الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٥٣ من سورة يونس
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 58 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٥٣ من سورة يونس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى : ويستخبرونك ( أحق هو ) أي : المعاد والقيامة من الأجداث بعد صيرورة الأجسام ترابا .
( قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين ) أي : ليس صيرورتكم ترابا بمعجز الله عن إعادتكم كما بدأكم من العدم : ( إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ) [ يس : 82 ] .
وهذه الآية ليس لها نظير في القرآن إلا آيتان أخريان ، يأمر الله تعالى رسوله أن يقسم به على من أنكر المعاد في سورة سبأ : ( وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم ) [ سبأ : 3 ] .
وفي التغابن : ( زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير ) [ التغابن : 7 ] .
القول في تأويل قوله تعالى : وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (53) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ويستخبرك هؤلاء المشركون من قومك ، يا محمد ، (16) فيقولون لك: أحق ما تقول ، وما تعدنا به من عذاب الله في الدار الآخرة جزاءً على ما كنا نكسِب من معاصي الله في الدنيا؟
قل لهم يا محمد : " إي وربي إنه لحق " ، لا شك فيه، وما أنتم بمعجزي الله إذا أراد ذلك بكم ، بهربٍ ، أو امتناع، بل أنتم في قبضته وسلطانه وملكه، إذا أراد فعل ذلك بكم، فاتقوا الله في أنفسكم.
(17) ------------------------ الهوامش: (16) انظر تفسير " النبأ " فيما سلف ص : 54 ، تعليق : 4 ، والمراجع هناك .
(17) انظر تفسير " الإعجاز " فيما سلف 14 : 131 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .
قوله تعالى ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزينقوله تعالى ويستنبئونك أي يستخبرونك يا محمد عن كون العذاب وقيام الساعة .أحق ابتداء .
هو سد مسد الخبر ; وهذا قول سيبويه .
ويجوز أن يكون هو مبتدأ ، و أحق خبره .قل إي ، إي كلمة تحقيق وإيجاب وتأكيد بمعنى نعم .وربي قسم .
إنه لحق جوابه ، أي كائن لا شك فيه .وما أنتم بمعجزين أي فائتين عن عذابه ومجازاته .
يقول تعالى لنبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ : {وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ} أي: يستخبرك المكذبون على وجه التعنت والعناد، لا على وجه التبين والرشاد. {أَحَقٌّ هُوَ} أى: أصحيح حشر العباد، وبعثهم بعد موتهم ليوم المعاد، وجزاء العباد بأعمالهم، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر؟ {قُلْ} لهم مقسمًا على صحته، مستدلا عليه بالدليل الواضح والبرهان: {إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ} لا مرية فيه ولا شبهة تعتريه. {وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ} لله أن يبعثكم، فكما ابتدأ خلقكم ولم تكونوا شيئًا، كذلك يعيدكم مرة أخرى ليجازيكم بأعمالكم.
( ويستنبئونك ) أي : يستخبرونك يا محمد ، ( أحق هو ) أي : ما تعدنا من العذاب وقيام الساعة ، ( قل إي وربي ) أي : نعم وربي ، ( إنه لحق ) لا شك فيه ، ( وما أنتم بمعجزين ) أي : بفائتين من العذاب ، لأن من عجز عن شيء فقد فاته .
«ويستنبئونك» يستخبرونك «أحق هو» أي ما وعدتنا به من العذاب والبعث «قل إي» نعم «وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين» بفائتين العذاب.
ويستخبرك هؤلاء المشركون من قومك -أيها الرسول- عن العذاب يوم القيامة، أحقٌّ هو؟
قل لهم -أيها الرسول-: نعم وربي إنه لحق لا شك فيه، وما أنتم بمعجزين الله أن يبعثكم ويجازيكم، فأنتم في قبضته وسلطانه.
ثم قال - سبحانه - ( وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ ) النبأ : كما يقول الراغب .
خبر ذو فائدة عظيمة ، يحصل به علم أو غلبة ظن .والاستنباء : طلب الأخبار الهامة .أى : إن هؤلاء الضالين يطلبون منك - أيها الرسول الكريم - على سبيل التهكم والاستهزاء ، أن تخبرهم عن هذا العذاب الذى توعدتهم به ، أهو واقع بهم على سبيل الحقيقة ، أم هو غير واقع ولكنك تحدثهم عنه على سبيل الإِرهاب والتهديد؟وقوله : ( قُلْ إِي وربي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ ) إرشاد من الله - تعالى - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - إلى الجواب الذى يرد به عليهم .ولفظ ( أي ) بكسر الهمزة وسكون الياء - حرف جواب وتصديق بمعنى نعم ، إلا أنه لا يستعمل إلا مع القسم .أى : قل لهم يا محمد : نعم وحق ربي إن العذاب الذى أخبرتكم به لا محيص لكم عنه وما أنتم بمعجزي الله - تعالى - إذا أراد أن ينزله بكم فى أي وقت يريده ، بل أنتم فى قبضته وتحت سلطانه وملكه ، فاتقوا الله ، بأن تخلصوا به العبادة ، وتتبعوا رسوله - صلى الله عليه وسلم - فيما جاءكم به من عنده - سبحانه - .وقد أكد سبحانه - الجواب عليهم بأتم وجوه التأكيد ، لأنهم كانوا قوما ينكرون أشد الإِنكار أن يكون هناك عذاب وحساب وبعث وجنة ونار .قال ابن كثير : " وهذه الآية ليس لها نظير فى القرآن إلا آيتان أخريان ، يأمر الله - تعالى - رسوله فيهما أن يقسم به على من أنكر المعاد ، أما الآية الأولى فهي قوله - تعالى - :( وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا الساعة قُلْ بلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ .
.
) وأما الآية الثانية فهي قوله - تعالى - : ( زَعَمَ الذين كفروا أَن لَّن يُبْعَثُواْ قُلْ بلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ .
.
) وجملة ( وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ ) إما معطوفة على جواب القسم ، أو مستأنفة سبقت لبيان عجزهم عن الخلاص ، وتأكيد وقوع العذاب عليهم .
اعلم أنه سبحانه أخبر عن الكفار بقوله: ﴿ وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صادقين ﴾ .
وأجاب عنه بما تقدم فحكى عنهم أنهم رجعوا إلى الرسول مرة أخرى في عين هذه الواقعة وسألوه عن ذلك السؤال مرة أخرى وقالوا: أحق هو واعلم أن هذا السؤال جهل محض من وجوه: أولها: أنه قد تقدم هذا السؤال مع الجواب فلا يكون في الإعادة فائدة.
وثانيها: أنه تقدم ذكر الدلالة العقلية على كون محمد رسولاً من عند الله، وهو بيان كون القرآن معجزاً، وإذا صحت نبوته لزم القطع بصحة كل ما يخبر عن وقوعه، فهذه المعاني توجب الإعراض عنهم، وترك الالتفات إلى سؤالهم، واختلفوا في الضمير في قوله: ﴿ أَحَقٌّ هُوَ ﴾ قيل: أحق ما جئتنا به من القرآن والنبوة والشرائع.
وقيل: ما تعدنا من البعث والقيامة.
وقيل: ما تعدنا من نزول العذاب علينا في الدنيا.
ثم إنه تعالى أمره أن يجيبهم بقوله: ﴿ قُلْ إِى وَرَبّى إِنَّهُ لَحَقٌّ ﴾ والفائدة فيه أمور: أحدها: أن يستمليهم ويتكلم معهم بالكلام المعتاد ومن الظاهر أن من أخبر عن شيء، وأكده بالقسم فقد أخرجه عن الهزل وأدخله في باب الجد.
وثانيها: أن الناس طبقات فمنهم من لا يقر بالشيء إلا بالبرهان الحقيقي، ومنهم من لا ينتفع بالبرهان الحقيقي، بل ينتفع بالأشياء الإقناعية، نحو القسم فإن الأعرابي الذي جاء الرسول عليه السلام، وسأل عن نبوته ورسالته اكتفى في تحقيق تلك الدعوى بالقسم، فكذا هاهنا.
ثم إنه تعالى أكد ذلك بقوله: ﴿ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ ﴾ ولا بد فيه من تقدير محذوف، فيكون المراد وما أنتم بمعجزين لمن وعدكم بالعذاب أن ينزله عليكم والغرض منه التنبيه على أن أحداً لا يجوز أن يمانع ربه ويدافعه عما أراد وقضى، ثم إنه تعالى بين أن هذا الجنس من الكلمات، إنما يجوز عليهم ما داموا في الدنيا فأما إذا حضروا محفل القيامة وعاينوا قهر الله تعالى، وآثار عظمته تركوا ذلك واشتغلوا بأشياء أخرى، ثم إنه تعالى حكى عنهم ثلاثة أشياء: أولها: قوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّ لِكُلّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الارض لاَفْتَدَتْ بِهِ ﴾ إلا أن ذلك متعذر لأنه في محفل القيامة لا يملك شيئاً كما قال تعالى: ﴿ وَكُلُّهُمْ ءاتِيهِ يَوْمَ القيامة فَرْداً ﴾ وبتقدير: أن يملك خزائن الأرض لا ينفعه الفداء لقوله تعالى: ﴿ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ ﴾ وقال في صفة هذا اليوم ﴿ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شفاعة ﴾ .
وثانيها: قوله: ﴿ وَأَسَرُّواْ الندامة لَمَّا رَأَوُاْ العذاب ﴾ واعلم أن قوله: ﴿ وَأَسَرُّواْ الندامة ﴾ جاء على لفظ الماضي، والقيامة من الأمور المستقبلة إلا أنها لما كانت واجبة الوقوع، جعل الله مستقبلها كالماضي، واعلم أن الإسرار هو الإخفاء والإظهار وهو من الأضداد، أما ورود هذه اللفظة بمعنى الإخفاء فظاهر وأما ورودها بمعنى الإظهار فهو من قولهم سر الشيء وأسره إذا أظهره.
إذا عرفت هذا فنقول: من الناس من قال: المراد منه إخفاء تلك الندامة، والسبب في هذا الإخفاء وجوه: الأول: أنهم لما رأوا العذاب الشديد صاروا مبهوتين متحيرين، فلم يطيقوا عنده بكاء ولا صراخاً سوى إسرار الندم كالحال فيمن يذهب به ليصلب فإنه يبقى مبهوتاً متحيراً لا ينطق بكلمة.
الثاني: أنهم أسروا الندامة من سفلتهم وأتباعهم حياء منهم وخوفاً من توبيخهم.
فإن قيل: إن مهابة ذلك الموقف تمنع الإنسان عن هذا التدبير فكيف قدموا عليه.
قلنا: إن هذا الكتمان إنما يحصل قبل الاحتراق بالنار، فإذا احترقوا تركوا هذا الإخفاء وأظهروه بدليل قوله تعالى: ﴿ قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا ﴾ الثالث: أنهم أسروا تلك الندامة لأنهم اخلصوا لله في تلك الندامة، ومن أخلص في الدعاء أسره، وفيه تهكم بهم وبإخلاصهم يعني أنهم لما أتوا بهذا الإخلاص في غير وقته ولم ينفعهم، بل كان من الواجب عليهم أن يأتوا به في دار الدنيا وقت التكليف، وأما من فسر الإسرار بالإظهار فقوله: ظاهر لأنهم إنما أخفوا الندامة على الكفر والفسق في الدنيا لأجل حفظ الرياسة، وفي القيامة بطل هذا الغرض فوجب الإظهار.
وثالثها: قوله تعالى: ﴿ وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ بالقسط وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ فقيل بين المؤمنين والكافرين، وقيل بين الرؤساء والأتباع، وقيل بين الكفار بإنزال العقوبة عليهم.
واعلم أن الكفار وإن اشتركوا في العذاب فإنه لابد وأن يقضي الله تعالى بينهم لأنه لا يمتنع أن يكون قد ظلم بعضهم بعضاً في الدنيا وخانه، فيكون في ذلك القضاء تخفيف من عذاب بعضهم، وتثقيل لعذاب الباقين، لأن العدل يقتضي أن ينتصف للمظلومين من الظالمين، ولا سبيل إليه إلا بأن يخفف من عذاب المظلومين ويثقل في عذاب الظالمين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ ﴾ ويستخبرونك فيقولون: ﴿ أَحَقٌّ هُوَ ﴾ وهو استفهام على جهة الإنكار والاستهزاء.
وقرأ الأعمش: ﴿ آلحق هو ﴾ ، وهو أدخل في الاستهزاء، لتضمنه معنى التعريض بأنه باطل.
وذلك أنّ اللام للجنس، فكأنه قيل: أهو الحق لا الباطل؟
أو أهو الذي سميتموه الحق، والضمير للعذاب الموعود.
و ﴿ إِى ﴾ بمعنى (نعم) في القسم خاصة، كما كان (هل) بمعنى (قد) في الاستفهام خاصة.
وسمعتهم يقولون في التصديق: إيوَ، فيصلونه بواو القسم ولا ينطقون به وحده ﴿ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ ﴾ بفائتين العذاب، وهو لاحق بهم لا محالة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ عُطِفَ عَلى قِيلَ المُقَدَّرِ.
﴿ ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ ﴾ المُؤْلِمَ عَلى الدَّوامِ.
﴿ هَلْ تُجْزَوْنَ إلا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ﴾ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي.
﴿ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ ﴾ ويَسْتَخْبِرُونَكَ.
﴿ أحَقٌّ هُوَ ﴾ أحَقٌّ ما تَقُولُ مِنَ الوَعْدِ أوِ ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ تَقُولُهُ بِجِدٍّ أمْ باطِلٍ تَهْزِلُ بِهِ قالَهُ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ لَمّا قَدِمَ مَكَّةَ، والأظْهَرُ أنَّ الِاسْتِفْهامَ فِيهِ عَلى أصْلِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ ﴾ وقِيلَ إنَّهُ لِلْإنْكارِ ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ « آلْحَقُّ هو» فَإنَّ فِيهِ تَعْرِيضًا بِأنَّهُ باطِلٌ، وأحَقُّ مُبْتَدَأٌ والضَّمِيرُ مُرْتَفِعٌ بِهِ سادٌّ مَسَدَّ الخَبَرِ أوْ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ النَّصْبِ بِـ (يَسْتَنْبِئُونَكَ) .
﴿ قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ ﴾ إنَّ العَذابَ لَكائِنٌ أوْ ما ادَّعَيْتُهُ لَثابِتٌ.
وقِيلَ كِلا الضَّمِيرَيْنِ لِلْقُرْآنِ، وإي بِمَعْنى نَعَمْ وهو مِن لَوازِمِ القَسَمِ ولِذَلِكَ يُوصَلُ بِواوِهِ في التَّصْدِيقِ فَيُقالُ إي واللَّهِ ولا يُقالُ إي وحْدَهُ.
﴿ وَما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ بِفائِتِينَ العَذابَ.
<div class="verse-tafsir"
{وَيَسْتَنْبِئُونَكَ} ويستخبرونك فيقولون {أَحَقٌّ هُوَ} وهو استفهام على جهة الإنكار والاستهزاء والضمير للعذاب الموعود {قُلْ} يا محمد {إِى وَرَبّي} نعم والله {إِنَّهُ لَحَقٌّ} إن العذاب كائن لا محالة {وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ} بفائتين العذاب وهو لاحق بكم لا محالة
﴿ ويَسْتَنْبِئُونَكَ ﴾ أيْ يَسْتَخْبِرُونَكَ ﴿ أحَقٌّ هُوَ ﴾ أيِ العَذابُ المَوْعُودُ كَما هو الأنْسَبُ بِالسِّياقِ دُونَ ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ الَّذِي جَوَّزَهُ بَعْضُهم ورُجِّحَ عَلَيْهِ أيْضًا بِأنَّهُ لا يَتَأتّى إثْباتُ النُّبُوَّةِ لِمُنْكِرِيها بِالقَسَمِ وأُجِيبُ بِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ إثْباتُها بَلْ كَوْنُ تِلْكَ الدَّعْوى جِدًّا لا هَزْلًا أوْ أنَّهُ بِالنِّسْبَةِ لِمَن يُقْنَعُ بِالإثْباتِ بِمِثْلِهِ وقَدْ يُقالُ: ما ذُكِرَ مُشْتَرَكُ الإلْزامِ لِأنَّ العَذابَ المَوْعُودَ لا يَثْبُتُ عِنْدَ الزّاعِمِينَ أنَّهُ افْتِراءٌ قَبْلَ وُقُوعِهِ بِمُجَرَّدِ القَسَمِ أيْضًا فَلا يَصْلُحُ ما ذُكِرَ مُرَجَّحًا والحَقُّ أنَّ القَسَمَ لَمْ يُذْكَرْ لِلْإلْزامِ بَلْ تَوْكِيدٌ لِما أنْكَرُوهُ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والِاسْتِنْباءُ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ والِاسْتِهْزاءِ كَما هو المَعْلُومُ مِن حالِهِمْ فَلا يَقْتَضِي بَقاءَهُ عَلى أصْلِهِ ورُبَّما يُقالُ: إنَّ الِاسْتِنْباءَ بِمَعْنى طَلَبِ النَّبَأِ حَقِيقَةٌ لَكِنْ لا عَنِ الحَقِّيَةِ ومُقابِلِها بِالمَعْنى المُتَبادَرِ لِأنَّهم جازِمُونَ بِالثّانِي بَلِ المُرادُ مِن ذَلِكَ الجِدُّ والهَزْلُ كَأنَّهم قالُوا: إنّا جازِمُونَ بِأنَّ ما تَقُولُهُ كَذِبٌ لَكُنّا شاكُّونَ في أنَّهُ جِدٌّ مِنكَ أمْ هَزْلٌ فَأخْبِرْنا عَنْ حَقِيقَةِ ذَلِكَ ونَظِيرُ هَذا قَوْلُهُمْ: ﴿ أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ ﴾ عَلى ما قَرَّرَهُ الجَماعَةُ إلّا أنَّ ذَلِكَ خِلافُ الظّاهِرِ و ﴿ حَقٌّ ﴾ خَبَرٌ قُدِّمَ عَلى المُبْتَدَأِ الَّذِي هو (هُوَ) لِيَلِيَ الهَمْزَةَ المَسْؤُولُ عَنْهُ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وهو مُرْتَفِعٌ بِهِ سادٌّ مَسَدَّ الخَبَرِ لِأنَّهُ بِمَعْنى ثابِتٌ فَهو حِينَئِذٍ صِفَةٌ وقَعَتْ بَعْدَ الِاسْتِفْهامِ فَتَعْمَلُ ويُكْتَفى بِمَرْفُوعِها عَنِ الخَبَرِ إذا كانَ اسْمًا ظاهِرًا أوْ في حُكْمِهِ كالضَّمِيرِ المُنْفَصِلِ هُنا والمَشْهُورُ أنَّ اسْتَنْبَأ تَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ أحَدُهُما بِدُونِ واسِطَةٍ والآخَرُ بِواسِطَةِ - عَنْ - فالمَفْعُولُ الأوَّلُ عَلى هَذا لِيَسْتَنْبِئُونَ الكافُ والثّانِي قامَتْ مَقامَهُ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى مَعْنى يَسْألُونَكَ عَنْ جَوابِ هَذا السُّؤالِ إذِ الِاسْتِفْهامُ لا يُسْألُ عَنْهُ وإنَّما يُسْألُ عَنْ جَوابِهِ والزَّمَخْشَرِيُّ لَمّا رَأى أنَّ الجُمْلَةَ هُنا لا تَصْلُحُ أنْ تَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا مَعْنًى لِما عَرَفْتَ ولَفْظًا لِأنَّهُ لا يَصِحُّ دُخُولُ - عَنْ - عَلَيْها جُعِلَ الفِعْلُ مُضَمَّنًا مَعْنى القَوْلِ أيْ يَقُولُونَ لَكَ هَذا والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولُ القَوْلِ وقَرَأ الأعْمَشُ (آلْحَقُّ هُوَ) بِالتَّعْرِيفِ مَعَ الِاسْتِفْهامِ وهي تُؤَيِّدُ كَوْنَ الِاسْتِفْهامِ لِلْإنْكارِ لِما فِيها مِنَ التَّعْرِيضِ لِبُطْلانِهِ المُقْتَضِي لِإنْكارِهِ لِإفادَةِ الكَلامِ عَلَيْها القَصْرُ وهو مِن قَصْرِ المُسْنَدِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المَشْهُورِ والمَعْنى أنَّ الحَقَّ ما تَقُولُ أمْ خِلافُهُ وجَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن قَصْرِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ حَيْثُ قالَ كَأنَّهُ قِيلَ: أهُوَ الحَقُّ لا الباطِلُ أوْ أهُوَ الَّذِي سَمَّيْتُمُوهُ الحَقَّ وأشارَ بِالتَّرْدِيدِ إلى أنَّ الغَرَضَ مِن هَذا الوَجْهِ لا يَخْتَلِفُ جَعْلُ الحَصْرِ حَقِيقِيًّا تَهَكُّمًا أوِ ادِّعائِيًّا واعْتُرِضَ ذَلِكَ بِأنَّهُ مُخالِفٌ لِما عَلَيْهِ عُلَماءُ المَعانِي في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ وفي الكَشْفِ أنَّهُ يَتَخايَلُ أنَّ الحَصْرَ عَلى مَعْنى أهُوَ الحَقُّ لا غَيْرُهُ لا مَعْنى أهُوَ الحَقُّ لا الباطِلُ عَلى ما قَرَّرُوهُ في قَوْلِهِمْ: زَيْدٌ المُنْطَلِقُ والمُنْطَلِقُ زَيْدٌ فَعَلى هَذا لا يَسُدُّ ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ ولَكِنَّهُ يَضْمَحِلُّ بِما حَقَّقْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ ﴾ وأنَّ انْحِصارَ أحَدِهِما في الآخَرِ يُلاحَظُ بِحَسَبِ المَقامِ وحِينَئِذٍ لا يُبالى قُدِّمَ أوْ أُخِّرَ وهَهُنا المَعْنى عَلى حَصْرِ العَذابِ في الحَقِّيَّةِ لا عَلى حَصْرِ الحَقِّيَّةِ في العَذابِ وقَدْ قالَ هُناكَ: إنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ نَحْوَ زَيْدٌ المُنْطَلِقُ وعَكْسِهِ إنَّما يُحْكَمُ فِيهِ بِقَصْرِ الثّانِي أعْنِي الِانْطِلاقَ عَلى الأوَّلِ لِأنَّ المُناسِبَ قَصْرُ العامِّ عَلى الخاصِّ وكَذَلِكَ نَحْوَ النّاسُ هُمُ العُلَماءُ والعُلَماءُ هُمُ النّاسُ وإنْ كانَ بَيْنَهُما عُمُومٌ وخُصُوصٌ مِن وجْهٍ لِأنَّ المَقْصُودَ بَيْنَ، وأمّا في نَحْوِ قَوْلِنا: الخاشِعُونَ هُمُ العُلَماءُ والعُلَماءُ هُمُ الخاشِعُونَ فالحُكْمُ مُخْتَلِفٌ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا وأحَدُ القَصْرَيْنِ غَيْرُ الآخَرِ فَيَنْبَغِي أنْ يُنْظَرَ إلى مُقْتَضى المَقامِ إنْ تَعَيَّنَ أحَدُهُما لِذَلِكَ حُكِمَ بِهِ قُدِّمَ أوْ أُخِّرَ وإلّا رُوعِيَ التَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ وقَدْ يَكُونُ القَصْرُ مُتَعاكِسًا نَحْوَ زَيْدٌ المُنْطَلِقُ إذا أُرِيدَ المَعْهُودُ وهَذا ذاكَ وكَذَلِكَ الجِنْسانِ إذا اتَّحَدا مَوْرِدًا كَقَوْلِكَ: الضّاحِكُ الكاتِبُ إلى آخِرِ ما قالَ وكَوْنُ المَعْنى هَهُنا عَلى حَصْرِ العَذابِ في الحَقِّيَّةِ دُونَ العَكْسِ هو المُناسِبُ ومُخالَفَةُ عُلَماءِ المَعانِي لَيْسَتْ بِدَعًا مِن صاحِبِ الكَشّافِ وأمْثالِهِ والحَقُّ لَيْسَ مَحْصُورًا بِما هم عَلَيْهِ كَما لا يَخْفى فَتَدَبَّرْ.
﴿ قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ ﴾ أيْ قُلْ لَهم غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِاسْتِهْزائِهِمْ مُغْضِيًا عَما قَصَدُوا بانِيًا لِلْأمْرِ عَلى أساسِ الحِكْمَةِ: نَعَمْ إنَّ ذَلِكَ العَذابَ المَوْعُودَ ثابِتٌ البَتَّةَ فَضَمِيرُ (إنَّهُ) لِلْعَذابِ أيْضًا و(إي) حَرْفُ جَوابٍ وتَصْدِيقٍ بِمَعْنى نَعَمْ قِيلَ: ولا تُسْتَعْمَلُ كَذَلِكَ إلّا مَعَ القَسَمِ خاصَّةً كَما أنَّ هَلْ بِمَعْنى قَدْ في الِاسْتِفْهامِ خاصَّةً ولِذَلِكَ سُمِعَ مِن كَلامِهِمْ وصْلُها بِواوِ القَسَمِ إذْ لَمْ يُذْكَرِ المُقْسَمُ بِهِ فَيَقُولُونَ - إيُو - ويُوصِلُونَ بِهِ هاءَ السَّكْتِ أيْضًا فَيَقُولُونَ: -أيْوَهْ- وهَذِهِ اللَّفْظَةُ شائِعَةٌ اليَوْمَ في لِسانِ المِصْرِيِّينَ وأهْلِ ذَلِكَ الصَّقْعِ وادَّعى أبُو حَيّانَ أنَّهُ يَجُوزُ اسْتِعْمالُها مَعَ القَسَمِ وبِدُونِهِ إلّا أنَّ الأوَّلَ هو الأكْثَرُ قالَ: وما ذُكِرَ مِنَ السَّماعِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ لِأنَّ اللُّغَةَ فَسَدَتْ بِمُخالَطَةِ غَيْرِ العَرَبِ فَلَمْ يَبْقَ وُثُوقٌ بِالسَّماعِ وحَذْفُ المَجْرُورِ بِواوِ القَسَمِ والِاكْتِفاءُ بِها لَمْ يُسْمَعْ مِن مَوْثُوقٍ بِهِ وهو مُخالِفٌ لِلْقِياسِ وأُكِّدَ الجَوابُ بِأتَمِّ وُجُوهِ التَّأْكِيدِ حَسَبَ شِدَّةِ إنْكارِهِمْ وقُوَّتِهِ وقَدْ زِيدَ تَقْرِيرًا وتَحْقِيقًا بِقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ 53﴾ أيْ بِفائِتِينَ العَذابَ عَلى أنَّهُ مِن فاتَهُ الأمْرُ إذا ذَهَبَ عَنْهُ ويَصِحُّ جَعْلُهُ مِن أعْجَزَهُ بِمَعْنى وجَدَهُ عاجِزًا أيْ ما أنْتُمْ بِواجِدِي العَذابِ أوْ مَن يُوقِعُهُ بِكم عاجِزًا عَنِ إدْراكِكم وإيقاعِهِ بِكم وأيًّا ما كانَ فالجُمْلَةُ إمّا مَعْطُوفَةٌ عَلى جَوابِ القَسَمِ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ سِيقَتْ لِبَيانِ عَجْزِهِمْ عَنِ الخَلاصِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّقْرِيرِ المَذْكُورِ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قال قتادة ومقاتل: وذلك أنَّ حييَّ بْنَ أخْطَبَ حين قدم مكة قال للنبي أحق هذا العذاب؟
قال الله تعالى لنبيه : قُلْ إِي وَرَبِّي، يعني: إي والله إنَّه لكائن.
ويقال: معناه ويسألونك عن البعث أحق هو؟
ويسألونك عن دينك أحق هو؟
قُلْ إِي وَرَبِّي، يعني قل: يا محمَّد نعم إِنَّهُ لَحَقٌّ يعني: العذاب نازل بكم إن لم تؤمنوا وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ بفائتين من العذاب حتَّى يجزيكم به.
ثم أخبر عن حالهم حين نزل بهم العذاب، فقال تعالى: وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ يعني: كفرت وأشركت بالله تعالى، ما فِي الْأَرْضِ يعني: لو كان لها مَا فِى الارض جَمِيعاً يعني: النفس لَافْتَدَتْ بِهِ يعني: النَّفس لافتدت مِن سُوء العذاب، أي لا ينفعها لها ولا يُقبَل منها.
وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ يعني: أخفوا النَّدامة، يعني: أن القادة أخفوا الندامة من السَّفلة، لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ حين نزل بهم العذاب، وعاينوه وشاهدوه.
وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ بين القادة والسفلة بالعدل، ويقال: قُضِيَ بَيْنَهُمْ، يعني: الخلق بالعدل، فيعطي ثوابهم على قدر أعمالهم.
ويقال: يقضي بين الكفَّار بالعدل، وبين المؤمنين بالفضل.
ثم قال: وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ يعني: لا ينقصون من ثواب أعمالهم شيئاً.
ثمَّ بيَّن استغناءه عن عبادة الخلق وقدرته عليهم، فقال: أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: كلُّهم عبيده وإماؤه، وهو قادر عليهم.
ويقال: كلُّ شيء يدلُّ على توحيده، وأنَّ له صانعاً.
أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ يعني: بالبعث بعد الموت هو كائن.
وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ يعني: لا يُصدِّقون به.
ثم قال تعالى: هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ في الآخرة، فيجازيكم بأعمالكم.
<div class="verse-tafsir"
وقوله سبحانه: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ: قال مجاهد وغيره: المعنَى: فإِذا جاء رسولهم يوم القيامة للشَّهادة عليهم، صُيِّرَ قومٌ للجنَّة، وقومٌ للنار، فذلك القضاء بينهم بالقسط «١» .
وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٨) قُلْ لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلاَّ مَا شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٤٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠) أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (٥١) ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٥٢)
وقوله سبحانه: وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قُلْ لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلَّا مَا شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ...
الآية:
الضميرُ في يَقُولُونَ لكفَّار قريش، وسؤالهم عن الوعدِ تحريرٌ منهم- بزعمهم- للحجَّة أي: هذا العذابُ الذي تُوُعِّدْنا به، حَدِّدْ لنا وقته لِنَعْلَمَ الصِّدْق في ذلك من الكَذِب، ثم أمر اللَّه تعالى نَبِيَّهُ أَنْ يقول على جهة الردِّ عليهم: قُلْ لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلَّا مَا شاءَ اللَّهُ، ولكن لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ انفرد اللَّه بعلْمِ حدِّه ووقتِهِ، وباقي الآية بَيِّن.
وقوله: مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ: أي: فمَا تستعجلون منه، وأنتم لا قِبَلَ لكم بِهِ، والضمير في «مِنْهُ» يحتمل أنْ يعود على اللَّه عزَّ وجلَّ، ويحتمل أن يعود على العَذَابِ.
وقوله: أَثُمَّ إِذا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ المعنى: إِذا وقع العذابُ وعاينتموه، آمنتم حينئذٍ، وذلك غَيْر نافعكم، بل جوابُكُمْ: الآن وقَدْ كُنْتُمْ تستعجلونَهُ مكذِّبين به، وَيَسْتَنْبِئُونَكَ:
معناه: يستخبرُونَك، وهي عَلَى هذا تتعدَّى إِلى مفعولَيْنِ أَحدُهما: الكافُ، والآخرُ:
الجملة، وقيل: هي بمعنى يَسْتَعلِمُونَكَ فعلى هذا تحتاجُ إِلَى ثَلاَثةِ مَفَاعِيلَ.
ص: ورُدَّ بأن الاستنباء لا يُحْفَظُ تعديه إِلى ثلاثةٍ، ولاَ اسْتَعْلَمَ الذي هو بِمَعْنَاه.
انتهى.
وأَ حَقٌّ هُوَ قيل: الإِشارة إِلى الشرعِ والقُرآن، وقيل: إِلى الوعيدِ وهو أَظْهر.
وقوله: إِي وَرَبِّي: أي: بمعنى «نَعَمْ» ، وهي لفظة تتقدَّم القَسَم، ويجيء بعدها
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ ﴾ أيْ: ويَسْتَخْبِرُونَكَ " أحَقٌّ هو " يَعْنُونَ البَعْثَ والعَذابَ.
" قُلْ إي " المَعْنى: نَعَمْ " ورَبِّي " وفَتَحَ هَذِهِ الياءَ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو.
وإنَّما أقْسَمَ مَعَ إخْبارِهِ تَأْكِيدًا.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " إي " بِمَعْنى " بَلْ " ولا تَأْتِي إلّا قَبْلَ اليَمِينِ صِلَةً لَها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِسابِقِينَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: لَسْتُمْ مِمَّنْ يُعْجِزُ أنْ يُجازى عَلى كُفْرِهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ بَياتًا أو نَهارًا ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ ﴾ ﴿ أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ آلآنَ وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ قِيلَ: لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إلا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ﴾ ﴿ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هو قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ المَعْنى: قُلْ: يا أيُّها الكَفَرَةُ المُسْتَعْجِلُونَ عَذابَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ ﴾ لَيْلًا وقْتَ المَبِيتِ؟
يُقالُ: بَيَّتَ القَوْمُ القَوْمَ إذا طَرْقُوهم لَيْلًا بِحَرْبٍ أو نَحْوِها، "أو نَهارًا" لَكم مِنهُ مَنَعَةٌ أو بِهِ طاقَةٌ؟
فَماذا تَسْتَعْجِلُونَ مِنهُ، وأنْتُمْ لا قِبَلَ لَكم بِهِ؟
و"ما" ابْتِداءٌ، و"ذا" خَبَرُهُ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ماذا" بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ الجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَهُ، وضَعَّفَ هَذا أبُو عَلِيٍّ وقالَ: إنَّما يَجُوزُ ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ إضْمارٍ في "يَسْتَعْجِلُ" وحَذْفُهُ كَما قالَ: .............................
∗∗∗ كُلُّهُ لَمْ أصْنَعِ وَ"زِيدٌ ضَرَبْتُ"، قالَ: ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ماذا" في حالِ نَصْبٍ لِـ"يَسْتَعْجِلُ"، والضَمِيرُ في "مِنهُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى العَذابِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أثُمَّ إذا ما وقَعَ ﴾ الآيَةُ، عَطَفَ بِقَوْلِهِ: "ثُمَّ" جُمْلَةَ القَوْلِ عَلى ما تَقَدَّمَ، ثُمَّ أدْخَلَ عَلى الجَمِيعِ ألِفَ التَقْرِيرِ.
ومَعْنى الآيَةِ: إذا وقَعَ العَذابُ وعايَنْتُمُوهُ آمَنتُمْ بِهِ حِينَئِذٍ، وذَلِكَ غَيْرُ نافِعِكُمْ، بَلْ جَوابُكُمُ الآنَ، وقَدْ كُنْتُمْ تَسْتَعْجِلُونَهُ مُكَذِّبِينَ بِهِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "أثَمَّ" بِفَتْحِ الثاءِ، وقالَ الطَبَرِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى: "ثُمَّ" بِضَمِّ الثاءِ، مَعْناهُ: هُنالِكَ، وقالَ: لَيْسَتْ "ثُمَّ" هَذِهِ الَّتِي تَأْتِي بِمَعْنى العَطْفِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمَعْنى صَحِيحٌ عَلى أنَّها "ثُمَّ" المَعْرُوفَةُ، ولَكِنَّ إطْباقَهُ عَلى لَفْظِ التَنْزِيلِ هو كَما قُلْنا، وما ادَّعاهُ الطَبَرِيُّ غَيْرُ مَعْرُوفٍ.
و"آلْآنَ" أصْلُهُ عِنْدَ بَعْضِ النُحاةِ "آنَ" فِعْلٌ ماضٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِ الألِفُ واللامُ عَلى حَدِّها في قَوْلِهِ: .............................
∗∗∗ ∗∗∗.......الحِمارُ اليُجَدَّعُ وَلَمْ يَتَعَرَّفْ بِذَلِكَ كُلَّ التَعْرِيفِ، ولَكِنَّها لَفْظَةٌ مُضَمَّنَةٌ مَعْنى حَرْفِ التَعْرِيفِ ولِذَلِكَ بُنِيَتْ عَلى الفَتْحِ لِتَضَمُّنِها مَعْنى الحَرْفِ، ولِوُقُوعِها مَوْقِعَ المُبْهَمِ، لِأنَّ مَعْناها: "هَذا الوَقْتُ"، وقَرَأ الأعْمَشُ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، والجُمْهُورُ: "آلْآنَ" بِالمَدِّ والِاسْتِفْهامِ عَلى حَدِّ التَوْبِيخِ، وكَذَلِكَ "آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ"، وقَرَأها بِاسْتِفْهامٍ بِغَيْرِ مَدٍّطَلْحَةُ والأعْرَجُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ الآيَةُ، هو الوَعِيدُ الأعْظَمُ بِالخُلُودِ لِأهْلِ الظُلْمِ الأخَصِّ الَّذِي هو ظُلْمُ الكُفْرِ لا ظُلْمُ المَعْصِيَةِ، وقَوْلَهُ: ﴿ هَلْ تُجْزَوْنَ ﴾ تَوْقِيفٌ وتَوْبِيخٌ.
ونَصَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ الجَزاءَ في الآخِرَةِ هو عَلى تَكَسُّبِ العَبْدِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ ﴾ مَعْناهُ: يَسْتَخْبِرُونَكَ، وهي -عَلى هَذا- تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ: أحُدُها الكافُ، والآخَرُ في الِابْتِداءِ والخَبَرِ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى يَسْتَعْلِمُونَكَ، فَهي -عَلى هَذا- تَحْتاجُ إلى مَفاعِيلَ ثَلاثَةٍ: أحُدُها الكافُ، والِابْتِداءُ والخَبَرُ يَسُدُّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ.
و ﴿ أحَقٌّ هُوَ ﴾ قِيلَ: الإشارَةُ إلى الشَرْعِ والقُرْآنِ، وقِيلَ: إلى الوَعِيدِ، وهو الأظْهَرُ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "آلْحَقُّ هُوَ" بِمَدَّةٍ وبِلامِ التَعْرِيفِ، وقَوْلُهُ: "إي" هي لَفْظَةٌ تَتَقَدَّمُ القَسَمَ، وهي بِمَعْنى "نَعَمْ"، ويَجِيءُ بَعْدَها حَرْفُ القَسَمِ وقَدْ لا يَجِيءُ، تَقُولُ: إي ورَبِّي، وإي رَبِّي، و"مُعْجِزِينَ" مَعْناهُ: مُفْلَتِينَ، وهَذا الفِعْلُ أصْلُهُ تَعْدِيَةُ "عَجَزَ" لَكِنْ كَثُرَ فِيهِ حَذْفُ المَفْعُولِ حَتّى قالَتِ العَرَبُ: "أعْجَزً فُلانٌ" إذا ذَهَبَ في الأرْضِ فَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ.
<div class="verse-tafsir"
هذا حكاية فن من أفانين تكذيبهم، فمرة يتظاهرون باستبطاء الوعد استخفافاً به، ومرة يُقبلون على الرسول في صورة المستفهم الطالب فيسألونه: أهذا العذاب الخالد، أي عذاب الآخرة، حق.
فالجملة معطوفة على جملة ﴿ ويقولون متى هذا الوعد ﴾ [يونس: 48]، وضمير الجمع عائد إليهم فهم المستنبئون لا غيرهم، وضمير (هو) عائد إلى ﴿ عذاب الخلد ﴾ [يونس: 52].
والحق: الثابت الواقع، فهو بمعنى حاقّ، أي ثابت، أي أن وقوعه ثابت، فأسند الثبوت لذات العذاب بتقدير مضاف يدل عليه السياق إذ لا توصف الذات بثبوت.
وجملة: ﴿ أحق هو ﴾ استفهامية معلقة فعل ﴿ يستنبئونك ﴾ عن العمل في المفعول الثاني، والجملة بيان لجملة ﴿ يستنبئونك ﴾ لأن مضمونها هو الاستثناء.
والضمير يجوز كونه مبتدأ، و ﴿ أحقّ ﴾ خبر مقدم.
واستعملوا الاستفهام تَبالُها، ولذلك اشتمل الجواب المأمور به على مراعاة الحالتين فاعتبر أولاً ظاهر حال سؤالهم فأجيبوا على طريقة الأسلوب الحكيم بحمل كلامهم على خلاف مرادهم تنبيهاً على أن الأولى بهم سؤال الاسترشاد تغليطاً لهم واغتناماً لفرصة الإرشاد بناء على ظاهر حال سؤالهم، ولذلك أكد الجواب بالتوكيد اللفظي إذْ جمع بين حرف ﴿ إي ﴾ وهو حرف جواب يحقق به المسؤول عنه، وبين الجملة الدالة على ما دل عليه حرف الجواب، وبالقسم، وإنّ، ولام الابتداء، وكلها مؤكدات.
والاعتبار الثاني اعتبار قصدهم من استفهامهم فأجيبوا بقوله: ﴿ وما أنتم بمعجزين ﴾ .
فجملة: ﴿ وما أنتم بمعجزين ﴾ معطوفة على جملة جواب القسم فمضمونها من المقْسم عليه.
ولما كان المقسم عليه جواباً عن استفهامهم كان مضمون ﴿ ما أنتم بمعجزين ﴾ جواباً عن الاستفهام أيضاً باعتبار ما أضمروه من التكذيب، أي هو واقع وأنتم مصابون به غير مفلتين منه.
وليس فعل ﴿ يستنبئونك ﴾ مستعملاً في الظاهر بمعنى الفعل كما استعمل قوله: ﴿ يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة ﴾ [التوبة: 64]، كما تقدم في براءة لأن حقيقة الاستنباء واقعة هنا إذ قد صرحوا بصورة الاستفهام.
و ﴿ إي ﴾ بكسر الهمزة: حرف جواب لتحْقيق ما تضمنه سؤال سائل، فهو مرادف (نَعم)، ولكن من خصائص هذا الحرف أنه لا يقع إلا وبعده القسم.
والمعجزون: الغالبون، أي وما أنتم بغالبين الذي طلبكم، أي بمفلتين.
وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين ﴾ في سورة [الأنعام: 134].
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ ﴾ أيْ يَسْتَخْبِرُونَكَ، وهو طَلَبُ النَّبَأِ.
﴿ أحَقٌّ هُوَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: البَعْثُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: العَذابُ في الآخِرَةِ.
﴿ قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ ﴾ فَأقْسَمَ مَعَ إخْبارِهِ أنَّهُ حَقٌّ تَأْكِيدًا.
﴿ وَما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِمُمْتَنِعِينَ.
الثّانِي: بِسابِقِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أخْفَوُا النَّدامَةَ وكَتَمُوها عَنْ رُؤَسائِهِمْ، وقِيلَ بَلْ كَتَمَها الرُّؤَساءُ عَنْ أتْباعِهِمْ.
الثّانِي: أظْهَرُوها وكَشَفُوها لَهم.
وَذَكَرَ المُبَرَّدُ فِيهِ وجْهًا ثالِثًا: أنَّهُ بَدَتْ بِالنَّدامَةِ أسِرَّةُ وُجُوهِهِمْ وهي تَكاسِيرُ الجَبْهَةِ.
﴿ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: قُضِيَ بَيْنَهم وبَيْنَ رُؤَسائِهِمْ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: قَضى عَلَيْهِمْ بِما يَسْتَحِقُّونَهُ مِن عَذابِهِمْ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإما نرينك بعض الذي نعدهم ﴾ قال: سوء العذاب في حياتك ﴿ أو نتوفينك ﴾ قبل ﴿ فإلينا مرجعهم ﴾ وفي قوله: ﴿ ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم ﴾ قال: يوم القيامة.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ ﴾ ، قال ابن عباس وغيره: يستخبرونك (١) ﴿ أَحَقٌّ هُوَ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد الذي جئت به (٢) وقال الكلبي: أحق ما جئتنا به من نزول العذاب بنا والبعث (٣) ﴿ قُلْ إِي وَرَبِّي ﴾ ، قال الليث: إي: يمين (٤) (٥) (٦) ﴿ إِنَّهُ لَحَقٌّ ﴾ ، قال الكلبي: يعني العذاب، ﴿ لَحَقٌّ ﴾ نازل بكم (٧) ﴿ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد: أن الله لا يعجزه شيء (٨) (٩) ﴿ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ بعد الموت (١٠) وقال الزجاج: أي لستم ممن يُعجز أن يجازى على كفره (١١) (١) رواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 214، وهو قول ابن جرير 15/ 102، والثعلبي 7/ 17 أ، والبغوي 4/ 137، وابن الجوزي 4/ 38 وغيرهم.
(٢) رواه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 214 بلفظ: يعني العذاب والقرآن.
(٣) ذكره الماوردي في "تفسيره" 2/ 438 مختصرًا.
(٤) "تهذيب اللغة" (إى) 15/ 657، وبخحوه في كتاب "العين" (أي) 8/ 440.
(٥) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 25.
(٦) و (¬11) "تهذيب اللغة" (إي) 15/ 657.
(٧) "تنوير المقباس" ص 214 مختصرًا عنه، عن ابن عباس.
(٨) من (م) وفي النسخ الأخرى: يريد أنه لا يعجز الله شيء، وأثبت ما في (م) لموافقتها لما في المصدر التالي.
(٩) "الوسيط" 2/ 550.
(١٠) في "تنوير المقباس" ص 214، عن الكلبي، عن ابن عباس: وما أنتم بفائتين من عذاب الله.
(١١) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 25.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ ﴾ أي يسألونك هل الوعيد حق أو هل الشرع والدين حق؟
والأول أرجح، لقوله: وما أنتم بمعجزين: أي لا تفوتون من الوعيد ﴿ قُلْ إِي ﴾ أي نعم ﴿ ظَلَمَتْ ﴾ صفة لنفس، أي لو ملك الظالم الدنيا لافتدى بها من عذاب الآخرة ﴿ وَأَسَرُّواْ الندامة ﴾ أي أخفوها في نفوسهم، وقيل: أظهروها.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ أفأنت ﴾ بتليين الهمزة ونحوه: الأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف.
﴿ ولكن الناس ﴾ بالتخفيف والرفع: حمزة وعلي وخلف ﴿ يحشرهم ﴾ بالياء: حفص الباقون بالنون ﴿ نرينك أو نتوفينك ﴾ بالنون الخفيفة: رويس ﴿ آلان ﴾ بوزن "عالان" بحذف الهمزة التي بعد اللام وإلقاء حركتها على اللام حيث كان: أبو جعفر ونافع وزمعة وحمزة في الوقف ﴿ ربي إنه ﴾ بفتح الياء: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع.
﴿ فليفرحوا ﴾ بياء الغيبة ﴿ تجمعون ﴾ بتاء الخطاب: ابن عامر ويزيد.
وقرأ زيد على ضده، وقرأ رويس كليهما على الخطاب.
والباقون على الغيبة فيهما.
الوقوف: ﴿ إليك ﴾ ط ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ ط ﴿ لا يبصرون ﴾ ه ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ مهتدين ﴾ ه ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ رسول ﴾ ج ط ﴿ لا يظلمون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ ما شاء الله ﴾ ط ﴿ أجل ﴾ ط ﴿ ولا يستقدمون ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه ﴿ آمنتم به ﴾ ط، ﴿ تستعجلون ﴾ ه ﴿ الخلد ﴾ ج ط للاستفهام مع أن القائل واحد ﴿ تكسبون ﴾ ه ﴿ أحق هو ﴾ ط ﴿ بمعجزين ﴾ ه ﴿ لافتدت به ﴾ ط ﴿ العذاب ﴾ ج ط للعطف على ﴿ أسروا ﴾ دون ﴿ رأوا ﴾ ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ﴿ فليفرحوا ﴾ ط ﴿ يجمعون ﴾ ه ﴿ وحلالاً ﴾ ط ﴿ تفترون ﴾ ه ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ لا يشكرون ﴾ ه.
التفسير: إن الإنسان إذا قوي بغضه لإنسان آخر وعظمت نفرته عنه صارت نفسه متوجهة إلى طلب مقابحه في كلامه معرضة عن جهات محاسنه فيه، وكما أن الصمم في الأذن معنى ينافي حصول إدراك الصوت، والعمى في العين أمر ينافي حصول إدراك الصورة، فكذلك حصول هذا البغض الشديد يضاد وقوف الإنسان على محاسن من يعاديه، فبين الله في أولئك الكفار من بلغت حاله في النفرة والعداوة إلى هذا الحد ﴿ يستمعون إليك ﴾ إذا قرأت القرآن وعلمت الشرائع ولكنهم لا يسمعون ولا يقبلون وينظرون إليك يعاينون أدلة الصدق وأعلام النبوة ولكنهم لا يتبصرون ولا يصدقون.
قال أهل المعاني: المستمع إلى القرآن كالمستمع إلى النبي بخلاف النظر.
فكان في المستمعين كثرة فجمع ليطابق اللفظ المعنى ووحد النظر حملاً على اللفظ إذ لم يكثروا كثرتهم.
ثم قال: أتطمع أن تقدر على إسماع الصم ولو انضم إلى صممهم عدم عقولهم، أو تقدر على هداية العمي ولا سيما إذا قرن بفقد البصر فقد البصيرة، إنما يقدر على ردهم إلى حالة الكمال خالق القدر والقوى وحده.
وهذا الحصر إنما يفهم من قوله: ﴿ أفأنت ﴾ .
والمقصود من هذا الكلام تسلية الرسول فإن الطبيب إذا رأى مريضاً لا يقبل العلاج أصلاً أعرض عنه ولم يستوحش من ذلك لأن التقصير من المزاج لا من الصنعة والحذق.
ثم أكد عدم قابليتهم في الفطرة مع إشارة إلى ما يلحقهم من الوعيد يوم القيامة بقوله: ﴿ إن الله لا يظلم ﴾ الآية.
فسرها المعتزلة بأن المراد من نفي الظلم أنه ما ألجأ أحد إلى هذه القبائح والمنكرات ولكنهم باختيار أنفسهم أقدموا عليها.
وأجاب الواحدي عنه بأنه إنما نفى الظلم عن نفسه لأنه يتصرف في ملك نفسه فلا اعتراض عليه.
وإنما قال: ﴿ ولكن الناس أنفسهم يظلمون ﴾ لأن الفعل منسوب إليهم بسبب الكسب.
والتحقيق أنه نفى الظلم عنه لأنه وقوع فريق القهر ضروري، ونسب الظلم إليهم لخصوص وقوعهم في الطريق وفيه دقة.
ثم ذكر وعيد الكفار فقال: ﴿ ويوم يحشرهم ﴾ أي واذكر يوم يحشرهم ﴿ كأن لم يلبثوا ﴾ في محل النصب على الحال أي مشبهين بمن لم يلبث ﴿ إلا ساعة ﴾ وقوله ﴿ يتعارفون ﴾ إما حال أخرى أو بيان لقوله: ﴿ كأن لم يلبثوا ﴾ لأن التعارف لا يبقى مع طول العهد.
ويجوز أن يكون قوله: ﴿ ويوم يحشرهم ﴾ متعلقاً بـ ﴿ يتعارفون ﴾ والمراد باللبث.
قيل: لبثهم في الدنيا وقيل في القبور استقلوا المدد الطوال إما لأنهم ضيعوا أعمارهم في الدنيا فجعلوا وجودها كالعدم واستقصروها للدهش والحيرة، أو لطول وقوفهم في الحشر، أو لشدة ما هم فيه من العذاب نسوا لذات الدنيا واستحقروها.
وأما التعارف فقد قيل: يعرّف بعضهم بعضاً ما كانوا عليه من الخطإ والكفر وقيل: يعرف كل واحد أهل معرفته.
والجمع بين ذلك وبين قوله: ﴿ ولا يسأل حميم حميماً ﴾ أن هذا تعارف توبيخ وتضليل يقول كل فريق لصاحبه أنت أضللتني يوم كذا، أو أنهم يتعارفون إذا بعثوا ثم تنقطع المعرفة.
وإنما حذف "جميعاً" في هذه الآية اكتفاء بما في الآية السابقة ﴿ ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للذين أشركوا ﴾ ولأن الآية سيقت هناك لبيان حشر العابدين والمعبودين فأكد بقوله: ﴿ جميعاً ﴾ ليشمل الفريقين صريحاً والله أعلم.
قوله: ﴿ قد خسر ﴾ استئناف فيه معنى التعجب كأنه قيل: ما أخسرهم!
وفيه شهادة من الله على خسرانهم.
وجوز في الكشاف أن يكون على إرادة القول أي يتعارفون بينهم قائلين ذلك.
ثم أكد خسرانهم بقوله: ﴿ وما كانوا مهتدين ﴾ أي في رعاية مصالح هذه التجارة لأنهم أعطوا الكثير الشريف الباقي وقنعوا بالقليل الخسيس الفاني كمن رأى زجاجة خسيسة فظنها جوهرة نفيسة فاشتراها بكل ماله، فإذا عرضها على الناقدين خاب سعيه وفات أمله.
ثم سلى رسوله فقال: ﴿ وإما نرينك ﴾ وجوابه محذوف.
وقوله: ﴿ فإلينا مرجعهم ﴾ جواب ﴿ أو نتوفينك ﴾ والمعنى وإما نرينك في أعدائك بعض الذي نعدهم في الدنيا فذاك، أو نتوفينك قبل أن تدركه فنحن نريكهم في الآخرة لأن مرجع الكل إلينا.
ولقد صدق الله وعده فقد أراه في هذه الدار خزيهم وقهرهم بالقتل والأسر والاستعلاء عليهم والاستيلاء على ديارهم وأموالهم، والذي سيريه في الآخرة أكثر وأدوم يدل عليه لفظ "ثم" لتبعيد الرتبة في قوله: ﴿ ثم الله شهيد على ما يفعلون ﴾ ولا يخفى نتيجة هذه الشهادة من السخط والعقاب، ويحتمل أن يراد إنطاق جوارحهم يوم القيامة جعل ذلك بمنزلة شهادة الله.
ثم بيّن أنه ما أهمل أمة من الأمم من رسول في وقت من الأوقات فقال: ﴿ ولكل أمة رسول ﴾ وزمان الفترة محمول على ضعف دعوة النبي المتقدم ووقوع موجبات التخليط في شرعه.
﴿ فإذا جاء رسولهم ﴾ فبلغ فكذبه قوم وصدقه آخرون ﴿ قضى بينهم بالقسط ﴾ أي حكم وفصل بالعدل فأنجى الرسول والمصدقون وعذب المكذبون فهذه الآية نظيرة قوله: ﴿ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً ﴾ ويحتمل أن يقال: المراد ولكل أمة من الأمم يوم القيامة رسول ينسبون إليه ويدعون به فكأنه يقول: أنا شهيد على أعمالهم ومع ذلك فإني أحضر في موقف القيامة، مع كل قوم رسولهم حتى يشهد عليهم بالكفر والإيمان.
﴿ فإذا جاء رسولهم ﴾ وشهد لهم أو عليهم ﴿ قضي بينهم ﴾ والمراد منه المبالغة في إظهار العدل والنصفة فتكون الآية كقوله: ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد ﴾ ثم ذكر شبهة أخرى من شبهات الكفرة، وذلك أنه كلما هددهم بنزول العذاب ومر زمان ولم يظهر ذلك العذاب كانوا ﴿ يقولون متى هذا الوعد ﴾ استبعاداً لنزوله وقدحاً في نبوته وهذا مما يؤكد القول الأوّل في الآية المتقدمة، لأنه لا يجوز أن يقولوا متى هذا الوعد عند حضورهم في دار الآخرة لحصول اليقين والمعرفة حينئذٍ.
وأيضاً قوله: ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ لفظ الجمع موافق لقوله: ﴿ ولكل أمة رسول ﴾ ثم أمره أن يجيب بما يحسم مادة الشبهة وهو قوله: ﴿ قل لا أملك لنفسي ضراً ﴾ من مرض أو فقر ﴿ ولا نفعاً ﴾ من صحة أو غنى ﴿ إلا ما شاء الله ﴾ قال العلماء: إنه استثناء منقطع أي ولكن ما شاء الله من ذلك كائن فكيف أملك لكم الضر وجلب العذاب.
ثم بين أن أحداً لا يموت إلا بالقضاء، وأن لعذاب كل طائفة أمداً محدوداً لا يتجاوزه فلا وجه للاستعجال.
فقال و ﴿ لكل أمة أجل ﴾ الآية.
وقد مر تفسير الآية في أوائل الأعراف إلا أنه أدخل الفاء ههنا في الجزاء، فإنه بنى الشرط على الاستئناف أو البيان بخلاف ما هنالك فإنه جعل الشرط مرتباً على قوله: ﴿ ولكل أمة أجل ﴾ فلم يحسن الجمع بين الفاءين.
ثم زيف رأيهم في استعجال العذاب مرة أخرى فقال: ﴿ قل أرأيتم ﴾ أي أخبروني ﴿ إن أتاكم عذابه بياتاً ﴾ أي في حين الغفلة والراحة.
﴿ أو نهاراً ﴾ حين الاشتغال بطلب المعاش كما مر في أول الأعراف ﴿ ماذا يستعجل ﴾ أي شيء يستعجل ﴿ منه ﴾ أي من العذاب ﴿ المجرمون ﴾ وإنما لم يقل" ماذا يستعجلون منه" دلالة على موجب ترك الاستعجال وهو الإجرام، لأن حق المجرم أن يخاف التعذيب على إجرامه وإن أبطأ مجيئه فضلاً عن أن يستعجله.
و "من" للبيان أو للابتداء والمعنى أن العذاب كله مر المذاق موجب للنفار فأيّ شيء يستعجلون منه وليس شيء منه يوجب الاستعجال؟
أو المراد التعجب كأنه قيل: أيّ شيء هائل شديد يستعجلون؟
وقيل: الضمير في "منه" لله وجواب الشرط محذوف وهو تندموا على الاستعجال أو تعرفوا الخطأ فيه.
و "ماذا" الجملة مفعول ﴿ أرأيتم ﴾ ويجوز أن يكون جواباً للشرط كقولك إن أتيتك ماذا تطعمني، ثم تتعلق الجملة بـ ﴿ أرأيتم ﴾ ويجوز أن يكون اعتراضاً وجواب الشرط ﴿ ثم إذا وقع آمنتم به ﴾ والمعنى إن أتاكم عذابه آمنتم به بعد وقوعه حين لا ينفعكم الإيمان، ودخول حرف الاستفهام على "ثم" كدخوله على الواو والفاء إلا أنه على إرادة القول أي قيل لهم إذا آمنوا بعد وقوع العذاب ﴿ آلآن ﴾ آمنتم به ﴿ وقد كنتم به تستعجلون ﴾ على جهة التكذيب والإنكار وقوله ﴿ ثم قيل ﴾ عطف على قيل المضمر قبل ﴿ آلآن ﴾ والحاصل أن الذي تطلبونه ضرر محض عارٍ عن المنفعة، والعاقل لا يطلب مثل ذلك.
وإنما قلنا إنه ضرر محض لأنه إذا وقع العذاب فإما أن تؤمنوا وإيمان اليأس غير مقبول، وإما أن لا تؤمنوا فيحصل عقيب ذلك عذاب آخر أشد وأدوم ويقال على سبيل الإهانة.
﴿ ذوقوا عذاب الخلد ﴾ فإن قلتم إلهنا أنت الغني عن الكل فكيف يليق برحمتك هذا الوعيد والتهديد؟
أجبتم ﴿ هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون ﴾ فالجزاء مرتب على العمل ترتب المعلول على العلة كما يقوله الحكيم، أو ترتب الأجر الواجب عند المعتزلة، أو بحكم الوعد المحض عند أهل السنة.
وتفسير الكسب مذكور في البقرة في قوله: ﴿ لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ﴾ .
ثم حكى عنهم أنهم بعد هذه البيانات استفهموا تارة أخرى عن تحقيق العذاب فقال: ﴿ ويستنبئونك أحق هو ﴾ وهو استخبار على جهة الاستهزاء والإنكار أي أحق ما تعدنا به من نزول العذاب في العاجل؟
وهذا السؤال جهل محض لأنه تقدم ذكره مع الجواب مرة واحدة فلا وجه للإعادة، ولأنه قد تبين بالبراهين القاطعة صحة نبوة محمد فيلزم القطع بصحة كل ما يخبر عن وقوعه.
وقيل: المراد أحق ما جئت به من القرآن والشرائع؟
وقيل: أي ما تعدنا من البعث والقيامة؟
فأمره الله أن يجيبهم بقوله: ﴿ قل إي وربي ﴾ ومعناه نعم ولكنه مستعمل مع القسم ألبتة.
وفائدة هذا القسم في جوابهم أن يكون قد أبرز الكلام معهم على الوجه المعتاد بينهم استمالة لقلوبهم.
ومن الظاهر أن من أخبر عن شيء وأكده بالقسم فقد أخرجه عن حد الهزل وأدخله في باب الجد.
فقد يكون هذا القدر مقنعاً إذا لم يكن الخصم ألد.
ثم أكد مضمون المقسم عليه بقوله ﴿ وما أنتم بمعجزين ﴾ فائتين العذاب.
والغرض التنبيه على أن أحداً لا يدافع نفسه عما أراد الله وقضى.
ثم زاد في التأكيد بقوله: ﴿ ولو أن لكل نفس ﴾ الآية.
وقد مر مثله في "آل عمران" و "المائدة".
وقوله: ﴿ ظلمت ﴾ صفة لنفس.
أما قوله: ﴿ وأسروا الندامة ﴾ فقد قيل: الإسرار بمعنى الإظهار والهمزة للسلب أي أظهروا الندامة حينئذٍ لضعفهم وليس هناك تجلد.
والمشهور أنه الإخفاء وسببه أنهم بهتوا حين عاينوا ما سلبهم قواهم فلم يطيقوا صراخاً ولا بكاء، أو أخفوا الندامة من سفلتهم وأتباعهم حياء منهم وخوفاً من توبيخهم.
وهذا التزوير في أول ما يرون العذاب، أما عند إحاطة النار بهم فلا يبقى هذا التماسك، أو أراد بالإخفاء الإخلاص لأن من أخلص في الدعاء أسره، وفيه تهكم بهم وبإخلاصهم لأنهم أتوا بذلك في غير وقته ﴿ وقضى بينهم بالقسط ﴾ قيل: أي بين المؤمنين والكافرين.
وقيل: بين الرؤساء والأتباع، وقيل: بين الكفار بإنزال العقوبة عليهم.
وقيل: بين الظالمين من الكفار والمظلومين منهم فيكون في ذلك القضاء تخفيف من عذاب بعضهم وتثقيل لعذاب بعضهم وإن اشترك كلهم في العذاب.
ثم ذكر آيتين أن له جميع ما قرر بحكم المالكية والقدرة على الإحياء والإماتة والإبداء والإعادة.
وقيل: في وجه النظم أنه لما ذكر حديث الافتداء بيّن أنه ليس للظالم شيء يفتدي به فإن كل الأشياء ملكه وملكه.
وقيل: إنه لما أقسم على حقية ما جاء به النبي وكان دليلاً إقناعياً أراد أن يصححها بالبرهان النير فذكر أن كل ما في هذا العالم من نبات وحيوان وجسد وروح وظلمة ونور وعلوي وسفلي بسيط ومركب فهو ملكه، فلكونه قادراً على جميع الممكنات يقدر على إيصال الرحمة إلى أوليائه والعذاب إلى أعدائه، ولكنه منزهاً عن النقائص والآفات يكون بريئاً عن الخلف في الوعد والإيعاد.
وفي تصدير الكلام بكلمة "ألا" تنبيه للغافلين وإيقاظ للنائمين وتقريع للناظرين في الأسباب الظاهرة القائلين: البستان للأمير، والدار للوزير، والغلام لزيد والجارية لعمرو، ولا يعلمون أن كلها عوارٍ وودائع.
ولا بد يوماً أن ترد الودائع *** واعلم أن الطريق إلى إثبات نبوة الأنبياء بأمور أحدها: إظهار المعجزة على يده مطابقاً لدعواه، وقد قرره الله في هذه السورة على أحسن الوجوه حيث قال: ﴿ وما كان هذا القرآن أن يفترى ﴾ إلى تمام الآيتين.
والثاني أن نعلم بعقولنا أن الاعتقاد الحق والعمل الصالح ما هو فكل من جاء ودعا الخلق إلى ذلك وادعى الرسالة وكان لنفسه قوّة تكميل الناقصين غلب على ظننا أنه النبي الحق، فأشار إلى هذا الطريق بقوله: قل ﴿ يا أيها الناس ﴾ الآية.
فوصف القرآن بصفات أربع: الأولى كونه موعظة والمراد بها الزجر عما لا ينبغي كالطبيب ينهى المريض أوّلاً عما يضره.
الثانية كونه شفاء لما في الصدور لحصول العقائد الحقة والأخلاق الحميدة فيها بدل أضدادها كالطبيب يعيد الصحة بدل المرض والأخلاط المحمودة بدل الأخلاط الفاسدة بالمعالجات الصائبة والأدوية النافعة.
الثالثة حصول الهدي بسببه وذلك أنه إذا زالت الملكات الرديئة التي طبيعتها الظلمة وصارت مرآة النفس مصقولة محاذية لعالم القدس انطبع فيها نقش الملكوت وتجلى لها قدس اللاهوت.
الرابعة كونه رحمة للمؤمنين وذلك بأن تصير النفس البالغة إلى هذه الدرجات الروحانية والمعارج الربانية بحيث تفيض أنوارها على أرواح الناقصين فيض النور من جوهر الشمس على أجرام هذا العالم.
وإنما خص المؤمنين بهذه الرحمة لأن كل روح لم يتوجه إلى خدمة أرواح الأنبياء المطهرين لم ينتفع بأنوارهم كما أن كل جرم لم يقع في مواجهة قرص الشمس لا يستضيء بنورها.
والحاصل أن الموعظة إشارة إلى تطهير ظواهر الخلق عما لا ينبغي وهو الشريعة، والشفاء إشارة إلى تطهير الأرواح عن العقائد الفاسدة والأخلاق الرديئة بتحصيل أضدادها وهي الطريقة، والهدى عبارة عن ظهور نور الحق في قلوب الصدّيقين وهي الحقيقة، والرحمة إشارة إلى كونها بالغة في الكمال والإشراق إلى حيث تصير مكملة للباقين وهي النبوة.
ولما أرشد إلى الطريق الموصل إلى السعادات الباقية الروحانية ذكر أنها هي التي يجب أن يكمل الفرح بحصولها دون السعادات الفانية الجسمانية فقال: ﴿ قل بفضل الله وبرحمته ﴾ قال في الكشاف: أصل الكلام بفضل الله وبرحمته فليفرحوا ﴿ فبذلك فليفرحوا ﴾ والتكرير للتقرير والتأكيد، وإيجاب اختصاص الفضل والرحمة بالفرح دون ما عداهما من فوائد الدنيا فحذف أحد الفعلين لدلالة الآخر عليه.
والفاء داخلة لمعنى الشرط كأنه قيل: إن فرحوا بشيء فليخصوهما بالفرح، وجوز أن يراد بفضل الله وبرحمته فليعتنوا فبذلك فليفرحوا، وأن يراد قد جاءتكم موعظة بفضل الله وبرحمته فبذلك أي بمجيئها فليفرحوا.
وعلى هذا يكون ﴿ قل ﴾ اعتراضاً.
ومن قرأ بتاء الخطاب فمعناه على ما نقل عن زيد بن ثابت فبذلك فلتفرحوا يا أصحاب محمد هو خير مما يجمع الكفار، ونسبت هذه القراءة إلى النبي وهو الأصل والقياس لأنه أدل على الأمر بالفرح وأشد تحريضاً به، وإنما قلنا إنه الأصل لأن حكم الأمر في المخاطب والغائب واحد إلا أنه خفف أمر المخاطب بحذف اللام وبحذف حرف المضارعة لكثرة الاستعمال فاضطروا إلى همزة الوصل.
ومن قرأ تجمعون بتاء الخطاب فإنه عنى المخاطبين والغائبين جميعاً إلا أنه غلب الخطاب كما يغلب التذكير، أو كأنه أراد المؤمنين وفيه حث لهم على ترجيح الجواذبالعقلية الروحانية على النوازع النفسانية الجسدانية لأنه لا معنى لهذه اللذات الجسمانية إلا دفع الآلام، والمعنى العدمي لا يستحق الفرح به، وبتقدير أن تكون صفات ثبوتية إلا أن التضرر بآلامها أقوى من الانتفاع بلذاتها فلا نسبة للذة الوقاع - وهي أقوى اللذات - إلى ألم القولنج وسائر الآلام القوية.
وأيضاً إن مداخل اللذات الجسمانية معظمها البطن والفرج، ومداخل الآلام كل جزء من أجزاء البدن.
وأيضاً اللذات الجسمانية لا بقاء لها مثلاً إذا زال ألم الجوع زال الالتذاذ بالأكل، وكل ما لا بقاء له لا يشتد فرح العاقل بحصوله، ولو لم يحصل في لذة الأكل والوقاع إلا إتعاب الحواس والجوارح في مقدماتها ولواحقها لكفى.
ومن المعلوم أن الفرح الحاصل بحدوث الولد لا يعادل الحزن الواقع عند موته وفيه قال المعري: إن حزناً في ساعة الموت ضعا *** ف سرور في ساعة الميلاد فتبين بهذه الوجوه أن الفرح إنما يجب أن يكون بالروحانيات الباقيات لا بالجسمانيات الزائلات، أما المفسرون فقد قالوا: فضل الله الإسلام، ورحمته ما وعد عليه.
وعن أبيّ بن كعب أن رسول الله تلا ﴿ قل بفضل الله وبرحمته ﴾ فقال: بكتاب الله والإسلام.
ومثله ما روي عن أبي سعيد الخدري: فضل الله القرآن ورحمته أن جعلكم من أهله.
ثم أشار إلى طريق ثالث في إثبات النبوة فقال: ﴿ قل أرأيتم ﴾ الآية.
وتقريره أنكم تحكمون بحل بعض الأشياء وبحرمة بعضها فإن كان هذا لمجرد التشهي فذلك طريق باطل مهجور بالاتفاق لأدائه إلى التنازع والتشاجر واختلاف الآراء وافتراق الأهواء، وإن كان لأنه حكم الله فيكم فبم عرفتم ذلك فإن كان بقول رسول أرسله إليكم فقد اعترفتم بصحة النبوة وإلا كان افتراء على الله.
وفي الآية أيضاً إشارة إلى فساد طريقتهم في شرائعهم وأحكامهم من تحريم السوائب والبحائر وقولهم: ﴿ هذه أنعام وحرث حجر ﴾ وغير ذلك.
﴿ وما أنزل ﴾ الجملة في محل الرفع بالابتداء وخبره ﴿ آلله أذن لكم ﴾ و ﴿ قل ﴾ مكرر للتأكيد والرابط محذوف، ومجموع المبتدأ والخبر متعلق بـ ﴿ أرأيتم ﴾ والمعنى أخبروني الذى أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً آلله أذن لكم في تحريمه وتحليله ﴿ أم على الله تفترون ﴾ وعن الزجاج أن "ما" في ﴿ ما أنزل ﴾ بمعنى الاستفهام منصوباً بـ ﴿ أنزل ﴾ وأنه مع معموله مفعول ﴿ أرأيتم ﴾ معناه أخبرونيه.
وعلى هذا يكون ﴿ قل آلله ﴾ كلاماً مستأنفاً.
ومعنى أنزل خلق وأنشأ كقوله: ﴿ وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج ﴾ وذلك أن كل ما في الأرض من زرع أو ضرع فإنه بسبب الماء النازل من السماء.
قال في الكشاف: ويجوز أن تكون الهمزة في ﴿ آلله ﴾ للإنكار و "أم" منقطعة بمعنى "بل" أتفترون على الله تقريراً للافتراء.
ثم قال: ﴿ وما ظن الذين ﴾ يعني أي شيء ظنهم في ذلك اليوم وما يصنع بهم فيه؟
وهو في صورة الاستعلام ولكن المراد تعظيم وعيد من يفتري على الله حيث أبهم أمره وكفى به زاجراً للمفتي في الأحكام بغير علم فليتق الله وليصمت ﴿ لذو فضل على الناس ﴾ إذ أنعم عليهم بالعقل ورحمهم بإرسال النبي وتعليم الشرائع ﴿ ولكن أكثرهم لا يشكرون ﴾ هذه النعمة بجحد نبيه أو مخالفته.
التأويل: ﴿ أفأنت تسمع الصم ﴾ صم آذان القلوب ﴿ أفأنت تهدي العمى ﴾ عمي أبصار البصائر.
﴿ ويوم نحشرهم ﴾ حشر العوام خروج أجسادهم من القبور إلى المحشر، وحشر الخواص خروج أرواحهم الأخروية من قبور أجسادهم الدنيوية بالسير والسلوك، وحشر الأخص خروجهم من قبور الأنانية الروحانية إلى هوية الربانية كما قال: ﴿ يوم نحشر المتقين إلى الرحمن ﴾ كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار لأنه لا نسبة لمدة الدنيا إلى ما بين الأزل والأبد.
﴿ يتعارفون بينهم ﴾ يعرفون تفاوت مقامات كل صنف من هؤلاء ﴿ وإما نرينك بعض الذي نعدهم ﴾ بشرط الإيمان من نعيم الجنان ولقاء الرحمن ﴿ أو نتوفينك ﴾ فنبلغك أقصى المراتب ومقامك المحمود ﴿ فإلينا مرجعهم ﴾ رجوعاً اضطرارياً لا اختيارياً ﴿ ثم الله شهيد على ما يفعلون ﴾ من خسارة الدارين ﴿ ولكل أمة رسول ﴾ في الظاهر من الأنبياء وفي الباطن من إلهام الحق.
﴿ لكل أمة أجل ﴾ في استكمال السعادة والشقاوة ﴿ بياتاً ﴾ أي في الأزل ﴿ أو نهاراً ﴾ أي يظهر الآن ما قدّر لكم في الأزل.
﴿ قل أي وربي إنه لحق ﴾ أي أقسم بربك الذي يريك أن وقوع الأمور الأخروية حق لأنك عبرت على الجنة والنار ليلة المعراج ظلمت بإفساد الاستعدادات.
﴿ ألا إن لله ما في السموات ﴾ الأرواح وأرض القلوب والنفوس ﴿ ألا إن وعد الله ﴾ لأهل السعادة ولأهل الشقاوة في الأزل ﴿ حق هو يحيي ﴾ قلوب بعضهم بالمعرفة ﴿ ويميت ﴾ قلوب آخرين بالجهل، أو يحيي بالنور ويميت بالظلمة، أو يحيي بصفة الجمال ويميت بصفة الجلال ﴿ يا أيها الناس ﴾ يأ أهل النسيان ﴿ قد جاءتكم موعظة ﴾ هي خطاب ﴿ ألست بربكم ﴾ وهو داء العشق وشفاء من ذلك الداء وهو توفيق إجابة ﴿ بلى ﴾ ﴿ لما في الصدور ﴾ وهو القلب فإنها درة صدف الصدر وهدى عناية خاصة إذ الدعوة عامة والهداية خاصة.
ورحمة اتصال إمداد الفيض إلى أن يبلغ غاية الكمال ويفوز بالوصول والوصال ﴿ قل بفضل الله ﴾ وهو إسماع الخطاب ورحمته وهو الإبقاء على مدلول الخطاب ﴿ فليفرحوا هو خير مما ﴾ يجمعه أهل الدنيا في دنياهم ﴿ ما أنزل الله لكم من رزق ﴾ القلوب والأرواح فضلاً عن النفوس والأشباح من الواردات والشواهد ﴿ فجعلتم منه حراماً ﴾ على أنفسكم ﴿ وحلالاً ﴾ على غيركم أي حدثت أنفسكم بأن تحصيل هذه السعادات ونيل تلك الكرامات ليس من شأننا وإنما هو من شأن الأنبياء وخواص الأولياء ﴿ قل آلله أذن لكم ﴾ أن تعرضوا عن هذه المقامات وتحيلوها إلى غيركم وتركنوا إلى الدنيا وزخارفها ﴿ أم على الله تفترون ﴾ بأن الدعوة اختصت بهم دوننا ﴿ إن الله لذو فضل على الناس ﴾ بتسوية الاستعداد الفطري.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً أَوْ نَهَاراً مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ ٱلْمُجْرِمُونَ ﴾ يقول - والله أعلم -: أي منفعة لكم إن أتاكم عذابه؟!
لا منفعة لكم في ذلك بل فيه ضرر لكم، فاستعجال ما لا منفعة فيه سفه وجهل، يسفههم في سؤالهم العذاب، ويخبر في قوله: ﴿ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ أن عذاب الله إذا نزل وجاء وقته لا يملك أحد تقديمه ولا تأخيره، ولا يملك أحد استقدامه ولا استئخاره بالقدر والمنزلة، كما يحتمل ذلك في الدنيا التقديم والتأخير بالشفاعة والفداء ويذكر عجزه في إنزال العذاب عليهم في قوله: ﴿ قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ الآنَ ﴾ : قيل: أي العذاب إذا نزل بكم أمنتم به الآن؟!
يخبر عنه أنهم إذا نزل بهم العذاب يؤمنون.
ثم يحتمل قوله: ﴿ آمَنْتُمْ بِهِ ﴾ أي: بالله وبرسوله؛ كقوله: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ وَكَـفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ ﴾ ، ثم أخبر أن إيمانهم لا ينفعهم عند معاينتهم العذاب؛ وهو كقوله: ﴿ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا ﴾ ، وقوله: ﴿ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ ﴾ .
ويحتمل قوله: ﴿ آمَنْتُمْ بِهِ الآنَ ﴾ أي: بالعذاب؛ لأنهم يكذبون رسول الله فيما يوعدهم العذاب، وهم يستعجلون به استهزاء وتكذيبا، فإذا نزل بهم آمنوا أي صدقوا بذلك العذاب، يقول: ﴿ آمَنْتُمْ بِهِ الآنَ وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ﴾ استهزاء وتكذيبا أنه غير نازل [بكم ذلك]، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ﴾ قيل: أشركوا في ألوهيته وربوبيته وعبادته غيره.
﴿ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ ﴾ لأنهم يخلدون فيه، يقال ذلك بعدما أدخلوا النار.
﴿ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ ﴾ أي: لا تجزون إلا بما كنتم كسبتم في الدنيا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ ﴾ أي: يستخبرونك.
﴿ أَحَقٌّ هُوَ ﴾ يحتمل هذا وجوهاً.
يحتمل قوله: ﴿ أَحَقٌّ هُوَ ﴾ العذاب الذي كان يوعدهم أنه ينزل بهم، على ما قاله عامة أهل التأويل.
ثم قال: ﴿ قُلْ إِي وَرَبِّيۤ إِنَّهُ لَحَقٌّ ﴾ أي: قل: نعم وربي إنه لحق إنه نازل بكم.
﴿ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ أي: بفائتين عنه ولا سابقين له.
ويحتمل قوله: ﴿ أَحَقٌّ هُوَ ﴾ ما يدعوهم إليه من التوحيد؛ كقولهم لإبراهيم: ﴿ أَجِئْتَنَا بِٱلْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ ٱللاَّعِبِينَ * قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ٱلَّذِي فطَرَهُنَّ...
﴾ الآية [الأنبياء: 55-56]؛ فعلى ذلك قولهم: ﴿ أَحَقٌّ هُوَ ﴾ ثم، أخبر أنه لحق بقوله: ﴿ قُلْ إِي وَرَبِّيۤ إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ أي: غائبين فائتين عنه.
ويحتمل الآيات أو محمد أو القرآن أحق هو؟
قل: إي وربي، قل: نعم إنه لحق؛ كقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُوۤاْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ ﴾ أخبر أن ما يأمرهم به ويدعوهم إليه ليس هو هزوا ولا لعباً، ولكنه حق أمر من الله ؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ أَحَقٌّ هُوَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ ﴾ : هذا الحرف يحتمل أن يكون من الشاكين [منهم] في ذلك طلبوا منه أنه حق ذلك أو لا، ومن المعاندين استعجال العذاب الذي كان يوعدهم رسول الله استهزاء به وتكذيباً له، ومن المتبعين له والمطيعين التصديق له والإيمان به؛ كقوله: ﴿ يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا ﴾ كانوا فرقاً ثلاثة: فرقة قد آمنوا به، وفرقة قد شكوا فيه، وفرقة قد كذبوه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي ٱلأَرْضِ لاَفْتَدَتْ بِهِ ﴾ : يخبر عنهم أنهم يفدون ويبذلون جميع ما في الأرض لو قدروا عليه عند نزول العذاب بهم لشدة العذاب، وإن كان الذي منعهم عن الإيمان هو حبهم الدنيا وبخلهم عليها وما فيها بقوله: ﴿ وَرَضُواْ بِٱلْحَيٰوةِ ٱلدُّنْيَا وَٱطْمَأَنُّواْ بِهَا ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ ﴾ : الندامة لا تكون إلا سرا بالقلب، فكأنه قال: حققوا الندامة في قلوبهم على ما كان منهم من التكذيب بالآيات والعناد في ردها.
وقال بعضهم: ﴿ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ ﴾ أي: أظهروا الندامة وهو مما يستعمل في الإظهار والإخفاء؛ كقوله: شعب: جمع، وشعب: فرق ونحوه، وبعد فإنه إذا أسر في نفسه لابد من أن يضع ذلك في آخر ويخبره بذلك، فذلك منه إظهار.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ ﴾ ما توجبه الحكمة؛ لأن الحكمة توجب تعذيب كل كافر نعمة، وكل قائل في الله ما لا يليق به، أو أن يكون تفسير قوله: ﴿ بِٱلْقِسْطِ ﴾ ما ذكر، وهم لا يظلمون.
ويحتمل قوله: ﴿ بِٱلْقِسْطِ ﴾ ما ذكر: ﴿ ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ...
﴾ الآية [الإسراء: 14]، والقسط: هو العدل، وهم يومئذ عرفوا أنه كان يقضي بالعدل في الدنيا والآخرة، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ويستخبرك -أيها الرسول- المشركون: أهذا العذاب الَّذي وُعِدْنا به حق؟
قل لهم: نعم، إنه -والله- لحق، ولستم بمُفْلِتين منه.
من فوائد الآيات الإنسان هو الَّذي يورد نفسه موارد الهلاك، فالله مُنَزَّه عن الظلم.
مهمة الرسول هي التبليغ، والله يتولى حسابهم وعقابهم بحكمته فقد يعجله في حياة الرسول أو يؤخره لبعد وفاته.
النفع والضر بيد الله عز وجل، فلا أحد من الخلق يملك لنفسه أو لغيره ضرًّا ولا نفعًا.
لا ينفع الإيمان صاحبه عند معاينة الموت.
<div class="verse-tafsir" id="91.R9ZxX"