًا أن اسمي اليهودية والنصرانية حدثا بعد هؤلاء، بل حدث اسم اليهودية بعد موسى واسم النصرانية بعد عيسى كما حدث لليهود تقاليد كثيرة صار مجموعها مميزًا لهم.
وأما النصارى فجميع تقاليدهم الخاصة بهم المميزة للنصرانية حادثة، فإن عيسى كان عدو التقاليد، ولهذا كان النصارى على كثرة ما أحدثوا أقرب إلى الإسلام لأنهم لم ينسوا جميعًا كيف زلزل روح الله تقاليد اليهود الظاهرة ما كان منها في التوراة وما لم يكن، ولكن الذي ادعوا اتباعه زادوا عليهم من بعده في ابتداع التقاليد والرسوم.
وزعم بعض المفسرين أن هذه الآية نزلت في الرد على اليهود إذ كانوا يقولون إن إبراهيم كان يهوديًا وعلى النصارى إذ كان يقولون إنه كان نصرانيًا.
وهذا غير صحيح فإن الآية نزلت في إقامة الحجة عليهم بأنهم يعتقدون أن إبراهيم كان على الحق وأن ملته هي الملة الإلهية المرضية عند الله تعالى وإذا كان الأمر كذلك وكانت هذه التقاليد التي تقلدوها غير معروفة على عهد إبراهيم فما بالهم صاروا ينوطون النجاة بها ويزعمون أن ما عداها كفر وضلال فهو لا يثبت لهم القول بأن إبراهيم كان يهوديًا أو نصرانيًا وإنما يقول إنهم لا يقدرون على القول بذلك لأن البداهة قاضية بكذبهم فيه ولذلك قال لنبيه ﴿ قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ ﴾ أي إذا كان الله قد ارتضى للناس ملة إبراهيم باعترافكم وتصديق كتبكم وذلك قبل وجود اليهودية والنصرانية فلماذا لا ترضون أنتم تلك الملة لأنفسكم؟
أأنتم أعلم بالمَرْضيّ عند الله أم الله أعلم بما يرضيه وما لا يرضيه؟
لا شك أن الله يعلم وأنتم لا تعلمون، وقد صرح ابن جرير الطبري بأن قراءة ﴿ أَمْ يَقُولُونَ ﴾ بالتحتية شاذة وعلى القول بأنها سبعية يكون في الكلام التفات.
﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ ﴾ في هذا الاستفهام وجهان: أحدهما: أنه متمم لما قبله من إقامة الحجة بملة إبراهيم، يقول إن عندكم شهادة من الله بأن إبراهيم كان على الحق وكان مرضيًا عند الله تعالى فإذا كتمتم ذلك لأجل الطعن بالإسلام فقد كتمتم شهادة الله وكنتم أظلم الظالمين، وإذا اعترفتم به فإما أن تقولوا إنكم أنتم أعلم من الله بما يرضيه، وإما أن تقوم عليكم الحجة وتحق عليكم الكلمة إن لم تؤمنوا بما تدعون إليه من ملة إبراهيم، وأحد الأمرين ثابت، لا يقبل مراوغة مباهت.
والوجه الثاني: -وهو أظهر- أن الشهادة المكتومة هي شهادة الكتاب المبشرة بأن الله يبعث فيهم نبيًا من بني إخوتهم وهم العرب أبناء إسماعيل وكانوا لا يزالون يكتمونها بالإنكار على غير المطلع على التوراة وبالتحريف على المطلع، فهو يبيّن هنا -بعد إقامة الحجة بإبراهيم على أن زعمهم حصر الوحي في بني إسرائيل باطل- أن هناك شهادة صريحة بأن الله سيبعث فيهم نبيًا من العرب فكان هذا دليلًا ثالثًا وراء الدليل العقلي المشار إليه بقوله ﴿ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ﴾ .
