الآية ٢٦٧ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٦٧ من سورة البقرة

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنفِقُوا۟ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا۟ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِـَٔاخِذِيهِ إِلَّآ أَن تُغْمِضُوا۟ فِيهِ ۚ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ حَمِيدٌ ٢٦٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 191 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٦٧ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٦٧ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يأمر تعالى عباده المؤمنين بالإنفاق والمراد به الصدقة هاهنا ; قاله ابن عباس من طيبات ما رزقهم من الأموال التي اكتسبوها .

قال مجاهد : يعني التجارة بتيسيره إياها لهم .

وقال علي والسدي : ( من طيبات ما كسبتم ) يعني : الذهب والفضة ، ومن الثمار والزروع التي أنبتها لهم من الأرض .

قال ابن عباس : أمرهم بالإنفاق من أطيب المال وأجوده وأنفسه ، ونهاهم عن التصدق برذالة المال ودنيه وهو خبيثه فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبا ، ولهذا قال : ( ولا تيمموا ) أي : تقصدوا ( الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه ) أي : لو أعطيتموه ما أخذتموه ، إلا أن تتغاضوا فيه ، فالله أغنى عنه منكم ، فلا تجعلوا لله ما تكرهون .

وقيل : معناه : ( ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ) أي : لا تعدلوا عن المال الحلال ، وتقصدوا إلى الحرام ، فتجعلوا نفقتكم منه .

ويذكر هاهنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد : حدثنا محمد بن عبيد ، حدثنا أبان بن إسحاق ، عن الصباح بن محمد ، عن مرة الهمداني ، عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله قسم بينكم أخلاقكم ، كما قسم بينكم أرزاقكم ، وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ، ولا يعطي الدين إلا لمن أحب ، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه ، والذي نفسي بيده ، لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه ، ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه " .

قالوا : وما بوائقه يا نبي الله ؟

.

قال : " غشمه وظلمه ، ولا يكسب عبد مالا من حرام فينفق منه فيبارك له فيه ، ولا يتصدق به فيقبل منه ، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار ، إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ ، ولكن يمحو السيئ بالحسن ، إن الخبيث لا يمحو الخبيث " .

والصحيح القول الأول ; قال ابن جرير : حدثني الحسين بن عمرو العنقزي ، حدثني أبي ، عن أسباط ، عن السدي ، عن عدي بن ثابت ، عن البراء بن عازب في قول الله : ( ياأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ) الآية .

قال : نزلت في الأنصار ، كانت الأنصار إذا كان أيام جذاذ النخل ، أخرجت من حيطانها أقناء البسر ، فعلقوه على حبل بين الأسطوانتين في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيأكل فقراء المهاجرين منه ، فيعمد الرجل منهم إلى الحشف ، فيدخله مع أقناء البسر ، يظن أن ذلك جائز ، فأنزل الله فيمن فعل ذلك : ( ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ) ثم رواه ابن جرير ، وابن ماجه ، وابن مردويه ، والحاكم في مستدركه ، من طريق السدي ، عن عدي بن ثابت ، عن البراء ، بنحوه .

وقال الحاكم : صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا عبيد الله ، عن إسرائيل ، عن السدي ، عن أبي مالك ، عن البراء : ( ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه ) قال : نزلت فينا ، كنا أصحاب نخل ، وكان الرجل يأتي من نخله بقدر كثرته وقلته ، فيأتي الرجل بالقنو فيعلقه في المسجد ، وكان أهل الصفة ليس لهم طعام ، فكان أحدهم إذا جاع جاء فضربه بعصاه ، فيسقط منه البسر والتمر ، فيأكل ، وكان أناس ممن لا يرغبون في الخير يأتي بالقنو فيه الحشف والشيص ، ويأتي بالقنو قد انكسر فيعلقه ، فنزلت : ( ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه ) قال : لو أن أحدكم أهدي له مثل ما أعطى ما أخذه إلا على إغماض وحياء ، فكنا بعد ذلك يجيء الرجل منا بصالح ما عنده .

وكذا رواه الترمذي ، عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي ، عن عبيد الله هو ابن موسى العبسي عن إسرائيل ، عن السدي وهو إسماعيل بن عبد الرحمن عن أبي مالك الغفاري واسمه غزوان عن البراء ، فذكر نحوه .

ثم قال : وهذا حديث حسن غريب .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو الوليد ، حدثنا سليمان بن كثير ، عن الزهري ، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف ، عن أبيه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لونين من التمر : الجعرور ولون الحبيق .

وكان الناس يتيممون شرار ثمارهم ثم يخرجونها في الصدقة ، فنزلت : ( ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ) .

ورواه أبو داود من حديث سفيان بن حسين ، عن الزهري [ به ] .

ثم قال : أسنده أبو الوليد ، عن سليمان بن كثير ، عن الزهري ، ولفظه : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجعرور ولون الحبيق أن يؤخذا في الصدقة .

وقد روى النسائي هذا الحديث من طريق عبد الجليل بن حميد اليحصبي ، عن الزهري ، عن أبي أمامة .

ولم يقل : عن أبيه ، فذكر نحوه .

وكذا رواه ابن وهب ، عن عبد الجليل .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا يحيى بن المغيرة ، حدثنا جرير ، عن عطاء بن السائب ، عن عبد الله بن معقل في هذه الآية : ( ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ) قال : كسب المسلم لا يكون خبيثا ، ولكن لا يصدق بالحشف ، والدرهم الزيف ، وما لا خير فيه .

وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو سعيد ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن حماد هو ابن أبي سليمان عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة قالت : أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بضب فلم يأكله ولم ينه عنه .

قلت : يا رسول الله ، نطعمه المساكين ؟

قال : " لا تطعموهم مما لا تأكلون " .

ثم رواه عن عفان عن حماد بن سلمة ، به .

فقلت : يا رسول الله ، ألا أطعمه المساكين ؟

قال : " لا تطعموهم ما لا تأكلون " .

وقال الثوري : عن السدي ، عن أبي مالك ، عن البراء ( ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه ) يقول : لو كان لرجل على رجل ، فأعطاه ذلك لم يأخذه ; إلا أن يرى أنه قد نقصه من حقه رواه ابن جرير .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه ) يقول : لو كان لكم على أحد حق ، فجاءكم بحق دون حقكم لم تأخذوه بحساب الجيد حتى تنقصوه .

قال : فذلك قوله : ( إلا أن تغمضوا فيه ) فكيف ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم ، وحقي عليكم من أطيب أموالكم وأنفسه !

!

رواه ابن أبي حاتم ، وابن جرير ، وزاد : وهو قوله : ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) [ آل عمران : 92 ] .

ثم روى من طريق العوفي وغيره ، عن ابن عباس نحو ذلك ، وكذا ذكر غير واحد .

قوله : ( واعلموا أن الله غني حميد ) أي : وإن أمركم بالصدقات وبالطيب منها فهو غني عنها ، وما ذاك إلا ليساوي الغني الفقير ، كقوله : ( لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم ) [ الحج : 37 ] وهو غني عن جميع خلقه ، وجميع خلقه فقراء إليه ، وهو واسع الفضل لا ينفد ما لديه ، فمن تصدق بصدقة من كسب طيب ، فليعلم أن الله غني واسع العطاء ، كريم جواد ، سيجزيه بها ويضاعفها له أضعافا كثيرة من يقرض غير عديم ولا ظلوم ، وهو الحميد ، أي : المحمود في جميع أفعاله وأقواله وشرعه وقدره ، لا إله إلا هو ، ولا رب سواه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " يا أيها الذين آمنوا "، صدقوا بالله ورسوله وآي كتابه.

* * * ويعني بقوله: " أنفقوا "، زكُّوا وتصدقوا، كما:- 6120 - حدثني المثنى، قال: حدثنا عبد الله، قال: حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: " أنفقوا من طيبات ما كسبتم " يقول: تصدَّقوا.

* * * القول في تأويل قوله : مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ يعني بذلك جل ثناؤه: زكوا من طيّب ما كسبتم بتصرُّفكم= إما بتجارة، وإما بصناعة= من الذهب والفضة.

ويعني ب " الطيبات "، الجياد، يقول: زكوا أموالكم التي اكتسبتموها حلالا وأعطوا في زكاتكم الذهبَ والفضة، الجيادَ منها دون الرديء، كما:- &; 5-556 &; 6121 - حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن الحكم، عن مجاهد في هذه الآية: " يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم " قال: من التجارة.

6122 - حدثني موسى بن عبد الرحمن، قال: حدثنا زيد بن الحباب، قال: وأخبرني شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، مثله.

6123 - حدثني حاتم بن بكر الضبّي، قال: حدثنا وهب، عن شعبة، عن الحكم، عن مجاهد ، مثله.

6124 - حدثني المثنى، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد في قوله: " أنفقوا من طيبات ما كسبتم "، قال: التجارة الحلال.

6125 - حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن معقل: " أنفقوا من طيبات ما كسبتم "، قال: ليس في مال المؤمن من خبيث، ولكن لا تيمموا الخبيث منه تنفقون.

6126 - حدثني عصام بن روّاد بن الجراح، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا أبو بكر الهذلي، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة، قال: سألت علي بن أبي طالب صلوات الله عليه عن قوله: " يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم " قال: من الذهب والفضة.

6127 - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " من طيبات ما كسبتم "، قال: التجارة.

6128 - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

6129 - حدثني المثنى، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: " أنفقوا من طيبات ما كسبتم " يقول: من &; 5-557 &; أطيب أموالكم وأنفَسِه.

(55) .

6130 - حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: " يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم "، قال: من هذا الذهب والفضة.

(56) .

* * * القول في تأويل قوله جل وعز : وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وأنفقوا أيضا مما أخرجنا لكم من الأرض، فتصدقوا وزكوا من النخل والكرم والحنطة والشعير، وما أوجبت فيه الصدقة من نبات الأرض.

كما:- 6131 - حدثني عصام بن رواد، قال: ثني أبي، قال: حدثنا أبو بكر الهذلي، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة، قال: سألت عليا صلوات الله عليه عن قول الله عز وجل: " ومما أخرجنا لكم من الأرض "، قال: يعني من الحب والثمر وكل شيء عليه زكاة.

6132 - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قوله: " ومما أخرجنا لكم من الأرض "، قال: النخل.

6133 - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: " ومما أخرجنا لكم من الأرض "، قال: من ثمر النخل.

&; 5-558 &; 6134 - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا هشيم، قال: حدثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ ، قال: من التجارة=" ومما أخرجنا لكم من الأرض "، من الثمار.

6135 - حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: " ومما أخرجنا لكم من الأرض "، قال: هذا في التمر والحب.

* * * القول في تأويل قوله جل وعز : وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه " ولا تيمموا الخبيث "، ولا تعمدوا، ولا تقصدوا.

* * * وقد ذكر أن ذلك في قراءة عبد الله: ( ولا تؤموا) من " أممت "، (57) وهذه من " يممت "، (58) والمعنى واحد وإن اختلفت الألفاظ.

* * * يقال: " تأممت فلانا "، و " تيممته "، و " أممته "، بمعنى: قصدته وتعمدته، كما قال ميمون بن قيس الأعشى: تيممـــت قيســا وكــم دونــه مـن الأرض مـن مهمـه ذي شـزن (59) وكما:- &; 5-559 &; 6136 - حدثنا موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: " ولا تيمموا الخبيث "، ولا تعمدوا.

6137 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: " ولا تيمموا " لا تعمدوا.

6138 - حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن قتادة، مثله.

* * * القول في تأويل قوله : وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه ب " الخبيث ": الرديء، غير الجيد، يقول: لا تعمدوا الرديء من أموالكم في صدقاتكم فتصدقوا منه، ولكن تصدقوا من الطيب الجيد.

* * * وذلك أن هذه الآية نـزلت في سبب رجل من الأنصار علق قنوا من حشف - (60) في الموضع الذي كان المسلمون يعلقون صدقة ثمارهم- صدقة من تمره.

* ذكر من قال ذلك: 6139 - حدثني الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي، قال: حدثنا أبي، عن أسباط، عن السدي، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب في قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ &; 5-560 &; الأَرْضِ إلى قوله: أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ، قال: نـزلت في الأنصار، كانت الأنصار إذا كان أيام جذاذ النخل أخرجت من حيطانها أقناء البسر، فعلقوه على حبل بين الأسطوانتين في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيأكل فقراء المهاجرين منه.

فيعمد الرجل منهم إلى الحشف فيدخله مع أقناء البسر، يظن أن ذلك جائز.

فأنـزل الله عز وجل فيمن فعل ذلك: " ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون "، قال لا تيمموا الحشف منه تنفقون.

(61) .

6140 - حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، زعم السدي، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب بنحوه= إلا أنه قال: فكان يعمد بعضهم، فيدخل قنو الحشف= ويظن أنه جائز عنه= في كثرة ما يوضع من الأقناء، فنـزل فيمن فعل ذلك: " ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون "، القنو الذي قد حشف، ولو أهدي إليكم ما قبلتموه.

(62) .

6141 - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا مؤمل، قال: حدثنا سفيان، عن السدي، عن أبي مالك، عن البراء بن عازب، قال: كانوا يجيئون في الصدقة بأردإ &; 5-561 &; تمرهم وأردإ طعامهم، فنـزلت: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ الآية.

(63) .

6142 - حدثني عصام بن رواد، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا أبو بكر الهذلي، عن ابن سيرين، عن عبيدة السلماني، قال: سألت عليا عن قول الله: " يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون "، قال: فقال علي: نـزلت هذه الآية في الزكاة المفروضة، كان الرجل يعمد إلى التمر فيصرمه، (64) فيعزل الجيد ناحية.

فإذا جاء صاحب الصدقة أعطاه من الرديء، فقال عز وجل: " ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ".

6143 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني عبد الجليل بن حميد اليحصبي، أن ابن شهاب حدثه، قال: ثني أبو أمامة بن سهل بن حنيف في الآية التي قال الله عز وجل: " ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون " قال: هو الجعرور، ولون حبيق، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤخذ في الصدقة.

(65) .

&; 5-562 &; 6144 - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون "، قال: كانوا يتصدقون - يعني من النخل- بحشفه وشراره، فنهوا عن ذلك، وأمروا أن يتصدقوا بطيبه.

6145 - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ إلى قوله: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ، ذكر لنا أن الرجل كان يكون له الحائطان على عهد نبي الله صلى الله عليه وسلم، فيعمد إلى أردئهما تمرا فيتصدق به، ويخلط فيه من الحشف، فعاب الله ذلك عليهم ونهاهم عنه.

6146 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون "، قال: تعمد إلى رذالة مالك فتصدق به، (66) ولست بآخذه إلا أن تغمض فيه.

6147 - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن يزيد بن إبراهيم، عن الحسن قال: كان الرجل يتصدق برذالة ماله، فنـزلت: " ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ".

6148 - حدثنا المثنى، قال: حدثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: أخبرنا عبد الله بن كثير: أنه سمع مجاهدا يقول: " ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون "، قال: في الأقناء التي تعلق، (67) فرأى فيها حشفا، فقال: &; 5-563 &; ما هذا؟= قال ابن جريج: سمعت عطاء يقول: علق إنسان حشفا في الأقناء التي تعلق بالمدينة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما هذا؟

بئسما علق هذا!!

فنـزلت: " ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ".

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: ولا تيمموا الخبيث من الحرام منه تنفقون، (68) .

وتدعوا أن تنفقوا الحلال الطيب.

* ذكر من قال ذلك: 6149 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد - وسألته عن قول الله عز وجل: " ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون "، - قال: الخبيث: الحرام، لا تتيممه تنفق منه، فإن الله عز وجل لا يقبله.

* * * قال أبو جعفر: وتأويل الآية هو التأويل الذي حكيناه عمن حكينا [عنه] من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم،[لصحة إسناده]، واتفاق أهل التأويل في ذلك= (69) دون الذي قاله ابن زيد.

(70) .

* * * القول في تأويل قوله : وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ولستم بآخذي الخبيث في حقوقكم، و " الهاء " في قوله: " بآخذيه " من ذكر الخبيث=" إلا أن تغمضوا فيه "، يعني: إلا أن تتجافوا في أخذكم إياه عن بعض الواجب لكم من حقكم، فترخصوا فيه لأنفسكم.

&; 5-564 &; يقال منه: " أغمض فلان لفلان عن بعض حقه، فهو يغمض "، ومن ذلك قول الطرماح بن حكيم: لــم يفتنــا بـالوتر قـوم وللضـيـ م رجــال يرضــون بالإغمـاض (71) * * * قال أبو جعفر: واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم: معنى ذلك: ولستم بآخذي الرديء من غرمائكم في واجب حقوقكم قبلهم، إلا عن إغماض منكم لهم في الواجب لكم عليهم.

* ذكر من قال ذلك: 6150 - حدثنا عصام بن رواد، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا أبو بكر الهذلي، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة قال: سألت عليا عنه فقال: " ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه "، يقول: ولا يأخذ أحدكم هذا الرديء حتى يهضم له.

6151 - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا مؤمل، قال: حدثنا سفيان، عن السدي، عن أبي مالك، عن البراء بن عازب: " ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه "، يقول: لو كان لرجل على رجل، فأعطاه ذلك لم يأخذه، إلا أن يرى أنه قد نقصه من حقه.

(72) .

&; 5-565 &; 6152 - حدثني المثنى، قال: حدثنا عبد الله، قال: حدثنا معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: " ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه "، يقول: لو كان لكم على أحد حق، فجاءكم بحق دون حقكم، لم تأخذوا بحساب الجيد حتى تنقصوه، فذلك قوله: " إلا أن تغمضوا فيه "، فكيف ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم، وحقي عليكم من أطيب أموالكم وأنفسها؟

(73) .

وهو قوله: لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ .

[ سورة آل عمران: 92].

6153 - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه " قال: لا تأخذونه من غرمائكم ولا في بيوعكم إلا بزيادة على الطيب في الكيل.

6154 - حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: حدثنا أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه "، وذلك أن رجالا كانوا يعطون زكاة أموالهم من التمر، فكانوا يعطون الحشف في الزكاة، فقال: لو كان بعضهم يطلب بعضا ثم قضاه، لم يأخذه إلا أن يرى أنه قد أغمض عنه حقه.

6155 - حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: " ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه " يقول: لو كان لك على رجل دين فقضاك أردأ مما كان لك عليه، هل كنت تأخذ ذلك منه إلا وأنت له كاره؟

6156 - حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا جويبر، عن الضحاك في قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ &; 5-566 &; إلى قوله: " إلا أن تغمضوا فيه " قال: كانوا -حين أمر الله أن يؤدوا الزكاة- يجيء الرجل من المنافقين بأردإ طعام له من تمر وغيره، فكره الله ذلك وقال: أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ ، يقول: " لستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه "، يقول: لم يكن رجل منكم له حق على رجل فيعطيه دون حقه فيأخذه، إلا وهو يعلم أنه قد نقصه= فلا ترضوا لي ما لا ترضون لأنفسكم= فيأخذ شيئا، وهو مغمض عليه، أنقص من حقه.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: ولستم بآخذي هذا الرديء الخبيث - إذا اشتريتموه من أهله -بسعر الجيد، إلا بإغماض منهم لكم في ثمنه.

* ذكر من قال ذلك: 6157 - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن عمران بن حدير، عن الحسن: " ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه "، قال: لو وجدتموه في السوق يباع، ما أخذتموه حتى يهضم لكم من ثمنه.

6158 - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه "، يقول: لستم بآخذي هذا الرديء بسعر هذا الطيب إلا أن يغمض لكم فيه.

* * * وقال آخرون: معناه: ولستم بآخذي هذا الرديء الخبيث لو أهدي لكم، إلا أن تغمضوا فيه، فتأخذوه وأنتم له كارهون، على استحياء منكم ممن أهداه لكم.

* ذكر من قال ذلك: 6159 - حدثني الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي، قال: حدثنا أبي، عن أسباط، عن السدي، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب: " ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه "، قال: لو أهدي لكم ما قبلتموه إلا على استحياء من صاحبه، أنه بعث إليك بما لم يكن له فيه حاجة.

(74) .

&; 5-567 &; 6160 - حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، قال: زعم السدي، عن عدي بن ثابت، عن البراء نحوه= إلا أنه قال: إلا على استحياء من صاحبه، وغيظا أنه بعث إليك بما لم يكن له فيه حاجة.

(75) .

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: ولستم بآخذي هذا الرديء من حقكم إلا أن تغمضوا من حقكم.

* ذكر من قال ذلك: 6161 - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن عطاء، عن ابن معقل: " ولستم بآخذيه "، يقول: ولستم بآخذيه من حق هو لكم=" إلا أن تغمضوا فيه "، يقول: أغمض لك من حقي.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: ولستم بآخذي الحرام إلا أن تغمضوا على ما فيه من الإثم عليكم في أخذه.

* ذكر من قال ذلك: 6162 - حدثني يونس، قال: حدثنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: وسألته عن قوله: " ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه " -قال: يقول: لست آخذا ذلك الحرام حتى تغمض على ما فيه من الإثم = قال: وفي كلام العرب: " أما والله لقد أخذه، ولقد أغمض على ما فيه " = وهو يعلم أنه حرام باطل.

* * * قال أبو جعفر: والذي هو أولى بتأويل ذلك عندنا أن يقال: إن الله عز وجل حث عباده على الصدقة وأداء الزكاة من أموالهم، وفرضها عليهم فيها، (76) .

فصار ما فرض من ذلك في أموالهم، حقا لأهل سهمان الصدقة.

ثم أمرهم تعالى ذكره أن &; 5-568 &; يخرجوا من الطيب- وهو الجيد من أموالهم- الطيب.

(77) وذلك أن أهل السهمان شركاء أرباب الأموال في أموالهم، بما وجب لهم فيها من الصدقة بعد وجوبها.

فلا شك أن كل شريكين في مال فلكل واحد منهما بقدر ملكه، وليس لأحدهما منع شريكه من حقه من الملك الذي هو فيه شريكه، بإعطائه -بمقدار حقه منه- من غيره مما هو أردأ منه أو أخس.

(78) فكذلك المزكي ماله، حرم الله عليه أن يعطي أهل السهمان= مما وجب لهم في ماله من الطيب الجيد من الحق، فصاروا فيه شركاء= (79) من الخبيث الرديء غيره، ويمنعهم ما هو لهم من حقوقهم في الطيب من ماله الجيد، كما لو كان مال رب المال رديئا كله غير جيد، فوجبت فيه الزكاة وصار أهل سهمان الصدقة فيه شركاء بما أوجب الله لهم فيه لم يكن عليه أن يعطيهم الطيب الجيد من غير ماله الذي منه حقهم.

فقال تبارك وتعالى لأرباب الأموال: زكوا من جيد أموالكم الجيد، ولا تيمموا الخبيث الرديء، تعطونه أهل سهمان الصدقة، وتمنعونهم الواجب لهم من الجيد الطيب في أموالكم، (80) ولستم بآخذي الرديء لأنفسكم مكان الجيد الواجب لكم قبل من وجب لكم عليه ذلك من شركائكم وغرمائكم وغيرهم، إلا عن إغماض منكم وهضم لهم وكراهة منكم لأخذه.

يقول: ولا تأتوا من الفعل إلى من وجب له في أموالكم حق، ما لا ترضون من غيركم أن يأتيه إليكم في حقوقكم الواجبة لكم في أموالهم.

فأما إذا تطوع الرجل بصدقة غير مفروضة، فإني وإن كرهت له أن يعطي فيها إلا أجود ماله وأطيبه، لأن الله عز وجل أحق من تقرب إليه بأكرم الأموال &; 5-569 &; وأطيبها، والصدقة قربان المؤمن= فلست أحرم عليه أن يعطي فيها غير الجيد، لأن ما دون الجيد ربما كان أعم نفعا لكثرته، أو لعظم خطره= وأحسن موقعا من المسكين، وممن أعطيه قربة إلى الله عز وجل= من الجيد، لقلته أو لصغر خطره وقلة جدوى نفعه على من أعطيه.

(81) .

* * * وبمثل ما قلنا في ذلك قال جماعة أهل العلم.

* ذكر من قال ذلك: 6163 - حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سلمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين، قال: سألت عبيدة عن هذه الآية: " يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه "، قال: ذلك في الزكاة، الدرهم الزائف أحب إلي من التمرة.

6164 - حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، قال: حدثنا سلمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين، قال: سألت عبيدة عن ذلك، فقال: إنما ذلك في الزكاة، والدرهم الزائف أحب إلي من التمرة.

6165 - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن إدريس، عن هشام، عن ابن سيرين، قال: سألت عبيدة عن هذه الآية: " يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه "، فقال عبيدة: إنما هذا في الواجب، ولا بأس أن يتطوع الرجل بالتمرة، والدرهم الزائف خير من التمرة.

&; 5-570 &; 6166 - حدثني أبو السائب، قال: حدثنا ابن إدريس، عن هشام، عن ابن سيرين في قوله: وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ قال: إنما هذا في الزكاة المفروضة، فأما التطوع فلا بأس أن يتصدق الرجل بالدرهم الزائف، والدرهم الزائف خير من التمرة.

* * * القول في تأويل قوله : وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: واعلموا أيها الناس أن الله عز وجل غني عن صدقاتكم وعن غيرها، (82) وإنما أمركم بها، وفرضها في أموالكم، رحمة منه لكم ليغني بها عائلكم، (83) .

ويقوي بها ضعيفكم، ويجزل لكم عليها في الآخرة مثوبتكم، لا من حاجة به فيها إليكم.

* * * ويعني بقوله: " حميد "، أنه محمود عند خلقه بما أولاهم من نعمه، وبسط لهم من فضله.

كما:- 6167 - حدثني الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي، قال: حدثنا أبي، عن أسباط، عن السدي، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب في قوله: " أن الله غني حميد " عن صدقاتكم.

(84) .

------------------- الهوامش : (55) الأثر : 6129 -في الدر المنثور 1 : 346 ، وسيأتي الأثر بتمامه في رقم : 6152 وقوله : "من أطيب أموالكم وأنفسه" ، وهو صحيح في العربية ، يعود ضمير المفرد ، على الجمع في"أفعل" ، وقد مضى ما قلنا في ذلك التعليق على الأثر : 5968 ، وإن اختلفت العبارتان وافترقتا .

وانظر همع الهوامع 1 : 59 .

(56) في المطبوعة : حذف"هذا" لغير شيء !!

.

(57) في المطبوعة : "ولا تأمموا" ، وكذلك في القرطبي ، ولكن أبا حيان في تفسيره 1 : 328 قد نص على أن الطبري حكى قراءة عبد الله : "ولا تأملوا" من"أمت" ، فوافق ما في المخطوطة ، فأثبتها كذلك ، وهي الصواب إن شاء الله .

(58) في المخطوطة والمطبوعة : "تيممت" ، وهو سقيم ، والصواب ما أثبت .

وأموا المكان ويموه ، بمعنى واحد ، وهي على البدل ، أبدلت الهمزة ياء ، ولذلك كانت في مادة (أمم) من دواوين اللغة ، غير الجوهري .

(59) ديوانه : 16 ، وسيأتي في التفسير 5 : 69 (بولاق) .

وهو من قصيدته التي أثنى فيها على قيس بن معد يكرب الكندي ، وهي أول كلمة قالها له .

وقد مضت منها أبيات في 1 : 345 ، 346 ، /3 : 191/5 : 390 وامهمه : الفلاة المقفرة البعيدة ، لا ماء بها ولا أنيس ، والشزن والشزونة : الغلظ من الأرض .

(60) القنو : الكباسة ، وهي العذق التام بشماريخه ورطبه ، هو في التمر ، بمنزله العنقود من العنب ، وجمعه : أقناء .

والحشف : هو من التمر ما لم ينو ، فإذا يبس صلب وفسد ، لا طعم له ولا لحاء ولا حلاوة .

(61) الأثر : 6139 -الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي ، مضى في رقم 1625 : 1883 ، وهو لين يتكلمون فيه .

وأبوة : عمرو بن محمد ، ثقة جائز الحديث .

أخرجه الحاكم في المستدرك ، : 2 : 285 من طريق عمرو بن طلحة القناد ، عن أسباط بن نصر ، وقال : "هذا حديث غريب صحيح على شرطه مسلم ، ولم يخرجاه" ، وافقه الذهبى .

وذكره ابن كثير في تفسير 2 : 40 ، 41 ونسبه للحاكم ، وأنه قال : "صحيح على شرط البخاري ومسلم ولم يخرجاه" فاختلف نص كلام الحاكم .

وسيأتي تمامه برقم : 6159 ، 6167 .

قوله : "جذاذ النخل"بالذال هنا وفي المستدرك .

وجذ النخل جذاذا ، صرمه .

والأشهر فيه بالدال المهملة : "جد النخل يجده جدادا" ، صرمه وقطف ثمره .

والحيطان جمع حائط : وهو بستان النخل يكون عليه حائط ، فإذا لم يكن عليه حائط .

فهو ضاحية .

وقوله : "أقناء البسر" الأقناء جمع قنو ، وقد سلف في التعليق الماضي .

والبسر : التمر قبل أن يرطب ، سمى كذلك لغضاضته ، واحدته بسرة ، ثم هو بعد البسر ، رطب ، ثم تمر .

(62) الأثر : 6140 -هذا إسناد آخر للخبر السالف وسيأتي تمامه برقم : 6160 وحشف التمر : صار حشفا .

وقد مضى تفسيره في التعليق ص : 559 رقم : 1 .

وقوله : "جائز عنه" ، أي سائغ مجزي عنه من قولهم : "جاز جوازا" ، وأجاز له الشيء وجوزه : إذا سوغ له ما صنعه وأمضاه .

وهو تعبير نادر لم تقيده كتب اللغة ، ولكنه عربي معرق .

(63) الأثر : 6141 -رواه البيهقي في السنن 4 : 136 من طريق أبي حذيفة ، عن سفيان ، عن السدي بغير هذا اللفظ ، وأتم منه .

(64) صرم النخل والشجر يصرمه صرما وصراما : قطع ثمرها واجتناها ، مثل الجذاذ والجداد فيما سلف في التعليقات ص : 560 .

(65) الأثر : 6143 -عبد الجليل بن حميد اليحصبي ، أبو مالك المصري .

روي عن الزهري ، ويحيى بن سعيد وأيوب السختياني ، وروى عنه ابن عجلان ، وهو من أقرانه ، وموسى بن سلمة ، وابن وهب ، وغيرهم من المصريين .

قال النسائي ، "ليس به بأس" ، وذكره ابن حبان في الثقات .

مات سنة 148 ، مترجم في التهذيب .

وهذا الأثر روته النسائي ، عن يونس بن عبد الأعلى والحارث بن مسكين ، عن ابن وهب ، عن عبد الجليلي بن حميد ، في السنن 5 : 43 ، وآخره"...

أن تؤخذ الصدقة الرذالة" .

وروي من طرق أخرى في سنن أبي داود 2 : 149 رقم : 1607 ، والحاكم في المستدرك 2 : 284 من طريق سفيان ابن حسين عن الزهري ، ومن طريق سليمان بن كثير عن الزهري وقال : "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي ، والبيهقي في السنن 4 : 136 ، وانظر تفسير ابن كثير 2 : 42 ، 43 .

الجعرور (بضم الجيم) .

ضرب من التمر صغار لا خير فيه .

واللون : نوع من النخل ، قيل : هو الدقل ، وقيل : النخل كله ما خلا البرني والعجوة ، تسميه أهل المدينة"الألوان" .

وابن حبيق : رجل نسب إليه هذا النخل الرديء ، فقيل : لون الحبيق .

وتمره رديء أغبر صغير ، مع طول فيه .

(66) رذالة كل شيء : أردؤه حين ينتقى جيده ، ويبقي رديئه .

وهو من رذالة الناس ورذالهم .

(بضم الراء فيها جميعا) .

(67) قوله : "التي تعلق" مكانها بياض في المخطوطة .

وقوله بعد : "فرأى فيها حشفا" ، أي رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم .

(68) في المخطوطة والمطبوعة : "فيه تنفقون" ، وهو خطأ بين .

(69) الزيادة بين الأقواس لا بد منها حتى يستقيم الكلام .

(عنه) ساقطة من المخطوطة والمطبوعة .

أما الزيادة الثانية ، فمكانها بياض في المخطوطة ، فأغفله الطابع وساق الكلام سياقا واحدا (70) في المخطوطة : "قاله ابن" وبعد ذلك بياض .

والذي في المطبوعة هو الصواب .

(71) ديوانه : 86 ، من قصيدة مجد فيها قومه ، وقبله: : إننــا معشــر شـمائلنا الصـبر , إذا الخـــوف مــال بالأحفــاض نصـر للـذليل فـي نـدوة الحـي , مـــرائيب للثـــأي المنهــاض مــن يــرم جـمعهم يجـدهم مـر اجــيح حمــاة للعـزل الأحـراض الأحفاض : الإبل الصغار الضعاف ، ويعنى الضعاف من الناس ، لا يصبرون في حرب .

مرائيب : من الرأب ، وهو الإصلاح ، مصلحون .

والثأى : الفساد .

والمنهاض : الذي فسد بعد صلاح فلا يرجى إصلاح إلا بمشقة .

مراجيح : حلماء لا يستخفهم شيء .

والأحراض : الضعاف الذين لا يقاتلون .

والإغماض : التغاضي والمساهلة .

يقول نحن أهل بأس وسطوة ، فما أصاب منا أحد فنجا من انتقامنا ، ولسنا كأقوام يرضون بالضيم ، فيتغاضون عن إدراك تأثرهم ممن نال منهم .

(72) الأثر : 6151 -هو من تمام الأثر : 6141 .

(73) في المطبوعة : "وأنفسها" وأثبت ما في المخطوطة .

وهذا الأثر بنصه وتمامه في الدر المنثور 1 : 346 ، وانظر التعليق على الأثر : 6129 ، وقوله : "وأنفسه" بضمير الإفراد .

(74) الأثر : 6159 -هو تمام الأثر السالف : 6139 .

(75) الأثر : 6160 -هو تمام الأثر السالف : 6140 .

(76) "وفرضها عليهم" أي الزكاة .

"فيها" : في أموالهم .

(77) قوله : "الطيب" الثانية ، مفعول"يخرجوا" .

(78) في المطبوعة"أو أحسن" ، وهو فاسد كل الفساد .

والصواب من المخطوطة .

(79) سياق الجملة : أن يعطى أهل السهمان...

من الخبيث الرديء غيره .

(80) في المطبوعة : "وتمنعونهم الواجب..." ، والذي في المخطوطة صواب ، معطوف على : "ولا تيمموا الخبيث" .

(81) سياق هذه الجملة : ربما كان أعم نفعا لكثرته...وأحسن موقعا من المسكين...

من الجيد لقلته...

(82) انظر تفسير"غنى"فيما سلف من هذا الجزء 5 : 521 .

(83) العائل : الفقير .

عال الرجل يعيل علية : افتقر .

(84) الأثر : 6167 -هو تمام الأثر السالف : 6139 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ياأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني حميد[ ص: 292 ] فيه إحدى عشرة مسألة :الأولى : قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا أنفقوا هذا خطاب لجميع أمة محمد صلى الله عليه وسلم .

واختلف العلماء في المعنى المراد بالإنفاق هنا ، فقال علي بن أبي طالب وعبيدة السلماني وابن سيرين : هي الزكاة المفروضة ، نهى الناس عن إنفاق الرديء فيها بدل الجيد .

قال ابن عطية : والظاهر من قول البراء بن عازب والحسن وقتادة أن الآية في التطوع ، ندبوا إلى ألا يتطوعوا إلا بمختار جيد .

والآية تعم الوجهين ، لكن صاحب الزكاة تعلق بأنها مأمور بها والأمر على الوجوب ، وبأنه نهى عن الرديء وذلك مخصوص بالفرض ، وأما التطوع فكما للمرء أن يتطوع بالقليل فكذلك له أن يتطوع بنازل في القدر ، ودرهم خير من تمرة .

تمسك أصحاب الندب بأن لفظة افعل صالح للندب صلاحيته للفرض ، والرديء منهي عنه في النفل كما هو منهي عنه في الفرض ، والله أحق من اختير له .

وروى البراء أن رجلا علق قنو حشف ، فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : بئسما علق فنزلت الآية ، خرجه الترمذي وسيأتي بكماله .

والأمر على هذا القول على الندب ، ندبوا إلى ألا يتطوعوا إلا بجيد مختار .

وجمهور المتأولين قالوا : معنى ( من طيبات ) من جيد ومختار ( ما كسبتم ) .

وقال ابن زيد : من حلال " ما كسبتم " .الثانية : الكسب يكون بتعب بدن وهي الإجارة وسيأتي حكمها ، أو مقاولة في تجارة وهو البيع وسيأتي بيانه .

والميراث داخل في هذا ؛ لأن غير الوارث قد كسبه .

قال سهل بن عبد الله : وسئل ابن المبارك عن الرجل يريد أن يكتسب وينوي باكتسابه أن يصل به الرحم وأن يجاهد ويعمل الخيرات ويدخل في آفات الكسب لهذا الشأن .

قال : إن كان معه قوام من العيش بمقدار ما يكف نفسه عن الناس فترك هذا أفضل ؛ لأنه إذا طلب حلالا وأنفق في حلال سئل عنه وعن كسبه وعن إنفاقه ، وترك ذلك زهد فإن الزهد في ترك الحلال .الثالثة : قال ابن خويزمنداد : ولهذه الآية جاز للوالد أن يأكل من كسب ولده ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أولادكم من طيب أكسابكم فكلوا من أموال أولادكم هنيئا .الرابعة : قوله تعالى : ( ومما أخرجنا لكم من الأرض ) يعني النبات والمعادن والركاز ، وهذه أبواب ثلاثة تضمنتها هذه الآية .

أما النبات فروى الدارقطني عن عائشة رضي الله عنها [ ص: 293 ] قالت : جرت السنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ليس فيما دون خمسة أوسق زكاة ) .

والوسق ستون صاعا ، فذلك ثلاثمائة صاع من الحنطة والشعير والتمر والزبيب .

وليس فيما أنبتت الأرض من الخضر زكاة .

وقد احتج قوم لأبي حنيفة بقول الله تعالى : ومما أخرجنا لكم من الأرض وإن ذلك عموم في قليل ما تخرجه الأرض وكثيره وفي سائر الأصناف ، ورأوا ظاهر الأمر الوجوب .

وسيأتي بيان هذا في ( الأنعام ) مستوفى .

وأما المعدن فروى الأئمة عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : العجماء جرحها جبار والبئر جبار والمعدن جبار وفي الركاز الخمس .

قال علماؤنا : لما قال صلى الله عليه وسلم : ( وفي الركاز الخمس ) دل على أن الحكم في المعادن غير الحكم في الركاز ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قد فصل بين المعادن والركاز بالواو الفاصلة ، ولو كان الحكم فيهما سواء لقال والمعدن جبار وفيه الخمس ، فلما قال ( وفي الركاز الخمس ) علم أن حكم الركاز غير حكم المعدن فيما يؤخذ منه ، والله أعلم .والركاز أصله في اللغة ما ارتكز بالأرض من الذهب والفضة والجواهر ، وهو عند سائر الفقهاء كذلك ؛ لأنهم يقولون في الندرة التي توجد في المعدن مرتكزة بالأرض لا تنال بعمل ولا بسعي ولا نصب ، فيها الخمس ؛ لأنها ركاز .

وقد روي عن مالك أن الندرة في المعدن حكمها حكم ما يتكلف فيه العمل مما يستخرج من المعدن في الركاز ، والأول تحصيل مذهبه وعليه فتوى جمهور الفقهاء .

وروى عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن جده [ ص: 294 ] عن أبي هريرة قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الركاز قال : الذهب الذي خلق الله في الأرض يوم خلق السماوات والأرض .

عبد الله بن سعيد هذا متروك الحديث ، ذكر ذلك ابن أبي حاتم .

وقد روي من طريق أخرى عن أبي هريرة ولا يصح ، ذكره الدارقطني .

ودفن الجاهلية لأموالهم عند جماعة العلماء ركاز أيضا لا يختلفون فيه إذا كان دفنه قبل الإسلام من الأموال العادية ، وأما ما كان من ضرب الإسلام فحكمه عندهم حكم اللقطة .الخامسة : واختلفوا في حكم الركاز إذا وجد ، فقال مالك : ما وجد من دفن الجاهلية في أرض العرب أو في فيافي الأرض التي ملكها المسلمون بغير حرب فهو لواجده وفيه الخمس ، وأما ما كان في أرض الإسلام فهو كاللقطة .

قال : وما وجد من ذلك في أرض العنوة فهو للجماعة الذين افتتحوها دون واجده ، وما وجد من ذلك في أرض الصلح فإنه لأهل تلك البلاد دون الناس ، ولا شيء للواجد فيه إلا أن يكون من أهل الدار فهو له دونهم .

وقيل : بل هو لجملة أهل الصلح .

قال إسماعيل : وإنما حكم للركاز بحكم الغنيمة لأنه مال كافر وجده مسلم فأنزل منزلة من قاتله وأخذ ماله ، فكان له أربعة أخماسه .

وقال ابن القاسم : كان مالك يقول في العروض والجواهر والحديد والرصاص ونحوه يوجد ركازا : إن فيه الخمس ثم رجع فقال : لا أرى فيه شيئا ، ثم آخر ما فارقناه أن قال : فيه الخمس .

وهو الصحيح لعموم الحديث وعليه جمهور الفقهاء .

وقال أبو حنيفة ومحمد في الركاز يوجد في الدار : إنه لصاحب الدار دون الواجد وفيه الخمس .

وخالفه أبو يوسف فقال : إنه للواجد دون صاحب الدار ، وهو قول الثوري : وإن وجد في الفلاة فهو للواجد في قولهم جميعا وفيه الخمس .

ولا فرق عندهم بين أرض الصلح وأرض العنوة ، وسواء عندهم أرض العرب وغيرها ، وجائز عندهم لواجده أن يحتبس الخمس لنفسه إذا كان محتاجا وله أن يعطيه للمساكين .

ومن أهل المدينة وأصحاب مالك من لا يفرق بين شيء من ذلك وقالوا : سواء وجد الركاز في أرض العنوة أو في أرض الصلح أو أرض العرب أو أرض الحرب إذا لم يكن ملكا لأحد ولم يدعه أحد فهو لواجده وفيه الخمس على عموم ظاهر الحديث ، وهو قول الليث وعبد الله بن نافع والشافعي وأكثر أهل العلم .السادسة : وأما ما يوجد من المعادن ويخرج منها فاختلف فيه ، فقال مالك وأصحابه : لا شيء فيما يخرج من المعادن من ذهب أو فضة حتى يكون عشرين مثقالا ذهبا أو خمس أواق فضة ، فإذا بلغتا هذا المقدار وجبت فيهما الزكاة ، وما زاد فبحساب ذلك ما دام في المعدن نيل ، فإن انقطع ثم جاء بعد ذلك نيل آخر فإنه تبتدأ فيه الزكاة مكانه .

والركاز عندهم بمنزلة [ ص: 295 ] الزرع تؤخذ منه الزكاة في حينه ولا ينتظر به حولا .

قال سحنون في رجل له معادن : إنه لا يضم ما في واحد منها إلى غيرها ولا يزكي إلا عن مائتي درهم أو عشرين دينارا في كل واحد .

وقال محمد بن مسلمة : يضم بعضها إلى بعض ويزكي الجميع كالزرع .

وقال أبو حنيفة وأصحابه : المعدن كالركاز ، فما وجد في المعدن من ذهب أو فضة بعد إخراج الخمس اعتبر كل واحد منهما ، فمن حصل بيده ما تجب فيه الزكاة زكاه لتمام الحول إن أتى عليه حول وهو نصاب عنده ، هذا إذا لم يكن عنده ذهب أو فضة وجبت فيه الزكاة .

فإن كان عنده من ذلك ما تجب فيه الزكاة ضمه إلى ذلك وزكاه .

وكذلك عندهم كل فائدة تضم في الحول إلى النصاب من جنسها وتزكى لحول الأصل ، وهو قول الثوري .

وذكر المزني عن الشافعي قال : وأما الذي أنا واقف فيه فما يخرج من المعادن .

قال المزني : الأولى به على أصله أن يكون ما يخرج من المعدن فائدة يزكى بحوله بعد إخراجه .

وقال الليث بن سعد : ما يخرج من المعادن من الذهب والفضة فهو بمنزلة الفائدة يستأنف به حولا ، وهو قول الشافعي فيما حصله المزني من مذهبه ، وقال به داود وأصحابه إذا حال عليها الحول عند مالك صحيح الملك لقوله صلى الله عليه وسلم : من استفاد مالا فلا زكاة عليه حتى يحول عليه الحول أخرجه الترمذي والدارقطني .

واحتجوا أيضا بما رواه عبد الرحمن بن أنعم عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى قوما من المؤلفة قلوبهم ذهيبة في تربتها ، بعثها علي رضي الله عنه من اليمن .

قال الشافعي : والمؤلفة قلوبهم حقهم في الزكاة ، فتبين بذلك أن المعادن سنتها سنة الزكاة .

وحجة مالك حديث عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أن النبي صلى الله عليه وسلم أقطع بلال بن الحارث المعادن القبلية وهي من ناحية الفرع ، فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلى اليوم إلا الزكاة .

وهذا حديث منقطع الإسناد لا يحتج بمثله أهل الحديث ؛ ولكنه عمل يعمل به عندهم في المدينة .

ورواه الدراوردي عن ربيعة عن الحارث بن بلال المزني عن أبيه .

ذكره البزار ، ورواه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أقطع بلال بن الحارث المعادن القبلية جلسيها وغوريها .

[ ص: 296 ] وحيث يصلح للزرع من قدس ولم يعطه حق مسلم ، ذكره البزار أيضا ، وكثير مجمع على ضعفه .

هذا حكم ما أخرجته الأرض ، وسيأتي في سورة ( النحل ) حكم ما أخرجه البحر إذ هو قسيم الأرض .

ويأتي في ( الأنبياء ) معنى قوله عليه السلام : ( العجماء جرحها جبار ) كل في موضعه إن شاء الله تعالى .السابعة : قوله تعالى : ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون تيمموا معناه تقصدوا ، وستأتي الشواهد من أشعار العرب في أن التيمم القصد في " النساء " إن شاء الله تعالى .

ودلت الآية على أن المكاسب فيها طيب وخبيث .

وروى النسائي عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف في الآية التي قال الله تعالى فيها : ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون قال : هو الجعرور ولون حبيق ، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤخذا في الصدقة .

وروى الدارقطني عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه قال : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة فجاء رجل من هذا السحل بكبائس - قال سفيان : يعني الشيص - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من جاء بهذا ) ؟

وكان لا يجيء أحد بشيء إلا نسب إلى الذي جاء به .

فنزلت : ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون .

قال : ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الجعرور ولون الحبيق أن يؤخذا في الصدقة - قال الزهري : لونين من تمر المدينة - وأخرجه الترمذي من حديث البراء وصححه ، وسيأتي .

وحكى الطبري والنحاس أن في قراءة عبد الله " ولا تأمموا " وهما لغتان .

وقرأ مسلم بن جندب " ولا تيمموا " بضم التاء وكسر الميم .

وقرأ ابن كثير " تيمموا " بتشديد التاء .

وفي اللفظة لغات ، منها " أممت الشيء " مخففة الميم الأولى و " أممته " بشدها ، و " يممته وتيممته " .

وحكى أبو عمرو أن ابن مسعود قرأ " ولا تؤمموا " بهمزة بعد التاء المضمومة .الثامنة : قوله تعالى : منه تنفقون قال الجرجاني في كتاب " نظم القرآن " : قال فريق من الناس : إن الكلام تم في قوله تعالى ( الخبيث ) ثم ابتدأ خبرا آخر في وصف الخبيث فقال : ( منه تنفقون ) وأنتم لا تأخذونه إلا إذا أغمضتم أي تساهلتم ، كأن هذا المعنى عتاب للناس وتقريع .

والضمير في منه عائد على الخبيث وهو الدون والرديء .

قال الجرجاني : [ ص: 297 ] وقال فريق آخر : الكلام متصل إلى قوله ( منه ) ، فالضمير في ( منه ) عائد على ( ما كسبتم ) ويجيء ( تنفقون ) كأنه في موضع نصب على الحال ، وهو كقولك : أنا أخرج أجاهد في سبيل الله .التاسعة : قوله تعالى : ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه أي لستم بآخذيه في ديونكم وحقوقكم من الناس إلا أن تتساهلوا في ذلك وتتركوا من حقوقكم ، وتكرهونه ولا ترضونه .

أي فلا تفعلوا مع الله ما لا ترضونه لأنفسكم ، قال معناه البراء بن عازب وابن عباس والضحاك .

وقال الحسن : معنى الآية : ولستم بآخذيه ولو وجدتموه في السوق يباع إلا أن يهضم لكم من ثمنه .

وروي نحوه عن علي رضي الله عنه .

قال ابن عطية : وهذان القولان يشبهان كون الآية في الزكاة الواجبة .

قال ابن العربي : لو كانت في الفرض لما قال ولستم بآخذيه لأن الرديء والمعيب لا يجوز أخذه في الفرض بحال ، لا مع تقدير الإغماض ولا مع عدمه ، وإنما يؤخذ مع عدم إغماض في النفل .

وقال البراء بن عازب أيضا معناه : ولستم بآخذيه لو أهدي لكم إلا أن تغمضوا فيه أي تستحي من المهدي فتقبل منه ما لا حاجة لك به ولا قدر له في نفسه .

قال ابن عطية : وهذا يشبه كون الآية في التطوع .

وقال ابن زيد : ولستم بآخذي الحرام إلا أن تغمضوا في مكروهه .العاشرة : قوله تعالى : إلا أن تغمضوا كذا قراءة الجمهور ، من أغمض الرجل في أمر كذا إذا تساهل فيه ورضي ببعض حقه وتجاوز ، ومن ذلك قول الطرماح :لم يفتنا بالوتر قوم وللذ ل أناس يرضون بالإغماضوقد يحتمل أن يكون منتزعا إما من تغميض العين ؛ لأن الذي يريد الصبر على مكروه يغمض عينيه - قال :إلى كم وكم أشياء منك تريبني أغمض عنها لست عنها بذي عمىوهذا كالإغضاء عند المكروه .

وقد ذكر النقاش هذا المعنى في هذه الآية - وأشار إليه مكي - وإما من قول العرب : أغمض الرجل إذا أتى غامضا من الأمر ، كما تقول : أعمن أي أتى عمان ، وأعرق أي أتى العراق ، وأنجد وأغور أي أتى نجدا والغور الذي هو تهامة ، أي فهو يطلب التأويل على أخذه .

وقرأ الزهري بفتح التاء وكسر الميم مخففا ، وعنه أيضا .

" تغمضوا " بضم التاء وفتح الغين وكسر الميم وشدها .

فالأولى على معنى تهضموا سومها من البائع منكم فيحطكم .

والثانية ، وهى قراءة قتادة فيما ذكر النحاس ، أي تأخذوا بنقصان .

وقال أبو عمرو الداني : معنى قراءتي الزهري حتى تأخذوا بنقصان .

وحكى مكي عن الحسن " إلا أن تغمضوا " [ ص: 298 ] مشددة الميم مفتوحة .

وقرأ قتادة أيضا " تغمضوا " بضم التاء وسكون الغين وفتح الميم مخففا .

قال أبو عمرو الداني : معناه إلا أن يغمض لكم ، وحكاه النحاس عن قتادة نفسه .

وقال ابن جني : معناها توجدوا قد غمضتم في الأمر بتأولكم أو بتساهلكم وجريتم على غير السابق إلى النفوس .

وهذا كما تقول : أحمدت الرجل وجدته محمودا ، إلى غير ذلك من الأمثلة .

قال ابن عطية : وقراءة الجمهور تخرج على التجاوز وعلى تغميض العين ؛ لأن أغمض بمنزلة غمض .

وعلى أنها بمعنى حتى تأتوا غامضا من التأويل والنظر في أخذ ذلك ، إما لكونه حراما على قول ابن زيد ، وإما لكونه مهدى أو مأخوذا في دين على قول غيره .

وقال المهدوي : ومن قرأ تغمضوا فالمعنى تغمضون أعين بصائركم عن أخذه .

قال الجوهري : وغمضت عن فلان إذا تساهلت عليه في بيع أو شراء وأغمضت ، وقال تعالى : ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه .

يقال : أغمض لي فيما بعتني ، كأنك تريد الزيادة منه لرداءته والحط من ثمنه .

و ( أن ) في موضع نصب ، والتقدير إلا بأن .الحادية عشرة : قوله تعالى : واعلموا أن الله غني حميد نبه سبحانه وتعالى على صفة الغني ، أي لا حاجة به إلى صدقاتكم ، فمن تقرب وطلب مثوبة فليفعل ذلك بما له قدر وبال ، فإنما يقدم لنفسه .

و ( حميد ) معناه محمود في كل حال .

وقد أتينا على معاني هذين الاسمين في " الكتاب الأسنى " والحمد لله .

قال الزجاج في قوله : واعلموا أن الله غني حميد : أي لم يأمركم أن تصدقوا من عوز ولكنه بلا أخباركم فهو حميد على ذلك على جميع نعمه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يأمر تعالى عباده المؤمنين بالنفقة من طيبات ما يسر لهم من المكاسب، ومما أخرج لهم من الأرض فكما منَّ عليكم بتسهيل تحصيله فأنفقوا منه شكرا لله وأداء لبعض حقوق إخوانكم عليكم، وتطهيرا لأموالكم، واقصدوا في تلك النفقة الطيب الذي تحبونه لأنفسكم، ولا تيمموا الرديء الذي لا ترغبونه ولا تأخذونه إلا على وجه الإغماض والمسامحة { واعلموا أن الله غني حميد } فهو غني عنكم ونفع صدقاتكم وأعمالكم عائد إليكم، ومع هذا فهو حميد على ما يأمركم به من الأوامر الحميدة والخصال السديدة، فعليكم أن تمتثلوا أوامره لأنها قوت القلوب وحياة النفوس ونعيم الأرواح

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ) خيار قال ابن مسعود رضي الله عنه ومجاهد : من حلالات ( ما كسبتم ) بالتجارة والصناعة وفيه دلالة على إباحة الكسب وأنه ينقسم إلى طيب وخبيث .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان ، أخبرنا أبو جعفر الرياني ، أخبرنا حميد بن زنجويه ، أخبرنا يعلى بن عبيد ، أخبرنا الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه " .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أبو منصور السمعاني ، أخبرنا أبو جعفر الرياني ، أخبرنا حميد بن زنجويه ، أخبرنا عبد الله بن صالح ، أخبرنا أبو معاوية بن صالح عن بحير بن سعد عن خالد بن معدان عن المقدام بن معد يكرب أنه حدثه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده وكان داود لا يأكل إلا من عمل يديه " .

أخبرنا أبو القاسم يحيى بن علي بن محمد الكشميهني ، أخبرنا نجاح بن يزيد المحاربي بالكوفة أخبرنا أبو جعفر محمد بن علي بن دحيم الشيباني ، أخبرنا أحمد بن حازم ، أخبرنا يحيى بن عبيد ، أخبرنا أبان بن إسحاق عن الصباح بن محمد بن مرة الهمداني عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يكتسب عبد مالا حراما فيتصدق منه فيقبل الله منه ولا ينفق منه فيبارك له فيه ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ ولكن يمحو السيئ بالحسن إن الخبيث لا يمحو الخبيث " .

والزكاة واجبة في مال التجارة عند أكثر أهل العلم فبعد الحول يقوم العروض فيخرج من قيمتها ربع العشر إذا كان قيمتها عشرين دينارا أو مائتي درهم قال سمرة بن جندب : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعده للبيع " .

وعن أبي عمرو بن حماس أن أباه قال : مررت بعمر بن الخطاب رضي الله عنه وعلى عنقي أدمة أحملها فقال عمر : ألا تؤدي زكاتك يا حماس؟

فقلت : ما لي غير هذا وأهب في القرظ ، فقال ذاك مال فضع فوضعتها فحسبها فأخذ منها الزكاة .

قوله تعالى : ( ومما أخرجنا لكم من الأرض ) قيل هذا بإخراج العشور من الثمار والحبوب واتفق أهل العلم على إيجاب العشر في النخيل والكروم وفيما يقتات من الحبوب إن كان مسقيا بماء السماء أو من نهر يجري الماء إليه من غير مؤنة وإن كان مسقيا بساقية أو بنضح ففيه نصف العشر .

أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا سعيد بن أبي مريم ، أخبرنا عبد الله بن وهب ، أخبرني يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم " فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا العشر وفيما سقي بالنضح نصف العشر " .

أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب ، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، أخبرنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع أخبرنا الشافعي أخبرنا عبد الله بن نافع عن محمد بن صالح التمار عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن عتاب بن أسيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في زكاة الكرم يخرص كما يخرص النخل ثم تؤدى زكاته زبيبا كما تؤدى زكاة النخل تمرا " .

واختلف أهل العلم فيما سوى النخل والكروم وفيما سوى ما يقتات به من الحبوب ، فذهب قوم إلى أنه لا عشر في شيء منها وهو قول ابن أبي ليلى والشافعي رضي الله عنه .

وقال الزهري والأوزاعي ومالك رضي الله عنهم : يجب في الزيتون وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : يجب العشر في جميع البقول والخضروات كالثمار إلا الحشيش والحطب وكل ثمرة أوجبنا فيها الزكاة فإنما يجب ببدو الصلاح ووقت الإخراج بعد الاجتناء والجفاف وكل حب أوجبنا فيه العشر فوقت وجوبه اشتداد الحب ووقت الإخراج بعد الدياسة والتنقية ولا يجب العشر في شيء منها حتى تبلغ خمسة أوسق عند أكثر أهل العلم وعند أبي حنيفة رحمه الله يجب في كل قليل وكثير منها واحتج من شرط النصاب بما أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أخبرنا زاهر بن أحمد ، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي ، أخبرنا أبو مصعب ، عن مالك عن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة المازني عن أبيه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة وليس فيما دون خمسة أواق من الورق صدقة وليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة " .

وروى يحيى بن عبادة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ليس في حب ولا تمر صدقة حتى تبلغ خمسة أوسق " ، وقال قوم الآية في صدقات التطوع .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أبو منصور السمعاني أخبرنا أبو جعفر الرياني ، أخبرنا حميد بن زنجويه ، أخبرنا يحيى بن يحيى أخبرنا أبو عوانة عن قتادة ، عن أنس بن مالك رضي الله عنهم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما من مؤمن يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه إنسان أو طير أو بهيمة إلا كان له به صدقة " .

قوله تعالى : ( ولا تيمموا ) قرأ ابن كثير برواية البزي بتشديد التاء في الوصل فيها وفي أخواتها وهي واحد وثلاثون موضعا في القرآن لأنه في الأصل تاءان أسقطت إحداهما فرد هو الساقطة وأدغم وقرأ الآخرون بالتخفيف ومعناه لا تقصدوا ( الخبيث منه تنفقون ) روي عن عدي بن ثابت عن البراء بن عازب قال : كانت الأنصار تخرج إذا كان جذاذ النخل أقناء من التمر والبسر فيعلقونه على حبل بين الأسطوانتين في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأكل منه فقراء المهاجرين فكان الرجل منهم يعمد فيدخل قنو الحشف وهو يظن أنه جائز عنه في كثرة ما يوضع من الأقناء فنزل فيمن فعل ذلك ( ولا تيمموا الخبيث ) أي الحشف والرديء وقال الحسن ومجاهد والضحاك : كانوا يتصدقون بشرار ثمارهم ورذالة أموالهم ويعزلون الجيد ناحية لأنفسهم فأنزل الله تعالى ( ولا تيمموا الخبيث ) الرديء ( منه تنفقون ولستم بآخذيه ) يعني الخبيث ( إلا أن تغمضوا فيه ) الإغماض غض البصر وأراد هاهنا التجوز والمساهلة معناه لو كان لأحدكم على رجل حق فجاءه بهذا لم يأخذه إلا وهو يرى أنه قد أغمض له عن حقه وتركه .

وقال الحسن وقتادة : لو وجدتموه يباع في السوق ما أخذتموه بسعر الجيد .

وروي عن البراء قال : لو أهدي ذلك لكم ما أخذتموه إلا على استحياء من صاحبه وغيظ فكيف ترضون ما لا ترضون لأنفسكم؟

هذا إذا كان المال كله جيدا فليس له إعطاء الرديء لأن أهل السهمان شركاؤه فيما عنده فإن كان كل ماله رديئا فلا بأس بإعطاء الرديء ( واعلموا أن الله غني ) عن صدقاتكم ( حميد ) محمود في أفعاله .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يا أيها الذين آمنوا أنفقوا» أي زكوا «من طيبات» جياد «ما كسبتم» من المال «ومـ» ـن طيبات «ما أخرجنا لكم من الأرض» من الحبوب والثمار «ولا تيمموا» تقصدوا «الخبيث» الرديء «منه» أي من المذكور «تنفقونـ» ـه في الزكاة حال من ضمير تيمموا «ولستم بآخذيه» أي الخبيث لو أعطيتموه في حقوقكم «إلا أن تغمضوا فيه» بالتساهل وغض البصر فكيف تؤدون منه حق الله «واعلموا أن الله غني» عن نفقاتكم «حميد» محمود على كل حال.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا من آمنتم بي واتبعتم رسلي أنفقوا من الحلال الطيب الذي كسبتموه ومما أخرجنا لكم من الأرض، ولا تقصدوا الرديء منه لتعطوه الفقراء، ولو أُعطِيتموه لم تأخذوه إلا إذا تغاضيتم عما فيه من رداءة ونقص.

فكيف ترضون لله ما لا ترضونه لأنفسكم؟

واعلموا أن الله الذي رزقكم غني عن صدقاتكم، مستحق للثناء، محمود في كل حال.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم وجه القرآن بعد ذلك نداء إلى المؤمنين أمرهم فيه بأن يتحروا في نفقتهم الحلال الطيب ، بعد أن حضهم على الإِنفاق بسخاء وإخلاص .فقال - تعالى - :( ياأيها الذين آمنوا أَنْفِقُواْ .

.

.

)قال ابن كثير : عن البراء بن عازب - رضي الله عنه - في قول الله تعالى : ( ياأيها الذين آمنوا أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ ) .

.

الآية قال : نزلت في الأنصار كانت الأنصار إذا كانت أيام جذاذ النخل أخرجت من نخيلها البسر فعلقوه على حبل بين الاسطوانتين في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأكل فقراء المهاجرين منه ، فيعمد الرجل منهم إلى الحشف - أي التمر الردئ - فيدخله مع أفناء البسر يظن أن ذلك جائز فأنزل الله فيمن فعل ذلك الآية .والمعنى : يأيها الذين آمنوا اجعلوا نفقتكم التي تنفقونها في سبيل الله من أطيب أموالكم التي اكتسبتموها عن طريق التجارة وغيرها .قال ابن عباس : أمرهم الله - تعالى - بالإِنفاق من أطيب المال وأجوده وأنفسه ، ونهاهم عن التصدق برذالة المال ودنيئة وخبيثه ، فإن الله طيب لا يقبل إلا طيباً " قال - تعالى - : ( لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ) وقوله : ( وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأرض ) معطوف على ما قبله أي أنفقوا من طيبات أموالكم التي اكتسبتموها ومن طيبات ما أخرجنا لكم من الأرض من الحبوب والثمار والزروع وغيرها .

وترك - سبحانه - ذكر كلمة الطيبات في هذه الجملة لسبق ذكرها في الجملة التي قبلها .فالآية الكريمة تأمر المؤمنين بأن يلتزموا في نفقتهم المال الطيب في كل وجه من وجوهه ، بأن يكون جيداً نفيساً في صنفه ، وحلالا مشروعاً في أصله .وقد أكد الله - تعالى - هذا الأمر بجملتين كريمتين فقال : ( وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ ) .قوله - تعالى - : ( وَلاَ تَيَمَّمُواْ ) أي ولا تقصدوا وتتعمدوا .

يقال : تيممت الشيء ويممته إذا قصدته .

ويقال : يممت جهة كذا إذا قصدته .

ومنه الإِمام لأنه المقصود المعتمد وأصل تيمموا فحذفت إحداهما تخفيفا .والخبيث هو الردئ من كل شيء وخبث الفضة والحديد ما نفاه الكير لأنه ينفى الردئ .ويطلق الخبيث على الشيء الحرام والمستقذر .والإِغماض في اللغة - كما يقول الرازي - غض النظر وإطباق جفن على جفن ، وأصله من الغموض وهو الخفاء ، والمراد بالإِغماض ها هنا المساهلة وذلك لأن الإِنسان إذا رأى ما يكره أغمض عنه لئلا يرى ذلك .

ثم كثر ذلك حتى جعل كل تجاوز ومساهلة في البيع وغيره إغماضاً .والمعنى : أنفقوا أيها المؤمنون من أطيب أموالكم وأنفسها وأجودها ، ولا تتحروا وتقصدوا أن يكون أنفاقكم من الخبيث الرديء ، والحال أنكم لا تأخذونه إن أعطى لكم هبة أو شراء أو غير ذلك إلا أن تتساهلوا في قبوله ، وتغضوا الطرف عن رداءته ، إذا كان هذا شأنكم في قبول ما هو رديء فكيف تقدمونها لغيركم؟

إن الله - ينهاكم عن ذلك لأن من شأن المؤمن الصادق في إيمانه ألا يفعل لغيره إلا ما يجب أن يفعله لنفسه ، ولا يعطي من شيء إلا ما بجب أن يعطي إليه ، ففي الحديث الشريف :" عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به " .قال الآلوسي : وقوله : ( مِنْهُ تُنْفِقُونَ ) الضمير المجرور يعود للخبيث ، وهو متعلق يتنفقون ، والتقديم للتخصيص ، والجملة حال مقدرة من فاعل ( تَيَمَّمُواْ ) أي لا تقصدوا الخبيث قاصرين الإنفاق عليه ، أو من الخبيث أي مختصاً به الإِنفاق ، وأيا ما كان لا يرد أنه يقتضي أن يكون النهي عن الخبيث الصرف فقط مع أن المخلوط أيضاً كذلك لأن التخصيص لتوبيخهم بما كانوا يتعاطون من إنفاق الخبيث خاصة .وقوله : ( وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ ) حال في ضمير ( تُنْفِقُونَ ) أي : والحال أنكم لستم بآخذيه في وقت من الأوقات أو بوجه من الوجوه إلا وقت إغماضكم فيه .ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ( واعلموا أَنَّ الله غَنِيٌّ حَمِيدٌ ) أي واعلموا أن الله - تعالى - غني عن صدقاتكم وإنما أمركم بها لمنفعتكم ، ( حَمِيدٌ ) يجازي المحسن أفضل الجزاء ، وهو - سبحانه - المستحق للحمد الحقيقي دون سواه ، فمن الواجب عليكم أن تبذلوا في سبيله الجيد من أموالكم شكراص له على نعمه حتى يزيدكم من عطائه وآلائه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه رغب في الإنفاق، ثم بيّن أن الإنفاق على قسمين: منه ما يتبعه المن والأذى، ومنه ما لا يتبعه ذلك.

ثم إنه تعالى شرح ما يتعلق بكل واحد من هذين القسمين، وضرب لكل واحد منهما مثلا يكشف عن المعنى ويوضح المقصود منه على أبلغ الوجوه.

ثم إنه تعالى ذكر في هذه الآية أن المال الذي أمر بإنفاقه في سبيل الله كيف ينبغي أن يكون فقال: ﴿ أَنفِقُواْ مِن طيبات مَا كَسَبْتُمْ ﴾ واختلفوا في أن قوله: ﴿ أَنفَقُواْ ﴾ المراد منه ماذا فقال الحسن: المراد منه الزكاة المفروضة وقال قوم: المراد منه التطوع وقال ثالث: إنه يتناول الفرض والنفل، حجة من قال المراد منه الزكاة المفروضة أن قوله: ﴿ أَنفَقُواْ ﴾ أمر وظاهر الأمر للوجوب والإنفاق الواجب ليس إلا الزكاة وسائر النفقات الواجبة، حجة من قال المراد صدقة التطوع ما روي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه والحسن ومجاهد: أنهم كانوا يتصدقون بشرار ثمارهم ورديء أموالهم فأنزل الله هذه الآية، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: جاء رجل ذات يوم بعِذْق حَشَف فوضعه في الصدقة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بئس ما صنع صاحب هذا» فأنزل الله تعالى هذه الآية، حجة من قال الفرض والنفل داخلان في هذه الآية أن المفهوم من الأمر ترجيح جانب الفعل على جانب الترك من غير أن يكون فيه بيان أنه يجوز الترك أو لا يجوز، وهذا المفهوم قدر مشترك بين الفرض والنفل، فوجب أن يكونا داخلين تحت الأمر.

إذا عرفت هذا فنقول: أما على القول الأول وهو أنه للوجوب فيتفرع عليه مسائل: المسألة الأولى: ظاهر الآية يدل على وجوب الزكاة في كل مال يكتسبه الإنسان، فيدخل فيه زكاة التجارة، وزكاة الذهب والفضة، وزكاة النَّعم، لأن ذلك مما يوصف بأنه مكتسب، ويدل على وجوب الزكاة في كل ما تنبته الأرض، على ما هو قول أبي حنيفة رحمه الله، واستدلاله بهذه الآية ظاهر جداً، إلا أن مخالفيه خصصوا هذا العموم بقوله صلى الله عليه وسلم: «ليس في الخضراوات صدقة» وأيضاً مذهب أبي حنيفة أن إخراج الزكاة من كل ما أنبتته الأرض واجب قليلاً كان أو كثيراً وظاهر الآية يدل على قوله إلا أن مخالفيه خصصوا هذا العموم بقوله صلى الله عليه وسلم: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة».

المسألة الثانية: اختلفوا في المراد بالطيب في هذه الآية على قولين: القول الأول: أنه الجيد من المال دون الرديء، فأطلق لفظ الطيب على الجيد على سبيل الاستعارة، وعلى هذا التفسير فالمراد من الخبيث المذكور في هذه الآية الرديء.

والقول الثاني: وهو قول ابن مسعود ومجاهد: أن الطيب هو الحلال، والخبيث هو الحرام حجة الأول وجوه: الحجة الأولى: إنا ذكرنا في سبب النزول أنهم يتصدقون برديء أموالهم فنزلت الآية وذلك يدل على أن المراد من الطيب الجيد.

الحجة الثانية: أن المحرم لا يجوز أخذه لا بإغماض ولا بغير إغماض، والآية تدل على أن الخبيث يجوز أخذه بالإغماض قال القفال رحمه الله: ويمكن أن يجاب عنه بأن المراد من الإغماض المسامحة وترك الاستقصاء، فيكون المعنى: ولستم بآخذيه وأنتم تعلمون أنه محرم إلا أن ترخصوا لأنفسكم أخذ الحرام، ولا تبالوا من أي وجه أخذتم المال، أمن حلاله أو من حرامه.

الحجة الثالثة: أن هذا القول متأيد بقوله تعالى: ﴿ لَن تَنَالُواْ البر حتى تنفقوا مِمَّا تُحِبُّونَ  ﴾ وذلك يدل على أن المراد بالطيبات الأشياء النفيسة التي يستطاب ملكها، لا الأشياء الخسيسة التي يجب على كل أحد دفعها عن نفسه وإخراجها عن بيته، واحتج القاضي للقول الثاني فقال: أجمعنا على أن المراد من الطيب في هذه الآية إما الجيد وإما الحلال، فإذا بطل الأول تعين الثاني، وإنما قلنا إنه بطل الأول لأن المراد لو كان هو الجيد لكان ذلك أمراً بإنفاق مطلق الجيد سواء كان حراماً أو حلالاً وذلك غير جائز والتزام التخصيص خلاف الأصل، فثبت أن المراد ليس هو الجيد بل الحلال، ويمكن أن يذكر فيه قول ثالث وهو أن المراد من الطيب هاهنا ما يكون طيباً من كل الوجوه فيكون طيباً بمعنى الحلال، ويكون طيباً بمعنى الجودة، وليس لقائل أن يقول حمل اللفظ المشترك على مفهوميه لا يجوز لأنا نقول الحلال إنما سمي طيباً لأنه يستطيبه العقل والدين، والجيد إنما يسمى طيباً لأنه يستطيبه الميل والشهوة، فمعنى الاستطابة مفهوم واحد مشترك بين القسمين، فكان اللفظ محمولاً عليه إذا أثبت أن المراد منه الجيد الحلال فنقول: الأموال الزكاتية إما أن تكون كلها شريفة أو كلها خسيسة أو تكون متوسطة أو تكون مختلطة، فإن كان الكل شريفاً كان المأخوذ بحساب الزكاة كذلك، وإن كان الكل خسيساً كان الزكاة أيضاً من ذلك الخسيس ولا يكون خلافاً للآية لأن المأخوذ في هذه الحالة لا يكون خسيساً من ذلك المال بل إن كان في المال جيد ورديء، فحينئذ يقال للإنسان لا تجعل الزكاة من رديء مالك وأما إن كان المال مختلطاً فالواجب هو الوسط قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم وإياك وكرائم أموالهم هذا كله إذا قلنا المراد من قوله: ﴿ أَنفِقُواْ مِن طيبات مَا كَسَبْتُمْ ﴾ الزكاة الواجبة، أما على القول الثاني وهو أن يكون المراد منه صدقة التطوع، أو قلنا المراد منه الإنفاق الواجب والتطوع، فنقول: إن الله تعالى ندبهم إلى أن يتقربوا إليه بأفضل ما يملكونه، كمن تقرب إلى السلطان الكبير بتحفة وهدية، فإنه لابد وأن تكون تلك التحفة أفضل ما في ملكه وأشرفها، فكذا هاهنا، بقي في الآية سؤال واحد، وهو أن يقال ما الفائدة في كلمة ﴿ مِنْ ﴾ في قوله: ﴿ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مّنَ الأرض ﴾ .

وجوابه: تقدير الآية: أنفقوا من طيبات ما كسبتم، وأنفقوا من طيبات ما أخرجنا لكم من الأرض، إلا أن ذكر الطيبات لما حصل مرة واحدة حذف في المرة الثانية لدلالة المرة الأولى عليه.

أما قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: يقال: أممته، ويممته، وتأممته، كله بمعنى قصدته قال الأعشى: تيممت قيساً وكم دونه *** من الأرض من مهمه ذي شرف المسألة الثانية: قرأ ابن كثير وحده ﴿ وَلاَ تَيَمَّمُواْ ﴾ بتشديد التاء لأنه كان في الأصل تاءان تاء المخاطبة، وتاء الفعل فأدغم إحداهما في الأخرى، والباقون بفتح التاء مخففة وعلى هذا الخلاف في أخواتها، وهي ثلاثة وعشرون موضعاً: لا تفرقوا، توفاهم، تعاونوا، فتفرق بكم، تلقف، تولوا، تنازعوا، تربصون، فإن تولوا، لا تكلم، تلقونه، تبرجن، تبدل، تناصرون، تجسسوا، تنابزوا، لتعارفوا، تميز، تخيرون، تلهى، تلظى، تنزل الملائكة، وهاهنا بحثان: البحث الأول: قال أبو علي: هذا الإدغام غير جائز، لأن المدغم يسكن وإذا سكن لزم أن تجلب همزة الوصل عند الابتداء به، كما جلبت في أمثلة الماضي نحو: أدارأتم، وارتبتم وأطيرنا، لكن أجمعوا على أن همزة الوصل لا تدخل على المضارع.

البحث الثاني: اختلفوا في التاء المحذوفة على قراءة العامة، فقال بعضهم: هي التاء الأولى وسيبويه لا يسقط إلا الثانية، والفرّاء يقول: أيهما أسقطت جاز لنيابة الباقية عنها.

أما قوله تعالى: ﴿ مِنْهُ تُنفِقُونَ ﴾ .

فاعلم أن في كيفية نظم الآية وجهين: الأول: أنه تم الكلام عند قوله: ﴿ وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث ﴾ ثم ابتدأ، فقال: ﴿ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِأَخِذِيهِ إِلا أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ ﴾ فقوله: ﴿ مِنْهُ تُنفِقُونَ ﴾ استفهام على سبيل الإنكار، والمعنى: أمنه تنفقون مع أنكم لستم بآخذيه إلا مع الاغماض والثاني: أن الكلام إنما يتم عند قوله: ﴿ إِلا أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ ﴾ ويكون الذي مضمراً، والتقدير: ولا تيمموا الخبيث منه الذي تنفقونه ولستم بآخذيه إلا بالإغماض فيه، ونظيره إضمار التي في قوله تعالى: ﴿ فَقَدِ استمسك بالعروة الوثقى لاَ انفصام لَهَا  ﴾ والمعنى الوثقى التي لا انفصام لها.

أما قوله تعالى: ﴿ وَلَسْتُم بِأَخِذِيهِ إِلا أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: الاغماض في اللغة غض البصر، وإطباق جفن على جفن وأصله من الغموض، وهو الخفاء يقال: هذا الكلام غامض أي خفي الإدراك والغمض المتطامن الخفي من الأرض.

المسألة الثانية: في معنى الإغماض في هذه الآية وجوه: الأول: أن المراد بالإغماض هاهنا المساهلة، وذلك لأن الإنسان إذا رأى ما يكره أغمض عينيه لئلا يرى ذلك ثم كثر ذلك حتى جعل كل تجاوز ومساهلة في البيع وغيره إغماضاً، فقوله: ﴿ وَلَسْتُم بِأَخِذِيهِ إِلا أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ ﴾ يقول لو أهدى إليكم مثل هذه الأشياء لما أخذتموها إلا على استحياء وإغماض، فكيف ترضون لي ما لا ترضونه لأنفسكم والثاني: أن يحمل الإغماض على المتعدى كما تقول: أغمضت بصر الميت وغمضته والمعنى ولستم بآخذيه إلا إذا أغمضتم بصر البائع يعني أمرتموه بالإغماض والحط من الثمن.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ واعلموا أَنَّ الله غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ والمعنى أنه غني عن صدقاتكم، ومعنى حميد، أي محمود على ما أنعم بالبيان وفيه وجه آخر، وهو أن قوله: ﴿ غَنِىٌّ ﴾ كالتهديد على إعطاء الأشياء الرديئة في الصدقات و ﴿ حَمِيدٌ ﴾ بمعنى حامد أي أنا أحمدكم على ما تفعلونه من الخيرات وهو كقوله: ﴿ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ مِن طيبات مَا كَسَبْتُمْ ﴾ من جياد مكسوباتكم ﴿ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم ﴾ من الحب والثمر والمعادن وغيرها.

فإن قلت: فهلا قيل: وما أخرجنا لكم، عطفاً على ﴿ مَّا كَسَبْتُم ﴾ حتى يشتمل الطيب على المكسوب والمخرج من الأرض؟

قلت معناه: ومن طيبات ما أخرجنا لكم إلا أنه حذف لذكر الطيبات ﴿ وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث ﴾ ولا تقصدوا المال الرديء ﴿ مِنْهُ تُنفِقُونَ ﴾ تخصونه بالإنفاق، وهو في محل الحال.

وقرأ عبد الله: ﴿ ولا تأمموا ﴾ ، وقرأ ابن عباس: ﴿ ولا تيمموا ﴾ ، بضم التاء.

ويممه وتيممه وتأممه، سواء في معنى قصده ﴿ وَلَسْتُم بِأَخِذِيهِ ﴾ وحالكم أنكم لا تأخذونه في حقوقكم ﴿ إلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ ﴾ إلا بأن تتسامحوا في أخذه وتترخصوا فيه من قولك: أغمض فلان عن بعض حقه، إذا غضّ بصره.

ويقال للبائع: أغمض، أي لا تستقص، كأنك لا تبصر.

وقال الطِّرِمَّاح: لَمْ يَفُتْنَا بِالْوِتْرِ قَوْمٌ ** وَلِلضَّيْمِ رِجَالٌ يَرْضَوْنَ بالإِغمَاضِ وقرأ الزهريّ: ﴿ تغمضوا ﴾ .

وأغمض وغمض بمعنى.

وعنه: ﴿ تغمِضُوا ﴾ ، بضم الميم وكسرها.

من غمض يغمض ويغمض.

وقرأ قتادة: ﴿ تُغِمَضُوا ﴾ ، على البناء للمفعول، بمعنى إلا أن تدخلوا فيه وتجذبوا إليه.

وقيل: إلا أن توجدوا مغمضين.

وعن الحسن رضي الله عنه: لو وجدتموه في السوق يباع ما أخذتموه حتى يهضم لكم من ثمنه.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: كانوا يتصدّقون بحشف التمر وشراره فنهوا عنه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ ﴾ مِن حَلالِهِ أوْ جِيادِهِ.

﴿ وَمِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ ﴾ أيْ ومِن طَيِّباتِ ما أخْرَجْنا لَكم مِنَ الحُبُوبِ والثَّمَراتِ والمَعادِنِ، فَحُذِفَ المُضافُ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ.

ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ أيْ ولا تَقْصِدُوا الرَّدِيءَ مِنهُ أيْ مِنَ المالِ، أوْ مِمّا أخْرَجْنا لَكم.

وتَخْصِيصُهُ بِذَلِكَ لِأنَّ التَّفاوُتَ فِيهِ أكْثَرُ، وقُرِئَ « ولا تُؤَمَّمُوا» « ولا تُيَمِّمُوا» بِضَمِّ التّاءِ.

﴿ تُنْفِقُونَ ﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن فاعِلِ تَيَمَّمُوا، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ مِنهُ ويَكُونُ الضَّمِيرُ لِلْخَبِيثِ والجُمْلَةُ حالًا مِنهُ.

﴿ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ ﴾ أيْ وحالُكم أنَّكم لا تَأْخُذُونَهُ في حُقُوقِكم لِرَداءَتِهِ.

﴿ إلا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ ﴾ إلّا أنْ تَتَسامَحُوا فِيهِ، مَجازٌ مِن أغْمَضَ بَصَرَهُ إذا غَضَّهُ.

وقُرِئَ « ﴿ تُغْمِضُوا ﴾ » أيْ تَحْمِلُوا عَلى الإغْماضِ، أوْ تُوجِدُوا مُغْمِضِينَ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كانُوا يَتَصَدَّقُونَ بِحَشَفِ التَّمْرِ وشِرارِهِ فَنُهُوا عَنْهُ.

﴿ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ ﴾ عَنْ إنْفاقِكُمْ، وإنَّما يَأْمُرُكم بِهِ لِانْتِفاعِكم.

﴿ حَمِيدٌ ﴾ بِقَبُولِهِ وإثابَتِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يا أيها الذين آمنوا أَنفِقُواْ مِن طيبات مَا كَسَبْتُمْ} من جياد مكسوباتكم وفيه دليل وجوب الزكاة في أموال التجارة {وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مّنَ الأرض} من الحب والثمر والمعادن وغيرها والتقدير ومن طيبات ما أخرجنا لكم إلا أنه حذف لذكر الطيبات {وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث} ولا تقصدوا المال الردئ {مِنْهُ تُنفِقُونَ} تخصونه بالإنفاق وهو في محل الحال أي ولا تيمموا الخبيث منفقين أي مقدرين النفقة {وَلَسْتُم بِأَخِذِيهِ} وحالكم أنكم لا تأخذونه في حقوقكم {إِلا أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ} إلا بأن تتسامحوا في أخذه وتترخصوا فيه من قولك أعمض فلان عن بعض حقه إذا غض بصره ويقال للبائع أغمض أي لا تستقص كأنك لا تبصر وعن ابن عباس رضى الله عنهما كانوا يتصدقون بحشف التمر وشراره فنهوا عنه {واعلموا أَنَّ الله غَنِيٌّ} عن صدقاتكم {حَمِيدٌ} مستحق للحمد أو محمود

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ﴾ أيْ جِيادِ أوْ حَلالِ ﴿ ما كَسَبْتُمْ ﴾ أيِ الَّذِي كَسَبْتُمُوهُ أوْ كَسْبِكم أيْ مَكْسُوبِكم مِنَ النَّقْدِ وعُرُوضِ التِّجارَةِ والمَواشِي.

وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ في ﴿ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ ﴾ : مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ ﴾ يَعْنِي مِنَ الحَبِّ والتَّمْرِ وكُلِّ شَيْءٍ عَلَيْهِ زَكاةٌ، والجُمْلَةُ لِبَيانِ حالِ ما يُنْفَقُ مِنهُ إثْرَ بَيانِ أصْلِ الإنْفاقِ وكَيْفِيَّتِهِ وأعادَ (مِن) في المَعْطُوفِ لِأنَّ كُلًّا مِنَ المُتَعاطِفَيْنِ نَوْعٌ مُسْتَقِلٌّ، أوْ لِلتَّأْكِيدِ ولَعَلَّهُ أوْلى، وتَرْكُ ذِكْرِ الطَّيِّباتِ لِعِلْمِهِ مِمّا قَبْلَهُ، وقِيلَ: لِعِلْمِهِ مِمّا بَعْدُ، وبَعْضٌ جَعَلَ (ما) عِبارَةً عَنْ ذَلِكَ.

﴿ ولا تَيَمَّمُوا ﴾ أيْ تَقْصِدُوا وأصْلُهُ تَتَيَمَّمُوا بِتاءَيْنِ فَحُذِفَتْ إحْداهُما تَخْفِيفًا إمّا الأُولى وإمّا الثّانِيَةُ عَلى الخِلافِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (ولا تَأمَّمُوا)، وابْنُ عَبّاسٍ (تُيَمَّمُوا) بِضَمِّ التّاءِ، والكُلُّ بِمَعْنى، ﴿ الخَبِيثَ ﴾ أيِ الرَّدِيءَ وهو كالطَّيِّبِ مِنَ الصِّفاتِ الغالِبَةِ الَّتِي لا تُذْكَرُ مَوْصُوفاتُها ﴿ مِنهُ تُنْفِقُونَ ﴾ الضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِلْخَبِيثِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِ (تُنْفِقُونَ) والتَّقْدِيمُ لِلتَّخْصِيصِ، والجُمْلَةُ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن فاعِلِ ﴿ تَيَمَّمُوا ﴾ أيْ لا تَقْصِدُوا الخَبِيثَ قاصِرِينَ الإنْفاقَ عَلَيْهِ، أوْ مِنَ الخَبِيثِ أيْ مُخْتَصًّا بِهِ الإنْفاقُ، وأيًّا ما كانَ لا يَرِدْ أنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنِ الخَبِيثِ الصَّرْفَ فَقَطْ مَعَ أنَّ المَخْلُوطَ أيْضًا كَذَلِكَ لِأنَّ التَّخْصِيصَ لِتَوْبِيخِهِمْ بِما كانُوا يَتَعاطَوْنَ مِن إنْفاقِ الخَبِيثِ خاصَّةً.

فَعَنْ عُبَيْدَةَ السَّلْمانِيِّ قالَ: سَألْتُ عَلِيًّا كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: نَزَلَتْ في الزَّكاةِ المَفْرُوضَةِ، كانَ الرَّجُلُ يَعْمِدُ إلى التَّمْرِ فَيَصْرِمُهُ فَيَعْزِلُ الجَيِّدَ ناحِيَةً فَإذا جاءَ صاحِبُ الصَّدَقَةِ أعْطاهُ مِنَ الرَّدِيءِ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ ﴾ وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ (اَلْخَبِيثِ)، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى المالِ الَّذِي في ضِمْنِ القِسْمَيْنِ، أوْ لِما أخْرَجْنا، وتَخْصِيصُهُ بِذَلِكَ لِأنَّ الرَّداءَةَ فِيهِ أكْثَرُ وكَذا الحُرْمَةُ لِتَفاوُتِ أصْنافِهِ ومَجالِبِهِ، و ﴿ تُنْفِقُونَ ﴾ حالٌ مِنَ الفاعِلِ المَذْكُورِ أيْ ولا تَقْصِدُوا الخَبِيثَ كائِنًا مِنَ المالِ أوْ مِمّا أخْرَجْنا لَكم مُنْفِقِينَ إيّاهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ ﴾ حالٌ عَلى كُلِّ حالٍ مِن ضَمِيرِ ﴿ تُنْفِقُونَ ﴾ أيْ والحالُ أنَّكم لَسْتُمْ بِآخِذِيهِ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ أوْ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿ إلا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ ﴾ إلّا وقْتَ إغْماضِكم أوْ إلّا بِإغْماضِكم فِيهِ والإغْماضُ كالغَمْضِ إطْباقُ الجَفْنِ لِما يَعْرِضُ مِنَ النَّوْمِ، وقَدِ اُسْتُعِيرَ هُنا كَما قالَ الرّاغِبُ لِلتَّغافُلِ والتَّساهُلِ، وقِيلَ: إنَّهُ كِنايَةٌ عَنْ ذَلِكَ ولا يَخْلُو عَنْ تَساهُلٍ وتَغافُلٍ، وذَكَرَ أبُو البَقاءِ أنَّهُ يُسْتَعْمَلُ مُتَعَدِّيًا وهو الأكْثَرُ ولازِمًا مِثْلَ أغْضى عَنْ كَذا، والآيَةُ مُحْتَمِلَةٌ لِلْأمْرَيْنِ، وعَلى الأوَّلِ: يَكُونُ المَفْعُولُ مَحْذُوفًا أيْ أبْصارَكُمْ، والجُمْهُورُ عَلى ضَمِّ التّاءِ وإسْكانِ العَيْنِ وكَسْرِ المِيمِ.

وقَرَأ الزُّهْرِيُّ (تُغَمِّضُوا) بِتَشْدِيدِ المِيمِ، وعَنْهُ أيْضًا (تَغْمُضُوا) بِضَمِّ المِيمِ وكَسْرِها مَعَ فَتْحِ التّاءِ، وقَرَأ قَتادَةُ (تُغْمَضُوا) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ أيْ تُحْمَلُوا عَلى الإغْماضِ أيْ تُوجَدُوا مُغْمِضِينَ وكِلا المَعْنَيَيْنِ مِمّا أثْبَتَهُ الحُفّاظُ ومَن حَفِظَ حُجَّةٌ عَلى مَن لَمْ يَحْفَظْ، والمُنْسَبِكُ مِن أنْ والفِعْلِ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ في مَوْضِعِ الجَرِّ كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ، وسِيبَوَيْهِ لا يُجَوِّزُ أنْ تَقَعَ أنْ وما في حَيِّزِها حالًا، وزَعَمَ الفَرّاءُ أنَّ (أنْ) هُنا شَرْطِيَّةٌ لِأنَّ مَعْناهُ إنْ أغْمَضْتُمْ أخَذْتُمْ، ويَنْبَغِي أنْ يُغْمِضَ طَرَفٌ القَبُولَ عَنْهُ، ومِنَ البَعِيدِ في الآيَةِ ما قِيلَ: إنَّ الكَلامَ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ ﴾ ثُمَّ اُسْتُؤْنِفَ فَقِيلَ عَلى طَرِيقَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ: ﴿ مِنهُ تُنْفِقُونَ ﴾ والحالُ أنَّكم لا تَأْخُذُونَهُ إلّا إنْ أغْمَضْتُمْ فِيهِ ومَآلُهُ الِاسْتِفْهامُ الإنْكارِيُّ فَكَأنَّهُ قِيلَ: أمِنهُ تُنْفِقُونَ الخ، وهو عَلى بُعْدِهِ خِلافُ التَّفاسِيرِ المَأْثُورَةِ عَنِ السَّلَفِ الصّالِحِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم.

﴿ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ ﴾ عَنْ نَفَقاتِكم وإنَّما أمَرَكم بِها لِانْتِفاعِكُمْ، وفي الأمْرِ بِأنْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ مَعَ ظُهُورِ عِلْمِهِمْ بِهِ تَوْبِيخٌ لَهم عَلى ما يَصْنَعُونَ مِن إعْطاءِ الخَبِيثِ وإيذانٌ بِأنَّ ذَلِكَ مِن آثارِ الجَهْلِ بِشَأْنِهِ عَنْ شَأْنِهِ ﴿ حَمِيدٌ  ﴾ أيْ مُسْتَحِقٌّ لِلْحَمْدِ عَلى نِعَمِهِ، ومِن جُمْلَةِ الحَمْدِ اللّائِقِ بِجَلالِهِ تَحَرِّي إنْفاقِ الطَّيِّبِ مِمّا أنْعَمَ بِهِ، وقِيلَ: حامِدٌ بِقَبُولِ الجَيِّدِ والإثابَةِ عَلَيْهِ.

واحْتُجَّ بِالآيَةِ عَلى وُجُوبِ زَكاةِ قَلِيلِ ما تُخْرِجُهُ الأرْضُ وكَثِيرُهُ حَتّى البَقْلُ، واسْتُدِلَّ بِها عَلى أنَّ مَن زَرَعَ في أرْضٍ اِكْتَراها فالزَّكاةُ عَلَيْهِ لا عَلى رَبِّ الأرْضِ لِأنَّ ﴿ أخْرَجْنا لَكُمْ ﴾ يَقْتَضِي كَوْنَهُ عَلى الزّارِعِ وعَلى أنَّ صاحِبَ الحَقِّ لا يُجْبَرُ عَلى أخْذِ المَعِيبِ بَلْ لَهُ الرَّدُّ وأخْذُ سَلِيمِ بَدَلِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ يقول: من حلالات مَّا كَسَبْتُمْ في الآية أمر بالصدقة من الحلال، وفيها دليل: أن من تصدق من الحرام لا يقبل، لأن الواجب عليه أن يردها إلى موضعها.

ويقال: أنفقوا من طيبات، يعني من مال اللذيذ، والشهي عندكم مما كسبتم.

يقول: مما جمعتم من الذهب والفضة قوله تعالى: وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ أي من الثمار والحبوب.

وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ أي لا تعمدوا إلى رديء المال فتصدقوا منه، وذلك أن النبيّ  لما حثّ الناس على الصدقة، فجعل الناس يأتون بالصدقة، ويجمعون في المسجد، فجاء رجل بعذق من تمر عامته حَشَفٌ فنزلت هذه الآية: وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ، يعني لا تعمدوا إلى الخشف فتتصدقوا منه وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ بل الطيب إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ يعني إلا أن يهضم أحدكم، فيأخذ دون حقه مخافة أن يذهب جميع حقه، فيأخذ ذلك للضرورة مخافة موت حقه، والله تعالى غني عن ذلك، فلا يقبل إلا الطيب، ويقال: إلا أن تغمضوا، يعني إلا أن يضطر أحدكم، فمسته الحاجة فرضي بذلك.

قوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ أي غني عما عندكم من الصدقات، حميد في أفعاله.

