الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 4 النساء > الآية ٧٨
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 7 دقيقة قراءةقوله تعالى: ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ ﴾ .
هذه الآية عند الزجاج متصلة بالأولى إلى قوله: ﴿ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ ﴾ ؛ لأنه قال: وأعلمهم أنَّ آجالهم لا تخطئهم ولو تحصنوا بأمنع الحصون، فقال: ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَة ﴾ (١) وقال الكلبي: نزلت هذه الآية في المنافقين حين قالوا لما استشهد من المسلمين ممن استشهد بأحد: لو كان (إخواننا قتلوا) (٢) (٣) وقال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ ﴾ يا معشر المنافقين ولو كنتم في بُروج مشيَّدة (٤) وقال ابن المظفر: البروج بيوتٌ تُبنى على سور المدينة (٥) وبروج الفلك اثنا عشر، كل برج فيها ثلاثون درجة (٦) وأصلها في اللغة من الظهور، ومنه يقال: تبرجت المرأة، إذا أظهرت محاسنها (٧) (٨) وأما قول أهل التفسير في البروج فقال ابن عباس في رواية عطاء ﴿ بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ﴾ يريد الحصون، أي لا تُرام (٩) (١٠) وقال مجاهد وابن جريج: هي القصور (١١) وقال الربيع والسدي وقتادة: يعني بروج السماء بأعيانها (١٢) وأما المشيَّدة فقال الفراء في المصادر: شاد بناءه يشيد شيدًا، وأشاد بناءه أيضًا إشادة، وشيد بناءه يشيده تشييدًا، إذا رفعه (١٣) وقال في المعاني (١٤) (١٥) (١٦) وقال الزجاج في المشيد والتشييد والإشادة مثل قول الفراء (١٧) وقال أبو عبيدة وابن قتيبة: المشيدة المطولة (١٨) وقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ ﴾ قال المفسرون: هذا موقف اليهود والمنافقين عند مقدم النبي المدينة، وكان قد بسط عليهم الرزق، فلما كفروا أمسك عنهم بعض الإمساك، كما مضت سنة الله في الأمم، قال: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا ﴾ ، فقالوا: ما رأينا أعظم شؤمًا من هذا، نقصت أثمارنا وغلت أسعارنا منذ قدم علينا هذا الرجل وأصحابه.
فقوله: ﴿ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ ﴾ يعني الخصب ورخص السعر وتتابع الأمطار، قالوا: هذا من عند الله، ﴿ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ ﴾ : جدب وغلاء الأسعار، قالوا: هذا من شؤم محمد.
وهذا كقوله: ﴿ فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ ﴾ .
هذا قول الكلبي (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) وقال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ ﴾ من النصر والغنيمة يقولوا هذه من عند الله ﴿ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ ﴾ من القتل والهزيمة (٢٣) وهذا قول الحسن (٢٤) (٢٥) وعلى هذا المعنى فقوله: ﴿ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ ﴾ قال ابن زيد: بسوء تدبيرك (٢٦) وقال ابن الأنباري: إذا أصابهم الخصب ونالوا ما يحبون من الغنائم والأموال قالوا: هذا من عند الله، لم نزل نعرفه، لا شيء لمحمد فيهن، وإذا أصابهم الجدب والبلاء والشر قالوا: هذا الشقاء بشؤم محمد ، فقال الله تعالى: ﴿ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾ أي النصر والهزيمة (٢٧) وقال أهل المعاني: جملة المعنى الذي تضمنته هذه الآية الحض على الجهاد، بأن الموت لا بد منه، فلا تجزعوا من الموت جزع المُعرض عن ذكره، ولا تجهلوا بإضافة المصيبة فيه إلى غير الله (٢٨) وقال ابن عباس في بعض الروايات: ﴿ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾ أما الحسنة فأنعم الله بها عليك، وأما السيئة فابتلاك بها (٢٩) وقوله تعالى: ﴿ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد لا يفهمون القرآن (٣٠) والفقه في اللغة: اللهم، يقال: أوتي فلان فقهًا في الدين، أي فهمًا (٣١) لابن عباس: "وفقهه في التأويل" (٣٢) (١) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 79.
(٢) هكذا في (ش)، وفي "أسباب النزول" للمؤلف ص 171: "إخواننا الذين قتلوا" وهو الصواب.
(٣) ذكره المؤلف في "أسباب النزول" ص 171 عن ابن عباس من رواية أبي صالح، وانظر: "زاد المسير" 2/ 137، والقرطبي 5/ 282.
(٤) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 90.
(٥) ذكر ذلك عن الليث (ابن المظفر) ابن منظور في "اللسان" 1/ 244 (برج).
(٦) انظر: "الصحاح" 1/ 299، "اللسان" 1/ 244 (برج)، "معاني القرآن" لابن العربي 1/ 461.
(٧) "مقاييس اللغة" 1/ 238، "الصحاح" 1/ 299 (برج).
(٨) "مقاييس اللغة" 1/ 238، وانظر: "اللسان" 1/ 243 (برج).
(٩) انظر: "زاد المسير" 2/ 137، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 90.
(١٠) من الثعلبي في "الكشف والبيان" 4/ 88 ب.
(١١) أخرج نحو ذلك عنهما الطبري 5/ 172، 173.
(١٢) أخرج ذلك عن الربيع والسدي: الطبري 5/ 173، وابن أبي حاتم عن السدي انظر: "الدر المنثور" 2/ 329.
أما قول قتادة فأنه كالأقوال المتقدمة، فقد أخرج الطبري 8/ 552 عنه أنه قال: "في قصور محصنة" وانظر: "الدر المنثور" 2/ 329.
(١٣) انظر: "معاني القرآن" 1/ 277، "معاني الزجاج" 2/ 79،"تهذيب اللغة" 2/ 1802 (شاد).
(١٤) أي الفراء في كتابه "معاني القرآن" 1/ 277.
(١٥) في "معاني القرآن": "ممزق" والمعنى متقارب.
(١٦) "معاني القرآن" 1/ 277 وانظر: الطبري 5/ 173.
(١٧) انظر: "معانى القرآن وإعرابه" 2/ 79.
(١٨) "مجاز القرآن" 1/ 132، "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 127.
(١٩) انظر: "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 90.
(٢٠) انظر: الطبري 5/ 174، "تفسير الهواري" 1/ 401، "بحر العلوم" 1/ 370، "الكشف والبيان" 4/ 88 ب، "النكت والعيون" 1/ 506 - 507 "زاد المسير" 2/ 137.
(٢١) في "معاني القرآن" 1/ 278.
(٢٢) في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 79.
(٢٣) انظر: "زاد المسير" 2/ 138.
(٢٤) انظر: "تفسير الهواري" 1/ 401 ، "النكت والعيون" 1/ 506 - 508.
(٢٥) أخرجه الطبري 5/ 174 - 175 ، وانظر: "النكت والعيون" 1/ 506 - 508؛ "زاد المسير" 2/ 138، "الدر المنثور"2/ 330.
(٢٦) المرجع السابق.
(٢٧) مثل هذا مروي عن ابن زيد، انظر: "الدر المنثور" 2/ 330 - 331، ولم أقف عليه عن عطاء.
(٢٨) انظر: "بحر العلوم" 1/ 369، "الكشف والبيان" 4/ 88 ب.
(٢٩) هذا الأثر من رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في "تفسيره" ص151، والطبري 5/ 174 - 175، والبيهقي في "الاعتقاد على مذهب السلف" أهل السنة والجماعة ص (67، 68)، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 330 - 331 أيضًا إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٣٠) انظر: "بحر العلوم" 1/ 370، "زاد المسير" 2/ 136.
(٣١) انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2844، "الصحاح" 6/ 2243 (فقه).
(٣٢) أخرجه البخاري (143) كتاب: الوضوء، باب: (10) وضع الماء عند الخلاء 1/ 45 بلفظ: "اللهم فقهه في الدين"، ومسلم (2477) في كتاب: فضائل الصحابة، باب: (30) فضائل عبد الله بن عباس ما 4/ 1927 (ح 138) بلفظ:"اللهم فقهه" وأحمد في "مسنده" 1/ 299 بلفظ: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل".
<div class="verse-tafsir"