الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 2 البقرة > الآية ١٨٨
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36
📖 8 دقيقة قراءةالكلام كما تقدم في سرد الأحكام العملية، ولما فرغ من أحكام الصيام، وفيها حكم أكل الإنسان مال نفسه في وقت دون وقت، مهَّد لحكم أكل مال غيره بذكر الحدود العامة والنهي عن قربها ثم قال: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾ الخطاب لعامة المكلفين، والمراد لا يأكل بعضكم مال بعض، واختار لفظ أموالكم وهو يصدق بأكل الإنسان مال نفسه للإشعار بوحدة الأمة وتكافلها، وللتنبيه على أن احترام مال غيرك وحفظه هو عين الاحترام والحفظ لمالك، لأن استحلال التعدي وأخذ المال بغير حق يعرض كل مال للضياع والذهاب، ففي هذه الإضافة البليغة تعليل للنهي، وبيان لحكمة الحكم، كأنه قال لا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل، لأن ذلك جناية على نفس الأكل، من حيث هو جناية على الأمة التي هو أحد أعضائها، لا بد أن يصيبه سهم من كل جناية تقع عليها، فهو باستحلاله مال غيره يجرئ غيره على استحلال أكل ماله عند الاستطاعة، فما أبلغ هذا الإيجاز!
وما أجدر هذه الكلمة بوصف الإعجاز.
وفي الإضافة معنى آخر قال بعضهم وهو التنبيه على أنه يجب على الإنسان أن ينفق مال نفسه في سبيل الحق وأن لا يضيعه في سبل الباطل المحرمة، وهذا المعنى صحيح في ذاته، ولكن فهمه من الآية بعيد لقوله ﴿ بَيْنَكُمْ ﴾ فهو صريح في أن المراد ما يقع به التعامل بين اثنين فأكثر.
والمراد بالأكل مطلق الأخذ والتعبير عن الأخذ بالأكل معروف باللغة تجوزوا فيه قبل نزول القرآن، ومنشأه أن الأكل أعم الحاجات من المال وأكثرها، وإن كان بعض الناس يفضل غير الأكل من الأهواء ينفق فيه المال، فإن هذا لا ينفي أن الحاجة إلى الأكل وتقويم البنية أعظم وأعم.
وأكثر ما يستعمل أكل المال في مقام أخذه بالباطل وقد يستعمل في غيره.
وأما الباطل فهو ما لم يكن في مقابلة شيء حقيقي، وهو من البطل والبطلان، أي الضياع والخسار، فقد حرمت الشريعة أخذ المال بدون مقابلة حقيقية يعتد بها، ورضاء من يؤخذ بها، وكذلك إنفاقه في غير وجه حقيقي نافع.
ومن ذلك تحريم الصدقة على القادر على كسب يكفيه وإن تركه حتى نزل به الفقر اعتمادًا على السؤال.
ومنه تحريم الربا لأنه أكل لأموال الناس بدون مقابل من صاحب المال المعطي، كما يقع في الناس كثيرًا من أكل الربا أضعافًا مضاعفة، وفَرقٌ بينه وبين السلم.
إن روح الشريعة تعلمنا بمثل هذه الآية أنه يُطلب من الإنسان أن يكتسب المال من الطرق الصحيحة والمشروعة التي لا تضر أحدًا، وإنما أجمل وأوجز القرآن في الباطل لأنه من الأمور المعروفة للناس بوجوهه الكثيرة، وحسب المسلم أن يكف عن كل ما يعتقد أنه باطل، على أنه بين هذا الإجمال في أمور قد تخفي على الناس كالإدلاء إلى الحكام الآتي وكتحريم الربا أي ربا الفضل المنهي عنه في الحديث عنه دون ربا النسيئة المحرم بنص القرآن فهو لا خفاء في بطلانه لأنه زيادة في المال لأجل التأخير في أجَل الدين الذي استهلك لا لمنفعة جديدة.
ويدخل في هذا الباب التعدي على الناس بغصب المنفعة بأن يسخر بعضهم بعضًا في عمل لا يعطيه عليه أجرًا، أو ينقصه من الأجر المسمى أو أجر المثل، ويدخل فيخ سائر ضروب التعدي والغش والاحتيال كما يقع من السماسرة فيما يذهبون فيه من مذاهب التلبيس والتدليس، إذ يزينون للناس السلع الرديئة، والبضائع المزجاة، ويسولون لهم فيورطونهم، وكل من باع أو اشترى مستعينًا بإيهام الآخر ما لا حقيقة له ولا صحة بحيث لو عرف الخفايا والقلب وهمه علمًا لما باع أو لما اشترى فهو آكل لماله بالباطل.
ومن هؤلاء الموهمين باعة "التولات" و "التناجيس" و "التمائم"، وكذا العزائم وختمات القرآن والعدد المعلوم من سورة ﴿ يس ﴾ أو بعض الأذكار، وقد بلغ من هزؤ هؤلاء بالدين أن كان بعض المشهورين منهم يبيع ﴿ يس ﴾ لقضاء الحاجات أو لرحمة الأموات، يقرأها مرات كثيرة، ويعقد لكل مرة عقدة في خيط يحمله حتى إذا ما جاءه طالب ابتياع القراءة وأخذ منه الثمن بعد المساومة يحل له من تلك العقد، بقدر ما يطلب من العدد!!.
إن كل أجر يؤخذ على عبادة فهو أكل لأموال الناس بالباطل، وقد مضى الصدر الأول ولم يكن أخذ الأجر على عبادة ما معروفًا، ولا يوجد في كلام أهل القرن الأول والثاني كلمة تشعر بذلك، ثم لا يعقل أن تحقق العبادة وتحصل بالأجرة، لأن تحققها إنما يكون بالنية وإرادة وجه الله تعالى وابتغاء مرضاته بامتثال أمره، ومتى شاب هذه النية شائبة من حظ الدنيا خرج العمل عن كونه عبادة خالصة لله، والله تعالى لا يقبل إلا ما كان خالصًا من الحظوظ والشوائب.
من علم العلم والدين بالأجرة فهو كسائر الصناع والأجراء لا ثواب له على أصل العمل بل على اتقانه والإخلاص فيه والنصح لمن يعلمهم، وينبغي للمعلم الذي يعطي راتبًا من الأوقاف الخيرية أن يأخذه إذا كان محتاجًا لأجل سد الحاجة لا بفصد الأجرة على التعليم، وبذلك يكون عابدًا لله تعالى بالتعليم نفسه، وعلامته أن يستعفف إذا هو استغنى، فلا يأخذ من الوقف شيئًا.
وقالوا في المؤذن مثل ما قالوا في معلم القرآن، ويأتي فيه من القصد والنية ما ذكر في المعلم.
ولا خلاف في عدم جواز أخذ الأجرة على جواب السائل عن مسألة دينية تعرض له إذ الإجابة فريضة على العارفين وكتمان العلم محرم عليهم.
وجملة القول أن أكل أموال الناس بالباطل يتحقق في كل أخذ للمال بغير رضى من المأخوذ منه لا شائبة للجهل أو الوهم أو الغش أو الضرر فيه، كالغش بإيهام أن قراءة القرآن بالأجرة تنفع المقروء لأجله حيًا أو ميتًا، مع أنها معصية كما تقدم، وكالضرر العام في الأخلاق والمعاوضات كضرر الربا.
ذكر الأكل مجملًا عامًا ثم بيّن نوعًا منه خصه بالنهي عنه مع دخوله في العام لما يقع من الشبهة فيه لبعض الناس إذ يعتقد بعضهم أن الحاكم الذي هو نائب الشارع في بيان الحق ومنفذ الشرع إذ حكم لإنسان بشيء ولو بغير حق فإنه محل له ولا يكون من الباطل فقال تعالى ﴿ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ ﴾ أي ولا تلقوا بها إلى الحكام رشوة لهم ﴿ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ إبطالًا لهذا الاعتقاد ليعلم أن الحق لا يتغير بحكم الحاكم بل هو ثابت في نفسه وليس على الحاكم إلا بيانه وإيصاله إلى مستحقه بالعدل.
إن الحاكم عبارة عن شخص العدل الناطق بما لكل أحد منه.
نعم، إن كان المحكوم له بالباطل في الواقع يعتقد أنه صاحب الحق لشبهة عرضت له وحكم له الحاكم يكون معذورًا فيما يأكله بحكمه، ولا يعذر إذا كان عالمًا بأنه غير محق لأن حكم القاضي على الظاهر فقط.
قد نفت الآية الاشتباه وبينت أن الاستعانة بالحكام على أكل المال بالباطل محرم لأن الحكم لا يغير الحق في نفسه ولا يحله للمحكوم له به، ومع هذا قد اختلف علماؤنا في حكم القاضي هل هو على الظاهر فقط أم ينفذ ظاهرًا وباطنًا ويكون الإثم على القاضي وحده إن تعمد الجور دون المحكوم له، فالجمهور على أن حكم القاضي ينفذ ظاهرًا فقط، وأبو حنيفة على أن حكم القاضي بنحو الطلاق وعقد النكاح أو فسخه ينفذ ظاهرًا وباطنًا وإن كان الشهود زورًا، وأن حكمه بالمال لا ينفذ إلا ظاهرًا فلا يحل للمحكوم له تناوله إذا لم يكن له.
ومن مباحث اللفظ في الآية أن الإدلاء بمعنى الإلقاء وقالوا إنه في الأصل إلقاء الدلو واختير هذا التعبير لأنه يشعر بعدم الروية.
والضمير في قوله تعالى ﴿ بِهَا ﴾ قيل إنه يرجع إلى الأموال والمعنى لا تلقوها إليهم بالرشوة وقالوا إن الرشوة رشاء الحكم، وقيل إن المراد ولا تلقوا بحكومة الأموال إلى الحكام، والفريق من الشيء الجملة والطائفة منه، والإثم فسره بعضهم بشهادة الزور، وبعضهم باليمين الفاجرة وهو أعم من ذلك، وإن صح ما ذكروه في سبب نزول الآية وهو؛ ما أخرجه ابن أبي حاتم من مراسيل سعيد بن جبير أن عبد الله بن أشوع الخضرمي وامرؤ القيس بن عابس اختصما في أرض ولم تكن بينة فحكم رسول الله بأن يحلف امرؤ القيس، فهم به، فنزلت، والمراد بالعلم في قوله ﴿ تَعْلَمُونَ ﴾ ما يشمل الظن وهو احتراس عمن يأكل معتقدًا أنه حقه، ولذلك أمثلة وفروع لا تحصى، مثل ما إذا علم زيد أن أباه أودع له وديعة كذا عند فلان الذي مات فطالب ولد الميت بذلك وكان هذا يعتقد أن أباه تركه تراثًا فمن حكم له به منهما لا يقال إنه أكله بالإثم.
ونحن نرى ونسمع ونعلم ما عليه المسلمون في هذا العصر، ولا سيما في بلاد مصر، من كثرة التقاضي والخصام، والإدلاء إلى الحكام، حتى إن منهم من لا يطالب غريمه بحقه إلا بواسطة المحكمة، ولعله لو طالبه لما احتاج إلى التقاضي، ومنهم من يحاكم الآخر لمحض الانتقام والإيذاء، وإن أضر بنفسه.
<div class="verse-tafsir"