ويقال: حميد بمعنى محمود ويقال: حميد من أهل أن يحمد ويقال: حميد يقبل القليل، ويعطي الجزيل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقال أبو عبد اللَّه اللَّخْمِيُّ في «مختصره» لتفسير الطبريِّ: وعن قتادة: هذا مثلٌ «١» ، فاعقلوا عن اللَّه أمثالَهُ هذا رجلٌ كَبرت سنُّه، ورَقَّ عظمه، وكَثُر عياله، ثم احترقت جنَّته، أحْوجَ ما يَكُون إِليها، يقول: أيحبُّ أحدكم أنْ يضلَّ عنه عمله يَوْمَ القيامةِ أحْوَجَ ما يكُونُ إِلَيْه.

وعن الحَسَنِ نحوه.

انتهى.

وخصَّ الأعناب والنَّخيل بالذكْر، لشرفهما، وفَضْلهما على سائر الشَّجَر، والواو في قوله: وَأَصابَهُ واو الحالِ وكذلك في قوله: وَلَهُ، وضعفاءُ: جمعُ ضعيفٍ، والأعصار: الريحُ الشديدةُ العاصفةُ التي فيها إِحراق لكلِّ ما مرَّت عليه يكونُ ذلك في شدَّة الحرِّ، ويكون في شدَّة البَرْد، وكلّ ذلك من فيح جهنّم.

ولَعَلَّكُمْ: تَرَجٍّ في حقِّ البَشَر، أي: إِذا تأمَّل من بُيِّنَ له هذا البيان رُجِيَ له التفكُّر، وكان أهْلاً له، وقال ابنُ عَبَّاس: تتفكَّرونَ في زوالِ الدنْيَا، وفنَائِها، وإِقبال الآخرةِ وبقائها «٢»

قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا كَسَبْتُمْ ...

الآية: هذا خطاب لجميع أمّة نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلم/ وهذه صيغةُ أمر بالإِنفاق، واختلف المتأوِّلون، هل المراد بهذا ٦٩ ب الإِنفاق الزَّكَاةُ المفروضةُ، أو التطوُّع، والآية تعمُّ الوجهَيْن، لكنَّ صاحب الزكاة يتلَقَّاها على الوُجُوب، وصاحب التطوُّع يتلَقَّاها على الندْبِ، وجمهورُ المتأوِّلين قالوا: معنى مِنْ طَيِّباتِ: من جَيِّد ومختارِ ما كسبتُمْ، وجعلوا الخبيثَ بمعنَى الرديء، وقال ابن زَيْد:

معناه: من حلالِ ما كسبتمْ «٣» ، قال: وقوله: وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ، أي: الحرام «٤» .

ع «٥» : وقولُ ابن زيدٍ ليس بالقويِّ من جهة نَسَق الآيةِ، لا من معناه في نفسه.

وكَسَبْتُمْ: معناه: كانت لكُمْ فيه سعاية، وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ:

النباتات، والمَعَادن، والرِّكَاز، وما ضارع ذلك، وتَيَمَّمُوا: معناه: تعمدوا، وتَقْصِدوا، والتيمُّم: القصْد، وقال الجُرْجَانِيُّ: قال فريقٌ من الناس: إِن الكلام تَمَّ في قوله:

الْخَبِيثَ، ثم ابتدأ خَبَراً آخر، فقال: تُنْفِقُونَ منه وأنتم لا تأخذونه إِلا إِذا أغمضتم، أي:

ساهَلْتُم، قال ع «١» : كأنَّ هذا المعنى عتابٌ للنَّفْسِ وتقريعٌ وعلى هذا، فالضميرُ في مِنْهُ عائدٌ على الْخَبِيثَ.

قال الجُرْجَانِيُّ: وقال فريقٌ آخر: بل الكلامُ متَّصِلُ إِلى قوله: فِيهِ وعلى هذا، فالضمير في «مِنْهُ» عائدٌ على: «مَا كَسَبْتُمْ» كأنه في موضعَ نصبٍ على الحالِ، والمعنى في الآية: فَلاَ تَفْعَلُوا مع اللَّهِ ما لا ترضَوْنه لأنفُسِكم، واعلموا أنَّ اللَّه غنيٌّ عن صدقاتكم، فمَنْ تقرب وطلب مثوبةً، فلْيفعلْ ذلك بما لَهُ قَدْرٌ.

ت: وهذا يقوِّي القولَ بأنها في الزكاة المفروضة، وحَمِيدٌ: معناه محمودٌ.

وقوله تعالى: الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ ...

الآية: هذه الآيةُ وما بعدها- وإِن لم تكُنْ أمراً بالصدقة، فهي جالبةُ النفوس إلى الصدقة- بيَّن- عزَّ وجلَّ- فيها نزغاتِ الشيطانِ، ووسوستَهُ، وعداوتَهُ، وذكَّر بثوابه هو سبحانه، لا رَبَّ غيره، وذَكَّر بتفضُّله بالحكْمة، وأثنى عليها، ونبَّه أنَّ أهل العقول هم المتذكِّرون الذين يقيمُونَ بالحكْمة قدْرَ الإِنفاق في طاعةِ اللَّه، وغير ذلك، ثم ذكر سبحانه علْمَهُ بكلِّ نفقة ونَذْر، وفي ذلك وعْدٌ ووعيدٌ، ثم بيَّن الحِكَمَ في الإِعلان والإِخفاء وكذلك إِلى آخر المعنى.

والوعد في كلامِ العربِ، إِذا أطلق، فهو في الخير، وإِذا قُيِّد بالموعود، فقد يقيد بالخَيْر، وقد يقيَّد بالشر كالبِشَارة، وهذه الآية مما قُيِّدَ الوعْدُ فيها بمكْرُوه، والفَحْشَاءُ: كلُّ ما فَحُشَ، وفَحُشَ ذكْرُه، روى ابن مسعود، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ: «إِنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةً «٢» مِن ابن آدَمَ، وَلِلْمَلِكِ لَمَّةً، فَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيْطَانِ، فَإِيعَادٌ بالشَّرِّ، وَتَكْذِيبٌ بِالحَقِّ، وأَمَّا لَمَّةُ المَلَكِ، فَإِيعَادٌ بِالخَيْرِ، وَتَصْدِيقٌ بِالحَقِّ، فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ، فَلْيَعْلَمْ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ، فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ الأخرى، فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ» ثُمَّ قرأَ صلّى الله عليه وسلم: الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ ...

الآية.

قُلْتُ: هذا حديثٌ صحيحٌ خرَّجه أبو عيسَى التِّرمذيُّ، وقال

فيه: حَسَنٌ غريبٌ صحيحٌ «١» .

والمغفرةُ: هي السَّتْر على عبادِهِ في الدنيا والآخرة، والفَضْل: هو الرزق في الدنيا، والتوسعةُ فيه، والنَّعِيمُ في الآخرة، وَبِكُلٍّ قدْ وعد اللَّه جلَّ وعلاَ، وروي، أنَّ في التوراة:

«عَبْدِي، أَنْفِقْ مِنْ رِزْقِي، أَبْسُطْ عَلَيْكَ فَضْلِي، فَإِنَّ يَدِي مَبْسُوطَةٌ على كُلِّ يَدٍ مَبْسُوطَةٍ» وفي القُرآن مصداقه، وهو: وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ/ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سبأ: ٣٩] .

٧٠ أت: روى الطَّبرانيُّ سليمانُ بْنُ أحْمَدَ «٢» ، بسنده عَنْ عبد اللَّه بنِ عمرٍو، قال:

قَالَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلم: «مَنْ أَطْعَمَ أَخَاهُ حتى يُشْبِعَهُ، وسَقَاهُ مِنَ المَاءِ، حتى يَرْوِيَهُ، بَعَّدَهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ سَبْعَ خَنَادِقَ مَا بَيْنَ كُلِّ خَنْدَقَيْنِ مَسِيرَةُ مِائَةِ عَامٍ» «٣» .

انتهى.

وعن أبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ- رضي الله عنه- عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم قال: «أَيُّمَا مُسْلِمٍ كَسَا مُسْلِماً ثَوْباً عَلَى عُرْيٍ، كَسَاهُ اللهُ مِنْ خُضْرِ الجَنَّةِ، وأَيُّما مُسْلِمٍ أَطْعَمَ مُسْلِماً عَلَى جُوعٍ أَطْعَمَهُ اللَّهُ مِنْ ثِمَارِ الجَنَّةِ، وأَيُّمَا مُسْلِمٍ سقى مُسْلِماً على ظَمَإٍ، سَقَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الرَّحِيقِ المَخْتُومِ» أخرجه أبو داود «٤» ، مِنْ حديثِ أبي خالد، هو الدّالاني «٥» ، عن نبيح «٦» ،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ الأنْصارَ كانُوا إذا جَذُّوا النَّخْلَ، جاءَ كُلُّ رَجُلٍ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ فَعَلَّقَهُ في المَسْجِدِ، فَيَأْكُلُ مِنهُ فُقَراءُ المُهاجِرِينَ، وكانَ أُناسٌ مِمَّنْ لا يَرْغَبُ في الخَيْرِ يَجِيءُ أحَدُهم بِالقِنْوِ فِيهِ الحَشَفُ والشِّيصُ، فَيُعَلِّقُهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.

هَذا قَوْلُ البَراءِ بْنِ عازِبٍ.

والثّانِي: «أنَّ النَّبِيَّ  ، أمَرَ بِزَكاةِ الفِطْرِ، فَجاءَ رَجُلٌ بِتَمْرٍ رَدِيءٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» هَذا قَوْلُ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ.

وفي المُرادِ بِهَذِهِ النَّفَقَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها الصَّدَقَةُ المَفْرُوضَةُ، قالَهُ عُبَيْدَةُ السَّلْمانِيُّ في آَخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّها التَّطَوُّعُ.

وفي المُرادِ بِالطَّيِّبِ هاهُنا قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الجَيِّدُ الأنْفُسِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ الحَلالُ، قالَهُ أبُو مَعْقِلٍ في آَخَرِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَيَمَّمُوا ﴾ أيْ: لا تَقْصِدُوا.

والتَّيَمُّمُ في اللُّغَةِ: القَصْدُ.

قالَ مَيْمُونُ بْنُ قَيْسٍ الأعْشى تَيَمَّمْتُ قَيْسًا وكَمْ دُونَهُ مِنَ الأرْضِ مِن مَهْمَهٍ ذِي شَزَنِ وَفِي الخَبِيثِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الرَّدِيءُ، قالَهُ الأكْثَرُونَ، وسَبَبُ الآَيَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ.

والثّانِي: أنَّهُ الحَرامُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَوْ كانَ بَعْضُكم يَطْلُبُ مِن بَعْضٍ حَقًّا لَهُ، ثُمَّ قَضاهُ ذَلِكَ، ولَمْ يَأْخُذْهُ إلى أنْ يَرى أنَّهُ قَدْ أغْمَضَ عَنْ بَعْضٍ حُقَّهُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْلُ هَذا أنْ يَصْرِفَ المَرْءُ بَصَرَهُ عَنِ الشَّيْءِ، ويُغْمِضُهُ، فَسُمِّيَ التَّرَخُّصُ إغْماضًا.

ومِنهُ قَوْلُ النّاسِ لِلْبائِعِ: أغْمِضْ، أيْ: لا تُشَخِّصْ، وكُنْ كَأنَّكَ لا تُبْصِرُ.

وقالَ غَيْرُهُ: لَمّا كانَ الرَّجُلُ إذا رَأى ما يَكْرَهُ، أغْمَضَ عَيْنَيْهِ، لِئَلّا يَرى جَمِيعَ ما يَكْرَهُ؛ جَعَلَ التَّجاوُزَ والمُساهَلَةَ في كُلِّ شَيْءٍ إغْماضًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لَمْ يَأْمُرْكم بِالتَّصَدُّقِ عَنْ عِوَزٍ، لَكِنَّهُ بَلا أخْبارِكم، فَهو حَمِيدٌ عَلى ذَلِكَ.

يُقالُ: قَدْ غَنِيَ زَيْدٌ، يَغَنى غِنًى مَقْصُورٌ: إذا اسْتَغْنى، وقَدْ غَنِيَ القَوْمُ: إذا نَزَلُوا في مَكانٍ يُغْنِيهِمْ، والمَكانُ الَّذِي يَنْزِلُونَ فِيهِ مَغْنى.

والغَوانِي: النِّساءُ، قِيلَ: إنَّما سُمِّينَ بِذَلِكَ، لِأنَّهُنَّ غَنَيْنَ بِجَمالِهِنَّ، وقِيلَ: بِأزْواجِهِنَّ فَأمّا "الحَمِيدُ" فَقالَ الخَطّابِيُّ: هو بِمَعْنى المَحْمُودُ، فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ ومِمّا أخْرَجْنا لَكم مِن الأرْضِ ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ واعْلَمُوا أنْ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ هَذا الخِطابُ هو لِجَمِيعِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ  ، وهَذِهِ صِيغَةُ أمْرٍ مِنَ الإنْفاقِ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ - هَلِ المُرادُ بِهَذا الإنْفاقِ الزَكاةُ المَفْرُوضَةُ أوِ التَطَوُّعُ؟

فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وعُبَيْدَةُ السَلْمانِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: هي في الزَكاةِ المَفْرُوضَةِ - نَهى الناسَ عن إنْفاقِ الرَدِيءِ فِيها بَدَلَ الجَيِّدِ، وأمّا التَطَوُّعُ فَكَما لِلْمَرْءِ أنْ يَتَطَوَّعَ بِقَلِيلٍ فَكَذَلِكَ لَهُ أنْ يَتَطَوَّعَ بِنازِلٍ في القَدْرِ، ودِرْهَمٌ زائِفٌ خَيْرٌ مِن تَمْرَةٍ، فالأمْرُ عَلى هَذا القَوْلِ لِلْوُجُوبِ.

والظاهِرُ مِن قَوْلِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ، والحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ، وقَتادَةَ أنَّ الآيَةَ في التَطَوُّعِ.

ورَوى البَراءُ بْنُ عازِبٍ وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ ما مَعْناهُ «أنَّ الأنْصارَ كانُوا أيّامَ الجِدادِ يُعَلِّقُونَ أقْناءَ التَمْرِ في حَبْلٍ بَيْنَ أُسْطُوانَتَيْنِ في المَسْجِدِ، فَيَأْكُلُ مِن ذَلِكَ فُقَراءُ المُهاجِرِينَ، فَعَلَّقَ رَجُلٌ حَشَفًا فَرَآهُ رَسُولُ اللهِ  فَقالَ: "بِئْسَ ما عَلَّقَ هَذا"، فَنَزَلَتِ الآيَةُ،» والأمْرُ عَلى هَذا القَوْلِ لِلنَّدْبِ، وكَذَلِكَ نُدِبُوا إلى ألّا يَتَطَوَّعُوا إلّا بِجَيِّدٍ مُخْتارٍ.

والآيَةُ تَعُمُّ الوَجْهَيْنِ لَكِنَّ صاحِبَ الزَكاةِ يَتَلَقّاها عَلى الوُجُوبِ، وصاحِبَ التَطَوُّعِ يَتَلَقّاها عَلى النَدْبِ.

وهَؤُلاءِ كُلُّهم وجُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ قالُوا: مَعْنى "مِن طَيِّباتِ": مِن جَيِّدِ ومُخْتارِ ما كَسَبْتُمْ، وجَعَلُوا الخَبِيثَ بِمَعْنى الرَدِيءِ والرَذالَةِ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: مِن حَلالِ ما كَسَبْتُمْ قالَ: وقَوْلُهُ: "وَلا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ" أيِ الحَرامَ، وقَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ: لَيْسَ بِالقَوِيِّ مِن جِهَةِ نَسَقِ الآيَةِ، لا مِن مَعْناهُ في نَفْسِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ ﴾ ، يُحْتَمَلُ أنْ لا يَقْصِدَ بِهِ لا الجَيِّدَ ولا الحَلالَ، لَكِنْ يَكُونُ المَعْنى كَأنَّهُ قالَ: أنْفِقُوا مِمّا كَسَبْتُمْ، فَهو حَضٌّ عَلى الإنْفاقِ فَقَطْ، ثُمَّ دَخَلَ ذِكْرُ الطَيِّبِ تَبْيِينًا لِصِفَةٍ حَسَنَةٍ في المَكْسُوبِ عامًّا، وتَقْرِيرًا لِلنِّعْمَةِ، كَما تَقُولُ: أطْعَمْتُ فُلانًا مِن مُشْبَعِ الخُبْزِ، وسَقَيْتُهُ مِن مَرْوِيِّ الماءِ، والطَيِّبُ عَلى هَذا الوَجْهِ يَعُمُّ الجَوْدَةَ والحِلَّ، وَيُؤَيِّدُ هَذا الِاحْتِمالَ أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مُغَفَّلٍ قالَ: "لَيْسَ في مالِ المُؤْمِنِ خَبِيثٌ".

و"كَسَبْتُمْ" مَعْناهُ: كانَتْ لَكم فِيهِ سِعايَةٌ، إمّا بِتَعَبِ بَدَنٍ أو مُقاوَلَةٍ في تِجارَةٍ.

والمَوْرُوثُ داخِلٌ في هَذا، لِأنَّ غَيْرَ الوارِثِ قَدْ كَسَبَهُ إذِ الضَمِيرُ في "كَسَبْتُمْ" إنَّما هو لِنَوْعِ الإنْسانِ أوِ المُؤْمِنِينَ.

﴿ وَمِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ ﴾ النَباتاتُ والمَعادِنُ والرِكازُ وما ضارَعَ ذَلِكَ.

و"تَيَمَّمُوا" تَعْمِدُوا وتَقْصِدُوا، يُقالُ: تَيَمَّمَ الرَجُلُ كَذا وكَذا إذا قَصَدَهُ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: تَيَمَّمَتِ العَيْنَ الَّتِي عِنْدَ ضارِجٍ ∗∗∗ يَفِيءُ عَلَيْها الظِلُّ عَرْمَضَها طامِي ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: تَيَمَّمْتَ قَيْسًا وكَمْ دُونَهُ ∗∗∗ ∗∗∗ مِنَ الأرْضِ مِن مَهْمَهٍ ذِي شَزَنْ وَمِنهُ التَيَمُّمُ الَّذِي هو البَدَلُ مِنَ الوُضُوءِ عِنْدَ عَدَمِ الماءِ، وهَكَذا قَرَأ جُمْهُورُ الناسِ.

ورَوى البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ تَشْدِيدَ التاءِ في أحَدٍ وثَلاثِينَ مَوْضِعًا أوَّلُها هَذا الحَرْفُ.

وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّ في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "وَلا تَأْمَمُوا الخَبِيثَ" مِن أمَمْتُ إذا قَصَدْتُ، ومِنهُ إمامُ البِناءِ، والمَعْنى في القِراءَتَيْنِ واحِدٌ.

وقَرَأ الزُهْرِيُّ، ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ: "وَلا تُيَمِّمُوا" بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ المِيمِ، وهَذا عَلى لُغَةِ مَن قالَ: يَمَّمْتُ الشَيْءَ، بِمَعْنى قَصَدْتُهُ.

وفِي اللَفْظِ لُغاتٌ مِنها: أمَمْتُ الشَيْءَ خَفِيفَةُ المِيمِ الأُولى، وأمَّمْتُ بِشَدِّها، ويَمَّمْتُهُ وتَيَمَّمْتُهُ.

وحَكى أبُو عَمْرٍو أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَرَأ "وَلا تُؤَمِّمُوا" بِهَمْزَةٍ بَعْدَ التاءِ، وهَذِهِ عَلى لُغَةِ مَن قالَ: أمَّمْتُ مُثْقَلَةَ المِيمِ، وقَدْ مَضى القَوْلُ في مَعْنى الخَبِيثِ.

وقالَ الجُرْجانِيُّ ( في كِتابِ نَظْمِ القُرْآنِ ): قالَ فَرِيقٌ مِنَ الناسِ: إنَّ الكَلامَ تَمَّ في قَوْلِهِ: "الخَبِيثَ".

ثُمَّ ابْتَدَأ خَبَرًا آخَرَ في وصْفِ الخَبِيثِ فَقالَ: "مِنهُ تُنْفِقُونَ" وأنْتُمْ لا تَأْخُذُونَهُ إلّا إذا أغْمَضْتُمْ، أيْ ساهَلْتُمْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كَأنَّ هَذا المَعْنى عِتابٌ لِلنّاسِ وتَقْرِيعٌ.

والضَمِيرُ في "مِنهُ" عائِدٌ عَلى "الخَبِيثَ".

قالَ الجُرْجانِيُّ: وقالَ فَرِيقٌ آخَرُ: بَلِ الكَلامُ مُتَّصِلٌ إلى قَوْلِهِ: "فِيهِ" فالضَمِيرُ في "مِنهُ" عائِدٌ عَلى "ما كَسَبْتُمْ" ويَجِيءُ "تُنْفِقُونَ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ وهو كَقَوْلِهِ: أنا أخْرُجُ أُجاهِدُ في سَبِيلِ اللهِ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ ﴾ فَقالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ، وغَيْرُهُمْ: مَعْناهُ: ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ في دُيُونِكم وحُقُوقِكم عِنْدَ الناسِ إلّا بِأنْ تَساهَلُوا في ذَلِكَ، وتَتْرُكُوا مِن حُقُوقِكُمْ، وتَكْرَهُونَهُ ولا تَرْضَوْنَهُ، أيْ فَلا تَفْعَلُوا مَعَ اللهِ ما لا تَرْضَوْنَهُ لِأنْفُسِكُمْ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: مَعْنى الآيَةِ: "وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ لَوْ وجَدْتُمُوهُ في السُوقِ يُباعُ إلّا أنْ يُهْضَمَ لَكم مِن ثَمَنِهِ".

ورُوِيَ نَحْوُهُ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: وهَذانِ القَوْلانِ يُشْبِهانِ كَوْنَ الآيَةِ في الزَكاةِ الواجِبَةِ، وقالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ أيْضًا: مَعْناهُ ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ لَوْ أُهْدِيَ لَكم إلّا أنْ تُغْمِضُوا، أيْ تَسْتَحْيُوا مِنَ المُهْدِي فَتَقْبَلُوا مِنهُ ما لا حاجَةَ لَكم فِيهِ، ولا قَدْرَ لَهُ في نَفْسِهِ، وهَذا يُشْبِهُ كَوْنَ الآيَةِ في التَطَوُّعِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْنى الآيَةِ: ولَسْتُمْ بِآخِذِي الحَرامِ إلّا أنْ تُغْمِضُوا في مَكْرُوهِهِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "إلّا أنْ تُغْمِضُوا" بِضَمِّ التاءِ، وسُكُونِ الغَيْنِ، وكَسْرِ المِيمِ.

وقَرَأ الزُهْرِيُّ بِفَتْحِ التاءِ، وكَسْرِ المِيمِ مُخَفَّفًا، ورُوِيَ عنهُ أيْضًا "تُغَمِّضُوا" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ الغَيْنِ وكَسْرِ المِيمِ مُشَدَّدَةً.

وحَكى مَكِّيٌّ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ: "تُغَمَّضُوا" مُشَدَّدَةَ المِيمِ مَفْتُوحَةً، وقَرَأ قَتادَةُ بِضَمِّ التاءِ وسُكُونِ الغَيْنِ وفَتْحِ المِيمِ مُخَفَّفًا، قالَ أبُو عَمْرٍو: مَعْناهُ: إلّا أنْ يُغْمَضَ لَكم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذِهِ اللَفْظَةُ تُنْتَزَعُ إمّا مِن قَوْلِ العَرَبِ: أغْمَضَ الرَجُلُ في أمْرِ كَذا إذا تَساهَلَ فِيهِ، ورَضِيَ بِبَعْضِ حَقِّهِ وتَجاوَزَ، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ الطِرِمّاحِ بْنِ حَكِيمٍ: لَمْ يَفُتْنا بِالوَتْرِ قَوْمٌ ولِلضَّـ ∗∗∗ ـيْـمِ أُناسٌ يَرْضَوْنَ بِالإغْماضِ وَإمّا أنْ تُنْتَزَعَ مِن تَغْمِيضِ العَيْنِ، لِأنَّ الَّذِي يُرِيدُ الصَبْرَ عَلى مَكْرُوهٍ يُغْمِضُ عنهُ عَيْنَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: إلى كَمْ وكَمْ أشْياءَ مِنكم تُرِيبُنِي ∗∗∗ ∗∗∗ أُغَمِّضُ عنها لَسْتُ عنها بِذِي عَمى؟

وهَذا كالإغْضاءِ عِنْدَ المَكْرُوهِ، وقَدْ ذَكَرَ النَقّاشُ هَذا المَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ، وأشارَ إلَيْهِ مَكِّيٌّ - وإمّا مِن قَوْلِ العَرَبِ: أغْمَضَ الرَجُلُ إذا أتى غامِضًا مِنَ الأمْرِ، كَما تَقُولُ: أعْمَنَ إذا أتى عَمّانَ، وأعْرَقَ إذا أتى العِراقَ، وأنْجَدَ وأغْوَرَ إذا أتى نَجْدًا، والغَوْرَ الَّذِي هو تِهامَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الجارِيَةِ: "وَإنْ دَسَرَ أغْمَضَ".

فَقِراءَةُ الجُمْهُورِ تُخَرَّجُ: عَلى التَجاوُزِ، وعَلى تَغْمِيضِ العَيْنِ، لِأنَّ أغْمَضَ بِمَنزِلَةِ غَمُضَ، وعَلى أنَّها بِمَعْنى حَتّى تَأْتُوا غامِضًا مِنَ التَأْوِيلِ والنَظَرِ في أخْذِ ذَلِكَ، إمّا لِكَوْنِهِ حَرامًا عَلى قَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ، وإمّا لِكَوْنِهِ مُهْدىً أو مَأْخُوذًا في دَيْنٍ عَلى قَوْلِ غَيْرِهِ.

وأمّا قِراءَةُ الزُهْرِيِّ الأُولى فَمَعْناها: تَهْضِمُوا سَوْمَها مِنَ البائِعِ مِنكم فَيُحِطْكُمْ، قالَ أبُو عَمْرٍو مَعْنى قِراءَتَيِ الزُهْرِيِّ: حَتّى تَأْخُذُوا بِنُقْصانٍ، وأمّا قِراءَتُهُ الثانِيَةُ فَهَذا مَذْهَبُ أبِي عَمْرٍو الدانِي فِيها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن تَغْمِيضِ العَيْنِ.

وأمّا قِراءَةُ قَتادَةَ فَقَدْ ذَكَرْتُ تَفْسِيرَ أبِي عَمْرٍو لَها، وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: مَعْناها: تُوجَدُوا قَدْ غُمِّضْتُمْ في الأمْرِ بِتَأوُّلِكُمْ، أو بِتَساهُلِكُمْ، وجَرَيْتُمْ عَلى غَيْرِ السابِقِ إلى النُفُوسِ، وهَذا كَما تَقُولُ: أحْمَدْتُ الرَجُلَ، وجَدْتُهُ مَحْمُودًا، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأمْثِلَةِ.

ثُمَّ نَبَّهَ تَعالى عَلى صِفَةِ الغِنى، أيْ لا حاجَةَ بِهِ إلى صَدَقاتِكُمْ، فَمَن تَقَرَّبَ وطَلَبَ مَثُوبَةً فَلْيَفْعَلْ ذَلِكَ بِمالِهِ قَدْرٌ، و"حَمِيدٌ" مَعْناهُ: مَحْمُودٌ في كُلِّ حالٍ، وهي صِفَةُ ذاتٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

إفضاء إلى المقصود وهو الأمرُ بالصدقات بعد أن قُدم بين يديه مواعظ وترغيبٌ وتحذير.

وهي طريقة بلاغية في الخطابة والخِطاب.

فربما قدموا المطلوب ثم جاؤوا بما يكسبه قبولاً عند السامعين، وربما قدموا ما يكسب القبولَ قبل المقصود كما هنا.

وهذا من ارتكاب خلاف مقتضى الظاهر في ترتيب الجُمل، ونكتة ذلك أنّه قد شاع بين الناس الترغيب في الصدقة وتكرّر ذلك في نزول القرآن فصار غرضاً دينياً مشهوراً، وكان الاهتمام بإيضاحه والترغيب في أحواله والتنفير من نقائصه أجدر بالبيان.

ونظير هذا قول علي في خطبته التي خطبها حين دخل سُفيان الغَامِدي أحد قواد أهل الشام بلدَ الأنبار وهي من البلاد المطيعة للخليفة علي وقتلوا عاملها حسان بنَ حسان البَكري: «أما بعد فإنّ من تَرك الجهاد رغبةَ عنه ألبسه الله ثوبَ الذل، وشملُه البلاء، ودُيِّثَ بالصّغار، وضرب على قلبه، وسيم الخَسْفَ، ومُنِع النِّصْف.

ألاَ وإنِّي قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلاً ونهاراً وقلتُ لكم اغزوهم قبل أن يغزوكم، فوالله ما غُزِي قوم في عُقْر دارهم إلاّ ذلوا، فتواكلتم.

هذا أخو غامد قد وردتْ خيلُه الأنباء» إلخ.

وانظر كلمة «الجهاد» في هذه الخطبة فلعل أصلها القِتال كما يدل عليه قوله بعده إلى قتال هؤلاء فحَرفَها قاصِدٌ أو غَافِلٌ ولا إخالها تصدر عن علي رضي الله عنه.

والأمر يجوز أن يكون للوجوب فتكون الآية في الأمر بالزكاة، أو للندب وهي في صدقة التطوّع، أو هو للقدر المشترك في الطَلب فتشمل الزكاة وصدقة التطوّع، والأدلة الأخرى تبيّن حكم كل.

والقيد بالطَّيِّبَات يناسب تعميم النفقات.

والمراد بالطيّبات خيار الأموال، فيطلق الطيِّب على الأحسن في صنفه.

والكَسب ما يناله المرء بسعيه كالتجارة والإجارة والغنيمة والصيد.

ويطلق الطيّب على المال المكتسب بوجه حلال لا يخالطه ظلم ولا غشّ، وهو الطيّب عند الله كقول النبي صلى الله عليه وسلم " من تصدق بصدقة من كسب طيّب ولا يقبل الله إلاّ طيّباً تلقّاها الرحمن بيمينه " الحديث، وفي الحديث الآخر: " إنّ الله طيّب لا يقبل إلاّ طيّباً ".

ولم يذكر الطيّبات مع قوله: ﴿ ومما أخرجنا لكم من الأرض ﴾ اكتفاء عنه بتقدم ذكره في قسيمه، ويظهر أنّ ذلك لم يقيّد بالطيّبات لأنّ قوله: ﴿ أخرجنا لكم ﴾ أشعر بأنّه مما اكتسبه المرء بعمله بالحرث والغرس ونحو ذلك، لأنّ الأموال الخبيثة تحصل غالباً من ظُلم الناس أو التحيّل عليهم وغشّهم وذلك لا يتأتّى في الثمرات المستخرجة من الأرض غالباً.

والمراد بما أخرج من الأرض الزروع والثمار، فمنه ما يخرج بنفسه، ومنه ما يعالج بأسبابه كالسقي للشجر والزرع، ثم يخرجه الله بما أوجد من الأسباب العادية.

وبعض المفسرين عد المعادن داخلة في ﴿ ما أخرجنا لكم من الأرض ﴾ .

وتجب على المعدن الزكاة عند مالك إذا بلغ مقدار النّصاب، وفيه ربع العشر.

وهو من الأموال المفروضة وليس بزكاة عند أبي حنيفة، ولذلك قال فيه الخمس.

وبعضهم عدّ الركاز داخلاً فيما أخرج من الأرض ولكنّه يخمس، والحق في الحكم بالغنيمة عند المالكية.

ولعلّ المراد بما كسبتم الأموال المزكّاة من العين والماشية، وبالمخرج من الأرض الحبوب والثمار المزكّاة.

وقوله: ﴿ ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ﴾ أصل تيمّموا تتيمموا، حذفت تاء المضارعة في المضارع وتَيمّم بمعنى قصد وعمد.

والخبيث الشديد سُوءاً في صنفه فلذلك يطلق على الحرام وعلى المستقذر قال تعالى: ﴿ ويحرم عليهم الخبايث ﴾ [الأعراف: 157] وهو الضدّ الأقصى للطيّب فلا يطلق على الرديء إلاّ على وجه المبالغة، ووقوع لفظه في سياق النهي يفيد عموم ما يصدق عليه اللفظ.

وجملة ﴿ منه تنفقون ﴾ حال، والجار والمجرور معمولان للحال قدماً عليه للدلالة على الاختصاص، أي لا تقصدوا الخبيث في حال إلاّ تنفقوا إلاّ منه، لأنّ محل النهي أن يخرج الرجل صدقته من خصوص رديء ماله.

أما إخراجه من الجيدَ ومن الرديء فليس بمنهي لا سيما في الزكاة الواجبة لأنّه يخرج عن كل ما هو عنده من نوعه.

وفي حديث «الموطأ» في البيوع " أنّ النبي صلى الله عليه وسلم أرسل عاملاً على صدقات خيبر فأتاه بتَمْر جَنيب فقال له: أكُلُّ تَمْرِ خيبر هكذا قال: لا، ولكنّي أبيع الصاعين من الجَمْع بصاع من جنيب.

فقال له: بع الجمع بالدّراهم ثم ابتع بالدراهم جنيباً " فدل على أنّ الصدقة تؤخذ من كل نصاب من نوعه، ولكنّ المنهي عنه أن يخصّ الصدقة بالأصناف الرديئة.

وأما في الحيوان فيؤخذ الوسط لتعذّر التنويع غالباً إلاّ إذا أكثر عدده فلا إشكال في تقدير الظرف هنا.

وقرأ الجمهور ﴿ تَيمّموا ﴾ بتاء واحدة خفيفة وصْلاً وابتداء، أصله تَتيمّموا، وقرأه البزي عن ابن كثير بتشديد التاء في الوصل على اعتبار الإدغام.

وقوله: ﴿ ولستم بأخذيه إلا أن تغمضوا فيه ﴾ جملة حالية من ضمير تنفقون ويجوز أن يكون الكلام على ظاهره من الإخبار فتكون جملة الحال تعليلاً لنهيهم عن الإنفاق من المال الخبيث شرعاً بقياس الإنفاق منه على اكتسابه قياس مساواة أي كما تكرهون كسبه كذلك ينبغي أن تكرهوا إعطاءه.

وكأنّ كراهية كسبه كانت معلومة لديهم متقرّرة في نفوسهم، ولذلك وقع القياس عليها.

ويجوز أن يكون الكلام مستعملاً في النهي عن أخذ المال الخبيث، فيكون الكلام منصرفاً إلى غرض ثاننٍ وهو النهي عن أخذ المال الخبيث والمعنى لا تأخذوه، وعلى كلا الوجهين هو مقتضضٍ تحريم أخذ المال المعلومة حِرمته على من هو بيده ولا يُحلّه انتقاله إلى غيره.

والإغماض إطباق الجفن ويطلق مجازاً على لازم ذلك، فيطلق تارة على الهناء والاستراحة لأنّ من لوازم الإغماض راحة النائم قال الأعشى: عليككِ مثلُ الذي صَلِّيتتِ فاغْتمضي *** جَفْناً فإنّ لِجَنْببِ المَرْءِ مُضْطَجَعَا أراد فاهنئي.

ويطلق تارة على لازمه من عدم الرؤية فيدل على التسامح في الأمر المكروه كقول الطرماح: لم يَفُتْنا بِالْوِتْرِ قَوْمٌ وَللضّ *** يْممِ رجالٌ يَرْضَوْن بالإغماض فإذا أرادوا المبالغة في التغافل عن المكروه الشديد قالوا أغمض عينه على قذى؛ وذلك لأنّ إغماض الجفن مع وجود القذى في العين.

لقصد الراحة من تحرّك القذى، قال عبد العزيز بن زُرَارة الكَلاَئي: وأغْمَضْتُ الجُفُونَ على قَذَاها *** ولَمْ أسْمَعْ إلى قاللٍ وقِيلِ والاستثناء في قوله: ﴿ إلا أن تغمضوا فيه ﴾ على الوجه الأول من جعل الكلام إخباراً، هو تقييد للنفي.

وأما على الوجه الثاني من جعل النفي بمعنى النهي فهو من تأكيد الشيء بما يُشبه ضدّه أما لا تأخذوه إلاّ إذا تغاضيتم عن النهي وتجاهلتموه.

وقوله: ﴿ واعلموا أن الله غني حميد ﴾ تذييل، أي غني عن صدقاتكم التي لا تنفع الفقراء، أو التي فيها استساغة الحرام.

حميد، أي شاكر لمن تصدّق صدقة طيّبة.

وافتتحه باعلموا للاهتمام بالخبر كما تقدم عند قوله تعالى: ﴿ واتقوا الله واعلوا أنكم ملاقوه ﴾ [البقرة: 223]، أو نُزِّل المخاطبون الذين نُهوا عن الإنفاق من الخبيث منزلة من لا يعلم أن الله غني فأعطوا لوجههِ ما يقبله المحتاج بكل حال ولم يعلموا أنّه يحمد من يعطي لوجهه من طيّب الكسب.

والغني الذي لا يحتاج إلى ما تكثر حاجة غالب الناس إليه، ولِلَّهِ الغنى المطلق فلا يعطى لأجله ولامتثال أمره إلاّ خير ما يعطيه أحد للغَنِي عن المال.

والحميد من أمثلة المبالغة، أي شديد الحَمد؛ لأنه يثني على فاعلي الخيرات.

ويجوز أن يكون المراد أنّه محمود، فيكون حَميد بمعنى مفعول، أي فتخلَّقُوا بذلك لأنّ صفات الله تعالى كمالات، فكونوا أغنياء القلوب عن الشحّ محمودين على صدقاتكم، ولا تعطوا صدقات تؤذن بالشحّ ولا تشكرون عليها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي بِهِ الذَّهَبَ والفِضَّةَ، وهو قَوْلُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ.

والثّانِي: يَعْنِي التِّجارَةَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: الحَلالُ.

والرّابِعُ: الجَيِّدُ.

﴿ وَمِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ ﴾ مِنَ الزَّرْعِ والثِّمارِ.

وَفي الكَسْبِ وجْهانِ مُحْتَمَلانِ: أحَدُهُما: ما حَدَثَ مِنَ المالِ المُسْتَفادِ.

والثّانِي: ما اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ المِلْكُ مِن قَدِيمٍ وحادِثٍ.

واخْتَلَفُوا في هَذِهِ النَّفَقَةِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: هي الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ قالَهُ عَبِيدَةُ السَّلْمانِيُّ.

والثّانِي: هي في التَّطَوُّعِ، قالَهُ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ.

﴿ وَلا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ ﴾ التَّيَمُّمُ: التَّعَمُّدُ، قالَ الخَلِيلُ: تَقُولُ أمَمْتُهُ إذا قَصَدْتَ أمامَهُ، ويَمَّمْتُهُ إذا تَعَمَّدْتَهُ مِن أيِّ جِهَةٍ كانَ، وقالَ غَيْرُهُ: هُما سَواءٌ، والخَبِيثُ: الرَّدِيءُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وفِيهِ هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا يَأْتُونَ بِالحَشَفِ فَيُدْخِلُونَهُ في تَمْرِ الصَّدَقَةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وهو قَوْلُ عَلِيٍّ، والبَراءِ بْنِ عازِبٍ.

والثّانِي: أنَّ الخَبِيثَ هو الحَرامُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

﴿ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: إلّا أنْ تَتَساهَلُوا، وهو قَوْلُ البَراءِ بْنِ عازِبٍ.

والثّانِي: إلّا أنْ تَحُطُّوا في الثَّمَنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: إلّا بِوَكْسٍ فَكَيْفَ تُعْطُونَهُ في الصَّدَقَةِ قالَهُ الزَّجّاجُ.

والرّابِعُ: إلّا أنْ تُرَخِّصُوا لِأنْفُسِكم فِيهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وقالَ الطِّرِمّاحُ: لَمْ يُفْتِنا بِالوِتْرِ قَوْمٌ ولِلضَّيْـ مِ رِجالٌ يَرْضَوْنَ بِالإغْماضِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ ﴾ وهو ما خَوَّفَ مِنَ الفَقْرِ إنْ أنْفَقَ أوْ تَصَدَّقَ.

﴿ وَيَأْمُرُكم بِالفَحْشاءِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِالشُّحِّ.

والثّانِي: بِالمَعاصِي.

﴿ واللَّهُ يَعِدُكم مَغْفِرَةً مِنهُ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ....

لَكم.

والثّانِي: عَفْوًا لَكم.

﴿ وَفَضْلا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: سَعَةُ الرِّزْقِ.

والثّانِي: مُضاعَفَةُ العَذابِ.

﴿ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: « (إنَّ لِلشَّيْطانِ لَمَّةً مِنِ ابْنِ آدَمَ، ولِلْمَلَكِ لَمَّةً، فَأمّا لَمَّةُ الشَّيْطانِ فَإيعادٌ بِالشَّرِّ وتَكْذِيبٌ بِالحَقِّ، وأمّا لَمَّةُ المَلَكِ فَإيعادٌ بِالخَيْرِ وتَصْدِيقٌ بِالحَقِّ، فَمَن وجَدَ ذَلِكَ فَلْيَعْلَمْ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ ولْيَحْمَدِ اللَّهَ، ومَن وجَدَ الأُخَرَ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ.

ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ).» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ ﴾ في الحِكْمَةِ سَبْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: الفِقْهُ في القُرْآنِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: العِلْمُ بِالدِّينِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: النُّبُوَّةُ.

والرّابِعُ: الخَشْيَةُ، قالَهُ الرَّبِيعُ.

والخامِسُ: الإصابَةُ، قالَهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ.

والسّادِسُ: الكِتابَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والسّابِعُ: العَقْلُ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

وَيَحْتَمِلُ ثامِنًا: أنْ تَكُونَ الحِكْمَةُ هُنا صَلاحَ الدِّينِ وإصْلاحَ الدُّنْيا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير عن علي بن أبي طالب في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ﴾ قال: من الذهب والفضة ﴿ ومما أخرجنا لكم من الأرض ﴾ قال: يعني من الحب والتمر وكل شيء عليه زكاة.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن مجاهد في قوله: ﴿ أنفقوا من طيبات ما كسبتم ﴾ قال: من التجارة ﴿ ومما أخرجنا لكم من الأرض ﴾ قال: من الثمار.

وأخرج مالك والشافعي وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارقطني عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة، وليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة، وليس فيما دون خمس ذود من الإِبل صدقة» .

وفي لفظ لمسلم: «ليس في حب ولا تمر صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق» .

وأخرج مسلم وابن ماجة والدارقطني عن جابر بن عبدالله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة، وليس فيما دون خمس ذود من الابل صدقة، وليس فيما دون خمسة أوْسُق من التمر صدقة» .

وأخرج البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارقطني عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فيما سقت السماء والعيون أو كان عثرياً العشر، وما سقي بالنضح نصف العشر» .

وأخرج مسلم وأبو داود والنسائي والدارقطني عن جابر بن عبدالله «أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: فيما سقت الأنهار والعيون العشر، وفيما سقي بالسانية نصف العشر» .

وأخرج الترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فيما سقت السماء والعيون العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر» .

وأخرج أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارقطني عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قد عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق فهاتوا صدقة الرقة، من كل أربعين درهماً درهم وليس في تسعين ومائة شيء، فإذا بلغ مائتين ففيها خمسة دراهم» .

وأخرج الدارقطني والحاكم وصححه عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «في الإِبل صدقتها، وفي البقر صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البز صدقته، قالها بالزاي» .

وأخرج أبو داود من طريق خبيب بن سليمان بن سمرة عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي يعد للبيع.

وأخرج ابن ماجة والدارقطني عن ابن عمر وعائشة «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ من كل عشرين ديناراً نصف دينار، ومن الأربعين ديناراً ديناراً» .

وأخرج ابن أبي شيبة والدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس في أقل من خمس ذود شيء، ولا في أقل من أربعين من الغنم شيء، ولا في أقل من ثلاثين من البقر شيء، ولا في أقل من عشرين مثقالاً من الذهب شيء، ولا في أقل من مائتي درهم شيء، ولا في أقل من خمسة أوسق شيء، والعشر في التمر، والزبيب، والحنطة، والشعير، وما سُقِيَ سيحاً ففيه العشر، وما سقي بالغرب ففيه نصف العشر» .

وأخرج ابن ماجة والدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه قال: سئل عبدالله بن عمر عن الجوهر، والدار، والفصوص، والخرز، وعن نبات الأرض البقل، والقثاء، والخيار.

فقال: ليس في الحجر زكاة، وليس البقول زكاة، إنما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة في هذه الخمسة: في الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، والذرة.

وأخرج الدارقطني عن عمر بن الخطاب قال: «إنما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة في هذه الأربعة: الحنطة، والشعير، والزبيب، والتمر» .

وأخرج الترمذي والدارقطني عن معاذ «أنه كتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن الخضراوات وهي البقول؟

فقال: ليس فيها شيء» .

وأخرج الدارقطني والحاكم وصححه عن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «فيما سقت السماء والبعل والسيل العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر، وإنما يكون ذلك في التمر والحنطة والحبوب، فأما القثاء والبطيخ والرمان والقصب والخضر فعفو» ، عفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج الدارقطني عن علي بن أبي طالب «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ليس في الخضراوات صدقة، ولا في العرايا صدقة، ولا في أقل من خمسة أوسق صدقة، ولا في العوامل صدقة، ولا في الجبهة صدقة.

قال الصقر بن حبيب: الجبهة: الخيل والبغال والعبيد» .

وأخرج الدارقطني عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس فيما أنبتت الأرض من الخضر زكاة» .

وأخرج الدارقطني عن أنس بن مالك قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «ليس في الخضراوات صدقة» .

وأخرج البزار والدارقطني عن طلحة «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ليس في الخضراوات صدقة» .

وأخرج الدارقطني عن محمد بن عبد الله بن جحش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليس في الخضراوات صدقة» .

وأخرج ابن أبي شيبة والدارقطني عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قد عفوت لكن عن صدقة أرقائكم وخيلكم، ولكن هاتوا صدقة أوراقكم وحرثكم وماشيتكم» .

وأخرج أبو داود وابن ماجة والدارقطني والحاكم وصححه عن معاذ بن جبل «أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى اليمن فقال: خذ الحب من الحب، والشاة من الغنم، والبعير من الإِبل، والبقرة من البقر» .

وأخرج مالك والشافعي والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «العجماء جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس» .

وأخرج الترمذي وابن ماجة عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «في ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة، وفي كل أربعين مسنة» .

وأخرج الدارقطني عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس في البقر العوامل صدقة ولكن في كل ثلاثة تبيع، وفي كل أربعين مسن أو مسنة» .

وأخرج الترمذي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «في العسل في كل عشرة أزق زق» .

وأخرج أبو داود وابن ماجة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ من العسل العشر، ولفظ أبي داود قال جاء هلال أحد بني متعان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشور نخل له، وكان سأله أن يحمي له وادياً يقال له سلبة، فحمى له رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الوادي، فلما ولى عمر بن الخطاب كتب سفيان بن وهب إلى عمر يسأله عن ذلك؟

فكتب إليه عمر: إن أدى إليك ما كان يؤدي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من عشور نخله، فاحم له سلبة وإلا فإنما هو ذباب غيث يأكله من شاء.

وأخرج الشافعي والبخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجة والدارقطني والحاكم والبيهقي عن أنس.

أن أبا بكر رضي الله عنه لما استخلف وجه أنس بن مالك إلى البحرين، فكتب له هذا الكتاب: هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين التي أمر الله بها رسوله صلى الله عليه وسلم، فمن سئلها من المؤمنين على وجهها فليعطها، ومن سئل فوقها فلا يعطيه، فيما دون خمس وعشرين من الإِبل الغنم في كل ذود شاة، فإذا بلغت خمساً وعشرين ففيها ابنة مخاض إلى أن تبلغ خمساً وثلاثين، فإن لم يكن فيها ابنة مخاض فابن لبون ذكر، فإذا بلغت ستاً وثلاثين ففيها ابنة لبون إلى خمس وأربعين، فإذا بلغت ستاً وأربعين ففيها حقة طروقة الفحل إلى ستين، فإذا بلغت إحدى وستين ففيها جذعة إلى خمس وسبعين، فإذا بلغت ستاً وسبعين ففيها ابنتا لبون إلى تسعين، فإذا بلغت إحدى وتسعين ففيها حقتان طروقتا الفحل إلى عشرين ومائة، فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين ابنة لبون، وفي كل خمس حقة، فإذا تباين أسنان الإِبل في فرائض الصدقات، فمن بلغت عنده صدقة الجذعة وليست عنده جذعة وعنده حقة فإنها تقبل منه وأن يجعل معها شاتين إن استيسرتا له أو عشرين درهماً، ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده حقة وعنده جذعة فإنها تقبل منه ويعطيه المصدق عشرين درهماً أو شاتين، ومن بلغت عنده صدقة بنت لبون وليست عنده إلا حقة فإنها تقبل منه ويعطيه المصدق عشرين درهماً أو شاتين، ومن بلغت عنده صدقة بنت لبون وليست عنده إلا ابنة مخاض فإنها تقبل منه وشاتين أو عشرين درهماً، ومن بلغت عنده صدقة بنت مخاض وليس عنده إلا ابن لبون ذكر فإنه يقبل منه وليس معه شيء، ومن لم يكن عنده إلا أربع فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها، وفي سائمة الغنم إذا كانت أربعين ففيها شاة إلى عشرين ومائة، فإذا زادت على عشرين ومائة ففيها شاتان إلى أن تبلغ مائتين، فإذا زادت على المائتين ففيها ثلاث شياه إلى أن تبلغ ثلثمائة، فإذا زادت على ثلثمائة ففي كل مائة شاة ولا يؤخذ في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار من الغنم، ولا تيس الغنم إلا أن يشاء المصدق، ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية، فإن لم تبلغ سائمة الرجل أربعين فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها، وفي الرقة ربع العشر، فإن لم يكن المال إلا تسعين ومائة فليس فيه شيء إلا أن يشاء ربها.

وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي وحسنه والحاكم من طريق الزهري عن سالم عن أبيه قال: «كتب النبي صلى الله عليه وسلم كتاب الصدقة فلم يخرجه إلى عماله حتى قبض فقرنه بسيفه، فعمل به أبو بكر ثم عمر، وكان فيه: في خمس من الابل شاة، وفي عشر شاتان، وفي خمس وعشرين بنت مخاض إلى خمس وثلاثين، فإذا زادت ففيها بنت لبون إلى خمس وأربعين، فإذا زادت ففيها حقة إلى ستين، فإذا زادت فجذعة إلى خمس وسبعين، فإذا زادت بنتاً لبون إلى تسعين، فإذا زادت فحقتان إلى عشرين ومائة، فإن كانت الإِبل أكثر من ذلك ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون، وفي الغنم في الأربعين شاة إلى عشرين ومائة، فإذا زادت واحدة فشاتان إلى مائتين، فإذا زادت فثلاث شياه إلى ثلثمائة، فإن كان الغنم أكثر من ذلك ففي كل مائة شاة، وليس فيها شيء حتى تبلغ المائة، ولا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين متفرق مخافة الصدقة، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بالسوية، ولا يؤخذ في الصدقة هرمة ولا ذات عيب.

قال الزهري: فإذا جاء المصدق قسمت الشاء أثلاثاً.

ثلث شرار، وثلث خيار، وثلث وسط، فيأخذ المصدق من الوسط» .

وأخرج الحاكم عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن والديات، وبعث مع عمرو بن حزم فقرئ على أهل اليمن، وهذه نسختها: بسم الله الرحمن الرحيم من محمد النبي إلى شرحبيل بن عبد كلال، والحرث بن عبد كلال، ويغنم بن عبد كلال، قيل ذي رعين، ومعافر، وهمدان، أما بعد فقد رجع رسولكم وأعطيتم من المغانم خمس الله، وما كتب الله على المؤمنين من العشر في العقار ما سقت السماء أو كان سيحاً أو بعلاً ففيه العشر إذا بلغ خمسة أوسق، وما سقي بالرشاء والدالية ففيه نصف العشر إذا بلغ خمسة أوسق، وفي كل خمس من الابل سائمة شاة إلى أن تبلغ أربعاً وعشرين، فإذا زادت واحدة على أربع وعشرين ففيها ابنة مخاض، فإن لم توجد ابنة مخاض فابن لبون ذكر إلى أن تبلغ خمساً وثلاثين، فإذا زادت على خمسة وثلاثين واحدة ففيها ابن لبون إلى أن تبلغ خمساً وأربعين، فإن زادت واحدة على خمسة وأربعين ففيها حقة طروقة الفحل إلى أن تبلغ ستين، فإن زادت واحدة فجذعة إلى أن تبلغ خمسة وسبعين، فإن زادت واحدة ففيها ابنا لبون إلى أن تبلغ تسعين، فإن زادت واحدة ففيها حقتان طروقتا الحمل إلى أن تبلغ عشرين ومائة، فما زاد على عشرين ومائة ففي كل أربعين ابنة لبون، وفي كل خمسين حقة، وفي كل ثلاثين باقورة تبيع جذع أو جذعة، وفي كل أربعين باقورة بقرة، وفي كل أربعين شاة سائمة شاة إلى أن تبلغ عشرين ومائة، فإن زادت على العشرين ومائة واحدة ففيها ثلاث شياه إلى أن تبلغ ثلثمائة، فإن زادت فما زاد ففي كل مائة شاة شاة، ولا يؤخذ في الصدقة هرمة، ولا عجفاء، ولا ذات عوار، ولا تيس غنم، إلا أن يشاء المصدق، ولا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خيفة الصدقة، وما أخذ من الخليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية، وفي كل خمس أواق من الورق خمسة دراهم، وما زاد ففي كل أربعين درهماً درهم، وليس فيما دون خمس أواق شيء، وفي كل أربعين ديناراً دينار، إن الصدقة لا تحل لمحمد ولا لآل بيت محمد، إنما هي الزكاة تزكى بها أنفسهم، ولفقراء المؤمنين، وفي سبيل الله، وابن السبيل، وليس في رقيق، ولا مزرعة، ولا عما لها شيء إذا كانت تؤدي صدقتها من العشر، وإنه ليس في عبد مسلم، ولا في فرسه شيء.

قال: وكان في الكتاب.

إن أكبر الكبائر عند الله يوم القيامة إشراك بالله، وقتل النفس المؤمنة بغير حق، والفرار في سبيل الله يوم الزحف، وعقوق الوالدين، ورمي المحصنة، وتعلم السحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وإن العمرة الحج الأصغر، ولا يمس القرآن إلا طاهر، ولا طلاق قبل املاك، ولا عتاق حتى يبتاع، ولا يصلين أحد منكم في ثوب واحد وشقه باد، ولا يصلين أحد منكم عاقصاً شعره، ولا في ثوب واحد ليس على منكبيه منه شيء.

و كان في الكتاب: أن من اعتبط مؤمناً قتلاً عن بينة فإنه قود إلا أن يرضي أولياء المقتول، وأن في النفس الدية مائة من الإِبل، وفي الأنف الذي أوعب جدعه الدية، وفي اللسان الدية، وفي الشفتين الدية، وفي البيضتين الدية، وفي الذكر الدية، وفي الصلب الدية، وفي العينين الدية، وفي الرجل نصف الدية، وفي المأمومة ثلث الدية، وفي الجائفة ثلث الدية، وفي المنقلة خمس عشرة من الإِبل، وفي كل أصبع من الأصابع من اليد والرجل عشر، وفي السن خمس من الإِبل، وفي الموضحة خمس، وأن الرجل بالمرأة، وعلى أهل الذهب ألف دينار» .

وأخرج أبو داود عن حبيب المالكي قال: قال رجل لعمران بن حصين: يا أبا نجيد إنكم لتحدثونا بأحاديث ما نجد لها أصلاً في القرآن!

فغضب عمران وقال: أوجدتم في كل أربعين درهماً درهم، ومن كل كذا وكذا شاة شاة، ومن كذا وكذا بعيراً كذا وكذا.

وجدتم هذا في القرآن؟

قال: لا.

قال: فعمن أخذتم هذا؟!

أخذتموه عنا، وأخذناه عن نبي الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج مالك والشافعي وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارقطني عن ابن عمر قال «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على كل حر أو عبد ذكر أو انثى من المسلمين» .

وأخرج أبو داود وابن ماجة والدارقطني والحاكم وصححه عن ابن عباس قال «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصيام من اللغو والرفث وطعمة للمساكين، فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات» .

وأخرج مالك والشافعي وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارقطني عن أبي سعيد الخدري قال: «كنا نخرج إذ كان فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر عن كل صغير وكبير حر أو مملوك صاعاً من طعام، أو صاعاً من أقط، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من زبيب» .

وأخرج أحمد وأبو داود والدارقطني عن ثعلبة بن صغير قال: «قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً قبل الفطر بيومين فأمر بصدقة الفطر صاع تمر أو صاع شعير على كل رأس، أو صاع بر أو قمح بين اثنين صغير أو كبير حر أو عبد ذكر أو أنثى غني أو فقير، أما غنيكم فيزكيه الله، وأما فقيركم فيرد الله عليه أكثر مما أعطاه» .

وأخرج أحمد والنسائي وابن ماجة والحاكم وصححه عن قيس بن سعد قال: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة، فلما نزلت الزكاة لم يأمرنا ولم ينهنا ونحن نفعله، وأمرنا بصوم عاشوراء قبل أن ينزل رمضان، فلما نزل رمضان لم يأمرنا به ولم ينهنا عنه ونحن نفعله» .

وأخرج الدارقطني عن ابن عمر وعن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر على الصغير والكبير، والذكر والأنثى، والحر والعبد، ممن تمونون.

وأخرج الشافعي عن جعفر بن محمد عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر على الحر والعبد، والذكر والأنثى، ممن تمونون.

وأخرج البزار والدارقطني والحاكم وصححه عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر صارخاً ببطن مكة ينادي إن صدقة الفطر حق واجب على كل مسلم صغير أو كبير، ذكر أو أنثى، حر أو مملوك، حاضر أو باد، صاع من شعير أو تمر.

وأخرج الدارقطني والحاكم وصححه عن أبي هريرة «أن النبي صلى الله عليه وسلم حض على صدقة رمضان على كل إنسان صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من قمح» .

وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن أمه أسماء أنها حدثته: أنهم كانوا يخرجون زكاة الفطر في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمد الذي يقتات به أهل البيت، والصاع الذي يقتاتون به، يفعل ذلك أهل المدينة كلهم.

وأخرج أبو حفص بن شاهين في فضائل رمضان عن جرير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «» صوم رمضان معلق بين السماء والأرض ولا يرفع إلا بزكاة الفطر «، قال ابن شاهين: حديث غريب جيد الاسناد» .

وأخرج مالك والشافعي عن زريق بن حكيم.

أن عمر بن عبد العزيز كتب إليه: أن انظر من مر بك من المسلمين فخذ مما ظهر من أموالهم من التجارات من كل أربعين ديناراً دينار، فما نقص فبحسابه حتى تبلغ عشرين ديناراً، فان نقصت ثلث دينار فدعها ولا تأخذ منها شيئاً.

وأخرج الدارقطني عن أبي عمرو بن جماس عن أبيه قال: كنت أبيع الادم والجعاب، فمر بي عمر بن الخطاب فقال لي: أدِ صدقة مالك.

فقلت: يا أمير المؤمنين إنما هو في الادم!

قال: قوّمه ثم أخرج صدقته.

وأخرج البزار والدارقطني عن سمرة بن جندب قال: «ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمرنا برقيق الرجل أو المرأة الذي هو تلاد له، وهم عملة لا يريد بيعهم، فكان يأمرنا أن لا نخرج عنهم من الصدقة شيئاً، وكان يأمرنا أن نخرج عن الرقيق الذي هو يعد للبيع» .

وأخرج الحاكم وصححه عن بلال بن الحرث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ من المعادن القبلية الصدقة.

وأخرج الشافعي وابن أبي شيبة عن ابن عباس «أنه سئل عن العنبر فقال: إنما هو شيء دسره البحر، فإن كان فيه شيء ففيه الخمس» .

وأخرج مالك وابن أبي شيبة عن ابن شهاب قال: في الزيتون العشر.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال: في الزيتون العشر.

وأخرج الدارقطني عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «في الخيل السائمة في كل فرس دينار» .

وأخرج مالك والشافعي وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارقطني والبيهقي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة إلا زكاة الفطر في الرقيق» .

أما قوله تعالى: ﴿ و لا تيمموا الخبيث منه تنفقون ﴾ الآية.

أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والترمذي وصحّحه وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن البراء بن عازب في قوله: ﴿ ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ﴾ قال: نزلت فينا معشر الأنصار كنا أصحاب نخل، كان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرته وقلته، وكان الرجل يأتي بالقنو والقنوين فيعلقه في المسجد، وكان أهل الصفة ليس لهم طعام، فكان أحدهم إذا جاع أتى القنو فضربه بعصاه فيسقط البسر والتمر فيأكل، وكان ناس ممن لا يرغب في الخير يأتي الرجل بالقنو فيه الشيص والحفش وبالقنو قد انكسر فيعلقه، فأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه ﴾ قال: لو أن أحدكم اهدي إليه مثل ما أعطى لم يأخذه إلا عن اغماض وحياء.

قال: فكنا بعد ذلك يأتي أحدنا بصالح ما عنده.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: ذكر لنا أن الرجل كان يكون له الحائطان فينظر إلى أردئهما تمراً فيتصدق به ويخلط به الحشف، فنزلت الآية، فعاب الله ذلك عليهم ونهاهم عنه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الضحاك قال: كان أناس من المنافقين حين أمر الله أن تؤدى الزكاة يجيئون بصدقاتهم باردأ ما عندهم من الثمرة، فأنزل الله: ﴿ ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: «لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بصدقة الفطر جاء رجل بتمر رديء، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم الذي يخرص النخل أن لا يجيزه، فأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم...

﴾ الآية» .

وأخرج الحاكم من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر قال: «أمر النبي صلى الله عليه وسلم بزكاة الفطر بصاع من تمر، فجاء رجل بتمر رديء فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن رواحة» لا تخرص هذا التمر «، فنزل هذا القرآن ﴿ يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض....

﴾ الآية» .

وأخرج عبد بن حميد وأبو داود والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والدارقطني والحاكم والبيهقي في سننه عن سهل بن حنيف قال: «أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصدقة، فجاء رجل بكبائس من هذا السحل- يعني الشيص- فوضعه، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من جاء بهذا- وكان كل من جاء بشيء نسب إليه- فنزلت ﴿ ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون....

﴾ الآية.

ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لونين من التمر، أو يؤخذا في الصدقة الجعرور ولون الحبيق» .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يشترون الطعام الرخيص ويتصدقون، فأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم...

﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير عن عبيدة السلماني قال: سألت علي بن أبي طالب عن قول الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم...

﴾ الآية.

فقال: نزلت هذه الآية في الزكاة المفروضة، كان الرجل يعمد إلى التمر فيصرمه فيعزل الجيد ناحية، فإذا جاء صاحب الصدقة أعطاه من الرديء.

فقال الله: ﴿ ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه ﴾ يقول: ولا يأخذ أحدكم هذا الرديء حتى يهضم له.

وأخرج ابن جرير عن عطاء قال: «علق إنسان حشفاً في الاقناء التي تعلق بالمدينة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم» ما هذا؟!

بئسما علق هذا «.

فنزلت ﴿ ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ﴾ » .

وأخرج ابن المنذر عن محمد بن يحيى بن حبان المازني من الأنصار «أن رجلاً من قومه أتى بصدقته يحملها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصناف من التمر معروفة من الجعرور واللينة والأيارخ والقضرة وآمعاء فارة وكل هذا لا خير فيه من تمر النخل، فردها الله ورسوله، وأنزل الله فيه ﴿ يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ﴾ إلى قوله: ﴿ حميد ﴾ » .

وأخرج سفيان بن عيينة والفريابي عن مجاهد قال: كانوا يتصدقون بالحشف وشرار التمر، فنهوا عن ذلك وأمروا أن يتصدقوا بطيب قال: وفي ذلك نزلت ﴿ ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ﴾ .

وأخرج وكيع وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير عن الحسن قال: كان الرجل يتصدق برذالة ما له، فنزلت ﴿ ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ﴾ .

وأخرج أبو داود والنسائي وابن ماجة وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي عن عوف بن مالك قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه عصا، فإذا اقناء معلقة في المسجد قنو منها حشف، فطعن في ذلك القنو وقال: ما يضر صاحبه لو تصدق بأطيب من هذه، إن صاحب هذه ليأكل الحشف يوم القيامة» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ أنفقوا من طيبات ما كسبتم ﴾ يقول: تصدقوا من أطيب أموالكم وأنفسه ﴿ ولستم بآخذيه ﴾ قال: لو كان لكم على أحد حق فجاءكم بحق دون حقكم لم تأخذوه بحساب الجيد حتى تنقصوه فذلك قوله: ﴿ إلا أن تغمضوا فيه ﴾ فكيف ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم؟

وحقي عليكم من أطيب أموالكم وأنفسه، وهو قوله: ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ﴾ [ آل عمران: 92] .

وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبد الله بن مغفل في قوله: ﴿ ولا تيمموا الخبيث ﴾ قال: كسب المسلم لا يكون خبيثاً ولكن لا تصدق بالحشف، والدرهم الزيف، وما لا خير فيه.

وفي قوله: ﴿ إلا أن تغمضوا فيه ﴾ قال: لا تجوزوا فيه.

وأخرج ابن ماجة وابن جرير وابن أبي حاتم عن البراء بن عازب ﴿ ولا تيمموا الخبيث ﴾ يقول: ولا تعمدوا للخبيث منه تنفقون، واعلموا أن الله غني عن صدقاتكم.

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: اخبرني عن قوله: ﴿ ولا تيمموا الخبيث ﴾ قال: لا تعمدوا إلى شر ثماركم وحروثكم فتعطوه في الصدقة، ولو أعطيتم ذلك لم تقبلوا.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الأعشى وهو يقول: يممت راحلتي أمام محمد ** أرجو فواضله وحسن نداه و قال أيضاً: تيممت قيسا وكم دونه ** من الأرض من مهمه ذي شرر وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن محمد بن سيرين قال: سألت عبيدة عن هذه الآية ﴿ ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ﴾ قال: إنما ذلك في الزكاة في الشيء الواجب، فأما في التطوّع فلا بأس بأن يتصدق الرجل بالدرهم الزيف هو خير من التمرة.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولستم بآخذيه إلاَّ أن تغمضوا فيه ﴾ قال كان رجال يعطون زكاة أموالهم من التمر، فكانوا يعطون الحشف في الزكاة فقال: لو كان بعضهم يطلب بعضاً ثم قضاه لم يأخذه إلا أن يرى أنه قد أغمض عنه حقه.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه ﴾ قال: لا تأخذونه من غرمائكم ولا في بيوعكم إلا بزيادة على الطيب في الكيل، وذلك فيما كانوا يعلقون من التمر بالمدينة، ومن كل ما أنفقتم فلا تنفقوا إلا طيباً.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ﴾ قال: الحشفة والحنطة المأكولة ﴿ ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه ﴾ قال: أرأيت لو كان لك على رجل حق فاعطاك دراهم فيها زيوف فاخذتها، أليس قد كنت غمضت من حقك؟

وأخرج وكيع عن الحسن ﴿ ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه ﴾ قال: لو وجدتموه يباع في السوق ما أخذتموه حتى يهضم لكم من الثمن.

وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك ﴿ ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه ﴾ يقول: لو كان لك على رجل حق لم ترض أن تأخذ منه دون حقك، فكيف ترضى لله بأردإ مالك تقرب به إليه؟

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه ﴾ يقول: لستم بآخذي هذا الرديء بسعر الطيب إلا أن يهضم لكم منه.

وأخرج أبو داود والطبراني عن عبد الله بن معاوية الفاخري قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «ثلاث من فعلهن فقد طعم طعم الإِيمان: من عبد الله وحده وأنه لا إله إلا الله، وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه وافرة عليه كل عام، ولم يعط الهرمة، ولا الذربة، ولا المريضة، ولا الشرط اللثيمة، ولكن من وسط أموالكم فإن الله لم يسألكم خيره ولا يأمركم بشره» .

وأخرج الشافعي عن عمر بن الخطاب.

أنه استعمل أبا سفيان بن عبد الله على الطائف فقال: قل لهم: لا آخذ منكم الربى، ولا الماخض، ولا ذات الدر، ولا الشاة الأكولة، ولا فحل الغنم، وخذ العناق والجذعة والثنية، فذلك عدل بين رديء المال وخياره.

وأخرج الشافعي عن سعر أخي بني عدي قال: جاءني رجلان فقالا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثنا نصدق أموال الناس.

قال: فأخرجت لهما شاة ماخضاً أفضل ما وجدت، فرداها علي وقالا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا أن نأخذ الشاة الحبلى.

قال: فاعطيتهما شاة من وسط الغنم فاخذاها.

وأخرج أحمد وأبو داود والحاكم وصححه عن أبي بن كعب قال: «بعثني النبي صلى الله عليه وسلم مصدقاً، فمررت برجل فجمع لي ماله فلم أجد عليه فيها إلا ابنة مخاض، فقلت له: أدابة مخاض فإنها صدقتك؟

فقال: ذاك ما لا لبن فيه ولا ظهر ولكن هذه ناقة عظيمة سمينة فخذها.

فقلت له: ما أنا بآخذ ما لم أومر به، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم منك قريب، فإن أحببت أن تأتيه فتعرض عليه ذلك؟

قال: إني فاعل.

فخرج معي بالناقة حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره.

فقال: إن تطوّعت بخير آجرك الله فيه وقبلناه منك، وأمر بقبض الناقة منه ودعا له بالبركة» .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي هريرة قال: لدرهم طيب أحب إلي من مائة ألف، اقرأ ﴿ يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم...

﴾ الآية.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ أنفقوا من طيبات ما كسبتم ﴾ من الحلال.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن مغفل ﴿ أنفقوا من طيبات ما كسبتم ﴾ قال: من الحلال.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: ﴿ ولا تيمموا الخبيث ﴾ قال: الحرام.

وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يكسب عبد مالاً حراماً فينفق منه فيبارك له فيه، ولا يتصدق فيقبل منه، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار.

إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ ولا يمحو السيئ إلا بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث» .

وأخرج البزار عن ابن مسعود رفعه قال: إن الخبيث لا يكفر الخبيث ولكن الطيب يكفر الخبيث.

وأخرج أحمد في الزهد عن ابن عمر قال: إذا طاب المكسب زكت النفقة، إن الخبيث لا يكفر الخبيث.

وأخرج أحمد في الزهد عن أبي الدرداء قال: إن كسب المال من سبيل الحلال قليل، فمن كسب مالاً من غير حله فوضعه في غير حقه فآثر من ذلك أن لا يسلب اليتيم ويكسو الأرملة، ومن كسب مالاً من غير حله فوضعه في غير حقه فذلك الداء العضال، ومن كسب مالاً من حله فوضعه في حقه فذلك يغسل الذنوب كما يغسل الماء التراب عن الصفا.

وأخرج ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا أديت الزكاة فقد قضيت ما عليك، ومن جمع مالاً من حرام ثم تصدق به لم يكن له فيه أجر، وكان إصره عليه» .

وأخرج الطبراني عن ابن مسعود قال: من كسب طيباً خبثه منع الزكاة، ومن كسب خبيثاً لم تطيبه الزكاة.

وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا خرج الحاج حاجاً بنفقة طيبة، ووضع رجله في الغرز فنادى: لبيك اللهم لبيك، ناداه مناد من السماء لبيك وسعديك زادك حلال وراحلتك حلال وحجك مبرور غير مأزور، وإذا خرج بالنفقة الخبيثة فوضع رجله في الغرز، فنادى: لبيك اللهم لبيك، ناداه مناد من السماء لا لبيك ولا سعديك زادك حرام ونفقتك حرام وحجك مأزور غير مبرور» .

وأخرج الأصبهاني في الترغيب عن أسلم مولى عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حج بمال حرام فقال: لبيك اللهم لبيك.

قال الله له: لا لبيك ولا سعديك حجك مردود عليك» .

وأخرج أحمد عن أبي بردة بن نيار قال: «سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أفضل الكسب؟

فقال: بيع مبرور، وعمل الرجل بيده» .

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير قال: «سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي كسب الرجل أطيب؟

قال: عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور» .

وأخرج عبد بن حميد عن عائشة قالت: قال الله: كلوا من طيبات ما كسبتم وأولادكم من أطيب كسبكم، فهم وأموالهم لكم.

وأخرج أحمد وعبد بن حميد والنسائي وابن ماجة عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه» .

وأخرج عبد بن حميد عن عائشة قالت: إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وولده من كسبه، وليس للولد أن يأخذ من مال والده إلا بإذنه، والوالد يأخذ من مال ولده ما شاء بغير إذنه.

وأخرج عبد بن حميد عن عامر الأحول قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ما لنا من أولادنا؟

قال: هم من أطيب كسبكم، وأموالهم لكم» .

وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن المنكدر قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن لي مالاً وإن ليس عيالاً، ولأبي مال وله عيال، وإن أبي يأخذ مالي.

قال: أنت ومالك لأبيك» .

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: يأخذ الرجل من مال ولده إلا الفرج.

وأخرج عبد بن حميد عن الشعبي قال: الرجل في حل من مال ولده.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: يأخذ الوالد من مال ولده ما شاء والوالدة كذلك ولا للولد أن يأخذ من مال والده إلا ما طابت به نفسه.

وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم قال: ليس للرجل من مال ابنه إلا ما احتاج إليه من طعام أو شراب أو لباس.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن الزهري قال: لا يأخذ الرجل من مال ولده شيئاً إلا أن يحتاج فيستنفق بالمعروف، يعوله ابنه كما كان الأب يعوله، فاما إذا كان موسراً فليس له أن يأخذ من مال ابنه فيقي به ماله أو يضعه فيما لا يحل.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد من طريق قتادة عن الحسن قال: يأخذ الرجل من مال ابنه ما شاء، وإن كانت له جارية تسراها إن شاء.

قال قتادة: فلم يعجبني ما قال في الجارية.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن الزهري قال: إذا كانت أم اليتيم محتاجة أنفق عليها من ماله يدها مع يده.

قيل له: فالموسرة قال: لا شيء لها.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ ﴾ يعنى: الجيادَ (١) (٢) (٣) ﴿ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ﴾ يعنى: الحبوب مما يجب فيه الزكاة.

﴿ وَلَا تَيَمَّمُوا ﴾ التَّيَمُّم: القَصْد والتَّعَمُّد، يقال: أمَمْتُه وتَيَمَّمْتُه وَتَأمَّمْتُه ويَمَّمْتُهُ، كله بمعنى: قصدته، قال الأعشى: تَيَمَّمْتُ قَيْسًا وكَمْ دُونَه ...

من الأرضِ من مَهْمَهٍ ذي شَزَن (٤) وقال آخر: رَمَى بصُدُورِ العِيسِ مُنْخَرقَ الصَّبا ...

فلم يَدْرِ شَخْصٌ بعدها أين يَمَّمَا (٥) أي: أين قَصَد، ويقال أيضًا: يممته الشيء، قال: يَمَّمْتُه الرُّمْحَ شَزْرًا ثم قلتُ له ...

هَذِي المروة لا لعب الزحاليق (٦) (٧) وقراءة العامة: ﴿ وَلَا تَيَمَّمُوا ﴾ مخففة التاء، على حذف إحدى التاءين، وقرأ ابن كثير مشددة التاء على الإدغام (٨) قال أبو علي: والإدغام في هذا ينبغي أن لا يجوز؛ لأن المدغم يسكن، وإذا سكن لزم أن تجلب همزة الوصل عند الابتداء به، كما جلبت في أمثلة الماضي، نحو: ادّارأتم، وازينت، واطّيّر، وهمزة الوصل لا تدخل على المضارع، ألا ترى أن من قال في يترّس: اترس، لا يقول في المضارع: اتّرسون، بمعنى: تتترسون، ولا ايفكرون، في تتفكرون (٩) ﴿ يَمِينِكَ تَلْقَفْ  ﴾ ولا تدخل همزة الوصل على المضارع، قال أبو علي: وسألت أحمد بن موسى: كيف يبتدئ من أدغم؟

فقال كلامًا معناه: إنه يصير إذا ابتدأ إلى قول من خَفّف ويدعُ الإدغام.

وأما التاء المحذوفة على قراءة العامة فقال هشام: هي الأولى من التائين، والفراء يقول: أيهما شئت أسقطت لنيابة الباقية عنها، وسيبويه لا يسقط إلا الثانية.

قال ابن عباس جاء رجل ذات يوم بعذق حَشَف فوضعه في الصدقة فقال رسول الله  : "ما صنع صاحب هذا" فأنزل الله هذه الآية (١٠) وقال علي بن أبي طالب (١١) والحسن (١٢) (١٣) (١٤) ﴿ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ ﴾ .

يعني: الرديء من أموالكم (١٥) وقوله تعالى: ﴿ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ ﴾ قال الفراء: (أن) هاهنا في مذهب جزاء، يدلك عليه: أن المعنى: إن أغمضتم بعض الإغماض أخذتموه، وإنما فتحتها لأن إلا وقعت عليها، وهي في موضعِ خفضٍ، وإذا رأيت (أن) في الجزاء قد أصابها معنى خفض أو نصب أو رفع، انفتحت فهذا من ذلك، والمعنى، والله أعلم: ولستم بآخذيه إلا على الإغماض، أو بإغماض، وعن إغماض.

قال: ومثله: قوله: ﴿ إِلَّا أَنْ يَخَافَا  ﴾ ﴿ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ  ﴾ (١٦) وأنكر المبرد ذلك، وقال: (أن) إذا كانت مع الفعل بمعنى المصدر كانت مفتوحة أبدًا على كل حال، وذلك نحو: أن تأتينى خير لك.

والمعنى في الآية: ولستم بآخذيه إلا بإغماضكم فيه (١٧) والإغْمَاضُ في اللغة: غَضُّ البصر (١٨) أَرَّقَ عَيْنِي عن الإِغْمَاضِ ...

بَرْقٌ سَرَى في عَارِضٍ نهّاض (١٩) وأصله من الغموض، وهو الخفاء، غمُض الشيء يَغْمُضُ غُموضًا، والإغْمَاضُ والغَمْضُ (٢٠) (٢١) والمراد بالإغماض في الآية: التجويزُ والمساهلة، وذلك أن الإنسان إذا رأى ما يكره أَغْمَضَ عينه لئلا يرى ذلك، ثم كثر ذلك حتى جُعِلَ كلُّ تجاوز ومساهلة في البيع وغيره (٢٢) (٢٣) قال الطِّرِمَّاح في الإغماض بمعنى (٢٤) لم يَفُتْنا بالوِتْرِ قومٌ وللضيمِ ...

رجالٌ يَرْضَونَ بالإِغْمَاضِ (٢٥) ويقال من هذا: اغمض لي في البياعة، أي: زدني لمكان ردائته، أو حُط لي من ثمنه (٢٦) ﴿ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ ﴾ يقول: أنتم (٢٧) (٢٨) قال ابن عباس في رواية العوفي: لو كان لأحدكم على رجل حقٌّ فجاءه بهذا لم يأخذه إلا وهو يرى أنه قد أغمض له عن بعض حقه وتساهل فيه (٢٩) وقال في رواية الوالبي: ولستم بآخذي هذا الرديء بحساب الجيد حتى تحطوا من الثمن (٣٠) (٣١) (٣٢) (٣٣) (٣٤) ﴿ تُغْمِضُوا ﴾ فيه بضم التاء وفتح الميم (٣٥) قال صاحب "النظم": اختلف في نظم هذه الآية فريقان: أحدهما: زعم أن انتهاء الفصل الأول إلى قوله: ﴿ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ ﴾ ثم ابتدأ خبرًا آخر في وصف الخبيث، فقال: (تنفقون منه) أي: من الخبيث تنفقون، ولا تأخذون منه إلا إذا أغمضتم، أي: ساهلتم.

وقوله تعالى: ﴿ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ ﴾ الآخذون وصف وضع موضع الفعل، والمراد: لا تأخذون، كقوله: ﴿ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ  ﴾ أي: أم صَمَتُّم، فيكون تأويل هذا الفصل: تنفقون منه ولا تأخذونه إذا وجب لكم إلا بالإغماض.

الفريق الثاني: أن انتهاء الفصل: ﴿ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ ﴾ ، فيكون (الذي) مضمرًا، كأنه قيل: ولا تيمموا الخبيث منه الذي تنفقونه، ولستم بآخذيه إلا بالإغماض (٣٦) ﴿ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا  ﴾ .

قال المفسرون: وفي هذه الآية بيان أن الفقراء شركاء رب المال في ماله، فإذا كان ماله جيدًا فهم شركاؤه في الجيد، والشريك لا يأخذ الرديء من الجيد، إلا بالتساهل (٣٧) (١) ليست في (ش) ولا (ي).

(٢) "تفسير الثعلبي" 2/ 1598.

(٣) روي عن ابن مسعود ومجاهد.

ينظر "تفسير الثعلبي" 2/ 1598، والبغوي في "تفسيره" 1/ 329.

(٤) البيت في "ديوانه" ص207، "تفسير الطبري" 3/ 82، "تهذيب اللغة" 1/ 207، "تفسير الثعلبي" 2/ 1619، "اللسان" 1/ 132 (مادة: أمم) من قصيدة يمدح بها قيس بن معدي كرب، ومعنى: ذي شزن: غليظ، يصفُ وُعُورَةَ الطريق الذي يسلكه ليصل منه إلى ممدوحه، انظر: "زاد المسير" 1/ 322.

وضبطت (شَزَن) بالفتح على الشين والزاي في "تهذيب اللغة" "اللسان" وبضمها في نسخة (أ).

(٥) أورده صاحب (ديوان الحماسة) 1/ 404 دون أن ينسبه.

(٦) البيت لعامر بن مالك مُلاعِبُ الأَسِنّة في "لسان العرب" 3/ 1819 (مادة: زحلق)، 1/ 132 (مادة: أمم) وروايته: صدرًا بدل: شزرًا.

"ومجمل اللغة" 4/ 560، "مقاييس اللغة" 1/ 31.

(٧) ينظر في أمم: "تهذيب اللغة" 1/ 207، "المفردات" ص 32 - 33، "اللسان" 1/ 132.

(٨) ينظر "المبسوط في القراءات العشر" ص 135،"حجة القراءات" لابن زنجلة ص146، "النشر في القراءات العشر" 2/ 232.

(٩) في (م): (يتفكرون).

(١٠) رواه الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1623، وفي إسناده صالح بن محمد، والسدي الصغير، والكلبي، وهذا السند يسمى: سلسلة الكذب، وأورد نحوه مقاتل بن سليمان في "تفسيره" 1/ 222 وأبو الليث في "بحر العلوم" 1/ 231، وروى ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 526 من طريق جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: وإن أصحاب رسول الله  يشترون الطعام الرخيص ويتصدقون، فأنزل الله على نبيه الآية، وروى أبو داود (1608) كتاب: الزكاة، باب: فلا يجوز في الثمرة من الصدقة، والنسائي 5/ 43 كتاب: الزكاة، باب زكاة الثمر، وابن ماجه (1821) كتاب: الزكاة، باب النهي أن يخرج من الصدقة شر ماله، والإمام أحمد 6/ 23، والحاكم 2/ 313، وصححه عن عوف بن مالك قال: دخل علينا رسول الله  المسجد وبيده عصا، وقد علق رجل منا حشفه، فطعن بالعصا في ذلك القنو، وقال: "لو شاء رب هذه الصدقة تصدق بأطيب منها" الحديث، وليس فيه أن القصة كانت سبب نزول الآية.

(١١) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 84 بمعناه، وذكره في "تفسير الثعلبي" 2/ 1623، "النكت والعيون" 1/ 343.

(١٢) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 83، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1623، والبغوي في "تفسيره" 1/ 333.

(١٣) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 83، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1623، والبغوي في "تفسيره" 1/ 333، وعزاه السيوطي في "الدر" 1/ 611 إلى سفيان بن عيينة والفريابي، وعزاه الحافظ في "العجاب" 1/ 626 إلى عبد بن حميد.

(١٤) من قوله: (وقال علي).

ساقط من (ي).

(١٥) "تفسيرالثعلبي" 2/ 1623.

(١٦) "معاني القرآن" للفراء 1/ 178 بمعناه.

(١٧) نقله عنه في "البحر المحيط" 2/ 318.

(١٨) في (ي): (الطرف).

(١٩) البيت في "ديوانه" ص 81، وكذا في "تفسير الثعلبي" 1/ 1625، وفي "اللسان" 6/ 3299 (مادة: غمض)، وروايته: أرَّق عينيك عن الغماض.

(٢٠) في (ش) و (ي): (والتغميض).

(٢١) ينظر في غمض: "تهذيب اللغة" 3/ 2697، "المفردات" 367، "اللسان" 6/ 3299، وقال في "القاموس" 649: الغامض: المطمئن من الأرض، ج: غوامض، كالغمض، ج: غموض، وأغماض، وقد غمض المكان غموضا، وككرم: غموضة وغماضة، والرجل الفاتر عن الحملة، وخلاف الواضح من الكلام، وقد غمض ككرم ونصر: غموضة، والخامل: الذليل، والحسب الغير المعروف.

(٢٢) سقطت من (ي).

(٢٣) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1625، "تهذيب اللغة" 3/ 2697، "المفردات" ص 367 (مادة: غمض).

(٢٤) في (م): (يغض).

(٢٥) البيت في "ديوانه" ص 170.

وفي "تفسير الطبري" 3/ 84، والوِتْر: الثأر؛ وبالإغماض: أي الإغماض على الضيم، والتساهل فيه.

(٢٦) ينظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2697 (مادة: غمض).

(٢٧) سقطت من (ي).

(٢٨) ينظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2697 (مادة: غمض).

(٢٩) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 84، "ابن أبي حاتم" في تفسيره 2/ 528.

(٣٠) المصدرين السابقين.

(٣١) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 85، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 529، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1626، والبغوي في "تفسيره" 1/ 333.

(٣٢) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 85، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1626، والبغوي في "تفسيره" 1/ 333.

(٣٣) في (ي): (على).

(٣٤) ينظر: "التبيان" ص 162، "البحر المحيط" 2/ 318.

(٣٥) "تفسير الثعلبي" 2/ 1625، وعزاها في "المحتسب" 1/ 139، و"البحر المحيط" 2/ 319 إلى قتادة.

(٣٦) سقطت هذه الجملة من (أ) و (م) و (ش).

(٣٧) ينظر: "تفسير الطبري" 3/ 86، "تفسير الثعلبي" 2/ 1627.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ مِن طيبات مَا كَسَبْتُمْ ﴾ والطيبات هنا عند الجمهور: الجيد غير الرديء، فقيل: إنّ ذلك في الزكاة فيكون واجباً؛ وقيل: في التطوع فيكون مندوباً لا واجباً؛ لأنه كما يجوز التطوع بالقليل يجوز بالرديء ﴿ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا ﴾ من النبات والمعادن وغير ذلك ﴿ وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث ﴾ أي لا تقصدوا الرديء ﴿ مِنْهُ تُنْفِقُونَ ﴾ في موضع الحال ﴿ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ ﴾ الواو للحال.

والمعنى: أنكم لا تأخذونه في حقوقكم وديونكم، إلاّ أن تتسامحوا بأخذه وتغمضوا من قولك: أغمض فلان عن بعض حقه: إذا لم يستوفه وإذا غض بصره.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولا تيمموا ﴾ بتشديد التاء ومد الألف: البزي وابن فليح الباقون على الأصل ﴿ ومن يؤت الحكمة ﴾ بكسر التاء: يعقوب أي من يؤتيه الله.

الباقون بالفتح ﴿ فنعما هي ﴾ ساكنة العين: أبو عمرو والمفضل ويحيى وأبو جعفر ونافع غير ورش ﴿ فنعما هي ﴾ بفتح النون وكسر العين: ابن عامر وعلي وحمزة وخلف والخراز، الباقون ﴿ فنعما هي ﴾ بكسر النون والعين والميم مشددة في القراءات، ﴿ ونكفر ﴾ بالنون والراء ساكنة: أبو جعفر ونافع وحمزة وخلف وعلي ﴿ ويكفر ﴾ بالياء والراء مرفوعة: ابن عامر وحفص والمفضل.

الباقون ﴿ ونكفر ﴾ بالنون ورفع الراء ﴿ يحسبهم ﴾ وبابه بفتح السين: ابن عامر ويزيد وحمزة وعاصم غير الأعشى وهبيرة.

﴿ بسيماهم ﴾ بالإمالة: حمزة وعلي وابن شاذان عن خلاد مخيراً.

وقرأ أبو عمرو بالإمالة اللطيفة، وكذلك كل كلمة على ميزان "فعلى".

الوقوف: ﴿ من الأرض ﴾ "ز" لعطف المتفقتين ﴿ تغمضوا فيه ﴾ (ط)، ﴿ حميد ﴾ ه، ﴿ الفحشاء ﴾ ج، وإن اتفقت الجملتان ولكن للفصل بين تخويف الشيطان الكذاب ووعد الله الحق الصادق، ﴿ فضلاً ﴾ ط، ﴿ عليم ﴾ ه، وقد يوصل على جعل ما بعده صفة، ﴿ من يشاء ﴾ ج لابتداء الشرط مع العطف.

ومن قرأ ﴿ ومن يؤت الحكمة ﴾ بالكسر فالوصل أجوز.

﴿ كثيراً ﴾ ط، ﴿ الألباب ﴾ ه، ﴿ يعلمه ﴾ ط، ﴿ أنصار ﴾ ه، ﴿ فنعما هي ﴾ ج، ﴿ خير لكم ﴾ ط، لمن قرأ ﴿ ونكفر ﴾ مرفوعاً بالنون أو الياء على الاستئناف.

ومن جزم بالعطف على موضع فهو خير لكم لم يقف ﴿ سيئاتكم ﴾ ط، ﴿ خبير ﴾ ه، ﴿ من يشاء ﴾ ط لابتداء الشرط ﴿ فلأنفسكم ﴾ ط لابتداء النفي، ﴿ وجه الله ﴾ ط، ﴿ لا يظلمون ﴾ ه، ﴿ في الأرض ﴾ ز لأن ﴿ يحسبهم ﴾ وإن صلحت حالاً بعد حال نظماً، ولكن لا يليق بحال من أحصر.

﴿ التعفف ﴾ ز لأن ﴿ تعرفهم ﴾ تصلح استئنافاً والحال أوجه أي يحسبهم الجاهل أغنياء وأنت تعرفهم بحقيقة ما في بطونهم من الضر وهم لا يسألون الناس على إلحاف.

وقد يجعل ﴿ لا يسألون ﴾ استئنافاً فيجوز الوقف على ﴿ سيماهم ﴾ ﴿ إلحافاً ﴾ ط، ﴿ عليم ﴾ ه، ﴿ عند ربهم ﴾ ج ﴿ يحزنون ﴾ ه.

التفسير: لما رغب في الإنفاق وذكر أن منه ما يتبعه المن والأذى، ومنه ما لا يتبعه ذلك، وشرح ما يتعلق بكل من القسمين وضرب لكل واحد مثلاً، ذكر بعد ذلك أن المال الذي أمر بإنفاقه في سبيل الله كيف يجب أن يكون فقال ﴿ أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما/ أخرجنا ﴾ أي من طيبات ما أخرجنا، فحذف لدلالة الأول عليه.

عن الحسن: أن المراد من هذا الإنفاق الفرض بناء على أن ظاهر الأمر للوجوب، والإنفاق الواجب ليس إلا الزكاة وسائر النفقات الواجبة، وقيل: التطوع لما روي عن علي والحسن ومجاهد أن بعض الناس كانوا يتصدقون بشرار ثمارهم ورذالة أموالهم فأنزل الله هذه الآية.

عن ابن عباس: "جاء رجل ذات يوم بعذق حشف فوضعه في الصدقة لأهل الصفة على حبل بين أسطوانيتن في مسجد رسول الله  فقال  : بئسما صنع صاحب هذا" فنزلت.

وقيل: يشمل الفرض والنفل، لأن المفهوم من الأمر ترجيح جانب الفعل على الترك فقط، ويتفرع على قول الوجوب وجوب الزكاة في كل مال يكسبه الإنسان، فيشمل زكاة التجارة وزكاة الذهب والفضة وزكاة النعم وزكاة كل ما ينبت من الأرض، إلا أن العلماء خصصوها بالأقوات لما روي أنه  قال: " الصدقة في أربعة: في التمر والزبيب والحنطة والشعير وليس فيما سواها صدقة" فهذا الخبر ينفي الزكاة في غير الأربعة، لكن ثبت أخذ الزكاة من الذرة وغيرها بأمر  فعلم وجوب الزكاة في الأقوات دون غيرها.

ولا يكفي في وجوب الزكاة كون الشيء مقتاتاً على الإطلاق، بل المعتبر حالة الاختيار لا وقت الضرورة ومثله الشافعي بالقت وحب الحنظل وسائر البذور البرية، وشبهها ببقرة الوحش لا زكاة فيها لأن الناس لا يتعهدونها.

وأيضاً لا تجب الزكاة في القوت ما لم يبلغ خمسة أوسق وبه قال مالك وأحمد لرواية أبي سعيد الخدري أن النبي  قال: "ليس فيما دون خمسَة أوسق صدقة" وقال أبو حنيفة: يجب العشر في القليل والكثير استدلالاً بعموم الآية.

وتفصيل الكلام في الأموال الزكوية وكيفية إخراجها ونصاب كل منها مشهور مذكور في الفروع، فلذلك ولطولها لم نشرع فيها.

وما المراد بالطيب في الآية؟

قيل: الجيد فيكون المراد بالخبيث الرديء لما مر في سبب النزول أنهم كانوا يتصدقون برذالة أموالهم فنهوا عن ذلك، ولأن المحرم لا يجوز أخذه بالإغماض وبغيره، والآية دلت على جواز أخذ الخبيث بالإغماض، وعن ابن مسعود ومجاهد: أن الطيب هو الحلال والخبيث هو الحرام، والمراد من الإغماض هو المسامحة وترك الاستقصاء.

والمعنى ولستم بآخذيه وأنتم تعلمون أنه محرم إلا أن ترخصوا لأنفسكم أخذ الحرام ولا تبالوا من أي وجه أخذتم المال من حلاله أو من حرامه، ويحتمل أن يراد ما/ يكون طيباً من جميع الوجوه فيكون طيباً بمعنى الحلال وبمعنى الجودة أيضاً، لأن الاستطابة قد تكون شرعاً وقد تكون عقلاً.

واعلم أن المال الزكوي إن كان كله شريفاً وجب أن يكون المأخوذ منه كذلك، وإن كان الكل خسيساً فلا يكلف صاحبه فوق طاقته ولا يكون خلافاً للآية لأن المأخوذ في هذه الحال لا يكون خبيثاً من ذلك المال وإنما الكلام فيما لو كان في المالجيد ورديء فحينئذٍ يقال للإنسان لا تجعل الزكاة من رديء مالك، ولا تكلف أيضاً جيده لقوله  لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: " اعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم وإياك وكرائم أموالهم " بل الواجب حينئذٍ هو الوسط.

ثم إن قلنا: المراد من الإنفاق في الآية التطوع أو هو والفرض جميعاً، فالمعنى أن الله  ندبهم إلى أن يتقربوا إليه بأفضل ما يملكونه قضاء لحقوق التعظيم والإخلاص، ومعنى ﴿ لا تيمموا الخبيث ﴾ لا تقصدوه.

يقال: تيممته وتأممته كله بمعنى قصدته.

ومحل ﴿ تنفقون ﴾ نصب على الحال، وقدم ﴿ منه ﴾ عليه ليعلم أن المنهي عنه هو تخصيص الخبيث بالإنفاق منه أي إذا كان في المال طيب وخبيث.

ويحتمل أن يتم الكلام عند قوله: ﴿ ولا تيمموا الخبيث ﴾ ثم ابتدأ مستفهماً بطريق الإنكار فقال: ﴿ منه تنفقون ﴾ وحالكم أنكم لا تأخذونه في حقوقكم إلا بالإغماض وهو غض البصر وإطباق جفن على جفن وأصله من الغموض وهو الخفاء.

يقال للبائع: أَغْمِضْ أي لا تستقص كأنك لا تبصر.

وأصله أن الإنسان إذا رأى ما يكره أغمض عينيه كيلا يرى ذلك، فكثر حتى جعل كل مساهلة إغماضاً أي لو أهدي لكم مثل هذه الأشياء أخذتموها إلا على استحياء وإغماض، فكيف ترضون لي ما لا ترضونه لأنفسكم؟

ويحتمل أن يراد إلا إذا أغمضتم بصر البائع أي كلفتموه الحط من الثمن.

عن الحسن: لو وجدتموه في السوق يباع ما أخذتموه حتى يهضم لكم من ثمنه.

﴿ واعلموا أن الله غني ﴾ عن صدقاتكم ﴿ حميد ﴾ محمود على ما أنعم من البيان والتكليف بما تحوزون به النعيم الأبدي، أو حامد شاكر على إنفاقكم كقوله: ﴿ فأولئك كان سعيهم مشكوراً  ﴾ ثم إن الله  لما رغب في أجود ما يملكه الإنسان أن ينفق، حذر عن وسوسة الشيطان فقال: ﴿ الشيطان يعدكم الفقر ﴾ أما الشيطان فيشمل إبليس وجنوده وشياطين الإنس والنفس الأمارة بالسوء.

والوعد يستعمل في الخير والشر.

قال  : ﴿ النار وعدها الله الذين كفروا  ﴾ ويمكن أن يكون استعماله في الشر محمولاً على التهكم مثل ﴿ فبشرهم بعذاب أليم  ﴾ وأصل الفقر في اللغة كسر الفقار وقرىء الفقر بضمتين، والفقر بفتحتين.

﴿ ويأمركم بالفحشاء ﴾ يغريكم على البخل ومنع الصدقات إغراء الآمر للمأمور.

والفاحش عند العرب البخيل.

والتحقيق أن لكل خلق طرفين ووسطاً، فالطرف الكامل للإنفاق هو أن يبذل كل ماله في سبيل الله، والطرف الأفحش أن لا ينفق شيئاً لا الجيد ولا الرديء، والوسط أن يبخل بالجيد وينفق الرديء.

فالشيطان إذا أراد نقله من الأفضل إلى الأفحش، فمن خفي حيلته أن يجره إلى الوسط وهو وعده بالفقر، ثم إلى الطرف وهو أمره بالفحشاء.

وذلك أن البخل صفة مذمومة عند كل أحد فلا يمكنه أن يجره ابتداء إليها إلا بتقديم مقدمة هي التخويف بالفقر إذا أنفق الجيد من ماله، فإذا أطاعه زاد فيمنعه من الإنفاق بالكلية.

وربما تدرج إلى أن يمنع الحقوق الواجبة فلا يؤدي الزكاة ولا يصل الرحم ولا يرد الوديعة، فإذا صار هكذا ذهب وقع الذنوب عن قلبه ويتسع الخرق فيقدم على المعاصي كلها.

ثم لما ذكر درجات وسوسة الشيطان أردفها بذكر إلهامات الرحمن فقال: ﴿ والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً ﴾ فالمغفرة إشارة إلى منافع الآخرة والفضل إشارة إلى ما يحصل في الدنيا من الخلف عن النبي  " إن الملك ينادي كل ليلة: اللهم أعط منفقاً خلفاً وممسكاً تلفا " فالشيطان يعدكم الفقر في غد الدنيا، والرحمن يعدكم المغفرة في غد العقبى، ووعد الرحمن بالقبول أولى لأن الوصول إلى غد الدنيا مشكوك فيه، وغد العقبى مقطوع به.

وعلى تقدير وجدان غد الدنيا فقد لا يبقى المال بآفةأخرى، وعند وجدان العقبى لا بد من حصول المغفرة فإن الله  لا يخلف الميعاد.

ولو فرض بقاء المال فقد لا يتمكن صاحبه من الانتفاع به لخوف أو مرض أومهم بخلاف الانتفاع بما في الآخرة فإنه لا مانع منه.

وبتقدير التمكن من الانتفاع بالمال فإن ذلك ينقطع ويزول بخلاف الموعود في الآخرة فإنه باق لا يزول.

وأيضاً لذات الدنيا مشوبة بالآلام والمضار ألبتة، فلا لذة إلا وفيها ألم من وجوه كثيرة بخلاف لذات الآخرة فإنه لا نغص فيها ولا نقص.

والمراد بالمغفرة تكفير الذنوب، والتنكير فيه للدلالة على الكمال والتعظيم لا سيما وقد قرن به لفظة "منه" فإن غاية كرمه ونهاية جوده مما يعجز عن إدراكها عقول الخلائق.

ويحتمل أن يكون نوعاً من المغفرة وهو المشار إليه في آية أخرى ﴿ فأولئك يبدل الله سيآتهم حسنات  ﴾ أو أن يجعل شفيعاً في غفران ذنوب إخوانه المؤمنين.

وأما الفضل فيحتمل أن يراد به الفضيلة الحاصلة للنفس وهي ملكة الجود والسخاء، وذلك أن المال فضيلة خارجية وعدمه نقصان خارجي، وملكة الجود فضيلة نفسانية وملكة البخل رذيلة/ نفسانية، فمتى لم يحصل الإنفاق حصل الكمال الخارجي والنقصان الداخلي، وإذا حصل الإنفاق وجد الكمال الداخلي والنقصان الخارجي، فيكون الإنفاق أولى وأفضل.

وأيضاً متى حصلت ملكة الإنفاق زالت عن النفس هيئة الاشتغال بنعيم الدنيا والتهالك في طلبها فاستنارت بالأنوار القدسية وهذا هو الفضل.

وأيضاً مهما عرف من الإنسان أنه منفق كانت الهمم معقودة على أن يفتح الله عليه أبواب الرزق ولمثل ذلك من التأثير ما لا يخفى ﴿ والله واسع ﴾ كامل العطاء كافل للخلف قادر على إنجاز ما وعد ﴿ عليم ﴾ بحال من أنفق ثقة بوعده وبحال من لم ينفق طاعة للشيطان.

ثم نبه على الأمرالذي لأجله يحصل ترجيح وعد الرحمن على وعد الشيطان وهو الحكمة والعقل، فإن وعد الشيطان إنما ترجحه الشهوة والنفس.

عن مقاتل: إن تفسير الحكمة في القرآن على أربعة أوجه: أحدها: مواعظ القرآن ﴿ وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به  ﴾ وثانيها الحكمة بمعنى الفهم ﴿ وآتيناه الحكم صبياً  ﴾ ﴿ ولقد آتينا لقمان الحكمة  ﴾ وثالثها الحكمة بمعنى النبوة ﴿ وآتاه الله الملك والحكمة  ﴾ ورابعها القرآن بما فيه من الأسرار ﴿ يؤتي الحكمة من يشاء ﴾ وجميع هذه الوجوه عند التحقيق ترجع إلى العلم.

فتأمل يا مسكين شرف العلم فإن الله  سماه الخير الكثير ﴿ ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً ﴾ والتنكير للتعظيم.

وسمى الدنيا بأسرها قليلاً ﴿ قل متاع الدنيا قليل ﴾ وذلك أن الدنيا متناهية العدد، متناهية المقدار، متناهية المدة والعلوم، لا نهاية لمراتبها وعددها ومدة بقائها والسعادات الحاصلة منها.

واعلم أن كمال الإنسان في شيئين: أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به.

فمرجع الأول إلى العلم والإدراك المطلق، ومرجع الثاني إلى فعل العدل والصواب، ولذلك سأل إبراهيم  ﴿ رب هب لي حكماً  ﴾ وهو الحكمة النظرية، ﴿ وألحقني بالصالحين  ﴾ وهو الحكمة العملية.

ونودي موسى  ﴿ إنى أنا الله لا إله إلا أنا ﴾ وهو الحكمة النظرية ثم قال: ﴿ فاعبدني  ﴾ وهو العملية.

وحكي عن عيسى  أنه ﴿ قال إنّي عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً وجعلني مباركاً أينما كنت  ﴾ وكلها النظرية ﴿ وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً  ﴾ وجميعها العملية.

وقال في حق محمد  : ﴿ فاعلم أنه لا إله إلا الله  ﴾ وهو النظرية ثم قال ﴿ واستغفر لذنبك  ﴾ وهو العملية.

وقال في حق جميع الأنبياء ﴿ ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا  ﴾ وأنه الحكمة العلمية ثم قال ﴿ فاتقون  ﴾ وهو الحكمة العملية./ فعلم من هذه الآيات وأمثالها أن كمال حال الإنسان في هاتين القوتين.

والحكمة فعلة من الحكم كالنحلة من النحل.

ورجل حكيم إذا كان ذا حجا ولب وإصابة رأي، فعيل بمعنى فاعل ويجيء بمعنى مفعول ﴿ فيه يفرق كل أمر حكيم  ﴾ أي محكم.

وفي الآية دليل على أن جميع العلوم النظرية والأخلاق المرضية إنما هي بإيتاء الله  .

والذين حملوا الإيتاء على التوفيق والإعانة كالمعتزلة ما زادوا إلا أن وسعوا الدائرة إذ لا بد من الانتهاء إليه أية سلكوا ﴿ وما يذكر إلا أولوا الألباب ﴾ الذين إذا حصل لهم الحكم والمعارف لم يقفوا عند المسببات، فلم ينسبوا هذه الأحوال إلى أنفسهم بل يرقون إلى أسبابها حتى يصلوا إلى السبب الأول.

وأما المعتزلة فإنهم لما فسروا الحكمة بقوة الفهم ووضع الدلائل قالوا: هذه الحكمة لا تفيد بنفسها وإنما ينتفع بها المرء إذا تدبر وتذكر فعرف ماله وما عليه، وعند ذلك يقدم أو يحجم.

ثم إنه  نبه على أنه عالم بما في قلب العبد من نية الإخلاص أو الرياء، وأنه يعلم القدر المستحق من الثواب والعقاب على تلك الدواعي والنيات فلا يهمل شيئاً منها فقال ﴿ وما أنفقتم من نفقة ﴾ لله أو للشيطان ﴿ أو نذرتم من نذر ﴾ في طاعة الله أو معصيته ﴿ فإن الله يعلمه ﴾ وتذكير الضمير إما لأنه عائد إلى "ما" وإما لأنه عائد إلى الأخير كقوله: ﴿ ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً  ﴾ وهذا قول الأخفش، والنذر ما يلتزمه الإنسان بإيجابه على نفسه وأصله من الخوف كأنه يعقد على نفسه خوف التقصير في الأمر المهم عنده ومنه الإنذار إبلاغ مع تخويف.

واعلم أن النذر قسمان: نذر اللجاج والغضب ونذر التبرر.

أما الأول فهو أن يمنع نفسه من الفعل أو يحثها عليه بتعليق التزام قربة بالفعل أو الترك كقوله "إن كلمت فلاناً أو أكلت كذا أو دخلت الدار أو لم أخرج من البلد فللَّه علي صوم شهر أو صلاة أو حج أو إعتاق رقبة" ثم إنه إذا كلمه أو أكل أو دخل أو لم يخرج فللعماء ثلاثة أقوال: أحدها يلزمه الوفاء بما التزم، والثاني: وهو الأصح أن عليه كفارة يمين لما روي أنه  : "كفارة النذر كفارة اليمين" ، والثالث: التخيير بين الوفاء وبين الكفارة.

وأما نذر التبرر فنوعان: نذر المجازاة وهو أن يلتزم قربة في مقابلة حدوث نعمة أو اندفاع نقمة مثل "إن شفى الله مريضي أو رزقني ولدا فللَّه علي أن أعتق رقبة أو أصوم أو أصلي كذا" فإذا حصل المعلق عليه لزمه الوفاء بما التزم لقوله  : " "من نذر أن يطيع الله فليطعه " .

ونذر التنجيز وهو أن يلتزم ابتداء غير معلق على شيء كقوله "لله علي/ أن أصوم أو أصلي أو أعتق" فالأصح أنه يصح ويلزم الوفاء به لمطلق الخبر.

وما يفرض التزامه بالنذر إما المعاصي وإما الطاعات وإما المباحات.

فالمعاصي كشرب الخمر والزنا ونذر المرأة صوم أيام الحيض ونذر قراءة القرآن في حال الجنابة لا يصح التزامها بالنذر لأنه لا نذر في معصية الله  ، ومن هذا القبيل نذر ذبح الولد أو ذبح نفسه.

وإذا لم ينعقد نذر فعل المعصية فعليه أن يمتنع منه ولا يلزمه كفارة يمين، وما روي من أنه  قال: " لا نذر في معصية الله وكفارته كفارة يمين " محمول على نذر اللجاج، وأما الطاعات فالواجبات ابتداء بالشرع كالصلوات الخمس وصوم رمضان لا معنى لالتزامها بالنذر معلقاً أو غير معلق، وكذا لو نذر أن لا يشرب الخمر ولا يزني، وإذا خالف ما ذكره فلا يلزمه الكفارة على الأصح، وأما غير الواجبات فالعبادات المقصودة وهي التي وضعت للتقرب بها وعرف من الشارع الاهتمام بتكليف الخلق بإيقاعها عبادة فتلزم بالنذر وذلك كالصوم والصلاة والزكاة والصدقة والحج والاعتكاف والإعتاق وكذا فروض الكفايات التي يحتاج فيها إلى معاناة تعب وبذل مال كالجهاد وتجهيز الموتى، ذكره إمام الحرمين - وفي الصلاة على الجنازة والأمر بالمعروف، وما ليس فيه بذل مال وكثير مشقة الأظهر اللزوم أيضا، وكما يلزم أصل العبادات بالنذر يلزم رعاية الصفة المشروطة فيها إذا كانت من المحبوبات كالصلاة بشرط طول القراءة أو الركوع أو السجود أو الحج بشرط المشي إذا جعلناه أفضل من الركوب وهو الأصح ولو أفرد الصفة بالالتزام.

والأصل واجب كتطويل الركوع والسجود أو القراءة في الفرائض، فالأشبة اللزوم لأنها عبادات مندوب إليها.

وأما الأعمال والأخلاق المستحسنة كعيادة المريض وزيارة القادم وإفشاء السلام على المسلمين فالأظهر لزومها أيضاً بالنذر، وكذا تجديد الوضوء لأن كلها مما يتقرب بها إلى الله  ، وقد رغب الشارع فيها.

وأما المباحات التي لم يرد فيها ترغيب كالأكل والنوم والقيام والقعود فلو نذر فعلها أو تركها لم ينعقد نذره، "روي أن النبي  رأى رجلاً قائماً في الشمس فسأل عنه فقالوا: نذر أن لا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال  : مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه" .

ولو قال: "لله عليّ نذر" من غير تسمية لزمه كفارة يمين لقوله  : " "من نذر نذراً وسمى فعليه ما سمى، ومن نذر نذراً ولم يسم فعليه كفارة يمين " ﴿ وما للظالمين ﴾ الذين يمنعون الصدقات، أو ينفقون أموالهم في المعاصي، أو للرياء، أو لا يوفون بالنذور، أو ينذرون في/ المعاصي ﴿ من أنصار ﴾ ممن ينصرهم من الله ويمنعهم من عقابه.

والأنصار جمع ناصر كأصحاب في صاحب، أو جمعٍ نصير كأشراف في شريف.

وقد يتمسك المعتزلة بهذا في نفي الشفاعة لأهل الكبائر، فإن الشفيع ناصر.

ورد بأن الشفيع في العرف لا يسمى ناصراً وإلا كان قوله ﴿ ولا هم ينصرون  ﴾ بعد قوله: ﴿ ولا يقبل منها شفاعة  ﴾ تكراراً.

وأيضاً إن هذا الدليل النافي عام في حق كل الظالمين وفي كل الأوقات، والدليل المثبت للشفاعة خاص في حق البعض وفي بعض الأوقات والخاص مقدم على العام.

وأيضا اللفظ لا يكون قاطعاً في الاستغراق بل ظاهراً على سبيل الظن القوي فصار الدليل ظنياً والمسألة ليست ظنية فكان التمسك بها ساقطاً.

"سألوا رسول الله  أصدقة السر أفضل أم صدقة العلانية فنزلت: ﴿ إن تبدوا الصدقات ﴾ " والتركيب موضوع للصحة والكمال ومنه "فلان صادق المودة" و"هذا خل صادق الحموضة" و"صدق فلان في خبر" إذا أخبر على وجه الصحة والكمال، ومنه "الصداق" لأن عقد الصداق به يتم ويكمل، والزكاة صدقة لأن المال بها يصح ويبقى وبها يستدل على صدق العبد وكماله في إيمانه، ﴿ فنعما هي ﴾ من قرأ بسكون العين فمحمول على أنه أوقع على العين حركة خفيفة على سبيل الاختلاس وإلا لزم التقاء الساكنين على غير حدة، ومثله ما يروى في الحديث أنه  قال لعمرو بن العاص: " "نعم المال الصالح للرجل الصالح " بسكون العين.

ومن قرأ بكسر النون والعين فلتحصيل المشاكلة، ومن قرأ بفتح النون وكسر العين فعلى الأصل.

قال طرفة: نعم الساعون في الأمر المبر *** قال سبيويه: "ما" في تأويل الشيء أي نعم الشيء هي.

وقال أبو علي: الجيد في مثله أن يقال: "ما" في تأويل شيء لأن "ما" ههنا نكرة إذ لو كانت معرفة بقيت بلا صلة.

فإن "هي" مخصوصة بالمدح.

فالتقدير: نعم شيئاً إبداء الصدقات.

فحذف المضاف للدلالة، أو نعم شيئاً تلك الصدقات، أو تلك الخصلة وهي الإبداء.

قال الأكثرون: المراد بها صدقة التطوع لقوله  : ﴿ وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ﴾ والإخفاء في صدقة التطوع أفضل كما أن الإظهار في الزكاة أفضل أما الأول فلأن ذلك أشق على النفس فيكون أكثر ثواباً، ولأنه أبعد عن الرياء والسمعة قال  : "لا يقبل الله من مسمع ولا مراء ولا منان " والمتحدث بصدقته لا شك أنه يطلب السمعة، والمعطي في ملأ من الناس يطلب الرياء، وقد بالغ قوم في الإخفاء واجتهدوا أن لا يعرفهم الآخذ، فبعضهم كان يلقي الصدقة في يد/ الأعمى، وبعضهم يلقيها في طريق الفقير أو في موضع جلوسه بحيث يراها ولا يرى المعطي، وبعض يشدها في ثوب الفقير وهو نائم، وبعض يوصل إلى الفقير على يد غيره، وقال  : " أفضل الصدقة جهد المقل إلى فقير في سر " وقال أيضاً: " إن العبد ليعمل عملاً في السر فيكتبه الله سراً، فإن أظهره نقل من السر وكتب في العلانية، فإن تحدث به نقل من السر والعلانية وكتب في الرياء" وقال  : " "صدقة السر تطفىء غضب الرب " وأيضاً في الإظهار هتك ستر الفقير وإخراجه من حيز التعفف، وربما أنكر الناس على الفقير أخذ تلك الصدقة لظن الاستغناء به فيقع الفقير في المذمة والناس في الغيبة، ولأن في الإظهار إذلالاً للآخذ وإهانة له، وإذلال مؤمن غير جائزة ولأن الصدقة كالهدية، وقال  : " "من أهدي إليه هدية وعنده قوم فهم شركاء فيها " وربما لا يدفع الفقير إليهم شيئاً فيقع في حيز اللوم والتعنيف.

نعم لو علم أنه إذا أظهرها اقتدى غيره به لم يبعد والحالة هذه أن يكون الإظهار أفضل.

وروى ابن عمر أنه  قال: " السر أفضل من العلانية والعلانية أفضل لمن أراد الاقتداء " واعلم أن الإنسان إذا أتى بعمل وهو يخفيه عن الخلق وفي نفسه شهوة أن يرى الخلق منه ذلك وهو يدفع تلك الشهوة، فههنا الشيطان يردد عليه ذكر رؤية الخلق والقلب ينكره.

فهذا الإنسان في محاربة الشيطان فيكون إخفاؤه يفضل علانيته سبعين ضعفاً كما روي عن ابن عباس: صدقات السر في التطوع تفضل علانيتها سبعين ضعفاً.

ثم إن الله  عباداً راضوا أنفسهم حتى من الله عليهم بأنوار هدايته، وذهبت عنهم وساوس النفس لأن الشهوات قد ماتت منهم ووقعت قلوبهم في بحار عظمة الله فلم يحتاجوا إلى المجاهدة.

فإذا أعلنوا بالعمل أرادوا أن يقتدي بهم غيرهم، فهم كاملون في أنفسهم ويسعون في تكميل غيرهم كما قال  : ﴿ وممن خلقنا أمة يهدون بالحق  ﴾ ﴿ واجعلنا للمتقين إماماً  ﴾ فهؤلاء أئمة الهدى وأعلام الدين وسادة الخلق بهم يقتدى في الذهاب إلى الله.

وأما أن الإظهار في إعطاء الزكاة أفضل فلأن الله أمر الأئمة بتوجيه السعادة لطلب الزكوات، وفي دفعها إلى السعاة إظهارها، ولأنه ينفي التهمة ولهذا روي أنه  كان أكثر صلاته في البيت إلا المكتوبة.

وعن ابن عباس: صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفاً.

هذا إذا كان المزكي ممن لا يخفى يساره، فإن لم يعرف باليسار كان الإخفاء له أفضل ولا سيما إذا خاف الظلمة أن يطمعوا في ماله.

وعن بعضهم أن معنى قوله ﴿ خير لكم ﴾ أنه في نفسه خير من الخيرات كما يقال الثريد خير من الأطعمة./ وإنما قيل ﴿ وتؤتوها الفقراء ﴾ لأن المقصود من بعث المتصدق أن يتحرى موضع الصدقة فيصير عالماً بالفقراء مميزاً لهم عن غيرهم، فإذا تقدم منه هذا الاستظهار ثم أخفاها حصلت الفضيلة فلهذا شرط في الإخفاء أن يحصل معه إيتاء الفقراء.

وأما في الإبداء فقلما يخفى حال الفقير فلهذا لم يصرح بالشرط.

﴿ ونكفر عنكم ﴾ من قرأ بالنون مرفوعاً فهو عطف على محل ما بعد الفاء، لأن الأصل في الشرط والجزاء أن يكونا فعلين.

فإذا وقع الجزاء فعلاً مضارعاً مع الفاء كان خبر مبتدأ محذوف.

فقوله: ﴿ فهو ﴾ في تأويل.

فيكون خيراً لكم ﴿ ونكفر ﴾ بالرفع عطف عليه، ويحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي ونحن نكفر، وأن يكون جملة من فعل وفاعل مستأنفة.

ومن قرأ مجزوماً فهو عطف على محل الفاء وما بعده لأنه جواب الشرط كأنه قيل: وإن تخفوها تكن أعظم أجراً.

وأما من قرأ ﴿ ويكفر ﴾ بياء الغيبة مرفوعاً فالإعراب كما مر في النون والضمير لله أو للإخفاء.

وقرىء ﴿ وتكفر ﴾ بالتاء مرفوعاً ومجزوماً والضمير للصدقات، وقرأ الحسن بالياء والنصب بإضمار "إن" ومعناه: وإن تخفوها تكن خيراً لكم وأن يكفر عنكم خير لكم.

والتكفير في اللغة الستر والتغطية ومنه "كفر عن يمينه" أي ستر ذنب الحنث.

وقوله: ﴿ من سيئاتكم ﴾ يحتمل أن يكون "من" للتبعيض لأن السيئات كلها لا تكفر وإنما يكفر بعضها، ثم أبهم الكلام في ذلك البعض لأن بيانه كالإغراء على ارتكابها، وأحسن أحوال العبد أن يكون بين الخوف والرجاء.

ويحتمل أن يكون للتعليل أي من أجل سيئاتكم كما لو قلت: ضربتك من سوء خلقك أي من أجل ذلك.

وقيل: إنها زائدة.

﴿ والله بما تعملون خبير ﴾ كأنه ندب بهذا الكلام إلى الإخفاء الذي هو أبعد من الرياء.

عن الكلبي أنه قال: "اعتمر رسول الله  عمرة القضاء وكانت معه أسماء بنت أبي بكر، فجاءتها أمها قتيلة وجدتها فسألتاها وهما مشركتان فقالت: لا أعطيكما شيئاً حتى أستأمر رسول الله  فإنكما لستما على ديني.

فاستأمرته في ذلك فأنزل الله  : ﴿ ليس عليك هداهم ﴾ فأمرها رسول الله  بعد نزولها أن تتصدق عليهما فأعطتهما ووصلتهما" قال الكلبي: ولها وجه آخر، وذلك أن ناساً من المسلمين كانت لهم قرابة وأصهار ورضاع في اليهود، وكانوا ينفعونهم قبل أن يسلموا.

فلما أسلموا كرهوا أن ينفعوهم وراودوهم أن يسلموا واستأمروا رسول الله  فنزلت فأعطوهم بعد نزولها.

وعن سعيد بن جبير قال: "قال رسول الله  : لا تصدقوا إلا على أهل دينكم فأنزل الله ﴿ ليس عليك هداهم ﴾ فقال رسول الله  : تصدقوا على أهل الأديان" وعن بعض العلماء: لو كان شر خلق الله لكان لك ثواب نفقتك.

والعلماء أجمعوا على أنه لا يجوز صرف الزكاة إلى غير المسلم فتكون/ الآية مخصوصة بالتطوع.

وجوز أبو حنيفة صرف صدقة الفطر إلى أهل الذمة وأباه غيره،ومعنى الآية ليس عليك هدى من خالفك حتى تمنعهم الصدقة لأجل أن يدخلوا في الإسلام فتصدق عليهم لوجه الله ولا توقف ذلك على إسلامهم، وذلك أنه  كان شديد الحرص على إيمانهم فأعلمهم الله  أنه بعث بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله ومبيناً للدلائل فأما كونهم مهتدين فليس ذلك منك ولا بك.

فالهدى ههنا بمعنى الاهتداء، فسواء اهتدوا أو لم يهتدوا فلا تقطع معونتك وبرك وصدقتك عنهم.

وفيه وجه آخر ليس عليك أن تلجئهم إلى الاهتداء بواسطة توقيف الصدقة على إيمانهم، فإن مثل هذا الإيمان لا ينتفعون به، بل الإيمان المطلوب منهم هو الإيمان طوعاً واختياراً ﴿ ولكن الله يهدي من يشاء ﴾ إثبات للهداية التي نفاها أولاً.

لكن المنفي أولاً هو الهداية أي الاهتداء على سبيل الاختيار فكذا الثاني.

ومنه يعلم أن الاهتداء الاختياري واقع بتقدير الله  وتخليقه وتكوينه وهذا التفسير هو المناسب لسبب النزول.

وفي الكشاف: أن المعنى لا يجب عليك أن تجعلهم مهديين إلى الانتهاء عما نهوا عنه من المن والأذى والإنفاق من الخبيث وغير ذلك، وما عليك إلا أن تبلغهم النواهي فحسب ﴿ ولكن الله يهدي من يشاء ﴾ يلطف بمن يعلم أن اللطف ينفع فيه فينتهي عما نهى عنه.

ثم ظاهر قوله: ﴿ ليس عليك هداهم ﴾ إنه خطاب مع النبي  ولكن المراد به هو وأمته، لأن ما قبله عام ﴿ إن تبدوا الصدقات ﴾ وما بعده عام ﴿ وما تنفقوا من خير ﴾ من مال ﴿ فلأنفسكم ﴾ ثوابه فليس يضركم كفرهم أو فلا تمنوا به على الناس ولا تؤذوهم بالتطاول عليهم ﴿ وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله ﴾ أي لستم في صدقتكم علىأقاربكم المشركون تقصدون إلا وجه الله من صلة رحم أو سد خلة مضطر، قد علم الله هذا من قلوبكم.

وقيل: خبر في معنى نهي أي لا تنفقوا إلا لله، وقيل: معناه لا تكونوا منفقين مستحقين لهذا الاسم المفيد للمدح حتى تبتغوا وجه الله، وقيل: ليست نفقتكم إلا لطلب ما عند الله فما بالكم تمنون بها وتنفقون الخبيث الذي لا يوجه مثله إلى الله؟

وفائدة إقحام الوجه أنك إذا قلت فعلته لوجه زيد كان أشرف من قولك فعلته له، لأن وجه الشيء أشرف ما فيه، ثم كثر حتى عبر به عن الشرف مطلقاً.

وأيضاً قول القائل: "فعلت هذا الفعل له" احتمل الشركة وأن يكون قد فعله لأجله ولغيره، أما إذا قال "فعلت لوجهه" فلا يحتمل الشركة عرفاً ﴿ وما تنفقوا من خير يوف إليكم ﴾ جزاؤه في الآخرة أضعافاً مضاعفة، وإنما حسن قوله ﴿ إليكم ﴾ مع التوفية لأنها تضمنت معنى التأدية ﴿ وأنتم لا تظلمون ﴾ لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئاً.

ثم لما بيّن أنه يجوز صرف الصدقة إلى أي فقير كان، أراد أن يبين أن اشد الناس/ استحقاقاً من هو فقال ﴿ للفقراء ﴾ أي ذلك الإنفاق لهؤلاء الفقراء كما لو تقدم ذكر رجل فتقول: عاقل لبيب أي ذلك الذي مر وصفه عاقل لبيب، وقيل: اعمدوا للفقراء أو أجلوا ما تنفقون للفقراء، أو المراد صدقاتكم للفقراء.

قيل: نزلت في فقراء المهاجرين وكانوا نحو أربعمائة رجل وهم أصحاب الصفة، لم يكن لهم سكن ولا عشائر بالمدينة، كانوا ملازمين للمسجد يتعلمون القرآن ويصومون ويخرجون في كل غزوة، فمن كان عنده فضل أتاهم به إذا أمسى.

وعن ابن عباس: "وقف رسول الله  يوماً على أصحاب الصفة فرأى فقرهم وجهدهم وطيب قلوبهم فقال: أبشروا يا أصحاب الصفة فمن بقي من أمتي على النعت الذي أنتم عليه راضياً بما فيه فإنه من رفقائي" .

ثم إنه  وصف هؤلاء الفقراء بخمس صفات: الأولى قوله ﴿ الذين أحصروا في سبيل الله ﴾ أي حصروا أنفسهم ووقفوا على الجهاد في سبيل الله لأن سبيل الله مختص بالجهاد في عرف القرآن، ولأن وجوب الجهاد في ذلك الزمان كان آكد فكانت الحاجة إلى من يحبس نفسه للمجاهدة مع رسول الله  أشد، فموضع الصدق فيهم يكون أوقع سداً لخلتهم وتقوية لقلوبهم وإعلاء لمعالم الدين.

وعن سعيد بن المسيب واختاره الكسائي، أن هؤلاء قوم أصابتهم جراحات في الغزوات فأحصرهم المرض والزمانة، وعن ابن عباس: هؤلاء قوم من المهاجرين حبسهم الفقر عن الجهاد فعذرهم الله.

الثانية ﴿ لا يستطعيون ضرباً في الأرض ﴾ أي سيراً فيها وذلك إما لاشتغالهم بالعبادة أو بالجهاد فلا يفرغون للكسب والتجارة، وإما لأن خوفهم من الأعداء يمنعهم من السفر، وإما لأن مرضهم وعجزهم يمنعهم منه.

الثالثة ﴿ يحسبهم ﴾ يظنهم ﴿ الجاهل ﴾ بحالهم ومن لم يخبر أمرهم ﴿ أغنياء من التعفف ﴾ من أجل تركهم المسألة وإظهارهم التجمل تكلفاً منهم.

والتعفف إظهاء العفة وهي ترك الشيء والكف عنه.

الرابعة ﴿ تعرفهم ﴾ أي أنت يا محمد أو كل راء ﴿ بسيماهم ﴾ والسيما والسيمياء العلامة التي يعرف بها الشيء من السمة العلامة فوزنه "عفلى" قال مجاهد: سيماهم التخشع والتواضع.

الربيع والسدي: أثر الجهد من الجوع والفقر.

الضحاك: صفرة ألوانهم من الجوع.

أبو زيد: رثاثة ثيابهم.

وقيل: المهابة في العيون.

وقيل: آثار الفكر.

روي أنه  كان كثير الفكر.

الخامسة ﴿ لا يسألون الناس إلحافاً ﴾ أي إلحاحاً وهو اللزوم وأن لا يفارق إلا بشيء يعطى له.

والتركيب يدل على الستر كأنه لزم المسؤول لزوم الساتر للمستور.

عن النبي  : " إن الله يحب الحيي الحليم المتعفف ويبغض البذيء السائل الملحف " قيل: معنى الآية أنهم إن سألوا سألوا بتلطف ولم يلحفوا، وأورد عليه أنه ينافي التعفف الذي وصفوا به قبل.

فالوجه أن يراد نفي السؤال والإلحاف جميعاً كقوله: ولا ترى الضب بها يتجحر *** أي لا ضب ولا انجحار ليكون موافقاً لوصفهم بالتعفف.

وفائدة الكلام التنبيه على سوء طريقة الملحف كما/ إذا حضر عندك رجلان أحدهما عاقل وقور والآخر طياش خفيف وأردت أن تمدح أحدهما وتذم الآخر قلت: فلان رجل عاقل وقور قليل الكلام ليس بخواض ولا مهذار.

لم يكن غرضك من قولك "ليس خواض ولا مهذار" وصفه بذلك لأن ما تقدم من الأوصاف الحسنة يغني عنه، بل غرضك التنبيه على سوء طريقة الثاني.

وقيل: معناه لا يتركون السؤال إلا بإلحاح شديد منهم على أنفسهم لشدة حاجتهم كقوله: ولي نفس أقول لها إذا ما *** تنازعني لعلي أو عساني وقيل: إن عدم السؤال بطريق الإلحاف يتضمن نفي السؤال عنهم رأساً لأن كل سائل فلا بد أن يلح في بعض الأوقات كأنه يقول: إذا أرقت ماء وجهي فلا أرجع بغير مقصود.

وقيل: لعل الساكت عن السؤال يطهر من نفسه أمارات الحاجة فيكون في حال سكوته أنطق ما يكون فترق القلوب له، فالمراد أنهم وإن سكتوا عن السؤال لكنهم لا يضمون إلى ذلك السؤال من رثاثة الحال وآثار الانكسار ما يقوم مقام السؤال فإن ذلك نوع إلحاف، بل يتجملون للخلق بحيث لا يطلع على سرهم غير الخالق.

عن النبي  : " لا يفتح أحد باب مسألةٍ إلا فتح الله عليه باب فقر ومن يستغن يغنه الله ومن استعف يعفه الله" " "لأن يأخذ أحدكم حبلاً يحتطب به فيبيعه بمد من تمر خير له من أن يسأل الناس " ﴿ وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم ﴾ فيه أن ثواب هذا الإنفاق الذي هو أعظم المصارف لا يكتنه كنهه فلذلك وكل إلى علم الله  بخلاف الآية المتقدمة فإنه لما رغب في التصدق على أهل الأديان قال في آخره ﴿ وما تنفقوا من خير يوف إليكم ﴾ كما لو قال السلطان لعبده الذي حسن عنده موقع خدمته: إني بحسن خدمتك عالم ولحقك عارف.

كان أبلغ مما لو قال: إن أجرك واصل إليك.

ثم أرشد في خاتمة الآيات إلى أكمل وجوه الإنفاقات بقوله: ﴿ الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار ﴾ الآية.

وذلك أن الذين يعمون الأوقات والأحوال بالصدقة يكون ذلك منهم دليلاً على الحرص البالغ والاهتمام التام كلما نزلت بهم حاجة محتاج عجلوا قضاءها ولم يؤخروه متعللين بوقت وحال.

والباء بمعنى "في" أي في الليل والنهار و ﴿ سراً وعلانية ﴾ منصوبان على الظرفية أيضاً أي في أوقات السر والعلن، أو على وصف المصدر أي إنفاقاً سراً وعلانية، أو على الحال لكونه بياناً عن كيفية الإنفاق، وقيل: لما نزل/ ﴿ للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله ﴾ بعث عبد الرحمن بن عوف بدنانير إلى أصحاب الصفة وبعث عليّ بوسق من تمر ليلاً فنزلت الآية.

وفي تقديم ذكر الليل وتقديم السر على العلانية دليل على أن صدقة علي  كانت أكمل.

وعن ابن عباس: "ما كان علي  يملك إلا أربعة دراهم فتصدق بدرهم نهاراً وبدرهم ليلاً وبدرهم سراً وبدرهم علانية فقال له النبي  : ما حملك على هذا؟

فقال: أن استوجب ما وعد لي ربي.

فقال: ذلك لك" ونزلت الآية.

وقيل: نزلت في أبي بكر حين تصدق بأربعين ألف دينار، عشرة بالليل، وعشرة بالنهار، وعشرة في السر، وعشرة في العلانية.

وقيل: في علف الخيل وارتباطها في سبيل الله.

وكان أبو هريرة إذا مر بفرس سمين قرأ هذه الآية والله  أعلم بحقيقة الحال.

التأويل: ﴿ أنفقوا من طيبات ما كسبتم ﴾ فيه صلاح المتصدق من وجوه: أحدها لو فسر الطيب بالحلال فليقبل الله منه، ولو فسر بالجودة فليجز به بقدر جودته.

وثانيها ليثاب على التعظيم لأمر الله.

وثالثها ليثاب على الشفقة على خلق الله.

ورابعها ليثاب على الإيثار ﴿ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة  ﴾ وخامسها ليستحق البر ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون  ﴾ .

وسادسها ليثاب على زيادة الإيمان وأن المتصدق في صدقته كالزارع في زراعته.

فكما أن الزارع كلما ازداد إيقانه بحصول الثمرة اجتهد في جودة البذر فكذا المتصدق كلما ازداد إيمانه بالبعث والجزاء زاد في جودة صدقته لتحققه ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها  ﴾ وقدم ذكر الكسب على ذكر المخرج من الأرض لقوله  " "إن أطيب ما يأكل الرجل من كسب يده " وفي الآية معنى آخر لطيف ﴿ انفقوا من طيبات ما كسبتم ﴾ من تزكية النفوس وتصفية القلوب ﴿ ومما أخرجنا لكم ﴾ من أرض طينتكم من تحلية سرائركم بمكارم الأخلاق، ولتكن النفقة طيبة من خباثة الشبهات طيباً إنفاقها من خباثة الأغراض الدنيوية والأخروية، طيباً منفقها من خباثة الالتفات والنظر في الإنفاق إلى غير الله، فإذا كانت النفقة طيبة في نفسهافلله قبول طيب من الوسائط فيأخذها بيده ويربيها قبل أن تقع في يد الفقير، وإذا كانت اليد طيبة في إنفاقها فلله قبول طيب فإنها أبلغ عند الله من عملها، وإذا كان القلب المنفق طيباً عن الالتفات إلى غير الله فلله قبول طيب عن الأغيار بين أصبعين من أصابع الرحمن، وهذا/ تحقيق قوله  " "إن الله طيب ولا يقبل إلا الطيب " ولستم بآخذي هذا الخبيث لا في أصل الفطرة ولا في عهد الخلقة لأنكم خلقتم من أصل طيب وطينة طيبة.

فالروح من أطيب الأطايب لأنه أقرب الأقربين إلى حضرة رب العالمين، والجسد من التراب الطيب ﴿ فتيمموا صعيداً طيباً  ﴾ ثم أحياكم بالإيمان ﴿ فلنحيينه حياة طيبة  ﴾ ثم يرزقكم من الطيبات ﴿ كلوا من طيبات ما رزقناكم  ﴾ فليس منكم شيء خبيث في الظاهر والباطن ﴿ إلا أن تغمضوا فيه ﴾ فتقبلوه تكلفاً وقسراً " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه وينصرانه ويمجسانه " فلما لم تكن الخباثة ذاتية للإنسان بل كانت طارئة عليه عارية لديه أنزل الله  كلمة طيبة هي " لا إله إلا الله" ليطيب بالمواظبة عليها أخلاقهم ويستحقوا يوم القيامة أن يقال لهم ﴿ سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين  ﴾ ﴿ واعلموا أن الله غني ﴾ فمن كمال غناه أراد أن يغنيكم بثواب الإنفاق ﴿ حميد ﴾ على ما أنعم بهذا التكليف ليتوسل به إلى الكمال الأبدي.

﴿ الشيطان يعدكم الفقر ﴾ ظاهراً فهو يأمركم بالفحشاء باطناً لأنها اسم جامع لكل سوء فيتضمن البخل والحرص واليأس من الحق والشك في مواعيد الحق بالخلف والتضعيف وسوء الظن بالله وترك التوكل عليه ونسيان فضله وتعلق القلب بغيره ومتابعة الشهوات وترك العفة والقناعة والتمسك بحب الدنيا وهو رأس كل خطيئة وبذر كل بلية.

فمن فتح على نفسه باب وسوسة فسوف يبتلى بهذه الآفات وأضعافها، ومن فتح على نفسه باب عدة الحق أفاض عليه سجال غفرانه وبحار فضله وإحسانه.

فالمغفرة تكفير الذنوب والآثام، والفضل ما لا تدركه الأوهام ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة  ﴾ فمن ذلك أن يفتح على قلبه باب حكمته عاجلاً كما قال ﴿ يؤتي الحكمة من يشاء ﴾ وليست الحكمة مما يحصل بمجرد التكرار كما ظنه أهل الإنكار والذين لم يفرقوا بين المعقولات وبين الأسرار والحكم الإلهيات.

فالمعقولات ما تكتسب بالبرهان وهي مشتركة بين أهل الأديان، والأسرار الإلهية مواهب الحق لا ترد إلا على قلوب الأنبياء والأولياء ﴿ نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء  ﴾ ﴿ وما يذكر إلا أولوا الألباب ﴾ الذين لم يقفوا عند القشور وارتقوا إلى لب عالم النور.

ثم أخبر عن توفية الأجور للمنفق في المفروض والمنذور ﴿ وما للظالمين ﴾ الذين وضعوا الشيء في غير موضعه فبدلوا بالإنفاق النفاق وبالإخلاص الرياء ﴿ من أنصار ﴾ ولا ناصر بالحقيقة إلا الله، ومن أذن له الله/ إبداء الصدقات ضد إخفائها، وإخفاؤها تخليتها عن شوب الحظوظ وإليه الإشارة في قوله  : " "سبعة يظلهم الله في ظله " ثم قال: " ورجل تصدق بيمينه فأخفاها عن شماله" " أي عن حظوظ نفسه لتكون خالصة لوجه الله.

فصاحبها يكون في ظل الله قال  : " إن المرء يكون في ظل صدقته يوم القيامة " أي إن كانت صدقته لله كان في ظل الله، وإن كانت للجنة كان في ظل الجنة، وإن كانت للهوى كان في ظل الهاوية.

فمعنى قوله: ﴿ إن تبدو الصدقات ﴾ أي تظهروها لطمع ثواب الجنة فإن طمع الصواب شوب حظ ﴿ فنعما هي ﴾ فإنها مرتبة الأبرار ﴿ إن الأبرار لفي نعيم  ﴾ ﴿ وإن تخفوها ﴾ عن كل حظ ونصيب ﴿ وتؤتوها الفقراء ﴾ الذين تعطونها إياهم لوجه الله لا لحظ النفس ﴿ فهو خير لكم ﴾ لأن جزاءها لقاء الله.

ثم أخبر عن الهداية وأن ليس لأحد عليها الولاية وأن الله فيها ولي الكفاية، يا محمد لك المقام المحمود واللواء المعقود ولك الوسيلة وعلى الأنبياء الفضيلة، وأنت سيد الأولين والآخرين وأنت أكرم الخلائق على رب العالمين ولكن ﴿ ليس عليك هداهم ﴾ ولكن الهداية من خصائص شأننا ولوائح برهاننا، أنت تدعوهم ونحن نهديهم.

ثم نبه على أن أفضل وجوه الإنفاق هو الفقير الذي أحصرته المحبة في الله عن طلب المعاش لا الذي أحصره الفقر والعجز عن طلب الكفاف، أخذ عليه سلطان الحقيقة كل طريق فلا له في المشرق مذهب ولا له في المغرب مضرب، ولا منه إلى غيره مهرب.

كأن فجاج الأرض ضاقت برحبها *** عليه فما تزداد طولاً ولا عرضاً ﴿ يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ﴾ لأنهم مستورون تحت قباب الغيرة محجوبون عن معرفة أهل الغيرية "أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري يا محمد" ﴿ تعرفهم بسيماهم ﴾ لأنك لست بك فلست غيري، ما رأيت إذ رأيت ولكن الله رأى ﴿ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى  ﴾ وإن سيماهم لا يرى بالبصر الإنساني بل يرى من نور رباني، فمن سيماهم في الظاهر من ظهور آثار أحوال الباطن أنهم ﴿ لا يسألون الناس إلحافاً ﴾ لا بقليل ولا بكثير.

لأن آثار أنوار غنى قلوبهم انعكست على ظواهرهم فتنورت بالتعفف نفوسهم، واضمحلت ظلمة فقرهم وفاقتهم ﴿ وما تنفقوا من خير ﴾ من المال أو الجاه أو خدمة بالنفس أو إكرام أو إرادة حتى السلام على هؤلاء السادة استحقاقاً وإجلالاً لا استخفافاً وإذلالاً ﴿ فإن/ الله به عليم ﴾ ومن سيماهم في الظاهر أنهم إذا وجدوا مالاً لم يبيعوا عزة الفقر به بل ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية ﴿ فلهم أجرهم عند ربهم ﴾ عند مليك مقتدر ﴿ ولا هم يحزنون ﴾ في الدنيا على ما يفوتهم لأنهم تركوها لله وهو لهم خلف عن كل تلف، ولا في الآخرة ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر  ﴾ ﴿ الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ .

فيه دليل وجوب الزكاة في أموال التجارة بقوله: ﴿ مَا كَسَبْتُمْ ﴾ ؛ لأن أموال التجارة هي التي تكتسب، وليس في كتاب الله  بيان وجوب الزكاة في أموال التجارة في غير هذا الموضع، وليس فيه سنة عن رسول الله  ، ولكن ذكر عن بعض الصحابة - رضي الله  عنهم - القول به؛ فيحتمل أن يكون ما قالوا قالوا بهذه الآية.

وأما زكاة الفضة، والذهب، والمواشي فيما لها ذكر في الكتاب والسنة، فالزكاة تجب فيها لعينها، اكتسب فيها أو لم يكتسب.

وأما أموال التجارة فإن الزكاة تجب فيها بالاكتساب.

وفيه دليل أن النفقة المذكورة فيه لازمة واجبة؛ لأنه قال: ﴿ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ ﴾ ، ذكر الإغماض، والإغماض لا يذكر في المعروف، إنما يذكر في اللازم والواجب الذي لا مخرج له عنه إلا بالأداء، إلا عن عفو وصفح والرضاء بدون الحق - ثبت أنه على اللزوم.

وفيه دليل وجوب الحق في الرطاب والخضروات؛ لأنه ذكر في الآية المخرج، والرطاب هي التي تخرج من الأرض.

وأما الحبوب إنما تخرج من الأصل الذي يخرج من الأرض؛ لذلك كان الرطاب والخضروات أولى بوجوب الحق من غيره بظاهر الآية.

قال الشيخ - رحمه الله  -: والوجوب في الحبوب بما كانت تخرج من الحقوق، والحقوق بظاهر هذه الوجوه في التي تخرج من الأرض.

وأما أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله  - فإنهما قالا: يحتمل قوله: ﴿ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلأَرْضِ ﴾ ، يعني من الأصل الذي يخرج لكم من الأرض، كقوله  : ﴿ يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً  ﴾ ، ولا ينزل من السماء اللباس كما هو، ولكن أراد الأصل الذي به يكون اللباس، وكذلك قوله: ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ  ﴾ ، وهو لم يخلقنا من التراب، وإنما خلق الأصل من التراب، وهو آدم -  - فعلى ذلك الأول.

والله أعلم.

والوجه فيه: أنه منَّ الله  علينا بما أخرج لنا من الأرض من أنواع ما أخرج بحبة تلقى في الأرض فتفسد فيها، فيخرج منها النبات بلطفه، لا صنع لأحد فيها.

وتلك المنة لا تكون على أربابها خاصة دون الفقراء أو بل هي على الفقراء كهي على أربابها؛ لأنه أخرجه رزقاً للكل، ففيه حق الفقراء والأغنياء جميعاً.

ومن ثم جاز وجوب العشر على الفقير؛ ألا ترى إلى قوله  : ﴿ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ  ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ  ﴾ وقوله: ﴿ فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا  ﴾ ، قيل: ءأنتم تنبتونه أم نحن المنبتون؟

وأما ما بعد النبات فيشترك العباد فيه بالسقي والحفظ وغيره؛ لذلك كان ما ذكرنا.

والله أعلم.

وفي قوله  : ﴿ وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ ﴾ ، دلالة على ألا يتصدق بالرديء عن الجيد.

فإذا تصدق به يلزمه فضل ما بين الرديء إلى الجيد، على قول محمد - رحمه الله  - بظاهر قوله: ﴿ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ ﴾ .

وعند أبي حنيفة وأبي يوسف - رضي الله  عنهما -: يجوز ولا يختار له ذلك؛ وذلك أن الله -  - أطمع الناس قبول ذلك إذ تغامضوا، فهو أحق أن يطمع فيه القبول لكرمة ولطفه؛ ولأنه ليس لصفة ما يكال ويوزن من نوعه قيمة، فإذا لم تكن له قيمة لا يلزمه فضل الصفة.

وقوله  : ﴿ ٱلشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ .

قوله: ﴿ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ ﴾ في الدنيا بالتصدق والإنفاق، ﴿ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ ﴾ بترك الصدقة.

ويحتمل: ﴿ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ ﴾ ، في الدنيا بطول الأمل وفناء المال، ﴿ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ ﴾ بسوء الظن بربه.

﴿ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ ﴾ بالصدقة، و ﴿ وَفَضْلاً ﴾ ذكراً في الدنيا.

ويحتمل قوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ ﴾ في الآخرة، و ﴿ وَفَضْلاً ﴾ في الدنيا، يعني خَلَفاً.

وقيل: ﴿ مَّغْفِرَةً ﴾ لفحشائكم، و ﴿ وَفَضْلاً ﴾ لفقركم.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ ، أي: غني يقدر إخلاف ما أنفقتكم، ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بجزاء صدقاتكم.

ويحتمل: ﴿ عَلِيمٌ ﴾ ما تنفقون من الصدقة والحسنة.

وفي قوله: ﴿ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ ، و ﴿ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ ، ونحوه [دلالة أن الله -  -] إنما رغب الناس على الصدقات والنفقات ابتلاء ومحنة منه، لا حاجة وفقراً.

وقوله  : ﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ ﴾ .

قيل: ﴿ الْحِكْمَةَ ﴾ في هذا الموضع معرفة القرآن وتفسيره.

وهو قول ابن عباس - رضي الله  عنه - وكذا روي مرفوعا.

وقيل: ﴿ الْحِكْمَةَ ﴾ الفهم في القرآن.

وقيل: الفقه.

وقيل: ﴿ الْحِكْمَةَ ﴾ النبوة.

وقيل: ﴿ الْحِكْمَةَ ﴾ هي الإصابة.

وفيه دليل جواز الاجتهاد، وأنه مصيب في اجتهاده.

قال الشيخ - رحمه الله  - في قوله: ﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ﴾ : اختلف في تأويل ﴿ الْحِكْمَةَ ﴾ في هذا: قال قوم: ﴿ الْحِكْمَةَ ﴾ هي القرآن، وهو على ما وصفه ﴿ نُوراً  ﴾ و ﴿ وَهُدًى  ﴾ ، و ﴿ رُوحاً  ﴾ ، و ﴿ وَشِفَآءٌ  ﴾ والنور: هو الذي يبصر به حقائق الأشياء، وبالهدى يدرك كل شيء ويتقي كل تلف، وبالروح يحيي كل ذي روح، وبالشفاء يبرأ كل سقيم ويزال كل آفة.

والذي هذا وصفه فهو الخير.

وبالله التوفيق.

وقال قوم: ﴿ الْحِكْمَةَ ﴾ هي الإصابة لحقيقة كل شيء، وبها يتقي كل شر، وينال كل خير، وذلك هو الخير الكثير، وبالله العصمة.

وقال بعضهم: ﴿ الْحِكْمَةَ ﴾ ، هي السنة، كأنه أكرم رسوله  بالذي من سلكه نجا، ومن حاد عنه غوى.

وقيل: في الأصل الحكمة في التحقيق وضع كل شيء موضعه، ودفع كل حق إلى مستحقه [ولهذا قال بعض الفلاسفة في حد الحكمة: إنه العلم والعمل بالعلم في وضع الأشياء مواضعها، والعمل في إيصال كل ذي حق إلى مستحقه].

وقيل: هي من إحكام الأمور وإتقانها.

وذلك مقارب؛ لما يضاد الحكمة السفه، وهو التفاوت في العقل والاضطراب في الأمور.

والله أعلم.

وقال قوم: الحكمة في القرآن: هي فهم الحدود والسرائر، وهو الذي به يدرك الموافقة والمخالفة من طريق الحقائق، لا من طريق الظواهر.

وذلك عمل الحكماء ورعاة الدين.

ولا قوة إلا بالله.

وقال قوم: الحكمة: هي الفقه، والفقه: معرفة الشيء بمعناه الدال على نظيره، وهو الذي به يوصل إلى معرفة الغائب بالشاهد، والغامض بالظاهر، والفرع بالأصل.

ولا قوة إلا بالله.

وأي هذه الوجوه كانت الحكمة فذلك الوجه يجمع خير الدارين، لو حفظ حقه، والذي هذا وصفه فهو الخير الكثير.

وبالله المعونة.

وفي الآية دلالة أن الله  لا يؤتي كلاًّ الحكمة، وأن الحكمة وإن كانت فعلاً للحكيم فبعطاء الله  نالها، وأنه لا يجوز أن يعطيها أحداً ثم لا ينالها المعطي.

وهذه الوجوه كلها تخالف رأي المعتزلة.

وقوله  : ﴿ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ﴾ ، من حفظ النفس في الدنيا عن جميع الآفات، وفي الآخرة عن دفع العقوبات.

وقوله  : ﴿ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ ﴾ يعني: وما يتعظ بما ذكر إلا ذو الفهم والعقل.

وفي الآية نقض على المعتزلة؛ لأنه قال: ﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ﴾ ، ثم قال: ﴿ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ﴾ ، ولا كل أحد يؤتي الحكمة، إنما يؤتي بعضاً دون بعض.

فلو كان على الله  أن يعطي الأصلح في الدين لكان قد آتى الكل، وبطل التفضل.

ومن قال: يؤتي غيرها، فكان خلاف ما في الكتاب.

وقوله: ﴿ وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾ .

يحتمل: نفقة المحارم.

ويحتمل: النفقات التي تجري بين الخلق.

ويحتمل: المفروض من الصدقات.

ويحتمل غيرها.

ثم روي عن ابن عباس -  - عن رسول الله  في قوله  : ﴿ أَوْ نَذَرْتُمْ مِّن نَّذْرٍ ﴾ قال: "من نذر نذراً لم يسمه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذراً في معصية فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذراً لا يطيقه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذراً أطاقه فليوف به" فيه تنبيه وتذكير أن الله  يعلم صدقهم ونذرهم؛ ليحتسبوا في النفقة ويخلصوا، وفي النذر يوفوا به.

وقوله  : ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُهُ ﴾ .

قيل: يقبله.

وقيل: يأمر بوفائه.

ويحتمل قوله: ﴿ يَعْلَمُهُ ﴾ أي: يعلم ما وفيتم منه؛ فيجزيكم على ذلك.

ويحتمل: ﴿ يَعْلَمُهُ ﴾ : ما أردتم بصدقاتكم ونذوركم؛ فيكون فيه ترغيب للناس في أداء الفرائض.

وقوله  : ﴿ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾ .

في الآخرة، يعني مجير يجيرهم من العذاب.

وقيل: ما للظالمين من شفيع يشفع لهم، ولا نصير ينصرهم؛ لأنه ما من ظالم إلا وله في الدنيا ظهير.

وقوله: ﴿ إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ .

قال بعضهم: هي الفريضة.

وقال آخرون: هي التطوع.

وهو أَوْجَه.

وقال غيرهم: ﴿ إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَاتِ ﴾ ، هي الفريضة، ﴿ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَآءَ ﴾ هي التطوع.

قال الشيخ - رحمه الله  -: لا يحتمل الإخفاء في التطوع، والإبداء في الفرض؛ لما أخبر في الإخفاء أنه خير، ولا يكون التطوع خيراً من الفريضة.

ومن حمله على الفريضة يستحب أن يظهروا الزكاة المفروضة ليقتدوا به ويرغبوا الناس عليها.

ومنهم من يستحب الإخفاء أيضاً، ويقولون: في الإبداء شيئان: الصدقة نفسها، والاقتداء، وفي الإخفاء وجوه: أحدها: الصدقة.

والآخر: ترك المراءاة وسلامتها.

والثالث: الكف عن المن والأذى.

ومنهم من حمل قوله: ﴿ إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَاتِ ﴾ على الفريضة، و ﴿ وَإِن تُخْفُوهَا ﴾ على التطوع، وذهب إلى أن الفريضة ليس فيها الرياء؛ لأنه لا شيء عليه، فسواء فيها الإبداء والإخفاء، وأما التطوع ففيه الرياء؛ لأنه معروف ليس عليه، والإخفاء له أسلم.

والله أعلم.

وقال ابن عباس - رضي الله  عنه - في قوله: ﴿ إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ...

﴾ الآية، جعل الله -  - صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها بسبعين ضعفاً، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفا، وكذلك جميع الفرائض والنوافل في الأشياء كلها.

وفي بعض الأخبار عن النبي  أنه قال: "صدقة السر تطفئ غضب الرب، وصنائع المعروف تقي مصارع السوء، وصلة الرحم تزيد من العمر" وعن الحسن، قال: الإبقاء على العمل أشد من العمل؛ وذلك أن العبد ليعمل العمل سرّاً فيكتب له عمل السر، فلا يزال به الشيطان حتى ينسخ من عمل السر إلى عمل العلانية، ثم لا يزال به الشيطان حتى يحب أن يحمد، حتى يكتب من عمل العلانية في الرياء.

وقوله  : ﴿ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ ﴾ : فيه دليل أن من السيئات ما يكفرها الصدقة، ومنها لا يكفر.

وقيل: إن "من" هاهنا صلة، ففيه إطماع تكفير السيئات كلها بالصدقة، كقوله  : ﴿ إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ  ﴾ .

وهو نقض على المعتزلة؛ لأنهم لا يرون تكفير الكبائر بغير التوبة عنها، ولا التعذيب على الضغائر.

فأما إن كانت الآية في الكبائر - فبطل قولهم: لا يكفر بغير التوبة، أو في الصغائر فيبطل قولهم: إنها مغفورة؛ إذ وعدت بالصدقة؛ لأنهم يخدلون صاحب الكبائر في النار، والله  أطمع له تكفير السيئات كلها بالصدقة.

والله الموفق.

وقوله  : ﴿ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ : فيه وعيد وتحذير، أنه يعلم ما تسرون وما تعلنون في الصدقة.

ويحتمل: ﴿ تَعْمَلُونَ ﴾ ، من جزائكم للصدقة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أيها الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله، أنفقوا من المال الحلال الطيب الذي كسبتموه، وأنفقوا مما أخرجنا لكم من نبات الأرض، ولا تقصدوا إلى الرديء منه فتنفقوه، ولو أعطي لكم ما أخذتموه إلا إذا تغاضيتم عنه مكرهين على رداءته، فكيف ترضون لله ما لا ترضون لأنفسكم؟!

واعلموا أن الله غني عن نفقاتكم، محمود في ذاته وأفعاله.

<div class="verse-tafsir" id="91.k9GVg"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

إن النية الصالحة في الإنفاق كالوابل للجنة فيها تكون النفقة نافعة للناس لأن أصحابها يتحرون فيضعون نفقتهم موضع الحاجة لا يبذرون بغير روية.

وأراد بالطل: أن أمثال هؤلاء المخلصين لا يخيب قاصدهم لأن رحمة قلوبهم لا يغور معينها فإن لم تصبه بوابل من عطائها لم يفته طله فهم كالجنة التي لا يخشى عليها اليبس والزوال.

﴿ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ  ﴾ الآية...

الاستفهام لإنكار وقوع أن يود الإنسان لو تكون له جنة معظم شجرها الكرم والنخل اللذان هما أجمل الشجر وأنفعه، كثيرة المياه، حاوية لأنواع من الثمرات الكثيرة، قد نيطت بها آماله، ورجا أن ينتفع بها عياله، ويصيبه الكبر الذي يقعده عن الكسب في حال كثرة ذريته وضعفهم عن أن يقوموا بشأنه وشأنهم، حتى لا يبقى له ولا لهم مورد للرزق غير هذه الجنة، وبينما هو كذلك إذا بالجنة قد أصابها الاعصار، فأحرقها بما فيه من سموم النار.

وقد اختلف في تفسير ﴿ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ  ﴾ مع كون الجنة من نخيل وأعناب، فقال بعضهم: إن المراد بالثمرات هنا المنافع.

وقيل: المعنى له فيها رزق من كل الثمرات، على حد: ﴿ وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ  ﴾ ، أي ما منا أحد إلا له إلخ...

وقيل: إن ﴿ مِنْ  ﴾ بمعنى بعض...

والحق أننا إذا التفتنا عن قواعد النحو الوضعية، ولم نلتزم تعليلاتها وتدقيقاتها الفلسفية، وكسرنا قيود سيبويه والخليل، أمكننا أن نفهم العبارة من غير تقدير ولا تأويل، فالعربي الصريح، الذي طبع على القول الفصيح، لا يفهم من قولك: عندي من كل شيء، أو: لي في بستاني من كل ثمر، إلا أنك تريد أن لك حظًا من كل شيء وسهمًا من كل ثمر، لا يحتاج في ذلك إلى تقدر قول محذوف، ونظر غير مألوف، وهذا هو الصواب، فطبق عليه، ولا تطبقه على قواعد الإعراب.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5 / 29.5
الإضاءة 25%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد