الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٧٢ من سورة يونس
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 71 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٧٢ من سورة يونس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
( فإن توليتم ) أي : كذبتم وأدبرتم عن الطاعة ، ( فما سألتكم من أجر ) أي : لم أطلب منكم على نصحي إياكم شيئا ، ( إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين ) أي : وأنا ممتثل ما أمرت به من الإسلام لله عز وجل ، والإسلام هو دين [ جميع ] الأنبياء من أولهم إلى آخرهم ، وإن تنوعت شرائعهم وتعددت مناهلهم ، كما قال تعالى : ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ) [ المائدة : 48 ] .
قال ابن عباس : سبيلا وسنة .
فهذا نوح يقول : ( وأمرت أن أكون من المسلمين ) [ النمل : 91 ] ، وقال تعالى عن إبراهيم الخليل : ( إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يابني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) [ البقرة : 131 ، 132 ] ، وقال يوسف : ( رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين ) [ يوسف : 101 ] .
وقال موسى ( ياقوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين ) [ يونس : 84 ] .
وقالت السحرة : ( ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين ) [ الأعراف : 126 ] .
وقالت بلقيس : ( رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين ) [ النمل : 44 ] .
وقال [ الله ] تعالى : ( إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا ) [ المائدة : 44 ] ، وقال تعالى : ( وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون ) [ المائدة : 111 ] وقال خاتم الرسل وسيد البشر : ( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ) [ الأنعام : 162 ، 163 ] أي : من هذه الأمة ؛ ولهذا قال في الحديث الثابت عنه : " نحن معاشر الأنبياء أولاد علات ، ديننا واحد " أي : وهو عبادة الله وحده لا شريك له ، وإن تنوعت شرائعنا ، وذلك معنى قوله : " أولاد علات " ، وهم : الإخوة من أمهات شتى والأب واحد .
القول في تأويل قوله تعالى : فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (72) يقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيل نبيه نوح عليه السلام لقومه: (فإن توليتم ) ، أيها القوم ، عني بعد دعائي إياكم ، وتبليغ رسالة ربي إليكم ، مدبرين، فأعرضتم عمّا دعوتكم إليه من الحقّ ، والإقرار بتوحيد الله ، وإخلاص العبادة له ، وترك إشراك الآلهة في عبادته، فتضييعٌ منكم وتفريطٌ في واجب حق الله عليكم، لا بسبب من قبلي، فإني لم أسألكم على ما دعوتكم إليه أجرًا ، ولا عوضًا أعتاضه منكم بإجابتكم إياي إلى ما دعوتكم إليه من الحق والهدى، ولا طلبت منكم عليه ثوابًا ولا جزاءً ، (إن أجري إلا على الله) يقول جل ثناؤه: إن جزائي وأجر عملي وثوابه إلا على ربي ، لا عليكم ، أيها القوم ، ولا على غيركم ، (وأمرت أن أكون من المسلمين) ، وأمرني ربي أن أكون من المذعنين له بالطاعة ، المنقادين لأمره ونهيه ، المذللين له، ومن أجل ذلك أدعوكم إليه ، وبأمره آمركم بترك عبادة الأوثان.
(23) * * *
قوله تعالى فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمينقوله تعالى فإن توليتم فما سألتكم من أجر أي فإن أعرضتم عما جئتكم به فليس ذلك لأني سألتكم أجرا فيثقل عليكم مكافأتي .إن أجري إلا على الله في تبليغ رسالته .وأمرت أن أكون من المسلمين أي الموحدين لله تعالى .
فتح أهل المدينة وأبو عمرو وابن عامر وحفص ياء ( أجري ) حيث وقع ، وأسكن الباقون .
{فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ} عن ما دعوتكم إليه، فلا موجب لتوليكم، لأنه تبين أنكم لا تولون عن باطل إلى حق، وإنما تولون عن حق قامت الأدلة على صحته، إلى باطل قامت الأدلة على فساده. ومع هذا {فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ} على دعوتي، وعلى إجابتكم، فتقولوا: هذا جاءنا ليأخذ أموالنا، فتمتنعون لأجل ذلك. {إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ} أي: لا أريد الثواب والجزاء إلا منه، {و} أيضًا فإني ما أمرتكم بأمر وأخالفكم إلى ضده، بل {أمرت أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} فأنا أول داخل، وأول فاعل لما أمرتكم به.
( فإن توليتم ) أعرضتم عن قولي وقبول نصحي ، ( فما سألتكم ) على تبليغ الرسالة والدعوة ، ( من أجر ) جعل وعوض ، ( إن أجري ) ما أجري وثوابي ، ( إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين ) أي : من المؤمنين .
وقيل : من المستسلمين لأمر الله .
«فإن تولَّيتم» عن تذكيري «فما سألتكم من أجر» ثواب عليه فتولوا «إن» ما «أجري» ثوابي «إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين».
فإن أعرضتم عن دعوتي فإنني لم أسألكم أجرًا؛ لأن ثوابي عند ربي وأجري عليه سبحانه، وحده لا شريك له، وأمرت أن أكون من المنقادين لحكمه.
ولنمض مع القصة حتى النهاية لنرى الدليل على ذلك فقد حكى - سبحانه - ما دار بين نوح وبين قومه بعد هذا التحدي السافر لهم فقال :( فَإِن تَوَلَّيْتُمْ ) أى : فإن أعرضتم - أيها الناس - عن قولي ، وعن تذكيري إياكم بآيات الله بعد وقوفكم على أمري وعلى حقيقة حالي .
فما سألتكم من أجر ، أى : فإني ما سألتكم فى مقابل تذكيري لكم ، أو دعوتى إياكم إلى الحق ، ومن أجر تؤدونه لي - ( إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الله ) وحده ، فهو الذى يثيبني على قولي وعملي وهو الذى يعطيني من الخير ما يغنيني عن أجركم وعطائكم وهو - سبحانه - الذى أمرنى ( أَنْ أَكُونَ مِنَ المسلمين ) أى : المنقادين لأمره .
المتبعين لهديه ، المستسلمين لقضائه وقدره .
اعلم أنه سبحانه لما بالغ في تقرير الدلائل والبينات، وفي الجواب عن الشبه والسؤالات، شرع بعد ذلك في بيان قصص الأنبياء عليهم السلام لوجوه: أحدها: أن الكلام إذا أطال في تقرير نوع من أنواع العلوم، فربما حصل نوع من أنواع الملالة فإذا انتقل الإنسان من ذلك الفن من العلم إلى فن آخر، انشرح صدره وطاب قلبه ووجد في نفسه رغبة جديدة وقوة حادثة وميلاً قوياً.
وثانيها: ليكون للرسول عليه الصلاة والسلام ولأصحابه أسوة بمن سلف من الأنبياء، فإن الرسول إذا سمع أن معاملة هؤلاء الكفار مع كل الرسل ما كانت إلا على هذا الوجه خف ذلك على قلبه، كما يقال: المصيبة إذا عمت خفت.
وثالثها: أن الكفار إذا سمعوا هذه القصص، وعلموا أن الجهال، وإن بالغوا في إيذاء الأنبياء المتقدمين إلا أن الله تعالى أعانهم بالآخرة ونصرهم وأيدهم وقهر أعداءهم، كان سماع هؤلاء الكفار لأمثال هذه القصص سبباً لانكسار قلوبهم، ووقوع الخوف والوجل في صدورهم، وحينئذ يقللون من أنواع الإيذاء والسفاهة.
ورابعها: أنا قد دللنا على أن محمداً عليه الصلاة والسلام لما لم يتعلم علماً، ولم يطالع كتاباً ثم ذكر هذه الأقاصيص من غير تفاوت، ومن غير زيادة ومن غير نقصان، دل ذلك على أنه صلى الله عليه وسلم إنما عرفها بالوحي والتنزيل.
واعلم أنه تعالى ذكر في هذه السورة من قصص الأنبياء عليهم السلام ثلاثة.
فالقصة الأولى: قصة نوح عليه السلام، وهي المذكورة في هذه الآية، وفيها وجهان من الفائدة: الأول: أن قوم نوح عليه السلام لما أصروا على الكفر والجحد عجل الله هلاكهم بالغرق فذكر الله تعالى قصتهم لتصير تلك القصة عبرة لهؤلاء الكفار، وداعية إلى مفارقة الجحد بالتوحيد والنبوة.
والثاني: أن كفار مكة كانوا يستعجلون العذاب الذي يذكره الرسول عليه السلام لهم وكانوا يقولون له كذبت، فإنه ما جاءنا هذا العذاب، فالله تعالى ذكر لهم قصة نوح عليه السلام لأنه عليه السلام كان يخوفهم بهذا العذاب وكانوا يكذبونه فيه، ثم بالآخرة وقع كما أخبر فكذا هاهنا.
المسألة الثانية: أن نوحاً عليه السلام قال لقومه: ﴿ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِى وَتَذْكِيرِى بِآيَاتِ الله فَعَلَى الله تَوَكَّلْتُ ﴾ وهذا جملة من الشرط والجزاء، أما الشرط فهو مركب من قيدين: القيد الأول: قوله: ﴿ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِى ﴾ قال الواحدي في البسيط: يقال كبر يكبر كبراً في السن، وكبر الأمر والشيء إذا عظم يكبر كبراً وكبارة.
قال ابن عباس: ثقل عليكم وشق عليكم وعظم أمره عندكم والمقام بفتح الميم مصدر كالإقامة.
يقال: أقام بين أظهرهم مقاماً وإقامة، والمقام بضم الميم الموضع الذي يقام فيه، وأراد بالمقام هاهنا مكثه ولبثه فيهم وبالجملة فقوله: ﴿ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِى ﴾ جار مجرى قولهم: فلان ثقيل الظل.
واعلم أن سبب هذا الثقل أمران: أحدهما: أنه عليه السلام مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً.
والثاني: أن أولئك الكفار كانوا قد ألفوا تلك المذاهب الفاسدة والطرائق الباطلة والغالب أن من ألف طريقة في الدين فإنه يثقل عليه أن يدعى إلى خلافها، ويذكر له ركاكتها، فإن اقترن بذلك طول مدة الدعاء كان أثقل وأشد كراهية، فإن اقترن به إيراد الدلائل القاهرة على فساد تلك المذهب كانت النفرة أشد فهذا هو السبب في حصول ذلك الثقل.
والقيد الثاني: هو قوله: ﴿ وَتَذْكِيرِى بِآيَاتِ الله ﴾ .
واعلم أن الطباع المشغوفة بالدنيا الحريصة على طلب اللذات العاجلة تكون شديدة النفرة عن الأمر بالطاعات والنهي عن المعاصي والمنكرات، قوية الكراهة لسماع ذكر الموت وتقبيح صورة الدنيا ومن كان كذلك فإنه يستثقل الإنسان الذي يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر وفي الآية وجه آخر وهو أن يكون قوله: ﴿ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِى وَتَذْكِيرِى بِآيَاتِ الله ﴾ معناه أنهم كانوا إذا وعظوا الجماعة قاموا على أرجلهم يعظونهم ليكون مكانهم ظاهراً وكلامهم مسموعاً، كما يحكى عن عيسى عليه السلام أنه كان يعظ الحواريين قائماً وهم قعود.
واعلم أن هذا هو الشرط المذكور في هذه الآية، أما الجزاء ففيه قولان: القول الأول: أن الجزاء هو قوله: ﴿ فَعَلَى الله تَوَكَّلْتُ ﴾ يعني أن شدة بغضكم لي تحملكم على الإقدام على إيذائي وأنا لا أقابل ذلك الشر إلا بالتوكل على الله.
واعلم أنه عليه السلام كان أبداً متوكلاً على الله تعالى، وهذا اللفظ يوهم أنه توكل على الله في هذه الساعة، لكن المعنى أنه إنما توكل على الله في دفع هذا الشر في هذه الساعة.
والقول الثاني: وهو قول الأكثرين إن جواب الشرط هو قوله: ﴿ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ﴾ وقوله: ﴿ فَعَلَى الله تَوَكَّلْتُ ﴾ كلام اعترض به بين الشرط وجوابه كما تقول في الكلام إن كنت أنكرت علي شيئاً فالله حسبي فاعمل ما تريد واعلم أن جواب هذا الشرط مشتمل على قيود خمسة على الترتيب.
القيد الأول: قوله: ﴿ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ ﴾ وفيه بحثان: البحث الأول: قال الفراء: الإجماع الإعداد والعزيمة على الأمر وأنشد: يا ليت شعري والمنى لا تنفع *** هل اغدون يوماً وأمري مجمع فإذا أردت جمع التفرق قلت: جمعت القوم فهم مجموعون، وقال أبو الهيثم: أجمع أمره، أي جعله جميعاً بعد ما كان متفرقاً، قال: وتفرقه، أي جعل يتدبره فيقول: مرة أفعل كذا ومرة أفعل كذا فلما عزم على أمر واحد فقد جمعه، أي جعله جميعاً فهذا هو الأصل في الإجماع، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ ﴾ ثم صار بمعنى العزم حتى وصل بعلى فقيل: أجمعت على الأمر، أي عزمت عليه، والأصل أجمعت الأمر.
البحث الثاني: روى الأصمعي عن نافع ﴿ فَاجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ ﴾ بوصل الألف من الجمع وفيه وجهان: الأول: قال أبو علي الفارسي: فاجمعوا ذوي الأمر منكم فحذف المضاف، وجرى على المضاف إليه ما كان يجري على المضاف لو ثبت.
الثاني: قال ابن الأنباري: المراد من الأمر هاهنا وجوه كيدهم ومكرهم، فالتقدير: ولا تدعوا من أمركم شيئاً إلا أحضرتموه.
والقيد الثاني: قوله: ﴿ وَشُرَكَاءكُمْ ﴾ وفيه أبحاث: البحث الأول: الواو هاهنا بمعنى مع، والمعنى: فأجمعوا أمركم مع شركائكم، ونظيره قولهم لو تركت الناقة وفصيلها لرضعها، ولو خليت نفسك والأسد لأكلك.
البحث الثاني: يحتمل أن يكون المراد من الشركاء الأوثان التي سموها بالآلهة، ويحتمل أن يكون المراد منها من كان على مثل قولهم ودينهم، فإن كان المراد هو الأول فإنما حث الكفار على الاستعانة بالأوثان بناء على مذهبهم من أنها تضر وتنفع، وإن كان المراد هو الثاني فوجه الاستعانة بها ظاهر.
البحث الثالث: قرأ الحسن وجماعة من القراء ﴿ وَشُرَكَاؤُكُمْ ﴾ بالرفع عطفاً على الضمير المرفوع، والتقدير: فأجمعوا أنتم وشركاؤكم.
قال الواحدي: وجاز ذلك من غير تأكيد الضمير كقوله: ﴿ اسكن أَنتَ وَزَوْجُكَ الجنة ﴾ لأن قوله: ﴿ أَمَرَكُمُ ﴾ فصل بين الضمير وبين المنسوق، فكان كالعوض من التوكيد وكان الفراء يستقبح هذه القراءة، لأنها توجب أن يكتب وشركاؤكم بالواو وهذا الحرف غير موجود في المصاحف.
القيد الثالث: قوله: ﴿ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ﴾ قال أبو الهيثم: أي مبهماً من قولهم غم علينا الهلال فهو مغموم إذا التبس قال طرفة: لعمري ما أمري علي بغمة *** نهاري ولا ليلي علي بسرمد وقال الليث: إنه لفي غمة من أمره إذا لم يهتد له.
قال الزجاج: أي ليكن أمركم ظاهراً منكشفاً.
القيد الرابع: قوله: ﴿ ثُمَّ اقضوا إِلَيَّ ﴾ وفيه بحثان: البحث الأول: قال ابن الأنباري معناه ثم امضوا إلي بمكروهكم وما توعدونني به، تقول العرب: قضى فلان، يريدون مات ومضى، وقال بعضهم: قضاء الشيء إحكامه وإمضاؤه والفراغ منه وبه يسمى القاضي، لأنه إذا حكم فقد فرغ فقوله: ﴿ ثُمَّ اقضوا إِلَىَّ ﴾ أي افرغوا من أمركم وامضوا ما في أنفسكم واقطعوا ما بيني وبينكم، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَقَضَيْنَا إلى بَنِي إسراءيل فِي الكتاب ﴾ أي أعلمناهم إعلاماً قاطعاً، قال تعالى: ﴿ وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الامر ﴾ قال القفال رحمه الله تعالى ومجاز دخول كلمة ﴿ إلى ﴾ في هذا الموضع من قولهم برئت إليك وخرجت إليك من العهد، وفيه معنى الإخبار فكأنه تعالى قال: ثم اقضوا ما يستقر رأيكم عليه محكماً مفروغاً منه.
البحث الثاني: قرئ ﴿ ثم أفضوا إلي ﴾ بالفاء بمعنى ثم انتهوا إلى بشركم، وقيل: هو من أفضى الرجل إذا خرج إلى الفضاء، أي أصحروا به إلي وأبرزوه إلي.
القيد الخامس: قوله: ﴿ وَلاَ تُنظِرُونَ ﴾ معناه لا تمهلون بعد إعلامكم إياي ما اتفقتم عليه فهذا هو تفسير هذه الألفاظ، وقد نظم القاضي هذا الكلام على أحسن الوجوه فقال إنه عليه السلام قال في أول الأمر: فعلى الله توكلت فإني واثق بوعد الله جازم بأنه لا يخلف الميعاد ولا تظنوا أن تهديدكم إياي بالقتل والإيذاء يمنعني من الدعاء إلى الله تعالى ثم إنه عليه السلام أورد ما يدل على صحة دعوته فقال: فأجمعوا أمركم فكأنه يقول لهم أجمعوا كل ما تقدرون عليه من الأسباب التي توجب حصول مطلوبكم ثم لم يقتصر على ذلك بل أمرهم أن يضموا إلى أنفسهم شركائهم الذين كانوا يزعمون أن حالهم يقوى بمكانتهم وبالتقرب إليهم، ثم لم يقتصر على هذين بل ضم إليهما ثالثاً وهو قوله: ﴿ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ﴾ وأراد أن يبلغوا فيه كل غاية في المكاشفة والمجاهرة، ثم لم يقتصر على ذلك حتى ضم إليها: رابعاً فقال: ﴿ ثُمَّ اقضوا إِلَيَّ ﴾ والمراد أن وجهوا كل تلك الشرور إلي، ثم ضم إلى ذلك خامساً.
وهو قوله: ﴿ وَلاَ تُنظِرُونَ ﴾ أي عجلوا ذلك بأشد ما تقدرون عليه من غيرإنظار فهذا آخر هذا الكلام ومعلوم أن مثل هذا الكلام يدل على أنه عليه السلام كان قد بلغ الغاية في التوكل على الله تعالى وأنه كان قاطعاً بأن كيدهم لا يصل إليه ومكرهم لا ينفذ فيه.
وأما قوله تعالى: ﴿ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ ﴾ فقال المفسرون: هذا إشارة إلى أنه ما أخذ منهم مالاً على دعوتهم إلى دين الله تعالى ومتى كان الإنسان فارغاً من الطمع كان قوله أقوى تأثيراً في القلب.
وعندي فيه وجه آخر وهو أن يقال: إنه عليه السلام بين أنه لا يخاف منهم بوجه من الوجوه وذلك لأن الخوف إنما يحصل بأحد شيئين إما بإيصال الشر أو بقطع المنافع، فبين فيما تقدم أنه لا يخاف شرهم وبين بهذه الآية أنه لا يخاف منهم بسبب أن يقطعوا عنه خيراً، لأنه ما أخذ منهم شيئاً فكان يخاف أن يقطعوا منه خيراً.
ثم قال: ﴿ إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى الله وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المسلمين ﴾ وفيه قولان: الأول: أنكم سواء قبلتم دين الإسلام أو لم تقبلوا، فأنا مأمور بأن أكون على دين الإسلام.
والثاني: أني مأمور بالاستسلام لكل ما يصل إلي لأجل هذه الدعوة.
وهذا الوجه أليق بهذا الموضع، لأنه لما قال: ﴿ ثُمَّ اقضوا إِلَىَّ ﴾ بين لهم أنه مأمور بالاستسلام لكل ما يصل إليه في هذا الباب، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كَبُرَ عَلَيْكُمْ ﴾ عظم عليكم وشقّ وثقل.
ومنها قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الخاشعين ﴾ [البقرة: 45] .
ويقال: تعاظمه الأمر ﴿ مَّقَامِى ﴾ مكاني، يعني نفسه، كما تقول: فعلت كذا لمكان فلان: وفلان ثقيل الظل.
ومنه: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ ﴾ [الرحمن: 46] بمعنى خاف ربه.
أو قيامي ومكثي بين أظهركم مدداً طوالاً أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً أو مقامي وتذكيري؛ لأنهم كانوا إذا وعظوا الجماعة قاموا على أرجلهم يعظونهم، ليكون مكانهم بيناً وكلامهم مسموعاً، كما يحكى عن عيسى صلوات الله عليه أنه كان يعظ الحواريين قائماً وهم قعود ﴿ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ﴾ من أجمع الأمر، وأزمعه، إذا نواه وعزم عليه.
قال: هَلْ أَغْدُوَنْ يَوْماً وَأَمْرِي مُجْمعُ والواو بمعنى (مع) يعني: فأجمعوا أمركم مع شركائكم.
وقرأ الحسن: ﴿ وشركاؤكم ﴾ بالرفع عطفاً على الضمير المتصل، وجاز من غير تأكيد بالمنفصل لقيام الفاصل مقامه لطول الكلام، كما تقول: اضرب زيداً وعمرو.
وقرئ: ﴿ فاجمعوا ﴾ من الجمع.
وشركاءكم نصب للعطف على المفعول، أو لأنّ الواو بمعنى (مع) وفي قراءة أبيّ: ﴿ فأجمعوا أمركم وادعوا شركاءكم ﴾ فإن قلت: كيف جاز إسناد الإجماع إلى الشركاء؟
قلت: على وجه التهكم، كقوله: ﴿ قُلِ ادعوا شُرَكَاءكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ ﴾ [الأعراف: 195] فإن قلت: ما معنى الأمرين؟
أمرهم الذي يجمعونه، وأمرهم الذي لا يكون عليهم غمة؟
قلت: أمّا الأمر الأوّل فالقصد إلى إهلاكه، يعني: فأجمعوا ما تريدون من إهلاكي واحتشدوا فيه وابذلوا وسعكم في كيدي.
وإنما قال ذلك إظهاراً لقلة مبالاته وثقته بما وعده ربه من كلاءته وعصمته إياه، وأنهم لن يجدوا إليه سبيلاً.
وأما الثاني ففيه وجهان، أحدهما: أن يراد مصاحبتهم له وما كانوا فيه معه من الحال الشديدة عليهم المكروهة عندهم، يعني: ثم أهلكوني لئلا يكون عيشكم بسببي غصة وحالكم عليكم غمة: أي غماً وهماً، والغم والغمة، كالكرب والكربة.
والثاني أن يراد به ما أريد بالأمر الأوّل، والغمة السترة من غمه إذا ستره.
ومنها قوله عليه السلام: «ولا غمة في فرائض الله» أي لا تستر، ولكن يجاهر بها، يعني: ولا يكن قصدكم إلى إهلاكي مستوراً عليكم ولكن مكشوفاً مشهوراً تجاهرونني به ﴿ ثُمَّ اقضوا إِلَىَّ ﴾ ذلك الأمر الذي تريدون بي، أي: أدّوا إليَّ قطعه وتصحيحه، كقوله تعالى: ﴿ وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الأمر ﴾ [الحجر: 66] أو أدّوا إليّ ما هو حق عليكم عندكم من هلاكي كما يقضي الرجل غريمه ﴿ وَلاَ تُنظِرُونَ ﴾ ولا تمهلوني.
قرئ: ﴿ ثم افضوا إليّ ﴾ بالفاء بمعنى: ثم انتهوا إليّ بشرّكم.
وقيل: هو من أفضى الرجل إذا خرج إلى الفضاء، أي أصحروا به إليَّ وأبرزوه لي ﴿ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ ﴾ فإن أعرضتم عن تذكيري ونصيحتي ﴿ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ ﴾ فما كان عندي ما ينفركم عني وتتهموني لأجله من طمع في أموالكم وطلب أجر على عظتكم ﴿ إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى الله ﴾ وهو الثواب الذي يثيبني به في الآخرة أي: ما نصحتكم إلاّ لوجه الله، لا لغرض من أغراض الدنيا ﴿ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المسلمين ﴾ الذين لا يأخذون على تعليم الدين شيئاً ولا يطلبون به دنيا، يريد: أن ذلك مقتضى الإسلام، والذي كل مسلم مأمور به.
والمراد أن يجعل الحجّة لازمة لهم ويبرئ ساحته، فذكر أن توليهم لم يكن عن تفريط منه في سوق الأمر معهم على الطريق الذي يجب أن يساق عليه، وإنما ذلك لعنادهم وتمرّدهم لا غير ﴿ فَكَذَّبُوهُ ﴾ فتموا على تكذيبه، وكان تكذيبهم له في آخر المدّة المتطاولة كتكذيبهم في أوّلها، وذلك عند مشارفة الهلاك بالطوفان ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ ﴾ يخلفون الهالكين بالغرق ﴿ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المنذرين ﴾ تعظيم لما جرى عليهم، وتحذير لمن أنذرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مثله، وتسلية له.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ أعْرَضْتُمْ عَنْ تَذْكِيرِي.
﴿ فَما سَألْتُكم مِن أجْرٍ ﴾ يُوجِبُ تَوَلِّيَكم لِثِقَلِهِ عَلَيْكم واتِّهامِكم إيّايَ لِأجْلِهِ، أوْ يَفُوتُنِي لِتَوَلِّيكم.
﴿ إنْ أجْرِيَ ﴾ ما ثَوابِي عَلى الدَّعْوَةِ والتَّذْكِيرِ.
﴿ إلا عَلى اللَّهِ ﴾ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِكم يُثِيبُنِي بِهِ آمَنتُمْ أوْ تَوَلَّيْتُمْ.
﴿ وَأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ ﴾ المُنْقادِينَ لِحُكْمِهِ لا أُخالِفُ أمْرَهُ ولا أرْجُو غَيْرَهُ.
﴿ فَكَذَّبُوهُ ﴾ فَأصَرُّوا عَلى تَكْذِيبِهِ بَعْدَ ما ألْزَمَهُمُ الحُجَّةَ وبَيَّنَ أنَّ تُوَلِّيَهم لَيْسَ إلّا لِعِنادِهِمْ وتَمَرُّدِهِمْ لا جَرَمَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذابِ.
﴿ فَنَجَّيْناهُ ﴾ مِنَ الغَرَقِ.
﴿ وَمَن مَعَهُ في الفُلْكِ ﴾ وكانُوا ثَمانِينَ.
﴿ وَجَعَلْناهم خَلائِفَ ﴾ مِنَ الهالِكِينَ بِهِ.
﴿ وَأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ﴾ بِالطُّوفانِ.
﴿ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ ﴾ تَعْظِيمٌ لِما جَرى عَلَيْهِمْ وتَحْذِيرٌ لِمَن كَذَّبَ الرَّسُولَ وتَسْلِيَةٌ لَهُ.
<div class="verse-tafsir"
{فإن توليتم} فإن أعرضتم عن تذكيرى
يونس (٧٢ _ ٧٧)
ونصحي {فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ} فأوجب التولي أو فما سألتكم من أجر ففاتني ذلك بتوليكم {إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى الله} وهو الثواب الذى بثيبنى به في الآخرة أي ما نصحتكم إلا لله لا لغرض من أغراض الدنيا وفيه دلالة منع أخذ الأجر على تعليم القرآن والعلم الديني {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المسلمين} من المستسلمين لأوامره ونواهيه إن أجري بالفتح مدني وشامي وأبو عمرو وحفص
﴿ فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ أيْ بَقِيتُمْ عَلى إعْراضِكم عَنْ تَذْكِيرِي أوْ أحْدَثْتُمْ إعْراضًا مَخْصُوصًا عَنْ ذَلِكَ بَعْدَ وُقُوفِكم عَلى أمْرِي ومُشاهَدَتِكم مِنِّي ما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِي ﴿ فَما سَألْتُكُمْ ﴾ بِمُقابَلَةِ تَذْكِيرِي ووَعْظِي ﴿ مِن أجْرٍ ﴾ تُؤَدُّونَهُ إلَيَّ حَتّى يُؤَدّى ذَلِكَ إلَيْكم إلى تَوَلِّيكم إمّا لِاتِّهامِكم إيّايَ بِالطَّمَعِ أوْ لِثِقَلِ دَفْعِ المَسْؤُولِ عَلَيْكُمُ أوْ حَتّى يَضُرَّنِي تَوَلِّيكُمُ المُؤَدِّي إلى الحِرْمانِ فالأوَّلُ لِإظْهارِ بُطْلانِ التَّوَلِّي بِبَيانِ عَدَمِ ما يُصَحِّحُهُ والثّانِي لِإظْهارِ عَدَمِ مُبالاتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِوُجُودِهِ وعَدَمِهِ وعَلى التَّقْدِيرِ فالفاءُ الأُولى لِتَرَتُّبِ هَذا الشَّرْطِ عَلى الجَزاءِ قَبْلَهُ والفاءُ الثّانِيَةُ لِسَبَبِيَّةِ الشَّرْطِ لِلْإعْلامِ بِمَضْمُونِ الجَزاءِ بَعْدَهُ كَما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أيْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ فاعْلَمُوا أنْ لَيْسَ في مُصَحِّحٍ لَهُ أوَّلًا تَأثَّرَ مِنهُ عَلى حَدِّ ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ أُقِيمَ ما ذُكِرَ وهو عِلَّتُهُ مَقامَهُ أيْ فَلا باعِثَ لَكم عَلى التَّوَلِّي ولا مُوجِبَ لَهُ أوْ فَلا ضَيْرَ عَلَيَّ بِذَلِكَ، وكَلامُ البَعْضِ مُشْعِرٌ بِأنَّهُ مَعَ اعْتِبارِ الحَذْفِ والإقامَةِ المَذْكُورَيْنِ يَجِيءُ حَدِيثُ اعْتِبارِ سَبَبِيَّةِ الشَّرْطِ لِلْإعْلامِ وهو الَّذِي يَمِيلُ إلَيْهِ الذَّوْقُ و(مِن) زائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ أيْ فَما سَألَتْكُمُ أجْرًا وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى اللَّهِ ﴾ تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ عَلى المَعْنى الأوَّلِ وتَعْلِيلٌ لِاسْتِغْنائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى المَعْنى الثّانِي أيْ ما ثَوابِي عَلى العِظَةِ والتَّذْكِيرِ إلّا عَلَيْهِ تَعالى يُثِيبُنِي بِذَلِكَ آمَنتُمُ أوْ تَوَلَّيْتُمْ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ 72﴾ تَذْيِيلٌ عَلى ما قِيلَ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مُقَرِّرٌ لَهُ والمَعْنى وأُمِرْتُ بِأنْ أكُونَ مُنْتَظِمًا في عِدادِ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ لا يَأْخُذُونَ عَلى تَعْلِيمِ الدِّينِ شَيْئًا ولا يَطْلُبُونَ بِهِ دُنْيا، وفِيهِ حَمْلُ الإسْلامِ عَلى ما يُساوِقُ الإيمانَ واعْتِبارِ التَّقْيِيدِ، وعَدَلَ عَنْهُ بَعْضُهم لِما فِيهِ مِن نَوْعِ تَكَلُّفٍ فَحَمَلَ الإسْلامَ عَلى الِاسْتِسْلامِ والِانْقِيادِ ولَمْ يُقَيِّدْ، أيْ وأُمِرْتُ بِأنْ أكُونَ مِن جُمْلَةِ المُنْقادِينَ لِحُكْمِهِ تَعالى لا أُخالِفُ أمْرَهُ ولا أرَجُو غَيْرَهُ، وفِيهِ عَلى هَذا المَعْنى أيْضًا مِن تَأْكِيدِ ما تَقَدَّمَ وتَقْرِيرِ مَضْمُونِهِ ما لا يَخْفى ولا يَظْهَرُ أمْرُ التَّأْكِيدِ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المَعْنى مِنَ المُسْتَسْلِمِينَ لِكُلِّ ما يُصِيبُ مِنَ البَلاءِ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى ظُهُورُهُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ السّابِقَيْنِ، وبِالجُمْلَةِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يُقَصِّرْ في إرْشادِهِمْ بِهَذا الكَلامِ وبَلَغَ الغايَةَ القُصْوى فِيهِ.
وذَكَرَ بَعْضُهم وجْهَ نَظْمِهِ عَلى هَذا الأُسْلُوبِ عَلى بَعْضِ الأوْجُهِ المُحْتَمَلَةِ فَقالَ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ في أوَّلِ الأمْرِ: ﴿ فَعَلى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ ﴾ فَبَيَّنَ وُثُوقَهُ بِرَبِّهِ سُبْحانَهُ أيْ إنِّي وثَقْتُ بِهِ فَلا تَظُنُّوا بِي أنَّ تَهْدِيدَكم إيّايَ بِالقَتْلِ والإيذاءِ يَمْنَعُنِي مِنَ الدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى ثُمَّ أوْرَدَ عَلَيْهِمْ ما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ دَعْواهُ فَقالَ: ﴿ فَأجْمِعُوا أمْرَكُمْ ﴾ كَأنَّهُ يَقُولُ: أجْمِعُوا كُلَّ ما تَقْدِرُونَ عَلَيْهِ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي تُوجِبُ حُصُولَ مَطْلُوبِكم ثُمَّ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى ذَلِكَ بَلْ أمَرَهُمُ أنْ يُضِيفُوا إلى أنْفُسِهِمْ شُرَكاءَهُمُ الَّذِينَ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ حالَهم يَقْوى بِمَكانِهِمْ وبِالتَّقَرُّبِ إلَيْهِمْ ثُمَّ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى هَذَيْنَ بَلْ ضَمَّ إلَيْهِما ثالِثًا وهو قَوْلُهُ: ﴿ ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم غُمَّةً ﴾ فَأرادَ أنْ يَسْعَوْا في أمْرِهِ غايَةَ السَّعْيِ ويُبالِغُوا فِيهِ غايَةَ المُبالَغَةِ حَتّى يَطِيبَ عَيْشُهم ثُمَّ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى ذَلِكَ حَتّى ضَمَّ إلَيْهِ رابِعًا فَقالَ: ﴿ ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ ﴾ آمِرًا لَهم بِأداءِ ذَلِكَ كُلِّهِ إلَيْهِ ثُمَّ ضَمَّ إلى ذَلِكَ خامِسًا ﴿ ولا تُنْظِرُونِ ﴾ فَنَهاهم عَنِ الإمْهالِ وفي ذَلِكَ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ بَلَغَ الغايَةَ في التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وأنَّهُ كانَ قاطِعًا بِأنَّ كَيْدَهم لا يَضُرُّهُ ولا يَصِلُ إلَيْهِ وأنَّ مَكْرَهم لا يَنْفُذُ فِيهِ ما هو أظْهَرُ مِنَ الشَّمْسِ وأبْيَنُ مِن أمْسِ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أرادَ أنْ يَجْعَلَ الحُجَّةَ لازِمَةً عَلَيْهِمْ ويُبَرِّئَ ساحَتَهُ فَنَفى سُؤالَهُ إيّاهم شَيْئًا مِنَ الأجْرِ وأكَّدَ ذَلِكَ بِأنَّ أجْرَهُ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ لا عَلى غَيْرِهِ مُشِيرًا إلى مَزِيدِ كَرْمِهِ جَلَّ جَلالُهُ وأنَّهُ يُثِيبُهُ عَلى فِعْلِهِ سَألَهُ أوْ لَمْ يَسْألْهُ ولِذا لَمْ يَقُلْ إنَّ سُؤالِي الأجْرَ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ بِذَلِكَ حَتّى ضَمَّ إلَيْهِ أنَّهُ مَأْمُورٌ بِما يَنْدَرِجُ فِيهِ عَدَمُ سُؤالِهِمْ والِالتِفاتُ إلى ما عِنْدَهم وأنْ يَتَّصِفَ بِهِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ لِأنَّ ﴿ مِنَ المُسْلِمِينَ ﴾ أبْلَغُ مِن مُسْلِمًا كَما تَحَقَّقَ في مَحَلِّهِ وفي ذَلِكَ قَطْعُ ما عَسى أنْ يَحُولَ بَيْنَهم وبَيْنَ إجابَةِ دَعَوْتِهِ والِاتِّعاظِ بِعِظَتِهِ إلّا أنَّ القَوْمَ قَدْ بَلَغُوا الغايَةَ في العِنادِ والتَّمَرُّدِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ فإن لم تعتبروا بذلك، فاتْلُ عليهم، يعني: اقرأ عليهم خبر نوح في القرآن، إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ يعني: عظم وثَقُلَ عليكم مَقامِي يعني: طول مقامي فيكم وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ يعني: وعظي لكم بالله تعالى، وهو ما قال الله تعالى في سورة نوح: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً [نوح: 10] إلى قوله: الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً [الملك: 3] الآية.
فلمَّا وعظهم بذلك أرادوا قتله، حين قَالُواْ: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ [الشعراء: 26] يعني: من المقتولين بالحجارة.
فقال لهم نوح: إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي فيكم وعظتي لكم فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ يقول: وثقت وفوَّضت أمري إلى الله تعالى، فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ يعني: كيدكم.
ويقال: قولكم، وعملكم وَشُرَكاءَكُمْ يعني: وادعوا شركاءكم ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً يقول: أظهروا أمركم فلا تكتموه، يعني: القتل.
وقال القتبِيُّ: الغمّ والغمّة واحد كما يقال: كُرْبَةٌ وكرب، يعني: لا يكون أمركم غمّاً عليكم ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ يعني: امضوا إليّ ويقال: اعملوا ما تريدون كقوله تعالى فَاقْضِ مَآ أَنْتَ قاضٍ [طه: 72] وَلا تُنْظِرُونِ يعني: ولا تمهلون.
يعني: اقضوا إليّ ما أنتم قاضون، واستعينوا بآلهتكم.
ويقال: اعملوا بما في أنفسكم من الشَّرِّ.
وروي عن نافع أنه قرأ: فَأَجْمِعُوا بالوصل وبالجزم، مِنْ جمعت.
وقرأ الباقون: فَأَجْمِعُوا بالقطع من الإجماع.
وقرأ الحسن البصريُّ، ويعقوب الحضرميّ: شركاؤكم بالرفع يعني: أين شركاؤكم ليجمعوا أمرهم معكم، ويعينوكم؟
فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ يعني: أعرضتم وأبيتم عن الإيمان، وأبيتم أن تقبلوا ما أتيتكم به، ونهيتكم عنه، فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ يعني: ما سألتكم بذلك أجراً في الدُّنيا ومعناه: إن أعرضتم عن الإيمان لا يضرُّني لأنِّي لا أطلب منكم بذلك أجرا في الدنيا، إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يعني: وأُمرتُ أن أستقيم على التَّوحيد مع المسلمين.
قوله تعالى: فَكَذَّبُوهُ بالعذاب، بأنَّه غير نازلٍ بهم فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ من الغرق، وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ يعني: خلفاء من بعد هلاكِ كفّارهم، وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعني: أهلكنا الذين كذَّبوا نوحاً بما أتاهم به فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ يعني: كيف كان آخر أمرِ مَنْ أنذرهم الرُّسلُ فلم يؤمنوا.
<div class="verse-tafsir"
بعدُ تعمُّ كلَّ من قال نحو هذا القول كالنّصارى، وسُبْحانَهُ معناه: «تنزيهاً له، وبراءةً من ذلك» فسَّره بهذا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
وقوله: إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا «إِنْ» نافيةٌ، والسلطانُ: الحُجَّة، وكذلك معناه حيث تكرَّر في القرآن، ثم وبَّخهم تعالى بقوله: أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ.
وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ ...
الآية: توعُّد لهم بأنهم لا يظفرون ببُغْيَة، ولا يَبْقَوْن في نعمة، إِذ هذه حالُ مَنْ يصير إِلى العذاب، وإن نعّم في دنياه يسيرا.
وقوله تعالى: مَتاعٌ مرفوعٌ على خبر ابتداء أي: ذلك متاعٌ.
قال ص: مَتاعٌ جوابُ سؤالٍ مقدَّر، كأنه قيل: كيف لا يُفْلِحون، وهُمْ في الدنيا مفلحون بأنواعِ التلذُّذات؟!
فقيل: ذَلِكَ مَتَاعٌ، فهو خبر مبتدإٍ محذوف.
انتهى، وهذا الذي قدَّره ص: يُفْهَمُ من كلام ع «١» .
وقول نوح عليه السلام: يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي ...
الآية: المَقَامُ:
وقوف الرجل لكلامٍ أو خُطْبَةٍ أَو نحوه، والمُقَام- بضم الميم-: إِقامته ساكناً في موضعٍ أو بلدٍ، ولم يقرأ هنا بضَمِّ الميم فيما علمتُ، وتذكيره: وعظُه وزَجْره، وقوله: فَأَجْمِعُوا:
من أَجْمَعَ الرَّجُلُ عَلَى الشَّيْءِ، إِذا عزم عليه ومنه الحديثُ: ما لم يجمعْ مكثاً، وأَمْرَكُمْ: يريد به: قُدْرَتكُم وحِيَلكُمْ، ونصب «الشركاء» بفعل مضمر كأنه قال: وادعوا شَركَاءَكُمْ فهو مِنْ باب: [الرجز]
عَلَفْتُهَا تِبْناً وَمَاءً بَارِدَا ...
حَتَّى شتت همّالة عيناها «٢»
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ أيْ: أعْرَضْتُمْ عَنِ الإيمانِ.
" فَما سَألْتُكم مِن أجْرٍ " أيْ: لَمْ يَكُنْ دُعائِي إيّاكم طَمَعًا في أمْوالِكم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ أجْرِيَ ﴾ حَرَّكَ هَذِهِ الياءَ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وأسْكَنَها الباقُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلْناهم خَلائِفَ ﴾ أيْ: جَعَلَنا الَّذِينَ نَجَوْا مَعَ نُوحٍ خَلَفًا مِمَّنْ هَلَكَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَألْتُكم مِن أجْرٍ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى اللهِ وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِن المُسْلِمِينَ ﴾ ﴿ فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ وجَعَلْناهم خَلائِفَ وأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُنْذَرِينَ ﴾ المَعْنى: فَإنْ لَمْ تُقْبِلُوا عَلى دَعْوَتِي وكَفَرْتُمْ بِها وتَوَلَّيْتُمْ عنها، والتَوَلِّي أصْلُهُ بِالبَدَنِ، ويُسْتَعْمَلُ في الإعْراضِ عَنِ المَعانِي، يَقُولُ: فَأنا لَمْ أسْألُكم أجْرًا عَلى ذَلِكَ ولا مالًا فَيَقَعُ مِنكم قَطْعٌ لِي وتَقْصِيرٌ بِإرادَتِي وإنَّما أجْرِي عَلى الَّذِي بَعَثَنِي.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُ-: "أجْرِي" بِسُكُونِ الياءِ، وقَرَأ: "أجْرِيَ" بِفَتْحِ الياءِ الأعْرَجُ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وعِيسى، وأبُو عَمْرٍو.
وقالَ أبُو حاتِمٍ: هُما لُغَتانِ، والقِراءَةُ بِالإسْكانِ في كُلِّ القُرْآنِ، ثُمَّ أخْبَرَهم أنَّ اللهَ أمَرَهُ بِالإسْلامِ والدِينِ الحَنِيفِ الَّذِي هو تَوْحِيدُ اللهِ والعَمَلُ بِطاعَتِهِ والإعْدادُ لِلِقائِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكَذَّبُوهُ ﴾ الآيَةُ، إخْبارٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ عن حالِ قَوْمِ نُوحٍ المُكَذِّبِينَ لَهُ، وفي ضِمْنِ ذَلِكَ الإخْبارِ تَوَعُّدٌ لِلْكُفّارِ بِمُحَمَّدٍ وضَرْبُ المِثالِ لَهُمْ، أيْ: أنْتُمْ بِحالِ هَؤُلاءِ مِنَ التَكْذِيبِ فَسَتَكُونُونَ بِحالِهِمْ مِنَ النِقْمَةِ والتَعْذِيبِ، و"الفُلْكِ": السَفِينَةُ، والمُفَسِّرُونَ وأهَّلُ الآثارِ مُجْمِعُونَ عَلى أنَّ سَفِينَةَ نُوحٍ كانَتْ واحِدَةً، والفُلْكُ لَفْظُ الواحِدِ مِنهُ ولَفْظُ الجَمْعِ مُسْتَوٍ، ولَيْسَ بِهِ، وقَدْ مَضى شَرْحُ هَذا في "الأعْرافِ"، و"خَلائِفَ" حَمْعُ خَلِيفَةٍ، وقَوْلُهُ: "فانْظُرْ" مُخاطَبَةُ لِلنَّبِيِّ يُشارِكُهُ في مَعْناها جَمِيعُ الخَلْقِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ أغْرَقَ جَمِيعَ مَن كَذَّبَ بِآياتِ اللهِ الَّتِي جاءَ بِها نُوحٌ عَلَيْهِ السَلامُ، وهي مُقْتَضِيَةٌ أيْضًا أنَّهُ أنْذَرَهم فَكانُوا مُنْذَرِينَ، فَلَوْ كانُوا جَمِيعَ أهْلِ الأرْضِ كَما قالَ بَعْضُ الناسِ لاسْتَوى نُوحٌ ومُحَمَّدٌ عَلَيْهِما الصَلاةُ والسَلامُ في البَعْثِ إلى أهْلِ الأرْضِ، ويَرُدُّ ذَلِكَ قَوْلُ النَبِيِّ : « "أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أحَدٌ قَبْلِي"» الحَدِيثُ.
ويَتَرَجَّحُ بِهَذا النَظَرِ أنَّ بَعْثَةَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ والغَرَقَ إنَّما كانَ في أهْلِ صُقْعٍ لا في أهْلِ جَمِيعِ الأرْضِ.
<div class="verse-tafsir"
لتفريع الكلام على الكلام فجملة الشرط وجوابه مفرعتان على الجملتين السابقتين، ولما كان توليهم عن دعوته قد وقع واستمر تعين أن جعل التولي في جملة الشرط مرادٌ به ما كان حصل ليرتب عليه جواب الشرط الذي هو شيء قد وقع أيضاً.
وإنما قُصد إقرارهم به قطعاً لتعللاتهم واستقصاء لقطع معاذيرهم.
والمعنى: فإن كنتم قد توليتم فقد علمتُم أني ما سألتكم أجراً فتتهموني برغبة في نفع ينجر لي من دعوتكم حتى تعرضوا عنها شُحَّا بأموالكم أو اتهاماً بتكذيبي، وهذا إلزام لهم بأن توليهم لم يكن فيه احتمال تهمتهم إياه بتطلب نفع لنفسه.
وبذلك برّأ نفسه من أن يكون سبباً لتولّيهم، وبهذا تعين أن المعلق بهذا الشرط هو التحقق بين مضمون جملة الشرط وجملة الجزاء لا وقوعُ جملة الجزاء عند وقوع جملة الشرط.
وذلك مثل قوله تعالى: ﴿ إن كنت قلته فقد علِمتَه ﴾ في آخر سورة [العقود: 116].
وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ وإنْ كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به، وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا ﴾ في سورة [الأعراف: 87].
وجملة: إن أجري إلا على الله } تعميم لنفي تطلبه أجراً على دعوتهم سواء منهم أم من غيرهم، فالقصر حقيقي وبه يحصل تأكيد جملة: ﴿ فما سألتكم من أجر ﴾ مع زيادة التعميم.
وطريقُ جزمه بأن الله يؤجره على ذلك هو وعد الله إياه به بما أوحى إليه.
وأتى بحرف (على) المفيد لكونه حقاً له عند الله بناء على وعد الله إيَّاه وأعلمه بأن الله لا يخلف وعده، فصار بالوعد حقاً على الله التزم الله به.
والأجر: العوض الذي يعطى لأجل عمل يعمله آخذ العوض.
وجملة: ﴿ وأمرت أن أكون من المسلمين ﴾ معطوفة على جملة الجواب، والتقدير فإن توليتم فأمرت أن أكون من المسلمين، أي أمرني الله أن أتبع الدين الحق ولو كنت وحدي.
وهذا تأييس لهم بأن إجماعهم على التولي عنه لا يفل حده ولا يصده عن مخالفة دينهم الضلال.
وبُني فعل ﴿ أمرت ﴾ للمجهول في اللفظ للعلم به، إذ من المعلوم من سياق الكلام أنّ الذي أمره هو الله تعالى.
وقوله: ﴿ أن أكون من المسلمين ﴾ أي من الفئة التي يصدق عليها هذا الوصف وهو الإسلام، أي توحيد الله دون عبادة شريك، لأنه مشتق من إسلام العبادة وتخليصها لله تعالى دون غيره.
كما في قوله تعالى: ﴿ فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعنِ ﴾ [آل عمران: 20].
وقد سمي التوحيد ودين الحق الخالص إسلاماً في مختلف العصور وسمَّى الله به سُنن الرسل فحكاه عن نوح عليه السلام هنا وعن إبراهيم بقوله تعالى: ﴿ إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ﴾ [البقرة: 131]، وعن إسماعيل ﴿ ربنا واجعلنا مُسْلِمَين لك ﴾ [البقرة: 128]، ويعقوب وبنيه إذ حكى عنهم ﴿ ونحن له مسلمون ﴾ [البقرة: 133]، وعن يوسف ﴿ توفني مسلماً ﴾ [يوسف: 101]، وعن موسى ﴿ وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين ﴾ [يونس: 8]، وعن سليمان ﴿ أن لا تعلوا علي واتوني مسلمين ﴾ [النمل: 31]، وعن عيسى والحواريين ﴿ قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون ﴾ [المائدة: 111].
وقد تقدم بيان ذلك مفصلاً عند قوله تعالى: ﴿ ربنا واجعلنا مسلمين لك ﴾ في سورة [البقرة: 128].
وقوله: ﴿ أن أكون من المسلمين ﴾ أقوى في الدلالة على الاتصاف بالإسلام من: أن أكون مسلماً، كما تقدم عند قوله تعالى: ﴿ واركعوا مع الراكعين ﴾ في سورة [البقرة: 43]، وعند قوله: ﴿ يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ﴾ في سورة [براءة: 119].
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَأجْمِعُوا أمْرَكم وشُرَكاءَكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فاجْمَعُوا أمْرَكم وادْعُوا شُرَكاءَكم لِنُصْرَتِكم، قالَهُ الفَرّاءُ.
الثّانِي: فاجْمَعُوا أمْرَكم مَعَ شُرَكائِكم عَلى تَناصُرِكم، قالَهُ الزَّجّاجُ.
وَفي هَذا الإجْماعِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الإعْدادُ.
الثّانِي: أنَّهُ العَزْمُ.
﴿ ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم غُمَّةً ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الغُمَّةَ ضِيقُ الأمْرِ الَّذِي يُوجِبُ الغَمَّ.
الثّانِي: أنَّهُ المُغَطّى، مِن قَوْلِهِمْ: قَدْ غُمَّ الهِلالُ إذا اسْتُتِرَ.
وَفي المُرادِ بِالأمْرِ ها هُنا وجْهانِ: أحَدُهُما: مَن يَدْعُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى.
الثّانِي: ما هم عَلَيْهِ مِن عَزْمٍ.
﴿ ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: ثُمَّ انْهَضُوا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ ما أنْتُمْ قاضُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: اقْضُوا إلَيَّ ما في أنْفُسِكم، قالَهُ مُجاهِدٌ.
﴿ وَلا تُنْظِرُونِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ولا تُؤَخِّرُونِي.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ يَعْنِي عَنِ الإيمانِ.
﴿ فَما سَألْتُكم مِن أجْرٍ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: فَما سَألْتُكم مِن أجْرٍ تَسْتَثْقِلُونَهُ فَتَمْتَنِعُونَ مِنَ الإجابَةِ لِأجْلِهِ، ﴿ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى اللَّهِ ﴾ والثّانِي: فَما سَألْتُكم مِن أجْرٍ إنِ انْقَطَعَ عَنِّي ثَقُلَ عَلَيَّ.
﴿ إنْ أجْرِيَ إلا عَلى اللَّهِ ﴾ وقَدْ حَصَلَ بِالدُّعاءِ لَكم إنْ أجَبْتُمْ أوْ أبَيْتُمْ.
﴿ وَأُمِرْتُ أنْ أكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ ﴾ أيْ مِنَ المُسْتَسْلِمِينَ لِأمْرِ اللَّهِ بِطاعَتِهِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَنَجَّيْناهُ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ ﴾ قالَ ابْنْ عَبّاسٍ: كانَ في سَفِينَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ثَمانُونَ رَجُلًا أحَدُهم جِرْهَمْ وكانَ لِسانُهُ عَرَبِيًّا، وحَمَلَ فِيها مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ فَكانَ أوَّلُ ما حَمَلَ الذَّرَّةَ وآخِرُ ما حَمَلَ الحَمّالُ ودَخَلَ مَعَهُ إبْلِيسُ يَتَعَلَّقُ بِذَنَبِهِ.
﴿ وَجَعَلْناهم خَلائِفَ ﴾ أيْ خَلَفًا لِمَن هَلَكَ بِالغَرَقِ.
﴿ وَأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ﴾ حَكى أبُو زُهَيْرٍ أنَّ قَوْمَ نُوحٍ عاشُوا في الطُّوفانِ أرْبَعِينَ يَوْمًا.
وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ أنَّ الماءَ بَقِيَ بَعْدَ الغَرَقِ مِائَةً وخَمْسِينَ يَوْمًا، فَكانَ بَيْنَ أنْ أرْسَلَ اللَّهُ الطُّوفانَ إلى أنْ غاضَ الماءُ سِتَّةُ أشْهُرٍ وعَشَرَةُ أيّامٍ وذَلِكَ مِائَةٌ وتِسْعُونَ يَوْمًا.
قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ لَمّا مَضَتْ عَلى نُوحٍ أرْبَعُونَ لَيْلَةً فَتَحَ كُوَّةَ السَّفِينَةِ ثُمَّ أرْسَلَ مِنها الغُرابَ لِيَنْظُرَ ما فَعَلَ الماءُ فَلَمْ يَعُدْ، فَأرْسَلَ الحَمامَةَ فَرَجَعَتْ إلَيْهِ ولَمْ تَجِدْ لِرِجْلِها مَوْضِعًا، ثُمَّ أرْسَلَها بَعْدَ سَبْعَةِ أيّامٍ فَرَجَعَتْ حَيْثُ أمْسَتْ وفي فِيها ورَقَةُ زَيْتُونَةٍ فَعَلِمَ أنَّ الماءَ قَدْ قَلَّ عَلى الأرْضِ، ثُمَّ أرْسَلَها بَعْدَ سَبْعَةِ أيّامٍ فَلَمْ تَعُدْ فَعَلِمَ أنَّ الأرْضَ قَدْ بَرَزَتْ، وكانَ اسْتِواءُ السَّفِينَةِ عَلى الجُودِيِّ لِسَبْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً مِنَ الشَّهْرِ السّابِعِ فِيما ذُكِرَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن الأعرج رضي الله عنه في قوله: ﴿ فأجمعوا أمركم وشركاءكم ﴾ يقول: فاحكموا أمركم، وادعوا شركاءكم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه ﴿ فأجمعوا أمركم وشركاءكم ﴾ أي فلتجمعوا أمرهم معكم.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ﴾ قال: لا يكبر عليكم أمركم، ثم اقضوا ما أنتم قاضون.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله: ﴿ ثم اقضوا إليَّ ﴾ قال: انهضوا إليَّ ﴿ ولا تنظرون ﴾ يقول: ولا تؤخرون.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد ﴿ ثم اقضوا إليَّ ﴾ قال: ما في أنفسكم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد: عن الإسلام وعن عبادة الله، ﴿ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ ﴾ ، قال: يريد: من مال تعطونيه (١) قال أهل المعاني: هذا بيان عن إخلاص الدعاء إلى الله جل وعز من ترك الأجر لتتوفر الدواعي إلى الحق، وذلك أن الناصح إذا طلب على نصحه أجرًا ربما كان ذلك سببًا لامتناع الناس عن القبول منه، والإقبال عليه، وإذا لم يطلب الأجر كان ذلك أدعى إلى قبول قوله (٢) (١) رواه بنحوه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 217.
(٢) لم أقف عليه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ متاع فِي الدنيا ﴾ تقديره: لهم متاع في الدنيا ﴿ نُوحٍ ﴾ روي أن اسمه عبد الغفار، وإنما سمي نوحاً لكثرة نوحه على نفسه من خوف الله ﴿ كَبُرَ عَلَيْكُمْ ﴾ أي صعب وشق ﴿ مَّقَامِي ﴾ أي قيامي لوعظكم والكلام معكم، وقيل: معناه مكاني يعني نفسه، كقولك: فعلت ذلك لمكان فلان ﴿ فأجمعوا ﴾ بقطع الهمزة من أجمع الأمر إذا عزم عليه، وقرئ بألف وصل من الجمع ﴿ وَشُرَكَآءَكُمْ ﴾ أي ما تعبدون من دون الله، وإعرابه: مفعول معه، أو مفعول بفعل مضمر تقديره: ادعو شركاءكم، وهذا على القراءة بقطع الهمزة، وأما على الوصل فهو معطوف ﴿ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ﴾ أي لا يكون قصدكم إلى هلاكي مستوراً ولكن مكشوفاً تجاهرونني به وهو من قولك: غم الهلال إذا لم يظهر، والمراد بقوله: أمركم في الموضعين إهلاككم لنوح عليه السلام، أي: لا تقصروا في إهلاكي إن قدرتم على ذلك ﴿ ثُمَّ اقضوا إِلَيَّ ﴾ أي انفذوا فيما تريدون، ومعنى الآية أن نوحاً عليه السلام قال لقومه: إن صعب عليكم دعائي لكم إلى الله فاصنعوا بي غاية ما تريدون، وإني لا أبالي بكم لتوكلي على الله وثقتي به سبحانه ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ خلائف ﴾ أي يخلفون من هلك بالغرق.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ وشركاؤكم ﴾ بالرفع: يعقوب ﴿ إن أجري ﴾ بفتح الياء حيث كان: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص ﴿ ويكون لكما ﴾ بياء الغيبة: حماد ويزيد وزيد.
الباقون بتاء التأنيث ﴿ آلسحر ﴾ بالمد: يزيد وأبو عمرو ﴿ أن تبويا ﴾ بالياء: الخراز وحمزة في الوقف وإن شاء لين الهمزة.
الآخرون بالهمز.
﴿ ليضلوا ﴾ بضم الياء: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل ﴿ ولا تتبعان ﴾ بتخفيف النون: ابن عامر غير الحلواني عن هشام.
﴿ تتبعان ﴾ خفيفة التاء والنون: ابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان، وفي كلتا القراءتين خففت النون ثم كسرت لالتقاء الساكنين تشبيهاً بنون التثينة.
الباقون والحلواني عن هشام ﴿ تتبعان ﴾ بتشديدها في الحالين ﴿ منت أنه ﴾ بكسر الهمزة على الاستئناف بدلاً من ﴿ آمنت ﴾ : حمزة وعلي وخلف.
الآخرون بالفتح.
﴿ ننجيك ﴾ من الإنجاء: سهل ويعقوب وقتيبة.
والآخرون بالتشديد.
الوقوف: ﴿ نبأ نوح ﴾ م لئلا يوهم أن "إذ" ظرف لقوله: ﴿ اتل ﴾ بل التقدير: واذكر إذ قال.
﴿ ولا تنظرون ﴾ ه ﴿ من أجر ﴾ ط ﴿ على الله ﴾ ج لأن التقدير وقد أمرت ﴿ من المسلمين ﴾ ه ﴿ بآياتنا ﴾ ج للفاء ولأن أمر النظر للعبرة يقتضي التثبيت للتدبر ﴿ المنذرين ﴾ ه ﴿ من قبل ﴾ ط ﴿ المعتدين ﴾ ه ﴿ مجرمين ﴾ ه ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ لما جاءكم ﴾ ط بناء على أن التقدير أتقولون للحق لما جاءكم هو سحر والاستفهام في قوله: ﴿ أسحر ﴾ يستحق الابتداء وسيجيء له مزيد بيان ﴿ هذا ﴾ ط للفصل بين الأخبار والاستخبار ﴿ الساحرون ﴾ ه ﴿ في الأرض ﴾ ط ﴿ بمؤمنين ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ ملقون ﴾ ه ﴿ ما جئتم به ﴾ ط لمن قرأ ﴿ آلسحر ﴾ مستفهماً ﴿ السحر ﴾ ط ﴿ سيبطله ﴾ ط ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ المجرمون ﴾ ه ﴿ أن يفتنهم ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ ج لاتصال الكلام ﴿ المسرفين ﴾ ه ﴿ مسلمين ﴾ ه ﴿ توكلنا ﴾ ج للعدول مع اتحاد القائل ﴿ الظالمين ﴾ ه لا للعطف.
﴿ الكافرين ﴾ ه ج ﴿ وأقيموا الصلاة ﴾ ط لأن قوله ﴿ وبشر ﴾ خطاب لمحمد وإن أريد به موسى فلا بد من العدول ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ الدنيا ﴾ لا لتعلق قوله: ﴿ ليضلوا ﴾ بقوله: ﴿ آتيت ﴾ و ﴿ وربنا ﴾ تكرار للأول لأجل التضرع.
﴿ عن سبيلك ﴾ ج لابتداء النداء مع اتحاد القائل ﴿ الأليم ﴾ ه ﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ وعدواً ﴾ ط ﴿ الغرق ﴾ لا لأن قال جواب "إذا" ﴿ المسلمين ﴾ ه ﴿ المفسدين ﴾ ه ﴿ آية ﴾ ط ﴿ لغافلون ﴾ ه.
التفسير: لما بالغ في تقرير الدلائل والبينات والجواب عن الشبهات شرع في قصص الأنبياء المتقدمين، لأن نقل الكلام من أسلوب إلى أسلوب أقرب إلى انشراح الصدور ودفع الملال مع أن في ذكرها تسلية للرسول وعبرة للمعتبر إلى غير ذلك من الفوائد التي سبق ذكرها في "الأعراف".
ومعنى كبر ثقل وشق كقوله: ﴿ وإنها لكبيرة ﴾ وفي مقامي وجوه منها: أنه زيادة كقولك: فعلت كذا لمكان فلان أي لأجله، وكقوله تعالى: ﴿ ولمن خاف مقام ربه ﴾ أي ربه ومثله قولهم: فلان ثقيل الظل.
ومنها أن يراد به المكث أي شق عليكم مكثي بين أظهركم مدداً طوالاً ألف سنة إلا خمسين عاماً، ولا شك أن من ألف طريقة ويدعى إلى خلافها ولا سيما إذا تكرر الدعاء كان ذلك موجباً للتنفر والثقل، وخاصة إذا كانت تلك الطريقة مقتضاة النفس والطبيعة الداعيتين إلى اللذات العاجلة.
ومنها أن يكون المقام بمعنى القيام لأنهم كانوا يقومون على أرجلهم في الوعظ والتذكير ليكون مكانهم بيناً وكلامهم مسموعاً كما يحكى عن عيسى أنه كان يعظ الحواريين قائماً وهم قعود.
وجواب الشرط إما قوله: ﴿ فعلى الله توكلت ﴾ أي إن شدة بغضكم لي تحملكم على الإقدام على إيذائي وأنا لا أقابل ذلك الشر بالتوكل على الله فإن ذلك هجيراي قديماً وحديثاً وإما قوله: ﴿ فأجمعوا ﴾ وقوله: ﴿ فعلى الله توكلت ﴾ اعتراض كقولك: إن كنت أنكرت عليّ شيئاً فالله حسبي فاعمل ما تريد.
ولا يحسن أن يقال: إن الفاء الثانية عاطفة للاختلاف طلباً وخبراً، ومعنى ﴿ فأجمعوا أمركم ﴾ اعزموا عليه من أجمع الأمر إذا نواه وعزم عليه قاله الفراء.
وقال أبو الهيثم: أجمع أمره أي جعله جميعاً بعدما كان متفرقاً وتفرقه أنه يقول مرة أفعل كذا ومرة أفعل كذا، فلما عزم على أمر واحد فقد جمعه أي جعله جميعاً.
فهذا هو الأصل في الإجماع ثم صار بمعنى العزم حتى وصل بـ "على" فقيل: أجمعت على الأمر أي عزمت عليه والفصيح أجمعت الأمر، والمراد بالأمر وجوه مكرهم وكيدهم.
وانتصب ﴿ شركاءكم ﴾ على المفعول معه أي مع شركائكم.
ومن قرأ بالرفع جعله عطفاً على الضمير المتصل، وإنما يحسن ذلك من غير تأكيد بالمنفصل للفصل.
والمراد بالشركاء إما من هم على مثل قولهم ودينهم، وإما الأصنام.
وحسن إسناد الإجماع إليهم على وجه التهكم كقوله: ﴿ قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون ﴾ واعلم أنه قال في أول الأمر ﴿ فعلى الله توكلت ﴾ ليدل على أنه واثق بوعد الله جازم بأن تهديدهم إياه بالقتل لا يضره، ثم أورد عليهم ما يدل على صحة دعواه فقال: ﴿ فأجمعوا أمركم ﴾ كأنه قال: حصلوا كل ما تقدرون عليه من الأسباب المؤدية الى مطلوبكم غير مقتصرين على ذلك بل ضامين إلى أنفسكم شركاءكم الذين تزعمون أن حالكم يقوى بمكانهم.
ثم ضم إلى ذلك قيداً آخر فقال: ﴿ ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ﴾ قال أبو الهيثم: أي مبهماً من قولهم غم علينا الهلال فهو مغموم أي التبس.
وقال الليث: لقي غمة من أمره إذا لم يهتد له.
وقال الزجاج: أي ليكن أمركم الذي أجمعتموه ظاهراً منكشفاً أي تجاهرونني بالإهلاك.
ويحتمل أن يراد بهذا الأمر العيش والحال أي أهلكوني لئلا يكون عيشكم بسببي غصة وحالكم عليكم غمة أي غماً وهماً والغم والغمة كالكرب والكربة.
ثم زاد قيداً آخر فقال: ﴿ ثم اقضوا إليّ ﴾ ذلك الأمر الذي تريدون بي أي أدوا إليّ قطعه واحكموا بصحته وإمضائه.
وعن القفال أن فيه تضميناً والمعنى ألقوا إليّ ما استقر عليه رأيكم محكماً مفروغاً منه.
ثم ختم الكلام بقوله: ﴿ ولا تنظرون ﴾ أي عجلوا ذلك بأشد ما تقدرون عليه من غير إهمال، ومعلوم أن مثل هذا الكلام لا يصدر إلا عمن بلغ في التوكل الغاية القصوى.
ثم بين أن كل ما أتى به فإن ذلك فارغ من الطمع الدنيوي والغرض الخسيس فقال: ﴿ فإن توليتم ﴾ أعرضتم عن نصحي وتذكيري ﴿ فما سألتكم من أجر ﴾ فما كان عندي ما ينفركم عني وتتهمونني لأجله من طمع أو غرض عاجل ﴿ إن أجري ﴾ ليس أجري ﴿ إلا على الله ﴾ أي ما نصحتكم إلا لوجهه ولا يثيبني إلا هو.
وفي الآية نكتة كأنه أراد أنه لا يخاف منهم بوجه من الوجوه لا بإيصال الشر وذلك قوله: ﴿ فعلى الله توكلت ﴾ إلى آخره.
ولا بانقطاع الخير منهم وذلك قوله: ﴿ فإن توليتم ﴾ الآية.
﴿ وأمرت أن أكون من المسلمين ﴾ أي سواء قبلتم دين الإسلام أو لم تقبلوه فأنا مأمور بأن أكون على دين الإسلام، أو مأمور بالاستسلام لكل ما ألقى من قبل هذه الدعوة.
﴿ فكذبوه ﴾ بقوا على تكذيبهم إلى آخر المدة المتطاولة.
﴿ فنجيناه ومن معه في الفلك ﴾ قد ذكرنا في "الأعراف" الفرق بين هذه العبارة وبين ما هنالك ﴿ وجعلناهم خلائف ﴾ يخلفون الهالكين بالطوفان ﴿ فانظر كيف كان عاقبة المنذرين ﴾ تعظيم لشأن إهلاكهم وتحذير لغيرهم وتسلية للنبي ﴿ ثم بعثنا من بعده ﴾ من بعد نوح ﴿ رسلاً ﴾ كهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب ﴿ فجاؤوهم بالبينات ﴾ بالحجج الواضحات والمعجزات الباهرات ﴿ فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل ﴾ الآية وقد مر تفسيرها في أواسط الأعراف إلا أنه زيد ههنا لفظة "به" فقيل: لتناسب ما قبله وهو ﴿ كذبوا بآياتنا ﴾ وكذلك في "الأعراف" راعى المناسبة لأن ما قبله ﴿ ولكن كذبوا ﴾ بغير الباء ﴿ ثم بعثنا من بعدهم ﴾ بعد الرسل أو الأمم ﴿ بآياتنا ﴾ يعني الآيات التسع ﴿ فاستكبروا ﴾ عن قبولها ﴿ وكانوا قوماً مجرمين ﴾ كفاراً ذوي آثام ولذلك اجترأوا على رد الآيات.
أما قوله: ﴿ أسحر هذا ﴾ فليس بمقول لقوله: ﴿ أتقولون ﴾ لأنهم قطعوا في قوله: ﴿ إن هذا لسحر مبين ﴾ بأنه سحر، وما استفهموا ولكن الوجه فيه أن يقال: إن القول ههنا بمعنى الطعن والعيب كالذكر في قوله: ﴿ سمعنا فتى يذكرهم ﴾ ومنه قولهم: فلان يخاف القالة أي مطاعن الناس فكأنه قال: أتعيبون الحق وتطعنون فيه؟
ثم أنكر عليهم قولهم فقال: ﴿ أسحر هذا ﴾ أو يقال: مفعول تقولون محذوف وهو قولهم ﴿ إن هذا لسحر مبين ﴾ أو يقال: جملة قوله ﴿ أسحر هذا ﴾ ﴿ ولا يفلح الساحرون ﴾ حكاية لكلامهم كأنهم قالوا منكرين لما جاءا به أجئتما بالسحر تطلبان به الفلاح ولا يفلح السحرة، لأن حاصل صنيعهم تخييل وتمويه ﴿ قالوا أجئتنا لتلفتنا ﴾ التركيب يدل على الالتواء ومنه الفتل والالتفات "افتعال" من اللفت وهو الصرف واللي ﴿ وتكون لكما الكبرياء في الأرض ﴾ أي الملك والعز في أرض مصر.
قال الزجاج: سمى الملك كبرياء لأنه أكبر ما يطلب من أمر الدنيا.
وأيضاً فالنبي إذا اعترف القوم بصدقه صارت مقاليد أمر أمته إليه وصار أكبر القوم.
وقيل: لأن الملوك موصوفون بالكبر والحاصل أنهم عللوا عدم قبولهم دعوة موسى بأمرين: التمسك بالتقليد وهو عبادة آبائهم الأصنام، والحرص في طلب الدنيا والجد في بقاء الرياسة.
ويجوز أن يقصدوا ذمهما وأنهما إن ملكا أرض مصر تجبرا وتكبرا.
ثم صرحوا بالتكذيب قائلين ﴿ وما نحن لكما بمؤمنين ﴾ ثم حاولوا المعارضة وقد مرت تلك القصة في "الأعراف".
أما قوله: ﴿ ما جئتم به ﴾ فمعناه الذي جئتم به هو السحر لا الذي سماه فرعون وقومه سحراً من آيات الله.
قال الفراء: وإنما قال السحر بالألف واللام لأنه جواب الكلام الذي سبق كأنهم قالوا لموسى ما جئت به سحر.
فقال موسى: بل ما جئتم به السحر.
فوجب دخول الألف واللام لأن النكرة إذا عادت عادت معرفة.
يقول الرجل لغيره: لقيت رجلاً.
فيقول له: من الرجل؟
ولو قال: من رجل؟
لم يقع في وهمه أنه يسأل عن الرجل الذي ذكره.
ومن قرأ ﴿ آلسحر ﴾ بالاستفهام فما استفهامية مبتدأ و ﴿ جئتم به ﴾ خبره كأنه قيل أي شيء جئتم به.
ثم قال على وجه التوبيخ السحر أي أهو لسحر أو آلسحر جئتم به ﴿ إن الله سيبطله ﴾ بإظهار المعجزة عليه ﴿ إن الله لا يصلح عمل المفسدين ﴾ لا يؤيده بجميل الخاتمة ﴿ ويحق الله الحق ﴾ يثبته ﴿ بكلماته ﴾ بمواعيده أو بما سبق من قضائه أو بأوامره ﴿ فما آمن لموسى ﴾ أي في أول أمره ﴿ إلا ذريّة من قومه ﴾ قال ابن عباس: لفظة الذرية يعبر بها عن القوم على وجه التحقير، ولا ريب أن المراد ههنا ليس هو الإهانة، فالمراد التصغير بمعنى قلة العدد.
وقيل: المراد أولاد من أولاد قومه كأنه دعا الآباء فلم يجيبوه خوفاً من فرعون، وأجابته طائفة من أبنائهم مع الخوف من فرعون أن يصرفهم عن دينهم بتسليط أنواع البلاء عليهم.
وقيل: إن الذرية أقوام كان آباؤهم من قوم فرعون وأمهاتهم من بني إسرائيل.
وقيل: الذرية مؤمن آل فرعون وآسية امرأته وخازنه وامرأة خازنه وماشطته، فالضمير في ﴿ قومه ﴾ على هذا لفرعون وعوده إلى موسى أظهر لأنه أقرب المذكورين، ولما نقل أن الذين آمنوا به كانوا من بني إسرائيل والضمير في ﴿ ملئهم ﴾ إما لفرعون على جهة التعظيم لأنه ذو أصحاب يأتمرون له، أو المراد آل فرعون بحذف المضاف، أو للذرية يعني أشراف بني إسرائيل لأنهم كانوا يمنعون أعقابهم خوفاً من فرعون عليهم وعلى أنفسهم يدل على ذلك قوله: ﴿ أن يفتنهم ﴾ أي يعذبهم فرعون.
ثم أكد أسباب الخوف بقوله: ﴿ وإن فرعون لعال ﴾ لغالب ﴿ في الأرض ﴾ أرض مصر ﴿ وإنه لمن المسرفين ﴾ في القتل والتعذيب أو لمن المجاوزين الحد لأنه من أخس العبيد فادعى الربوبية العليا ﴿ وقال موسى ﴾ تثبيتاً لقومه ﴿ إن كنتم آمنتم بالله ﴾ صدقتم به وبآياته ﴿ فعليه توكلوا ﴾ خصوه بتفويض أموركم إليه ﴿ إن كنتم مسلمين ﴾ قال لعلماء: المؤخر في مثل هذه السورة مقدم في المعنى نظيره: إن ضربك زيد فاضربه إن كانت بك قوة.
والمراد إن كانت بك قوة فإن ضربك زيد فاضربه فكأنه قيل لهم في حال إسلامهم إن كنتم منقادين لتكاليف ربكم بالإخلاص مصدقين له بالتحقيق عارفين بأنه واجب الوجود لذاته وما سواه محدث مخلوق مقهور تحت حكمه وتدبيره، ففوضوا جميع أموركم إليه وحده.
﴿ فقالوا ﴾ مؤتمرين لموسى ﴿ على الله توكلنا ﴾ ثم اشتغلوا بالدعاء قائلين ﴿ ربنا لا تجعلنا فتنة ﴾ أي موضع فتنة لهم.
والمراد بالفتنة تعذيبهم أو صرفهم عن دينهم، أو المراد لا تفتن بنا فرعون وقومه لأنك لو سلطتهم علينا صار ذلك شبهة لهم في أنا لسنا على الحق.
ويجوز أن تكون الفتنة بمعنى المفتون أي لا تجعلنا مفتونين بأن تمكنهم من صرفنا عن الدين الحق، ولما قدموا التضرع إلى الله في أن يصون دينهم عن الفساد أتبعوه سؤال عصمة أنفسهم فقال: ﴿ ونجنا ﴾ الآية.
وفي ذلك دليل على أن عنايتهم بمصالح الدين فوق اهتمامهم بمصالح النفس، وهكذا يجب أن تكون عقيدة كل مسلم والله الموفق.
﴿ وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتاً ﴾ تبوّأ بالمكان اتخذه مباءة ومرجعاً مثل توطنه إذا اتخذه وطناً.
واختلف المفسرون في البيوت فمنهم من ذهب إلى أنها المساجد كقوله: ﴿ في بيوت أذن الله أن ترفع ﴾ فالمراد من قوله: ﴿ واجعلوا بيوتكم قبلة ﴾ أن يجعل تلك البيوت مساجد متوجهة نحو القبلة وهي جهة بيت المقدس أو الكعبة على ما نقل عن ابن عباس: وقال الحسن: الكعبة قبلة كل الأنبياء: وإنما وقع العدول عنه بأمر الله في أيام نبينا بعد الهجرة.
ومنهم من قال: إنها مطلق البيوت.
ثم قيل: المراد واجعلوا دوركم قبلة أي صلوا في بيوتكم.
وقيل: المراد اجعلوا بيوتكم متقابلة، أما السبب في اتخاذ هذه البيوت فأن يصلوا في بيوتهم خفية خيفة من الكفرة كما كان المؤمنون على ذلك في أول الإسلامبمكة، أو المقصود الجمعية واعتضاد البعض بالبعض.
وقيل: على التفسير الأول لما أظهر فرعون العداوة الشديدة أمر الله موسى وهارون وقومهما باتخاذ المساجد على رغم الأعداء وتكفل أن يصونهم عن شرهم.
وإنما ثنى الخطاب أوّلاً ثم جمع لأن اختيار المكان للعبادة مما يفوض إلى الأنبياء فخوطب موسى وهارون بذلك، ثم جعل الخطاب عاماً لهما ولقومهما لأن استقبال القبلة وإقامة الصلاة واجب على الجمهور.
ثم خص موسى بالتبشير في قوله: ﴿ وبشر المؤمنين ﴾ لأن الغرض الأصلي من جميع العبادات هو هذه البشارة فلم تكن لائقة إلا بحال موسى الذي هو الأصل في الرسالة، وفيه تعظيم لشأن البشارة والمبشر (قال الضعيف مؤلف الكتاب) قد سنح في خاطري وقت هذه الكتابة أن الخطاب في قوله: ﴿ وبشر المؤمنين ﴾ لنبينا على طريقة الالتفات والاعتراض.
ومضمون البشارة أنه جعلت الأرض كلها لهذه الأمة مسجداً وطهوراً دون سائر الأمم فإنهم أمروا باتخاذ موضع يرجعون إليه ألبتة للعبادة والله أعلم بمراده.
ثم إن موسى لما بالغ في إظهار المعجزات القاهرة، ورأى القوم مصرين على الجحود والإنكار أخذ يدعو عليهم، ومن حق من يدعو على الغير أن يذكر أوّلاً سبب الدعاء عليه فلهذا ﴿ قال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً ﴾ فالزينة عبارة عن الصحة والجمال واللباس والدواب وأثاث البيت والأموال ما يزيد على ذلك من الصامت والناطق.
عن ابن عباس كانت لهم من فسطاط مصر إلى أرض الحبشة جبال فيها معادن من ذهب وفضة.
قالت الأشاعرة: اللام في قوله: ﴿ ليضلوا ﴾ لام التعليل كأن موسى قال: يا رب إنك أعطيتهم هذه الزينة والأموال لأجل أن يضلوا، ففيه دلالة على أنه تسبب لضلالهم وأراد منهم ذلك وإلا لم يهيىء أسبابه.
ثم شرع في الدعاء عليهم بالطمس على أموالهم.
والطمس المحو أو المسخ كما مر في سورة النساء في قوله : ﴿ من قبل أن نطمس وجوهاً ﴾ وبالشد على قلوبهم ومعناه الاستيثاق والختم.
وقالت المعتزلة: قوله ﴿ ليضلوا ﴾ دعاء بلفظ الأمر للغائب، دعا عليهم بثلاثة أمور: بالضلال وبالطمس وبالشد.
كأنه لما علم بالتجربة وطول الصحبة أن إيمانهم كالمحال أو علم ذلك بالوحي اشتد غضبه عليهم فدعا الله عليهم بما علم أنه لا يكون غيره قائلاً ليثبتوا على ما هم عليه من الضلال وليطبع الله على قلوبهم كما يقول الأب المشفق لولده إذا لم يقبل نصحه واستمر على غيه.
سلمنا أن قوله: ﴿ ليضلوا ﴾ ليس دعاء عليهم لكن اللام فيه للعاقبة كقوله: "لدوا للموت".
سلمنا أن اللام للتعليل لكنهم جعلوا الله سبباً في الضلال فكأنهم أوتوها ليضلوا.
ولم لا يجوز أن يكون "لا" مقدرة أي لئلا يضلوا كقوله: ﴿ يبين الله لكم أن تضلوا ﴾ أي أن لا تضلوا، أو يكون حرف الاستفهام مقدراً في آتيت على سبيل التعجب.
أما قوله : ﴿ فلا يؤمنوا ﴾ فإما أن يكون معطوفاً على قوله: ﴿ ليضلوا ﴾ على التفاسير كلها وما بينهما اعتراض، وإما أن يكون جواباً لقوله ﴿ واشدد ﴾ ويجوز أن يكون دعاء بلفظ النهي معطوفاً على ﴿ اشدد ﴾ .
﴿ قال قد أجيبت دعوتكما ﴾ أضاف الدعوة إليهما لأن موسى كان يدعو وهارون يؤمن، ويجوز أن يكونا جميعاً يدعوان إلا أنه خص موسى بالذكر في الآية لأصالته في الرسالة، والمعنى أن دعاءكما مستجاب وما طلبتما كائن ولكن في وقته ﴿ فاستقيما ﴾ فاثبتا على ما أنتما عليه من التبليغ والإنذار زيادة في إلزام الحجة، ولا تستعجلا فقد لبث نوح في قومه ألف سنة إلا قليلا.
قال ابن جريج: فمكث موسى بعد الدعاء أربعين سنة يدعوهم إلى الله ﴿ ولا تتبعانّ سبيل الذين لا يعلمون ﴾ أن الاستعجال لا يفيد في إجابة الدعاء فقد يستجاب الدعاء ولكن يظهر الأثر بعد حين.
﴿ وجاوزنا ببني إسرائيل البحر ﴾ قد مرت تلك القصة في أوائل سورة البقرة في قوله: ﴿ وإذ فرقنا بكم البحر ﴾ الآية، ومعنى قوله: ﴿ فأتبعهم ﴾ لحقهم.
يقال: تبعه حتى أتبعه، والبغي الإفراط في الظلم والعدو ومجاوزة الحد وفي الآية سؤال وهو أن فرعون تاب ثلاثة مرات إحداها قوله: ﴿ آمنت ﴾ وثانيتها ﴿ أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ﴾ وثالثتها ﴿ وأنا من المسلمين ﴾ فلم تقبل توبته.
والجواب من وجوه: الأول أنه إيمان اليائس وأنه لا يقبل لأن الإلجاء ينافي التكليف.
الثاني أنها لم تكن مقرونة بالإخلاص وإنما كانت لدفع البلية الحاضرة والمحنة الناجزة.
الثالث أن ذلك التوحيد كان مبنياً على محض التقليد والمخذول كان من الدهرية المنكرين لوجود الصانع، ومثل هذا الاعتقاد الفاحش لا تزول ظلمته إلا بنور الحجة القطعية.
الرابع ما روي أن بعض بني إسرائيل لما جاوز البحر اشتغلوا بعبادة العجل فلعله أراد الإيمان بذلك العجل الذي آمنوا بعبادته في ذلك الوقت، وكانت هذه الكلمة سبباً لزيادة الكفر.
الخامس أن أكثر اليهود يميلون إلى التجسيم والتشبيه ولذلك عبدوا العجل فكأنه ما آمن إلا بالإله الموصوف بالجسمية والحلول والنزول.
السادس لعل الإيمان إنما يتم بالإقرار بوحدانية الله وبنبوة موسى كما أنه لو قيل ألف مرة لاإله إلا الله لم يصح إيمان إلا إذا قرن به محمد رسول الله إلى الناس كافة.
السابع يروى أن جبريل أتى فرعون بفتيا ما قول الأمير في عبد نشأ في مال مولاه ونعمته فكفر نعمته وجحد حقه وادعى السيادة دونه؟
فكتب فرعون فيه يقول أبو العباس الوليد بن مصعب: جزاء العبد الخارج على سيده الكافر نعمته أن يغرق في البحر، ثم إن فرعون لما غرق دفع جبريل إليه خطه فعرفه.
أما قوله ﴿ آلآن ﴾ فالمشهور من الأخبار أنه قول جبريل.
وقيل: إنه قول الله والتقدير: أتؤمن الساعة في وقت الاضطرار حين ألجمك الغرق وأدركك.
وقوله: ﴿ وكنت من المفسدين ﴾ في مقابلة قوله: ﴿ وأنا من المسلمين ﴾ يروى أن جبريل أخذ يملأ فاه بالطين حين قال: ﴿ آمنت ﴾ لئلا يتوب غضباَ عليه، والأقرب عند العلماء أن هذا الخبر غير صحيح لأنه إن قال ذلك حين بقاء التكليف لم يجز على جبريل أن يمنعه من التوبة بل يجب أن يحثه عليها أو على كل طاعة لقوله : ﴿ وتعاونوا ﴾ ولو منعه لكانت التوبة ممكنة لأن الأخرس قد يتوب بأن يعزم بقلبه على ترك المعاودة إلى القبيح، ولو منعه من التوبة لكان قد رضي ببقائه على الكفر والرضا بالكفر كفر.
وكيف يليق به أن يقول لموسى وهارون ﴿ فقولا له قولاً ليناً ﴾ ثم يأمر جبريل بمنعه عن الإيمان.
ولو قيل إن جبريل فعل ذلك من تلقاء نفسه كان منافياً لقوله: ﴿ وما نتنزل إلا بأمر ربك ﴾ ﴿ لا يسبقونه بالقول ﴾ وإن كان قال ذلك بعد زوال التكليف فلم يكن لما فعل جبريل فائدة اللهم إلا أن يقال: إنه دس حال البحر في فيه في وقت لا ينفعه إيمانه غضباً لله على الكافر.
قوله: ﴿ فاليوم ننجيك ببدنك ﴾ فيه أقوال منها: أن معناه نخرجك من البحر ونخلصك مما وقع فيه قومك من قعر البحر ولكن بعد أن تغرق.
وقوله: ﴿ ببدنك ﴾ في موضع الحال أي في الحال التي لا روح فيك وإنما أنت بدن.
قال كعب: رماه الماء إلى الساحل كأنه ثور، أو المراد ببدنك كاملاً سوياً لم ينقص منه شيء ولم يتغير، أو عرياناً لست إلا بدناً وفيه نوع تهكم كأنه قيل: ننجيك لكن هذه النجاة إنما تحصل لبدنك لا لروحك كما يقال: نعتقك أو نخلصك من السجن ولكن بعد أن تموت.
وقيل: ننجيك ببدنك أي نلقيك بنجوة من الأرض وهي المكان المرتفع.
وقيل: ببدنك أي بدرعك.
قال الليث: البدن الدرع القصير الكمين.
عن ابن عباس قال: كان عليه درع من ذهب يعرف بها فأخرجه الله من الماء مع ذلك الدرع ليعرف، فإن صحت هذه الرواية كانت معجزة لموسى .
وأما قوله: ﴿ لتكون لمن خلفك آية ﴾ فقيل: إن قوماً اعتقدوا في إلهيته وزعموا أن مثله لا يموت فأظهر الله أمره بأن أخرجه من الماء بصورته حتى يشاهدوه.
وزالت الشبهة عن قلوبهم وكانت مطروحة على ممر من بني إسرائيل فلهذا قيل: ﴿ لمن خلفك ﴾ وقيل: إنه أراد أن يشاهده الخلق على ذلك الذل والإهانة بعد ما سمعوا منه قوله: ﴿ أنا ربكم الأعلى ﴾ ليكون ذلك زجراً للعابرين عن مثل طريقته، ويعرفوا أنه كان بالأمس في نهاية الجلالة ثم آل أمره إلى ما آل، فلا يجترأوا على نحو ما اجترأ عليه.
وقيل: المراد ليكون طرحك بالساحل وحدك دون المغرقين آية من آيات الله للأمم الآتية، ثم زجر هذه الأمة عن ترك النظر في الدلائل وحثهم على التأمل والاعتبار فقال ﴿ وإن كثيراً من الناس عن آياتنا لغافلون ﴾ .
التأويل: ﴿ واتل عليهم نبأ نوح ﴾ الروح ﴿ إذ قال لقومه ﴾ وهم القلب والسمع والنفس وصفاتها ﴿ يا قوم إن كان ﴾ عظم ﴿ عليكم مقامي ﴾ في الأخلاق الحميدة الروحانية ودعائي إلى الله ببراهينه الواضحة ﴿ فما سألتكم من أجر ﴾ من حظ من حظوظ مشاربكم الدنيوية ما حظي إلا من مواهب الله وشهود جماله.
و ﴿ جعلناهم خلائف ﴾ خلفاء الله في أرضه وباقي التأويل كما مر في "الأعراف".
وهكذا في قصة موسى ﴿ ولا يفلح الساحرون ﴾ لأن الفلاح هو الخلاص عن قيد الوجود المجازي.
﴿ ويحق الله الحق ﴾ أي الذكر ﴿ بكلماته ﴾ وهي لا إله إلا الله ﴿ ولو كره ﴾ أهل الهوى والنفوس الأمارة ﴿ فما آمن لموسى ﴾ القلب إلا صفاته أو بعض صفات فرعون النفس بتبديل أخلاقها الذميمة بالأخلاق الحميدة القلبية ﴿ على خوف من فرعون ﴾ النفس والهوى والدنيا وشهواتها أن يصرفهم إلى حالها الطبيعية التي جبلت عليها.
﴿ وأوحينا إلى موسى ﴾ القلب وهارون السر أن هيئا لصفاتكما بمصر عالم الروح مقامات ومنازل لا في عالم النفس السفلي.
واجعلوا تلك المقامات متوجهة إلى طلب الحق.
﴿ وأقيموا الصلاة ﴾ أديموا العروج من المقامات الروحانية إلى المواصلات الربانية ﴿ ليضلوا عن سبيلك ﴾ ليكون عاقبة أمرهم أن ينقطعوا أو يقطعوا بتلك الملاذ عن السير في طلبك ﴿ ربنا اطمس على أموالهم ﴾ بمحقها وتحقيرها في نظرهم ﴿ واشدد ﴾ طريق النظر إلى الدنيا وما فيها ﴿ على قلوبهم ﴾ واجعل همتهم عليه في طلبك والنظر إليك فقط ﴿ حتى يروا العذاب الأليم ﴾ فإن النفس وصفاتها لا يؤمنون بالآخرة وطلب الحق حتى يذيقهم ألم الفطام عن الدنيا ومشتهياتها.
﴿ سبيل الذين لا يعلمون ﴾ طريق الوصول إلى الله ولا يعرفون قدره ﴿ وجاوزنا ببنى إسرائيل ﴾ هم القلب والسر وصفاتها.
والبحر بحر الروحانية الملكوتية ﴿ فأتبعهم فرعون ﴾ النفس وصفاتها بعد الفطام عن شوائب عالم الملك قهراً وقسراً، حتى إذا هبت رياح اللطف وتموجت بحار الفضل واستغرق موسى القلب وصفاته في لجي بحر الوصال، وبلغت أفواج أمواجه إلى ساحل البشرية، أدرك فرعون النفس الغرق فاستمسك بعروة ذلك الفريق: ﴿ آمنت ﴾ ومن أمارات أجنبية فرعون النفس من عالم الروح أنه لم يتمسك بحبل التوحيد والمعرفة بيد الصدق والاستقلال، ولم يقل آمنت بالله الذي لا إله إلا هو وإنما تمسك بين الاضطراب والتقليد فقال: ﴿ لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ﴾ ﴿ ننجيك ببدنك ﴾ أي نخلصك مع قالبك من بحر الضلالة لتكون دليلاً على كمال قدرتنا وعنايتنا.
وإن من اتبع خواص عبادنا نجعله من أهل النجاة والدرجات بعد أن كان من أهل الهلاك والدركات والله حسبنا.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ ﴾ أي: خبره وحديثه، ﴿ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يٰقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ .
قال بعضهم: إن كان كبر عليكم طول مقامي ومكثي فيكم ودعائي إياكم إلى عبادة الله، والطاعة له، وتذكيري إياكم بآياته.
قال بعضهم: وتذكيري بعذابه بترككم إجابتي ودعائي.
ويحتمل قوله: ﴿ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِي ﴾ بما ادعى من الرسالة، ﴿ وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ أي بحجج الله على ما ادعيت من الرسالة.
وفي قوله: ﴿ وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ ﴾ وجوه: أحدها: اتل منابذة نوح قومه وما أرادوا به من الكيد والمكر به.
والثاني: اذكر عواقب قوم نوح، وما حل بهم من سوء معاملتهم رسولهم.
والثالث: اذكر لهولاء عواقب متبعي قومه ومخالفيه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَأَجْمِعُوۤاْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ ﴾ قال بعضهم: أي اجتمعوا أنتم وشركاؤكم ثم كيدوني ، ثم لا يكن أمركم عليكم غمة، أي: اجعلوا ما تسرون من الكيد والمكر بي ظاهراً غير ملتبس ولا مشبه.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ فَأَجْمِعُوۤاْ أَمْرَكُمْ ﴾ أي: أعدوا أمركم وادعوا شركاءكم؛ وكذلك روي في حرف أبي: (فاجمعوا أمركم وادعوا شركاءكم).
﴿ ثُمَّ ٱقْضُوۤاْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونَ ﴾ أي: اقضوا ما أنتم قاضون.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ﴾ أي: لا يكبر عليكم أمركم.
وقال الكسائي: هو من التغطية واللبس، أي: لا تغطوه ولا تلبسوه، اجعلوا كلمتكم ظاهرة واحدة.
وعن ابن عباس - - قال: "لا يكن أمركم اغتماما عليكم"، أي: فرجوا عن أنفسكم؛ كقوله: ﴿ مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ...
﴾ الآية [الحج: 15].
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ ٱقْضُوۤاْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونَ ﴾ أي: اعملوا بي ما تريدون ولا تنظرون؛ وهو كقوله: ﴿ فَٱقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ ﴾ .
وقال الكسائي: هو من الإنهاء والإبلاغ؛ وهو كقوله: ﴿ وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ...
﴾ الآية [الإسراء: 4] ﴿ وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ ٱلأَمْرَ ﴾ ، أي: أنهينا إليه وأبلغنا إليه.
وقال أبو عوسجة: إن شئت جعلتها ظلمة فلا يبصرون أمرهم يعني غمّة، وإن شئت جعلتها شكا واشتقاق الغمة، من غم يغم غما أي غطى يغطي، تقول: غممت رأسه أي غطيته، ﴿ ثُمَّ ٱقْضُوۤاْ إِلَيَّ ﴾ أي: افعلوا بي ما أردتم وفي قول نوح لقومه: ﴿ فَأَجْمِعُوۤاْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ...
﴾ إلى قوله: ﴿ وَلاَ تُنظِرُونَ ﴾ ، وقول هود: ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ ﴾ ، وقول رسول الله: ﴿ قُلِ ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاَ تُنظِرُونِ ﴾ دلالة إثبات رسالتهم؛ لأنهم قالوا ذلك لقومهم وهم بين أظهرهم، ولم يكن معهم أنصار ولا أعوان؛ دل أنهم إنما قالوا ذلك اعتماداً على الله واتكالا بمعونته ونصرته إياهم.
وقال بعضهم في قوله: ﴿ ثُمَّ ٱقْضُوۤاْ إِلَيَّ ﴾ أي: فافرغوا إلى يقال [قضى] فرغ؛ وهو قول أبي بكر الأصم.
وقال بعضهم: ثم اقضوا إلي أن امضوا إلي كقوله: ﴿ فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ ﴾ و ﴿ فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ ﴾ ونحوه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِّنْ أَجْرٍ ﴾ : التولي اسم لأمرين: اسم للإعراض والإدبار؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ ، واسم للإقبال والقبول أيضاً؛ كقوله: ﴿ وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ...
﴾ الآية [المائدة: 56] ونحوه، فهاهنا يحتمل الأمرين جميعاً، أي: فإن توليتم أي أقبلتم وقبلتم ما أعرضه عليكم وأدعوكم إليه، ﴿ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِّنْ أَجْرٍ ﴾ أي: ما أجري إلا على الله.
وإن كان في الإعراض فكأنه يقول: كيف أعرضتم عن قبوله، ولم أسألكم على ذلك أجراً فيكون لكم عذر في الإعراض والرد؟!
كقوله: ﴿ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً ﴾ الآية [الطور: 40]، أي: لم أسألكم على ما أعرضه عليكم وأدعوكم إليه غرما حتى يثقل عليكم ذلك الغرم، فيمنعكم ثقل الغرم عن الإجابة، ففي هذه الآية وغيرها دلالة منع أخذ الأجر على تعليم القرآن والعلم؛ لأنه لو جاز أخذ الأجر على ذلك لكان لهم عذر ألا يبذلوا ذلك ولا يتعلموا شيئاً من ذلك، وفي ذلك هدم شرائع الله وإسقاطها، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ ﴾ أي: مسلماً نفسي إلى الله، أي: سالماً، لا أجعل لأحد سواه فيها حقا ولا حظا، أو أمرت أن أكون من المخلصين [لله] والخاضعين له؛ هو يحتمل ذلك كله.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَكَذَّبُوهُ ﴾ يعني: نوحاً كذبه قومه فيما ادعى من الرسالة، أو ما آتاهم من الآيات، أو ما أوعدهم من العذاب بتكذيبهم إياه.
﴿ فَنَجَّيْنَاهُ ﴾ يعني نوحاً، ﴿ وَمَن مَّعَهُ فِي ٱلْفُلْكِ ﴾ أي: من ركب معه الفلك من المؤمنين.
﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ ﴾ يحتمل خلائف خلفاء في الأرض وسكاناً يخلف بعضهم بعضا، ويحتمل جعلناهم خلائف أي خلف قوم أهلكوا واستؤصلوا بالتكذيب.
﴿ وَأَغْرَقْنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا ﴾ : يحتمل الآيات الحجج والبراهين التي أقامها على ما ادعى من الرسالة.
ويحتمل قوله: ﴿ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا ﴾ العذاب الذي أوعدهم بتكذيبهم إياه فيما وعد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلْمُنْذَرِينَ ﴾ : كان أنذر الفريقين جميعاً المؤمن والكافر جميعاً؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ ﴾ فإذا كان ما ذكرنا فيكون تأويله: فانظر كيف كان عاقبة من أجاب ومن لم يجب: عاقبة من أجاب الثواب، وعاقبة من لم يجب العذاب.
ويحتمل المنذرين الذين لم يقبلوا الإنذار ولم يجيبوا، أي: انظر كيف كان عاقبتهم بالهلاك والاستئصال، ويكون تأويل قوله: ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ ﴾ أي: إنما يقبل الإنذار من اتبع الذكر، أو إنما ينتفع بالإنذار من اتبع الذكر، أو أما من لم يتبع الذكر لم ينتفع، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً ﴾ أي: من بعد نوح رسلا إلى قومهم، أي: بعثنا إلى كل قوم رسولا، لا أنه بعث الرسل جملة إلى قومهم، ولكن واحداً على أثر واحد.
﴿ فَجَآءُوهُمْ بِٱلْبَيِّنَٰتِ ﴾ : يحتمل البينات الحجج والبراهين التي أقاموها على ما ادعوا من الرسالة والنبوة.
ويحتمل البينات بيان ما عليهم أن يأتوا ويتقوا.
ويحتمل البينات بما أخبروهم وأنبئوا قومهم بالعذاب أنه نازل بهم في الدنيا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ ﴾ قال بعضهم: ما كان كفار مكة ليؤمنوا وليصدقوا بالآيات والبيانات كما لم يصدق به أوائلهم.
وقال بعضهم: قوله: ﴿ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ ﴾ أي: قبل بعث الرسل، ففيه دلالة أن أهل الفترة يؤاخذون بالتكذيب في حال الفترة.
ويحتمل قوله: ﴿ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ ﴾ أي: من قبل إتيان البينات، أي: ما كانوا ليؤمنوا بعدما جاءوا بالبينات بما كذبوا به من قبل مجيء البينات.
﴿ كَذَٰلِكَ نَطْبَعُ عَلَىٰ قُلوبِ ٱلْمُعْتَدِينَ ﴾ أي: هكذا نطبع على قلوب أهل مكة كما طبعنا على قلوب أوائلهم؛ إذ علم أنهم لا يقبلون الآيات ولا يؤمنون بها، والاعتداء هو الظلم مع العناد والمجاوزة عن الحد الذي جعل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ ﴾ هو يخرج على وجهين؛ أحدهما: ما كانوا ليؤمنوا بالبينات إذا جاءتهم البينات على السؤال، وهكذا عادتهم أنهم لا يؤمنون بالآيات إذا أتتهم على السؤال.
والثاني: ما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا على علم منهم أنها آيات وأنه رسول؛ والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
فإن كنتم قد أعرضتم عن دعوتي فقد علمتم أني ما طلبت منكم جزاء على تبليغكم رسالة ربي، ليس ثوابي إلا على الله، آمنتم بي، أم كفرتم، وأمرني الله أن أكون من المنقادين له بالطاعة والعمل الصالح.
<div class="verse-tafsir" id="91.BEWGA"