تفسير سورة البقرة الآية ١٩٧ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 2 البقرة > الآية ١٩٧

ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌۭ مَّعْلُومَـٰتٌۭ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِى ٱلْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا۟ مِنْ خَيْرٍۢ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا۟ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ ۚ وَٱتَّقُونِ يَـٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ ١٩٧

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 5 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

قوله تعالى ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ  ﴾ معناه أن الوقت الذي يؤدي فيه الحج أشهر يعلمها الناس وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة أي أنه يؤدي في هذه الأشهر ولا يلزم أن يكون من أول يوم معها إلى آخر يوم بل معناه أنه يصح الإحرام به من غرة أولها تنتهي أركانه وواجباته في أثناء آخرها، فالوقوف في التاسع من ذي الحجة وبقية المناسك في أيام العيد وهي يوم النحر الذي فسر به قوله تعالى ﴿ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ  ﴾ وأيام التشريق، وجوز بعض السلف تأخير طواف الإفاضة إلى آخر ذي الحجة.

وقد اختلف العلماء في ذلك فقال بعضهم إنها الأشهر الثلاثة من أولها إلى آخرها ويروي عن ابن مسعود وابن عمر وعليه مالك، وقال بعضهم إنها شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة يروي عن ابن عباس وعليه أبو حنيفة والشافعي وأحمد، ولا حجة في الآية لأحد على تحديده والمتبادر منها ما ذكرناه.

وقوله تعالى معلومات إقرار لما كان عليه العرب في الجاهلية من أشهر الحج لأنه منقول بالتواتر العملي من عهد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وهو يتضمن بطلان النسيء فيها لأنه جاهلي معروف.

وقد استدل بالآية على أنه يجوز الإحرام بالحج في غير هذه الأشهر لأنه شروع في العبادة في غير وقتها كمن يصلي قبل دخول الوقت، ويروى عن بعض علماء التابعين وعليه الشافعي والأوزاعي وأبو ثور من أئمة الفقه، وقال أبو حنيفة وأحمد أنه جائز مع الكراهة، ومالك بلا كراهة.

﴿ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ  ﴾ أي أوجبه وألزمه نفسه بالشروع فيه وقد مر بيان كيفيته ﴿ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ  ﴾ .

إن تفسير الكلمات الثلاث ينبغي أن يكون متناسبًا وبحسب حال القوم في زمن التشريع، فأما الرفث فهو كما قيل الجماع، وأما الفسوق فهو الخروج عما يجب على المحرم إلى الأشياء التي كانت مباحة في الحل كالصيد والطيب والزينة باللباس المخيط، والجدال هو ما كان يجري بين القبائل من التنازع والتفاخر في الموسم، فبهذا يكون التناسب بين الكلمات وإلا حملت كلها على مدلولها اللغوي فجعل الرفث قول الفحش، والفسوق التنابز بالألقاب على حد ﴿ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ  ﴾ والجدال المراء والخصام، فتكون هذه المناهي كلها آدابًا لسانية.

والنكتة في منع هذه الأشياء" على أنها آداب لسانية" تعظيم شأن الحرم وتغليظ أمر الإثم فيه، إذ الأعمال تختلف باختلاف الزمان والمكان، فللملأ آداب غير آداب الخلوة مع الأهل، ويقال في مجلس الإخوان ما لا يقال في مجلس السلطان، ويجب أن يكون المرء في أوقات العبادة والحضور مع الله تعالى على أكمل الآداب وأفضل الأحوال، وناهيك بالحضور في البيت الذي نسبه الله سبحانه إليه، وقد بينا معنى هذه النسبة في تفسير ﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ  ﴾ الآيات.

وأما السر فيها "على أنها من محرمات الإحرام" فهو أن يتمثل الحاج أنه بزيارته لبيت الله تعالى مقبل على الله تعالى قاصد له، فيتجرد من عاداته ونعيمه، وينسلخ من مفاخره ومميزاته على غيره، بحيث يساوي الغني الفقير، ويماثل الصعلوك الأمير، فيكون الناس من جميع الطبقات في زي كزي الاموات، وفي ذلك من تصفية النفس وتهذيبها وإشعارها من حقيقة العبودية لله والأخوة للناس ما لا يقدر قدره، وإن كان لا يخفى أمره، وفي حديث أبي هريرة: "من حج ولم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه"وذلك أن الإقبال على الله تعالى بتلك الهيئة والتقلب في تلك المناسك على الوجه المشروع يمحو من النفوس آثار الذنوب وظلمتها ويدخلها في حياة جديدة، لها فيها ما كسبت وعليها ما اكتسبت.

ثم قال تعالى بعد النهي عن هذه المحظورات ﴿ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ  ﴾ وفيه التفات إلى الخطاب ويشعر العطف بمحذوف تقديره أن اتركوا هذه الأمور الممنوعة في الحج لتخلية نفوسكم وتصفيتها، وحلوها بعد ذلك بفعل الخير لتتم لكم تزكيتها، فإن النفوس بعد ذلك تكون أشد استعدادًا للاتصاف بالخير، والله لا يضيع عليكم أقل شيء منه، لأنه عالم به وأنكم وافقتم فيه سنته وشريعته ﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى  ﴾ قالوا إن هذا نزل في ردع أهل اليمن عن ترك التزود زعمًا أنه من مقتضى التوكل على الله فقد أخرج البخاري وأبو داود والنسائي وغيرهم عن ابن عباس أنه قال: كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون نحن متوكلون، ثم يقدمون فيسألون الناس فنزلت.

فالمراد بالتقوى على هذا اتقاء السؤال وبذل ماء الوجه.

ولكن هذا المعنى غير ظاهر من العبارة، بل المتبادر منها أن الزاد هو زاد الأعمال الصالحة وما تدخر من الخير والبر كما يرشد إليه التعليل في قوله ﴿ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى  ﴾ والمعنى من التقوى معروف وهو ما به يتقى سخط الله، وليس ذلك إلا البر والتنزه عن المنكر ولا يعلل بأن التقوى خير زاد إلا وهو يريد التزود منها، أما المعنى الذي ذكروه فلا يصلح مرادًا من الآية لأنه لولا ما أوردوا من السبب لم يخطر ببال سامع اللفظ، والسبب ليس مذكورًا في الآية ولا مشارًا إليه فيها فلا يصلح قرينة على المراد من ألفاظها، نعم إن السبب قد ينير السبيل في فهم الآية، ولكن يجب أن تكون مفهومة بنفسها لأن السبب ليس من القرآن ولذلك أتمها بقوله ﴿ وَاتَّقُونِي يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ  ﴾ يعني من كان له لب وعقل فليتقي فإنه يكون على نور من فائدة التقوى وأهلًا للانتفاع بها.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.3 / 29.5
الإضاءة 28%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله