الآية ٢٠ من سورة يونس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٢٠ من سورة يونس

وَيَقُولُونَ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌۭ مِّن رَّبِّهِۦ ۖ فَقُلْ إِنَّمَا ٱلْغَيْبُ لِلَّهِ فَٱنتَظِرُوٓا۟ إِنِّى مَعَكُم مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ ٢٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 51 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٠ من سورة يونس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٠ من سورة يونس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

أي : ويقول هؤلاء الكفرة [ الملحدون ] المكذبون المعاندون : " لولا أنزل على محمد آية من ربه " ، يعنون كما أعطى الله ثمود الناقة ، أو أن يحول لهم الصفا ذهبا ، أو يزيح عنهم جبال مكة ويجعل مكانها بساتين وأنهارا ، ونحو ذلك مما الله عليه قادر ولكنه حكيم في أفعاله وأقواله ، كما قال تعالى : ( تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا ) [ الفرقان : 10 ، 11 ] وقال تعالى : ( وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا ) [ الإسراء : 59 ] ، يقول تعالى : إن سنتي في خلقي أني إذا آتيتهم ما سألوا ، فإن آمنوا وإلا عاجلتهم بالعقوبة .

ولهذا لما خير رسول الله ، عليه الصلاة والسلام ، بين أن يعطى ما سألوا ، فإن أجابوا وإلا عوجلوا ، وبين أن يتركهم وينظرهم ، اختار إنظارهم ، كما حلم عنهم غير مرة ، صلوات الله عليه ؛ ولهذا قال تعالى إرشادا لنبيه إلى الجواب عما سألوا : ( فقل إنما الغيب لله ) أي : الأمر كله لله ، وهو يعلم العواقب في الأمور ، ( فانتظروا إني معكم من المنتظرين ) أي : إن كنتم لا تؤمنون حتى تشاهدوا ما سألتم فانتظروا حكم الله في وفيكم .

هذا مع أنهم قد شاهدوا من معجزاته ، عليه السلام أعظم مما سألوا حين أشار بحضرتهم إلى القمر ليلة إبداره ، فانشق باثنتين فرقة من وراء الجبل ، وفرقة من دونه .

وهذا أعظم من سائر الآيات الأرضية مما سألوا وما لم يسألوا ، ولو علم الله منهم أنهم سألوا ذلك استرشادا وتثبتا لأجابهم ، ولكن علم أنهم إنما يسألون عنادا وتعنتا ، فتركهم فيما رابهم ، وعلم أنهم لا يؤمن منهم أحد ، كما قال تعالى : ( إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم ) [ يونس : 96 ، 97 ] ، وقال تعالى : ( ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون ) [ الأنعام : 111 ] ، ولما فيهم من المكابرة ، كما قال تعالى : ( ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون ) [ الحجر : 14 ، 15 ] ، وقال تعالى : ( وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم ) [ الطور : 44 ] ، وقال تعالى : ( ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين ) [ الأنعام : 7 ] ، فمثل هؤلاء أقل من أن يجابوا إلى ما سألوه ؛ لأنه لا فائدة في جواب هؤلاء ؛ لأنه دائر على تعنتهم وعنادهم ، لكثرة فجورهم وفسادهم ؛ ولهذا قال : ( فانتظروا إني معكم من المنتظرين )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (20) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: ويقول هؤلاء المشركون: هلا أنـزل على محمد آيةٌ من ربه (30) ، يقول: عَلَمٌ ودليلٌ نعلم به أن محمدًا محق فيما يقول؟

(31) قال الله له: (فقل) يا محمد (إنما الغيب لله) ، أي : لا يُعلم أحدٌ يفعل ذلك إلا هو جل ثناؤه، لأنه لا يعلم الغيب ، وهو السرُّ والخفيّ من الأمور (32) ، إلا الله ، فانتظروا أيها القوم ، قضاءَ الله بيننا ، بتعجيل عقوبته للمبطل منا ، وإظهاره المحقَّ عليه، إني معكم ممن ينتظر ذلك.

ففعل ذلك جل ثناؤه فقضى بينهم وبينه بأن قتلهم يوم بدرٍ بالسيف.

* * * الهوامش: (30) انظر تفسير " لولا " فيما سلف من فهارس مباحث العربية والنحو وغيرها .

(31) انظر تفسير " آية " فيما سلف من فهارس اللغة ( أيى ) .

(32) انظر تفسير " الغيب " فيما سلف من فهارس اللغة ( غيب ) .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه فقل إنما الغيب لله فانتظروا إني معكم من المنتظرين يريد أهل مكة ; أي هلا أنزل عليه آية ، أي معجزة غير هذه المعجزة ، فيجعل لنا الجبال [ ص: 237 ] ذهبا ويكون له بيت من زخرف ، ويحيي لنا من مات من آبائنا .

وقال الضحاك : عصا كعصا موسى .فقل إنما الغيب لله أي قل يا محمد إن نزول الآية غيب .

فانتظروا أي تربصوا .

إني معكم من المنتظرين لنزولها .

وقيل : انتظروا قضاء الله بيننا بإظهار المحق على المبطل .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{‏وَيَقُولُونَ‏}‏ أي‏:‏ المكذبون المتعنتون، ‏{‏لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ‏}‏ يعنون‏:‏ آيات الاقتراح التي يعينونها كقولهم‏:‏ ‏{‏لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا‏}‏ الآيات‏.‏ وكقولهم‏:‏ ‏{‏وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا‏}‏ الآيات‏.‏ ‏{‏فَقُلْ‏}‏ لهم إذا طلبوا منك آية ‏{‏إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ‏}‏ أي‏:‏ هو المحيط علما بأحوال العباد، فيدبرهم بما يقتضيه علمه فيهم وحكمته البديعة، وليس لأحد تدبير في حكم ولا دليل، ولا غاية ولا تعليل‏.‏ ‏{‏فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ‏}‏ أي‏:‏ كل ينتظر بصاحبه ما هو أهل له، فانظروا لمن تكون العاقبة‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ويقولون ) يعني : أهل مكة ، ( لولا أنزل عليه ) أي : على محمد صلى الله عليه وسلم ( آية من ربه ) على ما نقترحه ، ( فقل إنما الغيب لله ) يعني : قل إنما سألتموني الغيب وإنما الغيب لله ، لا يعلم أحد لم لم يفعل ذلك ولا يعلمه إلا هو .

وقيل : الغيب نزول الآية لا يعلم متى ينزل أحد غيره ، ( فانتظروا ) نزولها ( إني معكم من المنتظرين ) وقيل : فانتظروا قضاء الله بيننا بالحق بإظهار المحق على المبطل .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ويقولون» أي أهل مكة «لولا» هلا «أنزل عليه» على محمد «آية من ربه» كما كان للأنبياء من الناقة والعصا واليد «فقل» لهم «إنما الغيب» ما غاب عن العباد أي أمره «لله» ومنه الآيات فلا يأتي بها إلا هو وإنما عليَّ التبليغ «فانتظروا» العذاب إن لم تؤمنوا «إني معكم من المنتظرين».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ويقول هؤلاء الكفرة المعاندون: هلاَّ أُنزل على محمد علم ودليل، وآية حسية من ربه نعلم بها أنه على حق فيما يقول، فقل لهم -أيها الرسول-: لا يعلم الغيب أحد إلا الله، فإن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، فانتظروا -أيها القوم- قضاء الله بيننا وبينكم بتعجيل عقوبته للمبطل منا، ونصرة صاحب الحق، إني منتظر ذلك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى - سبحانه - لونا آخر من ألوان تعنت المشركين وجهالاتهم فقال - تعالى - :( وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الغيب .

.

.

) .ومرادهم بالآية التى طلبوها : آية كونية سوى القرآن الكريم ، بأن تكون معه - صلى الله عليه وسلم - ناقة كنافة صالح - عليه السلام - أو تكون معه عصا كعصا موسى - عليه السلام - وكأنهم لا يعتبرون القرآن آية كبرى ، ومعجزة عظمى على صدقة - صلى الله عليه وسلم - .ومرادهم بإنزالها عليه : ظهورها على يديه - صلى الله عليه وسلم - حتى يروا ذلك بأعينهم .أى : " ويقول هؤلاء المشركون لنبيهم - صلى الله عليه وسلم - هلا أنزل الله عليك آية أخرى سوى القرآن الكريم تكون شاهدة لك بالنبوة ، كأن تعيد إلى الحياة آباءنا ، وكأن تتحول جبال مكة إلى بساتين " .ومطالبهم هذه إنما طلبوها على سبيل العناد والتعنت لا على سبيل الاسترشاد والثبت ، قال - تعالى - : ( وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ الملائكة وَكَلَّمَهُمُ الموتى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ ليؤمنوا إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله .

.

.

) وقوله : ( فَقُلْ إِنَّمَا الغيب للَّهِ فانتظروا إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ المنتظرين ) أمر من الله - تعالى - لرسوله - صلى الله عليه وسلم - بأن يرد عليهم بما يفحمهم .أى : قل لهم فى الجواب على هذه المطالب المتعنتة : إن هذه المطالب التى طلبتموها هى من علم الغيب الذى استأثر الله به ، فقد يجيبكم إليها - سبحانه - وقد لا يجيبكم ، فانتظروا فى ما يقضيه الله فى أمر تعنتكم فى مطالبكم ، إني معكم من المنتظرين لقضائه وقدره ، ولما يفعله بي وبكم .فالجملة الكريمة تهديد لهم على تعنتهم وجهلهم ، وتهوينهم من شأن القرآن الكريم ، مع أنه أصدق معجزة للرسول - صلى الله عليه وسلم - وأعظمها .ولقد حكى القرآن - فى آيات أخرى كثيرة - المطالب المتعنته التى طلبها المشركون من النبي - صلى الله عليه وسلم - والتي تدل على عنادهم وجحودهم ، ومن ذلك قوله - تعالى - : ( وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرض يَنْبُوعاً .

أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنهار خِلالَهَا تَفْجِيراً .

أَوْ تُسْقِطَ السمآء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بالله والملائكة قَبِيلاً .

أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ ترقى فى السمآء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَّسُولاً ) كما حكى أيضاً - سبحانه - أنه لو أجابهم إلى مطالبهم لما آمنوا ، لأنهم معاندون جاحدون فقال - تعالى - ( إِنَّ الذين حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ .

وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حتى يَرَوُاْ العذاب الأليم ) وقال - سبحانه - : ( وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَاباً فى قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الذين كَفَرُواْ إِنْ هاذآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ) وبعد أن ساقت السورة الكريمة جانبا من أقوال الذين لا يرجون لقاء الله ومن مقترحاتهم الباطلة ومن معتقداتهم الفاسدة ، أتبعت ذلك بتصوير بعض الطبائع البشرية تصويرا صادقا يكشف عن أحوال النفوس فى حالتي السراء والضراء فقال - تعالى - :( وَإِذَآ أَذَقْنَا الناس رَحْمَةً مِّن بَعْدِ .

.

.

) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا الكلام هو النوع الرابع من شبهات القوم في إنكارهم نبوته، وذلك أنهم.

قالوا: إن القرآن الذي جئتنا به كتاب مشتمل على أنواع من الكلمات، والكتاب لا يكون معجزاً، ألا ترى أن كتاب موسى وعيسى ما كان معجزة لهما، بل كان لهما أنواع من المعجزات دلت على نبوتهما سوى الكتاب.

وأيضاً فقد كان فيهم من يدعي إمكان المعارضة، كما أخبر الله تعالى أنهم قالوا: ﴿ لَوْ شِئْنَا لَقُلْنَا مِثْلَ هذا  ﴾ وإذا كان الأمر كذلك لا جرم طلبوا منه شيئاً آخر سوى القرآن، ليكون معجزة له، فحكى الله تعالى عنهم ذلك بقوله: ﴿ وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ مّن رَّبّهِ ﴾ فأمر الله رسوله عليه الصلاة والسلام أن يقول عند هذا السؤال ﴿ إِنَّمَا الغيب للَّهِ فانتظروا إِنّى مَعَكُمْ مّنَ المنتظرين ﴾ .

واعلم أن الوجه في تقرير هذا الجواب أن يقال: أقام الدلالة القاهرة على أن ظهور القرآن عليه معجزة قاهرة ظاهرة.

لأنه عليه الصلاة والسلام بين أنه نشأ فيما بينهم وتربى عندهم، وهم علموا أنه لم يطالع كتاباً، ولم يتلمذ لأستاذ.

بل كان مدة أربعين سنة معهم ومخالطاً لهم، وما كان مشتغلاً بالفكر والتعلم قط، ثم إنه دفعة واحدة ظهر هذا القرآن العظيم عليه، وظهور مثل هذا الكتاب الشريف العالي، على مثل ذلك الإنسان الذي لم يتفق له شيء من أسباب التعلم، لا يكون إلا بالوحي.

فهذا برهان قاهر على أن القرآن معجز قاهر ظاهر، وإذا ثبت هذا كان طلب آية أخرى سوى القرآن من الاقتراحات التي لا حاجة إليها في إثبات نبوته عليه الصلاة والسلام، وتقرير رسالته، ومثل هذا يكون مفوضاً إلى مشيئة الله تعالى، فإن شاء أظهرها، وإن شاء لم يظهرها، فكان ذلك من باب الغيب، فوجب على كل أحد أن ينتظر أنه هل يفعله الله أم لا؟

ولكن سواء فعل أو لم يفعل، فقد ثبتت النبوة، وظهر صدقه في ادعاء الرسالة، ولا يختلف هذا المقصود بحصول تلك الزيادة وبعدمها، فظهر أن هذا الوجه جواب ظاهر في تقرير هذا المطلوب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَمَا كَانَ الناس إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ حنفاء متفقين على ملة واحدة من غير أن يختلفوا بينهم، وذلك في عهد آدم إلى أن قتل قابيل هابيل.

وقيل: بعد الطوفان حين لم يذر الله من الكافرين دياراً ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ ﴾ وهوتأخير الحكم بينهم إلى يوم القيامة ﴿ لَّقُضِىَ بِيْنَهُمْ ﴾ عاجلاً فيما اختلفوا فيه، ولميز المحق من المبطل، وسبق كلمته بالتأخير لحكمة أوجبت أن تكون هذه الدار دار تكليف، وتلك دار ثواب وعقاب.

وقالوا: ﴿ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ مّن رَّبّهِ ﴾ أرادوا آية من الآيات التي كانوا يقترحونها وكانوا لا يعتدّون بما أنزل عليه من الآيات العظام المتكاثرة التي لم ينزل على أحد من الأنبياء مثلها، وكفى بالقرآن وحده آية باقية على وجه الدهر بديعة غريبة في الآيات، دقيقة المسلك من بين المعجزات، وجعلوا نزولها كلا نزول، وكأنه لم ينزل آية قط، حتى قالوا: ﴿ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ رَبَّهُ ﴾ ، وذلك لفرط عنادهم وتماديهم في التمرّد وانهماكهم في الغيّ ﴿ فَقُلْ إِنَّمَا الغيب للَّهِ ﴾ أي هو المختصّ بعلم الغيب المستأثر به لا علم لي ولا لأحد به، يعني أنّ الصارف عن إنزال الآيات المقترحة أمر مغيب لا يعلمه إلاّ هو ﴿ فانتظروا ﴾ نزول ما اقترحتموه ﴿ إِنّى مَعَكُم مّنَ المنتظرين ﴾ لما يفعل الله بكم لعنادكم وجحودكم الآيات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَما كانَ النّاسُ إلا أُمَّةً واحِدَةً ﴾ مُوَحَّدِينَ عَلى الفِطْرَةِ أوْ مُتَّفِقِينَ عَلى الحَقِّ، وذَلِكَ في عَهْدِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى أنْ قَتَلَ قابِيلُ هابِيلَ أوْ بَعْدَ الطُّوفانِ، أوْ عَلى الضَّلالِ في فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ.

﴿ فاخْتَلَفُوا ﴾ بِاتِّباعِ الهَوى والأباطِيلِ، أوْ بِبَعْثِهِ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَتَبِعَتْهم طائِفَةٌ وأصَرَّتْ أُخْرى.

﴿ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ ﴾ بِتَأْخِيرِ الحُكْمِ بَيْنَهم أوِ العَذابِ الفاصِلِ بَيْنَهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَإنَّهُ يَوْمُ الفَصْلِ والجَزاءِ.

﴿ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ عاجِلًا.

﴿ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ بِإهْلاكِ المُبْطِلِ وإبْقاءِ المُحِقِّ.

﴿ وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ ﴾ أيْ مِنَ الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها.

﴿ فَقُلْ إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ ﴾ هو المُخْتَصُّ بِعِلْمِهِ فَلَعَلَّهُ يَعْلَمُ في إنْزالِ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ مِن مَفاسِدِ تَصَرِّفٍ عَنْ إنْزالِها.

﴿ فانْتَظِرُوا ﴾ لِنُزُولِ ما اقْتَرَحْتُمُوهُ.

﴿ إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ ﴾ لِما يَفْعَلُ اللَّهُ بِكم بِجُحُودِكم ما نَزَلَ عَلَيَّ مِنَ الآياتِ العِظامِ واقْتِراحِكم غَيْرَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ويقولون لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مّن رَّبّهِ} أي آية من الآيات التي اقترحوها {فَقُلْ إِنَّمَا الغيب للَّهِ} أي هو المختص بعلم الغيب فهو العالم بالصارف عن إنزال الآيات المقترحة لا غير {فانتظروا} نزول ما اقترحتموه {إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ الْمُنتَظِرينَ} لما يفعل الله بكم لعنادكم وجحودكم الآيات

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ويَقُولُونَ ﴾ حِكايَةً لِجِنايَةٍ أُخْرى لَهم وفي الكَشّافِ تَفْسِيرُ المُضارِعِ بِالماضِي أيْ وقالُوا وجَعَلَ ذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّ العَطْفَ لَيْسَ عَلى ﴿ ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا ﴾ كَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ وإنَّما هو عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا ﴾ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ وأوْثَرَ المُضارِعَ عَلى الماضِي لِيُؤْذَنَ بِاسْتِمْرارِ هَذِهِ المَقالَةِ وأنَّها مِن دَأْبِهِمْ وعادَتِهِمْ مَعَ ما في ذَلِكَ مِنِ اسْتِحْضارِ صُورَتِها الشَّنِيعَةِ وجُوِّزَ العَطْفُ عَلى (يَعْبُدُونَ) وهو الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ وأبْقى بَعْضُهُمُ الفِعْلَ عَلى ظاهِرِهِ ولَهُ وجْهٌ والقائِلُ كَفّارُ مَكَّةَ ﴿ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ ﴾ أرادُوا آيَةً مِنَ الآياتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها كَآيَةِ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ ومَعْنى إنْزالِها عَلَيْهِ إظْهارُ اللَّهِ تَعالى لَها عَلى يَدِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وطَلَبُوا ذَلِكَ تَعَنُّتًا وعِنادًا وإلّا فَقَدْ أتى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِآياتٍ ظاهِرَةٍ ومُعْجِزاتٍ باهِرَةٍ تَعْلُو عَلى جَمِيعِ الآياتِ وتَفُوقُ سائِرَ المُعْجِزاتِ لا سِيَّما القُرْآنَ العَظِيمَ الباقِيَ إعْجازُهُ عَلى وجْهِ الدَّهْرِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ولَعَمْرِي لَوْ أنْصَفُوا لاسْتَغْنَوْا عَنْ كُلِّ آيَةٍ غَيْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَإنَّهُ الآيَةُ الكُبْرى ومَن رَآهُ وسَبَرَ أحْوالَهُ لَمْ يَكَدْ يَشُكُّ في أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ﴿ فَقُلْ ﴾ لَهم في الجَوابِ ﴿إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ 20﴾ وهو جَوابٌ عَلى ما قَرَّرَهُ الطِّيبِيُّ عَلى الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ فَإنَّهم حِينَ طَلَبُوا ما طَلَبُوا مَعَ وُجُودِ الآياتِ المُتَكاثِرَةِ دَلَّ عَلى أنَّ سُؤالَهم لِلتَّعَنُّتِ كَما عَلِمْتَ آنِفًا فَأجِيبُوا بِما أُجِيبُوا لِيُؤْذَنَ بِأنَّ سُؤالَهم سُؤالُ المُقْتَرِحِينَ يَسْتَحِقُّونَ بِهِ نِقْمَةَ اللَّهِ تَعالى وحُلُولَ عِقابِهِ ويَعْنِي أنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَسْتَأْصِلَ شَأْفَتَكم لَكِنْ لا أعْلَمُ مَتى يَكُونُ وأنْتُمْ كَذَلِكَ لِأنَّ ذَلِكَ مِنَ الغَيْبِ وهو مُخْتَصٌّ بِهِ تَعالى لا يَعْلَمُهُ أحَدٌ غَيْرُهُ جَلَّ شَأْنُهُ وإذا كانَ كَذَلِكَ فانْتَظِرُوا ما يُوجِبُهُ اقْتِراحُكم إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ إيّاهُ وقِيلَ: إنَّ المُرادَ أنَّهُ تَعالى هو المُخْتَصُّ بِعِلْمِ الغَيْبِ والصّارِفُ عَنْ إنْزالِ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ أمْرٌ مَغِيبٌ فَلا يَعْلَمُهُ إلّا هو واعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ مُعَيَّنٌ وهو عِنادُهم قالَ تَعالى: ﴿ وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ .

وأُجِيبُ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ عِنادَهم هو الصّارِفُ وقَدْ يُجابُ المُعانِدُ والآيَةُ وإنْ دَلَّتْ عَلى بَقائِهِمْ عَلى العِنادِ وإنْ جاءَتْ لَمْ تَدُلَّ عَلى أنَّ العِنادَ هو الصّارِفُ واخْتارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ ما اقْتَرَحْتُمُوهُ وزَعَمْتُمْ أنَّهُ مِن لَوازِمِ النُّبُوَّةِ وعَلَّقْتُمْ إيمانَكم بِنُزُولِهِ مِنَ الغُيُوبِ المُخْتَصَّةِ بِهِ سُبْحانَهُ لا وُقُوفَ لِي عَلَيْهِ فانْتَظِرُوا نُزُولَهُ إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ لِما يَفْعَلُ اللَّهُ تَعالى بِكم لِاجْتِرائِكم عَلى مَثَلِ هَذِهِ العَظِيمَةِ مِن جُحُودِ الآياتِ واقْتِراحِ غَيْرِها واعْتُرِضَ عَلى ما قِيلَ بِأنَّهُ يَأْباهُ تَرْتِيبُ الأمْرِ بِالِانْتِظارِ عَلى اخْتِصاصِ الغَيْبِ بِهِ تَعالى والَّذِي يَخْطِرُ بِالبالِ أنَّ سُؤالَ القَوْمِ قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى مُتَضَمِّنٌ لِدَعْوى أنَّ الصَّلاحَ في إنْزالِ آيَةٍ مِمّا اقْتَرَحُوا حَيْثُ لَمْ يَعْتَبِرُوا ما نَزَلَ ولَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ فَكَأنَّهم قالُوا: لا صَلاحَ في نُزُولِ ما نَزَلْ وإنَّما الصَّلاحُ في إنْزالِ آيَةٍ مِمّا نَقْتَرِحُ فَلَوْلا نَزَلَتْ وفي ذَلِكَ دَعْوى الغَيْبِ بِلا رَيْبٍ فَأجِيبُوا بِأنَّ الغَيْبَ مُخْتَصٌّ بِاللَّهِ فَهو الَّذِي يَعْلَمُ ما بِهِ الصَّلاحُ لا أنْتُمْ ولا غَيْرُكم ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ فانْتَظِرُوا ﴾ إلَخْ عَلى مَعْنى وإذا كانَ عِلْمُ الغَيْبِ مُخْتَصًّا بِاللَّهِ تَعالى وقَدِ ادَّعَيْتُمْ مِن ذَلِكَ ما ادَّعَيْتُمْ وطَعَنْتُمْ فِيما طَعَنْتُمْ فانْتَظِرُوا نُزُولَ العَذابِ بِكم إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظَرِينَ إيّاهُ ولا يُرَدُّ عَلى هَذا ما أوْرَدَ عَلى غَيْرِهِ ولا ما عَسى أنْ يُورِدَ أيْضًا فَتَأمَّلْ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ، وذلك حين قال عبد الله بن أمية: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً [الإسراء: 90] وسألته قريش أن يأتيهم بآية، فقال الله تعالى لمحمد  : فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ أي: نزول الآية من عند الله تعالى: فَانْتَظِرُوا نزولها.

إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ لنزولها، ويقال: فانتظروا بي الموت إني معكم من المنتظرين لهلاككم.

قوله تعالى: وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ، يعني: أصبنا الناس رَحْمَةً، يعني: المطر، ويقال: العافية مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ من بعد القحط ويقال: من بعد الشدة والبلاء أصابتهم إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا، يعني: تكذيباً بالقرآن، ويقال: تكذيباً بنعمة الله تعالى، ويقولون: سقينا بنوء كذا ولا يقولون: هذا من رزق الله تعالى، وقال القتبي: إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا يعني: قولهم بالطعن والحيلة ليجعلوا لتلك الرحمة سبباً آخر قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً، يعني: أشد عذاباً وأشد أخذاً.

إِنَّ رُسُلَنا الحفظة يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ، يعني: ما تقولون من التكذب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله: فَمَنْ أَظْلَمُ: استفهام وتقريرٌ، أي: لا أحد أظلم ممَّن افترى على اللَّه كذباً، أو ممَّن كذَّب بآياته بَعْد بيانها، والضمير في يَعْبُدُونَ لكفَّار قريش، وقولهم:

هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ: هذا قول النبلاء منهم، ثم أمر سبحانه نبيَّه أن يقرِّرهم ويوبِّخهم بقوله: أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ، وذكر السموات لأن من العرب من يعبد الملائكَةَ والشِّعْرَى، وبحسب هذا حَسُنَ أن يقول:

هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا، وقيل: ذلك على تجوُّز في الأصنام التي لا تَعْقِلُ.

وقوله سبحانه: وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا قالت فرقة: المراد آدم كان أُمة وحده، ثم اختلف الناس بعده، وقالت فرقة: المراد آدم وبنوه مِنْ لدن نزوله إلى قتل أحد ابنيه الآخَرَ، ويحتمل أن يريد: كان الناس صِنْفاً واحداً بالفِطْرة معدًّا للاهتداء، وقد تقدَّم الكلام علَى هذا في قوله سبحانه: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً [البقرة: ٢١٣] .

وقوله سبحانه: وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ يريد: قضاءه وتقديره لبني آدم بالآجال المؤقَّتة، ويحتمل أنْ يريد: الكَلِمَةَ في أمر القيامة، وأنَّ العقابَ والثوابَ إِنما يكونُ حينئذٍ.

وقوله: فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ أي: إِنْ شاء فَعَلَ، وإِن شاء لَمْ يَفْعَلْ.

وقوله: فَانْتَظِرُوا: وعيدٌ.

وقوله سبحانه: وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ ...

الآية: هذه الآية في الكفَّار، وهي بعْدُ تتناول من العُصَاةِ مَنْ لا يؤدي شكر اللَّه عند زوال المَكْروه عنه، ولا يرتدعُ بذلك عن معاصيه، وذلك في الناس كثيرٌ، والرحمة هنا بعد الضرَّاء كالمطر بعد القَحْط، والأمن بعد الخَوْف ونحو هذا ممَّا لا ينحصر، والمَكْر: الاستهزاء والطَّعْن عليها مِن الكُفَّار واطراح الشكر والخوف من العصاة.

وقال أبو عليٍّ: أَسْرَعُ من «سَرُعَ» لا من «أَسْرَعَ يُسْرِعُ» ، إِذ لو كان من «أَسْرَعَ» ، لكان شاذًّا.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ ﴾ يَعْنِي المُشْرِكِينَ ﴿ لَوْلا ﴾ أيْ: هَلّا ﴿ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ ﴾ مِثْلَ العَصا واليَدِ وآياتِ الأنْبِياءِ.

﴿ فَقُلْ إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ سُؤالَكم: لِمَ لَمْ تَنْزِلِ الآيَةُ ؟

غَيْبٌ، ولا يَعْلَمُ عِلَّةَ امْتِناعِها إلّا اللَّهُ.

والثّانِي: أنَّ نُزُولَ الآيَةِ مَتى يَكُونُ ؟

غَيْبٌ، ولا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فانْتَظِرُوا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: انْتَظِرُوا نُزُولَ الآيَةِ.

والثّانِي: قَضاءَ اللَّهِ بَيْنَنا بِإظْهارِ المُحِقِّ عَلى المُبْطِلِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما كانَ الناسُ إلا أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهم فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ ﴿ وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ فَقُلْ إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِن المُنْتَظِرِينَ ﴾ ﴿ وَإذا أذَقْنا الناسَ رَحْمَةً مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهم إذا لَهم مَكْرٌ في آياتِنا قُلِ اللهُ أسْرَعُ مَكْرًا إنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ آدَمُ، كانَ أُمَّةً واحِدَةً، ثُمَّ اخْتَلَفَ الناسُ بَعْدُ، وفي أمْرِ بَنِيهِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ نَسَمُ بَنِيهِ إذِ اسْتَخْرَجَهُمُ اللهُ مِن ظَهْرِهِ وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ آدَمُ وبَنُوهُ مِن لَدُنْ نُزُولِهِ إلى قَتْلِ أحَدِ ابْنَيْهِ الآخَرَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ: وما كانَ الناسُ إلّا أُمَّةً واحِدَةً في الضَلالَةِ والجَهْلِ بِاللهِ، فاخْتَلَفُوا فِرَقًا في ذَلِكَ بِحَسَبِ الجَهالَةِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: كانَ الناسُ صِنْفًا واحِدًا مُعَدًّا لِلِاهْتِداءِ، واسْتِيفاءُ القَوْلِ في هَذا مُتَقَدِّمٌ في سُورَةِ البَقَرَةِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ كانَ الناسُ أُمَّةً واحِدَةً  ﴾ .

وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وأبُو جَعْفَرٍ، ونافِعٌ، وشَيْبَةُ، وأبُو عَمْرٍو: "لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ" بِضَمِّ القافِ وكَسْرِ الضادِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "لَقَضى" بِفَتْحِهِما عَلى الفِعْلِ الماضِي.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ ﴾ يُرِيدُ قَضاءَهُ وتَقْدِيرَهُ لِبَنِي آدَمَ بِالآجالِ المُوَقَّتَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الكَلِمَةَ في أمْرِ القِيامَةِ وأنَّ العِقابَ والثَوابَ إنَّما كانَ حِينَئِذٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ ﴾ الآيَةُ، يُرِيدُونَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ آيَةٌ مِن رَبِّهِ ﴾ آيَةً تَضْطَرُّ الناسَ إلى الإيمانِ، وهَذا النَوْعُ مِنَ الآياتِ لَمْ يَأْتِ بِها نَبِيٌّ قَطُّ، ولا هي مُعْجِزاتٌ اضْطِرارِيَّةٌ، وإنَّما هي مُعَرَّضَةٌ لِلنَّظَرِ لِيَهْتَدِيَ قَوْمٌ ويَضِلَّ آخَرُونَ، وقَوْلُهُ: ﴿ فَقُلْ إنَّما الغَيْبُ لِلَّهِ ﴾ إنْ شاءَ فَعَلَ وإنْ شاءَ لَمْ يَفْعَلْ، لا يَطَّلِعُ عَلى غَيْبِهِ أحَدٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ فانْتَظِرُوا ﴾ وعِيدٌ وقَدْ صَدَّقَهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِنُصْرَتِهِ مُحَمَّدًا  ، قالَ الطَبَرِيُّ: في بَدْرٍ وغَيْرِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا أذَقْنا الناسَ ﴾ الآيَةُ، المُرادُ بِالناسِ في هَذِهِ الآيَةِ الكُفّارُ، وهي بَعْدُ تَتَناوَلُ مِنَ العاصِينَ مَن لا يُؤَدِّي شُكْرَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى عِنْدَ زَوالِ المَكْرُوهِ عنهُ، ولا يَرْتَدِعُ بِذَلِكَ عن مَعاصِيهِ، وذَلِكَ في الناسِ كَثِيرٌ.

والرَحْمَةُ هُنا بَعْدَ الضَرّاءِ كالمَطَرِ بَعْدَ القَحْطِ والأمْنِ بَعْدَ الخَوْفِ والصِحَّةِ بَعْدَ المَرَضِ ونَحْوِ هَذا مِمّا لا يَنْحَصِرُ، والمَكْرُ: الِاسْتِهْزاءُ والطَعْنُ عَلَيْها مِنَ الكُفّارِ واطِّراحُ الشُكْرِ والخَوْفِ مِنَ العُصاةِ، ووَصْفُ مَكْرِ اللهِ بِالسُرْعَةِ وإنْ كانَ الِاسْتِدْراجُ بِمَهْلِهِمْ لِأنَّهُ مُتَيَقَّنٌ بِهِ واقِعٌ لا مَحالَةَ، وكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ، قالَ أبُو حاتِمٍ: قَرَأ الناسُ: "إنَّ رُسُلَنا" بِضَمِّ السِينِ، وخَفَّفَ السِينَ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي الحَسَنِ، وأبُو عَمْرٍو.

ويُقالُ: "أسْرَعُ" مِن سَرُعَ، ولا يَكُونُ مِن أسْرَعَ يُسْرِعُ، حَكى ذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ، قالَ: ولَوْ كانَ مِن أسْرَعَ لَكانَ شاذًّا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ «قالَ رَسُولُ اللهِ  في نارِ جَهَنَّمَ: "لَهِيَ أسْوَدُ مِنَ القارِ"» وما حُفِظَ لِلنَّبِيِّ  فَلَيْسَ بِشاذٍّ.

وَقَرَأ الحَسَنُ، والأعْرَجُ، ونافِعٌ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: "تَمْكُرُونَ" بِتاءٍ عَلى المُخاطَبَةِ، وهي قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ، وشِبْلٍ، وأبِي عَمْرٍو، وعِيسى، وطَلْحَةَ، وعاصِمٍ، والأعْمَشِ، والجَحْدَرِيِّ، وأيُّوبَ بْنِ المُتَوَكِّلِ، [وَقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ ] ورُوِيَتْ أيْضًا عن نافِعٍ، والأعْرَجِ: "يَمْكُرُونَ" عَلى الغَيْبَةِ.

قالَ أبُو حاتِمٍ: قالَ أيُّوبُ بْنُ المُتَوَكِّلِ: في مُصْحَفِ أُبَيٍّ: "يا أيُّها الناسُ إنَّ اللهَ أسْرَعُ مَكْرًا وإنَّ رُسُلَهُ لَدَيْكم يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة: ﴿ ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ﴾ [يونس: 18]، فبعد أن ذكر افتراءهم في جانب الإلهية نفى بهتانهم في جانب النبوءة.

والضمير في ﴿ عليه ﴾ عائد للنبيء صلى الله عليه وسلم وإن لم يجر له ذكر قبل ذلك في الآية، فإن معرفة المراد من الضمير مغنية عن ذكر المعاد.

وقد كان ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بينهم في نواديهم ومناجاتهم في أيام مُقامه بينهم بعد البعثة هو شغلهم الشاغل لهم، قد أجرى في كلامهم ضمير الغيبة بدون سبق معاد، علم المتخاطبون أنه المقصود.

ونظير هذا كثير في القرآن.

و (لولا) في قوله: ﴿ لولا أنزل عليه آية من ربه ﴾ حرف تحْضيض، وشأن التحْضيض أن يواجه به المحضض لأن التحضيضَ من الطلب وشأنُ الطلب أن يواجَه به المطلوب، ولذلك كان تعلق فعل الإنزال بضمير الغائب في هذه الآية مُؤولاً بأحد وجهين: إما أن يكون التفاتاً، وأصل الكلام: لولا أنزل عليكَ، وهو من حكاية القول بالمعنى كقوله تعالى: ﴿ قل لعبادي الذين آمنوا يُقيموا الصلاة ﴾ [إبراهيم: 31] أي قل لهم أقيموا، ونكتة ذلك نكتة الالتفات لتجديد نشاط السامع.

وإما أن يكون هذا القول صدر منهم فيما بينهم ليبين بعضُهم لبعض شبهة على انتفاء رسالة محمد صلى الله عليه وسلم أو صدر منهم للمسلمين طمعاً في أن يردوهم إلى الكفر.

والآيةُ: علامة الصدق.

وأرادوا خارقاً للعادة على حسب اقتراحهم مثل قولهم: ﴿ أو ترقى في السماء ﴾ [الإسراء: 93] وقولهم: ﴿ لولا أوتي مثلَ ما أوتي موسى ﴾ [القصص: 48] وهذا من جهلهم بحقائق الأشياء وتحكيمهم الخيال والوهَم في حقائق الأشياء، فهم يفرضون أن الله حريص على إظهار صدق رسوله صلى الله عليه وسلم وأنه يستفزّه تكذيبهم إياه فيغضب ويسرع في مجاراة عنادهم ليكفوا عنه، فإن لم يفعل فقد أفحموه وأعجزوه وهو القادر، فتوهموا أن مدعي الرسالة عنه غير صادق في دعواه وما دَرَوا أن الله قَدر نظام الأمور تقديراً، ووضع الحقائق وأسبابها، وأجرى الحوادث على النظام الذي قدره، وجعل الأمور بالغة مواقيتها التي حدد لها، ولا يضره أن يُكذّب المكذّبون أو يعاند الجاهلون وقد وضع لهم ما يليق بهم من الزواجر في الآخرة لا محالة، وفي الدنيا تارات، كل ذلك يجري على نُظم اقتضتها الحكمةُ لا يحمله على تبديلها سُؤال سائل ولا تسفيه سفيه.

وهو الحكيم العليم.

فهم جعلوا استمرار الرسول صلى الله عليه وسلم على دعوتهم بالأدلة التي أمره الله أن يدعوهم بها وعدم تبديله ذلك بآيات أخرى على حسب رغبتهم جعلوا كل ذلك دليلاً على أنه غير مؤيد من الله فاستدلوا بذلك على انتفاء أن يكون الله أرسله، لأنه لو أرسله لأيَّده بما يوجب له القبول عند المرسَل إليهم.

وما درى المساكين أن الله إنما أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم رحمة بهم وطلباً لصلاحهم، وأنه لا يضره عدم قبولهم رحمته وهدايته.

ولذلك أتَى في حكاية كلامهم العدولُ عن اسم الجلالة إلى لفظ الرب المضاف إلى ضمير الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ من ربه ﴾ إيماء إلى الربوبية الخاصة بالتعلق بالرسول صلى الله عليه وسلم وهي ربوبية المصطفي (بصيغة اسم الفاعل) للمصطفى (بصيغة المفعول) من بين بقية الخلق المقتضية الغضب لغضبه لتوهمهم أن غضب الله مثل غضب الخلائق يستدعي الإسراع إلى الانتقام وما علموا أسرار الحكمة الإلهية والحكم الإلهي والعلم الأعلى.

وقد أمر الله رسوله بأن يجيب عن اقتراحهم بما هو الحقيقة المرشدة وإن كانت أعلى من مداركهم جواباً فيه تعريض بالتهديد لهم وهو قوله: ﴿ فقل إنما الغيبُ لله ﴾ ، فجاء بفاء التفريع هنا دون بعض نظائره للإشارة إلى تعقيب كلامهم بالجواب شأن المتمكن من حاله المتثبت في أمره.

والغيب: ما غاب عن حواس الناس من الأشياء، والمراد به هنا ما يتكون من مخلوقات غير معتادة في العالم الدنيوي من المعجزات.

وتفسير هذا قوله: ﴿ قل إنما الآيات عند الله ﴾ [الأنعام: 109].

واللام للملك، أي الأمور المغيبة لا يقدر عليها إلا الله.

وجاء الكلام بصيغة القصر للرد عليهم في اعتقادهم أن في مكنة الرسول الحق أن يأتي بما يسأله قومُه من الخوارق، فجعلوا عدم وقوع مقترحهم علامة على أنه ليس برسول من الله، فلذلك رد عليهم بصيغة القصر الدالة على أن الرسول ليس له تصرف في إيقاع ما سألوه ليعلموا أنهم يرمون بسُؤالهم إلى الجراءة على الله تعالى بالإفحام.

وجملة: ﴿ فانتظروا إني معكم من المنتظرين ﴾ تفريع على جملة: ﴿ إنما الغيب لله ﴾ أي ليس دأبي ودأبكم إلاّ انتظار ما يأتي به الله إن شاء، كقول نوح لقومه: ﴿ إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين ﴾ [هود: 33].

وهذا تعريض بالتهديد لهم أن ما يأتي به الله لا يترقبون منه إلا شراً لهم، كقوله تعالى: ﴿ وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكاً لقُضي الأمر ثم لا ينظرون ﴾ [الأنعام: 8].

والمعية في قوله: ﴿ معكم ﴾ مجازية مستعملة في الإشراك في مطلق الانتظار.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: رَخاءٌ بَعْدَ شِدَّةٍ.

الثّانِي: عافِيَةٌ بَعْدَ سَقَمٍ.

الثّالِثُ: خِصْبًا بَعْدَ جَدْبٍ، وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ.

الرّابِعُ: إسْلامًا بَعْدَ كُفْرٍ وهو المُنافِقُ، قالَهُ الحَسَنُ.

﴿ إذا لَهم مَكْرٌ في آياتِنا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ المَكْرَ ها هُنا الكُفْرُ والجُحُودُ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

الثّانِي: أنَّهُ الِاسْتِهْزاءُ والتَّكْذِيبُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنْ يَكُونَ المَكْرُ ها هُنا النِّفاقَ لِأنَّهُ يُظْهِرُ الإيمانَ ويُبْطِنُ الكُفْرَ.

﴿ قُلِ اللَّهُ أسْرَعُ مَكْرًا ﴾ يَعْنِي أسْرَعَ جَزاءً عَلى المَكْرِ.

وَقِيلَ إنَّ سَبَبَ نُزُولِها «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  لَمّا دَعا عَلى أهْلِ مَكَّةَ بِالجَدْبِ فَقَحَطُوا سَبْعَ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ إجابَةً لِدَعْوَتِهِ، أتاهُ أبُو سُفْيانَ فَقالَ يا مُحَمَّدُ قَدْ كُنْتَ دَعَوْتَ بِالجَدْبِ فَأجْدَبْنا فادْعُ اللَّهَ لَنا بِالخِصْبِ فَإنْ أجابَكَ وأخْصَبْنا صَدَّقْناكَ وآمَنّا بِكَ، فَدَعا لَهم واسْتَسْقى فَسُقُوا وأُخْصِبُوا، فَنَقَضُوا ما قالُوهُ وأقامُوا عَلى كُفْرِهِمْ»، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ إذا لَهم مَكْرٌ في آياتِنا ﴾ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن الربيع في قوله: ﴿ فانتظروا إني معكم من المنتظرين ﴾ قال: خوفهم عذابه وعقوبته.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ ﴾ يعني أهل مكة ﴿ لَوْلَا ﴾ هلا ﴿ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ ﴾ ، قال ابن عباس: يريدون مثل العصا وما أنزل على موسى؛ سألوه أن يأتيهم بآية من ربه كما جاءت الأنبياء (١) (٢) وقال أهل المعاني: سألوا آية تضطر إلى المعرفة، ولم يطلبوا معجزة؛ لأنه قد أتاهم بمعجزة، وإنما طلبوا آية يعلم بها صحة النبوة لا محالة من غير أن يوكلوا إلى الاستدلال بالآية (٣) وقال بعضهم: طلبوا آية غير القرآن (٤) وقوله تعالى: ﴿ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّه ﴾ \[قال المفسرون: يعني قل لهم: إن قولكم هلا أنزل عليه آية غيب، وإنما الغيب لله\] (٥) (٦) (٧) وقوله تعالى: ﴿ فَانْتَظِرُوا ﴾ أي نزول الآية ﴿ إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ﴾ لنزولها.

(١) لم أعثر على مصدره.

(٢) انظر: "تفسير هود بن محكم" 2/ 187، وابن الجوزي 4/ 17، والقرطبي 8/ 323، وابن كثير 2/ 452، وأبو حيان 5/ 136.

(٣) وإلى هذا القول ذهب ابن عطية في "المحرر الوجيز" 7/ 123.

(٤) انظر: "تفسير الرازي" 17/ 164، وقال الزمخشري في "الكشاف" 2/ 230: وكفى بالقرآن وحده آية باقية على وجه الدهر بديعة غريبة في الآيات، دقيقة المسلك من بين المعجزات، وجعلو نزولها كلا نزول.

(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).

(٦) انظر معنى هذا القول في: "تفسير الطبري" 11/ 99، والثعلبي 7/ 10 أ، والبغوي 4/ 127.

(٧) في (م): (الغيب).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ ﴾ كانوا يطلبون آية من الآيات التي اقترحوها، ولقد نزل عليه آيات عظام فما اعتدوا بها لعنادهم وشدة ضلالهم ﴿ فَقُلْ إِنَّمَا الغيب للَّهِ ﴾ إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل لا يطلع على ذلك أحد ﴿ فانتظروا ﴾ أي انتظروا نزول ما اقترحتموه ﴿ إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ المنتظرين ﴾ أي منتظر لعقابكم على كفركم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لقضي إليهم ﴾ مبنياً للفاعل ﴿ أجلهم ﴾ بالنصب: ابن عامر ويعقوب.

الآخرون مبنياً للمفعول ورفع ﴿ أجلهم ﴾ أو بدله بضم اللام وسكون الهاء: روى خلف عن الكسائي والاختبار عنه وعن غيره الإشمام ﴿ لي أن ﴾ بفتح الياء وكذلك ﴿ إني أخاف ﴾ : أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

﴿ نفسي أن ﴾ بفتح الياء: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع.

﴿ ولأدراكم ﴾ بلام الابتداء فعلاً مثبتاً: روى أبو ربيعة عن البزي وحمزة.

وقرأ حمزة وعلي وأبو عمرو وخلف وورش من طريق النجاري والخراز عن جبيرة وهبيرة وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان، وحماد ويحيى من طريق أبي حمدون بالإمالة فعلاً ماضياً منفياً بلا.

الباقون:مثله ولكن بالتفخيم.

﴿ تشركون ﴾ بتاء الخطاب وكذلك في "النحل" و "الروم": حمزة وعلي وخلف.

الباقون بالياء.

الوقوف: ﴿ أجلهم ﴾ ط لأن ما بعده مستقبل فنحن نذر ﴿ يعمهون ﴾ ه ﴿ أو قائماً ﴾ ط ﴿ مسه ﴾ ط ﴿ يعملون ﴾ ه ﴿ ظلموا ﴾ لا لأن الواو للحال ﴿ ليؤمنوا ﴾ ط ﴿ المجرمين ﴾ ه ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ بينات ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا" ﴿ أو بدله ﴾ ط.

﴿ نفسي ﴾ ج ط لأن "ان" النافية لها صدر الكلام ولكن القائل متحد ﴿ إليّ ﴾ ط ج لمثل ما قلنا ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ به ﴾ ط والوصل أولى للفاء أو لشدة اتصال المعنى ﴿ من قبله ﴾ ط ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ بآياته ﴾ ط ﴿ المجرمون ﴾ ه ﴿ عند الله ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ يشركون ﴾ ه ﴿ فاختلفوا ﴾ ط ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ من ربه ﴾ ج ط للابتداء بالأمر مع الفاء ﴿ فانتظروا ﴾ ج لاحتمال الابتداء أو التعليل ﴿ المنتظرين ﴾ ه.

التفسير: إنه  ابتدأ في هذه السورة بذكر شبهات القوم؛ فالأولى أنهم تعجبوا من تخصيص الله محمداً  بالنبوة فأزال ذلك التعجب بالإنكار وبالدلائل الدالة على صحة المبدا والمعاد فكأنه قيل: إنه ما جاء إلا بدليل التوحيد والإقرار بالمعاد فليس للتعجب معنى.

ثم شرع في شبهة أخرى وهي أنهم كانوا يقولون أبداً اللهم إن كان محمد حقاً فأمطر علينا حجارة من السماء فأجابهم بقوله: ﴿ ولو يعجل الله ﴾ الآية.

وقال القاضي: لما ذكر الوعيد على عدم الإيمان بالمبدإ والمعاد ذكر أن ذلك العذاب من حقه أن يتأخر عن هذه الحياة الدنيا وإلا نافى التكليف.

وقال القفال: لما وصفهم فيما مر بالغفلة أكد ذلك بأن من غاية غفلتهم أن الرسول متى أنذرهم استعجلوا العذاب فبيّن الله تعالى أنه لا مصلحة في تعجيل إيصال الشر إليهم فلعلهم يؤمنون، أو يخرج من أصلابهم من يؤمن.

كانوا عند نزول الشدائد يدعون الله بكشفها كما يجيء في الآية التالية، وفي الرخاء كانوا يستعجلون النبي بالعذاب فقال ما معناه: ولو عجلنا لهم الشر الذي دعوا به كما يعجل لهم الخير ونجيبهم إليه لأميتوا وأهلكوا.

قال في الكشاف: أصل الكلام ولو يعجل الله للناس الشر تعجيله لهم الخير.

فوضع استعجالهم بالخير موضع تعجيله لهم الخير إشعاراً بسرعة إجابته لهم حتى كأن استعجالهم بالخير تعجيل منه لهم.

وقيل: التعجيل معناه طلب العجلة إلا أن الاستعجال أشهر وأظهر.

فمعنى الآية لو أراد الله عجلة الشر للناس كما أرادوا عجلة الخير لهم.

وقيل: هما متلازمان فكل معجل يلزمه الاستعجال إلا أنه  وصف نفسه بتكوين العجلة ووصفهم بطلبها لأن اللائق به التكوين واللائق بهم الطلب.

وسمي العذاب في الآية شراً لأنه أذى وألم في حق المعاقب به.

ثم إن قوله ﴿ لو يعجل ﴾ كان متضمناً لمعنى نفي التعجيل فيمكن أن يكون قوله ﴿ فنذرهم ﴾ معطوفاً على منوي كأنه قيل: ولكن لا يعجل فيذرهم إلزاماً للحجة أو لمصالح أخرى.

ثم بين أنهم كاذبون في استعجال الشر ولو أصابهم ما طلبوه أظهروا العجل والطيش فقال: ﴿ وإذا مس الإنسان الضر ﴾ أي هذا الجنس ﴿ دعانا لجنبه ﴾ اللام في معنى الوقت كقولك: جئته لشهر كذا.

وإن شئت قلت في موضع الحال لأن الظرف والحال متآخيان فيصح عطف أحدهما على الآخر وتأويل أحدهما بالآخر أي دعانا مضطجعاً ﴿ أو قاعداً أو قائماً ﴾ أو وقت اضطجاعه وقعوده وقيامه.

والمراد أنه يدعو الله في جميع أحواله لا يفتر عن الدعاء.

ثم إن خص الضر بالمرض احتمل أن يراد أنه يدعو الله حين كان مضطجعاً غير قادر على القعود أو قاعداً غير قادر على القيام، أو قائماً لا يطيق المشي إلى أن يخف كل الخفة ويرزق الصحة بكمالها.

أو يراد أن من المضرورين من هو أسوأ حالاً وهو صاحب الفراش، ومنهم من هو أخف وهو القادر على القعود، ومنهم المستطيع للقيام وكلهم لا يصبرون على الضراء.

قال بعض المفسرين: الإنسان ههنا هو الكافر.

ومنهم من بالغ فقال: كل موضع في القرآن ورد فيه ذكر الإنسان فالمراد به الكافر.

وهذا شبه تحكم لورود مثل قوله  : ﴿ هل أتى على الإنسان  ﴾ إلا أن يساعده نقل صحيح.

والأصح عند العلماء العموم لأن الإنسان خلق ضعيفاً لا يصبر على اللأواء ولا يشكر عند النعماء إلا من عصمه الله وقليل ما هم، وهم الذين نظرهم في جميع الأحوال على المقدر المؤجل للأمور حسب إرادته ومشيئته فلا جرم إن أصابهم السراء شكروا وإن أصابهم الضراء صبروا فأفنوا إرادتهم في إرادته ورضوا بقضائه.

قال الزجاج: في الآية تقديم وتأخير والتقدير: وإذا مس الإنسان الضر لجنبه أو قاعداً أو قائماً: وضعف بأن تعديد أحوال الدعاء أبلغ من تعديد أحوال الضر لأنه إذا كان داعياً على الدوام ثم نسي ذلك في وقت الرخاء كان أعجب.

ومعنى ﴿ مرّ ﴾ مضى على طريقته التي له قبل مس الضراء ومرّ عن موقف الدعاء والتضرع لا يرجع إليه.

ومعنى ﴿ كأن لم يدعنا ﴾ كأنه لم يدعنا فخفف وحذف ضمير الشأن ﴿ كذلك ﴾ مثل ذلك التزيين ﴿ زين للمسرفين ما كانوا يعملون ﴾ من تتبع الشهوات.

والمزين هو الله  أو النفس أو الشيطان مفرع عن مسألة الجبر والقدر وقد مر مراراً.

قال العلماء: سمي الكافر مسرفاً لأنه أنفق ماله من الاستعداد الشريف من القوى البدنية والأموال النفيسة في الأمور الخسيسة الزائلة من الأصنام التي هي أحقر من لا شيء، ومن الشهوات الفانية التي لا أصل لها ولا دوام.

والمسرف في اللغة هو الذي ينفق المال الكثير لأجل الغرض الخسيس فصح ما قلنا.

ثم ذكر ما يجري مجرى الردع والزجر لهم عن إلقاء الشبه والأغاليط فقال: ﴿ ولقد أهلكنا القرون ﴾ وقد مضى تفسير القرن في أول الأنعام ﴿ ولما ﴾ ظرف لأهلكنا والواو في ﴿ وجاءتهم ﴾ للحال أي ظلموا بالتكذيب وقد جاءتهم ﴿ رسلهم ﴾ بالدلائل والحجج على صدقهم وهي المعجزات.

وقوله: ﴿ وما كانوا ليؤمنوا ﴾ إما أن يكون عطفاً على ﴿ ظلموا ﴾ أو يكون اعتراضاً واللام لتأكيد النفي، وإن الله قد علم منهم أنهم يصرون على الكفر والسبب في إهلاكهم تكذيب الرسل وعلم الله بإصرارهم ﴿ كذلك ﴾ أي مثل ذلك الجزاء وهو الاستئصال الكلي نجزي كل مجرم، وفيه وعيد لأهل مكة على تكذيبهم رسول الله  .

ثم خاطب الذين بعث إليهم رسول الله  بقوله: ﴿ ثم جعلناكم خلائف ﴾ أي استخلفناكم ﴿ في الأرض ﴾ بعد تلك القرون ﴿ لننظر كيف تعملون ﴾ خيراً أو شراً.

استعير النظر للعمل الحقيقي الذي لا يتطرق إليه شك، ويعني به العلم الذي يتعلق به الجزاء كما مر في "الأعراف".

قال قتادة: صدق الله ربنا ما جعلنا خلفاء إلا لينظر إلى أعمالنا فأروا الله من أعمالكم خيراً بالليل والنهار.

ثم حكى نوعاً ثالثاً من شبهاتهم فقال: ﴿ وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ﴾ أي لا يؤمنون بالمعاد لأن كل من كان مؤمناً بالنشور فإنه يرجو ثواب الله ويخاف عقابه، وانتفاء اللازم دليل انتفاء الملزوم.

طلبوا من الرسول أحد أمرين: إما الإتيان بقرآن غير هذا القرآن مع بقاء هذا القرآن على حاله، إما تبديل هذا القرآن بنسخ بعض الآيات ووضع أخرى في مكانها.

فأمره الله  أن يقول في جوابهم ﴿ ما يكون لي ﴾ أي ما ينبغي وما يحل ﴿ أن أبدله من تلقاء نفسي ﴾ من قبل نفسي فنفى عن نفسه أحد القسمين الذي هو أسهل وأقل ليلزم منه نفي الأصعب الأكثر بالطريق الأولى.

ثم أكد الجواب بقوله: ﴿ إن أتبع ﴾ أي ما أتبع ﴿ إلا ما يوحى إلي ﴾ إن نسخت آية تبعت النسخ وإن بدلت آية مكان آية تبعت التبديل.

وقد تمسك بهذا نفاة القياس ونفاة جواز الاجتهاد وأجيب بأن رجوعهما أيضاً إلى الوحي.

ونقل عن ابن عباس أن قوله: ﴿ إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ﴾ منسوخ بقوله: ﴿ ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر  ﴾ وضعف بأن النسخ إنما يكون في الأحكام والتعبدات لا في ترتيب العقاب على المعصية.

قال المفسرون: هذا الالتماس منهم يحتمل أن يكون على سبيل السخرية.

فقد روى مقاتل والكلبي أنهم خمسة نفر من مشركي مكة وهم المستهزؤون في قوله: ﴿ إنا كفيناك المستهزئين  ﴾ .

ويحتمل أن يكون على سبيل التجربة والامتحان حتى إنه إن فعل ذلك علموا أنه كاذب، أو أرادوا أن هذا القرآن مشتمل على ذم آلهتهم فطلبوا قرآناً آخر لا يكون كذلك.

ثم أكد كون هذا القرآن من عند الله  وأنه غير مستبد في إيراده فقال: ﴿ لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم ﴾ ولا أعلمكم الله ﴿ به ﴾ على لساني.

ومن قرأ بلام الابتداء.

فمعناه ما تلوته أنا عليكم ولأخبركم الله به على لسان غيري، ولكنه يمنّ على من يشاء من عباده فرآني أهلاً لذلك دون غيري.

وقرىء ﴿ لا أدرأكم به ﴾ بالهمزة.

ووجهه أن تكون الهمزة مقلوبة من الألف، أو يكون من الدرء الدفع.

ومعنى ادرأته جعلته دارئاً أي لم أجعلكم بتلاوته خصماً تدرؤنني بالجدال وتكذبونني ﴿ فقد لبثت فيكم عمراً ﴾ أي بعضاً معتبراً من العمر وهو أربعون سنة ﴿ من قبله ﴾ أي من قبل نزول القرآن ﴿ أفلا تعقلون ﴾ فيه قدح في صحة عقولهم لأن ظهور مثل هذا الكتاب العظيم المشتمل على علوم الأوّلين والآخرين المعجز للثقلين عن معارضته على من عرفوا حاله من عدم التعلم والمدارسة ومخالطة العلماء إذا شك فيه أنه من قبيل الوحي والمدد السماوي، كان ذلك إنكاراً للضروريات وافتراء على الله فلهذا قال ﴿ فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ﴾ الآية.

وفيه أن هذا القرآن لو لم يكن من عند الله ثم نسبه الرسول  إلى الله لم يكن أحد أظلم منه.

ثم قبح الله أصنامهم معارضة لهم بنقيض مقصودهم من الالتماس فقال ﴿ ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ﴾ إن لم يعبدوه ﴿ ولا ينفعهم ﴾ إن عبدوه ومن حق المعبود أن يكون مثيباً معاقباً.

وفيه إشعار بأنها جماد، والمعبود لا بد أن يكون أكمل من العابد، وإذا كانت المنافع والمضار كلها من الله فلا تليق العبادة إلا له ﴿ ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ﴾ قد ذكرنا وجه ذلك في أوائل سورة البقرة في قوله: ﴿ فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون  ﴾ ثم أنكر عليهم معتقدهم بقوله: ﴿ قل أتنبئون الله بما لا يعلم ﴾ والمراد أنه لا وجود لكونهم شفعاء إذ لو كان موجوداً لكان معلوماً للعالم بالذات المحيط بجميع المعلومات وهذا مجاز مشهور.

تقول: ما علم الله ذلك مني.

والمقصود أنه ما وجد منك ذلك قط.

وفي قوله: ﴿ في السموات ولا في الأرض ﴾ تأكيد آخر لنفيه لأن ما لم يوجد فيهما فهو منتفٍ معدوم.

قوله: {  وتعالى عما يشركون} إما أن يكون من تمام ما أمر النبي  أن يقول لهم، أو ابتداء كلام من الله  تنزيهاً لنفسه عن إشراكهم أو عن الشركاء الذين يشركونهم به.

ثم بيّن أن عبادة الأصنام بدعة وأن الناس - يعني العرب أو البشر كلهم - كانوا على الدين الحق فاختلفوا.

وقد مر تفسير مثله في سورة البقرة في قوله: ﴿ كان الناس أمة واحدة  ﴾ والمقصود ههنا تقبيح صورة الشرك وعبادة الأصنام من دون الله في أعينهم، وتنفير طباعهم عن مثل هذا الأمر المستحدث الفظيع ﴿ ولولا كلمة سبقت من ربك ﴾ من بناء أمر الثواب والعقاب على التكليف لا على الإلجاء والقسر، أو من تأخير الحكم بينهم إلى يوم القيامة، أو من قوله: "سبقت رحمتي غضبي" ﴿ لقضى بينهم ﴾ عاجلاً ولميز المحق من المبطل.

ثم ذكر نوعاً رابعاً من أغاليطهم فقال: ﴿ ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه ﴾ وقد مر تفسيره في "الأنعام" في قوله: ﴿ لولا نزل عليه آية من ربه  ﴾ كأنهم لم يعتدّوا بالقرآن آية فاقترحوا غيره تعنتاً.

﴿ فقال إنما الغيب لله ﴾ هو المختص بعلمه ﴿ فانتظروا ﴾ نزول ما اقترحتموه وهذا أمر فيه تهديد ووعيد والله ورسوله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ ﴾ يحتمل وجهين: ما لا يضرهم لو تركوا عبادته ولا ينفعهم إن عبدوه.

والثاني: ﴿ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ ﴾ أي: ما لا يملكون الضرر بهم، ﴿ وَلاَ يَنفَعُهُمْ ﴾ أي: ولا يملكون جر النفع إليهم بسفههم في عبادتهم من لا يملك بهم دفع الضرر، ولا يملك جر النفع، وتركهم عبادة من به يكون جميع منافعهم وعذابهم، ومنه يكون كل خوف وضرّ، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقُولُونَ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ : يحتمل هذا القول منهم تقليدا لآبائهم؛ كقولهم: ﴿ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ آبَاءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا  ﴾ ظنوا أن آباءهم لما تركوا وما هم عليه لم يعذبوا - أنهم على الحق، وأن الله قد رضي بذلك، أو قالوا ذلك لما لم يروا أنفسهم أهلا لعبادة الله والقيام بخدمته، وقد يكون مثل هذا في ملوك الأرض أن كل أحد لا يرى نفسه يصلح لخدمة الملك، فيخدم من دونه المتصلين به رجاء أن يكون من خدمه شفيعا له عند الملك؛ فعلى ذلك هؤلاء طمعوا أن عبادتهم هؤلاء تقربهم إلى الله زلفى، ويكونون لهم شفعاء عند الله، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ ٱللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ يقول: أتنبئون الله [أي أتخبرون الله] بما لا يعلم، أي: تعلمون أنه عالم، أي: أتعلمون من تَعْلَمون أنه يعلم ما ذكر وأنتم لا تعلمون ذلك، وقد تعلمون أنه لو كان كذلك لكان هو أعلم به منكم.

والثاني: أن تقولوا ما لا يعلم، أي: يعلم أنه ليس كما تقولون كقول الناس: ما شاء الله كان وما لم يشأ لا يكون، أي: ما شاء ألا يكون لا يكون.

وقوله: ﴿ سُبْحَانَكَ ﴾ : كلمة جعلت لإجلال الله عما يحتمله غيره من الأشكال والأضداد، ومن العيوب والآفات، وهو في هذا الموضع يتوجه إلى وجهين إذ كانوا يعبدون ما ذكر ويقولون: هم شفعاؤنا عند الله، فيقول:  أن يجعل لأمثال أولئك شفاعة عنده؛ إذ الشفيع يكون من له منزلة وقدر عند من يشفع له، والمنزلة تكون [للعبيد بما يتعبدهم]، فيقومون بتوفير ما يحتمل وسعهم من العبادة، فأما من لا يحتمل التعبد فهو بعيد عما ذكر يعني  أن يجعل الشفاعة لمن ذكر دون الأنبياء والرسل، وهم قد أخبروا أنها لا تملك ضرا ولا نفعاً، وفي الشفاعة ذلك.

والثاني: أن يكون عما أشركوا في العبادة، ف  عن أن يكون معه معبود أو يأذن لأحد بعبادة غيره، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَٱخْتَلَفُواْ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: قوله: ﴿ وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ أي: أهل مكة كانوا كلهم أهل شرك عبّاد الأصنام والأوثان، لم يكن فيهم اليهودية ولا النصرانية ولا شيء من اختلاف المذاهب، فلما بعث محمد  اختلفوا: فمنهم من آمن به وصدقه وأخلص دينه لله، ومنهم من عاند وكابر في تكذيبه بعد أن عرف أنه رسول الله ومنهم من شك فيه، ومنهم من لم ينظر في أمره قط ولا تفكر فيه؛ فصاروا أربع فرق.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ ، بالفطرة، أي: كانوا جميعاً على الفطرة، وفي فطرة كل [أحد] الشهادة على وحدانية الله  وألوهيته؛ كقوله: ﴿ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً  ﴾ ، وقوله: ﴿ فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا  ﴾ في خلقة كل أحد الشهادة لله بالوحدانية له والألوهية فاختلفوا: فمنهم من كان على تلك الفطرة، ومنهم من كذب واختار الكفر، وهو ما روي: "كل مولود يولد على الفطرة إلا أن أبويه يهودانه وينصرانه" أخبر أنهم على الفطرة لو تركوا على ذلك، لكن أبويه يمنعانه عن الكون عليها.

وقيل: ﴿ وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ أي: كان الخلائق جملة أمم؛ كقوله: ﴿ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ  ﴾ كأنه يعاتب هذه الأمة يقول: إن الأمم مع اختلاف جواهرها وأجناسها كانوا خاضعين لله مخلصين له، فأنتم أيها الناس أمة من تلك الأمم، فكيف اختلفتم وأشركتم غيره في ألوهيته وربوبيته، مع ما ركب فيكم من العقول والتمييز بين ما هو حكمة وما هو سفه، وقد فضلكم على غيرها من الأمم في خلق ما خلق في السماوات وما في الأرض لكم، وسخر لكم ذلك كله ما لم يفعل ذلك بغيرنا من الأمم؟!

ومنهم من قال من أهل التأويل في قوله: ﴿ وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ : زمن نوح: نوح ومن دخل معه في السفينة كانوا على دين واحد، فاختلفوا بعدما خرجوا.

ومنهم من قال: آدم فاختلف أولاده.

ومنهم من قال: زمن إبراهيم.

لكنا لا نشهد كيف كان الأمر، فلا نعلم إلا بخبر عن الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ قيل: لولا أن من حكمه ألا يعذب هذه الأمة عند تكذيبهم الآيات إذا سألوها وإلا لأهلكها كما أهلك الأمم الخالية بتكذيبهم الآيات عند السؤال، ولكن أخر تعذيب هذه الأمة إلى يوم القيامة.

والثاني: سبقت من ربك ألا يستأصل هذه الأمة عند تكذيبهم الرسل والعناد لهم أحد التأويلين في ترك استئصالهم، والآخر في تأخير العذاب عنهم إلى وقت.

وقوله: ﴿ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ ببيان يضطرهم إلى القبول.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا ٱلْغَيْبُ للَّهِ ﴾ : جوابه - والله أعلم - ما ذكر: لولا كلمة سبقت من ربك ألا يعذب هذه الأمة بتكذيبهم الآيات عند سؤالها، وإلا لعذبتم أنتم كما عذبت الأمم الخالية بتكذيبهم الآيات عند السؤال.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَقُلْ إِنَّمَا ٱلْغَيْبُ للَّهِ ﴾ : أي: إنكم تعلمون أن علم الغيب لله، وقد أنزل من الآيات ما يبين ويدل على رسالتي.

وقوله: ﴿ فَٱنْتَظِرُوۤاْ إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُنتَظِرِينَ ﴾ قيل: انتظروا هلاكي إني منتظر هلاككم؛ لأنهم كانوا يوعدونه الهلاك.

وقيل: انتظروا مواعيد الشيطان إني منتظر مواعيد الله، وهو حرف وعيد، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ويقول المشركون: هلَّا أُنْزِل على محمد آية من ربه دالة على صدقه؟

فقل لهم -أيها الرسول-: نزول الآيات غيب يختص الله بعلمه، فانتظروا ما اقترحتموه من الآيات الحسية، إني معكم من المنتظرين لها.

من فوائد الآيات عظم الافتراء على الله والكذب عليه وتحريف كلامه كما فعل اليهود بالتوراة.

النفع والضر بيد الله عز وجل وحده دون ما سواه.

بطلان قول المشركين بأن آلهتهم تشفع لهم عند الله.

اتباع الهوى والاختلاف على الدين هو سبب الفرقة.

<div class="verse-tafsir" id="91.DBXl2"

مزيد من التفاسير لسورة يونس

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله