تفسير سورة المائدة الآية ١٠٣ عند البسيط

الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 5 المائدة > الآية ١٠٣

مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِنۢ بَحِيرَةٍۢ وَلَا سَآئِبَةٍۢ وَلَا وَصِيلَةٍۢ وَلَا حَامٍۢ ۙ وَلَـٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ۖ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ١٠٣

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 8 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قوله تعالى: ﴿ مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ ﴾ ، روى ثعلب عن ابن الأعرابي قال: الجعل له معان في اللغة، يقال: جعل: صير، وجعل: أقبل، وجعل: خلق، وجعل: قال، ومنه قوله تعالى: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا  ﴾ (١) ﴿ وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا  ﴾ .

وقال بعض أصحاب المعاني: جعل أحد الكلمات المشتركات التي هن أمهات الأحداث مثل: فعل وعَمِل وجعل وطفق وأنشأ وأقبل، إلا أن بعضها أعم من بعض، وأكثرها عموماً "فعل"؛ لأنه يقع على كل حركة من الإنسان قولاً أو عملاً أو هماً يهم به، والدليل على أنه يقع على القول قوله تعالى: ﴿ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا  ﴾ ثم قال: ﴿ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ (٢) ﴿ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ  ﴾ أي صيرناه، ومنها: (جعل): أوجب، كقرله عز وجل: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا  ﴾ أي: وما أوجبنا القبلة التي أنت عليها، ومنها: (جعل): خلق، مثل قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ  ﴾ أي خلق، وأما قوله: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا  ﴾ أي: صيرناه؛ لأن من القرآن العبراني والسرياني، فما نقل منه إلى العرب صار عربياً (بالتصيير والنقل) (٣) ﴿ مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ ﴾ أي: ما أوجبها ولا أمر بها، والبحيرة: فعيلة من البحر وهو الشق، يقال: بحر ناقته، إذا شق أذنها، وهي بمعنى المفعولة، وخرجت مخرج النطيحة والذبيحة والنسيكة.

وقد مضى الكلام في النطيحة (٤) قال أكثر أهل اللغة والتفسير: البحيرة: الناقة إذا نتجت خمسة أبطن، وكان آخرها سَقْباً (٥) (٦) (٧) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا سَائِبَةٍ ﴾ ، قال أبو عبيد (٨) (٩) (١٠) وقال الفراء: قال بعضهم: السائبة: إذا ولدت الناقة عشرة أبطن كلهن إناث سُيِّبت، فلم تركب، ولم يُجَزّ لها وبر، ولم يشرب لبنها إلا ولد أو ضيف (١١) (١٢) وقال: ابن عباس في السائبة: هي التي تسيب للأصنام، أي تعتق لها، وكان الرجل يسيب من ماله ما يشاء، فيجيء إلى السدنة وهم خدم آلهتهم فيُطِعْمون من لبنها أبناء السبيل (١٣) (١٤) (١٥) وقال عكرمة في السائبة: كان الرجل إذا طلب الضالة، أو تبع النادّة، وأراد الحاجة قال: كذا وكذا (١٦) (١٧) وقال علقمة: السائبة: من العبيد والنَّعَم وما نذر الرجل لئن عافاه الله من مرض أوْ ردَّه من سفر سالماً ليسيبن ناقة أو جملاً أو شاة للأصنام، فإذا سيبها حرم أكلها ، لا يجز وبرها ولا يركب ظهرها ولا يشرب لبنها إلا ضيف، وما ولدت فهو بمنزلتها، شقت أذنها وسميت بحيرة (١٨) وقال محمد بن إسحاق في السائبة مثل ما قال الفراء في قوله: قال بعضهم، ثم قال محمد: والبحيرة ولد السائبة (١٩) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا وَصِيلَةٍ ﴾ ، قال ابن عباس وأكثر المفسرين: الوصيلة: من الغنم (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) فالوصيلة بمعنى الموصولة، كأنها وصلت بغيرها، ويجوز أن تكون بمعنى الواصلة لأنها وصلت أخاها.

وهذا أظهر الآية.

وقوله تعالى: ﴿ وَلَا حَامٍ ﴾ ، قال ابن عباس وابن مسعود: إذا نُتَجَت من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا: قد حُميَ ظهره وسيب لأصنامهم، فلا يحمل عليه (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) قال ابن عباس والمفسرون، وروي ذلك عن النبي  : إن عمرو بن لُحي الخزاعي كان قد ملك مكة، وكان أول من غير دين إسماعيل، فاتخذ الأصنام، ونصب الأوثان، وبحر البحيرة، وسيب السائبة، ووصل الوصيلة وحمى الحامي، قال رسول الله  : "فلقد رأيته في النار يؤذي أهل النار بريح قُصْبِه" ويروى "يجز قُصْبه في النار" (٣٠) (٣١) مُحرَمةٌ لا يأكلُ الناسُ لحمَها ...

ولا نحن في شيءٍ كذلك البحائِرُ وأنشدوا في الوصيلة لتأبط شرًا: أجِدَّك أمَّا كنت في الناس ناعقًا ...

تراعي بأَعْلى ذي المجازِ الوصائلا وأنشدوا في السائبة: وسائبةٍ مالي تشكُّرا ...

إن (٣٢) (٣٣) وأنشدوا في الحامي: حَماها أبو قابُوسَ في عزِّ مُلْكه ...

كما قد حَمَى أولادَ أولادِه الفحلُ وقوله تعالى: ﴿ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد عمرو بن لُحي وأصحابه، يتقولون على الله الأباطيل في تحريمهم هذه الأنعام، وهم جعلوها محرمة لا الله تعالى (٣٤) وقوله تعالى: ﴿ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ  ﴾ ، قال الشعبي وقتادة: يعني الأتباع لا يعقلون أن ذلك كذب وافتراء على الله من الرؤساء الذين حرموا هذه الأنعام (٣٥) (٣٦) (١) "تهذيب اللغة" 1/ 616 (جعل).

(٢) في (ج)، (ش): (فعل) والظاهر أنه تصحيف، فإن هذه آية الأنعام، أما (فعل) ففي سورة النحل الآية 33 وتختلف عن هذه حيث قال تعالى: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ .

(٣) في (ج): (لتصييره النقل).

(٤) عند تفسير الآية الثالثة من هذه السورة.

(٥) السقب: ولد الناقة، وقيل: الذكَر من ولد الناقة ..

وقيل: هو سقبٌ ساعة تضعه أمه.

"اللسان" 4/ 2035 - 2036 (سقب).

(٦) "مجاز القرآن" 1/ 177.

(٧) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 213.

(٨) هكذا في النسختين، وفي الوسيط للمؤلف 2/ 235 (أبو عبيدة).

والظاهر أن الكلام لأبي عبيدة كما في "مجاز القرآن" 1/ 180 ونحوه في "النكت والعيون" 2/ 73.

(٩) في "غريب القرآن" ص 147.

(١٠) في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 213، وانظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1585 (ساب) (١١) "معاني القرآن وإعرابه" 1/ 322.

(١٢) "تهذيب اللغة" 2/ 1585 (ساب).

(١٣) أخرجه الطبري 7/ 90 مختصرا من طريق علي بن أبي طلحة، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 462، "تفسير الوسيط" 2/ 235 وعزاه المحقق لتفسير ابن عباس ص 102، "تنوير المقباس بهامش المصحف" ص 124، "زاد المسير" 2/ 437، وعزاه السيوطي إضافة إلى ابن جرير إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.

"الدر المنثور" 2/ 596 بمعناه.

(١٤) "تفسير الوسيط" 2/ 235.

(١٥) أخرجه بنحوه البخاري (4623) كتاب: التفسير، باب: تفسير سورة المائدة، باب: ﴿ مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ ﴾ ، والطبري 7/ 92، والبغوي في "تفسيره" 3/ 108، وانظر: "زاد المسير" 2/ 438.

(١٦) في (ج): (كذى وكذى).

(١٧) لم أقف عليه، وانظر: "زاد المسير" 2/ 438.

(١٨) "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 147، والطبري في "تفسيره" 7/ 89 - 91، و"بحر العلوم" 1/ 462، "معاني القرآن وإعرابه" للنحاس 2/ 371، "النكت والعيون" 1/ 463، "تفسير البغوي" 3/ 107.

(١٩) "معاني القرآن وإعرابه" للفراء 1/ 322، و"تهذيب اللغة" 2/ 1585 (ساب)، "زاد المسير" 2/ 439.

(٢٠) "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 147، و"تفسير الطبري" 7/ 90، و"معاني الزجاج" 2/ 213.

(٢١) "تفسير مقاتل" 1/ 510.

(٢٢) "تفسير الوسيط" 2/ 235.

(٢٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 213.

(٢٤) "تفسير الطبري" 7/ 90، و"بحر العلوم" 1/ 462، "تفسير الوسيط" 2/ 235، "تفسير البغوي" 3/ 108، و"تفسير ابن كثير" 2/ 122.

(٢٥) في "مجاز القرآن" 1/ 179.

(٢٦) في "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 213.

(٢٧) "تفسير الطبري" 7/ 86 - 93.

(٢٨) أخرجه البخاري (4623)، كتاب: التفسير، من تفسير سورة المائدة باب: ﴿ مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ ﴾ ، والطبري 7/ 90.

(٢٩) "معاني القرآن وإعرابه" 1/ 322.

(٣٠) أخرجه من حديث أبي هريرة مختصرًا: البخاري (4623)، كتاب: التفسير، من تفسير سورة المائدة، ومسلم (2856) كتاب: الجنة، باب: النار يدخلها الجبارون.

لكن في البخاري جاءت تسميته: عمرو بن عامر، وكذا عند الإِمام أحمد في مسنده 2/ 275، وأخرجه الطبري 7/ 88 وغيرهم.

(٣١) أخرجه الطبري 7/ 90.

(٣٢) في (ش): (وإن).

(٣٣) في (ج): (عافى).

(٣٤) "تفسير الوسيط" 2/ 236، وعزاه المحقق لتفسير ابن عباس ص 102، "تنوير المقباس" بهامش المصحف ص 125.

(٣٥) "تفسير الطبري" 7/ 93، "معاني القرآن وإعرابه" للنحاس 2/ 373، "تفسير الوسيط" 2/ 236، "زاد المسير" 2/ 440، "تفسير ابن كثير" 2/ 123.

(٣٦) من: "وقوله تعالى: (وأكثرهم لا يعقلون) ..

" إلى هنا ليس في نسخة (ش).

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.2 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله