تفسير سورة المائدة الآية ١٠٥ عند البسيط

الإسلام > القرآن > تفسير > البسيط > سورة 5 المائدة > الآية ١٠٥

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ ۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًۭا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ١٠٥

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 9 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ الآية، قال النحويون: قوله: ﴿ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ أمر من الله، تأويله: احفظوا أنفسكم عن ملابسة المعاصي والإصرار على الذنوب.

قاله الفراء (١) (٢) ونحو ذلك قال الزجاج؛ لأنه قال: إذا قلت: عليك زيدًا، فتأويله الزم زيدًا، و ﴿ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ معناه: الزموا أنفسكم فإنما ألزمكم الله أمرها (٣) ﴿ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ : يقول: أطيعوا أمري، واحفظوا وصيتي (٤) (٥) (٦) فهذه الأحرف الثلاثة لا اختلاف بين النحويين في إجازة النصب بها، وقد تقيم العرب غير هذه الأحرف مقام الفعل، ولكن لا تعديه إلى مفعول، وذلك نحو قولهم: إليك عني (٧) قالوا: لا يجوز أن يأمر بهذه الظروف إلا المخاطب، لو قلت عليك زيدًا، لم يحسن، وإنما كان كذلك لأن المخاطب لا يحتاج في الأمر بالفعل إلى أكثر من حروف ذلك الفعل الذي يأمره به نحو: قم واذهب، وفي الأمر للغائب يحتاج إلى إدخال اللام نحو: ليقم فلان، فكرهوا أن يقيموا هذه الظروف مقام الفعل واللام، فتكون نائبة عن شيئين، وفي المخاطبة تكون نائبة عن شيء واحد وهو الفعل وحده، وقد حكى عن العرب سماعًا: عليه رجلاً، ليس إغراءً للغائب، وهو شاذ لا يقاس عليه، وأجاز الكسائي وحده الإغراء بالظروف كلها.

قال الفراء: زعم الكسائي أنه سمع: بينكما البعيرَ فخذاه، فأجاز ذلك في كل الصفات، وسمع العرب تقول: كما أنت زيدًا، ومكانك زيدًا، قال الفراء: وسمعت بعض بني سليم يقول: مكانكني، يريد انتظرني في مكانك (٨) (٩) وأما سبب نزول الآية: فروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن النبي  لما قبل من أهل الكتاب الجزية وأبى من العرب إلا الإسلام أو السيف، عيَّر المؤمنين منافقوا مكة قبول رسول الله  الجزية من بعض دون بعض، فنزلت هذه الآية (١٠) (١١) وقوله تعالى: ﴿ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ﴾ ، قال الزجاج: الأجود أن يكون رفعًا على جهة الخبر، والمعنى: ليس يضركم من ضل، قال: ويجوز أن يكون موضع ﴿ لَا يَضُرُّكُمْ ﴾ جزمًا على الجواب لقوله: ﴿ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ لأنه أمر، ويكون الأصل: لا يضرركم إلا أن الراء الثانية أدغمت فيها الأولى وضمت لالتقاء الساكنين (١٢) ﴿ فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا ﴾ (لَا تَخَفُ) ولا تخافُ [طه: 77] جائزان (١٣) ويقال: هل تدل هذه الآية على جواز ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟

قيل: في هذا وجوه: أحدها: وهو الذي عليه أكثر الناس أن الآية لا تدل على ذلك، دل توجب أن المطيع لربه لا يكون مؤاخذًا بذنوب العاصي، فأما وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فمعقول بالآيات في ذلك (١٤)  فقال: إنكم تقرؤون هذه الآية ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ وتضعونها غير موضعها، وإني سمعت رسول الله  يقول: "إن الناس إذا رأوا المنكر فلم ينكروه، يوشك أن يعمهم الله بعقاب" (١٥) الوجه الثاني في تأويل الآية: ما روي عن ابن مسعود وابن عمر أنهما قالا: قوله تعالى: ﴿ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ﴾ يكون هذا في آخر الزمان، قال ابن مسعود وقرئت عليه هذه الآية: ليس هذا بزمانها ما دامت قلوبكم واحدة، ولم تُلبَسوا شِيَعًا، ولم يذق بعضكم بأس بعض، فأمروا وانهوا، فإذا اختلفت القلوب والأهواء، وأُلبستم شِيعًا، فامرؤٌ ونفسُه، فعند ذلك جاء تأويل هذه الآية قال: ومن الآيات آيٌ وقع تأويلهن في آخر الزمان (١٦) وروي عن ابن عمر أنه قال: "هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا، إن قالوا لم يقبل منهم" (١٧)  عن هذه الآية فقال: ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت دنيا مؤثرة، وشحًّا مطاعًا، وهوًى متبعًا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخويصة نفسك، وذر عوامهم (١٨) الوجه الثالث في تأويل الآية: ما ذهب إليه عبد الله بن المبارك، فقال: هذه أوكد آية في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن الله تعالى خاطب بها المؤمنين جميعًا، وأغراهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقال: ﴿ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ يعني: عليكم أهل دينكم ﴿ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ ﴾ من الكفار، وهذا كقوله تعالى: ﴿ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ  ﴾ يعني: أهل دينكم، وقال: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ  ﴾ بهذا المعنى (١٩) ﴿ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ : يريد يعِظُ بعضكم بعضًا، وينهى بعضكم بعضًا، ويعلّم بعضكم بعضًا ما يقربه إلى الله ويبعده من الشيطان، و ﴿ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ ﴾ من غيركم، يريد من المشركين وأهل الكتاب، والمنافقين (٢٠) الوجه الرابع: أن الآية نازلة في أهل الأهواء، لأنه لا ينفعهم الوعظ ولا يتركون هواهم بالأمر بالمعروف، فإذا رأيتهم أو كنت فيهم فعليك نفسك وذرهم وما اختاروه لأنفسهم، فلن يضرك ضلالهم.

وهذا الوجه يروى عن صفوان بن مُحْرِز (٢١) (٢٢) والذي ذكرنا من سبب النزول يدل على أن الآية نازلة فيمن لا يؤمر بالمعروف ولا يُنْهى عن المنكر، وهم المنافقون واليهود والنصارى، فأما المسلمون فليسوا من هذا في شيء، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب فيما بينهم.

قال أبو عبيد: والذي أذن الله في إقراره والإمساك عن تغييره بقوله: ﴿ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ﴾ إنما هو الشرك الذي ينطق به المعاهدون من أجل أنهم أهل ملل يدينون بها، فأما الفسوق والعصيان والريب من أهل الإِسلام فلا يدخل في هذه الآية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان في أهل المعاصي من المسلمين على الأبد، كذلك وجدنا أكثر أهل الحديث بلا توقيت (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) وقوله تعالى: ﴿ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا ﴾ ، قال عطاء: يريد مصيركم ومصير من خالفكم ﴿ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ يريد يجازيكم بأعمالكم (٣٠) (١) في "معاني القرآن وإعرابه" 1/ 322.

(٢) أبو بكر، وقد وهم محقق "الوسيط" 2/ 237 فنسب هذا "القول للبيان في غريب إعراب القرآن" 1/ 307، وهذا الكتاب لأبي البركات بن الأنباري المتوفى سنة 577 هـ وهو متأخر عن المؤلف بقرن تقريبًا.

وكلام ابن الأنباري أبي بكر هنا بمعنى ما عند أبي بركات في البيان، ولم أجده في الزاجر لأبي بكر، والذي يعتمد عليه المؤلف كثيراً.

(٣) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 213.

(٤) لم أقف عليه.

(٥) "تفسير الطبري" 7/ 97.

(٦) انظر: كتاب سيبويه 1/ 138.

(٧) "تفسير الطبري" 7/ 94.

(٨) "معاني القرآن" 1/ 323.

(٩) "معاني القرآن" للفراء 1/ 323.

(١٠) ذكره المؤلف في "أسباب النزول" ص 214، و"بحر العلوم" 1/ 463، و"تنوير المقباس" - الذي هو من رواية الكلبي ورواياته منكرة بهامش المصحف ص 125.

(١١) أخرجه الطبري 7/ 94، و"معاني القرآن وإعرابه" للنحاس 2/ 374.

(١٢) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 214.

(١٣) "معاني القرآن وإعرابه" 1/ 323، ولا تخف ولا تخافُ، قراءتان سبعيتان.

انظر: "حجة القراءات" ص 458، 459، و"النشر" 2/ 321.

(١٤) "تفسير الطبري" 7/ 99، "معاني القرآن وإعرابه" للنحاس 2/ 373، و"بحر العلوم" 1/ 463.

(١٥) أخرجه الترمذي (3057) كتاب: التفسير، باب: من سورة المائدة وقال: حديث حسن صحيح، والطبري 7/ 98 من طرق، قال ابن كثير 2/ 123.

وقد روى هذا الحديث أصحاب السنن الأربعة، وابن حبان في صحيحه، وغيرهم، من طرق كثيرة عن جماعة كثيرة ..

متصلًا مرفوعًا ومنهم من رواه موقوفًا على الصديق، وقد رجح رفعه الدارقطني وغيره، وذكرنا طرقه والكلام عليه مطولًا في مسند الصديق  ".

(١٦) أخرجه الطبري 7/ 96، وذكره ابن كثير 2/ 124، وعزاه إخراجه إلى أبي جعفر الرازي، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 599 إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبي الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الشعب.

(١٧) أخرجه الطبري 7/ 96 وأخذه عنه ابن كثير 2/ 124، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 599 إلى ابن مردويه أيضًا.

(١٨) أخرجه الترمذي (3058) كتاب: التفسير، باب: من سورة المائدة وقال حسن غريب، وأبو داود (4341)، كتاب: الملاحم، باب: الأمر والنهي، والطبري 7/ 97، البغوي في "شرح السنة" 14/ 347.

(١٩) "تفسير القرطبي" 6/ 344.

(٢٠) لم أقف عليه.

(٢١) هو صفوان بن مُحْرز المازني البصري، العابد، أحد الأعلام، أخذ عن الصحابة وروى عنه جماعة.

كان واعظًا قانتًا، توفي سنة 174 هـ انظر: "سير أعلام النبلاء" 4/ 286، "تقريب التهذيب" ص 277 (2941).

(٢٢) لم أقف عليه، "تفسير الطبري" 7/ 971، "تفسير البغوي" 3/ 110.

(٢٣) "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" في القرآن العزيز - لأبي عبيد (القاسم بن سلام) ص 290.

(٢٤) لا يزال الكلام لأبي عبيد في "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" ص 294.

(٢٥) لم يتبين من هو.

(٢٦) أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم.

انظر: "الدر المنثور" 3/ 363 عند تفسير قوله تعالى: ﴿ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ ﴾ (65) سورة الأنفال.

(٢٧) في (ج): (أنا) بدون (أما).

(٢٨) "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" لأبي عبيد ص 294.

(٢٩) "الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز" ص 294.

(٣٠) "تفسير الوسيط" 2/ 260، "زاد المسير" 2/ 443.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.4 / 29.5
الإضاءة 30%
البدر بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله