تفسير سورة البقرة الآية ٢٦٧ عند البسيط

الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 2 البقرة > الآية ٢٦٧

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنفِقُوا۟ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا۟ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِـَٔاخِذِيهِ إِلَّآ أَن تُغْمِضُوا۟ فِيهِ ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ حَمِيدٌ ٢٦٧

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 9 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

وقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ ﴾ يعنى: الجيادَ (١) (٢) (٣) ﴿ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ﴾ يعنى: الحبوب مما يجب فيه الزكاة.

﴿ وَلَا تَيَمَّمُوا ﴾ التَّيَمُّم: القَصْد والتَّعَمُّد، يقال: أمَمْتُه وتَيَمَّمْتُه وَتَأمَّمْتُه ويَمَّمْتُهُ، كله بمعنى: قصدته، قال الأعشى: تَيَمَّمْتُ قَيْسًا وكَمْ دُونَه ...

من الأرضِ من مَهْمَهٍ ذي شَزَن (٤) وقال آخر: رَمَى بصُدُورِ العِيسِ مُنْخَرقَ الصَّبا ...

فلم يَدْرِ شَخْصٌ بعدها أين يَمَّمَا (٥) أي: أين قَصَد، ويقال أيضًا: يممته الشيء، قال: يَمَّمْتُه الرُّمْحَ شَزْرًا ثم قلتُ له ...

هَذِي المروة لا لعب الزحاليق (٦) (٧) وقراءة العامة: ﴿ وَلَا تَيَمَّمُوا ﴾ مخففة التاء، على حذف إحدى التاءين، وقرأ ابن كثير مشددة التاء على الإدغام (٨) قال أبو علي: والإدغام في هذا ينبغي أن لا يجوز؛ لأن المدغم يسكن، وإذا سكن لزم أن تجلب همزة الوصل عند الابتداء به، كما جلبت في أمثلة الماضي، نحو: ادّارأتم، وازينت، واطّيّر، وهمزة الوصل لا تدخل على المضارع، ألا ترى أن من قال في يترّس: اترس، لا يقول في المضارع: اتّرسون، بمعنى: تتترسون، ولا ايفكرون، في تتفكرون (٩) ﴿ يَمِينِكَ تَلْقَفْ  ﴾ ولا تدخل همزة الوصل على المضارع، قال أبو علي: وسألت أحمد بن موسى: كيف يبتدئ من أدغم؟

فقال كلامًا معناه: إنه يصير إذا ابتدأ إلى قول من خَفّف ويدعُ الإدغام.

وأما التاء المحذوفة على قراءة العامة فقال هشام: هي الأولى من التائين، والفراء يقول: أيهما شئت أسقطت لنيابة الباقية عنها، وسيبويه لا يسقط إلا الثانية.

قال ابن عباس جاء رجل ذات يوم بعذق حَشَف فوضعه في الصدقة فقال رسول الله  : "ما صنع صاحب هذا" فأنزل الله هذه الآية (١٠) وقال علي بن أبي طالب (١١) والحسن (١٢) (١٣) (١٤) ﴿ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ ﴾ .

يعني: الرديء من أموالكم (١٥) وقوله تعالى: ﴿ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ ﴾ قال الفراء: (أن) هاهنا في مذهب جزاء، يدلك عليه: أن المعنى: إن أغمضتم بعض الإغماض أخذتموه، وإنما فتحتها لأن إلا وقعت عليها، وهي في موضعِ خفضٍ، وإذا رأيت (أن) في الجزاء قد أصابها معنى خفض أو نصب أو رفع، انفتحت فهذا من ذلك، والمعنى، والله أعلم: ولستم بآخذيه إلا على الإغماض، أو بإغماض، وعن إغماض.

قال: ومثله: قوله: ﴿ إِلَّا أَنْ يَخَافَا  ﴾ ﴿ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ  ﴾ (١٦) وأنكر المبرد ذلك، وقال: (أن) إذا كانت مع الفعل بمعنى المصدر كانت مفتوحة أبدًا على كل حال، وذلك نحو: أن تأتينى خير لك.

والمعنى في الآية: ولستم بآخذيه إلا بإغماضكم فيه (١٧) والإغْمَاضُ في اللغة: غَضُّ البصر (١٨) أَرَّقَ عَيْنِي عن الإِغْمَاضِ ...

بَرْقٌ سَرَى في عَارِضٍ نهّاض (١٩) وأصله من الغموض، وهو الخفاء، غمُض الشيء يَغْمُضُ غُموضًا، والإغْمَاضُ والغَمْضُ (٢٠) (٢١) والمراد بالإغماض في الآية: التجويزُ والمساهلة، وذلك أن الإنسان إذا رأى ما يكره أَغْمَضَ عينه لئلا يرى ذلك، ثم كثر ذلك حتى جُعِلَ كلُّ تجاوز ومساهلة في البيع وغيره (٢٢) (٢٣) قال الطِّرِمَّاح في الإغماض بمعنى (٢٤) لم يَفُتْنا بالوِتْرِ قومٌ وللضيمِ ...

رجالٌ يَرْضَونَ بالإِغْمَاضِ (٢٥) ويقال من هذا: اغمض لي في البياعة، أي: زدني لمكان ردائته، أو حُط لي من ثمنه (٢٦) ﴿ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ ﴾ يقول: أنتم (٢٧) (٢٨) قال ابن عباس في رواية العوفي: لو كان لأحدكم على رجل حقٌّ فجاءه بهذا لم يأخذه إلا وهو يرى أنه قد أغمض له عن بعض حقه وتساهل فيه (٢٩) وقال في رواية الوالبي: ولستم بآخذي هذا الرديء بحساب الجيد حتى تحطوا من الثمن (٣٠) (٣١) (٣٢) (٣٣) (٣٤) ﴿ تُغْمِضُوا ﴾ فيه بضم التاء وفتح الميم (٣٥) قال صاحب "النظم": اختلف في نظم هذه الآية فريقان: أحدهما: زعم أن انتهاء الفصل الأول إلى قوله: ﴿ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ ﴾ ثم ابتدأ خبرًا آخر في وصف الخبيث، فقال: (تنفقون منه) أي: من الخبيث تنفقون، ولا تأخذون منه إلا إذا أغمضتم، أي: ساهلتم.

وقوله تعالى: ﴿ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ ﴾ الآخذون وصف وضع موضع الفعل، والمراد: لا تأخذون، كقوله: ﴿ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ  ﴾ أي: أم صَمَتُّم، فيكون تأويل هذا الفصل: تنفقون منه ولا تأخذونه إذا وجب لكم إلا بالإغماض.

الفريق الثاني: أن انتهاء الفصل: ﴿ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ ﴾ ، فيكون (الذي) مضمرًا، كأنه قيل: ولا تيمموا الخبيث منه الذي تنفقونه، ولستم بآخذيه إلا بالإغماض (٣٦) ﴿ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا  ﴾ .

قال المفسرون: وفي هذه الآية بيان أن الفقراء شركاء رب المال في ماله، فإذا كان ماله جيدًا فهم شركاؤه في الجيد، والشريك لا يأخذ الرديء من الجيد، إلا بالتساهل (٣٧) (١) ليست في (ش) ولا (ي).

(٢) "تفسير الثعلبي" 2/ 1598.

(٣) روي عن ابن مسعود ومجاهد.

ينظر "تفسير الثعلبي" 2/ 1598، والبغوي في "تفسيره" 1/ 329.

(٤) البيت في "ديوانه" ص207، "تفسير الطبري" 3/ 82، "تهذيب اللغة" 1/ 207، "تفسير الثعلبي" 2/ 1619، "اللسان" 1/ 132 (مادة: أمم) من قصيدة يمدح بها قيس بن معدي كرب، ومعنى: ذي شزن: غليظ، يصفُ وُعُورَةَ الطريق الذي يسلكه ليصل منه إلى ممدوحه، انظر: "زاد المسير" 1/ 322.

وضبطت (شَزَن) بالفتح على الشين والزاي في "تهذيب اللغة" "اللسان" وبضمها في نسخة (أ).

(٥) أورده صاحب (ديوان الحماسة) 1/ 404 دون أن ينسبه.

(٦) البيت لعامر بن مالك مُلاعِبُ الأَسِنّة في "لسان العرب" 3/ 1819 (مادة: زحلق)، 1/ 132 (مادة: أمم) وروايته: صدرًا بدل: شزرًا.

"ومجمل اللغة" 4/ 560، "مقاييس اللغة" 1/ 31.

(٧) ينظر في أمم: "تهذيب اللغة" 1/ 207، "المفردات" ص 32 - 33، "اللسان" 1/ 132.

(٨) ينظر "المبسوط في القراءات العشر" ص 135،"حجة القراءات" لابن زنجلة ص146، "النشر في القراءات العشر" 2/ 232.

(٩) في (م): (يتفكرون).

(١٠) رواه الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1623، وفي إسناده صالح بن محمد، والسدي الصغير، والكلبي، وهذا السند يسمى: سلسلة الكذب، وأورد نحوه مقاتل بن سليمان في "تفسيره" 1/ 222 وأبو الليث في "بحر العلوم" 1/ 231، وروى ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 526 من طريق جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: وإن أصحاب رسول الله  يشترون الطعام الرخيص ويتصدقون، فأنزل الله على نبيه الآية، وروى أبو داود (1608) كتاب: الزكاة، باب: فلا يجوز في الثمرة من الصدقة، والنسائي 5/ 43 كتاب: الزكاة، باب زكاة الثمر، وابن ماجه (1821) كتاب: الزكاة، باب النهي أن يخرج من الصدقة شر ماله، والإمام أحمد 6/ 23، والحاكم 2/ 313، وصححه عن عوف بن مالك قال: دخل علينا رسول الله  المسجد وبيده عصا، وقد علق رجل منا حشفه، فطعن بالعصا في ذلك القنو، وقال: "لو شاء رب هذه الصدقة تصدق بأطيب منها" الحديث، وليس فيه أن القصة كانت سبب نزول الآية.

(١١) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 84 بمعناه، وذكره في "تفسير الثعلبي" 2/ 1623، "النكت والعيون" 1/ 343.

(١٢) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 83، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1623، والبغوي في "تفسيره" 1/ 333.

(١٣) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 83، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1623، والبغوي في "تفسيره" 1/ 333، وعزاه السيوطي في "الدر" 1/ 611 إلى سفيان بن عيينة والفريابي، وعزاه الحافظ في "العجاب" 1/ 626 إلى عبد بن حميد.

(١٤) من قوله: (وقال علي).

ساقط من (ي).

(١٥) "تفسيرالثعلبي" 2/ 1623.

(١٦) "معاني القرآن" للفراء 1/ 178 بمعناه.

(١٧) نقله عنه في "البحر المحيط" 2/ 318.

(١٨) في (ي): (الطرف).

(١٩) البيت في "ديوانه" ص 81، وكذا في "تفسير الثعلبي" 1/ 1625، وفي "اللسان" 6/ 3299 (مادة: غمض)، وروايته: أرَّق عينيك عن الغماض.

(٢٠) في (ش) و (ي): (والتغميض).

(٢١) ينظر في غمض: "تهذيب اللغة" 3/ 2697، "المفردات" 367، "اللسان" 6/ 3299، وقال في "القاموس" 649: الغامض: المطمئن من الأرض، ج: غوامض، كالغمض، ج: غموض، وأغماض، وقد غمض المكان غموضا، وككرم: غموضة وغماضة، والرجل الفاتر عن الحملة، وخلاف الواضح من الكلام، وقد غمض ككرم ونصر: غموضة، والخامل: الذليل، والحسب الغير المعروف.

(٢٢) سقطت من (ي).

(٢٣) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1625، "تهذيب اللغة" 3/ 2697، "المفردات" ص 367 (مادة: غمض).

(٢٤) في (م): (يغض).

(٢٥) البيت في "ديوانه" ص 170.

وفي "تفسير الطبري" 3/ 84، والوِتْر: الثأر؛ وبالإغماض: أي الإغماض على الضيم، والتساهل فيه.

(٢٦) ينظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2697 (مادة: غمض).

(٢٧) سقطت من (ي).

(٢٨) ينظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2697 (مادة: غمض).

(٢٩) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 84، "ابن أبي حاتم" في تفسيره 2/ 528.

(٣٠) المصدرين السابقين.

(٣١) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 85، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 529، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1626، والبغوي في "تفسيره" 1/ 333.

(٣٢) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 85، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1626، والبغوي في "تفسيره" 1/ 333.

(٣٣) في (ي): (على).

(٣٤) ينظر: "التبيان" ص 162، "البحر المحيط" 2/ 318.

(٣٥) "تفسير الثعلبي" 2/ 1625، وعزاها في "المحتسب" 1/ 139، و"البحر المحيط" 2/ 319 إلى قتادة.

(٣٦) سقطت هذه الجملة من (أ) و (م) و (ش).

(٣٧) ينظر: "تفسير الطبري" 3/ 86، "تفسير الثعلبي" 2/ 1627.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.2 / 29.5
الإضاءة 28%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل