الآية ٥٤ من سورة يونس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٥٤ من سورة يونس

وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍۢ ظَلَمَتْ مَا فِى ٱلْأَرْضِ لَٱفْتَدَتْ بِهِۦ ۗ وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا۟ ٱلْعَذَابَ ۖ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ ۚ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ٥٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 58 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٤ من سورة يونس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٤ من سورة يونس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم أخبر تعالى أنه إذا قامت القيامة يود الكافر لو افتدى من عذاب الله بملء الأرض ذهبا ، ( وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وقضي بينهم بالقسط ) أي : بالحق ، ( وهم لا يظلمون ) .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (54) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ولو أن لكل نفس كفرت بالله ، و " ظلمها " ، في هذا الموضع، عبادتُها غيرَ من يستحق عبادته، (1) وتركها طاعة من يجب عليها طاعته ، (ما في الأرض) ، من قليل أو كثير ، (لافتدت به) ، يقول: لافتدت بذلك كلِّه من عذاب الله إذا عاينته (2) ، وقوله: (وأسروا الندامة لما رأوا العذاب) ، يقول: وأخفتْ رؤساء هؤلاء المشركين من وضعائهم وسفلتهم الندامةَ حين أبصرُوا عذاب الله قد أحاط بهم، وأيقنوا أنه واقع بهم ، ( وقضي بينهم بالقسط)، يقول: وقضى الله يومئذ بين الأتباع والرؤساء منهم بالعدل (3) ، (وهم لا يظلمون)، وذلك أنه لا يعاقب أحدًا منهم إلا بجريرته ، ولا يأخذه بذنب أحدٍ، ولا يعذِّب إلا من قد أعذر إليه في الدنيا وأنذر وتابع عليه الحجج.

------------------------ الهوامش : (1) في المطبوعة : " من يستحق عبادة " ، غير ما في المخطوطة .

(2) انظر تفسير " الافتداء " فيما سلف من فهارس اللغة ( فدى ) .

(3) انظر تفسير " القسط " فيما سلف ص : 99 ، تعليق : 1، والمراجع هناك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمونقوله تعالى ولو أن لكل نفس ظلمت أي أشركت وكفرت ما في الأرض أي ملكا لافتدت به أي من عذاب الله ، يعني ولا يقبل منها ; كما قال : إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به وقد تقدمقوله تعالى وأسروا الندامة أي أخفوها ; يعني رؤساءهم ، أي أخفوا ندامتهم عن أتباعهم .

وقيل : أسروا أظهروا ، والكلمة من الأضداد ، ويدل عليه أن الآخرة ليست دار تجلد وتصبر .

وقيل : وجدوا ألم الحسرة في قلوبهم ; لأن الندامة لا يمكن إظهارها .

قال كثير :فأسررت الندامة يوم نادى برد جمال غاضرة المناديوذكر المبرد فيه وجها ثالثا : أنه بدت بالندامة أسرة وجوههم ، وهي تكاسير الجبهة ، واحدها سرار .

والندامة : الحسرة لوقوع شيء أو فوت شيء ، وأصلها اللزوم ; ومنه النديم لأنه يلازم المجالس .

وفلان نادم سادم .

والسدم اللهج بالشيء .

وندم وتندم بالشيء أي اهتم به .

قال الجوهري : السدم " بالتحريك " الندم والحزن ; وقد سدم بالكسر أي اهتم وحزن ورجل نادم سادم ، وندمان سدمان ; وقيل : هو إتباع .

وما له هم ولا سدم إلا ذلك .

وقيل : الندم مقلوب الدمن ، والدمن اللزوم ; ومنه فلان مدمن الخمر .

والدمن : ما اجتمع في الدار وتلبد من الأبوال والأبعار ; سمي به للزومه .

والدمنة : الحقد الملازم للصدر ، والجمع دمن .

وقد دمنت قلوبهم بالكسر ; يقال : دمنت على فلان أي ضغنت .وقضي بينهم بالقسط أي بين الرؤساء والسفل بالعدل وهم لا يظلمون .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{‏و‏}‏ إذا كانت القيامة فـ ‏{‏لَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ‏}‏ بالكفر والمعاصي جميع ‏{‏مَا فِي الْأَرْضِ‏}‏ من ذهب وفضة وغيرهما، لتفتدي به من عذاب الله ‏{‏لَافْتَدَتْ بِهِ‏}‏ ولما نفعها ذلك، وإنما النفع والضر والثواب والعقاب، على الأعمال الصالحة والسيئة‏.‏ ‏{‏وَأَسَرُّوا‏}‏ ‏[‏أي‏]‏ الذين ظلموا ‏{‏النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ‏}‏ ندموا على ما قدموا، ولات حين مناص، ‏{‏وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ‏}‏ أي‏:‏ العدل التام الذي لا ظلم ولا جور فيه بوجه من الوجوه‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ولو أن لكل نفس ظلمت ) أي : أشركت ، ( ما في الأرض لافتدت به ) يوم القيامة ، والافتداء هاهنا : بذل ما ينجو به من العذاب .

( وأسروا الندامة ) قال أبو عبيدة : معناه : أظهروا الندامة ، لأنه ليس ذلك اليوم يوم تصبر وتصنع .

وقيل : معناه أخفوا أي : أخفى الرؤساء الندامة من الضعفاء ، خوفا من ملامتهم وتعييرهم ، ( لما رأوا العذاب وقضي بينهم بالقسط ) فرغ من عذابهم ، ( وهم لا يظلمون )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولو أن لكل نفس ظلمت» كفرت «ما في الأرض» جميعا من الأموال «لافتدت به» من العذاب يوم القيامة «وأسرُّوا الندامة» على ترك الإيمان «لما رأوا العذاب» أخفاها رؤساؤهم عن الضعفاء الذين أضلوهم مخافة التعيير «وقضي بينهم» بين الخلائق «بالقسط» بالعدل «وهم لا يظلمون» شيئا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولو أن لكل نفس أشركت وكفرت بالله جميع ما في الأرض، وأمكنها أن تجعله فداء لها من ذلك العذاب لافتدت به، وأخفى الذين ظلموا حسرتهم حين أبصروا عذاب الله واقعا بهم جميعًا، وقضى الله عز وجل بينهم بالعدل، وهم لا يُظلَمون؛ لأن الله تعالى لا يعاقب أحدا إلا بذنبه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - أنهم لن يستطيعوا افتداء أنفسهم من العذاب عند وقوعه فقال - تعالى - : ( وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فى الأرض لاَفْتَدَتْ بِهِ ) .أى : ولو أن لكل نفس تلبست بالظلم بسبب شركها وفسوقها ، جميع ما فى الأرض من مال ومتاع ، وأمكنها أن تقدمه كفداء لها من العذاب يوم القيامة ، لقدمته سريعا دون أن تبقى منه شيئا حتى تفتدي ذاتها من العذاب المهين .ومفعول ( افتدت ) محذوف .

أي لافتدت نفسها به .ولو هنا امتناعية ، أى : امتنع افتداء كل نفس ظالمة ، لامتناع ملكها لما تفدى به ذاها وهو جميع ما فى الأرض من أموال ، ولامتناع قبول ذلك منها فيما لو ملكته على سبيل الفرض .وقوله ( وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اجهروا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور ) والندامة والندم : ما يجده الإِنسان فى نفسه من آلام وحسرات على أقوال أو أفعال سيئة ، فات أوان تداركها .أى : وأخفى هؤلاء الظالمين الندامة حين رأوا بأبصارهم مقدمات العذاب ، وحين أيقنوا أنهم لا نجاة لهم منه ، ولا مصرف لهم عنه .قال صاحب الكشاف : " قوله - سبحانه - ( وَأَسَرُّواْ الندامة لَمَّا رَأَوُاْ العذاب ) لأنهم بهتوا لرؤيتهم ما لم يحتسبوه ، ولم يخطر ببالهم ، وعاينوا من شدة الأمر وتفاقمه ، ما سلبهم قواهم ، وبهرهم ، فلم يطيقوا عنده بكاء ولا صراخا ولا ما يفعله الجازع ، سوى إسرار الندم والحسرة فى القلوب ، كما ترى القدم للصلب يثخنه ما دهمه من فظاعة الخبط ويغلب ، حتى لا ينبس بكلمة ويبقى جامدا مبهوتا .وقيل : أسر رؤساؤهم الندامة من سفلتهم الذين أضلوهم ، حياء منهم وخوفا من توبيخهم .

.وقيل أسروا الندامة : أظهروها من قولهم أسر الشيء إذا أظهره وليس هناك تجلد " .وقوله : ( وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بالقسط وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ) بيان لعدالة الله فى أحكامه بين عباده .أى : وقضى الله - تعالى - بين هؤلاء الضالمين وبين غيرهم بالعدل دون أن يظلم أحدا .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه سبحانه أخبر عن الكفار بقوله: ﴿ وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صادقين  ﴾ .

وأجاب عنه بما تقدم فحكى عنهم أنهم رجعوا إلى الرسول مرة أخرى في عين هذه الواقعة وسألوه عن ذلك السؤال مرة أخرى وقالوا: أحق هو واعلم أن هذا السؤال جهل محض من وجوه: أولها: أنه قد تقدم هذا السؤال مع الجواب فلا يكون في الإعادة فائدة.

وثانيها: أنه تقدم ذكر الدلالة العقلية على كون محمد رسولاً من عند الله، وهو بيان كون القرآن معجزاً، وإذا صحت نبوته لزم القطع بصحة كل ما يخبر عن وقوعه، فهذه المعاني توجب الإعراض عنهم، وترك الالتفات إلى سؤالهم، واختلفوا في الضمير في قوله: ﴿ أَحَقٌّ هُوَ ﴾ قيل: أحق ما جئتنا به من القرآن والنبوة والشرائع.

وقيل: ما تعدنا من البعث والقيامة.

وقيل: ما تعدنا من نزول العذاب علينا في الدنيا.

ثم إنه تعالى أمره أن يجيبهم بقوله: ﴿ قُلْ إِى وَرَبّى إِنَّهُ لَحَقٌّ ﴾ والفائدة فيه أمور: أحدها: أن يستمليهم ويتكلم معهم بالكلام المعتاد ومن الظاهر أن من أخبر عن شيء، وأكده بالقسم فقد أخرجه عن الهزل وأدخله في باب الجد.

وثانيها: أن الناس طبقات فمنهم من لا يقر بالشيء إلا بالبرهان الحقيقي، ومنهم من لا ينتفع بالبرهان الحقيقي، بل ينتفع بالأشياء الإقناعية، نحو القسم فإن الأعرابي الذي جاء الرسول عليه السلام، وسأل عن نبوته ورسالته اكتفى في تحقيق تلك الدعوى بالقسم، فكذا هاهنا.

ثم إنه تعالى أكد ذلك بقوله: ﴿ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ ﴾ ولا بد فيه من تقدير محذوف، فيكون المراد وما أنتم بمعجزين لمن وعدكم بالعذاب أن ينزله عليكم والغرض منه التنبيه على أن أحداً لا يجوز أن يمانع ربه ويدافعه عما أراد وقضى، ثم إنه تعالى بين أن هذا الجنس من الكلمات، إنما يجوز عليهم ما داموا في الدنيا فأما إذا حضروا محفل القيامة وعاينوا قهر الله تعالى، وآثار عظمته تركوا ذلك واشتغلوا بأشياء أخرى، ثم إنه تعالى حكى عنهم ثلاثة أشياء: أولها: قوله: ﴿ وَلَوْ أَنَّ لِكُلّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الارض لاَفْتَدَتْ بِهِ ﴾ إلا أن ذلك متعذر لأنه في محفل القيامة لا يملك شيئاً كما قال تعالى: ﴿ وَكُلُّهُمْ ءاتِيهِ يَوْمَ القيامة فَرْداً  ﴾ وبتقدير: أن يملك خزائن الأرض لا ينفعه الفداء لقوله تعالى: ﴿ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ  ﴾ وقال في صفة هذا اليوم ﴿ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شفاعة  ﴾ .

وثانيها: قوله: ﴿ وَأَسَرُّواْ الندامة لَمَّا رَأَوُاْ العذاب ﴾ واعلم أن قوله: ﴿ وَأَسَرُّواْ الندامة ﴾ جاء على لفظ الماضي، والقيامة من الأمور المستقبلة إلا أنها لما كانت واجبة الوقوع، جعل الله مستقبلها كالماضي، واعلم أن الإسرار هو الإخفاء والإظهار وهو من الأضداد، أما ورود هذه اللفظة بمعنى الإخفاء فظاهر وأما ورودها بمعنى الإظهار فهو من قولهم سر الشيء وأسره إذا أظهره.

إذا عرفت هذا فنقول: من الناس من قال: المراد منه إخفاء تلك الندامة، والسبب في هذا الإخفاء وجوه: الأول: أنهم لما رأوا العذاب الشديد صاروا مبهوتين متحيرين، فلم يطيقوا عنده بكاء ولا صراخاً سوى إسرار الندم كالحال فيمن يذهب به ليصلب فإنه يبقى مبهوتاً متحيراً لا ينطق بكلمة.

الثاني: أنهم أسروا الندامة من سفلتهم وأتباعهم حياء منهم وخوفاً من توبيخهم.

فإن قيل: إن مهابة ذلك الموقف تمنع الإنسان عن هذا التدبير فكيف قدموا عليه.

قلنا: إن هذا الكتمان إنما يحصل قبل الاحتراق بالنار، فإذا احترقوا تركوا هذا الإخفاء وأظهروه بدليل قوله تعالى: ﴿ قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا  ﴾ الثالث: أنهم أسروا تلك الندامة لأنهم اخلصوا لله في تلك الندامة، ومن أخلص في الدعاء أسره، وفيه تهكم بهم وبإخلاصهم يعني أنهم لما أتوا بهذا الإخلاص في غير وقته ولم ينفعهم، بل كان من الواجب عليهم أن يأتوا به في دار الدنيا وقت التكليف، وأما من فسر الإسرار بالإظهار فقوله: ظاهر لأنهم إنما أخفوا الندامة على الكفر والفسق في الدنيا لأجل حفظ الرياسة، وفي القيامة بطل هذا الغرض فوجب الإظهار.

وثالثها: قوله تعالى: ﴿ وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ بالقسط وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ فقيل بين المؤمنين والكافرين، وقيل بين الرؤساء والأتباع، وقيل بين الكفار بإنزال العقوبة عليهم.

واعلم أن الكفار وإن اشتركوا في العذاب فإنه لابد وأن يقضي الله تعالى بينهم لأنه لا يمتنع أن يكون قد ظلم بعضهم بعضاً في الدنيا وخانه، فيكون في ذلك القضاء تخفيف من عذاب بعضهم، وتثقيل لعذاب الباقين، لأن العدل يقتضي أن ينتصف للمظلومين من الظالمين، ولا سبيل إليه إلا بأن يخفف من عذاب المظلومين ويثقل في عذاب الظالمين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ ظَلَمَتْ ﴾ صفة لنفس على: ولو أنّ لكل نفس ظالمة ﴿ مَّا فِي الأرض ﴾ أي ما في الدنيا اليوم من خزائنها وأموالها وجميع منافعها على كثرتها ﴿ لاَفْتَدَتْ بِهِ ﴾ لجعلته فدية لها.

يقال: فده فافتدى.

ويقال: افتداه أيضاً بمعنى فداه ﴿ وَأَسَرُّواْ الندامة لَمَّا رَأَوُاْ العذاب ﴾ لأنهم بهتوا لرؤيتهم ما لم يحتسبوه ولم يخطر ببالهم وعاينوا من شدة الأمر وتفاقمه ما سلبهم قواهم وبهرهم فلم يطيقوا عنده بكاء ولا صراخاً ولا ما يفعله الجازع، سوى إسرار الندم والحسرة في القلوب، كما ترى المقدّم للصلب يثخنه ما دهمه من فظاعة الخطب، ويغلب حتى لا ينبس بكلمة ويبقى جامداً مبهوتاً، وقيل: أسر رؤساؤهم الندامة من سفالتهم الذين أضلوهم حياء منهم وخوفاً من توبيخهم وقيل أسروها أخلصوها، إما لأن إخفاءها إخلاصها، وإما من قولهم: سرّ الشيء، خالصه.

وفيه تهكم بهم وبأخطائهم وقت إخلاص الندامة.

وقيل: أسروا الندامة: أظهروها، من قولهم: أسر الشيء وأشره إذا أظهره.

وليس هناك تجلد ﴿ وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ ﴾ أي بين الظالمين والمظلومين، دلّ على ذلك ذكر الظلم.

ثم أتبع ذلك الإعلام بأنّ له الملك كله، وأنه المثيب المعاقب، وما وعدوه من الثواب والعقاب فهو حق.

وهو القادر على الإحياء والإماتة، لا يقدر عليهما غيره، وإلى حسابه وجزائه المرجع، ليعلم أن الأمر كذلك، فيخاف ويرجئ ولا يغتر به المغترون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ﴾ بِالشِّرْكِ أوِ التَّعَدِّي عَلى الغَيْرِ ما في الأرْضِ مِن خَزائِنِها وأمْوالِها.

﴿ لافْتَدَتْ بِهِ ﴾ لَجَعَلَتْهُ فِدْيَةً لَها مِنَ العَذابِ، مِن قَوْلِهِمُ افْتَداهُ بِمَعْنى فَداهُ.

﴿ وَأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ ﴾ لِأنَّهم بُهِتُوا بِما عايَنُوا مِمّا لَمْ يَحْتَسِبُوهُ مِن فَظاعَةِ الأمْرِ وهَوْلِهِ فَلَمْ يَقْدِرُوا أنْ يَنْطِقُوا.

وقِيلَ أسَرُّوا النَّدامَةَ أخْلَصُوها لِأنَّ إخْفاءَها إخْلاصُها، أوْ لِأنَّهُ يُقالُ سَرَّ الشَّيْءَ لِخالِصَتِهِ مِن حَيْثُ إنَّها تَخْفى ويَضِنُّ بِها.

وقِيلَ أظْهَرُوها مِن قَوْلِهِمْ أسَرَّ الشَّيْءَ وأشَرَّهُ إذا أظْهَرَهُ.

﴿ وَقُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ ﴾ لَيْسَ تَكْرِيرًا لِأنَّ الأوَّلَ قَضاءٌ بَيْنَ الأنْبِياءِ ومُكَذِّبِيهِمْ والثّانِيَ مُجازاةُ المُشْرِكِينَ عَلى الشِّرْكِ أوِ الحُكُومَةِ بَيْنَ الظّالِمِينَ والمَظْلُومِينَ، والضَّمِيرُ إنَّما يَتَناوَلَهم لِدَلالَةِ الظُّلْمِ عَلَيْهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلَوْ أَنَّ لِكُلّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ} كفرت وأشركت وهو صفة لنفس أي ولو أن لكل نفس ظالمة {مَّا فِى الأرض} في الدنيا اليوم من خزائنها وأموالها {لاَفْتَدَتْ بِهِ} لجعلته فدية لها يقال فداه فافتدى ويقال افتداه أيضاً بمعنى فداه {وأسروا الندامة لما رأوا العذاب} وأظهروها من قولهم أسر الشيء إذا أظهره أو أخفوها عجزاً عن النطق لشدة الأمر فأسر من الأضداد {وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ بالقسط} بين الظالمين والمظلومين دل على ذلك ذكر الظلم {وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ﴾ أيْ بِالكُفْرِ أوْ بِالتَّعَدِّي عَلى الغَيْرِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِن أصْنافِ الظُّلْمِ كَذا قِيلَ ورُبَّما يُقْتَصَرُ عَلى الأوَّلِ لِأنَّهُ الفَرْدُ الكامِلُ مَعَ أنَّ الكَلامَ في حَقِّ الكُفّارِ و(لَوْ) قِيلَ بِمَعْنى إنَّ وقِيلَ عَلى ظاهِرِها واسْتُبْعِدَ ولا أراهُ بَعِيدًا ﴿ ما في الأرْضِ ﴾ أيْ ما في الدُّنْيا مِن خَزائِنِها وأمْوالِها ومَنافِعِها قاطِبَةً ﴿ لافْتَدَتْ بِهِ ﴾ أيْ لَجَعَلَتْهُ فِدْيَةً لَها مِنَ العَذابِ مِنِ افْتَداهُ بِمَعْنى فَداهُ فالمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ لافْتَدَتْ نَفْسَها بِهِ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ افْتَدى لازِمًا عَلى أنَّهُ مُطاوِعُ فَدى المُتَعَدِّي يُقالُ: فَداهُ فافْتَدى وتُعُقِّبَ بَأنَّهُ غَيْرُ مُناسِبٍ لِلسِّياقِ إذِ المُتَبادَرُ مِنهُ أنَّ غَيْرَهُ فَداهُ لِأنَّ مَعْناهُ قَبِلْتُ الفِدْيَةَ والقابِلُ غَيْرُ الفاعِلِ ونَظَرَ فِيهِ بِأنَّهُ قَدْ يَتَّحِدُ القابِلُ والفاعِلُ إذْ فَدى نَفْسَهُ نَعَمِ المُتَبادِرُ الأوَّلُ ﴿ وأسَرُّوا ﴾ أيِ النُّفُوسَ المَدْلُولَ عَلَيْها بِكُلِّ نَفْسٍ والعُدُولُ إلى صِيغَةِ الجَمْعِ لِإفادَةِ تَهْوِيلِ الخَطْبِ بِكَوْنِ الإسْرارِ بِطَرِيقِ المَعِيَّةِ والِاجْتِماعِ وإنَّما لَمْ يُراعَ ذَلِكَ فِيما سَبَقَ لِتَحْقِيقِ ما يُتَوَخّى مِن فَرْضِ كَوْنِ جَمْعِ ما في الأرْضِ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنَ النُّفُوسِ وإيثارِ صِيَغَةِ جَمْعِ المُذَكَّرِ لِحَمْلِ لَفْظِ النَّفْسِ عَلى الشَّخْصِ أوْ لِتَغْلِيبِ ذُكُورِ مَدْلُولِهِ عَلى إناثِهِ والإسْرارُ الإخْفاءُ أيْ أخْفَوُا ﴿ النَّدامَةَ ﴾ أيِ الغَمَّ والأسَفَ عَلى ما فَعَلُوا مِنَ الظُّلْمِ والمُرادُ إخْفاءُ آثارِها كالبُكاءِ وعَضِّ اليَدِ وإلّا فَهي مِنَ الأُمُورِ الباطِنَةِ الَّتِي لا تَكُونُ إلّا سِرًّا وذَلِكَ لِشِدَّةِ حَيْرَتِهِمْ وبَهَتَهم ﴿ لَمّا رَأوُا العَذابَ ﴾ أيْ عِنْدَ مُعايَنَتِهِمْ مِن فَظاعَةِ الحالِ وشِدَّةِ الأهْوالِ ما لَمْ يَمُرَّ لَهم بِبالٍ فَأشْبَهَ حالُهم حالَ المُقَدَّمِ لِلصَّلْبِ يُثْخِنُهُ ما دَهَمَهُ مِنَ الخَطْبِ ويَغْلِبُ حَتّى لا يَسْتَطِيعَ التَّفَوُّهَ بِبِنْتِ شَفَةٍ ويَبْقى جامِدًا مَبْهُوتًا وقِيلَ: المُرادُ بِالإسْرارِ الإخْلاصُ أيْ أخْلَصُوا النَّدامَةَ وذَلِكَ إمّا لِأنَّ إخْفاءَها إخْلاصُها وإمّا مِن قَوْلِهِمْ: سِرُّ الشَّيْءِ لِخالِصِهِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يُخْفى ويُصانَ ويُضَنَّ بِهِ وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ: وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والجِبائِيُّ: إنَّ الإسْرارَ هُنا بِمَعْنى الإظْهارِ وفي الصِّحاحِ أسْرَرْتُ الشَّيْءَ كَتَمْتُهُ وأعْلَنْتُهُ أيْضًا وهو مِنَ الأضْدادِ والوَجْهانِ جَمِيعًا يُفَسَّرانِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأسَرُّوا النَّدامَةَ ﴾ وكَذَلِكَ في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: لَوْ يُسِرُّونَ مَقْتَلِي انْتَهى وفي القامُوسِ أيْضًا أسَرَّهُ كَتَمَهُ وأظْهَرَهُ ضِدٌّ وفِيهِ اخْتِلافُ اللُّغَوِيِّينَ فَإنَّ الأزْهَرِيَّ مِنهُمُ ادَّعى أنَّ اسْتِعْمالَ أسَرَّ بِمَعْنى أظْهَرَ غَلَطٌ وأنَّ المُسْتَعْمَلَ بِذَلِكَ المَعْنى هو أشَرُّ بِالشِّينِ المُعْجَمَةِ لا غَيْرُ ولَعَلَّهُ قَدْ غَلِطَ في التَّغْلِيطِ وعَلَيْهِ فالإظْهارُ أيْضًا بِاعْتِبارِ الآثارِ عَلى ما لا يَخْفى وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالإسْرارِ الإخْفاءَ إلّا أنَّ المُرادَ مِن ضَمِيرِ الجَمْعِ الرُّؤَساءُ أيْ أخْفى رُؤَساؤُهُمُ النَّدامَةَ مِن سَفَلَتِهِمُ الَّذِينَ أضَلُّوهم حَياءً مِنهم وخَوْفًا مِن تَوْبِيخِهِمْ وفِيهِ أنَّ ضَمِيرَ ﴿ أسَرُّوا ﴾ عامٌّ لا قَرِينَةَ عَلى تَخْصِيصِهِ عَلى أنَّ هَوْلَ المَوْقِفِ أشَدُّ مِن أنْ يُتَفَكَّرَ مَعَهُ في أمْثالِ ذَلِكَ وجُمْلَةُ ﴿ أسَرُّوا ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ عَلى الظّاهِرِ وقِيلَ: حالٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ و ﴿ لَمّا ﴾ عَلى سائِرِ الأوْجُهِ بِمَعْنى حِينَ مَنصُوبٌ بِأسَرُّوا وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ لِلشَّرْطِ والجَوابِ مَحْذُوفٌ عَلى الصَّحِيحِ لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ أيْ لَمّا رَأوُا العَذابَ أسَرُّوا النَّدامَةَ و ﴿ قُضِيَ ﴾ أيْ حُكِمَ وفُصِلَ بَيْنَهم أيْ بَيْنِ النُّفُوسِ الظّالِمَةِ ﴿ بِالقِسْطِ ﴾ أيْ بِالعَدْلِ ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ 54﴾ أصْلًا لِأنَّهُ لا يُفْعَلُ بِهِمْ إلّا ما يَقْتَضِيهِ اسْتِعْدادُهم وقِيلَ: ضَمِيرُ ﴿ بَيْنَهُمْ ﴾ لِلظّالِمِينَ السّابِقِينَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ﴾ والمَظْلُومِينَ الَّذِينَ ظَلَمُوهم وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهم ذِكْرٌ لَكِنَّ الظُّلْمَ يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلَيْهِمْ وتَخْصِيصُ الظُّلْمِ بِالتَّعَدِّي والمَعْنى وقَعَتِ الحُكُومَةُ بَيْنَ الظّالِمِينَ والمَظْلُومِينَ وعُومِلَ كُلٌّ مِنهُما بِما يَلِيقُ بِهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المَقامَ لا يُساعِدُ عَلى ذَلِكَ لِأنَّهُ إنْ لَمْ يَقْتَضِ حَمْلُ الظُّلْمِ عَلى أعْظَمِ أفْرادِهِ وهو الشِّرْكُ فَلا أقَلَّ مِن أنَّهُ يَقْتَضِي حَمْلَهُ عَلى ما يَدْخُلُ ذَلِكَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا والظّاهِرُ أنَّ جُمْلَةُ ﴿ قُضِيَ ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿ رَأوُا ﴾ فَتَكُونَ داخِلَةً في حَيِّزِ لِما <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قال قتادة ومقاتل: وذلك أنَّ حييَّ بْنَ أخْطَبَ حين قدم مكة قال للنبي  أحق هذا العذاب؟

قال الله تعالى لنبيه  : قُلْ إِي وَرَبِّي، يعني: إي والله إنَّه لكائن.

ويقال: معناه ويسألونك عن البعث أحق هو؟

ويسألونك عن دينك أحق هو؟

قُلْ إِي وَرَبِّي، يعني قل: يا محمَّد نعم إِنَّهُ لَحَقٌّ يعني: العذاب نازل بكم إن لم تؤمنوا وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ بفائتين من العذاب حتَّى يجزيكم به.

ثم أخبر عن حالهم حين نزل بهم العذاب، فقال تعالى: وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ يعني: كفرت وأشركت بالله تعالى، ما فِي الْأَرْضِ يعني: لو كان لها مَا فِى الارض جَمِيعاً يعني: النفس لَافْتَدَتْ بِهِ يعني: النَّفس لافتدت مِن سُوء العذاب، أي لا ينفعها لها ولا يُقبَل منها.

وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ يعني: أخفوا النَّدامة، يعني: أن القادة أخفوا الندامة من السَّفلة، لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ حين نزل بهم العذاب، وعاينوه وشاهدوه.

وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ بين القادة والسفلة بالعدل، ويقال: قُضِيَ بَيْنَهُمْ، يعني: الخلق بالعدل، فيعطي ثوابهم على قدر أعمالهم.

ويقال: يقضي بين الكفَّار بالعدل، وبين المؤمنين بالفضل.

ثم قال: وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ يعني: لا ينقصون من ثواب أعمالهم شيئاً.

ثمَّ بيَّن استغناءه عن عبادة الخلق وقدرته عليهم، فقال: أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: كلُّهم عبيده وإماؤه، وهو قادر عليهم.

ويقال: كلُّ شيء يدلُّ على توحيده، وأنَّ له صانعاً.

أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ يعني: بالبعث بعد الموت هو كائن.

وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ يعني: لا يُصدِّقون به.

ثم قال تعالى: هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ في الآخرة، فيجازيكم بأعمالكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

حَرْفُ القسم، وقد لا يجيء تقُولُ: إِي وربّي، وإي ربّي، وبِمُعْجِزِينَ: معناه مفلتين.

وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٥٤) أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٥٥) هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٥٦)

وقوله سبحانه: وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ ...

الآية، وأَسَرُّوا: لفظة تجيءُ بمعنى «أَخْفَوا» ، وهي حينئذٍ من السِّرِّ، وتجيء بمعنى «أظْهَرُوا» ، وهي حينئذٍ من أسارِيرِ الوَجْهِ.

ص: قال أبو البقاء: وهو مستأنَفٌ، وهو حكاية ما يكون في الآخرة.

وقوله تعالى: أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ...

الآية، «أَلاَ» استفتاح وتنبيهٌ، وباقي الآية بيّن.

يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨) قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)

وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ...

الآية: هذه آية خُوطِبَ بها جميعُ العَالَم، وال مَوْعِظَةٌ: القرآن لأن الوعظ إِنما هو بقولٍ يأْمُرُ بالمعروف ويزجُرُ، ويرقِّق القلوب، ويَعِدُ ويُوعِدُ، وهذه صفة «الكتاب العزيز» ، وقوله:

مِنْ رَبِّكُمْ يريد: لم يختلقها محمّد ولا غيره، ولِما فِي الصُّدُورِ: يريد به الجَهْلَ ونحوَهُ، وجَعْلُهُ موعظةً بحَسَب النَّاسِ أَجْمَعَ، وجعْلُه هدىً ورحمةً بحسب المؤمنين فَقَطْ، وهذا تفسيرٌ صحيحُ المعنَى، إِذا تُؤُمِّلَ، بان وجْهُه.

وقوله سبحانه: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا، قال ابن عباس «١» وغيره: الفضل: الإِسلام، والرحمة: القرآن، وقال أبو سعيد الخُدْرِيُّ: الفَضْل: القرآن، والرحمة: أن جعلهم مِنْ أهله.

وقال زيْدُ بن أسلم والضّحّاك: الفضل: القرآن، والرحمة: الإسلام.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أشْرَكَتْ.

﴿ ما في الأرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ ﴾ عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ.

﴿ وَأسَرُّوا النَّدامَةَ ﴾ يَعْنِي: الرُّؤَساءَ أخْفَوْها مِنَ الأتْباعِ.

﴿ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ أيْ: بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ.

وقالَ آخَرُونَ مِنهم أبُو عُبَيْدَةَ والمُفَضَّلُ: " أسَرُّوا النَّدامَةَ " بِمَعْنى أظْهَرُوا، لِأنَّهُ لَيْسَ بِيَوْمِ تَصَنُّعٍ ولا تَصَبُّرٍ، والإسْرارُ مِنَ الأضْدادِ؛ يُقالُ: أسْرَرْتُ الشَّيْءَ، بِمَعْنى: أخْفَيْتُهُ.

وأسْرَرْتُهُ: أظْهَرَتْهُ، قالَ الفَرَزْدَقُ: ولَمّا رَأى الحَجّاجَ جَرَّدَ سَيْفَهُ أسَرَّ الحَرُورِيُّ الَّذِي كانَ أضْمَرا يَعْنِي: أظْهَرَ.

فَعَلى هَذا القَوْلِ: أظْهَرُوا النَّدامَةَ عِنْدَ إحْراقِ النّارِ لَهم، لِأنَّ النّارَ ألْهَتْهم عَنِ التَّصَنُّعِ والكِتْمانِ.

وعَلى الأوَّلِ: كَتَمُوها قَبْلَ إحْراقِ النّارِ إيّاهم.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألا إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما وعَدَ أوْلِياءَهُ مِنَ الثَّوابِ، وأعْداءَهُ مِنَ العِقابِ.

﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَهُمْ ﴾ يَعْنِي المُشْرِكِينَ ﴿ لا يَعْلَمُونَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما في الأرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وأسَرُّوا النَدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ ﴾ ﴿ ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَماواتِ والأرْضِ ألا إنَّ وعْدَ اللهِ حَقٌّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ هُوَ يُحْيِي ويُمِيتُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ هَذا إخْبارٌ لِلْكُفّارِ في سِياقِ إخْبارِهِمْ بِأنَّ ذَلِكَ الوَعْدَ حَقٌّ، و"أسَرُّوا" لَفَظَةٌ تَجِيءُ بِمَعْنى: أخْفَوْا، وهي حِينَئِذٍ مِنَ السِرِّ، وتَجِيءُ بِمَعْنى: أظْهَرُوا، وهي حِينَئِذٍ مِن أسارِيرِ الوَجْهِ، قالَ الطَبَرِيُّ: المَعْنى: وأخْفى رُؤَساءُ هَؤُلاءِ الكُفّارِ النَدامَةَ عن سَفِلَتِهِمْ ووُضَعائِهِمْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: بَلْ هو عامٌّ في جَمِيعِهِمْ.

و"ألا" اسْتِفْتاحٌ وتَنْبِيهٌ، ثُمَّ أوجَبَ أنَّ جَمِيعَ ما في السَماواتِ والأرْضِ مِلْكٌ لِلَّهِ تَبارَكَ وتَعالى، قالَ الطَبَرِيُّ: يَقُولُ: فَلَيْسَ لِهَذا الكافِرِ يَوْمَئِذٍ شَيْءٌ يَقْتَدِي بِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورَبْطُ الآيَتَيْنِ هَكَذا يَتَّجِهُ عَلى بُعْدٍ، ولَيْسَ هَذا مِن فَصِيحِ المَقاصِدِ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ ﴾ قُيِّدَ بِالأكْثَرِ لِأنَّ بَعْضَ الناسِ يُؤْمِنُ فَهم يَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ وعْدِ اللهِ تَعالى، وأكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ فَهم لِأجْلِ ذَلِكَ يَكْذِبُونَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ يُحْيِي  ﴾ يُرِيدُ: يُحْيِي مِنَ النُطْفَةِ، ﴿ وَيُمِيتُ ﴾ بِالأجَلِ، ثُمَّ يَجْعَلُ المَرْجِعَ إلَيْهِ بِالحَشْرِ يَوْمَ القِيامَةِ.

وفي قُوَّةِ هَذِهِ الآياتِ ما يَسْتَدْعِي الإيمانَ وإجابَةَ دَعْوَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَرَأ "تُرْجَعُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ الأعْرَجُ، وأبُو عَمْرٍو، وَعاصِمٌ، ونافِعٌ، والناسُ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ "يُرْجَعُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، واخْتُلِفَ عَنِ الحَسَنِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الأظهر أن هذه الجملة من بقية القول، فهي عطف على جملة ﴿ إي وربي إنه لحق ﴾ [يونس: 53] إعلاماً لهم بهول ذلك العذاب عساهم أن يحذروه، ولذلك حذف المتعلِّق الثاني لفعل (افتدت) لأنه يقتضي مفدياً به ومفدياً منه، أي لافتدت به من العذاب.

والمعنى أن هذا العذاب لا تتحمله أية نفس على تفاوت الأنفس في احتمال الآلام، ولذلك ذكر ﴿ كل نفس ﴾ دون أن يقال ولو أن لكم ما في الأرض لافتديتم به.

وجملة ﴿ أن لكل نفس ظلمتْ ما في الأرض ﴾ واقعة موقع شرط (لو).

و ﴿ ما في الأرض ﴾ اسم (أن).

و ﴿ ولكل نفس ﴾ خبر (أن) وقدم على الاسم للاهتمام بما فيه من العموم بحيث ينص على أنه لا تسلم نفس من ذلك.

وجملة ﴿ ظلمت ﴾ صفة لِ ﴿ لنفس ﴾ .

وجملة: ﴿ لافتدت به ﴾ جواب (لو).

فعموم ﴿ كل نفس ﴾ يشمل نفوس المخاطبين مع غيرهم.

ومعنى ﴿ ظلمت ﴾ أشركت، وهو ظلم النفس ﴿ إن الشرك لظلم عظيم ﴾ [لقمان: 13].

و ﴿ ما في الأرض ﴾ يعم كل شيء في ظاهر الأرض وباطنها لأن الظرفية ظرفية جمع واحتواء.

و (افتدى) مرادف فدى.

وفيه زيادة تاء الافتعال لتدل على زيادة المعنى، أي لتكلفت فداءها به.

جملة مستأنفة معطوفة عطف كلام على كلام.

وضمير ﴿ أسروا ﴾ عائد إلى ﴿ كل نفس ﴾ باعتبار المعنى مع تغليب المذكر على المؤنث، وعبر عن الإسرار المستقبَلي بلفظ الماضي تنبيهاً على تحقيق وقوعه حتى كأنَّه قد مضى، والمعنى: وسيسرُّون الندامة قطعاً.

وكذلك قوله: ﴿ وقُضيَ بينهم ﴾ .

والندامة: الندم، وهو أسف يحصل في النفس على تفويت شيء ممكن عمله في الماضي، والندم من هواجس النفس، فهو أمر غير ظاهر ولكنه كثير، أي يصدر عن صاحبه قولٌ أو فعل يدل عليه، فإذا تجلد صاحب الندم فلم يظهر قولاً ولا فعلاً فقد أسر الندامة، أي قصرها على سِره فلم يظهرها بإظهار بعض آثارها، وإنما يكون ذلك من شدة الهول؛ فإنما أسروا الندامة لأنهم دهشوا لرؤية ما لم يكونوا يحتسبون فلم يطيقوا صراخاً ولا عويلاً.

وجملة: ﴿ وقُضي بينهم ﴾ عطف على جملة: ﴿ وأسروا ﴾ مستأنفة.

ومعنى: ﴿ قضي بينهم ﴾ قضي فيهم، أي قضي على كل واحد منهم بما يستحقه بالعدل، فالقضاء بالعدل وقع فيهم، وليس المعنى أنه قضي بين كل واحد وآخر لأن القضاء هنا ليس قضاء نزاع ولكنه قضاء زجر وتأنيب، إذ ليس الكلام هنا إلا على المشركين وهم صنف واحد، بخلاف قوله تعالى: ﴿ فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط ﴾ [يونس: 47] فإن ذلك قضاء بين المرسل إليهم وبين الرسل كما قال تعالى: ﴿ فلنَسألنَّ الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين ﴾ [الأعراف: 6، 7].

وجملة: ﴿ وهم لا يظلمون ﴾ حالية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ ﴾ أيْ يَسْتَخْبِرُونَكَ، وهو طَلَبُ النَّبَأِ.

﴿ أحَقٌّ هُوَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: البَعْثُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: العَذابُ في الآخِرَةِ.

﴿ قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ ﴾ فَأقْسَمَ مَعَ إخْبارِهِ أنَّهُ حَقٌّ تَأْكِيدًا.

﴿ وَما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِمُمْتَنِعِينَ.

الثّانِي: بِسابِقِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أخْفَوُا النَّدامَةَ وكَتَمُوها عَنْ رُؤَسائِهِمْ، وقِيلَ بَلْ كَتَمَها الرُّؤَساءُ عَنْ أتْباعِهِمْ.

الثّانِي: أظْهَرُوها وكَشَفُوها لَهم.

وَذَكَرَ المُبَرَّدُ فِيهِ وجْهًا ثالِثًا: أنَّهُ بَدَتْ بِالنَّدامَةِ أسِرَّةُ وُجُوهِهِمْ وهي تَكاسِيرُ الجَبْهَةِ.

﴿ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: قُضِيَ بَيْنَهم وبَيْنَ رُؤَسائِهِمْ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: قَضى عَلَيْهِمْ بِما يَسْتَحِقُّونَهُ مِن عَذابِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ وإما نرينك بعض الذي نعدهم ﴾ قال: سوء العذاب في حياتك ﴿ أو نتوفينك ﴾ قبل ﴿ فإلينا مرجعهم ﴾ وفي قوله: ﴿ ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم ﴾ قال: يوم القيامة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ﴾ ، قال ابن عباس وغيره: أشركت (١) ﴿ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ ﴾ أي: لبذلته لدفع العذاب عنها، قال ابن عباس: يريد إن قبل الله ذلك منها، ﴿ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ ﴾ أي: أخفى الرؤساء الندامة من السفلة الذين أضلوهم، أي كتموهم ذلك ولم يطلعوهم عليه، هذا قول عامة المفسرين (٢) (٣) (٤) ونحو هذا قال الزجاج (٥) وقال ابن الأنباري: إنما يقع هذا الكتمان منهم (٦) ﴿ قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا  ﴾ الآيات، فهم في هذه الحال (٧) (٨) ﴿ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ ﴾ أي أظهروها، وأنشد للفرزدق (٩) فلما رأى الحجاجَ جرد سيفه ...

أسر الحروري الذي كان أضمرا (١٠) أراد أظهر الحروري، قال شِمْر: لم أجد هذا البيت للفرزدق، وما قال غير (١١) ﴿ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ ﴾ أي أظهروها، ولم أسمع ذلك لغيره (١٢) وذكر المفضل، عن الأصمعي وغيره: أسر بمعنى أظهر (١٣) (١٤) ومعنى الندامة: الحسرة على ما كان يتمنى أنه لم يكن، والتأسف علي ما وقع منه، ويود أنه لم يكن أوقعها، هذا معنى الندامة والندم، فأما أصله فإن (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) ويقوي هذا المذهب أيضًا أن أصحاب القلب (١٩) (٢٠) وقال ابن الأعرابي (٢١) وقوله تعالى: ﴿ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ ﴾ أي: بين الرؤساء والسفلة، ﴿ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ ؛ لأنهم يجازون بشركهم.

(١) "تنوير المقباس" ص 214، "زاد المسير" 4/ 39، "الوسيط" 2/ 550.

(٢) انظر: "تفسير ابن جرير" 11/ 123، والسمرقندي 2/ 102، والثعلبي 7/ 17 أ، وابن الجوزي 4/ 39.

(٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 469، "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 3/ 25، "معاني القرآن الكريم" للنحاس 3/ 299.

(٤) "معاني القرآن" 1/ 469.

(٥) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 25.

(٦) من (م) فقط.

(٧) في (ى): (الحالات).

(٨) لم أجده، وقد ذكر القول من غير نسبة القرطبي في "تفسيره" 8/ 352.

(٩) البيت ليس في "ديوانه"، وقد نسب إليه في كتاب "الأضداد" للأصمعي ص 21، وكتاب "الأضداد" لابن الأنباري ص 46 وأخرى غيرها، وشكك في صحة نسبته للفرزدق أبو حاتم السجستاني كما سيأتي.

(١٠) اهـ.

كلام أبي عبيدة، انظر كتاب "الأضداد" للسجستاني ص 115، "تهذيب اللغة" (سر) 2/ 1670، "لسان العرب" (سرر) 4/ 1989، ولم يفسر أبو عبيدة هذه الآية في كتابه "مجاز القرآن".

(١١) ساقط من (ى).

(١٢) "تهذيب اللغة" (سر) 2/ 1670، وإلى ذلك ذهب أبو حاتم السجستافي حيث قال: == وكان يقول -يعني أبا عبيدة- في هذه الآية: ﴿ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ ﴾ أظهرها، ولا أثق بقوله في هذا، والله أعلم، وقد زعموا أن الفرزدق قال ..

، وذكر البيت ثم قال: ولا أثق أيضًا بقول الفرزدق في القرآن، ولا أدري لعله قال: الذي كان أظهرا، أي كتم ما كان عليه، والفرزدق كثير التخليط في شعره ..

، فلا أثق به في القرآن.

كتاب "الأضداد" له ص 115، وقال الأزهري: وأهل اللغة أنكروا قول أبي عبيدة أشد الإنكار، "لسان العرب" (سرر) 4/ 1989.

(١٣) انظر قول الأصمعي في كتابه: "الأضداد" ص 21.

(١٤) انظر: "زاد المسير" 4/ 39، "الوسيط" 2/ 550.

(١٥) في (م): (بأن).

(١٦) في (ح) و (ز): (ممنوعة).

(١٧) في (ى): (المسجد).

(١٨) في "مختار الصحاح": (سدم) السَّدَم -بفتحتين- الندم والحزن، وبابه: طَرِب، ورجل سادم نادم، وسلمان ندمان، وقيل: هو إتباع.

(١٩) يعني علماء اللغة الذين لهم عناية بالكلمات المقلوبة، قال ابن منظور: يقال: == المنادمة مقلوبة من المدامنة؛ لأنه يدمن شرب الشراب من نديمه؛ لأن القلب في كلامهم كثير كالقسي من القووس، وجذب وجبذ، وما أطيبه وأيطبه ...

إلخ.

"لسان العرب" (ندم) 7/ 4386.

(٢٠) قال الأزهري: دمّن فلان فناء فلان: إذا غشيه ولزمه، ومدمن الخمر: الذي لا يقلع عن شربها، واشتقاقه من دمن البعر.

"تهذيب اللغة" (دمن) 3/ 1428.

(٢١) في (م): (ابن الأنباري).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ ﴾ أي يسألونك هل الوعيد حق أو هل الشرع والدين حق؟

والأول أرجح، لقوله: وما أنتم بمعجزين: أي لا تفوتون من الوعيد ﴿ قُلْ إِي ﴾ أي نعم ﴿ ظَلَمَتْ ﴾ صفة لنفس، أي لو ملك الظالم الدنيا لافتدى بها من عذاب الآخرة ﴿ وَأَسَرُّواْ الندامة ﴾ أي أخفوها في نفوسهم، وقيل: أظهروها.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أفأنت ﴾ بتليين الهمزة ونحوه: الأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف.

﴿ ولكن الناس ﴾ بالتخفيف والرفع: حمزة وعلي وخلف ﴿ يحشرهم ﴾ بالياء: حفص الباقون بالنون ﴿ نرينك أو نتوفينك ﴾ بالنون الخفيفة: رويس ﴿ آلان ﴾ بوزن "عالان" بحذف الهمزة التي بعد اللام وإلقاء حركتها على اللام حيث كان: أبو جعفر ونافع وزمعة وحمزة في الوقف ﴿ ربي إنه ﴾ بفتح الياء: أبو عمرو وأبو جعفر ونافع.

﴿ فليفرحوا ﴾ بياء الغيبة ﴿ تجمعون ﴾ بتاء الخطاب: ابن عامر ويزيد.

وقرأ زيد على ضده، وقرأ رويس كليهما على الخطاب.

والباقون على الغيبة فيهما.

الوقوف: ﴿ إليك ﴾ ط ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ﴿ إليك ﴾ ط ﴿ لا يبصرون ﴾ ه ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ مهتدين ﴾ ه ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ رسول ﴾ ج ط ﴿ لا يظلمون ﴾ ه ﴿ صادقين ﴾ ه ﴿ ما شاء الله ﴾ ط ﴿ أجل ﴾ ط ﴿ ولا يستقدمون ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه ﴿ آمنتم به ﴾ ط، ﴿ تستعجلون ﴾ ه ﴿ الخلد ﴾ ج ط للاستفهام مع أن القائل واحد ﴿ تكسبون ﴾ ه ﴿ أحق هو ﴾ ط ﴿ بمعجزين ﴾ ه ﴿ لافتدت به ﴾ ط ﴿ العذاب ﴾ ج ط للعطف على ﴿ أسروا ﴾ دون ﴿ رأوا ﴾ ﴿ يظلمون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ ترجعون ﴾ ه ﴿ للمؤمنين ﴾ ه ﴿ فليفرحوا ﴾ ط ﴿ يجمعون ﴾ ه ﴿ وحلالاً ﴾ ط ﴿ تفترون ﴾ ه ﴿ القيامة ﴾ ط ﴿ لا يشكرون ﴾ ه.

التفسير: إن الإنسان إذا قوي بغضه لإنسان آخر وعظمت نفرته عنه صارت نفسه متوجهة إلى طلب مقابحه في كلامه معرضة عن جهات محاسنه فيه، وكما أن الصمم في الأذن معنى ينافي حصول إدراك الصوت، والعمى في العين أمر ينافي حصول إدراك الصورة، فكذلك حصول هذا البغض الشديد يضاد وقوف الإنسان على محاسن من يعاديه، فبين الله  في أولئك الكفار من بلغت حاله في النفرة والعداوة إلى هذا الحد ﴿ يستمعون إليك ﴾ إذا قرأت القرآن وعلمت الشرائع ولكنهم لا يسمعون ولا يقبلون وينظرون إليك يعاينون أدلة الصدق وأعلام النبوة ولكنهم لا يتبصرون ولا يصدقون.

قال أهل المعاني: المستمع إلى القرآن كالمستمع إلى النبي  بخلاف النظر.

فكان في المستمعين كثرة فجمع ليطابق اللفظ المعنى ووحد النظر حملاً على اللفظ إذ لم يكثروا كثرتهم.

ثم قال: أتطمع أن تقدر على إسماع الصم ولو انضم إلى صممهم عدم عقولهم، أو تقدر على هداية العمي ولا سيما إذا قرن بفقد البصر فقد البصيرة، إنما يقدر على ردهم إلى حالة الكمال خالق القدر والقوى وحده.

وهذا الحصر إنما يفهم من قوله: ﴿ أفأنت ﴾ .

والمقصود من هذا الكلام تسلية الرسول  فإن الطبيب إذا رأى مريضاً لا يقبل العلاج أصلاً أعرض عنه ولم يستوحش من ذلك لأن التقصير من المزاج لا من الصنعة والحذق.

ثم أكد عدم قابليتهم في الفطرة مع إشارة إلى ما يلحقهم من الوعيد يوم القيامة بقوله: ﴿ إن الله لا يظلم ﴾ الآية.

فسرها المعتزلة بأن المراد من نفي الظلم أنه ما ألجأ أحد إلى هذه القبائح والمنكرات ولكنهم باختيار أنفسهم أقدموا عليها.

وأجاب الواحدي عنه بأنه إنما نفى الظلم عن نفسه لأنه يتصرف في ملك نفسه فلا اعتراض عليه.

وإنما قال: ﴿ ولكن الناس أنفسهم يظلمون ﴾ لأن الفعل منسوب إليهم بسبب الكسب.

والتحقيق أنه نفى الظلم عنه لأنه وقوع فريق القهر ضروري، ونسب الظلم إليهم لخصوص وقوعهم في الطريق وفيه دقة.

ثم ذكر وعيد الكفار فقال: ﴿ ويوم يحشرهم ﴾ أي واذكر يوم يحشرهم ﴿ كأن لم يلبثوا ﴾ في محل النصب على الحال أي مشبهين بمن لم يلبث ﴿ إلا ساعة ﴾ وقوله ﴿ يتعارفون ﴾ إما حال أخرى أو بيان لقوله: ﴿ كأن لم يلبثوا ﴾ لأن التعارف لا يبقى مع طول العهد.

ويجوز أن يكون قوله: ﴿ ويوم يحشرهم ﴾ متعلقاً بـ ﴿ يتعارفون ﴾ والمراد باللبث.

قيل: لبثهم في الدنيا وقيل في القبور استقلوا المدد الطوال إما لأنهم ضيعوا أعمارهم في الدنيا فجعلوا وجودها كالعدم واستقصروها للدهش والحيرة، أو لطول وقوفهم في الحشر، أو لشدة ما هم فيه من العذاب نسوا لذات الدنيا واستحقروها.

وأما التعارف فقد قيل: يعرّف بعضهم بعضاً ما كانوا عليه من الخطإ والكفر وقيل: يعرف كل واحد أهل معرفته.

والجمع بين ذلك وبين قوله: ﴿ ولا يسأل حميم حميماً  ﴾ أن هذا تعارف توبيخ وتضليل يقول كل فريق لصاحبه أنت أضللتني يوم كذا، أو أنهم يتعارفون إذا بعثوا ثم تنقطع المعرفة.

وإنما حذف "جميعاً" في هذه الآية اكتفاء بما في الآية السابقة ﴿ ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للذين أشركوا  ﴾ ولأن الآية سيقت هناك لبيان حشر العابدين والمعبودين فأكد بقوله: ﴿ جميعاً ﴾ ليشمل الفريقين صريحاً والله أعلم.

قوله: ﴿ قد خسر ﴾ استئناف فيه معنى التعجب كأنه قيل: ما أخسرهم!

وفيه شهادة من الله على خسرانهم.

وجوز في الكشاف أن يكون على إرادة القول أي يتعارفون بينهم قائلين ذلك.

ثم أكد خسرانهم بقوله: ﴿ وما كانوا مهتدين ﴾ أي في رعاية مصالح هذه التجارة لأنهم أعطوا الكثير الشريف الباقي وقنعوا بالقليل الخسيس الفاني كمن رأى زجاجة خسيسة فظنها جوهرة نفيسة فاشتراها بكل ماله، فإذا عرضها على الناقدين خاب سعيه وفات أمله.

ثم سلى رسوله  فقال: ﴿ وإما نرينك ﴾ وجوابه محذوف.

وقوله: ﴿ فإلينا مرجعهم ﴾ جواب ﴿ أو نتوفينك ﴾ والمعنى وإما نرينك في أعدائك بعض الذي نعدهم في الدنيا فذاك، أو نتوفينك قبل أن تدركه فنحن نريكهم في الآخرة لأن مرجع الكل إلينا.

ولقد صدق الله وعده فقد أراه في هذه الدار خزيهم وقهرهم بالقتل والأسر والاستعلاء عليهم والاستيلاء على ديارهم وأموالهم، والذي سيريه في الآخرة أكثر وأدوم يدل عليه لفظ "ثم" لتبعيد الرتبة في قوله: ﴿ ثم الله شهيد على ما يفعلون ﴾ ولا يخفى نتيجة هذه الشهادة من السخط والعقاب، ويحتمل أن يراد إنطاق جوارحهم يوم القيامة جعل ذلك بمنزلة شهادة الله.

ثم بيّن أنه ما أهمل أمة من الأمم من رسول في وقت من الأوقات فقال: ﴿ ولكل أمة رسول ﴾ وزمان الفترة محمول على ضعف دعوة النبي  المتقدم ووقوع موجبات التخليط في شرعه.

﴿ فإذا جاء رسولهم ﴾ فبلغ فكذبه قوم وصدقه آخرون ﴿ قضى بينهم بالقسط ﴾ أي حكم وفصل بالعدل فأنجى الرسول والمصدقون وعذب المكذبون فهذه الآية نظيرة قوله: ﴿ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً  ﴾ ويحتمل أن يقال: المراد ولكل أمة من الأمم يوم القيامة رسول ينسبون إليه ويدعون به فكأنه  يقول: أنا شهيد على أعمالهم ومع ذلك فإني أحضر في موقف القيامة، مع كل قوم رسولهم حتى يشهد عليهم بالكفر والإيمان.

﴿ فإذا جاء رسولهم ﴾ وشهد لهم أو عليهم ﴿ قضي بينهم ﴾ والمراد منه المبالغة في إظهار العدل والنصفة فتكون الآية كقوله: ﴿ فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد  ﴾ ثم ذكر شبهة أخرى من شبهات الكفرة، وذلك أنه  كلما هددهم بنزول العذاب ومر زمان ولم يظهر ذلك العذاب كانوا ﴿ يقولون متى هذا الوعد ﴾ استبعاداً لنزوله وقدحاً في نبوته وهذا مما يؤكد القول الأوّل في الآية المتقدمة، لأنه لا يجوز أن يقولوا متى هذا الوعد عند حضورهم في دار الآخرة لحصول اليقين والمعرفة حينئذٍ.

وأيضاً قوله: ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ لفظ الجمع موافق لقوله: ﴿ ولكل أمة رسول ﴾ ثم أمره أن يجيب بما يحسم مادة الشبهة وهو قوله: ﴿ قل لا أملك لنفسي ضراً ﴾ من مرض أو فقر ﴿ ولا نفعاً ﴾ من صحة أو غنى ﴿ إلا ما شاء الله ﴾ قال العلماء: إنه استثناء منقطع أي ولكن ما شاء الله من ذلك كائن فكيف أملك لكم الضر وجلب العذاب.

ثم بين أن أحداً لا يموت إلا بالقضاء، وأن لعذاب كل طائفة أمداً محدوداً لا يتجاوزه فلا وجه للاستعجال.

فقال و ﴿ لكل أمة أجل ﴾ الآية.

وقد مر تفسير الآية في أوائل الأعراف إلا أنه أدخل الفاء ههنا في الجزاء، فإنه بنى الشرط على الاستئناف أو البيان بخلاف ما هنالك فإنه جعل الشرط مرتباً على قوله: ﴿ ولكل أمة أجل  ﴾ فلم يحسن الجمع بين الفاءين.

ثم زيف رأيهم في استعجال العذاب مرة أخرى فقال: ﴿ قل أرأيتم ﴾ أي أخبروني ﴿ إن أتاكم عذابه بياتاً ﴾ أي في حين الغفلة والراحة.

﴿ أو نهاراً ﴾ حين الاشتغال بطلب المعاش كما مر في أول الأعراف ﴿ ماذا يستعجل ﴾ أي شيء يستعجل ﴿ منه ﴾ أي من العذاب ﴿ المجرمون ﴾ وإنما لم يقل" ماذا يستعجلون منه" دلالة على موجب ترك الاستعجال وهو الإجرام، لأن حق المجرم أن يخاف التعذيب على إجرامه وإن أبطأ مجيئه فضلاً عن أن يستعجله.

و "من" للبيان أو للابتداء والمعنى أن العذاب كله مر المذاق موجب للنفار فأيّ شيء يستعجلون منه وليس شيء منه يوجب الاستعجال؟

أو المراد التعجب كأنه قيل: أيّ شيء هائل شديد يستعجلون؟

وقيل: الضمير في "منه" لله  وجواب الشرط محذوف وهو تندموا على الاستعجال أو تعرفوا الخطأ فيه.

و "ماذا" الجملة مفعول ﴿ أرأيتم ﴾ ويجوز أن يكون جواباً للشرط كقولك إن أتيتك ماذا تطعمني، ثم تتعلق الجملة بـ ﴿ أرأيتم ﴾ ويجوز أن يكون اعتراضاً وجواب الشرط ﴿ ثم إذا وقع آمنتم به ﴾ والمعنى إن أتاكم عذابه آمنتم به بعد وقوعه حين لا ينفعكم الإيمان، ودخول حرف الاستفهام على "ثم" كدخوله على الواو والفاء إلا أنه على إرادة القول أي قيل لهم إذا آمنوا بعد وقوع العذاب ﴿ آلآن ﴾ آمنتم به ﴿ وقد كنتم به تستعجلون ﴾ على جهة التكذيب والإنكار وقوله ﴿ ثم قيل ﴾ عطف على قيل المضمر قبل ﴿ آلآن ﴾ والحاصل أن الذي تطلبونه ضرر محض عارٍ عن المنفعة، والعاقل لا يطلب مثل ذلك.

وإنما قلنا إنه ضرر محض لأنه إذا وقع العذاب فإما أن تؤمنوا وإيمان اليأس غير مقبول، وإما أن لا تؤمنوا فيحصل عقيب ذلك عذاب آخر أشد وأدوم ويقال على سبيل الإهانة.

﴿ ذوقوا عذاب الخلد ﴾ فإن قلتم إلهنا أنت الغني عن الكل فكيف يليق برحمتك هذا الوعيد والتهديد؟

أجبتم ﴿ هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون ﴾ فالجزاء مرتب على العمل ترتب المعلول على العلة كما يقوله الحكيم، أو ترتب الأجر الواجب عند المعتزلة، أو بحكم الوعد المحض عند أهل السنة.

وتفسير الكسب مذكور في البقرة في قوله: ﴿ لها ما كسبت ولكم ما كسبتم  ﴾ .

ثم حكى عنهم أنهم بعد هذه البيانات استفهموا تارة أخرى عن تحقيق العذاب فقال: ﴿ ويستنبئونك أحق هو ﴾ وهو استخبار على جهة الاستهزاء والإنكار أي أحق ما تعدنا به من نزول العذاب في العاجل؟

وهذا السؤال جهل محض لأنه تقدم ذكره مع الجواب مرة واحدة فلا وجه للإعادة، ولأنه قد تبين بالبراهين القاطعة صحة نبوة محمد  فيلزم القطع بصحة كل ما يخبر عن وقوعه.

وقيل: المراد أحق ما جئت به من القرآن والشرائع؟

وقيل: أي ما تعدنا من البعث والقيامة؟

فأمره الله  أن يجيبهم بقوله: ﴿ قل إي وربي ﴾ ومعناه نعم ولكنه مستعمل مع القسم ألبتة.

وفائدة هذا القسم في جوابهم أن يكون قد أبرز الكلام معهم على الوجه المعتاد بينهم استمالة لقلوبهم.

ومن الظاهر أن من أخبر عن شيء وأكده بالقسم فقد أخرجه عن حد الهزل وأدخله في باب الجد.

فقد يكون هذا القدر مقنعاً إذا لم يكن الخصم ألد.

ثم أكد مضمون المقسم عليه بقوله ﴿ وما أنتم بمعجزين ﴾ فائتين العذاب.

والغرض التنبيه على أن أحداً لا يدافع نفسه عما أراد الله وقضى.

ثم زاد في التأكيد بقوله: ﴿ ولو أن لكل نفس ﴾ الآية.

وقد مر مثله في "آل عمران" و "المائدة".

وقوله: ﴿ ظلمت ﴾ صفة لنفس.

أما قوله: ﴿ وأسروا الندامة ﴾ فقد قيل: الإسرار بمعنى الإظهار والهمزة للسلب أي أظهروا الندامة حينئذٍ لضعفهم وليس هناك تجلد.

والمشهور أنه الإخفاء وسببه أنهم بهتوا حين عاينوا ما سلبهم قواهم فلم يطيقوا صراخاً ولا بكاء، أو أخفوا الندامة من سفلتهم وأتباعهم حياء منهم وخوفاً من توبيخهم.

وهذا التزوير في أول ما يرون العذاب، أما عند إحاطة النار بهم فلا يبقى هذا التماسك، أو أراد بالإخفاء الإخلاص لأن من أخلص في الدعاء أسره، وفيه تهكم بهم وبإخلاصهم لأنهم أتوا بذلك في غير وقته ﴿ وقضى بينهم بالقسط ﴾ قيل: أي بين المؤمنين والكافرين.

وقيل: بين الرؤساء والأتباع، وقيل: بين الكفار بإنزال العقوبة عليهم.

وقيل: بين الظالمين من الكفار والمظلومين منهم فيكون في ذلك القضاء تخفيف من عذاب بعضهم وتثقيل لعذاب بعضهم وإن اشترك كلهم في العذاب.

ثم ذكر آيتين أن له جميع ما قرر بحكم المالكية والقدرة على الإحياء والإماتة والإبداء والإعادة.

وقيل: في وجه النظم أنه لما ذكر حديث الافتداء بيّن أنه ليس للظالم شيء يفتدي به فإن كل الأشياء ملكه وملكه.

وقيل: إنه لما أقسم على حقية ما جاء به النبي وكان دليلاً إقناعياً أراد أن يصححها بالبرهان النير فذكر أن كل ما في هذا العالم من نبات وحيوان وجسد وروح وظلمة ونور وعلوي وسفلي بسيط ومركب فهو ملكه، فلكونه قادراً على جميع الممكنات يقدر على إيصال الرحمة إلى أوليائه والعذاب إلى أعدائه، ولكنه منزهاً عن النقائص والآفات يكون بريئاً عن الخلف في الوعد والإيعاد.

وفي تصدير الكلام بكلمة "ألا" تنبيه للغافلين وإيقاظ للنائمين وتقريع للناظرين في الأسباب الظاهرة القائلين: البستان للأمير، والدار للوزير، والغلام لزيد والجارية لعمرو، ولا يعلمون أن كلها عوارٍ وودائع.

ولا بد يوماً أن ترد الودائع *** واعلم أن الطريق إلى إثبات نبوة الأنبياء بأمور أحدها: إظهار المعجزة على يده مطابقاً لدعواه، وقد قرره الله  في هذه السورة على أحسن الوجوه حيث قال: ﴿ وما كان هذا القرآن أن يفترى ﴾ إلى تمام الآيتين.

والثاني أن نعلم بعقولنا أن الاعتقاد الحق والعمل الصالح ما هو فكل من جاء ودعا الخلق إلى ذلك وادعى الرسالة وكان لنفسه قوّة تكميل الناقصين غلب على ظننا أنه النبي الحق، فأشار  إلى هذا الطريق بقوله: قل ﴿ يا أيها الناس ﴾ الآية.

فوصف القرآن بصفات أربع: الأولى كونه موعظة والمراد بها الزجر عما لا ينبغي كالطبيب ينهى المريض أوّلاً عما يضره.

الثانية كونه شفاء لما في الصدور لحصول العقائد الحقة والأخلاق الحميدة فيها بدل أضدادها كالطبيب يعيد الصحة بدل المرض والأخلاط المحمودة بدل الأخلاط الفاسدة بالمعالجات الصائبة والأدوية النافعة.

الثالثة حصول الهدي بسببه وذلك أنه إذا زالت الملكات الرديئة التي طبيعتها الظلمة وصارت مرآة النفس مصقولة محاذية لعالم القدس انطبع فيها نقش الملكوت وتجلى لها قدس اللاهوت.

الرابعة كونه رحمة للمؤمنين وذلك بأن تصير النفس البالغة إلى هذه الدرجات الروحانية والمعارج الربانية بحيث تفيض أنوارها على أرواح الناقصين فيض النور من جوهر الشمس على أجرام هذا العالم.

وإنما خص المؤمنين بهذه الرحمة لأن كل روح لم يتوجه إلى خدمة أرواح الأنبياء المطهرين لم ينتفع بأنوارهم كما أن كل جرم لم يقع في مواجهة قرص الشمس لا يستضيء بنورها.

والحاصل أن الموعظة إشارة إلى تطهير ظواهر الخلق عما لا ينبغي وهو الشريعة، والشفاء إشارة إلى تطهير الأرواح عن العقائد الفاسدة والأخلاق الرديئة بتحصيل أضدادها وهي الطريقة، والهدى عبارة عن ظهور نور الحق في قلوب الصدّيقين وهي الحقيقة، والرحمة إشارة إلى كونها بالغة في الكمال والإشراق إلى حيث تصير مكملة للباقين وهي النبوة.

ولما أرشد  إلى الطريق الموصل إلى السعادات الباقية الروحانية ذكر أنها هي التي يجب أن يكمل الفرح بحصولها دون السعادات الفانية الجسمانية فقال: ﴿ قل بفضل الله وبرحمته ﴾ قال في الكشاف: أصل الكلام بفضل الله وبرحمته فليفرحوا ﴿ فبذلك فليفرحوا ﴾ والتكرير للتقرير والتأكيد، وإيجاب اختصاص الفضل والرحمة بالفرح دون ما عداهما من فوائد الدنيا فحذف أحد الفعلين لدلالة الآخر عليه.

والفاء داخلة لمعنى الشرط كأنه قيل: إن فرحوا بشيء فليخصوهما بالفرح، وجوز أن يراد بفضل الله وبرحمته فليعتنوا فبذلك فليفرحوا، وأن يراد قد جاءتكم موعظة بفضل الله وبرحمته فبذلك أي بمجيئها فليفرحوا.

وعلى هذا يكون ﴿ قل ﴾ اعتراضاً.

ومن قرأ بتاء الخطاب فمعناه على ما نقل عن زيد بن ثابت فبذلك فلتفرحوا يا أصحاب محمد هو خير مما يجمع الكفار، ونسبت هذه القراءة إلى النبي  وهو الأصل والقياس لأنه أدل على الأمر بالفرح وأشد تحريضاً به، وإنما قلنا إنه الأصل لأن حكم الأمر في المخاطب والغائب واحد إلا أنه خفف أمر المخاطب بحذف اللام وبحذف حرف المضارعة لكثرة الاستعمال فاضطروا إلى همزة الوصل.

ومن قرأ تجمعون بتاء الخطاب فإنه عنى المخاطبين والغائبين جميعاً إلا أنه غلب الخطاب كما يغلب التذكير، أو كأنه أراد المؤمنين وفيه حث لهم على ترجيح الجواذبالعقلية الروحانية على النوازع النفسانية الجسدانية لأنه لا معنى لهذه اللذات الجسمانية إلا دفع الآلام، والمعنى العدمي لا يستحق الفرح به، وبتقدير أن تكون صفات ثبوتية إلا أن التضرر بآلامها أقوى من الانتفاع بلذاتها فلا نسبة للذة الوقاع - وهي أقوى اللذات - إلى ألم القولنج وسائر الآلام القوية.

وأيضاً إن مداخل اللذات الجسمانية معظمها البطن والفرج، ومداخل الآلام كل جزء من أجزاء البدن.

وأيضاً اللذات الجسمانية لا بقاء لها مثلاً إذا زال ألم الجوع زال الالتذاذ بالأكل، وكل ما لا بقاء له لا يشتد فرح العاقل بحصوله، ولو لم يحصل في لذة الأكل والوقاع إلا إتعاب الحواس والجوارح في مقدماتها ولواحقها لكفى.

ومن المعلوم أن الفرح الحاصل بحدوث الولد لا يعادل الحزن الواقع عند موته وفيه قال المعري: إن حزناً في ساعة الموت ضعا *** ف سرور في ساعة الميلاد فتبين بهذه الوجوه أن الفرح إنما يجب أن يكون بالروحانيات الباقيات لا بالجسمانيات الزائلات، أما المفسرون فقد قالوا: فضل الله الإسلام، ورحمته ما وعد عليه.

وعن أبيّ بن كعب أن رسول الله  تلا ﴿ قل بفضل الله وبرحمته ﴾ فقال: بكتاب الله والإسلام.

ومثله ما روي عن أبي سعيد الخدري: فضل الله القرآن ورحمته أن جعلكم من أهله.

ثم أشار إلى طريق ثالث في إثبات النبوة فقال: ﴿ قل أرأيتم ﴾ الآية.

وتقريره أنكم تحكمون بحل بعض الأشياء وبحرمة بعضها فإن كان هذا لمجرد التشهي فذلك طريق باطل مهجور بالاتفاق لأدائه إلى التنازع والتشاجر واختلاف الآراء وافتراق الأهواء، وإن كان لأنه حكم الله فيكم فبم عرفتم ذلك فإن كان بقول رسول أرسله إليكم فقد اعترفتم بصحة النبوة وإلا كان افتراء على الله.

وفي الآية أيضاً إشارة إلى فساد طريقتهم في شرائعهم وأحكامهم من تحريم السوائب والبحائر وقولهم: ﴿ هذه أنعام وحرث حجر  ﴾ وغير ذلك.

﴿ وما أنزل ﴾ الجملة في محل الرفع بالابتداء وخبره ﴿ آلله أذن لكم ﴾ و ﴿ قل ﴾ مكرر للتأكيد والرابط محذوف، ومجموع المبتدأ والخبر متعلق بـ ﴿ أرأيتم ﴾ والمعنى أخبروني الذى أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً آلله أذن لكم في تحريمه وتحليله ﴿ أم على الله تفترون ﴾ وعن الزجاج أن "ما" في ﴿ ما أنزل ﴾ بمعنى الاستفهام منصوباً بـ ﴿ أنزل ﴾ وأنه مع معموله مفعول ﴿ أرأيتم ﴾ معناه أخبرونيه.

وعلى هذا يكون ﴿ قل آلله ﴾ كلاماً مستأنفاً.

ومعنى أنزل خلق وأنشأ كقوله: ﴿ وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج  ﴾ وذلك أن كل ما في الأرض من زرع أو ضرع فإنه بسبب الماء النازل من السماء.

قال في الكشاف: ويجوز أن تكون الهمزة في ﴿ آلله ﴾ للإنكار و "أم" منقطعة بمعنى "بل" أتفترون على الله تقريراً للافتراء.

ثم قال: ﴿ وما ظن الذين ﴾ يعني أي شيء ظنهم في ذلك اليوم وما يصنع بهم فيه؟

وهو في صورة الاستعلام ولكن المراد تعظيم وعيد من يفتري على الله حيث أبهم أمره وكفى به زاجراً للمفتي في الأحكام بغير علم فليتق الله وليصمت ﴿ لذو فضل على الناس ﴾ إذ أنعم عليهم بالعقل ورحمهم بإرسال النبي وتعليم الشرائع ﴿ ولكن أكثرهم لا يشكرون ﴾ هذه النعمة بجحد نبيه أو مخالفته.

التأويل: ﴿ أفأنت تسمع الصم ﴾ صم آذان القلوب ﴿ أفأنت تهدي العمى ﴾ عمي أبصار البصائر.

﴿ ويوم نحشرهم ﴾ حشر العوام خروج أجسادهم من القبور إلى المحشر، وحشر الخواص خروج أرواحهم الأخروية من قبور أجسادهم الدنيوية بالسير والسلوك، وحشر الأخص خروجهم من قبور الأنانية الروحانية إلى هوية الربانية كما قال: ﴿ يوم نحشر المتقين إلى الرحمن  ﴾ كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار لأنه لا نسبة لمدة الدنيا إلى ما بين الأزل والأبد.

﴿ يتعارفون بينهم ﴾ يعرفون تفاوت مقامات كل صنف من هؤلاء ﴿ وإما نرينك بعض الذي نعدهم ﴾ بشرط الإيمان من نعيم الجنان ولقاء الرحمن ﴿ أو نتوفينك ﴾ فنبلغك أقصى المراتب ومقامك المحمود ﴿ فإلينا مرجعهم ﴾ رجوعاً اضطرارياً لا اختيارياً ﴿ ثم الله شهيد على ما يفعلون ﴾ من خسارة الدارين ﴿ ولكل أمة رسول ﴾ في الظاهر من الأنبياء وفي الباطن من إلهام الحق.

﴿ لكل أمة أجل ﴾ في استكمال السعادة والشقاوة ﴿ بياتاً ﴾ أي في الأزل ﴿ أو نهاراً ﴾ أي يظهر الآن ما قدّر لكم في الأزل.

﴿ قل أي وربي إنه لحق ﴾ أي أقسم بربك الذي يريك أن وقوع الأمور الأخروية حق لأنك عبرت على الجنة والنار ليلة المعراج ظلمت بإفساد الاستعدادات.

﴿ ألا إن لله ما في السموات ﴾ الأرواح وأرض القلوب والنفوس ﴿ ألا إن وعد الله ﴾ لأهل السعادة ولأهل الشقاوة في الأزل ﴿ حق هو يحيي ﴾ قلوب بعضهم بالمعرفة ﴿ ويميت ﴾ قلوب آخرين بالجهل، أو يحيي بالنور ويميت بالظلمة، أو يحيي بصفة الجمال ويميت بصفة الجلال ﴿ يا أيها الناس ﴾ يأ أهل النسيان ﴿ قد جاءتكم موعظة ﴾ هي خطاب ﴿ ألست بربكم  ﴾ وهو داء العشق وشفاء من ذلك الداء وهو توفيق إجابة ﴿ بلى ﴾ ﴿ لما في الصدور ﴾ وهو القلب فإنها درة صدف الصدر وهدى عناية خاصة إذ الدعوة عامة والهداية خاصة.

ورحمة اتصال إمداد الفيض إلى أن يبلغ غاية الكمال ويفوز بالوصول والوصال ﴿ قل بفضل الله ﴾ وهو إسماع الخطاب ورحمته وهو الإبقاء على مدلول الخطاب ﴿ فليفرحوا هو خير مما ﴾ يجمعه أهل الدنيا في دنياهم ﴿ ما أنزل الله لكم من رزق ﴾ القلوب والأرواح فضلاً عن النفوس والأشباح من الواردات والشواهد ﴿ فجعلتم منه حراماً ﴾ على أنفسكم ﴿ وحلالاً ﴾ على غيركم أي حدثت أنفسكم بأن تحصيل هذه السعادات ونيل تلك الكرامات ليس من شأننا وإنما هو من شأن الأنبياء وخواص الأولياء ﴿ قل آلله أذن لكم ﴾ أن تعرضوا عن هذه المقامات وتحيلوها إلى غيركم وتركنوا إلى الدنيا وزخارفها ﴿ أم على الله تفترون ﴾ بأن الدعوة اختصت بهم دوننا ﴿ إن الله لذو فضل على الناس ﴾ بتسوية الاستعداد الفطري.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً أَوْ نَهَاراً مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ ٱلْمُجْرِمُونَ ﴾ يقول - والله أعلم -: أي منفعة لكم إن أتاكم عذابه؟!

لا منفعة لكم في ذلك بل فيه ضرر لكم، فاستعجال ما لا منفعة فيه سفه وجهل، يسفههم في سؤالهم العذاب، ويخبر في قوله: ﴿ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ  ﴾ أن عذاب الله إذا نزل وجاء وقته لا يملك أحد تقديمه ولا تأخيره، ولا يملك أحد استقدامه ولا استئخاره بالقدر والمنزلة، كما يحتمل ذلك في الدنيا التقديم والتأخير بالشفاعة والفداء ويذكر عجزه في إنزال العذاب عليهم في قوله: ﴿ قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ الآنَ ﴾ : قيل: أي العذاب إذا نزل بكم أمنتم به الآن؟!

يخبر عنه أنهم إذا نزل بهم العذاب يؤمنون.

ثم يحتمل قوله: ﴿ آمَنْتُمْ بِهِ ﴾ أي: بالله وبرسوله؛ كقوله: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ وَكَـفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ  ﴾ ، ثم أخبر أن إيمانهم لا ينفعهم عند معاينتهم العذاب؛ وهو كقوله: ﴿ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا  ﴾ ، وقوله: ﴿ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ  ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ آمَنْتُمْ بِهِ الآنَ ﴾ أي: بالعذاب؛ لأنهم يكذبون رسول الله  فيما يوعدهم العذاب، وهم يستعجلون به استهزاء وتكذيبا، فإذا نزل بهم آمنوا أي صدقوا بذلك العذاب، يقول: ﴿ آمَنْتُمْ بِهِ الآنَ وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ﴾ استهزاء وتكذيبا أنه غير نازل [بكم ذلك]، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ﴾ قيل: أشركوا في ألوهيته وربوبيته وعبادته غيره.

﴿ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ ﴾ لأنهم يخلدون فيه، يقال ذلك بعدما أدخلوا النار.

﴿ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ ﴾ أي: لا تجزون إلا بما كنتم كسبتم في الدنيا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ ﴾ أي: يستخبرونك.

﴿ أَحَقٌّ هُوَ ﴾ يحتمل هذا وجوهاً.

يحتمل قوله: ﴿ أَحَقٌّ هُوَ ﴾ العذاب الذي كان يوعدهم أنه ينزل بهم، على ما قاله عامة أهل التأويل.

ثم قال: ﴿ قُلْ إِي وَرَبِّيۤ إِنَّهُ لَحَقٌّ ﴾ أي: قل: نعم وربي إنه لحق إنه نازل بكم.

﴿ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ أي: بفائتين عنه ولا سابقين له.

ويحتمل قوله: ﴿ أَحَقٌّ هُوَ ﴾ ما يدعوهم إليه من التوحيد؛ كقولهم لإبراهيم: ﴿ أَجِئْتَنَا بِٱلْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ ٱللاَّعِبِينَ * قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ٱلَّذِي فطَرَهُنَّ...

﴾ الآية [الأنبياء: 55-56]؛ فعلى ذلك قولهم: ﴿ أَحَقٌّ هُوَ ﴾ ثم، أخبر أنه لحق بقوله: ﴿ قُلْ إِي وَرَبِّيۤ إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ أي: غائبين فائتين عنه.

ويحتمل الآيات أو محمد أو القرآن أحق هو؟

قل: إي وربي، قل: نعم إنه لحق؛ كقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُوۤاْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ  ﴾ أخبر أن ما يأمرهم به ويدعوهم إليه ليس هو هزوا ولا لعباً، ولكنه حق أمر من الله  ؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ أَحَقٌّ هُوَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ ﴾ : هذا الحرف يحتمل أن يكون من الشاكين [منهم] في ذلك طلبوا منه أنه حق ذلك أو لا، ومن المعاندين استعجال العذاب الذي كان يوعدهم رسول الله  استهزاء به وتكذيباً له، ومن المتبعين له والمطيعين التصديق له والإيمان به؛ كقوله: ﴿ يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا  ﴾ كانوا فرقاً ثلاثة: فرقة قد آمنوا به، وفرقة قد شكوا فيه، وفرقة قد كذبوه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي ٱلأَرْضِ لاَفْتَدَتْ بِهِ ﴾ : يخبر عنهم أنهم يفدون ويبذلون جميع ما في الأرض لو قدروا عليه عند نزول العذاب بهم لشدة العذاب، وإن كان الذي منعهم عن الإيمان هو حبهم الدنيا وبخلهم عليها وما فيها بقوله: ﴿ وَرَضُواْ بِٱلْحَيٰوةِ ٱلدُّنْيَا وَٱطْمَأَنُّواْ بِهَا  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ ﴾ : الندامة لا تكون إلا سرا بالقلب، فكأنه قال: حققوا الندامة في قلوبهم على ما كان منهم من التكذيب بالآيات والعناد في ردها.

وقال بعضهم: ﴿ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ ﴾ أي: أظهروا الندامة وهو مما يستعمل في الإظهار والإخفاء؛ كقوله: شعب: جمع، وشعب: فرق ونحوه، وبعد فإنه إذا أسر في نفسه لابد من أن يضع ذلك في آخر ويخبره بذلك، فذلك منه إظهار.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ ﴾ ما توجبه الحكمة؛ لأن الحكمة توجب تعذيب كل كافر نعمة، وكل قائل في الله ما لا يليق به، أو أن يكون تفسير قوله: ﴿ بِٱلْقِسْطِ ﴾ ما ذكر، وهم لا يظلمون.

ويحتمل قوله: ﴿ بِٱلْقِسْطِ ﴾ ما ذكر: ﴿ ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ...

﴾ الآية [الإسراء: 14]، والقسط: هو العدل، وهم يومئذ عرفوا أنه كان يقضي بالعدل في الدنيا والآخرة، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولو أن لكل مشرك بالله جميع ما في الأرض من أموال نفيسة لجعله مقابل فكاكه من عذاب الله لو أتيح له أن يفتدي به، وأخفى المشركون الندم على كفرهم لمَّا شاهدوا العذاب يوم القيامة، وقضى الله بينهم بالعدل وهم لا يظلمون، وإنما يجزون على أعمالهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.nw8yj"

مزيد من التفاسير لسورة يونس

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.2 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 1 يوم
سبحان الله وبحمده