الآية ٦٥ من سورة يونس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٦٥ من سورة يونس

وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ۘ إِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ۚ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ٦٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 57 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٥ من سورة يونس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٥ من سورة يونس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم : ( ولا يحزنك ) قول هؤلاء المشركين ، واستعن بالله عليهم ، وتوكل عليه ؛ فإن العزة لله جميعا ، أي : جميعها له ولرسوله وللمؤمنين ، ( هو السميع العليم ) أي : السميع لأقوال عباده العليم بأحوالهم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (65) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: لا يحزنكَ ، يا محمد ، قول هؤلاء المشركين في ربهم ما يقولون، وإشراكهم معه الأوثان والأصنام (50) ، فإنّ العزة لله جميعًا، يقول تعالى ذكره: فإن الله هو المنفرد بعزة الدنيا والآخرة ، لا شريك له فيها، وهو المنتقم من هؤلاء المشركين القائلين فيه من القول الباطل ما يقولون، فلا ينصرهم عند انتقامه منهم أحدٌ، لأنه لا يُعَازُّه شيء (51) ، (هو السميع العليم) ، يقول: وهو ذو السمع لما يقولون من الفرية والكذب عليه، وذو علم بما يضمرونه في أنفسهم ويعلنونه، مُحْصًى ذلك عليهم كله، وهو لهم بالمرصاد.

(52) * * * وكسرت " إن " من قوله: (إن العزة لله جميعًا) لأن ذلك خبرٌ من الله مبتدأ، ولم يعمل فيها " القول "، لأن " القول " ، عني به قول المشركين، وقوله: (إن العزة لله جميعًا) ، لم يكن من قِيل المشركين، ولا هو خبرٌ عنهم أنهم قالوه.

(53) ------------------- الهوامش : (50) انظر تفسير " الحزن " فيما سلف 10 : 108 ، تعليق : 5 ، والمراجع هناك .

(51) انظر تفسير " العزة " فيما سلف 10 : 421 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .

(52) انظر تفسير " السميع " و " العليم " فيما سلف من فهارس اللغة ( سمع ) ، ( علم ) .

(53) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 471 ، 472 وفيه تفصيل موقع " إن " بعد " القول " وشبهه .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا هو السميع العليمقوله تعالى ولا يحزنك قولهم أي لا يحزنك افتراؤهم وتكذيبهم لك ،ثم ابتدأ فقال : إن العزة لله أي القوة الكاملة والغلبة الشاملة والقدرة التامة لله وحده ; فهو ناصرك ومعينك ومانعك .( جميعا ) نصب على الحال ، ولا يعارض هذا قوله : ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين فإن كل عزة بالله فهي كلها لله ; قال الله سبحانه : سبحان ربك رب العزة عما يصفون .هو السميع العليم السميع لأقوالهم وأصواتهم ، العليم بأعمالهم وأفعالهم وجميع حركاتهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي‏:‏ ولا يحزنك قول المكذبين فيك من الأقوال التي يتوصلون بها إلى القدح فيك، وفي دينك فإن أقوالهم لا تعزهم، ولا تضرك شيئًا‏.‏ ‏{‏إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا‏}‏ يؤتيها من يشاء، ويمنعها ممن يشاء‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا‏}‏ أي‏:‏ فليطلبها بطاعته، بدليل قوله بعده‏:‏ ‏{‏إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ‏}‏ ومن المعلوم، أنك على طاعة الله، وأن العزة لك ولأتباعك من الله ‏{‏وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ‏}‏ أي‏:‏ سمعه قد أحاط بجميع الأصوات، فلا يخفى عليه شيء منها‏.‏ وعلمه قد أحاط بجميع الظواهر والبواطن، فلا يعزب عنه مثقال ذرة، في السماوات والأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر‏.‏ وهو تعالى يسمع قولك، وقول أعدائك فيك، ويعلم ذلك تفصيلا، فاكتف بعلم الله وكفايته، فمن يتق الله، فهو حسبه‏.‏

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( ولا يحزنك قولهم ) يعني : قول المشركين ، تم الكلام هاهنا ثم ابتدأ ، فقال : ( إن العزة لله ) يعني الغلبة والقدرة لله ( جميعا ) هو ناصرك ، وناصر دينك ، والمنتقم منهم .

قال سعيد بن المسيب : إن العزة لله جميعا يعني : أن الله يعز من يشاء ، كما قال في آية أخرى : " ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين " ( المنافقون - 8 ) ، وعزة الرسول والمؤمنين بالله فهي كلها لله .

( هو السميع العليم ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولا يحزنك قولهم» لك لست مرسلا وغيره «إن» استئناف «العزة» القوة «لله جميعا هو السميع» للقول «العليم» بالفعل فيجازيهم وينصرك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولا يحزنك -أيها الرسول- قول المشركين في ربهم وافتراؤهم عليه وإشراكهم معه الأوثان والأصنام؛ فإن الله تعالى هو المتفرد بالقوة الكاملة والقدرة التامة في الدنيا والآخرة، وهو السميع لأقوالهم، العليم بأفعالهم ونياتهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن بين - سبحانه - ما عليه أولياؤه من سعادة دنيوية وأخروية ، أتبع ذلك بتسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم - عما لقيه من أعدائه من أذى فقال : ( وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً هُوَ السميع العليم ) .أى : ولا يحزنك يا محمد ما قاله أعداؤك فى شأنك ، من أنك ساحر أو مجنون ، لأن قولهم هذا إنما هو من باب حسدهم لك ، وجحودهم لدعوتك .والنهي عن الحزن - وهو أمر نفسي لا اختيار للإِنسان فيه - المراد به هنا النهي عن لوازمه ، كالإِكثار من محاولة تجديد شأن المصائب ، وتعظيم أمرها ، وبذلك تتجدد الآلام ، ويصعب نسيانها .وفي هذه الجملة الكريمة تسلية له - صلى الله عليه وسلم - وتأنيس لقلبه ، وإرشاد له إلى ما سيقع له من أعدائه من شرور ، حتى لا يتأثر بها عند وقوعها .وقوله : ( إِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً هُوَ السميع العليم ) تعليل للنهي على طريقة الاستئناف ، فكأنه - صلى الله عليه وسلم - قد قال : وما لي لا أحزن وهم قد كذبوا دعوتي؟

فكان الجواب : إن الغلبة كلها ، والقوة كلها لله وحده لا لغيره ، فهو - سبحانه - القدير على أن يغلبهم ويقهرهم ويعصمك منهم ، وهو ( السميع ) ، لأقوالهم الباطلة ، ( العليم ) بأفعالهم القبيحة ، وسيعاقبهم على ذلك يوم القيامة عقاباً أليماً .ولا تعارض بين قوله - سبحانه - ( إِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً ) وبين قوله فى آية أخرى ( وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ) لأن كل عزة لغيره - سبحانه - فهي مستمدة من عزته ، وكل قوة من تأييده وعونه ، والرسول - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنون ، إنما صاروا أعزاء بفضل ركونهم إلى عزة الله - تعالى - وإلى الاعتماد عليه ، وقد أظهرها - سبحانه - على أيديهم تكريماً لهم .ولذا قال القرطبي - رحمه الله - قوله : ( إِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً ) أى : القوة الكاملة ، والغلبة الشاملة ، والقدرة التامة لله وحده ، فهو ناصرك ومعينك ومانعك .

و ( جميعاً ) نصب على الحال ، ولا يعارض هذا قوله :( وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ) فإن كل عزة بالله فهي كلها لله ، قال - سبحانه - ( سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العزة عَمَّا يَصِفُونَ ).

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن القوم لما أوردوا أنواع الشبهات التي حكاها الله تعالى عنهم فيما تقدم من هذه السورة وأجاب الله عنها بالأجوبة التي فسرناها وقررناها، عدلوا إلى طريق آخر، وهو أنهم هددوه وخوفوه وزعموا أنا أصحاب التبع والمال، فنسعى في قهرك وفي إبطال أمرك، والله سبحانه أجاب عن هذا الطريق بقوله: ﴿ وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً ﴾ .

واعلم أن الإنسان إنما يحزن من وعيد الغير وتهديده ومكره وكيده، لو جوز كونه مؤثراً في حاله، فإذا علم من جهة علام الغيوب أن ذلك لا يؤثر، خرج من أن يكون سبباً لحزنه.

ثم إنه تعالى كما أزال عن الرسول حزن الآخرة بسبب قوله: ﴿ أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء الله لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ  ﴾ فكذلك أزال حزن الدنيا بقوله: ﴿ وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً ﴾ فإذا كان الله تعالى هو الذي أرسله إلى الخلق وهو الذي أمره بدعوتهم إلى هذا الدين كان لا محالة ناصراً له ومعيناً، ولما ثبت أن العزة والقهر والغلبة ليست إلا له، فقد حصل الأمن وزال الخوف.

فإن قيل: فكيف آمنه من ذلك ولم يزل خائفاً حتى احتاج إلى الهجرة والهرب، ثم من بعد ذلك يخاف حالاً بعد حال؟

قلنا: إن الله تعالى وعده الظفر والنصرة مطلقاً والوقت ما كان معيناً، فهو في كل وقت كان يخاف من أن لا يكون هذا الوقت المعين ذلك الوقت، فحينئذ يحصل الانكسار والانهزام في هذا الوقت.

وأما قوله تعالى: ﴿ إِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً ﴾ ففيه أبحاث: البحث الأول: قال القاضي: إن العزة بالألف المكسورة وفي فتحها فساد يقارب الكفر لأنه يؤدي إلى أن القوم كانوا يقولون: ﴿ إِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً ﴾ وأن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يحزنه ذلك.

أما إذا كسرت الألف كان ذلك استئنافاً، وهذا يدل على فضيلة علم الإعراب.

قال صاحب الكشاف: وقرأ أبو حيوة ﴿ أنَّ العزة ﴾ بالفتح على حذف لام العلة يعني: لأن العزة على صريح التعليل.

البحث الثاني: فائدة ﴿ إِنَّ العزة للَّهِ ﴾ في هذا المقام أمور: الأول: المراد منه أن جميع العزة والقدرة هي لله تعالى يعطي ما يشاء لعباده، والغرض منه أنه لا يعطي الكفار قدرة عليه، بل يعطيه القدرة عليهم حتى يكون هو بذلك أعز منهم، فآمنه الله تعالى بهذا القول من إضرار الكفار به بالقتل والإيذاء، ومثله قوله تعالى: ﴿ كَتَبَ الله لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى  ﴾ ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا  ﴾ الثاني: قال الأصم: المراد أن المشركين يتعززون بكثرة خدمهم وأموالهم ويخوفونك بها وتلك الأشياء كلها لله تعالى فهو القادر على أن يسلب منهم كل تلك الأشياء وأن ينصرك وينقل أموالهم وديارهم إليك.

فإن قيل: قوله: ﴿ إِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً ﴾ كالمضادة لقوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ .

قلنا: لا مضادة، لأن عزة الرسول والمؤمنين كلها بالله فهي لله.

أما قوله: ﴿ هُوَ السميع العليم ﴾ أي يسمع ما يقولون ويعلم ما يعزمون عليه وهو يكافئهم بذلك.

وأما قوله: ﴿ أَلا إِنَّ للَّهِ مَن فِي السموات وَمَن فِي الأرض ﴾ ففيه وجهان: الأول: أنه تعالى ذكر في الآيات المتقدمة ﴿ أَلا إِنَّ للَّهِ مَا فِي السموات والأرض  ﴾ وهذا يدل على أن كل ما لا يعقل فهو ملك لله تعالى وملك له، وأما هاهنا فكلمة ﴿ مِنْ ﴾ مختصة بمن يعقل، فتدل على أن كل العقلاء داخلون تحت ملك الله وملكه فيكون مجموع الآيتين دالاً على أن الكل ملكه وملكه.

والثاني: أن المراد ﴿ مَن فِي السموات ﴾ العقلاء المميزون وهم الملائكة والثقلان.

وإنما خصهم بالذكر ليدل على أن هؤلاء إذا كانوا له وفي ملكه فالجمادات أولى بهذه العبودية فيكون ذلك قدحاً في جعل الأصنام شركاء لله تعالى.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا يَتَّبِعُ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله شُرَكَاء إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن ﴾ وفي كلمة ﴿ مَا ﴾ قولان: الأول: أنه نفي وجحد، والمعنى أنهم ما اتبعوا شريك الله تعالى إنما اتبعوا شيئاً ظنوه شريكاً لله تعالى.

ومثاله أن أحدنا لو ظن أن زيداً في الدار وما كان فيها، فخاطب إنساناً في الدار ظنه زيداً فإنه لا يقال: إنه خاطب زيداً بل يقال خاطب من ظنه زيداً.

الثاني: أن ﴿ مَا ﴾ استفهام، كأنه قيل: أي شيء يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء، والمقصود تقبيح فعلهم يعني أنهم ليسوا على شيء.

ثم قال تعالى: ﴿ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن ﴾ والمعنى أنهم إنما اتبعوا ظنونهم الباطلة وأوهامهم الفاسدة، ثم بين أن هذا الظن لا حكم له ﴿ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ﴾ وذكرنا معنى الخرص في سورة الأنعام عند قوله: ﴿ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَلاَ يَحْزُنكَ ﴾ وقرئ: ﴿ ولا يحزنك ﴾ من أحزنه ﴿ قَوْلُهُمْ ﴾ تكذيبهم لك، وتهديدهم وتشاورهم في تدبير هلاكك وإبطال أمرك، وسائر ما يتكلمون به في شأنك ﴿ إِنَّ العزة للَّهِ ﴾ استئناف بمعنى التعليل، كأنه قيل: ما لي لا أحزن؟

فقيل: إن العزّة لله جميعاً، أي إن الغلبة والقهر في ملكة الله جميعاً، لا يملك أحد شيئاً منها لا هم ولا غيرهم، فهو يغلبهم وينصرك عليهم ﴿ كَتَبَ الله لاَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى ﴾ [المجادلة: 21] .

﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا ﴾ [غافر: 51] وقرأ أبو حيوة ﴿ أن العزة ﴾ بالفتح بمعنى لأن العزة على صريح التعليل ومن جعله بدلاً من قولهم ثم أنكره، فالمنكر هو تخريجه، لا ما أنكر من القراءة به ﴿ هُوَ السميع العليم ﴾ يسمع ما يقولون.

ويعلم ما يدبرون ويعزمون عليه.

وهو مكافئهم بذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ ﴾ إشْراكُهم وتَكْذِيبُهم وتَهْدِيدُهم.

وقَرَأ نافِعٌ ﴿ يَحْزُنْكَ ﴾ مَن أحْزَنَهُ وكِلاهُما بِمَعْنى.

﴿ إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ﴾ اسْتِئْنافٌ بِمَعْنى التَّعْلِيلِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ القِراءَةُ بِالفَتْحِ كَأنَّهُ قِيلَ لا تَحْزَنْ بِقَوْلِهِمْ ولا تُبالِ بِهِمْ لِأنَّ الغَلَبَةَ لِلَّهِ جَمِيعًا لا يَمْلِكُ غَيْرُهُ شَيْئًا مِنها فَهو يَقْهَرُهم ويَنْصُرُكَ عَلَيْهِمْ.

﴿ هُوَ السَّمِيعُ ﴾ لِأقْوالِهِمْ.

﴿ العَلِيمُ ﴾ بِعَزَماتِهِمْ فَيُكافِئُهم عَلَيْها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ} تكذيبهم وتهديدهم وتشاورهم في تدبير هلاكك وإبطال أمرك {إِنَّ العزة} استئناف بمعنى التعليل كأنه قيل مالي لا أحزن فقيل إن العزة {لِلَّهِ} إن الغلبة والقهر في ملكة الله جميعاً لا يملك أحد شيئا منهما لاهم ولا غيرهم فهو يغلبهم وينصرك عليهم كَتَبَ الله لأغلبن أنا ورسلى إنا لننصر رسلنا أو به يتعزز كل عزيز فهو يعزك ودينك وأهلك والوقف لازم على قولهم لئلا يصير إن العزة مقول الكفار {جَمِيعاً} حال {هُوَ السميع} لما يقولون {العليم} بما يدبرون ويعزمون عليه وهو مكافئهم بذلك

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

ومَن جَعَلَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ ﴾ مَعْطُوفًا عَلى الجُمْلَةِ قَبْلُ أيْ أنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُ أعْداءِ اللَّهِ تَعالى فالِاعْتِراضُ عِنْدَهُ بَيْنَ مُتَّصِلَيْنِ لا في آخِرِ الكَلامِ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، والَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ أنَّهُ اسْتِئْنافٌ سِيقَ تَسْلِيَةً لِلرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَمّا كانَ يَلْقاهُ مِن جِهَةِ الأعْداءِ مِنَ الأذِيَّةِ النّاشِئَةِ مِن مَقالاتِهِمُ الرَّدِيئَةِ الوَحْشِيَّةِ وتَبْشِيرًا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالنَّصْرِ والعِزِّ إثْرَ بَيانِ أنَّ لَهُ ولِأتْباعِهِ أمْنًا مِن كُلِّ مَحْذُورٍ وفَوْزًا بِكُلِّ مَطْلُوبٍ فَهو مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ ﴾ إلَخْ مَعْنى وقِيلَ: إنَّهُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: (فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكُمُ) الآيَةَ.

واخْتارَهُ عَلى ما فِيهِ مِنَ البُعْدِ الطَّبَرْسِيُّ وقَرَأ نافِعٌ ﴿ ولا يَحْزُنْكَ ﴾ مَن أحْزَنَ وهو في الحَقِيقَةِ نَهْيٌ لَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنِ الحُزْنِ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَحْزَنْ بِقَوْلِهِمْ ولا تُبالِ بِكُلِّ ما يَتَفَوَّهُونَ بِهِ في شَأْنِكَ، مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ، وإنَّما عَدَلَ عَنْهُ إلى ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ لِلْمُبالِغَةِ في النَّهْيِ عَنِ الحُزْنِ لِما أنَّ النَّهْيَ عَنِ ألتَّأْثِيرِ نَهْيٌ عَنِ التَّأثُّرِ بِأصْلِهِ ونَفْيٌ لَهُ بِالمَرَّةِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ قَوْلُهُمْ، لا أرَيَنَّكَ هَهُنا ولا يَأْكُلْكَ السَّبْعُ ونَحْوَهُ، وقَدْ وُجِّهَ فِيهِ النَّهْيُ إلى اللّازِمِ والمُرادُ هو النَّهْيُ عَنْ المَلْزُومِ قِيلَ: وتَخْصِيصُ النَّهْيِ عَنِ الحُزْنِ بِالإيرادِ مَعَ شُمُولِ النَّفْيِ السّابِقِ لِلْخَوْفِ أيْضًا لِما أنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ شائِبَةُ خَوْفٍ حَتّى يَنْهى عَنْهُ ورُبَّما كانَ يَعْتَرِيهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في بَعْضِ الأوْقاتِ حُزْنٌ فَسَلّى عَنْهُ، ولا يَخْفى أنَّهُ إذا قُلْنا: إنَّ الخَوْفَ والحُزْنَ مُتَقارِبانِ فَإذا اجْتَمَعا افْتَرَقا، وإذا افْتَرَقا اجْتَمَعا كَما عَلِمْتَ آنِفًا كانَ النَّهْيُ عَنِ الحُزْنِ نَهْيًا عَنِ الخَوْفِ أيْضًا إلّا أنَّ الأوْلى عَدَمُ اعْتَبارِ ما فِيهِ تَوَهُّمُ نِسْبَةِ الخَوْفِ إلى ساحَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإنْ لَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ نَقْصٌ فَقَدْ جاءَ نَهْيُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَنِ الخَوْفِ كَنَهْيِهِمْ عَنِ الحُزْنِ بَلْ قَدْ ثَبَتَ صَرِيحًا نِسْبَةُ ذَلِكَ إلَيْهِمْ وهو مِمّا لا يُخِلُّ بِمَرْتَبَةِ النُّبُوَّةِ إذْ لَيْسَ كُلُّ خَوْفٍ نَقْصًا لِيُنَزِّهُوا عَنْهُ كَيْفَ كانَ.

﴿ إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِتَعْلِيلِ النَّهْيِ وقِيلَ: جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ لا يُحْزِنُهُ؟

فَقِيلَ: لِأنَّ الغَلَبَةَ والقَهْرَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ لا يَمْلِكُ أحَدٌ شَيْئًا مِنها أصْلًا لا هم ولا غَيْرُهم فَلا يَقْهَرُ ولا يَغْلِبُ أوْلِياءَهُ بَلْ يَقْهَرُهم ويَغْلِبُهم ويَعْصِمُكَ مِنهم.

وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ (أنَّ) بِالفَتْحِ عَلى صَرِيحِ التَّعْلِيلِ أيْ لِأنَّ، وحَمَلَ قُتَيْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ ذَلِكَ عَلى البَدَلِ ثُمَّ أنْكَرَ القِراءَةَ لِذَلِكَ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى أنْ يُقالَ: فَلا يَحْزُنْكَ أنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وهو فاسِدٌ.

وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّهُ لَوْ حُمِلَ عَلى البَدَلِ لَكانَ لَهُ وجْهٌ أيْضًا عَلى أُسْلُوبِ (ولا تَكُونُنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ ﴿ ولا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ﴾ فَيَكُونُ لِلتَّهْيِيحِ والإلْهابِ والتَّعْرِيضِ بِالغَيْرِ وفِيهِ بَعْدٌ ﴿هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ 65﴾ يَسْمَعُ أقْوالَهم في حَقِّكَ ويَعْلَمُ ما يُضْمِرُونَهُ عَلَيْكَ فَيُكافِؤُهم عَلى ذَلِكَ وما ذَكَرْناهُ في الآيَةِ هو الظّاهِرُ المُتَبادَرُ.

وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: لَمّا لَمْ يَنْتَفِعُوا بِما جاءَهم مِنَ اللَّهِ تَعالى وأقامُوا عَلى كُفْرِهِمْ كَبُرَ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَجاءَهُ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ فِيما يُعاتِبُهُ ﴿ ولا يَحْزُنْكَ قَوْلُهم إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هو السَّمِيعُ العَلِيمُ ﴾ يَسْمَعُ ما يَقُولُونَ ويَعْلَمُهُ فَلَوْ شاءَ بِعِزَّتِهِ لانْتَصَرَ مِنهم ولا يَخْفى أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا مَعَ ما فِيهِ مِن تَعْلِيقِ العَلَمِ بِما عُلِّقَ بِالسَّمْعِ، ولَعَلَّ رِوايَتَهُ عَنِ الحَبْرِ غَيْرُ مُعَوَّلٍ عَلَيْها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ يقول: يا مُحَمَّدُ لا يحزنك تكذيبهم: إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً، يعني: بأنّ النِّعمة والقدرة لله تعالى، وجميع مَنْ يتعزَّزُ إنَّما هو بإذن الله تعالى.

هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ: يعني: السَّمِيعُ لمقالتهم، الْعَلِيمُ بهم وبعقوبتهم على ترك توحيدهم.

ثم قال: أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ يعني: من الخلق، كلهم عبيده وإماؤه.

وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ يعني: وما يعبد الذين يعبدون من دون الله الأوثان والأصنام.

ولم يأت بجوابه، وجوابه مضمر، ومعناه: وما هم لي شركاء، ولا نفع لهم في عبادتهم، إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ يقول: ما يعبدون الأصنام إلاّ بالظن، وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ يقول: وما هم إلاّ يكذبون.

يقول: ما أمرهم الله تعالى بعبادتها، ولا تكون لهم شفاعة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: إِنَّكَ لاَ تُطِيقُ ذَلِكَ أَنْتَ، وَلاَ ابن الزُّبَيْرِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ، وقد رُوِيَ هذا النظرُ عن ابن عباس في غيرِ مُقَاوَلَةِ الحَجَّاجِ، ذكره البخاريّ «١» .

وقوله تعالى: وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ: أي: قولُ قريش، فهذه الآية تسلية للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ولفظة القول تعمّ جحودهم واستهزاءهم وخِدَاعهم وغَيْرَ ذلك، ثم ابتدأ تعالى، فقال إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً أي: لا يقدرون لَكَ عَلَى شيء، ولا يؤذُونَكَ، إِلاَّ بما شاء اللَّه، ففي الآية وعيدٌ لهم، ثم استفتح بقوله: أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ أي:

بالمُلْك والإِحاطة.

وقوله تعالى: وَما يَتَّبِعُ: يصح أنْ تكونَ «ما» استفهاما، ويصحُّ أَنْ تكون نافيةً.

ت: ورجح هذا الثاني.

وقوله: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ «إن» : نافية، ويَخْرُصُونَ:

معناه: يحدسون ويخمّنون.

هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٧) قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٦٨) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (٦٩)

وقوله عز وجل: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ...

الآية: في هذه الألفاظ إِيجازٌ وإِحالةٌ على ذِهْنِ السَّامع لأن العبرة في أنَّ الليل مُظْلِمٌ يُسكن فيه، والنَّهار مُبْصِر يُتصرَّف فيه، فذكر طرفاً من هذا وطرفاً من الجهة الثانية، ودلَّ المذكوران على المتروكين.

وقوله: يَسْمَعُونَ/ يريد: يوعون، والضمير في قالُوا لكفّار العرب، ثم الآية

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَكْذِيبُهم.

وقالَ غَيْرُهُ تَظاهُرُهم عَلَيْكَ بِالعَداوَةِ وإنْكارُهم وأذاهم.

وتَمَّ الكَلامُ هاهُنا.

ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿ إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ﴾ أيِ: الغَلَبَةُ لَهُ، فَهو ناصِرُكَ وناصِرُ دِينِكَ، ﴿ هُوَ السَّمِيعُ ﴾ لِقَوْلِهِمْ ﴿ العَلِيمُ ﴾ بِإضْمارِهِمْ، فَيُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُنْيا وفي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللهِ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ ﴾ ﴿ وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهم إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هو السَمِيعُ العَلِيمُ ﴾ ﴿ ألا إنَّ لِلَّهِ مَن في السَماواتِ ومَن في الأرْضِ وما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مَن دُونِ اللهِ شُرَكاءَ إنَّ يَتَّبِعُونَ إلا الظَنَّ وإنْ هم إلا يَخْرُصُونَ ﴾ أمّا بُشْرى الآخِرَةِ فَهي بِالجَنَّةِ قَوْلًا واحِدًا، وتِلْكَ هي الفَضْلُ الكَبِيرُ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللهِ فَضْلا كَبِيرًا  ﴾ ، وأمّا بُشْرى الدُنْيا فَتَظاهَرَتِ الأحادِيثُ عن رَسُولِ اللهِ  أنَّها الرُؤْيا الصالِحَةُ يَراها المُؤْمِنُ أو تُرى لَهُ، رَوى ذَلِكَ عن رَسُولِ اللهِ  أبُو الدَرْداءِ، وعِمْرانُ بْنُ حُصَيْنٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عنهم جَمِيعًا-، وغَيْرُهم عَلى أنَّهُ سُئِلَ عن ذَلِكَ فَفَسَّرَهُ بِالرُؤْيا، وعَنِ النَبِيِّ  في صَحِيحٍ مُسْلِمٍ أنَّهُ قالَ: «لَمْ يَبْقَ مِنَ المُبَشِّراتِ إلّا الرُؤْيا الصالِحَةُ،» ورَوَتْ عنهُ أمُّ كِنْدٍ الكَعْبِيَّةُ أنَّهُ قالَ: « "ذَهَبَتِ النُبُوءَةُ وبَقِيَتِ المُبَشِّراتُ"»، وقالَ قَتادَةُ، والضَحّاكُ: البُشْرى في الدُنْيا هي ما يُبَشَّرُ بِهِ المُؤْمِنُ عِنْدَ مَوْتِهِ وهو حَيٌّ عِنْدَ المُعايَنَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ بُشْرى الدُنْيا ما في القُرْآنِ مِنَ الآياتِ المُبَشِّراتِ، ويُقَوّى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللهِ ﴾ وإنْ كانَ ذَلِكَ كُلُّهُ يُعارِضُهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : "هِيَ الرُؤْيا" إلّا إنْ قُلْنا: إنَّ النَبِيَّ  أعْطى مِثالًا مِنَ البُشْرى، وهي تَعُمُّ جَمِيعَ الناسِ، وقَوْلُهُ: ﴿ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللهِ ﴾ يُرِيدُ: لا خُلْفَ لِمَواعِيدِهِ ولا رَدَّ في أمْرِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ أخَذَ ذَلِكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما عَلى نَحْوٍ غَيْرِ هَذا، وجَعَلَ التَبْدِيلَ المَنفِيَّ في الألْفاظِ، وذَلِكَ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ الحَجّاجَ بْنَ يُوسُفَ خَطَبَ فَأطالَ خُطْبَتَهُ حَتّى قالَ: إنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُبَيْرِ قَدْ بَدَّلَ كِتابَ اللهِ، فَقالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: إنَّكَ لا تُطِيقُ ذَلِكَ أنْتَ ولا ابْنُ الزُبَيْرِ ﴿ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللهِ ﴾ ، فَقالَ لَهُ الحَجّاجُ: لَقَدْ أُعْطِيتَ عِلْمًا، فَلَمّا انْصَرَفَ إلَيْهِ في خاصَّتِهِ سَكَتَ عنهُ، وقَدْ رُوِيَ هَذا النَظَرُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في غَيْرِ مُقاوَلَةِ الحَجّاجِ، ذَكَرَهُ البُخارِيُّ.

وقَوْلُهُ: ﴿ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ ﴾ إشارَةٌ إلى النَعِيمِ الَّذِي بِهِ وقَعَتِ البُشْرى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَحْزُنْكَ ﴾ الآيَةُ.

هَذِهِ آيَةُ تَسْلِيَةٍ لِمُحَمَّدٍ  ، والمَعْنى: ولا يَحْزُنْكَ يا مُحَمَّدُ ويُهِمُّكَ قَوْلُهُمْ، أيْ قَوْلُ كُفّارِ قُرَيْشٍ، ولَفْظَةُ "القَوْلِ" تَعُمُّ جُحُودَهم واسْتِهْزاءَهم وخِداعَهم وغَيْرَ ذَلِكَ.

ثُمَّ ابْتَدَأ بِوُجُوبِ أنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا، أيْ: فَهم لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ ولا يُؤْذُونَكَ إلّا بِما شاءَ اللهُ، وهو القادِرُ عَلى عِقابِهِمْ، لا يُعازُّهُ شَيْءٌ، فَفي الآيَةِ وعِيدٌ لَهم.

وكَسْرُ "إنَّ" في الِابْتِداءِ ولا ارْتِباطَ لَها بِالقَوْلِ المُتَقَدِّمِ لَها.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لا يَجُوزُ فَتْحُ "إنَّ" في هَذا المَوْضِعِ وهو كُفْرٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَوْلُهُ: "وَهُوَ كُفْرٌ" غُلُوٌّ، وكَأنَّ ذَلِكَ يَخْرُجُ عَلى تَقْدِيرِ: لِأجْلِ أنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ هُوَ السَمِيعُ ﴾ أيْ لِجَمِيعِ ما يَقُولُونَهُ، ﴿ العَلِيمُ ﴾ بِما في نُفُوسِهِمْ مِن ذَلِكَ، وفي ضِمْنِ هَذِهِ الصِفاتِ تَهْدِيدٌ.

ثُمَّ اسْتَفْتَحَ بِقَوْلِهِ: ﴿ ألا إنَّ لِلَّهِ مَن في السَماواتِ ومَن في الأرْضِ ﴾ أيْ بِالمِلْكِ والإحاطَةِ، وغَلَّبَ مَن يَعْقِلُ في قَوْلِهِ: "مَن" إذْ لَهُ مُلْكُ الجَمِيعِ ما فِيها ومَن فِيها، وإذْ جاءَتِ العِبارَةُ بِما فَذَلِكَ تَغْلِيبٌ لِلْكَثْرَةِ، إذِ الأكْثَرُ عَدَدًا مِنَ المَخْلُوقاتِ لا يَعْقِلُ، فَـ"مَن" تَقَعُ لِلصِّنْفَيْنِ بِمَجْمُوعِهِما، و"ما" كَذَلِكَ"، ولا تَقَعُ لِما يَعْقِلُ إذا تَجَرَّدَ مِنَ الصِفاتِ والأحْوالِ، ألا تَرى لَوْ ذَكَرْتُ لَكَ قَوْلَةً في مَسْألَةٍ فَأرَدْتَ أنْ تَسْألَ عن قائِلِها، أيَجُوزُ في كَلامِ العَرَبِ أنْ تَقُولَ: "ما قائِلُ هَذا القَوْلِ؟" هَذا ما يَتَقَلَّدُهُ مَن يَفْهَمُ كَلامَ العَرَبِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَما يَتَّبِعُ ﴾ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ما" اسْتِفْهامًا بِمَعْنى التَقْرِيرِ وتَوْقِيفِ نَظَرِ المُخاطَبِ، ويَعْمَلُ "يَدْعُونَ" في قَوْلِهِ: "شُرَكاءَ".

ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ نافِيَةً وَيَعْمَلُ "يَتَّبِعُ" في "شُرَكاءَ" عَلى مَعْنى أنَّهم لا يَتَّبِعُونَ شُرَكاءَ حَقًّا، ويَكُونُ مَفْعُولُ "يَدْعُونَ" مَحْذُوفًا، وفي هَذا الوَجْهِ عِنْدِي تَكَلُّفٌ.

وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ: "تَدْعُونَ" بِالتاءِ، وهي قِراءَةٌ غَيْرُ مُتَّجِهَةٍ، وقَوْلُهُ: "إنْ" نافِيَةٌ، و"يَخْرُصُونَ" مَعْناهُ: يَحْدِسُونَ ويُخَمِّنُونَ، لا يَقُولُونَ بِقِياسٍ ولا نَظَرٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَلا يُحْزِنْكَ" مِن أحْزَنَ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَلا يَحْزُنْكَ" مِن حَزَنَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الجملة معطوفة على جملة ﴿ ألا إن أولياء الله لا خَوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ [يونس: 62] عطف الجزئي على الكلي لأن الحزن المذكور هنا نوع من أنواع الحزن المنفي في قوله: ﴿ ولا هُم يحزنون ﴾ [يونس: 62]، ولأن الرسول عليه الصلاة والسلام من أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

فكان مقتضى الظاهر أن يعطف بفاء التفريع لأن دفع هذا الحزن يتفرع على ذلك النفي ولكن عُدل إلى العطف بالواو ليعطي مضمون الجملة المعطوفة استقلالاً بالقصد إليه فيكون ابتداء كلام مع عدم فوات معنى التفريع لظهوره من السياق.

والحزن المنهي عن تطرقه هو الحزن الناشئ عن أذى المشركين محمداً صلى الله عليه وسلم بأقوالهم البذيئة وتهديداتهم.

ووجه الاقتصار على دحضه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يلقى من المشركين محزناً إلا أذى القول البذئي.

وصيغة ﴿ لا يحزنك قولهم ﴾ خطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم وظاهر صيغته أنه نهي عن أن يحزن النبي صلى الله عليه وسلم كلام المشركين، مع أن شأن النهي أن يتوجه الخطاب به إلى من فعل الفعل المنهي عنه، ولكن المقصود من مثل هذا التركيب نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن أن يتأثر بما شأنه أن يُحزن الناس من أقوالهم، فلما وجه الخطاب إليه بالنهي عن عمل هو من عمل غيره تعين أن المراد بذلك الكناية عن نهيه هو عن حصول ذلك الحزن في نفسه بأن يصرف عن نفسه أسبابه وملزوماته فيؤول إلى معنى لا تترك أقوالهم تُحزنك، وهذا كما يقولون: لا أريَنَّك تفعل كذا، ولا أعرفنَّك تفعل كذا، فالمتكلم ينهى المخاطب عن أن يراه المتكلم فاعلاً كذا.

والمراد نهيه عن فعل ذلك حتى لا يراه المتكلم فهو من إطلاق الملزوم وإرادة اللازم.

والمعنى: لا تفعلن كذا فأراك تفعله.

ومعنى ﴿ لا يحزنك قولهم ﴾ لا تحزن لقولهم فيحزنك.

ومعلوم أن أقوال المشركين التي تحزن النبي هي أقوال التكذيب والاستهزاء، فلذلك حذف مفعول القول لأن المصدر هنا نزل منزلة مصدر الفعل اللازم.

وجملة: ﴿ إن العزة لله جميعاً ﴾ تعليل لدفع الحزن عنه، ولذلك فصلت عن جملة النهي كأنَّ النبي يقول: كيف لا أحزن والمشركون يتطاولون علينا ويتوعدوننا وهم أهل عزة ومنعَة، فأجيب بأن عزتهم كالعدم لأنها محدودة وزائلة والعزة الحق لله الذي أرسلك.

وهي أيضاً في محل استئناف بياني.

وكل جملة كان مضمونها علة للتي قبلها تكون أيضاً استئنافاً بيانياً، فالاستئناف البياني أعم من التعليل.

وافتتحت بحرف التأكيد للاهتمام بها، ولأنَّه يفيد مفاد لام التعليل وفاء التفريع في مثل هذا المقام الذي لا يقصد فيه دفع إنكار من المخاطب.

ويحسن الوقف على كلمة ﴿ قولهم ﴾ لكي لا يتوهم بعض من يسمع جملة ﴿ إنّ العزة لله جميعاً ﴾ فيحسبه مقولاً لقولهم فيتطلب لماذا يكونُ هذا القول سبباً لحزن الرسول صلى الله عليه وسلم وكيف يحزن الرسول صلى الله عليه وسلم من قولهم: ﴿ إنّ العزّة لله ﴾ وإن كان في المقام ما يهدي السَّامع سريعاً إلى المقصود.

ونظير هذا الإيهام ما حكي أنّ ابن قتيْبة (وهو عبد الله بن مسلم بن قُتيبة) ذكر قراءة أبي حيْوة ﴿ أنّ العزّة لله ﴾ بفتح همزة (أن) وأعرب بدلاً من (قولُهم) فحكم أنّ هذه القراءة كُفر.

حكى ذلك عنه ابن عطيَّة.

وأشار إلى ذلك في «الكشاف» فقال: «ومن جعله بدلاً من (قولُهم) ثم أنكره فالمنكر هو تخريجه».

ولعل ابن قتيبة أراد أن كسر الهمزة وإن كان محتملاً لأن تكون الجملة بعدها معمولة ل ﴿ قولهم ﴾ لأن شأن (إن) بعد فعل القول أن لا تكون بفتح الهمزة لكن ذلك احتمال غير متعيَّن لأنَّه يحتمل أيضاً أن تكون الجملة استئنافاً، والسياق يعيّن الاحتمال الصحيح.

فأمَّا إذا فتحت الهمزة كما قرأ أبو حَيْوَة فقد تعيَّنت أن تكون معمولة لما ذكر قبلها وهو لفظ ﴿ قولُهم ﴾ ولا محمل لها عنده إلا أنها أي المصدر المنسبك.

منها بدل من كلمة ﴿ قولهم ﴾ ، فيصير المعنى: أنّ الله نهى نبيئه عن أن يحزن من قول المشركين ﴿ العزةُ لله جميعاً ﴾ وكيف وهو إنَّما يدعوهم لذلك.

وإذ كان النهي عن شيء يقتضي تجويز تلبس المنهي بالشيء المنهى عنه اقتضى ذلك تجويز تلبس النبي عليه الصلاة والسلام بالحَزن لمن يقول هذا القول وهذا التجويز يؤول إلى كفر من يجوزه على طريقة التكفير باللازم، ومقصده التَّشنيع على صاحب هذه القراءة.

وإنَّما بنى ابن قتيبة كلامه على ظاهر لفظ القرآن دون تقدير حرف قبل (أنّ) لعلَّه راعى أنّ التقدير خلاف الأصل أو أنَّه غير كاف في دفع الإيهام.

فالوجه أنّ ابن قتيبة هوّل ما له تأويل، ورد العلماء عليه رد أصيل.

والتَّعريف في ﴿ العزّة ﴾ تعريف الجنس المفيد للاستغراق بقرينة السِّياق.

واللام في قوله: ﴿ لله ﴾ للملك.

وقد أفاد جعل جنس العزة ملكاً لله أنّ جميع أنواعها ثابت لله، فيفيد أنّ له أقوى أنواعها وأقصاها.

وبذلك يفيد أنّ غير الله لا يملك منها إلاّ أنواعاً قليلة، فما من نوع من أنواع العزة يوجد في مِلك غيره فإن أعظم منه من نوعه ملك لله تعالى.

فلذلك لا يكون لما يملكه غير الله من العزة تأثير إذا صادم عزة الله تعالى، وأنه لا يكون له تأثير إلا إذا أمهله الله، فكل عزّة يستخدمها صاحبها في مناواة من أراد الله نصره فهي مدحوضة مغلوبة، كما قال تعالى: ﴿ كتب الله لأغلبنّ أنا ورُسلي إنّ الله قوي عزيز ﴾ [المجادلة: 21] وإذ قد كان النبي عليه الصلاة والسلام يعلم أنّ الله أرسله وأمره بزجر المشركين عمَّا هم فيه كان بحيث يؤمن بالنصر إذا أعلمه الله بأنه مراده، ويعلم أنّ ما للمشركين من عزة هو في جانب عزة الله تعالى كالعدم.

و ﴿ جميعاً ﴾ حال من ﴿ العزّة ﴾ موكّدة مضمونَ الجملة قبلها المفيدَ لاختصاصه تعالى بجميع جنس العزّة لدفع احتمال إرادة المبالغة في ملك ذلك الجنس.

وجملة: ﴿ هو السَّميع العليم ﴾ مستأنفة وإجراء هذا الخبر على اسم الجلالة الواقع ركناً في الجملة التعليلية يجر معنى التعليل إلى هذه الجملة فتفيد الجملة تعليلاً آخر أو تكملة للتعليل الأوّل، لأنه إذا تذكر المخاطب أنّ صاحب العزة يعلم أقوالهم وأحوالهم زاد ذلك قوة في دفع الحُزن مِن أقوالهم عن نفسه لأنّ الذي نهاه عن الحزن من أقوالهم وتطوالهم أشد منهم قوة ومحيط علمه بما يقولونه وبأحوالهم.

فهو إذا نهاك عن الحزن من أقوالهم ما نهاك إلا وقد ضمن لك السَّلامة منهم مع ضعفك وقوتهم لأنه يمدُّك بقوته وهو أعلم بتكوين أسباب نصرك عليهم.

والمراد ب ﴿ السميع ﴾ العالم بأقوالهم التي من شأنها أن تسمع، وب ﴿ العليم ﴾ ما هو أعم من أحوالهم التي ليست بمسموعات فلا يطلق على العلم بها اسم (السَّميع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ في ﴿ أوْلِياءَ اللَّهِ ﴾ ها هُنا خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم أهْلُ وِلايَتِهِ والمُسْتَحِقُّونَ لِكَرامَتِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: هُمُ ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ ﴾ الثّالِثُ: هُمُ الرّاضُونَ بِالقَضاءِ، والصّابِرُونَ عَلى البَلاءِ، والشّاكِرُونَ عَلى النَّعْماءِ.

الرّابِعُ: هم مَن تَوالَتْ أفْعالُهم عَلى مُوافَقَةِ الحَقِّ.

الخامِسُ: هُمُ المُتَحابُّونَ في اللَّهِ تَعالى.

رَوى جَرِيرٌ عَنْ عِمارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ عَنْ أبِي زُرْعَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (إنَّ مِن عِبادِ اللَّهِ أُناسًا ما هم بِأنْبِياءٍ ولاَ شُهَداءَ يَغْبِطُهُمُ الأنْبِياءُ والشُّهَداءُ يَوْمَ القِيامَةِ بِمَكانِهِمْ مِنَ اللَّهِ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ خَبِّرْنا مَن هم وما أعْمالُهم فَإنّا نُحِبُّهم لِذَلِكَ قالَ: (هم قَوْمٌ تَحابُّوا بِرُوحِ اللَّهِ عَلى غَيْرِ أرْحامٍ بَيْنَهم ولا أمْوالٍ يَتَعاطَوْنَها).» فَواللَّهِ إنَّ وُجُوهَهم لَنُورٌ وإنَّهم لَعَلى مَنابِرَ مِن نُّورٍ لا يَخافُونَ إذا خافَ النّاسُ ولا يَحْزَنُونَ إذا حَزِنَ النّاسُ وقَرَأ: ﴿ ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا يَخافُونَ عَلى ذُرِّيَّتِهِمْ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَتَوَلّاهم ولا هم يَحْزَنُونَ عَلى دُنْياهم لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يُعَوِّضُهم عَنْها، وهو مُحْتَمَلٌ.

الثّانِي: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ ولا هم يَحْزَنُونَ عِنْدَ المَوْتِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا هي البِشارَةُ عِنْدَ المَوْتِ بِأنْ يَعْلَمَ أيْنَ هو مِن قَبْلِ أنْ يَمُوتَ، وفي الآخِرَةِ الجَنَّةُ، قالَهُ قَتادَةُ والضَّحّاكُ، ورَوى عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « (إنَّ لِخَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ بَيْتًا مِن قَصَبٍ لا صَخَبَ فِيهِ ولا نَصَبَ)» .

الثّانِي: أنَّ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا الرُّؤْيا الصّالِحَةُ يَراها الرَّجُلُ الصّالِحُ أوْ تُرى لَهُ، وفي الآخِرَةِ الجَنَّةُ)، رَوى ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أبُو الدَّرْداءِ وأبُو هُرَيْرَةَ وعُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ.

وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا ثالِثًا: أنَّ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا الثَّناءُ الصّالِحُ، وفي الآخِرَةِ إعْطاؤُهُ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ.

﴿ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا خَلْفَ لِوَعْدِهِ.

الثّانِي: لا نَسْخَ لِخَيْرِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما لم ينتفعوا بما جاءهم من الله وأقاموا على كفرهم، كبر ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء من الله فيما يعاتبه ﴿ ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعاً هو السميع العليم ﴾ يسمع ما يقولون ويعلمه، فلو شاء بعزته لانتصر منهم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ ﴾ ، قال ابن عباس: (تكذيبهم) (١) (٢) وقال غيره من أهل المعاني: معنى: ﴿ وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ ﴾ التسلية عن قولهم الذي يؤذونه به (٣) والنهي في اللفظ للقول، وإنما هو عن السبب المؤدي إلى التأذي بقولهم، ومثله (لا أرينك هاهنا) (٤) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ﴾ ، قال الفراء: هذا استئناف، ولم يقولوا هم ذاك فيكون حكاية (٥) وقال غيره: هذا استئناف بالتذكير (٦) (٧) (٨) (٩) ومعنى ﴿ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ﴾ ، قال الزجاج: أي: إن الغلبة لله، وهو ناصرك وناصر دينك (١٠) (١١) وليست هذه الآية مضادة لقوله: ﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ ؛ لأن عزة الرسول والمؤمنين بالله فهي كلها لله.

وقوله تعالى: ﴿ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ أي: يسمع قولهم ويعلم ضميرهم فيجازيهم بما تقتضيه حالهم، ويدفع عنك شرهم، وهذه الآية بيان عما توجبه العزة لله من التسلي عن قول الجاهلين، وأذى المبطلين؛ لأنهم في سلطان الله حتى يعاملهم بما تقتضيه حالهم.

(١) انظر المصدرين السابقين، وبمعناه رواه أبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 563.

(٢) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 27.

(٣) انظر نحو هذا القول في: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 27، "معاني القرآن" للنحاس 3/ 304، "البحر المحيط" 5/ 176.

(٤) ساقط من (ح).

(٥) "معاني القرآن" 1/ 471.

(٦) في (ى): (زيادة أخلت بالمعنى ونص الجملة فيها: وقال غيره: هذا استئناف ويقولوا لهم ذاك بالتذكير اهـ.

والناسخ أدخل في هذه الجملة شيئًا من الجملة السابقة.

(٧) لفظ: (لا) ساقط من (ز).

(٨) يعني أن الجملة ليست مقول القول الذي سبقها.

(٩) انظر نحو هذا القول في: "الكشاف" 2/ 243، "البحر المحيط" 5/ 176.

(١٠) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 27.

(١١) انظر معنى هذا القول في: "مجمل اللغة" (عز) 3/ 613، "المفردات في غريب القرآن" (عز) ص 333.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ﴾ يعني ما يقوله الكفار من التكذيب ﴿ إِنَّ العزة للَّهِ ﴾ إخبارٌ في ضمنه وعدٌ للنبي صلى الله عليه وسلم بالنصر، وتسلية له ﴿ وَمَا يَتَّبِعُ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله شُرَكَآءَ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن ﴾ فيها وجهان: أحدهما أن تكون ما نافية وأوجبت بقوله: إلا الظن: وكرر إن يتبعون توكيداً، والمعنى ما يتبع الكفار إلا الظن، والوجه الثاني: أن تكون ما استفهامية، ويتم الكلام عند قوله شركاء، والمعنى أي شيء يتبعون على وجه التحقير لما يتبعونه، ثم ابتدأ الإخبار بقوله إن يتبعون إلا الظن، والعامل في شركاء على الوجهين يدعون.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ شأن ﴾ بغير همز حيث كان: أبو عمرو غير شجاع والأعشى ويزيد والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ يعزب ﴾ بالكسر حيث كان: علي.

الباقون بالضم.

﴿ ولا أصغر ﴾ ﴿ ولا أكبر ﴾ بالرفع فيهما: حمزة وخلف وسهل ويعقوب والمفضل.

الآخرون بالنصب.

الوقوف: ﴿ تفيضون فيه ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ يحزنون ﴾ ه ج لأن ﴿ الذين ﴾ يصلح صفة ﴿ لأولياء ﴾ ويصلح نصباً أو رفعاً على المدح فيوقف على ﴿ يتقون ﴾ أو مبتدأ خبره ﴿ لهم البشرى ﴾ فلا يوقف على ﴿ يتقون ﴾ ﴿ وفي الآخرة ﴾ ط ﴿ لكلمات الله ﴾ ط ﴿ العظيم ﴾ ه ط لأنه لو وصل لأوهم أن الضمير عائد إلى ﴿ أولياء ﴾ وقول الأولياء لا يحزن الرسول.

﴿ قولهم ﴾ م لئلا يوهم أن قوله: ﴿ إن العزة ﴾ مقول الكفار.

﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ الأرض ﴾ ط ﴿ شركاء ﴾ ط ﴿ يخرصون ﴾ ه ﴿ مبصراً ﴾ ط ﴿ يسمعون ﴾ ه {  } ط ﴿ الغني ﴾ ط ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ بهذا ﴾ ط ﴿ ما لا تعلمون ﴾ ه ﴿ لا يفلحون ﴾ ه ط، ﴿ يكفرون ﴾ ه.

التفسير: لما بين فساد طريقة الكفار في عقائدهم وأحكامهم بيّن كونه  عالماً بعمل كل أحد وبما في قلبه من الدواعي والصوارف والرياء والإخلاص وغير ذلك فقال: ﴿ وما تكون ﴾ يا محمد ﴿ في شأن ﴾ أي أمر من الأمور.

وأصله الهمز بمعنى القصد من شأنت شأنه إذا قصدت قصده.

قال ابن عباس: أي في شأن من أعمال البر.

وقال الحسن: في شأن الدنيا وحوائجها و "ما" في ﴿ وما تكون ﴾ ﴿ وما تتلو ﴾ نافية والضمير في ﴿ منه ﴾ إما لله عز وجل أي نازل من عنده، وإما للشأن لأن تلاوة القرآن شأن من شؤون رسول الله  بل هو معظم شأنه ولهذا أفرد بالذكر كقوله: ﴿ وملائكته وجبريل وميكال  ﴾ وإما للقرآن والإضمار قبل الذكر تفخيم له كأنه قيل: وما تتلو من التنزيل من قرآن لأن كل جزء منه قرآن.

ثم عمم الخطاب فقال: ﴿ ولا تعملون ﴾ أيها المكلفون ﴿ من عمل ﴾ أيّ عمل كان ﴿ إلا كنا عليكم شهوداً ﴾ شاهدين رقباء والجمع للتعظيم أو لأن المراد الملائكة الموكلون ﴿ إذ تفيضون فيه ﴾ الإفاضة الشروع في العمل على جهة الانصباب والاندفاع ومنه قوله: ﴿ فإذا أفضتم من عرفات  ﴾ قيل: شهادة الله علمه فيلزم أنه لا يعلم الأشياء إلا عند وجودها.

والجواب أن الشهادة علم خاص ولا يلزم منه امتناع تقدم العلم المطلق على الشيء كما لو أخبرنا الصادق أن زيداً يفعل كذا غداً فنكون عالمين بذلك لا شاهدين.

ثم زاد في التعميم فقال: ﴿ وما يعزب عن ربك ﴾ أي لا يبعد ولا يغيب ومنه كلأ عازب أي بعيد، والرجل العزب لبعده عن الأهل.

ومعنى ﴿ مثقال ذرة ﴾ قد مر في قوله: ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة  ﴾ وذلك في سورة النساء.

والمقصود أنه لا يغيب عن علمه شيء أصلاً وإن كان في غاية الحقارة.

وإنما قال ههنا ﴿ في الأرض ولا في السماء ﴾ خلاف ما في سورة سبأ وهو المعهود في القرآن لأن الكلام سيق لشاهدته على شؤون أهل الأرض فناسب أن يقدم ذكر ما في الأرض، هذا بعد تسليم أن الواو تفيد الترتيب.

ثم بالغ في تعميم علمه فقال: ﴿ ولا أصغر من ذلك ولا أكبر ﴾ من قرأ بالنصب على نفي الجنس أو بالرفع على الابتداء ليكون كلاماً برأسه فلا إشكال، وأما من جعله منصوباً معطوفاً على لفظ مثقال لأنه في موضع الجر بالفتح لامتناع الصرف، أو جعله مرفوعاً معطوفاً على محل ﴿ من مثقال ﴾ لأنه فاعل ﴿ يعزب ﴾ فأورد عليه الإشكال وهو أنه يصير تقدير الآية لا يعزب عنه شيء في الأرض ولا في السماء إلا في كتاب، ويلزم منه أن يكون ذلك الشيء الذي في الكتاب خارجاً عن علم الله وإنه محال.

ويمكن أن يجاب عنه بأن الأشياء المخلوقة قسمان: قسم أوجده الله  ابتداء من غير واسطة كخلق الملائكة والسموات والأرض.

وقسم آخر أوجده بواسطة القسم الأول من حوادث عالم الكون والفساد، ولا شك أن هذا القسم الثاني متباعد في سلسة العلية والمعلولية عن مرتبة واجب الوجود، فالمراد من الآية أنه لا يبعد عن مرتبة وجوده شيء في الأرض ولا في السماء إلا هو في كتاب مبين.

وهو كتاب أثبت فيه صور تلك المعلومات، والغرض الرد على من يزعم أنه  غير عالم بالجزيئات.

أو نقول: إن الاستثناء منقطع بمعنى لكن هو في كتاب مبين.

وذكر أبو علي الجرجاني صاحب النظم إن "إلا" بمعنى الواو على أن الكلام قد تم عند قوله: ﴿ ولا أكبر ﴾ ثم وقع الابتداء بكلام آخر فقال: ﴿ إلا في كتاب ﴾ أي وهو أيضاً في كتاب ﴿ مبين ﴾ والعرب تضع "إلا" موضع واو النسق كثيراً ومنه قوله: ﴿ إني لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم  ﴾ يعني ومن ظلم.

وقوله: ﴿ لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا ﴾ يعني والذين ظلموا.

ثم إنه لما بين إحاطته بجميع الأشياء وكان في ذلك تقوية قلوب المطيعين وكسر قلوب المذنبين أتبعها تفصيل حال كل فريق فقال: ﴿ ألا إن أولياء الله ﴾ الآية.

والتركيب يدل على القرب فكأنهم قربوا منه  لاستغراقهم في نور معرفته وجماله وجلاله.

قال أبو بكر الأصم: هم الذين تولى الله هدايتهم بالبرهان وتولوا القيام بحق عبوديته والدعوة إليه.

وقال المتكلمون: ولي الله من يكون آتياً بالاعتقاد الصحيح المبني على الدليل، ويكون آتياً بالأعمال الصالحة الواردة في الشريعة وعنوا بذلك قوله  في وصفهم ﴿ الذين آمنوا ﴾ وهو إشارة إلى كمال حال القوة النظرية.

﴿ وكانوا يتقون ﴾ وهو إشارة إلى كمال حال القوة العملية.

وههنا مقام آخر وهو أن يحمل الإيمان على مجموع الاعتقاد والعمل ويكون الولي متقياً في كل الأحوال، أما في موقف العلم فبأن يقدس ذاته عن أن يكون مقصوراً على ما عرفه أو يكون كما وصفه، وأما في مقام العمل فأن يرى عبوديته وعبادته قاصرة عما يليق بكبريائه وجلاله فيكون أبداً في الخوف والدهشة.

وأما نفي الخوف والحزن عنهم فقد مر تفسيره في أوائل سورة البقرة: وعن سعيد بن جبير أن رسول الله  سئل من أولياء الله؟

فقال: هم الذين يذكر الله برؤيتهم.

يعني أن مشاهدتهم تذكر أمر الآخرة لما فيهم من آثار الخشوع والإخبات والسكينة.

وعن عمر سمعت النبي  يقول: "إن من عباد الله عباداً ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة لمكانهم من الله.

قالوا: يا رسول الله أخبرنا من هم وما أعمالهم فلعلنا نحبهم.

قال: هم قوم تحابوا في الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور وإنهم لعلى منابر من نور، لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس، ثم قرأ الآية" يحكى أن إبراهيم الخواص كان في البادية ومعه واحد يصحبه، فاتفق في بعض الليالي ظهور حالة قوية وكشف تام له فجلس في موضعه وجاءه السباع ووقفوا بالقرب منه والمريد تسلق على رأس شجرة خوفاً منها والشيخ كان فارغاً من تلك السباع، فلما أصبح زالت تلك الحالة.

ففي الليلة الثانية وقعت بعوضة على بدنه فأظهر الجزع من تلك البعوضة فقال المريد: كيف تليق هذه الحالة بما قبلها؟

فقال الشيخ: تحملنا البارحة ما تحملناه بسبب قوة الوارد الغيبي، فلما غاب ذلك الوارد فإنا أضعف خلق الله.

ثم أخبر الله  عنهم بأن ﴿ لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ فقيل: بشراهم في الدنيا ما بشر الله به المؤمنين المتقين في غير مكان من كتابه ﴿ وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات  ﴾ ﴿ يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات  ﴾ وقيل: إنها عبارة عن محبة الناس لهم وعن ذكرهم إياهم بالثناء الحسن.

عن أبي ذر  قلت: يا رسول الله إن الرجل يعمل العمل لله ويحبه الناس.

قال: تلك عاجل بشرى المؤمن.

والدليل العقلي عليه أن الكمال محبوب لذاته فكل من اتصف بصفة الكمال كان محبوباً لكل أحد إذا أنصفه ولم يحسده، ولا كمال للعبد أعلى وأشرف من كونه مستغرق القلب في معرفة الله معرضاً عما سواه.

ونور الله مخدوم بالذات ففي أي قلب حصل كان مخدوماً بالطبع لما سوى الله.

وقيل: هي الرؤيا الصالحة.

وعنه  : "الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة" وسبب تخصيص هذا العدد أن النبي  استنبىء بعد أربعين سنة إلى كمال عمره - وهو ثلاث وستون سنة - وكان يأتيه الوحي أوّلاً بطريقة المنام ستة أشهر.

ونسبة هذه المدة إلى ثلاث وعشرين سنة التي هي جميع مدة الوحي نسبة الواحد إلى ستة وأربعين.

وأما أن الرؤيا الصادقة توجب لبشارة فلأنها دليل صفاء القلب واتصال النفس إلى عالم القدس والاطلاع على بعض ما هنالك.

وعن عطاء: البشرى في الدنيا هي البشارة عند الموت ﴿ تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة  ﴾ وأما البشرى في الآخرة فتلقي الملائكة إياهم مسلمين مبشرين بالفوز والكرامة وما يرون من بياض وجوههم وإعطاء الصحائف بأيمانهم وما يقرأون منها إلى آخر أحوالهم في الجنة ﴿ لا تبديل لكلمات الله ﴾ لا تغيير لأقواله ولا إخلاف لمواعيده وقد مر مثله في "الأنعام" ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى كونهم مبشرين في الدارين، وكلتا الجملتين اعتراض ولا يجب أن يقع بعد الاعتراض كلام.

تقول: فلان ينطق بالحق والحق أبلج، قال القاضي: ﴿ لا تبديل لكلمات الله ﴾ يدل على أنها قابلة للتبديل، وكل ما يقبل العدم امتنع أن يكون قديماً ومحل المنع ظاهر فإن نفي شيء عن شيء لا يلزم منه إمكانه له كقول الموحد: لا شريك لله.

ثم سلى رسوله عن صنيع الفريق المكذبين فقال: ﴿ ولا يحزنك ﴾ أو نقول: إنه كما أزال الحزن عنه في الآخرة بقوله: ﴿ ألا إن أولياء الله ﴾ أزال الحزن عنه في الدنيا بقوله: ﴿ ولا يحزنك قولهم ﴾ أي تكذيبهم لك وتهديدهم بالخدم والأموال وتشاورهم في تدبير هلاكك وإبطال أمرك، وبالجملة كل ما يتكلمون به في شأنك من المطاعن والقوادح.

ثم استأنف قوله: ﴿ إن العزة لله ﴾ كأنه قيل: ما لي لا أحزن؟

فقيل: لأن العزة لله.

﴿ جميعاً ﴾ إن الغلبة والقهر له ولحزبه ﴿ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي  ﴾ وقرىء "أن" بالفتح لا على أنه بدل فإن ذلك يؤدي إلى أن القوم كانوا يقولون إن العزة لله جميعاً والرسول كان يحزنه ذلك وهذا كفر، بل لأن التقدير لأن العزة على صريح التعليل، وكان رسول الله  واثقاً بوعد الله  في جميع الأحوال وإن كان قد يقع في بعض الحروب والوقائع انكسار وهزيمة فإن الأمور بخواتيمها.

ثم أكد الوعد بقوله: ﴿ هو السميع العليم ﴾ يسمع ما يقولون ويعلم ما يدبرون فيكفيك شرهم.

ثم زاد في التأكيد مع إشارة إلى فساد عقيدة المشركين فقال: ﴿ ألا إن لله من في السموات ومن في الأرض ﴾ فخصص ذوي العقول إما للتغليب وإما لأن الآية سيقت لبيان فساد عقائد أهل الشرك، فذكر أن العقلاء المميزين - وهم الملائكة والثقلان - كلهم عبيد له ولا يصلح أحد منهم لأن يكون شريكاً له فما وراءهم ممن لا يسمع ولا يعقل كالأصنام أولى بأن لا يكون نداً له.

ثم أكد هذا المعنى بقوله: ﴿ وما يتبع ﴾ "ما" نافية ومفعول ﴿ يدعون ﴾ محذوف أي ليس يتبع ﴿ الذين يدعون من دون الله شركاء ﴾ شركاء في الحقيقة إنما هي أسماء لا مسميات لها لأن شركة الله في الربوبية محال.

وإنما حذف أحد المكررين للدلالة، فالأول مفعول ﴿ يدعون ﴾ والثاني مفعول ﴿ يتبع ﴾ ويجوز أن تكون "ما" استفهامية بمعنى أي شيء يتبعون.

و ﴿ شركاء ﴾ على هذا نصب بـ ﴿ يدعون ﴾ ولا حاجة إلى إضمار.

ويجوز أن تكون "ما" موصولة معطوفة على "من" كأنه قيل: ولله ما يتبعه الذين يدعون من دون الله شركاء أي وله شركاؤهم.

ثم زاد في التأكيد فقال: ﴿ إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ﴾ وقد مر مثله في سورة الأنعام.

ثم ذكر طرفاً من آثار قدرته مع إشارة إلى بعض نعمه فقال: ﴿ هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه ﴾ طلباً للراحة ﴿ والنهار مبصراً ﴾ ذا إبصار باعتبار صاحبه أي جعله مضيئاً لتهتدوا به في حوائجكم وهذان طرفان من منافع الليل والنهار ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون ﴾ سماع تأمل وتدبر وقبول.

ثم حكى نوعاً آخر من أباطيلهم فقال: {قالوا اتخذ الله ولداً  } وقد مر في "البقرة".

ولما نزه نفسه عن اتخاذ الولد برهن على ذلك بقوله: ﴿ هو الغني ﴾ وتقريره أن الغنى التام يوجب امتناع كونه ذا أجزاء، وحصول الولد لا يتصور إلا بعد انفصال جزء منه يكون كالبذر بالنسبة إلى النبات، وأيضاً إنما يحتاج إلى الولد وإلى توليد المثل الذي يقوم مقامه من يكون بصدد الانقضاء والانقراض فالأزلي القديم لا يفتقر إلى الولد ولا يصح له مثل.

وأيضاً الغني لا يفتقر إلى الشهوة ولا إلى إعانة الولد، ولو صح أن يتولد منه مثله لصح أن يكون هو أيضاً متولداً من مثله ولا يشكل هذا بالولد الأول من الأشخاص الحيوانية فإن المدعي هو الصحة لا الوقوع.

ثم بالغ في البرهان فقال: ﴿ له ما في السموات وما في الأرض ﴾ وإذا كان الكل ملكه وعبيده فلا يكون شيء منها ولداً له لأن الأب يساوي الابن في الطبيعة بخلاف المالك.

ثم زيف دعواهم الفاسدة فقال: ﴿ إن عندكم من سلطان بهذا ﴾ أي ما عندكم من حجة بهذا القول.

قال في الكشاف: والباء حقها أن تتعلق بقوله: ﴿ إن عندكم ﴾ على أن يجعل القول مكاناً للسلطان كقولك: ما عندكم بأرضكم موز.

كأنه قيل: إن عندكم فيما تقولون سلطان.

أقول: كأنه نظر إلى أن استعمال الباء بمعنى "في" أكثر منه بمعنى "على".

ثم وبخهم على القول بلا دليل ومعرفة فقال: ﴿ أتقولون على الله ما لا تعلمون ﴾ .

ثم أوعدهم على افترائهم فقال: ﴿ قل إن الذين يفترون ﴾ الآية.

ثم بين أن ذلك المفتري إن فاز بشيء من المطالب العاجلة والمآرب الخسيسة من رياسة ظاهرة وغرض زائل فذلك ﴿ متاع قليل ﴾ في الدنيا.

ثم لا بد من الموت والرجوع إلى حكم الله ثم حصول الشقاء المؤبد والعذاب الأليم أعاذنا الله منه.

التأويل: ﴿ وما تكون في شأن ﴾ من النبوة ﴿ وما تتلوا ﴾ من شأن النبوة ﴿ من قرآن ﴾ ﴿ ولا تعملون ﴾ يا أمة محمد  ﴿ من عمل ﴾ من الأعمال من قبول القرن ورده من مثقال ذرة مما أظهر من حركة في أرض البشرية بعمل من أعمال الخير والشر.

﴿ ولا في السماء ﴾ أي في سماء القلوب بالنيات الصالحة والفاسدة ﴿ ولا أصغر ﴾ من الحركة وهو القصد دون الفعل ﴿ ولا أكبر ﴾ من النية وهو العمل ﴿ ألا إن أولياء الله ﴾ الذين هم أعداء النفوس ﴿ لا خوف عليهم ﴾ من تمني النظر بنفوسهم ﴿ ولا هم يحزنون ﴾ على ما فاتهم من شهوات النفوس للعداوة القائمة بينهم ﴿ لهم البشرى في الحياة الدنيا ﴾ بالوقائع والمبشرات ﴿ وفي الآخرة ﴾ بكشف القناع عن جمال العزة.

﴿ لا تبديل لكلمات الله ﴾ لأحكامه الأزلية حيث قال للولي كن ولياً وللعدوّ كن عدواً ﴿ ولا يحزنك ﴾ يا رسول القلب قول مشركي النفوس في تزيين شهوات الدنيا ولذاتها في نظرك ﴿ إن العزة لله جميعاً ﴾ يعز من يشاء في الدنيا وفي الآخرة جميعاً فلا يمنعه نعيم الدنيا عن نعيم الآخرة بل ربما يعينه على الآخرة كما جاء في الحديث الرباني "وإن من عبادي من لا يصلحه الا الغنى فإن أفقرته يفسده ذلك" ﴿ ألا إن لله من في السموات ومن في الأرض ﴾ أي القلوب السماوية والنفوس الأرضية ﴿ إن يتبعون إلا الظن ﴾ أي يظنون أنهم يتبعون شركاء الدنيا والهوى باختيارهم لا باختيارنا ﴿ هو الذي جعل لكم ﴾ ليل البشرية لتستريحوا فيه من تعب المجاهدات، وتزول عنكم الملالة والكلالة ونهار الروحانية ذا ضياء وبصيرة يبصر بها مصالح السلوك والترقي في المقامات ﴿ لقوم يسمعون ﴾ حقائق القرآن بسمع القلوب الواعية.

ثم أخبر عن الشبهات التي تقع في أثناء السلوك قالوا أي مشركو النفوس عند تجلي الروح بالخلافة في صفة الربوبية معترفاً بتجلي صفة إبداع الحق ومبدعة الروح مع كمال قربه واختصاصه بالحق عند بقاء تصرفات الخيال حتى تثبت الأبوة والبنوة بين الله وبين العبد، إذ البنوة أخص التعلقات بالوالد.

وهذا الكشف والابتداء هو مبتدأ ضلالة اليهود والنصارى ﴿ له ما في السموات ﴾ الروحانية من الكشوف والأحوال ﴿ وما في الأرض ﴾ البشرية من الوهم والخيال وما ينشأ من الشبهات والآفات ﴿ إن الذين يفترون ﴾ هم النفوس الأمارة بالسوء ﴿ لا يفلحون ﴾ لا يظفرون بكشف الحقائق {ثم نذيقهم لأن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا فأحسوا بالألم والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ ﴾ قال بعضهم من أهل التأويل: في شأن: في أمرك وحالاتك وما تتلو منه من قرآن تبلغهم به الرسالة وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ ﴾ أي: في عبادة.

﴿ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْآنٍ ﴾ : تبلغهم به الرسالة.

﴿ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً ﴾ : يخاطب نبيه تنبيهاً منه وإيقاظاً والمراد منه هو وغيره، ألا ترى أنه قال: ﴿ وَلاَ تَعْمَلُونَ ﴾ من عمل عمهم جميعاً في ذلك، يخبر أنكم في كل أمر يكون بينكم وبين ربكم، وفي كل أمر بينكم وبين الناس - فلله لكم وعليكم شهود، أو كل عمل تعملون لكم وعليكم شهود ينبههم ويوقظهم ليكونوا على حذر أبداً منتبهين [متيقظين ﴿ إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ﴾ قال بعضهم: ﴿ تُفِيضُونَ فِيهِ ﴾ تأخذون فيه وتخوضون فيه.

وقيل: تقولون فيه.] وقيل: يكثرون فيه؛ وكله واحد.

ثم يحتمل قوله: ﴿ فِيهِ ﴾ في الحق، ويحتمل في الدين، ويحتمل في القرآن، ويحتمل في رسول الله؛ يقول: أنا شاهد فيما تخوضون وفيما تقولون في رسول الله، أو في دينه، أو فيما يتلو عليكم.

﴿ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ ﴾ : لا يعزب، [أي: لا يغيب] عن ربك من مثقال ذرة في الأرض، ولا في السماء فيما لا أمر فيه ولا نهي ولا كلفة، فالذي فيه السؤال والأمر والنهي والكلفة أحرى وأولى ألا يغيب عنه شيء.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ هو تحذير وتخويف بتمثيل لا وعيد بتقرير وتصريح؛ لأن الوعيد على وجهين: أحدهما: على التمثيل، والآخر على التقرير في عينه وتصريح.

وقوله - عز وجل - ﴿ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ﴾ قيل: ما قل وما كثر إلا في كتاب، أي: إلا في اللوح المحفوظ [مبين]، ويحتمل إلا في كتاب مبين، أي: في الكتب المنزلة من السماء والله أعلم.

وقال أبو بكر الأصم في قوله: ﴿ إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ﴾ : أي تنتشرون، وتأويله ولا تعملون من عمل تنتشرون فيه إلا كنا عليكم شهوداً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ : قالت المعتزلة: دلت الآية على أن أصحاب الكبائر ليسوا بمؤمنين؛ لأنهم لو كانوا مؤمنين لكانوا أولياء الله، وإذا كانوا أولياء الله لكان لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فإذا كان لا شك أن على أصحاب الكبائر خوف وحزن [دل أنهم ليسوا بمؤمنين ولا لهم ولاية الإيمان لكن التأويل عندنا - والله أعلم -:] ﴿ أَلاۤ إِنَّ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ على ما يكون لأهل الدنيا في الدنيا من الخوف والحزن، إنما خوفهم وحزنهم لعاقبتهم، ويشبه ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون في الجنة، وهكذا يكون إذا دخلوا الجنة يأمنون عن جميع ما ينقصهم.

وقال بعضهم: ﴿ أَوْلِيَآءَ ٱللَّهِ ﴾ هم أهل التوحيد، لكن تلك البشارة وذلك الوعد لأهل التوحيد في الاعتقاد والوفاء جميعاً، لا لأهل الاعتقاد خاصة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ ﴾ قال بعضهم: ﴿ لَهُمُ ٱلْبُشْرَىٰ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ الرؤيا الصالحة؛ وعلى ذلك رويت الأخبار عن رسول الله  أنه سئل عن هذه الآية ففسر بالرؤيا الصالحة، فإن ثبت فهو الحق.

وقال بعضهم: لا تحتمل الرؤيا الصالحة [؛ لأنه نسق البشرى في الآخرة على البشرى في الحياة الدنيا، ولا شك أنه لا يكون في الآخرة الرؤيا الصالحة،] ولكن إن ثبت ما ذكرنا من الخبر؛ فهو ذلك.

ويشبه أن يكون البشارة التي ذكر هاهنا؛ نحو قوله: ﴿ فَبَشِّرْ عِبَادِ * ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ...

﴾ الآية [الزمر: 17-18]، وقوله: ﴿ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ ذَلِكَ ٱلَّذِي يُبَشِّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ  ﴾ ، وأمثال ذلك.

وقال بعض أهل التأويل: لهم البشرى في الحياة الدنيا تبشرهم الملائكة عند الموت وفي الآخرة الجنة.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ ﴾ : يحتمل لا تبديل لكلمات الله من وعده ووعيده، وذلك مما لا تبديل له ولا تحويل.

ويحتمل ﴿ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ ﴾ القرآن لا تبديل لما فيه من الوعد والوعيد وغيره.

ويحتمل لا تبديل لما مضى من سنته في الأولين والآخرين من الهلاك والاستئصال بتكذيبهم الرسل والآيات؛ كقوله: ﴿ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَحْوِيلاً  ﴾ وقوله: ﴿ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأَوَّلِينَ  ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ ﴾ أي: لا تبديل للبشرى التي ذكر لهؤلاء الذين تقدم ذكرهم.

ويحتمل لا تبديل لحجج الله وبراهينه، أو لا تبديل لوعيد الله ووعده ونحوه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ ﴾ أي: تلك البشرى هي الفوز العظيم، أو ذلك الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون هو الفوز العظيم؛ إذ لا خوف بعده.

وقال بعضهم من أهل التأويل: لا خوف عليهم من النار، ولا هم يحزنون أن يخرجوا من الجنة أبداً، والوجه فيه ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ﴾ يحتمل قولهم: ما قالوا في الله بما لا يليق به من الولد والشريك؛ يقول: لا يحزنك ذلك ﴿ إِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ﴾ الذي قالوا في القرآن إنه سحر وإنه مفترى، أو قالوا في رسول الله  : إنه ساحر وإنه يفتري على الله كذباً.

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ﴾ مكرهم الذي مكروا به، وكيدهم الذي كادوه، يؤيد ذلك قوله: ﴿ إِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾ أي: إن العزة في المكر والكيد لله؛ وهو كقوله: ﴿ وَقَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ ٱلْمَكْرُ جَمِيعاً  ﴾ أي: مكره ينقض مكرهم ويمنعه، وكيده يفسخ كيدهم؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ إِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾ أي: ينقض جميع ما يمكرون بك ويكيدونك، و ﴿ ٱلْعِزَّةَ ﴾ القوة؛ يقول: إن القوة لله ينصرك على أعدائك ويدفع عنك كيدهم ومكرهم الذي هموا بك.

﴿ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ : [لقولهم] الذي قالوه العليم بمصالحهم، أو السميع المجيب للدعاء العليم بما يكون منهم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولا تحزن -أيها الرسول- لما يقوله هؤلاء من الطعن والقدح في دينك، إن القهر والغلبة كلها لله، فلا يعجزه شيء، هو السميع لأقوالهم، العليم بأفعالهم، وسيجازيهم عليها.

<div class="verse-tafsir" id="91.p1Zb9"

مزيد من التفاسير لسورة يونس

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله