تفسير سورة البقرة الآية ٦١ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 2 البقرة > الآية ٦١

وَإِذْ قُلْتُمْ يَـٰمُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍۢ وَٰحِدٍۢ فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلْأَرْضُ مِنۢ بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ۖ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِى هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِى هُوَ خَيْرٌ ۚ ٱهْبِطُوا۟ مِصْرًۭا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ ۗ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا۟ وَّكَانُوا۟ يَعْتَدُونَ ٦١

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 9 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

هذا ضرب آخر مما ذكر الله تعالى به بني إسرائيل في سياق دعوتهم إلى الإسلام.

قال صاحب الكشاف: "كانوا قومًا فلاحة فنزعوا إلى عكرهم فأجموا ما كانوا فيه من النعمة وطلبت أنفسهم الشقاء"ا هـ.

وفلاحة بتشديد اللام جمع فلاح بمعنى الزراع، وعكرهم بكسر العين أصلهم، وأجم الطعام من باب ضرب وعلم كرهه من المداومة عليه وهو بيان لما بعثهم على أن يسألوا موسى أن يدعو ربه ليخرج لهم تلك الأشياء التي طلبوها والسبب في جهرهم بذلك وثورتهم عليه كأنه يقول: إن الحامل على ذلك هو تمكن العادة من نفوسهم فلما خرجوا منها وجاءهم ما لم يكونوا يألفون نزعوا إلى ما كانوا قد عودوه من قبل.

ولو كان الأمر كما قال "الزمخشري" لكان في ذلك التماس عذر لهم، ولما وعد الله هذا القول في خطاياهم، بل إن السآمة من تناول طعام واحد قد تكون من لوازم الطباع البشرية، إلا ما شذ منها لعادة أو ضرورة، ولا يعد ما هو من منازع الطباع جرمًا إذا لم يسقط ذلك في محظور.

وسياق الآيات قبلها وما يلحق بعد ذلك من قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ  ﴾ إلخ كل ذلك يدل على أن ما عدد من أفاعيلهم مع تضافر الآيات بين أيديهم وتوارد نعم الله عليهم كله من خطاياهم، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا  ﴾ ويؤكد ذلك إيراد تلك العقوبة الشديدة من ضرب الذلة والمسكنة واستحقاق غضب الله تعالى عقب مقالهم هذا.

ولكن الذي يقع عليه الفهم من الآية: أن النزق قد استولى على طباعهم وملك البطر أهواءهم حتى كانوا يستخفون بذلك الأمر العظيم الذي هيأهم الله له من التمكن في الأرض الموعودة والخروج من الخسف الذي كانوا فيه.

ومع كثرة ما شاهدوا من آيات الله القائمة على صدق وعده لهم لم تستيقنه أنفسهم، بل كانوا على ريب منه، وكانوا يظنون أن موسى  خدعهم بإخراجهم من مصر وجاء بهم في البرية ليهلكهم، فلذلك دأبوا على إعناته والإكثار من الطلب فيما يستطاع وما لا يستطاع، حتى ييأس منهم فيرتد بهم إلى مصر حيث ألفوا الذلة، ولهم مطمع في العيش وأمل في الخلاص من الهلكة، فما ذكره الله عنهم في هذه الآية على حد قولهم: ﴿ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً  ﴾ ، ويرشد إلى ما فيه من الإعنات قولهم: لن نصبر على طعام واحد.

فقد عبر عن مسألتهم بما فيه حرف النفي الذي يأتي لسلب الفعل في مستقبل الزمان مع تأكيده فكأنهم قالوا: اعلم أنه لم يبق لك أمل في بقائنا معك على هذه الحالة من التزام طعام واحد، فإن كانت لك منزلة عند الله كما تزعم فادعه يخرج لنا ما يمكن معه أن نبقى معك إلى أن يتم الوعد الذي وعدك ووعدتنا.

وهم يعلمون أنهم كانوا في برية غير منبتة، وربما لم يكن قولهم هذا عن سآمة ولا أجم من وحدة الطعام، ولكنه نزق وبطر، كما بينا، وطلب للخلاص مما يخشون على أنفسهم.

ويؤيد ذلك ما هو معروف في أخبارهم.

ووصفوا الطعام بالواحد مع أنه نوعان: المن والسلوى.

لأنهما طعام كل يوم، والعرب تقول لمن يأكل كل يوم عدة ألوان لا تتغير: إنه يأكل من طعام واحد.

كأنهم ينظرون إلى أن مجموع الألوان هي غذاؤه الذي لا يتغير فهي غذاء واحد فإذا تغيرت الألوان تغير نوع الغذاء فكان طعامًا متعددًا.

والبقل من النبات ما ليس بشجر دِقٍّ ولا جِلٍّ كما ذكره "ابن سيده".

وقال أبو حنيفة ما ينبت في بزرة ولا ينبت في أورمة ثابتة.

وفرق ما بين البقل ودق الشجر أن البقل إذا رعي لم يبق له ساق، والشجر تبقى له سوق وإن دقت.

وأرادوا من البقل ما يطعمه الإنسان من أطايب الخضر كالكرفس والنعناع ونحوهما مما يغري بالقضم، ويعين على الهضم، والقثاء هي أخت الخيار تسميها العامة "القثة" والعدس والبصل معروفان، والفوم هو الحنطة.

وقال الكسائي وجماعة: هو الثوم أبدلت الثاء فاء كما في جدث وجدف.

وطلبهم للحنطة هو طلبهم للخبز الذي يصنع منها.

ولقد قال موسى  تقريعًا لهم على أشرهم وإنكارًا لتبرمهم ﴿ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ  ﴾ ؟

أي أتطلبون هذه الأنواع الخسيسة بدل ما هو خير منها وهو المن والسلوى؟

والمن فيه الحلاوة التي تألفها أغلب الطباع البشرية والسلوى من أطيب لحوم الطير وفي مجموعها غذاء تقوم به البنية وليس فيما طلبوه ما يساويهما لذة وتغذية.

ثم قال: ﴿ اهْبِطُوا مِصْرًا  ﴾ من الأمصار ﴿ فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ  ﴾ أي فإنكم إن هبطتموه ونزلتموه وجدتم فيه ما سألتم.

أما هذه الأرض التي قضى الله أن تقيموا فيها إلى أجل محدود فليس من شأنها أن تنبت هذه البقول وإن الله جل شأنه لم يقض عليكم بالتيه في هذه البرية إلا لجبنكم وضعف عزائمكم عن مغالبة من دونكم من أهل الأمصار، فلو صح ما تزعمون من كراهتكم للطعام الواحد فأنتم الذين قضيتم به على أنفسكم بما فرط منكم، فإن أردتم الخلاص مما كرهتم فأقدموا على محاربة من يليكم من سكان الأرض الموعودة، فإن الله كافل لكم النصر عليهم، وعند ذلك تجدون طلبتكم فالتمسوا الخير في أنفسكم وفي أفعالكم فإن الله لا يضيع أجر العاملين.

قال تعالى ﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ  ﴾ الذلة والذل خلق خبيث من أخلاق نفس الإنسان يضاد الإباء والعزة، وأصل المادة فيه معنى اللين فالذل بالكسر اللين وبالضم والكسر ضد الصعوبة، وإذا تتبعت المادة وجدتها لا تخلو من هذا المعنى.

صاحب هذا الخلق ليِّن ينفعل لكل فاعل، ولا يأبى ضيم ضائم، غير أن هذا الخلق الذي يهوِّن على النفس قبول كل شيء لا يظهر أثره غالبًا على البدن وفي القول إلا عند الاستذلال والقهر، وكثيرًا ما ترى الأذلاء تحسبهم أعزاء، يختالون في مشيتهم من الكبرياء، ويباهون بما لهم من سلف وآباء، وربما فاخروا من لا يخشون سطوته من الكبراء.

وإذا ما خلا الجبان بأرض طلب الطعن وحده والنزالا ولكن متى شعر الذليل بنية من نفس القاهر، أو طاف بذهنه خيال يد تمتد إليه استخذى واستكان، وظهر السكون على بدنه، واشتمل الخشوع على قوله وفعله، وهذا الأثر الذي يسطع من النفس على البدن هو الذي يسمى المسكنة، وإنما سمي الفقر مسكنة لأن العائل المحتاج تضعف حركته ويذهب نشاطه فهو بعدم ما يسد عوزه كأنه يقرب من عالم الجماد، فلا تظهر فيه حاجة الأحياء فيسكن.

والمشاهدة ترشدنا إلى تحقيق ما عليه أهل المسكنة في أوضاع أعضائهم وما يبدو على وجوههم، وما طبع في أقوالهم وأعمالهم.

فضرب الذلة والمسكنة على اليهود هو جعل الذل وضعف العزيمة محيطين بهم كما تحيط القبة المضروبة بمن فيها، أو إلصاقها بطباعهم كما تطبع الطُّغْرَى على السَّكة ﴿ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ الَّلهِ  ﴾ أي رجعوا به كما يقال رجع أو عاد بصفقة المغبون، إذا كان ذلك آخر شوطه ومنتهى سعيه.

وكذلك كان آخر أطوار اليهود في بغيهم أيام ملكهم، والمراد به فقد الملك وما يتبعه.

لقد استحقوا غضبه ومن استحقه فقد أصابه، فقد غضب الله عليهم، وتنكير الغضب دلالة على أنه نوع عظيم من سخطه جل شأنه ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ  ﴾ .

فإنهم بإحراجهم لموسى وإعناتهم المطالب مع كثرة ما شاهدوا من العجائب وما أظهر الله لهم من الغرائب قد دلوا على أن لا أثر للآيات في نفوسهم، فهم كافرون في الحقيقة.

ونسيان الآيات وعدها كأن لم تكن يعده الكتاب العزيز كفرًا.

ثم توالي العقوبات عليهم ثم تواتر إحسان الله إليهم ثم عدم اعتبارهم بجميع ذلك وجرأتهم على الأنبياء يقتلونهم.

﴿ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ  ﴾ مع أن الكتاب يحرم عليهم قتل غير الأنبياء فضلًا عنهم إلا بحقه المبين فيه، كل ذلك دل فيهم على طباع بعيدة عن الكرم، وقلوب غلف دون الفهم، ومن كان هذا شأنه فالأجدر به أن يكون ذليلًا مقهورًا، ثم هو مهبط غضب الله ومحط نقمه، لأنه أشد الناس كفرًا لنعمه، وقوله ﴿ بِغَيْرِ الْحَقِّ  ﴾ مع أن قتل النبيين لا يكون إلا كذلك يزيد في شناعة حالهم، ويصرح بأنهم لم يكونوا مخطئين في الفهم، ولا متأولين للحكم، بل ارتكبوا هذا الجرم العظيم عامدين، وهم يعلمون أنهم بارتكابه مخالفون لما شرع الله تعالى لهم في دينهم ﴿ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ  ﴾ ذلك الذل وتلك الخلافة بالغضب إنما لزماهم لأنهم عصوا الله فيما أمرهم أن يأخذوا به من الأحكام، ولأنهم اعتدوا تلك الحدود التي حدها الله لهم في شرائع أنبيائهم، وقد كانت تلك الأحكام والحدود هي الوسيلة لإخراجهم من الذل وتمكين العز والسلطان لهم في الأرض الموعودة لأنها كانت الكافلة بنظامهم، الحافظة لبناء جماعتهم، فإذا أهملوها فسدت ألفتهم، وانهدم بناؤهم، وأسرعت إليهم الذلة التي لم تكن فارقتهم، إلا منهزمة من يدي سلطان الشريعة، ولم يكن يصدها عنهم إلا معاقل النظام تحت رعايته ولزمتهم الذلة والمسكنة بعد هذا لزوم الطابع للمطبوع.

ويمكن أن ترجع الإشارة في "ذلك" إلى الثاني، أي إلى الكفر بآيات الله وقتل النبيين، أي أن كفرهم وجرأتهم على النبيين بالقتل إنما منشأهما عصيانهم واعتداؤهم حدود دينهم، لأن المعتقد بدين وشريعة أيًا كانت يتهيب لأول الأمر مخالفتها، فإذا خالفها لأول مرة تركت المخالفة أثرًا في نفسه وضعفت هيبة الشريعة في نظره، فإذا عاد زاد ضعف سلطة الشريعة على إرادته، ولا يزال كذلك حتى تصير المخالفة طبعًا ودينًا وينسى ما قام على الشريعة من دليل وما كان لها من سيطرة، وضَرِي بالعدوان كما يضرى بالافتراس، وكل عمل يسترسل فيه العامل تقوى ملكته فيه، خصوصًا ما اتبع فيه الهوى.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.3 / 29.5
الإضاءة 29%
البدر بعد 9 يوم
الله أكبر