والدليل الإلزامي المشار إليه بقوله ﴿ أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ ﴾ إلخ فكأنه يقول: إن هؤلاء إلا مجادلون في الحق بعد ما تبين، مباهتون للنبي مع العلم بأنه بني، إذ ما كان لهم أن يشتبهوا في أمره بعد شهادة كتابهم له، فإذا كان ظلمهم أنفسهم قد انتهى بهم إلى آخر حدود الظلم وهو كتمان شهادة الله تعالى تعصبًا لجنسيتهم الدينية التي ارتبط بها الرؤساء بالمرؤوسين بروابط المنافع الدنيوية من مال وجاه فكيف ينتظر منهم أن يصغوا إلى بيان، أو يخضعوا لبرهان؟
والاستفهام هنا يتضمن التوبيخ والتقريع المؤكدين بالوعيد في قوله ﴿ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ وإنما الجزاء على الأعمال.
ثم ختم المحاجة بتأكيد أمر العمل وعدم فائدة النسبة فقال: ﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ وإنما تسألون عن أعمالكم وتجازون عليها، فلا ينفعكم ولا يضركم سواها.
وهذه قاعدة يثبتها كل دين قويم، وكل عقل سليم، ولكن قاعدة الوثنية القاضية باعتماد الناس في طلب سعادة الآخرة وبعض مصالح الدنيا على كرامات الصالحين تغلب مع الجهل كل دين وكل عقل، ومنبع الجهل التقليد المانع من النظر في الأدلة العقلية والدينية جميعًا، اللهم إلا مكابرة الحس والعقل وتأويل نصوص الشرع، تطبيقًا لهما على ما يقول المقلَّدون المتبَّعون "بفتح اللام والباء "وقد أوّل المُأوِّلون نصوص أديانهم تقريرًا لاتباع رؤسائهم والاعتماد على جاههم في الآخرة لذلك جاء القرآن يبالغ في تقرير قاعدة ارتباط السعادة بالعمل والكسب وتبيينها ونفي الانتفاع بالأنبياء والصالحين لمن لم يتأس بهم في العمل الصالح، ولذلك أعاد هذه الآية بنصها في مقام محاجة أهل الكتاب المفتخرين بسلفهم من الأنبياء العظام، المعتمدين على شفاعتهم وجاههم وإن قصروا عن غيرهم في الأعمال.
وفائدة الإعادة تأكيد تقرير قاعدة بناء السعادة على العمل دون الآباء والشفعاء.
بحيث لا يطمع في تأويل القول طامع، والإشعار بمعنى يعطيه السياق هنا وهو أن أعمال هؤلاء المجادلين المشاغبين من أهل الكتاب مخالفة لأعمال سلفهم من الأنبياء فهم في الحقيقة على غير دينهم.
وقد سبق القول بأن الآية أفادت في وضعها الأول أن إبراهيم وبنيه وحفدته قد مضوا إلى ربهم بسلامة قلوبهم وإخلاصهم في أعمالهم، وانقطعت النسبة بينهم وبين من جاء بعدهم، فتنكب طريقهم وانحرف عن صراطهم، وإن أدلى إليهم بالنسب، فكل واحد من السلف والخلف مجزي بعمله لا ينفع أحدًا منهم عمل غيره من حيث هو عمل ذلك الغير، ولا شخصه بالأولى، وذلك أنها جاءت عقب بيان ملة إبراهيم وإيصاء بعضهم بعضًا بها وبيان دروجهم عليها.
ثم جاء بعد ذلك الاحتجاج على القوم بمن يعتقدون فيهم الخير والكمال وكونهم لم يكونوا على هذه اليهودية ولا هذه النصرانية اللتين حدثتا بعدهم، فجاءت قاعدة الأعمال في هذا الموضع تبين أن المتخالفين في الأعمال والمقاصد لا يكونون متحدين في الدين ولا متساوين في الجزاء، فأفادت هنا ما لم تفده هناك.
وللمسلمين أن يحاسبوا أنفسهم، ويحكموا قاعدة العمل والجزاء بينهم وبين سلفهم ولا يغتروا بالتسمية إن كانوا يعقلون.
<div class="verse-tafsir"