التسهيل لعلوم التنزيل سورة يس

الإسلام > القرآن > تفسير > التسهيل > تفسير سورة يس

تفسيرُ سورةِ يس كاملةً من التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) (ابن جزي الكلبي).

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 29 دقيقة قراءة

تفسير سورة يس كاملةً (ابن جزي الكلبي)

يسٓ ١

قد تكلمنا في البقرة على حروف الهجاء وقيل: في يس إنه من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم وقيل: معناه يا إنسان.

<div class="verse-tafsir"

تَنزِيلَ ٱلْعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ ٥ لِتُنذِرَ قَوْمًۭا مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمْ فَهُمْ غَـٰفِلُونَ ٦ لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰٓ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ٧

﴿ تَنزِيلَ ﴾ بالرفع خبر ابتداء مضمر وبالنصب مصدر أو مفعول بفعل مضمر ﴿ لِتُنذِرَ قَوْماً ﴾ هم قريش ويحتمل أن يدخل معهم سائر العرب وسائر الأمم ﴿ مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ ﴾ ما نافية والمعنى: لم يرسل إليهم ولا لآبائهم رسول ينذرهم، وقيل: المعنى: لتنذر قوماً مثل ما أنذر آباؤهم، فما على هذا موصولة بمعنى الذي، أو مصدرية والأول أرجح لقوله: ﴿ فَهُمْ غَافِلُونَ ﴾ يعني أن غفلتهم بسبب عدم إنذارهم، وتكون بمعنى قولهم: ما أتاهم من نذير من قبلك ولا يعارض هذا بعث الأنبياء المتقدمين، فإن هؤلاء القوم لم يدركوهم ولا آبائهم الأقربون ﴿ لَقَدْ حَقَّ القول ﴾ أي سبق القضاء.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّا جَعَلْنَا فِىٓ أَعْنَـٰقِهِمْ أَغْلَـٰلًۭا فَهِىَ إِلَى ٱلْأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ ٨ وَجَعَلْنَا مِنۢ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّۭا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّۭا فَأَغْشَيْنَـٰهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ٩ وَسَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ١٠ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ وَخَشِىَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ ۖ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍۢ وَأَجْرٍۢ كَرِيمٍ ١١ إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا۟ وَءَاثَـٰرَهُمْ ۚ وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَـٰهُ فِىٓ إِمَامٍۢ مُّبِينٍۢ ١٢

﴿ إِنَّا جَعَلْنَا في أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً ﴾ الآية: فيها ثلاثة أقوال: الأول أنها عبارة عن تماديهم على الكفر، ومنع الله لهم من الإيمان، فشبههم بمن جعل في عنقه غل يمنعه من الالتفات، وغطى على بصره فصار لا يرى، والثاني أنها عبارة عن كفهم عن إذاية النبي صلى الله عليه وسلم حين أراد أبو جهل أن يرميه بحجر، فرجع عنه فزعاً مرعوباً، والثالث: أن ذلك حقيقة في حالهم في جهنم، والأول أظهر وأرجح لقوله قبلها ﴿ فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ ﴾ وقوله بعدها ﴿ وَسَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ ﴾ ﴿ فَهِىَ إِلَى الأذقان ﴾ الذقن هي طرف الوجه حيث تنبت اللحية، والضمير للأغلال، وذلك أن الغل حلقة في العنق، فإذا كان واسعاً عريضاً وصل إلى الدقن فكان أشدّ على المغلول، وقيل: الضمير للأيدي على أنها لم يتقدم لها ذكر، ولكنها تفهم من سياق الكلام، لأن المغلول تضم يداه في الغل إلى عنقه، وفي مصحف ابن مسعود: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا في أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِىَ إِلَى الأذقان ﴾ .

وهذه القراءة تدل على هذا المعنى، وقد أنكره الزمخشري ﴿ فَهُم مُّقْمَحُونَ ﴾ يقال قمح البعير إذا رفع رأسه، وأقمحه غيره إذا فعل به ذلك، والمعنى أنهم لما اشتدت الأغلال حتى وصلت إلى أذقانهم اضطرت رؤوسهم إلى الارتفاع، وقيل: معنى ﴿ مُّقْمَحُونَ ﴾ ممنوعون من كل خير.

﴿ وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ﴾ الآية: السّد الحائل بين الشيئين، وذلك عبارة عن منعم من الإيمان ﴿ فَأغْشَيْنَاهُمْ ﴾ أي غطينا على أبصارهم وذلك أيضاً مجاز يراد به إضلالهم ﴿ وَسَوَآءُ عَلَيْهِمْ ﴾ الآية: ذكرنا معناها وإعرابها في [البقرة: 6] ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتبع الذكر ﴾ المعنى أن الإنذار لا ينفع إلا من اتبع الذكر وهو القرآن ﴿ وَخشِيَ الرحمن بالغيب ﴾ معناه كقولك: إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وقد ذكرناه في [فاطر: 18] ﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الموتى ﴾ أي نبعثهم يوم القيامة، وقيل: أحياؤهم إخراجهم من الشرك إلى الإيمان، والأول أظهر ﴿ وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ وَآثَارَهُمْ ﴾ أي ما قدموا من أعمالهم، وما تركوه بعدهم، كعلم علموه أو تحبيس جبسوه، وقيل: الأثر هنا: الخطا إلى المساجد، وجاء ذلك في الحديث ﴿ إِمَامٍ مُّبِينٍ ﴾ أي في كتاب وهو اللوح المحفوظ أو صحائف الأعمال.

<div class="verse-tafsir"

وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا أَصْحَـٰبَ ٱلْقَرْيَةِ إِذْ جَآءَهَا ٱلْمُرْسَلُونَ ١٣ إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍۢ فَقَالُوٓا۟ إِنَّآ إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ ١٤ قَالُوا۟ مَآ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌۭ مِّثْلُنَا وَمَآ أَنزَلَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مِن شَىْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ ١٥ قَالُوا۟ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ١٦

﴿ واضرب لَهُمْ مَّثَلاً ﴾ الضمير لقريش، ومثلاً وأصحاب القرية مفعولان بأضرب على القول بأنها تتعدى إلى مفعولين، وهو الصحيح والقرية أنطاكية ﴿ إِذْ جَآءَهَا المرسلون ﴾ هم من الحواريين الذين أرسلهم عيسى عليه الصلاة والسلام، يدعون الناس إلى عبادة الله، وقيل: بل هم رسل أرسلهم الله، ويدل على هذا قول قومهم: ﴿ مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا ﴾ ، فإن هذا إنما يقال: لمن ادعى أن الله أرسله ﴿ فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ ﴾ أي قوينا الاثنين برسول ثالث، قيل: اسمه شمعون ﴿ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ﴾ أنما أكدوا الخبر هنا باللام لأنه جواب المنكرين، بخلاف الموضع الأول فإنه إخبار مجرد.

<div class="verse-tafsir"

قَالُوٓا۟ إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ ۖ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا۟ لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌۭ ١٨ قَالُوا۟ طَـٰٓئِرُكُم مَّعَكُمْ ۚ أَئِن ذُكِّرْتُم ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌۭ مُّسْرِفُونَ ١٩

﴿ قالوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ ﴾ أي تشاءمنا بكم، وأصل اللفظة من زجر الطير ليستدل على ما يكون من شر أو خير، وإنما تشاءموا بهم لأنهم جاؤوهم بدين غير دينهم، وقيل: وقع فيهم الجذام لما كفروا، وقيل: قحطوا ﴿ قَالُواْ طَائِرُكُم مَّعَكُمْ ﴾ أي قال الرسل لأهل القرية: شؤمكم معكم؛ أي إنما الشؤم الذي أصابكم بسبب كفركم لا بسببنا ﴿ أَئِن ذُكِّرْتُم ﴾ دخلت همزة الاستفهام على حرف الشرط وفي الكلام حذف تقديره: أتطيرون أن ذكرتم.

<div class="verse-tafsir"

وَجَآءَ مِنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ رَجُلٌۭ يَسْعَىٰ قَالَ يَـٰقَوْمِ ٱتَّبِعُوا۟ ٱلْمُرْسَلِينَ ٢٠ ٱتَّبِعُوا۟ مَن لَّا يَسْـَٔلُكُمْ أَجْرًۭا وَهُم مُّهْتَدُونَ ٢١ وَمَا لِىَ لَآ أَعْبُدُ ٱلَّذِى فَطَرَنِى وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ٢٢ ءَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةً إِن يُرِدْنِ ٱلرَّحْمَـٰنُ بِضُرٍّۢ لَّا تُغْنِ عَنِّى شَفَـٰعَتُهُمْ شَيْـًۭٔا وَلَا يُنقِذُونِ ٢٣ إِنِّىٓ إِذًۭا لَّفِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍ ٢٤ إِنِّىٓ ءَامَنتُ بِرَبِّكُمْ فَٱسْمَعُونِ ٢٥

﴿ يسعى ﴾ أي يسرع بجده ونصيحته، وقيل: اسمه حبيب النجار ﴿ اتبعوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُّهْتَدُونَ ﴾ أي هؤلاء المرسلون لا يسألونكم أجرة على الإيمان، فلا تخسرون معهم شيئاً من دنياكم، وترجعون معهم الاهتداء في دينكم ﴿ وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ الذي فَطَرَنِي ﴾ المعنى أي شيء يمنعني من عبادة ربي؟

وهذا توقيف سؤال وإخبار عن نفسه قصد به البيان لقومه، ولذلك قال: ﴿ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ فخاطبهم ﴿ إِن يُرِدْنِ الرحمن بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ ﴾ هذا وصف للآلهة، والمعنى: كيف أتخذ من دون الله آلهة لا يشفعون ولا ينقذونني من الضر ﴿ إني إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ أي إن اتخذت آلهة غير الله فإني لفي ضلال مبين ﴿ إني آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فاسمعون ﴾ خطاب لقومه أي: اسمعوا قولي واعملوا بنصيحتي، وقيل: خطاب للرسل ليشهدوا له.

<div class="verse-tafsir"

قِيلَ ٱدْخُلِ ٱلْجَنَّةَ ۖ قَالَ يَـٰلَيْتَ قَوْمِى يَعْلَمُونَ ٢٦ بِمَا غَفَرَ لِى رَبِّى وَجَعَلَنِى مِنَ ٱلْمُكْرَمِينَ ٢٧

﴿ قِيلَ ادخل الجنة ﴾ قيل: محذوف يدل عليه الكلام، وروي في الأثر وهو أن الرجل لما نصح قومه قتلوه فلما مات قيل له: ادخل الجنة، واختلف هل دخلها حيث موته كالشهداء؟

أو هل ذلك بمعى البشارة بالجنة ورؤيته لمقعده منها؟

﴿ قَالَ ياليت قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي ﴾ تمنّى أن يعلم قومه بغفران الله له على إيمانه فيؤمنون، ولذلك ورد في الحديث أنه نصح لهم حياً وميتاً، وقيل: أراد أن يعلموا ذلك فيندموا على فعلهم معه وينفعهم ذلك.

<div class="verse-tafsir"

۞ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِۦ مِنۢ بَعْدِهِۦ مِن جُندٍۢ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ ٢٨ إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةًۭ وَٰحِدَةًۭ فَإِذَا هُمْ خَـٰمِدُونَ ٢٩

﴿ وَمَآ أَنزَلْنَا على قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ السمآء ﴾ المعنى أن الله أهلكهم بصيحة صاحها جبريل، ولم يحتج في تعذيبهم إلى إنزال جند من السماء، لأنهم أهون من ذلك، وقيل المعنى ما أنزل الله على قومه ملائكة رسلاً كما قالت قريش: ﴿ لولا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً ﴾ [الفرقان: 7] ولفظ الجند أليق بالمعنى الأول، وكذلك ذكر الصيحة بعد ذلك ﴿ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ ﴾ ما كنا لننزل جنداً من السماء علىأحد ﴿ فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ ﴾ أي ساكنون لا يتحركون ولا ينطقون.

<div class="verse-tafsir"

يَـٰحَسْرَةً عَلَى ٱلْعِبَادِ ۚ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ٣٠

﴿ ياحسرة عَلَى العباد ﴾ نداء للحسرة كأنه قال: يا حسرة احضري فهذا وقتك، وهذا التفجع عليهم استعارة في معنى التهويل والتعظيم لما فعلوا من استهزائهم بالرسل، ويحتمل أن يكون من كلام الملائكة، أو المؤمنين من الناس، وقيل: المعنى يا حسرة العباد على أنفسهم.

<div class="verse-tafsir"

أَلَمْ يَرَوْا۟ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ ٱلْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ ٣١ وَإِن كُلٌّۭ لَّمَّا جَمِيعٌۭ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ ٣٢

﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ ﴾ الضمير لقريش أو للعباد على الاطلاق، والرؤية هنا بمعنى العلم ﴿ وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ ﴾ قرئ لما بالتخفيف وهي لام التأكيد دخلت على ﴿ مَا ﴾ المزيدة وإن على هذا مخففة من الثقيلة، وقرئ بالتشديد وهي بمعنى إلا، وإن على هذا نافية.

<div class="verse-tafsir"

لِيَأْكُلُوا۟ مِن ثَمَرِهِۦ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ ۖ أَفَلَا يَشْكُرُونَ ٣٥ سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْأَزْوَٰجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ ٣٦

﴿ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ ﴾ على ثمرة أي ليأكلوا من الثمر ﴿ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ ﴾ بالحرث والزراعة والغراسة، وقيل ﴿ مَا ﴾ نافية وقرئ ﴿ مَا عَمِلَتْ ﴾ من غيرها وما على معطوفة ﴿ الأزواج ﴾ يعني أصناف المخلوقات ثم فسرها بقوله: ﴿ مِمَّا تُنبِتُ الأرض ﴾ وما بعده، فمن في المواضع الثلاثة للبيان ﴿ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ يعني أشياء لا يعلمها بنو آدم كقوله: ﴿ وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ [النحل: 8].

<div class="verse-tafsir"

وَءَايَةٌۭ لَّهُمُ ٱلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ ٣٧

﴿ نَسْلَخُ مِنْهُ النهار ﴾ أن نجرده منه وهي استعارة.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّۢ لَّهَا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ ٣٨

﴿ والشمس تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ﴾ أحد لحد موقت تنتهي إليه من فلكها، وهي نهاية جريها إلى أن ترجع في المنقلبين الشتاء والصيف، وقيل: مستقرها: وقوفها كل وقت زوال، بدليل وقوف الظل حينئذ، وقيل: مستقرها يوم القيامة حين تكوّر، وفي الحديث: «مستقرها تحت العرش تسجد فيه كل ليلة بعد غروبها» وهذا أصح الأقوال لوروده عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المروي في البخاري عن أبي ذر، وقرئ ﴿ لا مستقر لها ﴾ أي لا تستقر عن جريها.

<div class="verse-tafsir"

وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَـٰهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلْعُرْجُونِ ٱلْقَدِيمِ ٣٩

﴿ والقمر قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ ﴾ قرأ نافعت بالرفع على الابتداء أو عطف على الليل، وآخرون بالنصب على إضمار فعل، ولابد في ﴿ قَدَّرْنَاهُ ﴾ من حذف تقديره: قدرنا سيره منازل، ومنازل القمر ثمانية وعشرون ينزل القمر كل ليلة واحدة منها أول الشهر، ثم يستتر في آخر الشهر ليلة أو ليلتين، وقال الزمخشري: وهذه المنازل هن مواضع النجوم؛ وهي السرطان، البطين، الثريا، الدبران، الهقعة الهنعة، الذراع، النثرة، الطرف، الجبهة، الزبرة الصرفة، العوى، السماك، الغفر، الزباني، الأكليل، القلب، الشولة، النعائم، البلدة، سعد بلع، سعد الذابح، سعد السعود، سعد الأخبية، فرغ الدلو المقدم، فرغ الدلو المؤخر، بطن الحوت ﴿ حتى عَادَ كالعرجون القديم ﴾ العرجون هو غصن النخلة شبه القمر به إذا انتهى في نقصانه، والتشبيه في ثلاثة أوصاف: وهي الرقة، والانحناء، والصفرة، ووصفه بالقديم لأنه حينئذ تكون له هذه الأوصاف.

<div class="verse-tafsir"

لَا ٱلشَّمْسُ يَنۢبَغِى لَهَآ أَن تُدْرِكَ ٱلْقَمَرَ وَلَا ٱلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ ۚ وَكُلٌّۭ فِى فَلَكٍۢ يَسْبَحُونَ ٤٠

﴿ لاَ الشمس يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القمر ﴾ المعنى لا يمكن الشمس أن تجتمع مع القمر بالليل فتمحو نوره، وهكذا قال بعضهم، ويحتمل أن يريد أن سير الشمس في الفلك بطيء، فإنها تقطع الفلك في سنة وسير القمر سريع، فإنه يقطع الفلك في شهر، والبطيء لا يدرك السريع ﴿ وَلاَ اليل سَابِقُ النهار ﴾ يعني أن كل واحد منهما جعل الله له وقتاً موقتاً، واحداً معلوماً لا يتعدّاه، فلا يأتي الليل حتى ينفصل النهار، كما لا يأتي النهار حتى ينفصل الليل، ويحتمل أن يريد أن آية الليل وهي القمر لا تسبق آية النهار وهي الشمس: أي لا تجتمع معه فيكون المعنى كالذي قيل في قوله: ﴿ لاَ الشمس يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القمر ﴾ فحصل من ذلك أن الشمس لا تجتمع مع القمر وأن القمر لا يجتمع مع الشمس ﴿ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ ذكر في [الأنبياء: 23].

<div class="verse-tafsir"

وَءَايَةٌۭ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِى ٱلْفُلْكِ ٱلْمَشْحُونِ ٤١

﴿ وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الفلك المشحون ﴾ معنى المشحون: المملوء، والفلك هنا يحتمل أن يريد به جنس السفن، أو سفينة نوح عليه السلام، وأما الذرية فقيل: إنه يعني الآباء الذين حملهم الله في سفينة نوح عليه السلام، وسمى الآباء ذرية لأنها تناسلت منهم، وأنكر ابن عطية ذلك، وقال: إنه يعني النساء، وهذا بعيد، والأظهر أنه أراد بالفُلك جنس السفن، فيعني جنس بن آدم، وإنما خص ذريتهم بالذكر لأنه أبلغ في الامتنان عليهم، ولأن فيه إشارة إلى حمل أعقابهم إلى يوم القيامة، وإن أراد بالفلك سفينة نوح فيعني بالذرية من كان في السفينة، وسماهم ذرية، لأنهم ذرية آدم ونوح، فالضمير في ذريتهم على هذا النوع بني آدم كأنه يقول الذرية منهم.

<div class="verse-tafsir"

وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِۦ مَا يَرْكَبُونَ ٤٢ وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنقَذُونَ ٤٣ إِلَّا رَحْمَةًۭ مِّنَّا وَمَتَـٰعًا إِلَىٰ حِينٍۢ ٤٤

﴿ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ ﴾ إن أراد بالفلك سفينة نوح فيعني بقوله: ﴿ مِّن مِّثْلِهِ ﴾ سائر السفن التي يركبها سائر الناس، وإن أراد بالفلك جنس السفن فيعني بقوله: ﴿ مِّن مِّثْلِهِ ﴾ الإبل وسائر المركوبات، فتكون المماثلة على هذا في أنه مركوب لا غير، والأول أظهر، لقوله: ﴿ وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ ﴾ ، ولا يتصور هذا في المركوبات غير السفن ﴿ فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ ﴾ أي لا مغيث لهم ولا منفذ لهم من الغرق ﴿ إِلاَّ رَحْمَةً مِّنَّا ﴾ قال الكسائي: نصب رحمة على الاستثناء كأنه قال: إلا أن نرحمهم، وقال الزجاج: نصب رحمة على المفعول من أجله كأنه قال: إلا لأجل رحمتنا إياهم ﴿ وَمَتَاعاً إلى حِينٍ ﴾ يعني آجالهم.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّقُوا۟ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ٤٥ وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ ءَايَةٍۢ مِّنْ ءَايَـٰتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا۟ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ٤٦

﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتقوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ ﴾ الضمير لقريش، وجواب إذا محذوف تقديره: أعرضوا يدل عليه ﴿ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ﴾ ، والمراد ب ﴿ مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ ﴾ : ذنوبهم المتقدّمة والمتأخرة، وقيل: ﴿ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ﴾ عذاب الأمم المتقدمة، ﴿ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾ عذاب الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا۟ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطْعَمَهُۥٓ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍۢ ٤٧

﴿ قَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمنوا أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَآءُ الله أَطْعَمَهُ ﴾ كان النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون يحضون على الصدقات وإطعام المساكين فيجيبهم الكفار بهذا الجواب، وفي معناه قولان: أحدهما أنهم قالوا كيف نطعم المساكين ولو شاء الله أن يطعمهم لأطعمهم، ومن حرمهم الله نحن نحرمهم، وهذا كقولهم: كن مع الله على المدبر، والآخر أن قولهم رد على المؤمنين، وذلك أن المؤمنين كانوا يقولون: إن الأمور كلها بيد الله، فكأن الكفار يقولون لهم: لو كان كما تزعمون لأطعم الله هؤلاء فما بالكم تطلبون إطعامهم منا، ومقصودهم في الوجهين احتجاج لبخلهم، ومنعهم الصدقات واستهزاء بمن حضهم على الصدقات ﴿ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ يحتمل أن يكون من بقية كلامهم خطاباً للمؤمنين، أون يكون من كلام الله خطاباً للكافرين.

<div class="verse-tafsir"

وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ٤٨

﴿ وَيَقُولُونَ متى هَذَا الوعد ﴾ يعنون يوم القيامة أن نزول الأولى في الصور وهي نفخة الصعق.

<div class="verse-tafsir"

مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةًۭ وَٰحِدَةًۭ تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ ٤٩

﴿ تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ ﴾ أي يتكلمون في أمروهم وأصل ﴿ يَخِصِّمُونَ ﴾ يختصمون، ثم آدغم، وقرئ بفتح الخاء وبكسرها واختلاس حركتها.

<div class="verse-tafsir"

فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةًۭ وَلَآ إِلَىٰٓ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ ٥٠

﴿ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً ﴾ أي لا يقدرون أن يوصوا بما لهم وما عليهم لسرعة الأمر ﴿ وَلاَ إلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ ﴾ أي يستطيعون أن يرجعوا إلى منازلهم لسرعة الأمر.

<div class="verse-tafsir"

وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلْأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ ٥١

﴿ وَنُفِخَ فِي الصور فَإِذَا هُم مِّنَ الأجداث إلى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ ﴾ هذه النفخة الثانية وهي نفخة القيام من القبور، والأجداث هي القبور، وينسلون يسرعون المشيء، وقيل: يخرجون.

<div class="verse-tafsir"

قَالُوا۟ يَـٰوَيْلَنَا مَنۢ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ۜ ۗ هَـٰذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ ٥٢

﴿ قَالُواْ ياويلنا ﴾ الويل منادى أو مصدر ﴿ مَن بَعَثَنَا مِن ﴾ المرقد يحتمل أن يكون اسم مصدر أو اسم مكان، قال أبيّ بن كعب ومجاهد: إن البشر ينامون نومة قبل الحشر، قال ابن عطية هذا غير صحيح الإسناد، وإنما الوجه في معنى قولهم: ﴿ مِن مَّرْقَدِنَا ﴾ : أنها استعارة وتشبيه به يعني أن قبورهم شبهت بالمضاجع، لكونهم فيها على هيئة الرقاد، وإن لم يكن رقاد في الحقيقة ﴿ هَذَا مَا وَعَدَ الرحمن وَصَدَقَ المرسلون ﴾ هذا مبتدأ وما بعده خبر وقيل: إن هذا صفة لمرقدنا وما وعد الرحمن مبتدأ محذوف الخبر وهذا ضعيف، ويحتمل أن يكون هذا الكلام من بقية كلامهم، أو من كلام الله أو الملائكة أو المؤمنين يقولونها للكفار على وجه التقريع.

<div class="verse-tafsir"

إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةًۭ وَٰحِدَةًۭ فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌۭ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ ٥٣

﴿ إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً ﴾ يعني النفخة الثانية وهي نفخة القيام.

<div class="verse-tafsir"

إِنَّ أَصْحَـٰبَ ٱلْجَنَّةِ ٱلْيَوْمَ فِى شُغُلٍۢ فَـٰكِهُونَ ٥٥ هُمْ وَأَزْوَٰجُهُمْ فِى ظِلَـٰلٍ عَلَى ٱلْأَرَآئِكِ مُتَّكِـُٔونَ ٥٦ لَهُمْ فِيهَا فَـٰكِهَةٌۭ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ ٥٧ سَلَـٰمٌۭ قَوْلًۭا مِّن رَّبٍّۢ رَّحِيمٍۢ ٥٨

﴿ إِنَّ أَصْحَابَ الجنة اليوم فِي شُغُلٍ ﴾ قرأ نافع وغيره ﴿ شُغُلٍ ﴾ بسكون الغين وقرأ عاصم وآخرون بضم الغين، عام في الاشتغال باللذات ﴿ فَاكِهُونَ ﴾ قرئ بالألف ومعناه أصحاب فاكهة، وبغير ألف وهو في الفكاهة بمعنى الراحة والسرور ﴿ فِي ظِلاَلٍ ﴾ جمع ظل، وبالضم جمع ظلة، ﴿ عَلَى الأرآئك ﴾ جمع أريكة وهي السرير ﴿ وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ ﴾ أي ما يتمنون، وقيل: معناه أن ما يدعومن به يأتيهم ﴿ سَلاَمٌ ﴾ مبتدأ، وقيل بدل مما يدعون ﴿ قَوْلاً ﴾ مصدر مؤكد، والمعنى: أن السلام عليهم قول من الله بواسطة الملك أو بغير واسطة.

<div class="verse-tafsir"

وَٱمْتَـٰزُوا۟ ٱلْيَوْمَ أَيُّهَا ٱلْمُجْرِمُونَ ٥٩

﴿ وامتازوا اليوم أَيُّهَا المجرمون ﴾ أي انفردوا عن المؤمنين، وكونوا على حدة.

<div class="verse-tafsir"

وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًّۭا كَثِيرًا ۖ أَفَلَمْ تَكُونُوا۟ تَعْقِلُونَ ٦٢

﴿ جِبِلاًّ كَثِيراً ﴾ الجِبِّل الامة العظيمة، وقال الضحاك: أقلها عشرة آلاف ولا نهاية لأكثرها، وقرأ عاصم ونافع ﴿ جِبِلاًّ ﴾ بكسر الجيم والباء وتشديد اللام، وبضمها مع التخفيف، وبضم الجيم وإسكان الباء، وهي لغات بمعنى واحد.

<div class="verse-tafsir"

ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰٓ أَفْوَٰهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ ٦٥

﴿ اليوم نَخْتِمُ على أَفْوَاهِهِمْ ﴾ أي نمنعهم من الكلام فتنطق أعضاؤهم يوم القيامة.

<div class="verse-tafsir"

وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰٓ أَعْيُنِهِمْ فَٱسْتَبَقُوا۟ ٱلصِّرَٰطَ فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ ٦٦

﴿ وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا على أَعْيُنِهِمْ ﴾ هذا تهديد لقريش، والطمس على الأعين هو العمى، و ﴿ الصراط ﴾ الطريق و ﴿ أنى ﴾ استفهام يراد به النفي، فمعنى الآية لو نشاء لأعميناهم فلو راموا أن يمشوا على الطريق لم يبصروه، وقيل: يعني عمى البصائر أي: لو نشاء لختمنا على قلوبهم، فالطريق على هذا استعارة بمعنى الإيمان والخير.

<div class="verse-tafsir"

وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَـٰهُمْ عَلَىٰ مَكَانَتِهِمْ فَمَا ٱسْتَطَـٰعُوا۟ مُضِيًّۭا وَلَا يَرْجِعُونَ ٦٧

﴿ وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَاهُمْ ﴾ هذا تهديد بالمسخ، فقيل: معناه المسخ قردة وخنازير وحجارة، وقيل: معناه لو نشاء لجعلناهم مقعدين مبطولين لا يستطيعون تصرفاً، وقيل: إن هذا التهديد كله بما يكون يوم القيامة، والأظهر أنه في الدنيا ﴿ على مَكَانَتِهِمْ ﴾ المكانة المكان، والمعنى لو نشاء لمسخناهم مسخاً يقعدهم في مكانهم ﴿ فَمَا استطاعوا مُضِيّاً وَلاَ يَرْجِعُونَ ﴾ أي إذا مسخوا في مكانهم لو يقدروا أن يذهبوا ولا أن يرجعوا.

<div class="verse-tafsir"

وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِى ٱلْخَلْقِ ۖ أَفَلَا يَعْقِلُونَ ٦٨

﴿ وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الخلق ﴾ أي نحول خلقته من القوة إلى الضعف، ومن الفهم إلى البله وشبه ذلك كما قال تعالى: ﴿ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً ﴾ [الروم: 54] وإنما قصد بذكر ذلك هنا للاستدلال على قدرته تعالى على مسخ الكفار، كما قدر على تنكيس الإنسان إذا هرم.

<div class="verse-tafsir"

وَمَا عَلَّمْنَـٰهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنۢبَغِى لَهُۥٓ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌۭ وَقُرْءَانٌۭ مُّبِينٌۭ ٦٩

﴿ وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشعر وَمَا يَنبَغِي لَهُ ﴾ الضميران لمحمد صلى الله عليه وسلم، وذلك ردّ على الكفار في قولهم: إنه شاعر، وكان صلى الله عليه وسلم لا ينظم الشعر ولا يزنه، وإذا ذكر بيت شعر كسر وزنه، فإن قيل: قد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: *** «أنا النبي لا كذب ** أنا ابن عبد المطلب» وروي أيضاً عنه صلى الله عليه وسلم: *** «هل أنت إلا أصبع دميت ** وفي سبيل الله ما لقيت» وهذا الكلام على وزن الشعر فالجواب أنه ليس بشعر، وأنه لم يقصد به الشعر، وإنما جاء موزوناً بالاتفاق لا بالقصد، فهو كالكلام المنثور، ومثل هذا يقال في مثل ما جاء في القرآن من الكلام الموزون، ويقتضي قوله: ﴿ وَمَا يَنبَغِي لَهُ ﴾ تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم عن الشعر لما فيه من الأباطيل وإفراط التجاوز، حتى يقال: إن الشعر أطيبه أكذبه، وليس كل الشعر كذلك فقد قال صلى الله عليه وسلم: «إن من الشعر لحكمة» وقد أكثر الناس في ذم الشعر ومدحه، وإنما الانصاف قول الشافعي الشعر كلام والكلام منه حسن ومنه قبيح ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ ﴾ الضمير للقرآن يعني أنه ذكر الله أو تذكير للناس أو شرفه لهم.

<div class="verse-tafsir"

لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّۭا وَيَحِقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَى ٱلْكَـٰفِرِينَ ٧٠

﴿ لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّاً ﴾ أي حيّ القلب والبصيرة ﴿ وَيَحِقَّ القول عَلَى الكافرين ﴾ أي يجب عليهم العذاب.

<div class="verse-tafsir"

أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعَـٰمًۭا فَهُمْ لَهَا مَـٰلِكُونَ ٧١ وَذَلَّلْنَـٰهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ ٧٢ وَلَهُمْ فِيهَا مَنَـٰفِعُ وَمَشَارِبُ ۖ أَفَلَا يَشْكُرُونَ ٧٣

﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً ﴾ مقصد الآية تعديد النعم وإقامة الحجة، والأيدي هنا عند أهل التأويل عبارة عن القدرة، وعند أهل التسليم من المتشابة الذي يجب الإيمان به وعلمه عند الله ﴿ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ ﴾ الركوب بفتح الراء هو المركوب ﴿ وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ ﴾ يعني الأكل منها والحمل عليها، والانتفاع بالجلود والصوف وغيره ﴿ وَمَشَارِبُ ﴾ يعني الآلبان.

<div class="verse-tafsir"

لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌۭ مُّحْضَرُونَ ٧٥ فَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ۘ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ٧٦

﴿ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ ﴾ الضمير في يستطيعون للأصنام، وفي نصرهم للمشركين، ويحتمل العكس، ولكنّ الأول أرجح، فإنه لما ذكر أن المشركين اتخذوا الأصنام لينصروهم: أخبر أن الأصنام لا يستطيعون نصرهم فخاب أملهم ﴿ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُّحْضَرُونَ ﴾ الضمير الأول للمشركين والثاني للأصنام؛ يعني أن المشركين يخدمون الأصنام ويتعصبون لهم حتى أنهم لهم كالجند، وقيل: بالعكس بمعنى أن الأصنام جند محضرون لعذاب المشركين في الآخرة والأول أرجح، لأنه تقبيح لحال المشركين ﴿ فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ﴾ تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم معللة لما بعدها.

<div class="verse-tafsir"

أَوَلَمْ يَرَ ٱلْإِنسَـٰنُ أَنَّا خَلَقْنَـٰهُ مِن نُّطْفَةٍۢ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌۭ مُّبِينٌۭ ٧٧

﴿ أَوَلَمْ يَرَ الإنسان أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ ﴾ هذه الآية وما بعدها إلى آخر السورة براهين على الحشر يوم القيامة، ورد على من أنكر ذلك، والنطفة هي نطفة المني التي خلق الإنسان منها، ولا شك أن الإله الذي قدر على خلق الإنسان من نطفة قادر على أن يخلقه مرة أخرى عند البعث وسبب الآية أن العاصي بن وائل جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم رميم فقال: يا محمد من يحيي هذا؟

وقيل إن الذي جاء بالعظم أمية بن خلف وقيل: أبي بن خلف فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله يحييه ويميتك ثم يحييك ويدخلك جهنم ﴿ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ﴾ أي متكلم قادر على الخصام يبين ما في نفسه بلسانه.

<div class="verse-tafsir"

وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًۭا وَنَسِىَ خَلْقَهُۥ ۖ قَالَ مَن يُحْىِ ٱلْعِظَـٰمَ وَهِىَ رَمِيمٌۭ ٧٨ قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِىٓ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ٧٩

﴿ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً ﴾ إشارة إلى قول الكافرين: من يحيي هذا العظم ﴿ وَنَسِيَ خَلْقَهُ ﴾ أي نسي الاستدلال بخلقته الأولى على بعثه، والنسيان هنا يحتمل أن يكون بمعنى الذهول أو الترك ﴿ وَهِيَ رَمِيمٌ ﴾ أي بالية متفتتة ﴿ قُلْ يُحْيِيهَا الذي أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ استدلال بالخلقة الأولى على البعث ﴿ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ﴾ أي يعلم كيف يخلق كل شيء فلا يصعب عليه بعث الأجساد بعد فنائها، والخلق هنا يحتمل أن يكون مصدراً أو بمعنى المخلوق.

<div class="verse-tafsir"

ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلْأَخْضَرِ نَارًۭا فَإِذَآ أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ ٨٠

﴿ الذي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشجر الأخضر نَاراً ﴾ هذا دليل آخر على إمكان البعث، وذلك أن الذين أنكروه من الكفار والطبائعيين قالواك طبع الموت يضاد طبع الحياة فكيف تصير العظام حية؟

فأقام الله عليهم الدليل من الشجر الأخضر الممتلئ ماء، مع مضادة طبع الماء للنار.

ويعني بالشجر زناد العرب وهو شجر المرخ والعفار، فإنه يقطع من كل واحد منهما غصناً أخضر يقطر منه الماء، فيسحق المرخ على العفار فتنقدح النار بينهما: قال ابن عباس: ليس من شجرة إلا وفيها نار إلا العناب، ولكنه في المرخ والعفار أكثر.

<div class="verse-tafsir"

أَوَلَيْسَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم ۚ بَلَىٰ وَهُوَ ٱلْخَلَّـٰقُ ٱلْعَلِيمُ ٨١ إِنَّمَآ أَمْرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٨٢

﴿ أَوَلَيْسَ الذي خَلَقَ السماوات والأرض بِقَادِرٍ على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بلى ﴾ هذا دليل آخر على البعث، بأن الإله الذي قدر على خلق السموات والأرض على عظمهما وكبر أجرامهما قادر على أن يخلق أجساد بني آدم بعد فنائها، والضمير في مثلهم يعود على الناس ﴿ وَهُوَ الخلاق العليم ﴾ ذكر في هذه الأسمين أيضاً استدلال على البعث، وكذلك في قوله: ﴿ إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ﴾ لأن هذا عبارة عن قدرته على جميع الأشياء ولا شك أن الخلاق العليم القدير لا يصعب عليه إعادة الأجساد.

<div class="verse-tafsir"

فَسُبْحَـٰنَ ٱلَّذِى بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍۢ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ٨٣

﴿ فَسُبْحَانَ الذي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ في هذا استدلال على البعث، وتنزيه لله عما نسبه الكفار إليه من العجز عن البعث، فإنهم ما قدروا الله حق قدره، وكل من أنكر البعث فإنما أنكره لجهله بقدرة الله سبحانه وتعالى.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.2 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده