الآية ٢٤ من سورة يونس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٢٤ من سورة يونس

إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَـٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلْأَنْعَـٰمُ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَـٰدِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَىٰهَآ أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًۭا فَجَعَلْنَـٰهَا حَصِيدًۭا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلْأَمْسِ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلْـَٔايَـٰتِ لِقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ ٢٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 89 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٤ من سورة يونس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٤ من سورة يونس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ضرب [ تبارك و ] تعالى مثلا لزهرة الحياة الدنيا وزينتها وسرعة انقضائها وزوالها ، بالنبات الذي أخرجه الله من الأرض بما أنزل من السماء من الماء ، مما يأكل الناس من زرع وثمار ، على اختلاف أنواعها وأصنافها ، وما تأكل الأنعام من أب وقضب وغير ذلك ، ( حتى إذا أخذت الأرض زخرفها ) أي : زينتها الفانية ، ( وازينت ) أي : حسنت بما خرج من رباها من زهور نضرة مختلفة الأشكال والألوان ، ( وظن أهلها ) الذين زرعوها وغرسوها ( أنهم قادرون عليها ) أي : على جذاذها وحصادها فبينا هم كذلك إذ جاءتها صاعقة ، أو ريح باردة ، فأيبست أوراقها ، وأتلفت ثمارها ؛ ولهذا قال تعالى : ( أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا ) أي : يبسا بعد [ تلك ] الخضرة والنضارة ، ( كأن لم تغن بالأمس ) أي : كأنها ما كانت حسناء قبل ذلك .

وقال قتادة : ( كأن لم تغن ) كأن لم تنعم .

وهكذا الأمور بعد زوالها كأنها لم تكن ؛ ولهذا جاء في الحديث يؤتى بأنعم أهل الدنيا ، فيغمس في النار غمسة ثم يقال له : هل رأيت خيرا قط ؟

[ هل مر بك نعيم قط ؟

] فيقول : لا .

ويؤتى بأشد الناس عذابا في الدنيا فيغمس في النعيم غمسة ، ثم يقال له : هل رأيت بؤسا قط ؟

فيقول : لا " وقال تعالى إخبارا عن المهلكين : ( فأصبحوا في ديارهم جاثمين كأن لم يغنوا فيها ) [ هود : 94 ، 95 ] .

ثم قال تعالى : ( كذلك نفصل الآيات ) أي : نبين الحجج والأدلة ، ( لقوم يتفكرون ) فيعتبرون بهذا المثل في زوال الدنيا من أهلها سريعا مع اغترارهم بها ، وتمكنهم بمواعيدها وتفلتها منهم ، فإن من طبعها الهرب ممن طلبها ، والطلب لمن هرب منها ، وقد ضرب الله مثل الحياة الدنيا بنبات الأرض ، في غير ما آية من كتابه العزيز ، فقال في سورة الكهف : ( واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا ) [ الكهف : 45 ] ، وكذا في سورة الزمر والحديد يضرب بذلك مثل الحياة الدنيا كماء .

وقال ابن جرير : حدثني الحارث حدثنا عبد العزيز ، حدثنا ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن عبد الرحمن بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال : سمعت مروان - يعني : ابن الحكم - يقرأ على المنبر : " وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها وما كان الله ليهلكها إلا بذنوب أهلها " ، قال : قد قرأتها وليست في المصحف فقال عباس بن عبد الله بن عباس : هكذا يقرؤها ابن عباس .

فأرسلوا إلى ابن عباس فقال : هكذا أقرأني أبي بن كعب .

وهذه قراءة غريبة ، وكأنها زيادة للتفسير .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (24) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: إنما مثل ما تباهون في الدنيا وتفاخرون به من زينتها وأموالها ، مع ما قد وُكِّلَ بذلك من التكدير والتنغيص وزواله بالفناء والموت، ، كمثل ماءٍ أنـزلناه من السماء، يقول: كمطر أرسلناه من السماء إلى الأرض ، (فاختلط به نبات الأرض) ، يقول: فنبت بذلك المطر أنواعٌ من النبات ، مختلطٌ بعضها ببعض، كما:- 17598- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس قوله: (إنما مَثَل الحياة الدنيا كماء أنـزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض) ، قال: اختلط فنبت بالماء كل لون مما يأكل الناس ، كالحنطة والشعير وسائر حبوب الأرض والبقول والثمار، وما يأكله الأنعام والبهائم من الحشيش والمراعي.

(17) * * * وقوله: (حتى إذا أخذت الأرض زخرفها) يعني: ظهر حسنها وبهاؤها (18) ، (وازينت) ، يقول : وتزينت (19) ، ( وظن أهلها) ، يعني: أهل الأرض ، ( أنهم قادرون عليها) ، يعني: على ما أنبتت.

* * * وخرج الخبر عن " الأرض " والمعنى للنبات، إذا كان مفهوما بالخطاب ما عُنِي به.

* * * وقوله: (أتاها أمرنا ليلا أو نهارًا) ، يقول: جاء الأرض ، " أمرنا " ، يعني : قضاؤنا بهلاك ما عليها من النبات ، إما ليلا وإما نهارًا ، (فجعلناها)، يقول: فجعلنا ما عليها ، (حصيدًا) يعني: مقطوعة مقلوعة من أصولها.

(20) * * * ، وإنما هي " محصودة " صرفت إلى " حصيد ".

* * * ، ( كأن لم تغن بالأمس) ، يقول: كأن لم تكن تلك الزروع والنبات على ظهر الأرض نابتةً قائمة على الأرض قبل ذلك بالأمس.

* * * وأصله: من " غَنِيَ فلان بمكان كذا ، يَغْنَى به " ، إذا أقام به، (21) كما قال النابغة الذبياني: غَنِيَــتْ بِـذَلِكَ إِذْ هُـمُ لَـكَ جِـيرَةٌ مِنْهَــا بِعَطْــفِ رِسَــالَةٍ وَتَـوَدُّد (22) * * * يقول: فكذلك يأتي الفناء على ما تتباهون به من دنياكم وزخارفها، فيفنيها ويهلكها كما أهلك أمرُنا وقضاؤنا نبات هذه الأرض بعد حسنها وبهجتها ، حتى صارت كأن لم تغن بالأمس، كأن لم تكن قبل ذلك نباتًا على ظهرها.

يقول الله جل ثناؤها: (كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون) ، يقول: كما بينَّا لكم أيها الناس ، مثل الدنيا وعرّفناكم حكمها وأمرها، كذلك نُبين حججنا وأدلَّتنا لمن تفكَّر واعتبر ونظر.

(23) وخصَّ به أهل الفكر، لأنهم أهل التمييز بين الأمور ، والفحص عن حقائق ما يعرض من الشُّبَه في الصدور.

* * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 17599- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: (حتى إذا أخذت الأرض زخرفها)، الآية، : أي والله، لئن تشبَّثَ بالدنيا وحَدِب عليها ، لتوشك الدنيا أن تلفظه وتقضي منه.

17600- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : ( وازينت) ، قال : أنبتت وحسُنَت .

17601- حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عبد الرحمن بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، قال: سمعت مروان يقرأ على المنبر هذه الآية: (حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا وَمَا كَانَ اللهُ لِيُهْلِكَهَا إِلا بِذُنُوبِ أَهْلِهَا) ، قال: قد قرأتها، وليست في المصحف.

فقال عباس بن عبد الله بن العباس: هكذا يقرؤها ابن عباس.

فأرسلوا إلى ابن عباس فقال: هكذا أقرأني أبيُّ بن كعب.

(24) 17602- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة: ( كأن لم تغن بالأمس ) ، يقول : كأن لم تعشْ ، كأن لم تَنْعَم.

17603- حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا أبو أسامة ، عن إسماعيل قال سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن يقول : في قراءة أبيّ : ( كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ وَمَا أَهْلَكْنَاهَا إِلا بِذُنُوبِ أَهْلِهَا كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (25) * * * واختلفت القراء في قراءة قوله: (وازينت) .

فقرأ ذلك عامة قراء الحجاز والعراق: (وَازَّيَّنَتْ) بمعنى: وتزينت، ولكنهم أدغموا التاء في الزاي لتقارب مخرجيهما، وأدخلوا ألفا ليوصل إلى قراءته، إذ كانت التاء قد سكنت ، والساكن لا يُبْتَدأ به.

* * * وحكي عن أبي العالية ، وأبي رجاء ، والأعرج ، وجماعة أخر غيرهم ، أنهم قرءوا ذلك: (وَأَزْيَنَتْ) على مثال " أفعلت ".

* * * قال أبو جعفر : والصواب من القراءة في ذلك: (وَازَّيَّنَتْ) لإجماع الحجة من القراء عليها.

-------------------------- الهوامش : (17) انظر تفسير " الأنعام " فيما سلف 13 : 280 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(18) انظر تفسير " الزخرف " فيما سلف 12 : 55 ، 56 .

(19) انظر تفسير " الزينة " فيما سلف ص : 37 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(20) انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 277 .

(21) انظر تفسير " غني بالمكان " فيما سلف 12 : 569 ، 570 .

(22) ديوانه : 65 ، وسيأتي في التفسير 12 : 66 ( بولاق ) ، وغيرهما ، من قصيدته المشهورة التي وصف فيها المتجردة ، وقبله : فِــي إثْــرِ غانيـةٍ رَمَتْـكَ بِسَـهْمِاَ فأَصَـابَ قَلْبَـكَ غَـيْرَ أَنْ لَـمْ تَقْصِدِ وكان في المطبوعة : " إذ هم لي جيرة " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو مطابق لرواية ديوانه .

(23) انظر تفسير " تفصيل الآيات " فيما سلف ص : 24 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(24) الأثر : 17601 - " الحارث " ، هو : " الحارث بن أبي أسامة " ، ثقة ، مضى مرارًا .

و " عبد العزيز " ، هو : " عبد العزيز " بن أبان الأموي ، كذاب خبيث ، وضاع للأحاديث ، مضى مرارًا ، آخرها رقم : 14333 .

وأما " عبد الرحمن بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام " ، فلم أجحد له ذكرا في التوراة .

وأبوه " أبو بكر بن عبد الرحمن " ، " راهب قريش " ، ثقة ، عالم ، عاقل ، سخي ، كثير الحديث ، أحد فقهاء المدينة السبعة .

ترجم له ابن حجر في التهذيب ، وابن سعد في الطبقات 5 : 153 والزبيري في نسب قريش : 303 ، 304 .

وذكر ابن سعد ولده فقال : " فولد أبو بكر : عبد الرحمن لا بقية له ، وعبد الله ، وعبد الملك ، وهشاما .

.

.

" .

ولم يذكر ذلك الزبيري في نسب قريش ، ولكنه ذكر قصة قال في أولها " فقال لابنه عبد الله اذهب إلى عمك المغيرة بن عبد الرحمن .

.

.

" ثم قال في نفس القصة بعد قليل : " فذهب عبد الرحمن بن أبي بكر بن عبد الرحمن " : " وسماه ابن سعد لما عد أولاد ، أبي بكر بن عبد الرحمن : عبد الرحمن " ، ولكن نص ابن سعد مخالف لما قال الحافظ ابن حجر فهما عنده رجلان بلا شك في ذلك .

ولم أجد ما أستقصي من الأخبار حتى أفضل في هذا الاختلاف .

و " عبد الله بن أبي بكر بن عبد الرحمن " ، ليس بثقة .

و " مروان " ، هو : " مروان بن الحكم " .

وهذا الخبر كما ترى ، هالك الإسناد من نواحيه .

والقراءة التي فيه إذا صحت من غير هذا الطريق الهالك ، فهي قراءة تفسير ، كما هو معروف ، وكما أشرنا إليه مرارًا في أشباهها .

ولا يجل لقارئ أنة يقرأ بمثلها على أنها نص التلاوة ، لشذوذها ، ولمخالفتها رسم المصحف بالزيادة ، بغير حجة يجب التسليم لها .

(25) الأثر : 17603 - " أبو أسامة " ، هو " حماد بن أسامة بن يزيد القرشي " ، ثقة ، روى له الجماعة مضى مرارًا .

" وإسماعيل " ، هو " إسماعيل بن أبي خالد الأحمسي " ، ثقة ، روى له الجماعة ، مضى مرارًا .

وأما " أبو سلمة بن عبد الرحمن " ، فلم يسمع من أبي بن كعب .

فهو إسناد مرسل .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون[ ص: 240 ] قوله تعالى إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء معنى الآية التشبيه والتمثيل ، أي صفة الحياة الدنيا في فنائها وزوالها وقلة خطرها والملاذ بها كماء ; أي مثل ماء ، فالكاف في موضع رفع .

وسيأتي لهذا التشبيه مزيد بيان في " الكهف " إن شاء الله تعالى .أنزلناه من السماء نعت ل ( ماء ) فاختلط روي عن نافع أنه وقف على فاختلط أي فاختلط الماء بالأرض ، ثم ابتدأ به نبات الأرض أي بالماء نبات الأرض ; فأخرجت ألوانا من النبات ، فنبات على هذا ابتداء ، وعلى مذهب من لم يقف على فاختلط مرفوع باختلط ; أي اختلط النبات بالمطر ، أي شرب منه فتندى وحسن واخضر .

والاختلاط تداخل الشيء بعضه في بعض .قوله تعالى مما يأكل الناس من الحبوب والثمار والبقول ، والأنعام من الكلإ والتبن والشعير .حتى إذا أخذت الأرض زخرفها أي حسنها وزينتها .

والزخرف كمال حسن الشيء ; ومنه قيل للذهب : زخرف .وازينت أي بالحبوب والثمار والأزهار ; والأصل تزينت أدغمت التاء في الزاي وجيء بألف الوصل ; لأن الحرف المدغم مقام حرفين الأول منهما ساكن والساكن لا يمكن الابتداء به .

وقرأ ابن مسعود وأبي بن كعب " وتزينت " على الأصل .

وقرأ الحسن والأعرج وأبو العالية " وأزينت " أي أتت بالزينة عليها ، أي الغلة والزرع ، وجاء بالفعل على أصله ولو أعله لقال وازانت .

وقال عوف بن أبي جميلة الأعرابي : قرأ أشياخنا " وازيانت " وزنه اسوادت .

وفي رواية المقدمي " وازاينت " والأصل فيه تزاينت ، وزنه تقاعست ثم أدغم .

وقرأ الشعبي وقتادة " وأزينت " مثل أفعلت .

وقرأ أبو عثمان النهدي " وازينت " مثل افعلت ، وعنه أيضا " وازيانت " مثل افعالت ، وروي عنه " ازيأنت " بالهمزة ; ثلاث قراءات .قوله تعالى وظن أهلها أي أيقن .أنهم قادرون عليها أي على حصادها والانتفاع بها ; أخبر عن الأرض والمعني النبات إذ كان مفهوما وهو منها .

وقيل : رد إلى الغلة ، وقيل : إلى الزينة .أتاها أمرنا أي عذابنا ، أو أمرنا بهلاكها ليلا أو نهارا ظرفان فجعلناها حصيدا مفعولان ، أي محصودة مقطوعة لا شيء فيها .

وقال حصيدا ولم يؤنث لأنه فعيل بمعنى مفعول .

قال أبو عبيد : الحصيد المستأصل .كأن لم تغن بالأمس أي لم تكن عامرة ; من " غني " إذا أقام فيه وعمره .

والمغاني في اللغة : المنازل التي يعمرها الناس .

وقال قتادة : كأن لم تنعم .

قال لبيد :[ ص: 241 ]وغنيت سبتا قبل مجرى داحس لو كان للنفس اللجوج خلودوقراءة العامة تغن بالتاء لتأنيث الأرض .

وقرأ قتادة " يغن " بالياء ، يذهب به إلى الزخرف ; يعني فكما يهلك هذا الزرع هكذا كذلك الدنيا .نفصل الآيات أي نبينها لقوم يتفكرون في آيات الله .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وهذا المثل من أحسن الأمثلة، وهو مطابق لحالة الدنيا، فإن لذاتها وشهواتها وجاهها ونحو ذلك يزهو لصاحبه إن زها وقتًا قصيرًا، فإذا استكمل وتم اضمحل، وزال عن صاحبه، أو زال صاحبه عنه، فأصبح صفر اليدين منها، ممتلئ القلب من همها وحزنها وحسرتها‏.‏ فذلك ‏{‏كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ‏}‏ أي‏:‏ نبت فيها من كل صنف، وزوج بهيج ‏{‏مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ‏}‏ كالحبوب والثمار ‏{‏و‏}‏ مما تأكل ‏{‏الْأَنْعَامِ‏}‏ كأنواع العشب، والكلأ المختلف الأصناف‏.‏ ‏{‏حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ‏}‏ أي‏:‏ تزخرفت في منظرها، واكتست في زينتها، فصارت بهجة للناظرين، ونزهة للمتفرجين، وآية للمتبصرين، فصرت ترى لها منظرًا عجيبًا ما بين أخضر، وأصفر، وأبيض وغيره‏.‏ ‏{‏وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا‏}‏ أي‏:‏ حصل معهم طمع، بأن ذلك سيستمر ويدوم، لوقوف إرادتهم عنده، وانتهاء مطالبهم فيه‏.‏ فبينما هم في تلك الحالة ‏{‏أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ‏}‏ أي‏:‏ كأنها ما كانت فهذه حالة الدنيا، سواء بسواء‏.‏ ‏{‏كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ‏}‏ أي‏:‏ نبينها ونوضحها، بتقريب المعاني إلى الأذهان، وضرب الأمثال ‏{‏لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ‏}‏ أي‏:‏ يعملون أفكارهم فيما ينفعهم‏.‏ وأما الغافل المعرض، فهذا لا تنفعه الآيات، ولا يزيل عنه الشك البيان‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( إنما مثل الحياة الدنيا ) في فنائها وزوالها ، ( كماء أنزلناه من السماء فاختلط به ) أي : بالمطر ، ( نبات الأرض ) قال ابن عباس : نبت بالماء من كل لون ، ( مما يأكل الناس ) من الحبوب والثمار ، ( والأنعام ) من الحشيش ، ( حتى إذا أخذت الأرض زخرفها ) حسنها وبهجتها ، وظهر الزهر أخضر وأحمر وأصفر وأبيض ( وازينت ) أي : تزينت ، وكذلك هي في قراءة ابن مسعود : " تزينت " .

( وظن أهلها أنهم قادرون عليها ) على جذاذها وقطافها وحصادها ، رد الكناية إلى الأرض .

والمراد : النبات إذ كان مفهوما ، وقيل : ردها إلى الغلة .

وقيل : إلى الزينة .

( أتاها أمرنا ) قضاؤنا ، بإهلاكها ، ( ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا ) أي : محصودة مقطوعة ، ( كأن لم تغن بالأمس ) كأن لم تكن بالأمس ، وأصله من غني بالمكان إذا أقام به .

وقال قتادة : معناه أن المتشبث بالدنيا يأتيه أمر الله وعذابه أغفل ما يكون .

( كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إنما مَثَل» صفة «الحياة الدنيا كماء» مطر «أنزلناه من السماء فاختلط به» بسببه «نبات الأرض» واشتبك بعضه ببعض «مما يأكل الناس» من البرّ والشعير وغيرهما «والأنعام» من الكلأ «حتى إذا أخذت الأرض زخرفها» بهجتها من النبات «وازَّيَّنت» بالزهر، وأصله تزينت، أبدلت التاء زايا وأدغمت في الزاي «وظن أهلها أنهم قادرون عليها» متمكنون من تحصيل ثمارها «أتاها أمرنا» قضاؤنا أو عذابنا «ليلا أو نهارا فجعلناها» أي زرعها «حصيدا» كالمحصود بالمناجل «كأن» مخففة أي كأنها «لم تغن» تكن «بالأمس كذلك نفصَّل» نبين «الآيات لقوم يتفكرون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إنما مثل الحياة الدنيا وما تتفاخرون به فيها من زينة وأموال، كمثل مطر أنزلناه من السماء إلى الأرض، فنبتت به أنواع من النبات مختلط بعضها ببعض مما يقتات به الناس من الثمار، وما تأكله الحيوانات من النبات، حتى إذا ظهر حُسْنُ هذه الأرض وبهاؤها، وظن أهل هذه الأرض أنهم قادرون على حصادها والانتفاع بها، جاءها أمرنا وقضاؤنا بهلاك ما عليها من النبات، والزينة إما ليلا وإما نهارًا، فجعلنا هذه النباتات والأشجار محصودة مقطوعة لا شيء فيها، كأن لم تكن تلك الزروع والنباتات قائمة قبل ذلك على وجه الأرض، فكذلك يأتي الفناء على ما تتباهَون به من دنياكم وزخارفها فيفنيها الله ويهلكها.

وكما بيَّنا لكم -أيها الناس- مَثَلَ هذه الدنيا وعرَّفناكم بحقيقتها، نبيِّن حججنا وأدلتنا لقوم يتفكرون في آيات الله، ويتدبرون ما ينفعهم في الدنيا والآخرة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ساق - سبحانه - مثلا لمتاع الحياة الدنيا والزائل ، ولزخرفها الفانى ، فقال - تعالى - :( إِنَّمَا مَثَلُ الحياة الدنيا كَمَآءٍ أَنزَلْنَاهُ .

.

.

)قوله - سبحانه - ( إِنَّمَا مَثَلُ .

.

.

) المثًل بمعنى المِثْل ، والمِثْل : النظير والشبيه ، ثم اطلق على القول السائر بالمعروف لمماثلة مضربه - وهو الذى يضرب فيه - لمورده الذى ورد فيه أولا ، ولا يكون إلا فيما فيه غرابة ، ثم استعير للصفة أو الحال أو القصة إذاكان لها شأن عجيب وفيها غرابة ، وعلى هذا المعنى يحمل المثل في هذه الآية وأشباهها .والأمثال إنما تضرب لتوضيح المعنى الخفي ، وتقريب الشيء المعقول من الشىء المحسوس ، وعرض الأمر الغائب فى صورة المشاهد ، فيكون المعنى الذى ضرب له المثل أوقع فى القلوب ، وأثبت فى النفوس .والمعنى : إنما صفة الحياة الدنيا وحالها في سرعة زوالها ، وانصرام نعيمها بعد إقباله .

كحال ماء ( أَنزَلْنَاهُ مِنَ السمآء فاختلط بِهِ نَبَاتُ الأرض ) أى : فكثر بسببه نبات الأرض حتى التف وتشابك بعضه ببعض لازدهاره وتجاوزه ونمائه .وشبه - سبحانه - الحياة الدنيا بماء السماء دون ماء الأرض ، لأن ماء السماء وهو المطر لا تأثير لكسب العبد فيه بزيادة أو نقص - بخلاف ماء الأرض - فكان تشبيه الحياة به أنسب .وقوله : ( مِمَّا يَأْكُلُ الناس والأنعام ) معناه : وهذا النبات الذى نما وازدهر بسبب نزول المطر من السماء ، بعضه مما يأكله الناس كالبقول والفواكه .

وبعضه مما تأكله الأنعام كالحشائش والأعشاب المختلفة .وجملة ( مِمَّا يَأْكُلُ الناس والأنعام ) حال من النبات .وقوله : ( حتى إِذَآ أَخَذَتِ الأرض زُخْرُفَهَا وازينت .

.

) تصوير بديع لما صارت عليه الأرض بعد نزول الماء عليها ، وبعد أن أنبتت من كل زوج بهيج .ولفظ ( حتى ) غاية لمحذوف : أي نزل المطر من السماء فاهتزت الأرض وربت وأنبتت النبات الذى ما زال ينمو ويزدهر حتى أخذت الأرض زخرفها .والزخرف : الذهب وكمال حسن الشيء .

ومن القول أحسنه ، ومن الأرض ألوان نباتها .أى : حتى إذا استوفت الأرض حسنها وبهاءها وجمالها ، وازينت بمختلف أنواع النباتات ذات المناظر البديعة ، والأولان المتعددة .قال صاحب الكشاف : " وهو كلام فصيح .

جعلت الأرض آخذة زخرفها وزينتها على التمثيل بالعروس إذا أخذت الثياب الفاخرة من كل لون فاكتستها ، وتزينت بغيرها من ألوان الزينة ، أصل ازينت تزينت " .وقوله : ( وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ ) أي : وظن أهل تلك الأرض الزاخرة بالنباتات النافعة .

أنهم قادرون على قطف ثمارها ، ومتمكنون من التمتع بخيراتها ، ومن الانتفاع بغلاتها .وقوله : ( أَتَاهَآ أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً .

.

) تصوير معجز لما أصاب زرعها من هلاك بعد نضرته واستوائه و ( أو ) للتنويع أي : تارة يأتي ليلا وتارة يأتي نهارا .والجملة الكريمة جواب إذا في قوله ( حتى إِذَآ أَخَذَتِ الأرض زُخْرُفَهَا .

.

) .أى : بعد أن بلغت الأرض الذروة فى الجمال وفى تعلق الآمال بمنافع زروعها ، أتاها قضاؤنا النافذة ، وأمرنا المقدر لإِهلاكها بالليل وأصحابها نائمون ، أو بالنهار وهم لا هون ، فجعلناها بما عليها كالأرض المحصودة ، التي استؤصل زرعها .وقوله : ( كَأَن لَّمْ تَغْنَ بالأمس ) تأكيد لهلاكها واستئصال ما عليها من نبات بصورة سريعة حاسمة .أي : جعلناهها كالأرض المحصودة التي قطع زرعها ، حتى لكأنها لم يكن بها منذ وقت قريب : الزرع النضير ، والنبات البهيج ، الباسق ، والطلع النضيد .قال القرطبى قوله : ( كَأَن لَّمْ تَغْنَ بالأمس ) أي : لم تكن عامرة .

من غني بالمكان إذا أقام فيه وعمره ، والمغانى فى اللغة : المنازل التى يعمرها الناس .وقال ابن كثير : قوله : ( كَأَن لَّمْ تَغْنَ بالأمس ) أي كأنها ما كانت حينا قبل ذلك ، وهكذا الأمور بعد زوالها كأنها لم تكنن ولهذا جاء فى الحديث الشريف : " يؤتى بأنعم أهل الدنيا فيغمس فى النار غمسة فيقال له : هل رأيت خيرا قط؟

هل مر بك نعيم قط؟

فيقول لا .

ويؤتى بأشد الناس عذابا فى الدنيا فيغمس في النعيم غمسة ثم يقال له : هل رأيت بؤسا قط فيقول لا " .والمراد بالأمس هنا : الوقت الماضى القريب : لا خصوص اليوم الذى قبل يومك .وقوله : ( كذلك نُفَصِّلُ الآيات لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) تذييل قصد به الحض على التفكير والاعتبار .أى : كهذا المثل في وضوحه وبيانه لحال الحياة الدنيا ، وقصر مدة التمتع بها نفصل الآيات ونضرب الأمثال الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا لقوم يحسنون التفكير والتدبر في ملكوت السموات والأرض .قال الجمل ما ملخصه : " وهذه الآية مثل ضربه الله - تعالى - للمتشبث فى الدنيا الراغب في زهرتها وحسنها .

.

ووجه التمثيل أن غاية هذه الدنيا التى ينتفع بها المرء ، كناية عن هذا النبات الذى لما عظم الرجاء في الانتفاع به ، وقع اليأس منه ، ولأن المتمسك بالدنيا إذا نال منها بغيته أتاه الموت بغتة فسلبه ما هو فيه من نعيم الدنيا ولذتها " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى لما قال: ﴿ يا أيها الناس إِنَّمَا بَغْيُكُمْ على أَنفُسِكُمْ مَّتَاعَ الحياة الدنيا  ﴾ أتبعه بهذا المثل العجيب الذي ضربه لمن يبغي في الأرض ويغتر بالدنيا، ويشتد تمسكه بها، ويقوي إعراضه عن أمر الآخرة والتأهب لها، فقال: ﴿ إِنَّمَا مَثَلُ الحياة الدنيا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السماء فاختلط بِهِ نَبَاتُ الارض ﴾ وهذا الكلام يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون المعنى فاختلط به نبات الأرض بسبب هذا الماء النازل من السماء، وذلك لأنه إذا نزل المطر ينبت بسببه أنواع كثيرة من النبات، وتكون تلك الأنواع مختلطة، وهذا فيما لم يكن نابتاً قبل نزول المطر.

والثاني: أن يكون المراد منه الذي نبت، ولكنه لم يترعرع، ولم يهتز.

وإنما هو في أول بروزه من الأرض ومبدأ حدوثه، فإذا نزل المطر عليه، واختلط بذلك المطر، أي اتصل كل واحد منهما بالآخر اهتز ذلك النبات وربا وحسن، وكمل واكتسى كمال الرونق والزينة، وهو المراد من قوله تعالى: ﴿ حتى إِذَا أَخَذَتِ الارض زُخْرُفَهَا وازينت ﴾ وذلك لأن التزخرف عبارة عن كمال حسن الشيء.

فجعلت الأرض آخذة زخرفها على التشبيه بالعروس إذا لبست الثياب الفاخرة من كل لون، وتزينت بجميع الألوان الممكنة في الزينة من حمرة وخضرة وصفرة وذهبية وبياض، ولا شك أنه متى صار البستان على هذا الوجه، وبهذه الصفة، فإنه يفرح به المالك ويعظم رجاؤه في الانتفاع به، ويصير قلبه مستغرقاً فيه، ثم إنه تعالى يرسل على هذا البستان العجيب آفة عظيمة دفعة واحدة في ليل أو نهار من برد، أو ريح أو سيل، فصارت تلك الأشجار والزروع باطلة هالكة كأنها ما حصلت ألبتة.

فلا شك أنه تعظم حسرة مالك ذلك البستان ويشتد حزنه، فكذلك من وضع قلبه على لذات الدنيا وطيباتها، فإذا فاتته تلك الأشياء يعظم حزنه وتلهفه عليها.

واعلم أن تشبيه الحياة الدنيا بهذا النبات يحتمل وجوهاً لخصها القاضي رحمه الله تعالى.

الوجه الأول: أن عاقبة هذه الحياة الدنيا التي ينفقها المرء في باب الدنيا كعاقبة هذا النبات الذي حين عظم الرجاء في الانتفاع به وقع اليأس منه، لأن الغالب أن المتمسك بالدنيا إذا وضع عليها قلبه وعظمت رغبته فيها يأتيه الموت.

وهو معنى قوله تعالى: ﴿ حتى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أخذناهم بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ  ﴾ خاسرون الدنيا، وقد أنفقوا أعمارهم فيها، وخاسرون من الآخرة، مع أنهم متوجهون إليها.

والوجه الثاني: في التشبيه أنه تعالى بين أنه كما لم يحصل لذلك الزرع عاقبة تحمد، فكذلك المغتر بالدنيا المحب لها لا يحصل له عاقبة تحمد.

والوجه الثالث: أن يكون وجه التشبيه مثل قوله سبحانه: ﴿ وَقَدِمْنَا إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً  ﴾ فلما صار سعي هذا الزراع باطلاً بسبب حدوث الأسباب المهلكة، فكذلك سعي المغتر بالدنيا.

والوجه الرابع: أن مالك ذلك البستان لما عمره بأتعاب النفس وكد الروح، وعلق قلبه على الانتفاع به، فإذا حدث ذلك السبب المهلك، وصار العناء الشديد الذي تحمله في الماضي سبباً لحصول الشقاء الشديد له في المستقبل، وهو ما يحصل له في قلبه من الحسرات.

فكذلك حال من وضع قلبه على الدنيا وأتعب نفسه في تحصيلها، فإذا مات، وفاته كل ما نال، صار العناء الذي تحمله في تحصيل أسباب الدنيا، سبباً لحصول الشقاء العظيم له في الآخرة.

والوجه الخامس: لعله تعالى إنما ضرب هذا المثل لمن لا يؤمن بالمعاد، وذلك لأنا نرى الزرع الذي قد انتهى إلى الغاية القصوى في التربية، قد بلغ الغاية في الزينة والحسن.

ثم يعرض للأرض المتزينة به آفة، فيزول ذلك الحسن بالكلية، ثم تصير تلك الأرض موصوفة بتلك الزينة مرة أخرى.

فذكر هذا المثال ليدل عل أن من قدر على ذلك، كان قادراً على إعادة الأحياء في الآخرة ليجازيهم على أعمالهم، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.

المسألة الثانية: المثل: قول يشبه به حال الثاني بالأول، ويجوز أن يكون المراد من المثل الصفة.

والتقدير: إنما صفة الحياة الدنيا.

وأما قوله: ﴿ وازينت ﴾ فقال الزجاج: يعني تزينت فأدغمت التاء في الزاي وسكنت الزاي فاجتلب لها ألف الوصل، وهذا مثل ما ذكرنا في قوله: ﴿ ادارأتم  ﴾ ﴿ اداركوا  ﴾ .

وأما قوله: ﴿ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا ﴾ فقال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد أن أهل تلك الأرض قادرون على حصادها وتحصيل ثمراتها.

والتحقيق أن الضمير وإن كان في الظاهر عائداً إلى الأرض، إلا أنه عائد إلى النبات الموجود في الأرض.

وأما قوله: ﴿ أَتَاهَا أَمْرُنَا ﴾ فقال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد عذابنا.

والتحقيق أن المعنى أتاها أمرنا بهلاكها.

وقوله: ﴿ فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا ﴾ قال ابن عباس: لا شيء فيها، وقال الضحاك: يعني المحصود.

وعلى هذا، المراد بالحصيد الأرض التي حصد نبتها، ويجوز أن يكون المراد بالحصيد النبات، قال أبو عبيدة: الحصيد المستأصل، وقال غيره: الحصيد المقطوع والمقلوع.

وقوله: ﴿ كَأَن لَّمْ تَغْنَ بالامس ﴾ قال الليث: يقال للشيء إذا فنى: كأن لم يغن بالأمس.

أي كأن لم يكن من قولهم غني القوم في دارهم، إذا أقاموا بها، وعلى هذا الوجه يكون هذا صفة للنبات.

وقال الزجاج: معناه: كأن لم تعمر بالأمس، وعلى هذا الوجه فالمراد هو الأرض، وقوله: ﴿ كذلك نُفَصّلُ الآيات ﴾ أي نذكر واحدة منها بعد الأخرى، على الترتيب.

ليكون تواليها وكثرتها سبباً لقوة اليقين، وموجباً لزوال الشك والشبهة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

هذا من التشبيه المركب، شبهت حال الدنيا في سرعة تقضيها وانقراض نعيمها بعد الإقبال، بحال نبات الأرض في جفافه وذهابه حطاماً بعد ما التف وتكاثف، وزين الأرض بخضرته ورفيفه ﴿ فاختلط بِهِ ﴾ فاشتبك بسببه حتى خالط بعضه بعضاً ﴿ أَخَذَتِ الأرض زُخْرُفَهَا وازينت ﴾ كلام فصيح: جعلت الأرض آخذة زخرفها على التمثيل بالعروس، إذا أخذت الثياب الفاخرة من كل لون، فاكتستها وتزينت بغيرها من ألوان الزين.

وأصل ﴿ ازّينت ﴾ تزينت، فأدغم.

وبالأصل قرأ عبد الله.

وقرئ: ﴿ وأزينت ﴾ ، أي أفعلت، من غير إعلال الفعل كأغيلت أي صارت ذات زينة.

وازيانت، بوزن ابياضت ﴿ قَادِرُونَ عَلَيْهَا ﴾ متمكنون من منفعتها محصلون لثمرتها، رافعون لعلتها ﴿ أَتَاهَا أَمْرُنَا ﴾ وهو ضرب زرعها ببعض العاهات بعد أمنهم واستيقانهم أنه قد سلم ﴿ فَجَعَلْنَاهَا ﴾ فجعلنا زرعها ﴿ حَصِيداً ﴾ شبيهاً بما يحصد من الزرع في قطعه واستئصاله ﴿ كَأَن لَّمْ تَغْنَ ﴾ كأن لم يغن زرعها، أي لم ينبت على حذف المضاف في هذه المواضع لابد منه، وإلاّ لم يستقم المعنى.

وقرأ الحسن: ﴿ كأن لم يغن ﴾ بالياء على أن الضمير للمضاف المحذوف، الذي هو الزرع.

وعن مروان أنه قرأ على المنبر: ﴿ كأن لم تتغن ﴾ بالأمس، من قول الأعشى: طَوِيلُ الثّوَاءِ طَوِيلُ التَّغَنِّي والأمس مثل في الوقت القريب كأنه قيل: كأن لم تغن آنفاً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ حالُها العَجِيبَةُ في سُرْعَةِ تَقَضِّيها وذَهابِ نَعِيمِها بَعْدَ إقْبالِها واغْتِرارِ النّاسِ بِها.

﴿ كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ ﴾ فاشْتَبَكَ بِسَبَبِهِ حَتّى خالَطَ بَعْضُهُ بَعْضًا.

﴿ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ ﴾ مِنَ الزُّرُوعِ والبُقُولِ والحَشِيشِ.

﴿ حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها ﴾ حُسْنَها وبَهْجَتَها.

﴿ وازَّيَّنَتْ ﴾ تَزَيَّنَتْ بِأصْنافِ النَّباتِ وأشْكالِها وألْوانِها المُخْتَلِفَةِ كَعَرُوسٍ أخَذَتْ مِن ألْوانِ الثِّيابِ والزِّيَنِ فَتَزَيَّنَتْ بِها، ﴿ وازَّيَّنَتْ ﴾ أصْلُهُ تَزَيَّنَتْ فَأُدْغِمَ وقَدْ قُرِئَ عَلى الأصْلِ « وأزْيَنَتْ» عَلى أفْعَلَتْ مِن غَيْرِ إعْلالٍ كَأغْيَلَتْ، والمَعْنى صارَتْ ذاتَ زِينَةٍ « وازْيانَتْ» كابْياضَّتْ.

﴿ وَظَنَّ أهْلُها أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها ﴾ مُتَمَكِّنُونَ مِن حَصْدِها ورَفْعِ غَلَّتِها.

﴿ أتاها أمْرُنا ﴾ ضَرَبَ زَرْعَها ما يَجْتاحُهُ.

﴿ لَيْلا أوْ نَهارًا فَجَعَلْناها ﴾ فَجَعَلْنا زَرْعَها.

﴿ حَصِيدًا ﴾ شَبِيهًا بِما حُصِدَ مِن أصْلِهِ.

﴿ كَأنْ لَمْ تَغْنَ ﴾ كَأنْ لَمْ يَغْنَ زَرْعُها أيْ لَمْ يَلْبَثْ، والمُضافُ مَحْذُوفٌ في المَوْضِعَيْنِ لِلْمُبالَغَةِ وقُرِئَ بِالياءِ عَلى الأصْلِ.

﴿ بِالأمْسِ ﴾ فِيما قَبِيلُهُ وهو مَثَلٌ في الوَقْتِ القَرِيبِ والمُمَثَّلِ بِهِ مَضْمُونُ الحِكايَةِ وهو زَوالُ خُضْرَةِ النَّباتِ فَجْأةً وذَهابُهُ حُطامًا بَعْدَ ما كانَ غَضًّا والتَفَّ، وزَيَّنَ الأرْضَ حَتّى طَمِعَ فِيهِ أهْلُهُ وظَنُّوا أنَّهُ قَدْ سَلِمَ مِنَ الجَوائِحِ لا الماءِ وإنْ ولِيَهُ حَرْفُ التَّشْبِيهِ لِأنَّهُ مِنَ التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ.

﴿ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ فَإنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤)

{إِنَّمَا مَثَلُ الحياة الدنيا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السماء} من السحاب {فاختلط بِهِ} بالماء {نَبَاتُ الأرض} أي فاشتبك بسببه حتى خالط بعضه بعضاً {مِمَّا يَأْكُلُ الناس} يعني الحبوبِ والثمار والبقول {والأنعام} يعني الحشيش {حتى

إِذَا أَخَذَتِ الأرض زُخْرُفَهَا} زينتها بالنبات واختلاف ألوانه {وازينت} وتزينت به وهو أصله وأدغمت التاء في الزاي وهو كلام فصيح جعلت الأرض آخذة زخرفها على التمثيل بالعروس إذا أخذت الثياب الفاخرة من كل لون فاكتستها وتزينت بغيرها من

يونس (٢٤ _ ٢٥)

ألوان الزين {وَظَنَّ أَهْلُهَا} أهل الأرض {أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا} متمكنون من منفعتها محصلون لثمرتها رافعون لغلتها {أَتَاهَا أَمْرُنَا} عذابنا وهو ضرب زرعها ببعض العاهات بعد أمنهم واستيقانهم أنه قد سلم {ليلا أو نهارا فجعلناها} فجعلنا زرعها {حَصِيداً} شبيهاً بما يحصد من الزرع في قطعه واستئصاله {كَأَن لَّمْ تَغْنَ} كأن لم يغن زرعها أي لم يلبث حذف المضاف فى هذه المواضع لا بدمنه ليستقيم المعنى {بالأمس} هو مثل في الوقت القريب كأنه قيل كأن لم تغن آنفاً {كذلك نُفَصّلُ الآيات لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} فينتفعون بضرب الأمثال وهذا من التشبيه المركب شبهت حال الدنيا في سرعة تقضيها وانقراض نعيمها بعد الإقبال بحال نبات الأرض في جفاقه وذهابه حطاماً بعدما التف وتكاثف وزين الأرض بخضرته ورفيفه وحكمة التشبيه التنبيه على أن الحياة صفوها شبيتها وكدرها شيبتها كما أن صفوالماء في أعلى الإناء قال

ألم تر أن العمر كأس سلافة ...

فأوله صفو وآخره كدْر

وحقيقة تزيين جثة الطين بمصالح الدنيا والدين كاختلاط النبات على اختلاف التلوين فالطينة الطيبة تنبت بساتين الانس ورياحين الرحوح وزهرة الزهد وكروم الكرم وحبوب الحب وحدائق الحقيقة وشقائق الطريقة

والخبيثة تخرج خلاف الخلف وثمام الاثم وشوك الشرك وشيح الشح وحطب العطب ولعاع اللعب ثم يدعوه معاده كما يحين للحرث حصاده فتزاليه الحياة مغتراً كما يهيج النبات مصفراً فتغيب جثته في الرمس كأن لم تغن بالأمس إلى أن يعود ربيع البعث وموعد العرض والبحث وكذلك حال الدنيا كالماء ينفع قليله ويهلك كثيره ولا بد من ترك مازاد كما لا بد من أخذ الزاد وآخذ المال لا يخلوا من زلة كما أن خائض الماء لا ينجو من بلة وجمعه وإمساكه تلف صاحبه وإهلاكه فما دون النصاب كضحضاح ماء يجاوز بلا احتماء والنصاب كنهر حائل بين المجتاز والجواز إلى المفاز لا يمكن إلا بقنطرة وهى الزكاة وعمارتها بذل الصلاة فمتى اختلت القنطرة غرّقته أمواج القناطير المقنطرة وعن هذا قال عليه السلام الزكاة قنطرة الإسلام وكذا المال يساعد الأوغاد دون الأمجاد كما أن الماء يجمتع فى الوهاد دون النجاد وكذالك المال لا يجتمع إلا بكد البخيل كما أن الماء لا يجتمع إلا بسد المسيل ثم يفنى ويتلف ولا يبقى كالماء في الكف

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لِبَيانِ شَأْنِ الحَياةِ الدُّنْيا وقِصَرِ مُدَّةِ التَّمَتُّعِ فِيها وأصْلُ المَثَلِ ما شُبِّهَ مَضْرِبُهُ بِمَوْرِدِهِ يُسْتَعارُ لِلْأمْرِ العَجِيبِ المُسْتَغْرَبِ أيْ إنَّما حالُها في سُرْعَةِ تَقَضِّيها وانْصِرامِ نَعِيمِها بَعْدَ إقْبالِها واغْتِرارِ النّاسِ بِها ﴿ كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ ﴾ أيْ فَكَثُرَ بِسَبَبِهِ ﴿ نَباتُ الأرْضِ ﴾ حَتّى التَفَّ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ فالباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ ومِنهم مَن أبْقاها عَلى المُصاحَبَةِ وجَعَلَ الِاخْتِلاطَ بِالماءِ نَفْسِهِ فَإنَّهُ كالغِذاءِ لِلنَّباتِ فَيَجْرِي فِيهِ ويُخالِطُهُ والأوَّلُ هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ﴿ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ ﴾ كالبُقُولِ والزُّرُوعِ والحَشِيشِ والمَراعِي والجارُّ والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ النَّباتِ ﴿ حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ ﴾ أيِ اسْتَوْفَتْ واسْتَكْمَلَتْ زُخْرُفَها أيْ حُسْنَها وبَهْجَتَها ﴿ وازَّيَّنَتْ ﴾ بِأصْنافِ النَّباتِ وأشْكالِها وألْوانِها المُخْتَلِفَةِ: كَأذْيالِ خَوْدٍ أقْبَلَتْ في غَلائِلَ مُصْبَغَةٍ والبَعْضُ أقْصَرُ مِن بَعْضٍ وقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ في الكَلامِ اسْتِعارَةً بِالكِنايَةِ حَيْثُ شُبِّهَتِ الأرْضُ بِالعَرُوسِ وحُذِفَ المُشَبَّهُ بِهِ وأُقِيمَ المُشَبَّهُ مَقامَهُ وإثْباتُ أخْذِ الزُّخْرُفَ لَها تَخْيِيلٌ وما بَعْدَهُ تَرْشِيحٌ وقِيلَ: الزُّخْرُفُ الذَّهَبُ اسْتُعِيرَ لِلنَّضارَةِ والمَنظَرِ الشّارِّ وأصْلُ ازَّيَنَتْ تَزَيَّنَتْ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الزّايِ وسُكِّنَتْ فاجْتُلِبَتْ هَمْزَةَ وصْلٍ لِلتَّوَصُّلِ لِلِابْتِداءِ بِالسّاكِنِ وبِالأصْلِ قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وقَرَأ الأعْرَجُ والشَّعْبِيُّ وأبُو العالِيَةِ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ والحَسَنُ بِخِلافِ (وأزْيَنَتْ) بِوَزْنِ أفْعَلَتْ كَأكْرَمَتْ وكانَ قِياسُهُ أنْ يُعَلَّ فِيُقَلْبُ ياؤُهُ ألِفًا فَيُقالُ أزانَتْ لِأنَّهُ المُطَّرِدُ في بابِ الأفْعالِ المُعْتَلِّ العَيْنِ لَكِنَّهُ ورَدَ عَلى خِلافِهِ كَأغْلَيَتِ المَرْأةُ إذا سَقَتْ ولَدَها الغَيْلَ وهو لَبَنُ حَمْلِها عَلَيْهِ وقَدْ جاءَ أغالَتْ عَلى القِياسِ ومَعْنى الأفْعالِ هُنا الصَّيْرُورَةُ أيْ صارَتْ ذاتَ زِينَةٍ أوْ صَيَّرَتْ نَفْسَها كَذَلِكَ وقَرَأ أبُو عُثْمانَ النَّهْدِيُّ (ازْيانَتْ) بِهَمْزَةِ وصْلٍ بَعْدَها زايٌ ساكِنَةٌ وياءٌ مَفْتُوحَةٌ وهَمْزَةٌ كَذَلِكَ ونُونٌ مُشَدَّدَةٌ وتاءُ تَأْنِيثٍ وأصْلُهُ ازْيانَتْ بِوَزْنِ احْمارَتْ بِألِفٍ صَرِيحَةٍ فَكَرِهُوا اجْتِماعَ ساكِنَيْنِ فَقَلَبُوا الألِفَ هَمْزَةً مَفْتُوحَةً كَما قُرِئَ الضَّألِينَ وجاءَ أيْضًا احْمَأرَتْ بِالهَمْزَةِ كَقَوْلِهِ إذا ما الهَوادِي بِالعَبِيطِ احْمَأرَتْ وقَرَأ عَوْفُ بْنُ جَمِيلٍ (ازْيانَتْ) بِألِفٍ مِن غَيْرِ إبْدالٍ وقُرِئَ (ازايَنَتْ) لِقَصْدِ المُبالَغَةِ ﴿ وظَنَّ أهْلُها أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها ﴾ أيْ عَلى الأرْضِ والمُرادُ ظَنُّوا أنَّهم مُتَمَكِّنُونَ مِن مَنفَعَتِها مُحَصِّلُونَ لِثَمَرَتِها رافِعُونَ لِغَلَّتِها وقِيلَ: الكِنايَةُ لِلزُّرُوعِ وقِيلَ: لِلثَّمَرَةِ وقِيلَ: لِلزِّينَةِ لِانْفِهامِ ذَلِكَ مِنَ الكَلامِ ﴿ أتاها أمْرُنا ﴾ جَوابُ (إذا) أيْ نَزَلَ بِها ما قَدَّرْناهُ مِنَ العَذابِ وهو ضَرْبُ زَرْعِها ما يَجْتاحُهُ مِنَ الآفاتِ والعاهاتِ كالبَرَدِ والجَرادِ والفَأْرِ والصَّرْصَرِ والسَّمُومِ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿ لَيْلا أوْ نَهارًا ﴾ أيْ في لَيْلٍ أوْ في نَهارٍ ولَعَلَّ المُرادَ الإشارَةُ إلى أنَّهُ لا فَرْقَ في إتْيانِ العَذابِ بَيْنَ زَمَنِ غَفْلَتِهِمْ وزَمَنِ يَقَظَتِهِمْ إذْ لا يَمْنَعُ مِنهُ مانِعٌ ولا يَدْفَعُ عَنْهُ دافِعٌ ﴿ فَجَعَلْناها ﴾ أيْ فَجَعَلْنا نَباتَها ﴿ حَصِيدًا ﴾ أيْ شَبِيهًا بِما حُصِدَ مِن أصْلِهِ والظّاهِرُ أنَّ هَذا مِنَ التَّشْبِيهِ لِذِكْرِ الطَّرَفَيْنِ فِيهِ فَإنَّ المَحْذُوفَ في قُوَّةِ المَذْكُورِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ اسْتِعارَةٌ مُصَرَّحَةٌ والأصْلُ جَعَلْنا نَباتَها هالِكًا فَشَبَّهَ الهالِكِ بِالحَصِيدِ وأُقِيمَ اسْمُ المُشَبَّهِ بِهِ مَقامَهُ ولا يُنافِيهِ تَقْدِيرُ المُضافِ كَما تُوُهِّمَ لِأنَّهُ لَمْ يُشَبِّهْ الزَّرْعَ بِالحَصِيدِ بَلِ الهالِكَ بِهِ وذَهَبَ السَّكّاكِيُّ إلى أنَّ في الكَلامِ اسْتِعارَةً بِالكِنايَةِ حَيْثُ شُبِّهَتِ الأرْضُ المُزَخْرَفَةُ والمُزَيَّنَةُ بِالنَّباتِ النّاضِرِ المُوَنَّقِ الَّذِي ورَدَ عَلَيْهِ ما يُزِيلُهُ ويُفْنِيهِ وجَعَلَ الحَصِيدَ تَخَيُّلًا ولا يَخْفى بُعْدُهُ ﴿ كَأنْ لَمْ تَغْنَ ﴾ أيْ كَأنْ لَمْ يُغْنِ نَباتُها أيْ لَمْ يَمْكُثْ ولَمْ يَقُمْ فَتَغَنَّ مَن غَنِيَ بِالمَكانِ إذا أقامَ ومَكَثَ فِيهِ ومِنهُ قِيلَ لِلْمَنزِلِ مُغْنًى وقَدْ حُذِفَ المُضافُ في هَذا وفِيما قَبْلَهُ فانْقَلَبَ الضَّمِيرُ المَجْرُورُ مَنصُوبًا في أوَّلِهِما ومَرْفُوعًا مُسْتَتِرًا في الثّانِي واخْتِيرَ الحَذْفُ لِلْمُبالَغَةِ حَيْثُ أفادَ ظاهِرُ الكَلامِ جَعْلَ الأرْضِ نَفْسِها حَصِيدًا وكَأنَّها نَفْسُها لَمْ تَكُنْ لِتُغِيَّرَها بِتَغَيُّرِ ما فِيها وقَدْ عَطَفَ بَعْضُهم عَلَيْهِما (عَلَيْها) لَمّا أنَّ التَّقْدِيرَ فِيهِ عَلى نَباتِها فَحُذِفَ المُضافُ وجُرَّ الضَّمِيرُ بِعَلى ولَيْسَ بِالبَعِيدِ خَلا أنَّ في كَوْنِ الحَذْفِ لِلْمُبالَغَةِ أيْضًا تَرَدُّدًا وقِيلَ: ضَمِيرُ (تُغْنِ) وما قَبْلُهُ يَعُودانِ عَلى الزَّرْعِ كَما قِيلَ في ضَمِيرِ (عَلَيْها) وقِيلَ: يَعُودانِ عَلى الأرْضِ ولا حَذْفَ بَلْ يُجْعَلُ التَّجَوُّزُ في الإسْنادِ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ إرْجاعَ الضَّمائِرِ كُلِّها لِلْأرْضِ ولَوْ مَعَ ارْتِكابِ التَّجَوُّزِ في الإسْنادِ أوْلى مِن إرْجاعِها لِغَيْرِها كائِنًا ما كانَ.

نَعَمْ إنَّهُ يُمْكِنُ إرْجاعُ الضَّمِيرِ إلَيْها في قِراءَةِ الحَسَنِ (يُغْنِي) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ وجَعْلُ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ ولا أرْضَ أبَقَلَ أبْقالُها كَما تَرى فِيَنْبَغِي أنْ يَرْجِعَ لِلنَّباتِ أوْ لِلزَّرْعِ مَثَلًا ومَآلُ المَعْنى كَأنْ لَمْ يَكُنْ نابِتًا ﴿ بِالأمْسِ ﴾ أيْ فِيما قَبْلَ إتْيانِ أمْرِنا بِزَمانٍ قَرِيبٍ فَإنَّ الأمْسَ مَثَلٌ في ذَلِكَ والجُمْلَةُ التَّشْبِيهِيَّةُ جُوِّزَ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّها حالٌ وأنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ جَوابًا لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ والمُمَثَّلِ بِهِ في الآيَةِ ما يُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ وهو زَوالُ خُضْرَةِ النَّباتِ فَجْأةً وذَهابُهُ حُطامًا لَمْ يَبْقَ لَهُ أثَرٌ بَعْدَ ما كانَ غَضًّا طَرِيًّا فَقَدِ التَفَّ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ وازَّيَّنَتِ الأرْضُ بِألْوانِهِ حَتّى طَمِعَ النّاسُ وظَنُّوا أنَّهُ قَدْ سَلِمَ مِنَ الجَوائِحِ لا الماءِ وإنْ دَخَلَتْهُ كافُ التَّشْبِيهِ فَإنَّهُ مِنَ التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ مَعَ اشْتِمالِ الكَلامِ نَفْسِهِ عَلى أُمُورٍ حَقِيقِيَّةٍ وأُمُورٍ مَجازِيَّةٍ فِيها مِنَ اللَّطافَةِ ما لا يَخْفى وعَنْ أُبَيٍّ أنَّهُ قَرَأ (كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ وما أهْلَكْناها إلّا بِذُنُوبِ أهْلِها) ﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ التَّفْصِيلِ البَدِيعِ ﴿ نُفَصِّلُ الآياتِ ﴾ أيِ القُرْآنِيَّةَ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذِهِ الآيَةُ الجَلِيلَةُ الشَّأْنِ المُنَبِّهَةُ عَلى أحْوالِ الحَياةِ الدُّنْيا أيْ نُوَضِّحُها ونُبَيِّنُها ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ 24﴾ في مَعانِيها ويَقِفُونَ عَلى حَقائِقِها وتَخْصِيصُهم بِالذِّكْرِ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ وجُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالآياتِ ما ذُكِرَ في أثْناءِ التَّمْثِيلِ مِنَ الكائِناتِ والفاسِداتِ وبِتَفْصِيلِها تَصْرِيفُها عَلى التَّرْتِيبِ المَحْكِيِّ إيجادًا وإعْدامًا فَإنَّها آياتٌ وعَلاماتٌ يَسْتَدِلُّ بِها المُتَفَكِّرُ فِيها عَلى أحْوالِ الحَياةِ الدُّنْيا حالًا ومَآلًا والأوَّلُ هو الظّاهِرُ وعَنْ أبِي مِجْلَزٍ أنَّهُ قالَ: كانَ مَكْتُوبًا إلى جَنْبِ هَذِهِ الآيَةِ فَمُحِيَ (ولَوْ أنَّ لِابْنِ آدَمَ وادِيَيْنِ مِن مالٍ لَتَمَنّى وادِيًا ثالِثًا ولا يُشْبِعُ نَفْسَ ابْنِ آدَمَ إلّا التُّرابُ ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن تابَ) .

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم ضرب للحياة الدنيا مثلاً فقال: إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا، يعني: في فنائها وبقائها، كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ، يعني: المطر، فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ، يعني: يدخل الماء في الأرض فينبت به النبات، فاتصل كل واحد بالآخر فاختلط.

مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ، يعني: مما يأكل الناس من الحبوب والثمار، ومما تأكل الدواب والأنعام من العشب والكلأ، حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها، يعني: زينتها، وَازَّيَّنَتْ، يعني: حسنت بألوان النبات، وأصله: تزينت فحذفت التاء وأقيم التشديد مقامها.

وهذا كقوله أَدْراكُمْ [الحاقة: 3] وأصله تدارك.

ثمّ قال: وَظَنَّ أَهْلُها، يعني: وحسب أهل الزرع أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها، يعني: على غلاتها وأنها ستتم لهم الآن.

أَتاها أَمْرُنا، يعني: عذابنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً قال أبو عبيدة: الحصيد المستأصل، ويقال: الحصيد كحصيد السيف.

كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ، يعني: صار كأن لم يكن بالأمس.

فكذلك الدنيا، والإنسان يجمع المال ويشتري الضياع ويبني البنيان، فيظن أنه قد نال مقصوده، فيأتيه الموت فيصير كأنه لم يكن، أو رجل ولد له مولود فإذا بلغ فظن أنه قد نال به مقصوده، فيموت ويصير كأنه لم يكن.

كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ، يعني: نبين علامات غرور الدنيا وزوالها، لكيلا يغتروا، ونبيِّن بقاء الآخرة ليطلبوها لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ بأمثال القرآن ويعتبرون بها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال ع «١» وفي الحديث في نار جهنم: «لَهِيَ أَسْوَدُ مِنَ القَارِ» «٢» وما حفظ للنبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، فليس بشَاذٍ.

ص: وَرُدَّ بأَنْ «أَسْوَدُ» مِنْ «فَعِلَ» لا من «افعل» : تقولُ: سَوِدَ فَهُوَ أَسْوَدُ، وإِنما امتنع من «سَوِدَ» ونحوِه عِنْد البصريّين لأنه لون.

انتهى.

هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣) إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلاً أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤) وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)

وقوله سبحانه: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ...

الآية: تعديدُ نِعَمٍ منه سبحانه على عباده.

وقوله سبحانه: دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ: أي: نسوا الأصنام والشركاء، وأفردوا الدعاء للَّه سبحانه، وذكَر الطبريُّ في ذلك، عَنْ بعض العلماء حكايةَ قَوْلِ العَجَمِ:

«هيا شرا هيا» ، ومعناه: يا حيّ يا قيّوم، ويَبْغُونَ: معناه: يُفسدون.

وقوله: مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا متاع: خبر مبتدأ محذوفٍ، تقديره هو متاع، أو ذلك مَتَاعٌ، ومعنى الآية: إِنما بغيكم وإِفسادكم/ مُضِرٌّ لكم، وهو في حالة الدنيا، ثم تَلْقَوْنَ عقابه في الآخرة، قال سفيان بن عُيَيْنة: إِنما بغيكم علَى أنفسِكُمْ متاع الحياة الدنيا: أي تُعَجَّلُ لكم عقوبته وعلى هذا قالوا: البَغْيُ يَصْرَعُ أهله.

قال ع «٣» : وقالوا: البَاغِي مصروعٌ: قال تعالى: ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ [الحج: ٦٠] ، وقال النبيُّ عليه السلام: «ما ذَنْبٌ أَسْرَعُ عُقُوبَةً مِنْ بَغْيٍ» .

وقوله سبحانه: إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا أي: تفاخُرُ الحياة الدنيا وزينتها بالمال

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ ﴾ هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلدُّنْيا الفانِيَةِ، فَشَبَّهَها بِمَطَرٍ نَزَلَ مِنَ السَّماءِ ﴿ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ ﴾ يَعْنِي التَفَّ النَّباتُ بِالمَطَرِ، وكَثُرَ ﴿ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ ﴾ مِنَ الحُبُوبِ وغَيْرِها ﴿ والأنْعامُ ﴾ مِنَ المَرْعى.

﴿ حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: زِينَتُها بِالنَّباتِ.

وأصْلُ الزُّخْرُفِ: الذَّهَبُ، ثُمَّ يُقالُ لِلنَّقْشِ والنُّورِ والزَّهْرِ وكُلِّ شَيْءٍ زُيِّنَ: زُخْرُفٌ.

وقالَ الزَّجّاجُ: الزُّخْرُفُ كَمالُ حُسْنِ الشَّيْءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وازَّيَّنَتْ ﴾ قَرَأهُ الجُمْهُورُ " وازَّيَّنَتْ " بِالتَّشْدِيدِ.

وقَرَأ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، والحَسَنُ، وابْنُ يَعْمَرَ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وقَطْعِها ساكِنَةً الزّايِ:، عَلى وزْنِ وأفْعَلَتْ.

قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ " وازَّيَّنَتْ " بِالتَّشْدِيدِ، فالمَعْنى: وتَزَيَّنَتْ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الزّايِ:، وأُسْكِنَتِ الزّايُ: فاجْتُلِبَتْ لَها ألِفُ الوَصْلِ؛ ومَن قَرَأ " وأزْيَنَتْ " بِالتَّخْفِيفِ عَلى أفْعَلَتْ، فالمَعْنى: جاءَتْ بِالزِّينَةِ.

وقَرَأ أُبَيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ: " وتَزَيَّنَتْ " .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَظَنَّ أهْلُها ﴾ أيْ: أيْقَنَ أهْلُ الأرْضِ " أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها " أيْ: عَلى ما أنْبَتَتْهُ، فَأخْبَرَ عَنِ الأرْضِ، والمُرادُ النَّباتُ، لِأنَّ المَعْنى مَفْهُومٌ.

" أتاها أمْرُنا " أيْ: قَضاؤُنا بِإهْلاكِها ﴿ فَجَعَلْناها حَصِيدًا ﴾ أيْ: مَحْصُودًا لا شَيْءَ فِيها.

والحَصِيدُ: المَقْطُوعُ المُسْتَأْصَلُ.

﴿ كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لَمْ تُعْمَرْ.

والمَغانِي: المَنازِلُ الَّتِي يَعْمُرُها النّاسُ بِالنُّزُولِ فِيها.

يُقالُ: غَنِينا بِالمَكانِ: إذا نَزَلُوا بِهِ.

وقَرَأ الحَسَنُ: " كَأنْ لَمْ يَغْنَ " بِالياءِ، يَعْنِي الحَصِيدَ.

قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: تَأْوِيلُ الآيَةِ: أنَّ الحَياةَ في الدُّنْيا سَبَبٌ لِاجْتِماعِ المالِ وما يَرُوقُ مِن زَهْرَةِ الدُّنْيا ويُعْجِبُ، حَتّى إذا اسْتَتَمَّ ذَلِكَ عِنْدَ صاحِبِهِ، وظَنَّ أنَّهُ مُمَتَّعٌ بِذَلِكَ، سُلِبَ عَنْهُ بِمَوْتِهِ، أوْ بِحادِثَةٍ تُهْلِكُهُ، كَما أنَّ الماءَ سَبَبٌ لِالتِفافِ النَّباتِ وكَثْرَتِهِ، فَإذا تَزَيَّنَتْ بِهِ الأرْضُ، وظَنَّ النّاسُ أنَّهم مُسْتَمْتِعُونَ بِذَلِكَ، أهْلَكَهُ اللَّهُ، فَعادَ ما كانَ فِيها كَأنْ لَمْ يَكُنْ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّما مَثَلُ الحَياةِ الدُنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ مِمّا يَأْكُلُ الناسُ والأنْعامُ حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضِ زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ وظَنَّ أهْلُها أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها أتاها أمْرُنا لَيْلا أو نَهارًا فَجَعَلْناها حَصِيدًا كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ المَعْنى: إنَّما مَثَلُ تَفاخُرِ الحَياةِ الدُنْيا وزِينَتِها بِالمالِ والبَنِينَ إذْ يَصِيرُ ذَلِكَ إلى الفَناءِ كَمَطَرٍ نَزَلَ مِنَ السَماءِ فاخْتَلَطَ، ووَقَفَ هُنا بَعْضُ القُرّاءِ عَلى مَعْنى: فاخْتَلَطَ الماءُ بِالأرْضِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ: ﴿ بِهِ نَباتُ الأرْضِ ﴾ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ المُقَدَّمِ، ويَحْتَمِلُ -عَلى هَذا- أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في "بِهِ" عَلى الماءِ أو عَلى الِاخْتِلاطِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ القَوْلُ.

ووَصَلَتْ فِرْقَةٌ فَرُفِعَ "النَباتُ" عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: "فاخْتَلَطَ"، أيِ:اخْتَلَطَ النَباتُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ بِسَبَبِ الماءِ، وقَوْلُهُ: ﴿ مِمّا يَأْكُلُ الناسُ ﴾ يُرِيدُ الزُرُوعَ والأشْجارَ ونَحْوَ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿ والأنْعامُ ﴾ يُرِيدُ سائِرَ العُشْبِ المَرْعِيِّ.

و ﴿ أخَذَتِ الأرْضُ ﴾ لَفْظَةٌ كَثُرَتْ في مِثْلِ هَذا، كَقَوْلِهِ: ﴿ خُذُوا زِينَتَكُمْ  ﴾ .

والزُخْرُفُ: التَزَيُّنُ بِالألْوانِ، وقَدْ يَجِيءُ الزُخْرُفُ بِمَعْنى الذَهَبِ إذِ الذَهَبُ مِنهُ، وقَرَأ مَرْوانُ بْنُ الحَكَمِ، وأبُو جَعْفَرٍ، والسَبْعَةُ، وشَيْبَةُ، ومُجاهِدٌ، والجُمْهُورُ: "وازَّيَّنَتْ"، أصْلُهُ: تَزَيَّنَتْ، سُكِّنَتِ التاءُ لِتُدْغَمَ فاحْتِيجَ إلى ألْفِ وصْلٍ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، والأعْمَشُ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "وَتَزَيَّنَتْ" وهَذِهِ أصْلُ قِراءَةِ الجُمْهُورِ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ، والشَعْبِيُّ، وقَتادَةُ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ، وعِيسى: "وَأزْيَنَتْ" عَلى مَعْنى: حَضَرَتْ زِينَتُها كَما تَقُولُ: أحْصَدَ الزَرْعُ، و"أزْيَنَتْ" عَلى مِثالِ: أفْعَلَتْ، وقالَ عَوْفُ بْنُ أبِي جَمِيلَةَ: كانَ أشْياخُنا يَقْرَؤُونَها: "وازْيانَّتْ" النُونُ شَدِيدَةٌ والألِفُ ساكِنَةٌ قَبْلَها، وهي قِراءَةُ أبِي عُثْمانَ النَهْدِيِّ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ "وازَيَأْنَّتْ"، وهي لُغَةٌ مِنها قَوْلُ الشاعِرِ: .......................

∗∗∗ إذا ما الهَوادِي بِالعَبِيطِ احْمَأرَّتْ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وازّايَنَتْ"، والمَعْنى في هَذا كُلِّهِ: ظَهَرَتْ زِينَتُها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَظَنَّ أهْلُها ﴾ عَلى بابِها.

والضَمِيرُ في "عَلَيْها" عائِدٌ عَلى الأرْضِ، والمُرادُ ما فِيها مِن نِعْمَةٍ ونَباتٍ، وهَذا الكَلامُ فِيهِ تَشْبِيهُ جُمْلَةِ أمْرِ الحَياةِ الدُنْيا بِهَذِهِ الجُمْلَةِ المَوْصُوفَةِ أحْوالُها، و"حَتّى" غايَةٌ، وهي حَرْفُ ابْتِداءٍ لِدُخُولِها عَلى "إذا"، ومَعْناها مُتَّصِلٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ قادِرُونَ عَلَيْها ﴾ ، ومِن بَعْدِ ذَلِكَ بَدَأ الجَوابُ، والأمْرُ الآتِي واحِدُ الأُمُورِ كالرِيحِ والصِرِّ والسَمُومِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وتَقْسِيمُهُ لَيْلًا أو نَهارًا تَنْبِيهٌ عَلى الخَوْفِ وارْتِفاعُ الأمْنِ في كُلِّ وقْتٍ، و"حَصِيدًا": فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ وعَبَّرَ بِحَصِيدٍ عَنِ التالِفِ الهالِكِ مِنَ النَباتِ وإنْ لَمْ يَهْلَكْ بِحَصادٍ إذِ الحُكْمُ فِيهِما واحِدٌ، وكَأنَّ الآفَةَ حَصَدَتْهُ قَبْلَ أوانِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ كَأنْ لَمْ تَغْنَ ﴾ أيْ: كَأنْ لَمْ تَنْعَمْ ولَمْ تَنْضُرْ ولَمْ تُغْرِ بِغَضارَتِها، وقَرَأ قَتادَةُ "يَغْنَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، يَعْنِي الحَصِيدَ، وقَرَأ مَرْوانُ: "كَأنْ لَمْ تَتَغَنَّ" بِتاءَيْنِ مِثْلُ تَتَفَعَّلُ، والمَغانِي: المَنازِلُ المَعْمُورَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وقَدْ نَغْنى بِها ونَرى عُصُورًا ∗∗∗ ∗∗∗ بِها يَقْتَدْنَنا الخُرُدَ الخِذالا وفِي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ" وما كُنّا لِنُهْلِكَها إلّا بِذُنُوبِ أهْلِها "كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ"، رَواها عنهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما.

وقِيلَ: إنَّ فِيهِ: "وَما كانَ اللهُ لِيُهْلِكَها إلّا بِذُنُوبِ أهْلِها"، وقَرَأ أبُو الدَرْداءِ: "لِقَوْمٍ يَتَذَكَّرُونَ".

ومَعْنى الآيَةِ التَحْذِيرُ مِنَ الِاغْتِرارِ بِالدُنْيا إذْ هي مُعَرَّضَةٌ لِلتَّلَفِ وأنْ يُصِيبَها ما أصابَ هَذِهِ الأرْضَ المَذْكُورَةَ بِمَوْتٍ أو غَيْرِهِ مِن رَزايا الدُنْيا، وخَصَّ المُتَفَكِّرِينَ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا لِلْمَنزِلَةِ، ولِيَقَعَ التَسابُقُ إلى هَذِهِ الرُتْبَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذه الآية تتنزل منزلة البيان لجملة ﴿ متاع الحياة الدنيا ﴾ [يونس: 23] المؤذنة بأن تمتعهم بالدنيا ما هو إلا لمدة قصيرة، فبينت هذه الآية أن التمتع صائر إلى زوال، وأطنبت فشبهت هيئة التمتع بالدنيا لأصحابها بهيئة الزرع في نضارته ثم في مصيره إلى الحصد.

والمثَل: الحال الماثلة على هيئة خاصة، كان التشبيه هنا تشبيه حالة مركبة بحالة مركبة.

عبر عن ذلك بلفظ المثل الذي شاع في التشبيه المركب كما تقدم في أول سورة البقرة.

وصيغة القصر لتأكيد المقصُود من التشبيه وهو سرعة الانقضاء.

ولتنزيل السامعين منزلة من يحسب دوام بهجة الحياة الدنيا لأن حالهم في الانكباب على نعيم الدنيا كحال من يحسب دوامه وينكر أن يكون له انقضاء سريع ومفاجئ.

والمعنى: قصرُ حالة الحياة الدنيا على مشابهة حالة النبات الموصوف، فالقصر قصر قلب، بني على تنزيل المخاطبين منزلة من يعتقد عكس تلك الحالة.

شبهت حالة الحياة في سرعة تقضيها وزوال نعيمها بعد البهجة به وتزايد نضارتها بحال نبات الأرض في ذهابه حطاماً ومصيره حصيداً.

ومن بديع هذا التشبيه تضمنه لتشبيهات مفرقة من أطوار الحالين المتشابهين بحيث يصلح كل جزء من هذا التشبيه المركب لتشبيه جزءٍ من الحاليْن المتشابهين، ولذلك أطنب وصف الحالين من ابتدائه.

فقوله: ﴿ كماء أنزلناه من السماء ﴾ شُبه به ابتداء أطوار الحياة من وقت الصبا إذ ليس ثمة سوى الأمل في نعيم العيش ونضارته، فذلك الأمل يشبه حال نزول المطر من السماء في كونه سبب ما يؤمَّل منه مِن زخرف الأرض ونضارتها.

وقوله: ﴿ فاختلط به نبات الأرض ﴾ شُبه به طور ابتداء نضارة العيش وإقبال زهرة الحياة، فذلك يشبه خروج الزرع بعيد المطر فيما يشاهد من بوارق المأمول، ولذلك عطف بفاء التعقيب للإيذان بسرعة ظهور النبات عقب المطر فيؤذن بسرعة نماء الحياة في أول أطوارها.

وعبر عنه بالاختلاط بالماء بحيث ظهر قبل جفاف الماء، أي فاختلط النبات بالماء أي جاوره وقارنه.

وقوله: ﴿ مما يأكل الناس والأنعام ﴾ وصف لنبات الأرض الذي منه أصناف يأكلها الناس من الخضروات والبقول، وأصنافٌ تأكلها الأنعام من العشب والكلأ، وذلك يشبَّه به ما ينعَم به الناس في الحياة من اللذات وما ينعم به الحيوان، فإن له حظاً في نعيم الحياة بمقدار نطاق حياته.

ولما كان ذلك قد تضمن المأكول والآكل صح أن تُشبه به رغَبات الناس في تناول لذائذ الحياة على حسب اختلاف مراتب الهمم، وذلك يتضمن تشبيه معالي الأمور من نعم الدنيا التي تسمو إليها الهمم العوالي بالنبات الذي يقتاته الناس، وتشبيهَ سفاسف الأمور بالنبات الذي يأكله الأنعام، ويتضمن تشبيه الذين يجنحون إلى تلك السفاسف بالأنعام، كقوله تعالى: ﴿ والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام ﴾ [محمد: 12].

والقول في ﴿ حتى إذا أخذت الأرض زخرفها ﴾ كالقول في قوله: ﴿ حتى إذا كنتم في الفلك ﴾ [يونس: 22]، وهو غاية شبه بها بلوغ الانتفاع بخيرات الدنيا إلى أقصاه ونضوجه وتمامه وتكاثر أصنافه وانهماك الناس في تناولها ونسيانهم المصير إلى الفناء.

وأمر الله: تقديره وتكوينه.

وإتيانه: إصابة تلك الأرض بالجوائح المعجلة لها باليبس والفناء.

وفي معنى الغاية المستفادِ من (حتى) ما يؤذن بأن بين مبدأ ظهور لذات الحياة وبين منتهاها مراتب جمة وأطواراً كثيرة، فذلك طوي في معنى (حتى).

وقوله: ﴿ ليلاً أو نهاراً ﴾ ترديد في الوقت لإثارة التوقع من إمكان زوال نضارة الحياة في جميع الأزمنة لأن الشيء الموقت بمعين من التوقيت يكون الناس في أمن من حلوله في غير ذلك الوقت.

والزخرف: اسم الذهب.

وأطلق على ما يتزين به مما فيه ذهب وتلوين من الثياب والحلي.

وإطلاق أخذ الأرض زخرفها على حصول الزينة فيها استعارةٌ مكنية.

شبهت الأرض بالمرأة حين تريد التزين فتُحضر فاخر ثيابها من حلي وألوان.

والعرب يطلقون على ذلك التناول اسم الأخذ، قال تعالى: ﴿ يا بني آدم خُذوا زينتكم عند كل مسجد ﴾ [الأعراف: 31]، وقال بشار بن برد وخُذي ملابس زينة *** ومُصَبَّغات وهي أفخر وذكر ﴿ ازينت ﴾ عقب ﴿ زخرفها ﴾ ترشيح للاستعارة، لأن المرأة تأخذ زخرفها للتزين.

و ﴿ ازّينت ﴾ أصله تزينت فقلبت التاء زَاياً؛ لتدغم في الزاي فسكنت وأدغمت واجتلبت همزة الوصل لأجل النطق بالساكن.

واعلم أن في قوله تعالى: ﴿ أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً ﴾ إشارة لإرادة الاستئصال فهو ينذر بالتهديد للكافرين ويجعل التمثيل أعلق بحياتهم، كقوله تعالى: ﴿ حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ﴾ [الأنعام: 44] لا سيما وقد ضرب هذا المثل لتمتع الكافرين ببغيهم وإمهالهم عليه، ويزيد تلك الإشارة وضوحاً قوله: ﴿ وظن أهلها أنهم قادرون عليها ﴾ المؤذنُ بأن أهلها مقصودون بتلك الإصابة.

ومعنى: ﴿ أنهم قادرون عليها ﴾ أنهم مستمرون على الانتفاع بها محصلون لثمراتها، فأطلق على التمكن من الانتفاع ودوامه لفظ القدرة على وجه الاستعارة.

والحصيد: المحصود، وهو الزرع المقطوع من منابته.

والإخبار عن الأرض بحصيد على طريقة المجاز العقلي وإنما المحصود نباتها.

ومعنى ﴿ لم تغْنَ ﴾ لم تَعْمُر، أي لم تعمر بالزرع.

يقال: غَنِي المكان إذا عَمَر.

ومنه المغنَى للمكان المأهول.

وضد أغنى أقفر المكان.

والباء في ﴿ بالأمس ﴾ للظرفية.

والأمس: اليوم الذي قبل يومك.

واللام فيه مزيدة لتملية اللفظ مثل التي في كلمة الآن.

والمراد بالأمس في الآية مطلق الزمن الذي مضى لأن أمس يستعمل بمعنى ما مضى من الزمان، كما يستعمل الغد في معنى المستقبل واليوم في معنى الحال.

وجمَعَها قولُ زهير: وأعلم عِلم اليوم والأمسسِ قبلَه *** ولكنني عن عِلم ما في غد عَمِ وجملة: ﴿ كذلك نفصل الآيات ﴾ إلى آخرها تذييل جامع، أي مثل هذا التفصيل نفصل أي نبين الدلالات كلها الدالة على عموم العلم والقدرة وإتقان الصنع.

فهذه آية من الآيات المبينة وهي واحدة من عموم الآيات.

وتقدم نظيره في قوله تعالى: ﴿ وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيلَ المجرمين ﴾ في سورة [الأنعام: 55].

واللام في لقوم يتفكرون} لام الأجْل.

والتفكر: التأمل والنظر، وهو تفعل مشتق من الفكر، وقد مر عند قوله تعالى: ﴿ قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون ﴾ في سورة [الأنعام: 50].

وفيه تعريض بأن الذين لم ينتفعوا بالآيات ليسوا من أهل التفكر ولا كان تفصيل الآيات لأجلهم.

وتقدم ذكر لفظ القوم غير مرة في هذه السورة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَجَعَلْناها حَصِيدًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ذاهِبًا.

الثّانِي: يابِسًا.

﴿ كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: كَأنْ لَمْ تَعْمُرْ بِالأمْسِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: كَأنَّهُ لَمْ تَعْشَ بِالأمْسِ، قالَهُ قَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: وغَنِيَتْ سَبْتًا بَعْدَ مَجْرى داحِسٍ لَوْ كانَ لِلنَّفْسِ اللَّجُوجِ خُلُودٌ الثّالِثُ: كَأنْ لَمْ تَقُمْ بِالأمْسِ، ومِن قَوْلِهِمْ غَنِي فُلانٌ بِالمَكانِ إذا أقامَ فِيهِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ عِيسى.

الرّابِعُ كَأنْ لَمْ تَنْعَمْ بِالأمْسِ، قالَهُ قَتادَةُ أيْضًا.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ ﴾ يَعْنِي الجَنَّةَ.

وَفي تَسْمِيَتِها دارَ السَّلامِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّ السَّلامَ هو اللَّهُ، والجَنَّةُ دارُهُ.

الثّانِي: لِأنَّها دارُ السَّلامَةِ مِن كُلِّ آفَةٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

﴿ وَيَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ في هِدايَتِهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِالتَّوْفِيقِ والمَعُونَةِ.

الثّانِي: بِإظْهارِ الأدِلَّةِ وإقامَةِ البَراهِينِ.

وَفي الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ كِتابُ اللَّهِ تَعالى، رَوى عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ: « (الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ كِتابُ اللَّهِ تَعالى)» .

الثّانِي: أنَّهُ الإسْلامُ، رَواهُ النَّوّاسُ بْنُ سَمْعانَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  .

الثّالِثُ: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ  وصاحِباهُ مِن بَعْدِهِ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، قالَهُ الحَسَنُ وأبُو العالِيَةِ.

الرّابِعُ: أنَّهُ الحَقُّ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ.

رَوى جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «خَرَجَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ يَوْمًا فَقالَ: (رَأيْتُ في المَنامِ كَأنَّ جِبْرِيلَ عِنْدَ رَأْسِي ومِيكائِيلَ عِنْدَ رِجْلَيَّ، فَقالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: أضْرِبْ لَهُ مَثَلًا، فَقالَ: اسْمَعْ سَمِعَتْ أُذُنُكَ، واعْقِلْ، عَقَلَ قَلْبُكَ، إنَّما مَثَلُكَ ومَثَلُ أُمَّتِكَ كَمَثَلِ مَلِكٍ اتَّخَذَ دارًا ثُمَّ بَنى فِيها بَيْتًا ثُمَّ جَعَلَ فِيها مائِدَةً ثُمَّ بَعَثَ رَسُولًا يَدْعُو النّاسَ إلى طَعامِهِ فَمِنهم مَن أجابَ الرَّسُولَ ومِنهم مَن تَرَكَهُ، فاللَّهُ المَلِكُ، والدّارُ الإسْلامُ، والبَيْتُ الجَنَّةُ، وأنْتَ يا مُحَمَّدُ الرَّسُولُ فَمَن أجابَكَ دَخَلَ في الإسْلامِ، ومَن دَخَلَ في الإسْلامِ دَخَلَ الجَنَّةَ، ومَن دَخَلَ الجَنَّةَ أكَلَ مِمّا فِيها)» ثُمَّ تَلا قَتادَةُ ومُجاهِدٌ.

﴿ واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ ﴾ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فاختلط به نبات الأرض ﴾ قال: اختلط فنبت بالماء كل لون ﴿ مما يأكل الناس ﴾ كالحنطة والشعير وسائر حبوب الأرض والبقول والثمار، وما تأكله الأنعام والبهائم من الحشيش والمراعي.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وازينت ﴾ قال: أنبتت وحسنت، وفي قوله: ﴿ كأن لم تغن بالأمس ﴾ قال: كأن لم تعش كأن لم تنعم.

وأخرج ابن جرير عن أبي بن كعب وابن عباس ومروان بن الحكم أنهم كانوا يقرأون ﴿ وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها ﴾ وما كان الله ليهلكم إلا بذنوب أهلها.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال في قراءة أبي «كأن لم تغن بالأمس وما أهلكناها إلا بذنوب أهلها كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون» .

وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن أبي مجلز رضي الله عنه قال: مكتوب في سورة يونس عليه السلام إلى جنب هذه الآية ﴿ حتى إذا أخذت الأرض زخرفها ﴾ إلى ﴿ يتفكرون ﴾ ولو أن لابن آدم واديين من مال لتمنى وادياً ثالثاً، ولا يشبع نفس ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب فمحيت.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ ﴾ الآية، معناه: إنما القول في تشبيه حال الحياة الدنيا كالقول في ماء (١) (٢) وقوله تعالى: ﴿ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ ﴾ معنى الاختلاط تداخل الشيء بعضه في بعض، يعني فاختلط -بسبب ذلك الماء الذي أنزلناه- نبات الأرض ﴿ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ ﴾ من البقول والحبوب والثمار ﴿ وَالْأَنْعَامُ ﴾ من المراعي والكلأ ﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد زينتها وحسنها وخصبها (٣) قال الزجاج: الزخرف كمال حسن الشيء (٤) وقال غيره: يعني: حسن ألوان الزهر الذي يروق البصر (٥) ﴿ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ وَازَّيَّنَتْ ﴾ قال ابن عباس: يريد بالحبوب والثمار (٦) (٧) قال (٨) (٩) (١٠) ﴿ فَادَّارَأْتُمْ ﴾ (١١) ﴿ ادَّارَكُوا ﴾ \[الأعر اف: 38\].

وقوله تعالى: ﴿ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا ﴾ ، قال ابن عباس: يريد أهل تلك الأرض أنهم قادرون على حصادها وجدادها وقطعها (١٢) (١٣) وقال أهل المعاني: أخبر عن الأرض، والمعنى للنبات إذ كان مفهومًا (١٤) (١٥) وقوله تعالى: ﴿ أَتَاهَا أَمْرُنَا ﴾ ، قال ابن عباس: يريد عذابنا (١٦) وقوله تعالى: ﴿ فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا ﴾ ، قال ابن عباس: لا شيء فيها (١٧) وقال الضحاك: يعني المحصود (١٨) (١٩) (٢٠) وقال غيره: الحصيد: المقطوع والمقلوع (٢١) وقوله تعالى: ﴿ كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ﴾ ، قال الليث: يقال للشيء إذا فني: كأن لم يغن بالأمس، أي كأن لم يكن، من قولهم: غني القوم في دارهم، إذا أقاموا بها (٢٢) (٢٣) وقال الزجاج: كأن لم تعمر بالأمس، والمغاني: المنازل التي يعمرها أهلها بالنزول (٢٤) (٢٥) وقال بعض أهل المعاني: معناه (٢٦) (٢٧) ﴿ كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ  ﴾ ، إن شاء الله (٢٨) وقوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ ﴾ أي: كما بينا هذا المثل للحياة الدنيا كذلك نبين آيات القرآن.

وقوله (٢٩) ﴿ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ في المعاد، هذا الذي ذكرنا تفسير الآية ومعناها على ما ذكره المفسرون وأصحاب المعاني، وتأويلها: أن الله تعالى ضرب مثلا للحياة الدنيا في هذه الدار الفانية بما أنزله من السماء، فجعله سببا لالتفاف النبات وكثرته، حتى تتزين به الأرض وتظهر بهجتها بحمرة النوار وبياض الزهر وخضرة العشب، وظن الناس أنهم منتفعون ومستمتعون بجميع ذلك، فبينا هم على ذلك الظن جُعلوا (٣٠) (٣١) (٣٢) (٣٣) (٣٤) (٣٥) (٣٦) (٣٧) (٣٨) (١) في (خ) و (ز): (الماء).

(٢) انظر: "تفسير البسيط" البقرة: 26.

(٣) ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 543، ورواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 211 مختصرًا، وفي "تفسير ابن جرير" 11/ 102، عن ابن عباس، قال: فنبت بالماء كل لون.

(٤) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 15.

(٥) لم يتبين لي القائل، وقد ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 543، وذكر نحوه الرازي في "تفسيره" 17/ 73، والبغوي في "تفسيره" 4/ 128.

(٦) رواه ابن جرير 11/ 102، وابن المنذر كما في "الدر المنثور" 3/ 545، والفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 211، تفسيرًا لقوله تعالى: ﴿ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ ﴾ وهو أولى بما ذكره المؤلف.

(٧) رواه بنحوه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 2/ 293، وابن جرير 11/ 102، وابن أبي حاتم 6/ 1941، عن قتادة.

(٨) في (م): (وقال).

(٩) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).

(١٠) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 15.

(١١) يعني في قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا ﴾ .

(١٢) ذكره الرازي في "تفسيره" 17/ 74، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 543.

(١٣) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 15.

(١٤) هذا قول قطرب، انظر: "تفسير الثعلبي" 7/ 11 ب.

(١٥) ذكره الثعلبي في المصدر السابق، نفس الموضع، والبغوي في "تفسيره" 4/ 129، وأبو حيان في "البحر المحيط" 17/ 140.

(١٦) ذكره الرازي في "تفسيره" 17/ 74، والمؤلف في "الوسيط" 2/ 543.

(١٧) ذكره الرازي في المصدر السابق، نفس الموضع.

(١٨) المصدر السابق، نفس الموضع.

(١٩) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).

(٢٠) "مجاز القرآن" 1/ 277.

(٢١) هذا قول الثعلبي، انظر: "تفسيره" 7/ 11 ب.

(٢٢) النص في كتاب "العين" (غني) 4/ 451 بنحوه، وهو في "تهذيب اللغة" (غني) 3/ 2704، لكنه جعله نصين وذكر كل نص في موضع.

(٢٣) "تنوير المقباس" ص 211.

(٢٤) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 15.

(٢٥) "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 202.

(٢٦) ساقط من (ى).

(٢٧) لم أقف عليه عند أهل المعاني، وانظره بنحوه في: "تفسير هود بن محكم" 2/ 189.

(٢٨) قال في هذا الموضع: (أمس) اسم لليوم الماضي الذي هو قبل يومك، وهو مبني على الكسر لالتقاء الساكنين، وقال الكسائي: بني على الكسر؛ لأنه فعل سمي به، ومن العرب من يبنيه على الفتح، قال الفراء: ومن العرب من يخفض الاسم وإن أدخل عليه الألف واللام، وأنشد ...

إلخ.

(٢٩) ساقط من النسخ عدا (م).

(٣٠) في (م): (حصلوا).

(٣١) ساقط من (ى).

(٣٢) ساقط من (ى).

(٣٣) ساقط من (ى).

(٣٤) في (ى): (جمع).

(٣٥) في (ح): (يروق العجب ويعجب).

ولا معنى له.

(٣٦) في (م): (ممتع).

(٣٧) هكذا في جميع النسخ، والصواب: (من).

(٣٨) لعل المقصود: الحياة فيها بفسق وفجور وطول أمل، أر نحو ذلك مما يناسب السياق.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَجَرَيْنَ بِهِم ﴾ الضمير المؤنث في جرين للفلك، والضمير في بهم للناس، وفيه الخروج من الخطاب إلى الغيبة، وهو يسمى الالتفات، وجواب إذا كنتم قوله: جاءتها ريح عاصف، وقوله: دعوا الله.

قال الزمخشري: هو بدل من ظنوا، ومعناه: دعوا الله وحده وكفروا بمن دونه ﴿ مَّتَاعَ الحياوة الدنيا ﴾ رفع على أنه خبر ابتداء مضمر تقديره: وذلك متاع، أو يكون خبر إنما بغيكم، ويختلف الوقف باختلاف الإعراب ﴿ إِنَّمَا مَثَلُ الحياوة الدنيا كَمَآءٍ أنزلناه مِنَ السمآء ﴾ معنى الآية تحقير الدنيا وبيان سرعة فنائها وشبهها بالمطر الذي يخرج به النبات، ثم تصيب ذلك النبات آفة عند حسنه وكماله ﴿ مِمَّا يَأْكُلُ الناس ﴾ كالزرع والفواكه ﴿ والأنعام ﴾ يعني: المرعى التي ترعاها من العشب وغيره ﴿ أَخَذَتِ الأرض زُخْرُفَهَا ﴾ تمثل بالعروس إذا تزينت بالحلي والثياب ﴿ قادرون عَلَيْهَآ ﴾ أي متمكنون من الانتفاع بها ﴿ أَتَاهَآ أَمْرُنَا ﴾ أي بعض الجوائح كالريح، والصر، وغير ذلك ﴿ فجعلناها حَصِيداً ﴾ أي جعلنا زرعها كالذي حصد وإن كان لم يحصد ﴿ كَأَن لَّمْ تَغْنَ ﴾ كأن لم تنعم.

أي لم توجد.

انظر الطبري.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يمكرون ﴾ بياء الغيبة: سهل وروح.

الباقون: بالتاء الفوقانية.

﴿ ينشركم ﴾ النون: ابن عامر ويزيد.

الباقون ﴿ يسيركم ﴾ من التسيير ﴿ متاع ﴾ بالنصب: حفص والمفضل.

الباقون بالرفع ﴿ قطعاً ﴾ بسكون الطاء: ابن كثير وعلي وسهل ويعقوب.

والآخرون بفتحها ﴿ تتلو ﴾ بتاءين من التلاوة: حمزة وعلي وخلف وروح، وروي عن عاصم ﴿ نبلو ﴾ بالنون ثم الباء الموحدة.

﴿ كل نفس ﴾ بالنصب الباقون: بتاء التأنيث ﴿ كل ﴾ بالرفع.

الوقوف: ﴿ آياتنا ﴾ ط ﴿ مكراً ﴾ ط، ﴿ تمكرون ﴾ ه ﴿ والبحر ﴾ ط ﴿ في الفلك ﴾ ج ط للعدول مع أن جواب "إذا" منتظر، ﴿ أحيط بهم ﴾ لا لأن قوله: ﴿ دعوا ﴾ بدل من ﴿ ظنوا ﴾ لأن دعاءهم من لوازم ظنهم الهلاك فهو متلبس به، وإن جعل ﴿ دعوا ﴾ جواباً عن سؤال سائل فما صنعوا كان للوقف وجه.

﴿ الدين ﴾ ج لاحتمال إضمار القول وجعل الدعاء في معنى القول ﴿ الشاكرين ﴾ ه ﴿ بغير الحق ﴾ ط.

﴿ على أنفسكم ﴾ ط، إلا لمن جعله متعلقاً بــ ﴿ بغيكم ﴾ ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الأنعام ﴾ ط ﴿ عليها ﴾ لا لأن ما بعده جواب "إذا".

﴿ بالأمس ﴾ ط ﴿ يتفكرون ﴾ ه ﴿ السلام ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ وزيادة ﴾ ط ﴿ ولا ذلة ﴾ ط، ﴿ الجنة ﴾ ج ط ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ بمثلها ﴾ لا لأن قوله ﴿ وترهقهم ﴾ معطوف على محذوف أي يلزمهم جزاء سيئة وترهقهم ذلة.

﴿ عاصم ﴾ ج ط لأن الكاف لا يتعلق بــ ﴿ عاصم ﴾ مع تعلقها بذلة قبله معنىً، لأن رهق الذلة سواد الوجه المعبر عنه بقوله كأنما ﴿ مظلماً ﴾ ط ﴿ أصحاب النار ﴾ ج ط ﴿ خالدون ﴾ ه ﴿ وشركاؤكم ﴾ ج للعدول مع فاء التعقيب ﴿ تعبدون ﴾ ه ﴿ لغافلين ﴾ ه ﴿ يفترون ﴾ ه.

التفسير: لما بين في الآية المتقدمة أنهم يطلبون الآيات الزائدة عناداً ومكراً ولجاجاً أكد ذلك بقوله: ﴿ وإذا أذقنا ﴾ روي أنه  سلط القحط على أهل مكة سبع سنين ثم رحمهم وأنزل الأمطار النافعة، ثم إنهم أضافوا تلك المنافع إلى الأصنام - وقيل نسبوها إلى الأنواء - فقابلوا نعم الله بالكفران فذلك مكرهم وهو احتيالهم في دفع آيات الله بكل ما يقدرون عليه من إلقاء شبهة أو تخليط في المناظرة.

وفي تخصيص الإذاقة بجانب الرحمة دليل على أن الكثير من الرحمة قليل بالنسبة إلى رحمته الواسعة.

وفيه أن الإنسان لغاية ضعفه الفطري لا يطيق أدنى الرحمة كما أنه لا يطيق أدنى الألم الذي يمسه.

قال في الكشاف: معنى مستهم خالطتهم حتى أحسوا بسوء أثرها فيهم.

وهذا أيضاً من جملة الضعف لأنه نسي ما عهده من الضر الشديد.

و "إذا" الثانية للمفاجأة وقع مقام الفاء في جواب الشرط كما في قوله: ﴿ إذا هم يسخطون  ﴾ وفائدته أن يعلم أنهم فاجأوا وقوع المكر منهم في وقت الإذاقة وسارعوا إليه ولم يلبثوا قدر ما ينفضون عن رؤوسهم غبار الضر ولهذا قال  ﴿ قل الله أسرع مكراً ﴾ يقدر على إيصال جزاء مكرهم إليهم قبل أن يرتد إليهم طرفهم ولكنه يمهلهم لأجل معلوم ليتضاعف خبثهم مع كونه محفوظاً بيانه قوله ﴿ إن رسلنا يكتبون ما تمكرون ﴾ وقد مر تحقيق هذا في تفسير قوله: ﴿ ويرسل عليكم حفظة  ﴾ .

واعلم أن مضمون هذه الآية قريب من مضمون قوله: ﴿ وإذا مس الإنسان الضر  ﴾ إلا أن هذه زائدة عليها بدقيقة هي أنهم بعد الإعراض عن الدعاء يطلبون الغوائل ويقابلون الرحمة بالمكر والخديعة ولا يرضون رأساً برأس.

ثم ضرب لأجل ما وصفهم به مثالاً حتى ينكشف المقصود تمام الانكشاف فقال: ﴿ هو الذي يسيركم ﴾ ومن قرأ ﴿ ينشركم ﴾ فكقوله: ﴿ فانتشروا في الأرض  ﴾ قال بعض العلماء: المسير في البحر هو الله  وتعالى ، وأما في البر فالمراد من التسيير التمكين والإقدار.

والحق أن جميع الأفعال والحركات مستندة إلى إحداث الله  ، غاية ذلك أن آثار إقداره وإحداثه في البحر أظهر كما مر في تفسير قوله: ﴿ والفلك التي تجري في البحر  ﴾ قال القفال: هو الله الهادي لكم إلى السير في البحر طلباً للمعاش، وهو المسير لكم لأجل أنه هيأ لكم أسباب ذلك السير.

وحتى لانتهاء الغاية والغاية مضمون الجملة الشرطية بكمالها، فالقيود المعتبرة في الشرط ثلاثة: أولها الكون في الفلك، وثانيها جري الفلك بهم بالريح الطيبة، والضمير في ﴿ جرين ﴾ للفلك على أنها جمع كما مر.

وثالثها فرحهم بها.

والقيود المعتبرة في الجزاء ثلاثة أيضاً: أوّلها ﴿ جاءتها ﴾ أي الفلك أو الريح الطيبة تلتها ريح عاصف ذات عصوف كلابن لذات اللبن، أو لأن لفظ الريح مذكر والعصوف شدة هبوب الريح.

وثانيها ﴿ وجاءهم الموج من كل مكان ﴾ أي من جميع جوانب أحياز الفلك، والموج ما ارتفع من الماء فوق البحر.

وثالثها ﴿ وظنوا أنهم أحيط بهم ﴾ أي غلب على ظنونهم الهلاك.

وأصله أن العدوّ إذا أحاط بقوم أو بلد فقد دنوا من البوار، فجعل إحاطة العدوّ بالشخص مثلاً في الهلاك.

وقرىء ﴿ في الفلكي ﴾ والياء زائدة كما في "الأحمري" أو أريد به الماء الغمر الذي لا تجري الفلك إلا فيه.

قال في الكشاف: وإنما التفت في قوله: ﴿ وجرين بهم ﴾ إلى آخره من الخطاب الى الغيبة للمبالغة كأنه يذكر لغيرهم حالهم ليعجبهم منها ويستدعي منهم الإنكار والتقبيح.

وقال الإمام فخر الدين الرازي: الانتقال من مقام الخطاب إلى مقام الغيبة في هذه الآية دليل المقت والتبعيد كما أن عكس ذلك في قوله: ﴿ إياك نعبد  ﴾ دليل الرضا والتقريب.

قلت: هذا وجه حسن.

أما قوله: ﴿ دعوا الله مخلصين ﴾ فقد قال ابن عباس: تركوا الشرك ولم يشركوا به من آلهتهم شيئاً، وأقروا لله بالربوبية والوحدانية.

وقال الحسن: ليس هذا إخلاص الإيمان لكن لأجل العلم بأنه لا ينجيهم من ذلك إلا الله فيكون ذلك جارياً مجرى الإيمان الاضطراري.

وقال ابن زيد: هؤلاء المشركون يدعون مع الله ما يدعون، فإذا جاء الضر والألم لم يدعوا إلا الله.

وعن أبي عبيدة: أن المراد من ذلك الدعاء قولهم: "أهيا شراهياً" تفسيره "يا حي يا قيوم" يحكى أن رجلاً قال لجعفر الصادق  : ما الدليل على إثبات الصانع؟

فقال: أخبرني عن حرفتك.

فقال: التجارة في البحر قال: صف لي كيف حالك؟

فقال: ركبت البحر فانكسرت السفينة وبقيت على لوح من ألواحها وجاءت الرياح العاصفة.

قال جعفر الصادق  : هل وجدت في قلبك تضرعاً؟

فقال: نعم.

قال جعفر: فإلهك هو الذي تضرعت إليه في ذلك الوقت.

﴿ لئن أنجيتنا من هذه ﴾ الشدة كما مر في الأنعام ﴿ يبغون في الأرض بغير الحق ﴾ البغي قصد الاستعلاء بالظلم من قولك بغى الجرح إذا ترامى إلى الفساد، وأصله الطلب فلهذا أكد المعنى بقوله: ﴿ بغير الحق ﴾ قال في الكشاف: إنما زاد هذا القيد احترازاً من استيلاء المسلمين على أرض الكفرة بهدم دورهم وإحراق زروعهم كما فعل رسول الله  ببني قريظة.

قلت: ويحتمل أن يراد بغير شبهة حق عندهم كقوله ﴿ ويقتلون النبيين بغير الحق  ﴾ من قرأ متاع بالنصب فما قبله جملة تامة أي إنما بغيكم وبال على أنفسكم وهو مصدر مؤكد كأنه قيل: يتمتعون متاع الحياة الدنيا.

ومن قرأ بالرفع فإما على أن التقدير هو متاع الدنيا بعد تمام الكلام، أو على أنه خبر وقوله: ﴿ على أنفسكم ﴾ صلة أي إنما بغيكم على أمثالكم والذين جنسهم جنسكم يعني بغى بعضكم على بعض منفعة الحياة الدنيا ولا بقاء لها والبغي من منكرات المعاصي قال  : "أسرع الخير ثواباً صلة الرحم وأعجل الشر عقاباً البغي واليمين الفاجرة" وروي "اثنتان يعجلهما الله في الدنيا: البغي وعقوق الوالدين" .

وعن محمد بن كعب: ثلاث من كن فيه كن عليه: البغي والنكث والمكر.

قال  : ﴿ إنما بغيكم على أنفسكم ﴾ أي لا يتهيأ لكم بغي بعضكم على بعض إلا أياماً قلائل وهي مدة حياتكم مع قصرها وسرعة انقضائها ﴿ ثم ﴾ إلى ما وعدنا من المجازاة ﴿ مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون ﴾ وهو في هذا الموضع وعيد بالعقاب كقول الرجل في معرض التهديد سأخبرك بما فعلت.

ثم ذكر مثلاً لمن يبغي في الأرض ويغتر بالدنيا ويشتد تمسكه بها فقال: ﴿ إنما مثل الحياة الدنيا ﴾ أي صفتها العجيبة الشأن ﴿ كماء أنزلناه من السماء فاختلط به ﴾ أي اشتبك بسبب هذا الماء ﴿ نبات الأرض ﴾ فيحتمل أن يراد أن نباته ثم وصوله إلى حد الكمال كليهما بسبب المطر، ويحتمل أن يراد أن النبات كان في أول بروزه ومبدإ حدوثه غير مهتز ولا مترعرع، فإذا نزل المطر عليه اهتز وربا حتى اختلط بعض الأنواع ببعض وتكاثف.

﴿ حتى إذا أخذت الأرض زخرفها ﴾ قال الجوهري: الزخرف الذهب ثم يشبه به كل مموه مزوّر.

﴿ وازينت ﴾ أصله تزينت فأدغم واجتلبت لذلك همزة الوصل.

وهذا كلام في نهاية الفصاحة وفيه تشبيه الأرض بالعروس التي تأخذ الثياب الفاخرة من كل لون فتلبسها، ثم تزين بجميع الأقسام المعهودة لها من حمرة وبياض ونحوها ﴿ وظن أهلها ﴾ أي غلب على ظنونهم أو تيقنوا ﴿ أنهم قادرون عليها ﴾ متمكنون من تحصيل ريعها.

﴿ أتاها أمرنا ﴾ بإهلاكها واستئصالها وضربها ببعض العاهات.

﴿ ليلاً أو نهاراً ﴾ أي حين غفلتهم بالنوم أو حين اشتغالهم وتقلبهم في طلب معايشهم ﴿ فجعلناها ﴾ أي زرعها ﴿ حصيداً ﴾ شبيهاً بما يحصد من الزرع في قطعه واستئصاله.

﴿ كأن لم تغن ﴾ أي كأن الشأن لم يلبث زرعها ﴿ بالأمس ﴾ أي في زمان قريب.

يقال: غنى بالمكان بالكسر يغنى بالفتح إذا أقام به.

والأمس مثل في الوقت القريب.

هذا والصحيح عند علماء البيان أن هذا التشبيه من التشبيه المركب.

قال في الكشاف: شبهت حال الدنيا في سرعة تقضيها وانقراض نعيمها بحال نبات الأرض في جفافه وذهابه حطاماً بعدما التف وتكاثف وزين الأرض بخضرته ورفيفه.

وقيل: المراد أن عاقبة هذه الحياة التي ينفقها المرء في باب الدنيا كعاقبة هذا النبات الذي حين عظم الرجاء به وقع اليأس منه، لأن الغالب أن المتمسك بالدنيا إذا اطمأن بها وعظمت رغبته فيها وانتظم أمره بعض الانتظام أتاه الموت.

وتلخيصه أنه كما لم يحصل لذلك الزرع عاقبة تحمد فكذلك المغتر بالدنيا المحب لها لا يحصل له عاقبة تحمد.

ويحتمل أن يكون هذا مثلاً لمن لا يؤمن بالمعاد، فإن الأرض المزينة إذا زال حسنها فإنه يعود رونقها مرة أخرى فكذا النشور ﴿ كذلك نفصل الآيات ﴾ نذكر واحدة منها بعد الأخرى لتكون كثرتها وتواليها سبباً لقوة اليقين وموجباً لزوال الشك ﴿ لقوم يتفكرون ﴾ في أحوال الآفاق والأنفس.

ثم لما نفر المكلفين عن الميل إلى الدنيا بالمثل السابق رغبهم في الآخرة بقوله: ﴿ والله يدعوا إلى دار السلام ﴾ ومثله ما روي عن النبي  أنه قال: "سيد بنى داراً وصنع مائدة وأرسل داعياً فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل ورضي عنه السيد، ومن لم يجب لم يدخل ولم يأكل ولم يرض عنه السيد، فالله السيد والدار دار السلام والمائدة الجنة والداعي محمد  " وعنه  : "ما من يوم تطلع فيه الشمس إلا وبجنبيها ملكان يناديان بحيث يسمع كل الخلائق إلا الثلقين أيها الناس هلموا إلى ربكم والله يدعو إلى دار السلام" واتفقوا على أن دار السلام هي الجنة واختلفوا في سبب التسمية.

فقيل: لأن السلام هو الله والجنة داره فالإضافة للتشريف، وإنما أطلق اسم السلام عليه  لأنه سلم من الفناء والتغير ومن جميع سمات النقص والحدوث ومن الظلم والعجز والجهل وهو القادر على تخليص المضطرين عن المكاره والآفات، وكفى بدار أضافها الله  لنفسه فضلاً وشرفاً وبهجة وسروراً.

وقيل: سميت دار السلام لأن من دخلها سلم من الآفات والمخافات.

وقيل: لفشوّ السلام بينهم ﴿ تحيتهم فيها سلام  ﴾ ﴿ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم  ﴾ ﴿ سلام قولاً من رب رحيم  ﴾ واعلم أن الدعوة عامة ولكن الهداية خاصة فلذلك قال ﴿ ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ﴾ ومن هنا ذهب أهل السنة إلى أن الهداية والضلالة والخير والشر كلها بمشيئة الله  وإرادته.

وقالت المعتزلة: المراد ويهدي من يشاء إلى إجابة تلك الدعوة ويعنون أن من أجاب الدعاء وأطاع واتقى فإن الله يهديه إليها.

والمراد من الهداية الألطاف، ثم قسم أهل الدعوة إلى قسمين وبين حال كل طائفة فقال: ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ﴾ ولا بد من تفسير هذه الألفاظ الثلاثة: فعن ابن عباس أحسنوا أي ذكروا كلمة لا إله إلا الله، وذهب غيره إلى أن المراد إتيان الطاعات واجتناب المنهيات لأن الدرجات العالية لا تليق إلا بهم.

وأما الحسنى فقال في الكشاف: المراد المثوبة الحسنى.

وقال ابن الأنباري: العرب توقع هذه اللفظة على الخلة المحبوبة والخصلة المرغوب فيها، ولذلك ترك موصوفها.

وأما الزيادة فحملها أهل السنة على رؤية الله لأن اللام في الحسنى للمعهود بين المسلمين من المنافع التي أعدها الله  لعباده، فالزيادة عليها تكون مغايرة لها فما هي إلا الرؤية.

وقالت المعتزلة: الزيادة يجب أن تكون من جنس المزيد عليه، ورؤية الله  بعد تسليم جوازها ليست من جنس نعيم الجنة، فالمراد بها ما يزيد على المثوبة من التفضل كقوله: ﴿ ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله  ﴾ وزيف بأن الزيادة إذا كان المزيد عليه مقدراً بمقدار معين وجب أن يكون من جنسه كما لو قال الرجل لغيره: أعطيتك عشرة أمنان من الحنطة وزيادة.

أما إذا كان غير مقدر كما لو قال: أعطيتك الحنطة زيادة.

لم يجب أن تكون الزيادة من جنس المزيد عليه.

والمذكور في الآية لفظة الحسنى وهي الجنة وإنها مطلقة، فالزيادة عليها شيء مغاير لكل ما في الجنة.

وعن علي  : الزيادة غرفة من لؤلؤة واحدة.

وعن ابن عباس: الحسنى الجنة والزيادة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف.

وعن مجاهد: مغفرة من الله ورضوان.

وعن يزيد بن سمرة: هي أن تمر السحابة بأهل الجنة فتقول: ما تريدون أن أمطركم فلا يريدون شيئاً إلا أمطرتهم.

هذا شأن المنافع الحاصلة لهم، وأما أنها منافع خالصة عن الكدورات فأفاد ذلك بقوله: ﴿ ولا يرهق ﴾ أي لا يغشى ﴿ وجوههم قتر ﴾ غبرة فيها سواد ﴿ ولا ذلة ﴾ ولا أثر هوان وكسوف بال.

ثم أشار إلى كون تلك المنافع الخالصة آمنة من الانقطاع بقوله: ﴿ أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ﴾ وهذا معنى قول علماء الأصول "الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم" ثم بين حال الفريق الآخر بقوله: ﴿ والذين ﴾ أي وجزاء الذين ﴿ كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها ﴾ أي جزاؤهم أن تجازى سيئة واحد بسيئة مثلها لا يزاد عليها.

ومن جوز العطف على عاملين مختلفين جوز أن يكون التقدير: وللذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها.

قالت المعتزلة: وفيه دليل على أن المراد بالزيادة في الآية المتقدمة الفضل، لأنه دل بترك الزيادة على السيئة على عدله فناسب أن يكون قد دل هناك بإثبات الزيادة على المثوبة على فضله.

﴿ وترهقهم ذلة ﴾ فإنهم حين ماتوا ناقصين خالين عن الملكات الحميدة كان شعورهم بذلك سبباً لذلهم وهوانهم على أنفسهم، وهذا على قاعدة حكماء الإسلام أن الجهل سواد وظلمة كما أن العلم والمعرفة بياض ونور ومنه قول الشبلي  : كل بيت أنت ساكنه *** غير محتاج إلى السرج ومريض أنت عائده *** قد أتاه الله بالفرج ﴿ ما لهم من الله من عاصم ﴾ أي لا يعصمهم أحد من عذابه وسخطه، أو ما لهم من جهة الله ومن عنده من يعصمهم كما للمؤمنين.

والتحقيق أنه لا عاصم من الله لأحد في الدنيا ولا في الآخرة إلا بإذن الله إلا أن هذا المعنى في الآخرة أظهر كقوله: ﴿ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار  ﴾ ثم بالغ في الكشف عن سواد وجوههم فقال: ﴿ كأنما أغشيت ﴾ أي ألبست ﴿ وجوههم قطعاً من الليل ﴾ من قرأ بسكون الطاء فمعناه البعض والطائفة و ﴿ مظلماً ﴾ صفته.

ومن قرأ بفتحها على أنه جمع قطعه فمظلماً حال من الليل والعامل فيه إما معنى الفعل في ﴿ من الليل ﴾ أو ﴿ أغشيت ﴾ لأن قوله: ﴿ من الليل ﴾ صفة لقوله: ﴿ قطعاً ﴾ فكان إفضاء العامل إلى الموصوف كإفضائه الى الصفة قاله في الكشاف.

واعلم أن جمعاً من العلماء ذهبوا إلى أن المراد بقوله: ﴿ والذين كسبوا السيئات ﴾ هم الكفار لأن سواد الوجه من علامات الكفر بدليل قوله: ﴿ فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم  ﴾ وقوله: ﴿ ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة أولئك هم الكفرة الفجرة  ﴾ ولقوله بعدها ﴿ ويوم نحشرهم ﴾ والضمير عائد إلى ﴿ هؤلاء ﴾ .

ثم إنه وصفهم بالشرك.

وقال الآخرون: اللفظ عام يتناول الكافر والفاسق إلا أن الآيات المذكورة مخصصة.

ثم شرع بعض أحوال المشركين في القيامة فقال: ﴿ ويوم نحشرهم ﴾ منصوب بإضمار "اذكر" أو ظرف متعلق بتبلو أي في يوم كذا تبلو كل نفس.

وحاصل الكلام أنه يحشر العابد والمعبود ليسألوا فيتبرأ المعبود من العابد خلاف ما كانوا يزعمون من قولهم هؤلاء شفعاؤنا عند الله.

وفيه إشارة إلى أن الممكن لا نسبة له إلى الواجب الحق، فإذا اتخذ الممكن معبوداً برىء من ذلك في مقام لا ينفع إلا الصدق.

قال في الكشاف: ﴿ مكانكم ﴾ أي الزموا مكانكم لا تبرحوا حتى تنظروا ما نفعل بكم.

وعند أبي علي هو اسم من أسماء الأفعال وحركته حركة بناء وهو كلمة وعيد عند العرب.

و ﴿ أنتم ﴾ لتأكيد الضمير في ﴿ مكانكم ﴾ لسده مسد قوله: "الزموا".

﴿ وشركاؤكم ﴾ عطف عليه.

﴿ فزيلنا بينهم ﴾ ففرقنا بينهم وقطعنا الوصل التي كانت بينهم في الدنيا.

قيل: عين الكلمة "واو" لأنه من زال يزول.

وإنما قلبت ياء لأن وزن الكلمة "فيعل" أي زيولنا مثل بيطره أعل إعلال سيد.

وقيل: هي من زلت الشيء أزيله، فعينه على هذا ياء والوزن "فعل" ونظير زيلنا قوله: ﴿ ونادى أصحاب الأعراف  ﴾ لأن حكم الله بأنه سيكون كالكائن ﴿ وقال شركاؤهم ﴾ في صحة هذه الإضافة وجوه منها: أنهم جعلوا نصيباً من أموالهم لتلك الأصنام فهم شركاؤهم.

ومنها أنهم متشاركون في الخطاب في قوله: ﴿ مكانكم ﴾ ومنها أنهم أثبتوا هذه الشركة والشركاء.

وقيل: هم الملائكة لقوله: ﴿ ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون ﴾ وقيل: كل من عبد من دون الله.

وقيل: الأصنام لأن هذا الخطاب مشتمل على التهديد وأنه لا يليق بالملائكة المقربين.

وكيف تنطق هذه الأصنام؟

وقيل: لأن الله يخلق فيهم الحياة والعقل والنطق.

ثم هل يبقيهم أو يفنيهم؟

الكل محتمل ولا اعتراض لأحد عليه.

وقيل: يخلق فيهم الكلام فقط.

وهذا الخطاب تهديد في حق العابدين فهل يكون تهديداً في حق المعبودين؟

قالت المعتزلة لا، لأنه لا ذنب للمعبودين ومن لا ذنب له يقبح من الله تهديده وتخويفه.

وقالت الأشاعرة: لا يسأل عما يفعل.

أما قول الشركاء ﴿ ما كنتم إيانا تعبدون ﴾ وهم كانوا قد عبدوهم فالمراد أنكم ما عبدتمونا بأمرنا وإرادتنا لقولهم: ﴿ فكفى بالله شهيداً ﴾ الآية.

ومن أعظم أسباب الغفلة كونها جمادات لا حس لها ولا شعور.

وقيل: لما في ذلك الموقف من الدهشة والحيرة فذلك الكذب يجري مجرى كذب الصبيان والمجانين والمدهوشين.

وقيل: إنهم ما أقاموا لأعمال الكفار وزناً فجعلوها كالعدم.

وقيل: المراد أنهم عبدوا الشياطين حيث أمروهم باتخاذ الأنداد، ومن جوز الكذب في القيامة فلا إشكال.

و ﴿ هنالك ﴾ أي في ذلك المقام وفي ذلك الموقف أو في ذلك الوقت على استعارة اسم المكان للزمان.

﴿ تبلوا كل نفس ﴾ تختبر وتذوق ﴿ ما أسلفت ﴾ من العمل.

ومن قرأ بالنون فالمعنى نفعل بها فعل الخابر، أو نصيب بالبلاء وهو العذاب كل نفس عاصية لأجل ما أسلفت من الشر.

ومن قرأ ﴿ تتلو ﴾ بتائين فمعناه تتبع ما أسفلت لأن عمله هو الذي يهديه إلى طريق الجنة أو إلى طريق النار.

أو تقرأ في صحيفتها ما قدمت من خير أو شر.

﴿ وردّوا إلى الله مولاهم الحق ﴾ الصادق ربوبيته ﴿ وضل عنهم ﴾ وضاع عنهم ﴿ ما كانوا ﴾ يدعون أنهم شركاء الله أو ما كانوا يختلفون من شفاعة الآلهة.

والحاصل أنهم يرجعون عن الباطل ويعترفون بالحق حين لا ينفعهم ذلك.

التأويل: ﴿ وإذا أذقنا الناس ﴾ ذوق توبة وإنابة أو ذوق كشف وشهود ﴿ من بعد ضراء ﴾ وهي الفسوق والأخلاق الذميمة وحجب الأوصاف ﴿ إذا لهم مكر في آياتنا ﴾ بإظهارها إلى غير أهلها بشرف النفس وطلب الجاه والقبول.

﴿ قل الله أسرع مكراً ﴾ فيستدرجهم عن تلك المقامات إلى دركات البعد ﴿ من حيث لا يشعرون ﴾ ﴿ هو الذي يسيركم ﴾ في بر البشرية وبحر الروحانية، أو في بر العبودية وبحر الربوبية ﴿ حتى إذا كنتم ﴾ في فلك جذبات العناية ﴿ وجرين بهم ﴾ بهبوب نسيم شهود الجمال ﴿ وفرحوا ﴾ بالوصول والوصال ﴿ جاءتها ﴾ نكباء تجلى صفات الجلال ﴿ وجاءهم ﴾ موج البلايا والمحن من أماكن النعم والبلاء موكل بالأنبياء ثم بالأولياء ثم الأمثل فالأمثل ﴿ فلما أنجاهم ﴾ فيه إشارة إلى أن أرباب الطلب لما وصلوا بجذبات الحق إلى شهود الجمال واستغراق لجج بحر الجلال، استقبلتهم عواصف العزة والكبرياء فيستدرجهم إلى البغي وهو الطلب في أرض ما سوى الحق غير الحق ﴿ كماء أنزلناه ﴾ من سماء القلب إلى أرض البشرية ﴿ فاختلط به ﴾ الصفات المولدة من أرض البشرية ﴿ مما يأكل الناس والأنعام ﴾ من الصفات الحميدة الإنسانية والذميمة البهيمية ﴿ أتاها ﴾ حكمنا الأزلي ﴿ ليلاً ﴾ عند استيلاء ظلمات صفات النفس ﴿ أو نهاراً ﴾ عند بقاء ضوء الفيض الروحاني، لكنه بامتزاج القوة الخيالية والوهمية وقع في ورطة العقائد الباطلة كما لبعض الفلاسفة والمبتدعة.

﴿ والله يدعوا إلى دار السلام ﴾ وهي مقام الفناء لأن صاحبه يسلم عن آفات الحجب أو مقام العلم والمعرفة لأن صاحبه يسلم عن آفة الأثنينية والجهالة ﴿ ويهدي من يشاء ﴾ بجذبات العناية ﴿ إلى صراط مستقيم ﴾ يؤدي إلى السير بالله في الله.

﴿ للذين أحسنوا الحسنى ﴾ فالإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، والحسنى هي شواهد الحق والنظر إليه، والزيادة الجنة وما فيها من النعيم أو هي ما زاد على النظر من إفناء الناسوتية في اللاهوتية والله ولي التوفيق.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ...

﴾ الآية قيل: في ضرب مثل الحياة الدنيا بالزرع الذي ذكر وجوه.

قال بعضهم: قوله: ﴿ إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ في سرعة فنائها وانقطاعها ووجوب زوالها مثل ذلك الزرع الذي ذكر [في سرعة هلاكه وانقطاعه وزواله عن صاحبه.

أو أن يقال: إنما مثل الحياة الدنيا فيما يسر به ويبتهج مثل صاحب الزرع الذي ذكر] فيما سر به وابتهج، ثم كان ما ذكر: ﴿ كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلأَمْسِ ﴾ .

وقال بعضهم: إنما مثل الحياة الدنيا للحياة الدنيا فيما ينفقون فيها، مثل صاحب الزرع الذي ذكر ينفق عليه لما يأمل من المنافع ويطمع منه ثم كان ما ذكر ولو علم في الابتداء أن أمر زرعه يئول ويصير إلى ما صار لكان لا ينفق؛ فعلى ذلك صاحب الحياة الدنيا لو علم أن عاقبة أمر نفقته تصير حسرة عليه وندامة ما أنفق، كما أن صاحب الزرع الذي ذكر وبلغ المبلغ الذي ذكر لو علم أن عاقبته كما كان ما أنفق عليه، أو لو علم أنه لا ينتفع به ما أنفق تلك النفقة، أي: لو علم أن سروره وابتهاجه به لا يبقى ولا يدوم إلى آخره ما تكلف ذلك، أو لو علم أنها تزول عنه وتنقطع عن تلك السرعة ما أنفق ذلك وما تكلف الذي تكلف.

ويحتمل ضرب مثل الحياة الدنيا بما ذكر من النبات وجهين: أحدهما: يخبر عن سرعة زوالها وانقطاعها كالنبات [الذي ذكر أنه يتسارع إلى الزوال والانقطاع لما يصيبه من الآفة فعلى ذلك الدنيا.

والثاني يخبر عن تغيرها وانقلاب أمرها كالنبات] الذي يتغير في أدنى مدة ووقت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتْ ﴾ قيل: حسنها، وازينت وحسنت فأنبتت من ألوان النبات.

وقال أبو عوسجة: زخرفها: زينتها من النبت، و ﴿ حَصِيداً ﴾ أي: محصودا كما يحصد الحصاد، والحصاد: الزرع، ﴿ كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلأَمْسِ ﴾ أي: لم تعش، [والمغاني هي] المواضع التي يعيش فيها الناس، قال: وواحد المغاني مغنى.

وقال القتبي: وأصل الزخرف الذهب؛ يقال للنقش والذهبة وكل شيء زين: زخرف، وقال: ﴿ كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلأَمْسِ ﴾ والمغاني: المنازل واحدها مغنى.

وقال بعضهم: ﴿ كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِٱلأَمْسِ ﴾ أي: لم تنغم.

وقيل: لم تعمر.

وقال بعضهم: هو من الغِنَى، أي: كأن لم تكن غنيا بالأمس، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ ﴾ أي: ظن أهل الدنيا فيما ينفقون أنهم قادرون على تلك النفقة، كما ظن صاحب الزرع أنه قادر على ذلك الزرع.

وقوله: ﴿ أَتَاهَآ أَمْرُنَا ﴾ قيل: عذابنا سمي أمراً؛ لأنه بأمره أتاه، وفيه أنه لم يأته عن غفلة وسهو، ولكن عن علم وأمر؛ عظة لهم وتنبيهاً؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ كَذٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ كأن الآيات في هذا الموضع المواعظ، أي: فيما ذكر من ضرب مثل الحياة الدنيا بالنبات والزرع الذي ذكر عظة وتنبيه لمن تفكر فيه، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إنما مثل الحياة الدنيا التي تتمتعون فيها في سرعة انقضائها كمثل مطر اختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس من الحبوب والثمار، ومما تأكل الأنعام من الحشيش وغيره، حتَّى إذا أخذت الأرض لونها الزاهي، وتَجَمَّلت بما تنبته من أنواع النبات، وظن أهلها أنهم قادرون على حصاد ما أنبتت وقطافه، جاءها قضاؤنا بإهلاكها، فصيرناها محصودة كأن لم تكن عامرةً بالأشجار والنباتات في عهد قريب، كما بيَّنا لكم حال الدنيا وسرعة انقضائها نبين الأدلة والبراهين لمن يتفكرون ويعتبرون.

<div class="verse-tafsir" id="91.kPEpy"

مزيد من التفاسير لسورة يونس

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل