تفسير سورة النساء الآيات ٤٠-٤٢ عند محمد عبده

الإسلام > القرآن > تفسير > محمد عبده > سورة 4 النساء > الآيات ٤٠-٤٢

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍۢ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةًۭ يُضَـٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًۭا ٤٠ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍۭ بِشَهِيدٍۢ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ شَهِيدًۭا ٤١ يَوْمَئِذٍۢ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَعَصَوُا۟ ٱلرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثًۭا ٤٢

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:36

📖 5 دقيقة قراءة

نصُّ التفسير

بعد ما بيّن تعالى صفات المتكبرين وسوء حالهم وتوعدهم على ذلك أراد أن يزيد الأمر تأكيدًا ووعيدًا فبين أنه لا يظلم أحدًا من العاملين بتلك الوصايا قليلًا أو كثيرًا، بل يوفيه حقه بالقسطاس المستقيم، فالآية تتميم لموضوع الأوامر السابقة وترغيب للعاملين في الخير كما قال في سورة الزلزلة ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ  ﴾ إلخ، فمن سمع هذه الآية تعظم رغبته في الخير ورجاؤه في الله تعالى.

وللعابثين بالكتاب وبعقائد الناس كلام في الآية أقاموه على أساس مذاهبهم فمن ذلك قول المعتزلة، إنه يجوز الظلم على الله تعالى لأنه لو لم يكن جائزًا لما تمدح بنفيه.

ورد عليهم الآخرون بأنه تعالى نفى عن نفسه السنة والنوم وأنتم متفقون معنا على استحالة ذلك عليه.

فردوا عليهم بأن نفي الظلم كلام في أفعاله ونفي النوم كلام في صفاته وفرق بينهما، وهذا كله من الجدل الباطل والهذيان، وإدخال الفلسفة في الدين بغير عقل ولا بيان، ومثله قول بعض المنتمين إلى السنة بجواز تخلف الوعيد ولا يعد ذلك ظلمًا لأن الظلم لا يتصور منه تعالى.

وبلغ بهم الجهل من تأييد هذا الرأي إلى تجويز الكذب على الله تعالى، وجعلوا هذا نصرًا للسنة.

والذي قذف بهؤلاء في هذه المهاوي هو الجدل والمراء لتأييد المذاهب التي تقلدوها، والتزام كل فريق تفنيد الآخر وإظهار خطئه لا طلب الحق أينما ظهر.

ولهم مثل هذه الجهالات الكثير البعيد عن كتاب الله ودينه، كقول المعتزلة: إن بعض الأشياء حسن لذاته وبعضها قبيح لذاته، ويجب على الله تعالى أن يفعل الأصلح من الأمرين الجائزين وكقول بعض من لم يفهم مسألة أفعال العباد بما يدل على جواز العبث على الله تعالى وكل هذا جهل.

والذي يفهم من الآية أن هناك حقيقة ثابتة في نفسها وهي الظلم، وأن هذا لا يقع من الله تعالى لأنه من النقص الذي يتنزه عنه وهو ذو الكمال المطلق والفضل العظيم، وقد خلق للناس مشاعر يدركون بها وعقولًا يهتدون بها إلى ما لا يدركه الحس، وشرع لهم من أحكام الدين وآدابه ما لا تستقل عقولهم بالوصول إلى مثله في هديتهم، وحفظ مصالحهم، وجعل فوائد الدين وآدابه سائقة إلى الخير صارفة عن الشر لتأييدها بالوعد والوعيد فمن وقع بعد ذلك فيما يضره ويؤذيه وترتبت عليه عقوبته كان هو الظلم لنفسه لأن الله لا يظلم أحدًا.

ونفي الظلم ههنا على إطلاقه يشمل المؤمن والكافر والذرة فيه عبارة عن منتهى الصغر في الأجسام، وقيل الذرة الهباء، وقيل النمل الصغير الأحمر، أو الذرة رأس النملة الصغيرة، وأظهر من هذه الآية في العموم ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ  ﴾ إلخ، وقد قدر مفسرنا (الجلال) في الآية هنا (أحدًا) للإشارة إلى العموم.

ولكن ورد في الكافرين ما يدل على أنه لا أثر لعملهم في الآخرة كقوله: ﴿ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا  ﴾ وقوله في عملهم: ﴿ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا  ﴾ وقد قال بعضهم في الجمع إن الله يجازيهم على أعمالهم في الدنيا وهذا تأويل لا يأتي في سورة الزلزلة لأن الكلام فيها خاص بيوم القيامة.

وقال بعضهم غير ذلك، كل يحمل الآية على مذهبه كما هي عادة المقلدين في جعل مذاهبهم أصلًا والقرآن العزيز فرعًا يحمل عليها ولو بالتأويل السقيم والتحريف البعيد.

ومن العجب أن يقول قائل بهذه التأويلات وقد ورد في الأحاديث المسلمة عند قائليها أن بعض المشركين يخفف عنه العذاب بعمل له: حاتم بكرمه، وأبو طالب بكفالته النبي ونصره إياه، بل ورد حديث بالتخفيف عن أبي لهب لعتقه "ثوبة" حين بشر بالنبي  هذا وأبو لهب هو الذي نزل فيه ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ  ﴾ إلخ، السورة فالمعنى الصحيح إذن للآيات هو أن الله لا يقيم وزنًا للمشرك في مقابلة شركه بمعنى أنه لا يقابل الشرك عمل صالح فيمحوه بل الأعمال الصالحة بإزاء الشرك هباء، ولكن المشرك العاصي أشد عذابًا من المشرك المحسن.

ولا يعقل أن يكون المحسن والمسيء عنده تعالى سواء فإن هذا من الظلم المنفي بلا شك.

﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا  ﴾ بعد ما جاء بالوعد والوعيد في الآية السابقة جاء بهذه الآية معطوفة بالفاء، فهو يقول إذا كان الله لا يضيع من عمل عامل مثقال ذرة فكيف يكون حال الناس إذا جمعهم الله وجاء بالشهداء عليهم وهم الأنبياء فما من أمة إلا ولها بشير ونذير.

هذه الشهادة هي التي غفل عنها الناس وبكى لها النبي  إذ أمر بعض الصحابة بأن يقرأ عليه شيئًا من القرآن وهو  أعلم بالناس بالقرآن.

هذه الشهادة يوم يجمع الله الناس مع أنبيائهم هي عبارة عن مقابلة عقائدهم وأخلاقهم وأعمالهم بعقائد الأنبياء وأعمالهم وأخلاقهم.

تعرض أعمال كل أمة على نبيها لا فرق بين اليهود والنصارى والمسلمين وسائر أتباع الأنبياء، فمن شهد لهم نبيهم بعد معرفة أعمالهم وظهورها بأنهم على ما جاء به وعمل وأمر الناس بالعمل به فهم الناجون.

إن كل أمة من أتباع الأنبياء تدعي أتباع نبيها وإن كانت قلوبهم مملوءة بالحقد والحسد والغل وأعمالهم كلها شرورًا ومفاسد عليهم وعلى الناس فهؤلاء يتبرأ الأنبياء منهم وإن ادعوا عن اتِّباعهم والانتماء إليهم.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.3 / 29.5
الإضاءة 28%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل