الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٩٩ من سورة يونس
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 64 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٩٩ من سورة يونس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى : ( ولو شاء ربك ) - يا محمد - لأذن لأهل الأرض كلهم في الإيمان بما جئتهم به ، فآمنوا كلهم ، ولكن له حكمة فيما يفعله تعالى كما قال تعالى : ( ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ) [ هود : 118 ، 119 ] ، وقال تعالى : ( أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا ) [ الرعد : 31 ] ؛ ولهذا قال تعالى : ( أفأنت تكره الناس ) أي : تلزمهم وتلجئهم ( حتى يكونوا مؤمنين ) أي : ليس ذلك عليك ولا إليك ، بل [ إلى ] الله ( يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ) [ فاطر : 8 ] ، ( ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء ) [ البقرة : 272 ] ، ( لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين ) [ الشعراء : 3 ] ، ( إنك لا تهدي من أحببت ) [ القصص : 56 ] ، ( فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب ) [ الرعد : 40 ] ، ( فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر ) [ الغاشية : 21 ، 22 ] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الله تعالى هو الفعال لما يريد ، الهادي من يشاء ، المضل لمن يشاء ، لعلمه وحكمته وعدله ؛ ولهذا قال :
القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكر لنبيه: (ولو شاء) ، يا محمد ، (ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعًا)، بك، فصدَّقوك أنك لي رسول ، وأن ما جئتهم به وما تدعوهم إليه من توحيد الله وإخلاص العبودة له ، حقٌّ، ولكن لا يشاء ذلك، لأنه قد سبق من قضاء الله قبل أن يبعثك رسولا أنه لا يؤمن بك ، ولا يتّبعك فيصدقوك بما بعثك الله به من الهدى والنور ، إلا من سبقت له السعادةُ في الكتاب الأوّل قبل أن تخلق السموات والأرض وما فيهن، وهؤلاء الذين عجبوا من صِدْق إيحائنا إليك هذا القرآن لتنذر به من أمرتك بإنذاره ، ممَّن قد سبق له عندي أنهم لا يؤمنون بك في الكتاب السابق.
* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
*ذكر من قال ذلك: 17909- حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعًا) ، وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ ، [سورة يونس: 100] ، ونحو هذا في القرآن، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحرص أن يؤمن جميعُ الناس ويتابعوه على الهدى، فأخبره الله أنه لا يؤمن إلا من قد سبق له من الله السعادة في الذكر الأَوّل (15) ولا يضلّ إلا من سبق له من الله الشقاء في الذّكر الأول.
* * * فإن قال قائل: فما وجه قوله: (لآمن من في الأرض كلهم جميعًا)، فـ " الكل " يدل على " الجميع "، و " الجميع " على " الكل "، فما وجه تكرار ذلك ، وكل واحدة منهما تغني عن الأخرى؟
قيل: قد اختلف أهل العربية في ذلك: فقال بعض نحويي أهل البصرة: جاء بقوله " جميعًا " في هذا الموضع توكيدًا ، كما قال: لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ ، [سورة النحل: 51] ، ففي قوله: " إلهين " دليل على " الاثنين ".
وقال غيره: جاء بقوله " جميعًا " بعد " كلهم "، لأن " جميعًا " لا تقع إلا توكيدًا، و " كلهم " يقع توكيدًا واسمًا، فلذلك جاء ب " جميعًا " بعد " كلهم ".
قال: ولو قيل إنه جمع بينهما ليعلم أن معناهما واحد ، لجاز ههنا.
قال: وكذلك: إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ ، العدد كله يفسر به، فيقال: " رأيت قومًا أربعة "، فلما جاء " باثنين " ، وقد اكتفى بالعدد منه ، لأنهم يقولون: " عندي درهم ودرهمان " ، فيكفي من قولهم: " عندي درهم واحد ، ودرهمان اثنان " ، فإذا قالوا : " دراهم " قالوا : " ثلاثة "، لأن الجمع يلتبس ، و " الواحد " و " الاثنان " لا يلتبسان، ثم بُنِي الواحد والتثنية على بناء [ما] في الجميع، (16) لأنه ينبغي أن يكون مع كل واحدٍ واحدٌ، لأن " درهمًا " يدل على الجنس الذي هو منه، و " واحد " يدل على كل الأجناس.
وكذلك " اثنان " يدلان على كل الأجناس، و " درهمان "، يدلان على أنفسهما، فلذلك جاء بالأعداد ، لأنه الأصل.
* * * وقوله: (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) ، يقولُ جل ثناؤه لنبيّه محمد صلى الله عليه وسلم: إنه لن يصدقك يا محمد ، ولن يتبعك ويقرّ بما جئت به إلا من شاء ربك أن يصدّقك، لا بإكراهك إياه ، ولا بحرصك على ذلك ، (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ) لك ، مصدقين على ما جئتهم به من عند ربك؟
يقول له جل ثناؤه: فاصدَعْ بما تؤْمر ، وأعرض عن المشركين الذين حقَّت عليهم كلمة ربّك أنَّهم لا يؤمنون .
------------------------------ الهوامش : (15) في المطبوعة : " لا يؤمن من قومه " ، زاد ما ليس في المخطوطة ، فحذفته .
(16) في المطبوعة : " لم يثن الواحدة والتثنية على تنافي الجمع " ، وهو لا معنى له .
وفي المخطوطة : " ثم بنى الواحد والتثنية على تنافي الجمع " ، هكذا غير منقوطة ، واستظهرت قراءتها كما أثبتها ، بزيادة " ما " بين " بناء " ، و" في الجميع " .
ومع ذلك فبقى في بيان معنى هذا الكلام ، شيء في نفسي ، أخشى أن يكون سقط منه شيء ، فإنه غير واضح عندي
قوله تعالى ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنينقوله تعالى ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أي لاضطرهم إليه [ ص: 291 ] .
كلهم تأكيد ل " من " .
جميعا عند سيبويه نصب على الحال .
وقال الأخفش : جاء بقوله جميعا بعد " كل " تأكيدا ; كقوله : لا تتخذوا إلهين اثنينقوله تعالى أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين قال ابن عباس : كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصا على إيمان جميع الناس ; فأخبره الله تعالى أنه لا يؤمن إلا من سبقت له السعادة في الذكر الأول ، ولا يضل إلا من سبقت له الشقاوة في الذكر الأول .
وقيل : المراد بالناس هنا أبو طالب ; وهو عن ابن عباس أيضا .
يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: { وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ْ} بأن يلهمهم الإيمان، ويوزع قلوبهم للتقوى، فقدرته صالحة لذلك، ولكنه اقتضت حكمته أن كان بعضهم مؤمنين، وبعضهم كافرين.
{ أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ْ} أي: لا تقدر على ذلك، وليس في إمكانك، ولا قدرة لغير الله على شيء من ذلك.
قوله تعالى : ( ولو شاء ربك ) يا محمد ، ( لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ) هذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وذلك أنه كان حريصا على أن يؤمن جميع الناس ، فأخبره الله جل ذكره : أنه لا يؤمن إلا من قد سبق له من الله السعادة ، ولا يضل إلا من سبق له الشقاوة .
«ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تُكره الناس» بما لم يشأه الله منهم «حتى يكونوا مؤمنين» لا.
ولو شاء ربك -أيها الرسول- الإيمان لأهل الأرض كلهم لآمنوا جميعًا بما جئتهم به، ولكن له حكمة في ذلك؛ فإنه يهدي من يشاء ويضل من يشاء وَفْق حكمته، وليس في استطاعتك أن تُكْره الناس على الإيمان.
ثم أضاف - سبحانه - إلى هذه التسلية لرسوله - صلى الله عليه وسلم - تسلية أخرى فقال : ( وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأرض كُلُّهُمْ جَمِيعاً .
.
.
) ومفعول المشيئة محذوف والتقدير :ولو شاء ربك - يا محمد - إيمان أهل الأرض كلهم جميعا لآمنوا دون أن يتخلف منهم أحد ، ولكنه - سبحانه - لم يشأ ذلك ، لأنه مخالف للحكة التي عليها أساس التكوين والتشريع ، والإِثابة والمعاقبة ، فقد اقتضت حكمته - سبحانه - أن يخلق الكفر والإِيمان ، وأن يحذر من الكفر ويحض على الإِيمان ، ثم بعد ذلك من كفر فعليه تقع عقوبة كفره ، ومن آمن فله ثواب إيمانه .والهمزة فى قوله - سبحانه - ( أَفَأَنتَ تُكْرِهُ الناس حتى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ) للاستفهام الإِنكارى ، والفاء للتفريع .والمراد بالناس : المصرين على كفرهم وعنادهم .والمعنى : تلك هى مشيئتنا لو أردنا إنقاذها لنفذناها ، ولكننا لم نشأ ذلك فهل أنت يا محمد فى وسعك أن تكهر الناس الذين لم يرد الله هدايتهم على الإِيمان؟لا ، ليس ذلك فى وسعك ولا فى وسع الخلق جميعا ، بل الذى في وسعك هو التبليغ لما أمرناك بتبليغه .وفى هذه الجملة الكريمة تسلية أخرى للرسول - صلى الله عليه وسلم - ودفع لما يضيق به صدره ، من إعراض بعض الناس عن دعوته .
اعلم أن هذه السورة من أولها إلى هذا الموضع في بيان حكاية شبهات الكفار في إنكار النبوة مع الجواب عنها، وكانت إحدى شبهاتهم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يهددهم بنزول العذاب مع الكافرين، وبعد اتباعه إن الله ينصرهم ويعلي شأنهم ويقوي جانبهم، ثم إن الكفار ما رأوا ذلك فجعلوا ذلك شبهة في الطعن في نبوته، وكانوا يبالغون في استعجال ذلك العذاب على سبيل السخرية، ثم إن الله سبحانه وتعالى بين أن تأخير الموعود به لا يقدح في صحة الوعد، ثم ضرب لهذا أمثلة وهي واقعة نوح وواقعة موسى عليهما السلام مع فرعون وامتدت هذه البيانات إلى هذه المقامات، ثم في هذه الآية بين أن جد الرسول في دخولهم في الإيمان لا ينفع ومبالغته في تقرير الدلائل، وفي الجواب عن الشبهات لا تفيد، لأن الإيمان لا يحصل إلا بتخليق الله تعالى ومشيئته وإرشاده وهدايته، فإذا لم يحصل هذا المعنى لم يحصل الإيمان، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: احتج أصحابنا على صحة قولهم بأن جميع الكائنات بمشيئة الله تعالى، فقالوا كلمة (لو) تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره، فقوله: ﴿ وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأرض كُلُّهُمْ ﴾ يقتضي أنه ما حصلت تلك المشيئة وما حصل إيمان أهل الأرض بالكلية فدل هذا على أنه تعالى ما أراد إيمان الكل، أجاب الجبائي والقاضي وغيرهما بأن المراد مشيئة الإلجاء، أي لو شاء الله أن يلجئهم إلى الإيمان لقدر عليه ولصح ذلك منه، ولكنه ما فعل ذلك، لأن الإيمان الصادر من العبد على سبيل الإلجاء لا ينفعه ولا يفيده فائدة، ثم قال الجبائي: ومعنى إلجاء الله تعالى إياهم إلى ذلك، أن يعرفهم اضطراراً أنهم لو حاولوا تركه، حال الله بينهم وبين ذلك وعند هذا لابد وأن يفعلوا ما ألجئوا إليه كما أن من علم منا أنه إن حاول قتل ملك فإنه يمنعه منه قهراً لم يكن تركه لذلك الفعل سبباً لاستحقاق المدح والثواب فكذا هاهنا.
واعلم أن هذا الكلام ضعيف وبيانه من وجوه: الأول: أن الكافر كان قادراً على الكفر فهل كان قادراً على الإيمان، أو ما كان قادراً عليه؟
فإن قدر على الكفر ولم يقدر على الإيمان فحينئذ تكون القدرة على الكفر مستلزمة للكفر، فإذا كان خالق تلك القدرة هو الله تعالى لزم أن يقال إنه تعالى خلق فيه قدرة مستلزمة للكفر فوجب أن يقال إنه أراد منه الكفر وأما إن كانت القدرة صالحة للضدين كما هو مذهب القوم، فرجحان أحد الطرفين على الآخر إن لم يتوقف على المرجح فقد حصل الرجحان لا لمرجح وهذا باطل، وإن توقف على مرجح فذلك المرجح إما أن يكون من العبد أو من الله فإن كان من العبد عاد التقسيم فيه ولزم التسلسل وهو محال، وإن كان من الله تعالى فحينئذ يكون مجموع تلك القدرة مع تلك الداعية موجباً لذلك الكفر فإذا كان خالق القدرة والداعية هو الله تعالى فحينئذ عاد الإلزام.
الثاني: أن قوله: ﴿ وَلَوْ شَاء رَبُّكَ ﴾ لا يجوز حمله على مشيئة الإلجاء، لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يطلب أن يحصل لهم إيمان لا يفيدهم في الآخرة، فبين تعالى أنه لا قدرة للرسول على تحصيل هذا الإيمان، ثم قال: ﴿ وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الارض كُلُّهُمْ جَمِيعًا ﴾ فوجب أن يكون المراد من الإيمان المذكور في هذه الآية هو هذا الإيمان النافع حتى يكون الكلام منتظماً، فأما حمل اللفظ على مشيئة القهر والإلجاء فإنه لا يليق بهذا الموضع.
الثالث: المراد بهذا الإلجاء، إما أن يكون هو أن يظهر له آيات هائلة يعظم خوفه عند رؤيتها، ثم يأتي بالإيمان عندها.
وإما أن يكون المراد خلق الإيمان فيهم.
والأول باطل، لأنه تعالى بين فيما قبل هذه الآية أن إنزال هذه الآيات لا يفيد وهو قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُا ٱلْعَذَابَ ٱلْأَلِيمَ ﴾ وقال أيضاً: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الملئكة وَكَلَّمَهُمُ الموتى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيء قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاء الله ﴾ وإن كان المراد هو الثاني لم يكن هذا الإلجاء إلى الإيمان، بل كان ذلك عبارة عن خلق الإيمان فيهم، ثم يقال لكنه ما خلق الإيمان فيهم، فدل على أنه ما أراد حصول الإيمان لهم وهذا عين مذهبنا.
واعلم أنه تعالى لما ذكر هذا الكلام قال: ﴿ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ الناس حتى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ والمعنى أنه لا قدرة لك على التصرف في أحد، والمقصود منه بيان أن القدرة القاهرة والمشيئة النافذة ليست إلا للحق سبحانه وتعالى.
المسألة الثانية: احتج أصحابنا على صحة قولهم أنه لا حكم للأشياء قبل ورود الشرع بقوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله ﴾ قالوا وجه الاستدلال به أن الإذن عبارة عن الإطلاق في الفعل ورفع الحرج وصريح هذه الآية يدل على أنه قبل حصول هذا المعنى ليس له أن يقدم على هذا الإيمان، ثم قالوا: والذي يدل عليه من جهة العقل وجوه: الأول: أن معرفة الله تعالى والاشتغال بشكره والثناء عليه لا يدل العقل على حصول نفع فيه، فوجب أن لا يجب ذلك بحسب العقل، بيان الأول أن ذلك النفع إما أن يكون عائداً إلى المشكور أو إلى الشاكر والأول باطل لأن في الشاهد المشكور ينتفع بالشكر فيسره الشكر ويسوءه الكفران، فلا جرم كان الشكر حسناً والكفران قبيحاً، أما الله سبحانه فإنه لا يسره الشكر ولا يسوءه الكفران، فلا ينتفع بهذا الشكر أصلاً.
والثاني: أيضاً باطل لأن الشاكر يتعب في الحال بذلك الشكر ويبذل الخدمة مع أن المشكور لا ينتفع به ألبتة ولا يمكن أن يقال إن ذلك الشكر علة الثواب، لأن الاستحقاق على الله تعالى محال فإن الاستحقاق على الغير إنما يعقل إذا كان ذلك الغير بحيث لو لم يعط لأوجب امتناعه من إعطاء ذلك الحق حصول نقصان في حقه، ولما كان الحق سبحانه منزهاً عن النقصان والزيادة لم يعقل ذلك في حقه، فثبت أن الاشتغال بالإيمان وبالشكر، لا يفيد نفعاً بحسب العقل المحض وما كان كذلك امتنع أن يكون العقل موجباً له، فثبت بهذا البرهان القاطع صحة قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله ﴾ قال القاضي: المراد أن الإيمان لا يصدر عنه إلا بعلم الله أو بتكليفه أو بإقداره عليه.
وجوابنا: أن حمل الإذن على ما ذكرتم ترك للظاهر وذلك لا يجوز، لا سيما وقد بينا أن الدليل القاطع العقلي يقوي قولنا.
المسألة الثالثة: قرأ أبو بكر عن عاصم ﴿ وَنَجْعَلُ ﴾ بالنون وقرأ الباقون بالياء كناية عن اسم الله تعالى.
المسألة الرابعة: احتج أصحابنا على صحة قولهم بأن خالق الكفر والإيمان هو الله تعالى بقوله تعالى: ﴿ وَيَجْعَلُ الرجس عَلَى الذين لاَ يَعْقِلُونَ ﴾ وتقريره أن الرجس قد يراد به العمل القبيح قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس أَهْلَ البيت وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ﴾ والمراد من الرجس هاهنا العمل القبيح، سواء كان كفراً أو معصية، وبالتطهير نقل العبد من رجس الكفر والمعصية إلى طهارة الإيمان والطاعة، فلما ذكر الله تعالى فيما قبل هذه الآية أن الإيمان لا يحصل إلا بمشيئة الله تعالى وتخليقه، ذكر بعده أن الرجس لا يحصل إلا بتخليقه وتكوينه.
والرجس الذي يقابل الإيمان ليس إلا الكفر، فثبت دلالة هذه الآية على أن الكفر والإيمان من الله تعالى.
أجاب أبو علي الفارسي النحوي عنه فقال: الرجس، يحتمل وجهين آخرين: أحدهما: أن يكون المراد منه العذاب، فقوله: ﴿ وَيَجْعَلُ الرجس عَلَى الذين لاَ يَعْقِلُونَ ﴾ أي يلحق العذاب بهم كما قال: ﴿ وَيُعَذّبَ المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ﴾ والثاني: أنه تعالى يحكم عليهم بأنهم رجس كما قال: ﴿ إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ ﴾ والمعنى أن الطهارة الثابتة للمسلمين لم تحصل لهم.
والجواب: أنا قد بينا بالدليل العقلي أن الجهل لا يمكن أن يكون فعلاً للعبد لأنه لا يريده ولا يقصد إلى تكوينه، وإنما يريد ضده، وإنما قصد إلى تحصيل ضده، فلو كان به لما حصل إلا ما قصده وأوردنا السؤالات على هذه الحجة وأجبنا عنها فيما سلف من هذا الكتاب.
وأما حمل الرجس على العذاب، فهو باطل، لأن الرجس عبارة عن الفاسد المستقذر المستكره، فحمل هذا اللفظ على جهلهم وكفرهم أولى من حمله على عذاب الله مع كونه حقاً صدقاً صواباً، وأما حمل لفظ الرجس على حكم الله برجاستهم، فهو في غاية البعد، لأن حكم الله تعالى بذلك صفته، فكيف يجوز أن يقال إن صفة الله رجس، فثبت أن الحجة التي ذكرناها ظاهرة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَوْ شَاء رَبُّكَ ﴾ مشيئة القسر والإلجاء ﴿ لآمَنَ مَن فِي الأرض كُلُّهُمْ ﴾ على وجه الإحاطة والشمول ﴿ جَمِيعاً ﴾ على الإيمان مطبقين عليه لا يختلفون فيه.
ألا ترى إلى قوله: ﴿ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ الناس ﴾ يعني إنما يقدر على إكراههم واضطرارهم إلى الإيمان هو لا أنت.
وإيلاء الاسم حرف الاستفهام، وللإعلام بأن الإكراه ممكن مقدور عليه، وإنما الشأن في المكره من هو؟
وما هو إلاّ هو وحده لا يشارك فيه، لأنه هو القادر على أن يفعل في قلوبهم ما يضطّرون عنده إلى الإيمان، وذلك غير مستطاع للبشر.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهُمْ ﴾ بِحَيْثُ لا يَشِذُّ مِنهم أحَدٌ.
﴿ جَمِيعًا ﴾ مُجْتَمِعِينَ عَلى الإيمانِ لا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، وهو دَلِيلٌ عَلى القَدَرِيَّةِ في أنَّهُ تَعالى لَمْ يَشَأْ إيمانَهم أجْمَعِينَ، وأنَّ مَن شاءَ إيمانَهُ يُؤْمِنُ لا مَحالَةَ، والتَّقْيِيدُ بِمَشِيئَةِ الإلْجاءِ خِلافُ الظّاهِرِ.
﴿ أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ ﴾ بِما لَمْ يَشَأِ اللَّهُ مِنهم.
﴿ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ وتَرْتِيبُ الإكْراهِ عَلى المَشِيئَةِ بِالفاءِ وإيلاؤُها حَرْفَ الِاسْتِفْهامِ لِلْإنْكارِ، وتَقْدِيمُ الضَّمِيرِ عَلى الفِعْلِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ خِلافَ المَشِيئَةِ مُسْتَحِيلٌ فَلا يُمْكِنُ تَحْصِيلُهُ بِالإكْراهِ عَلَيْهِ فَضْلًا عَنِ الحَثِّ والتَّحْرِيضِ عَلَيْهِ إذْ رُوِيَ أنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى إيمانِ قَوْمِهِ شَدِيدَ الِاهْتِمامِ بِهِ فَنَزَلَتْ.
وَلِذَلِكَ قَرَّرَهُ بِقَوْلِهِ: <div class="verse-tafsir"
{وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِى الأرض كُلُّهُمْ} على وجه الإحاطة والشمول {جَمِيعاً} مجتمعين على الإيمان مظبقين عليه لا يختلفون فيه أخبر عن كمال قدرته ونفوذ مشيئته أنه لو شاء لآمن من في الأرض
كلهم ولكنه شاء أن يؤمن به من علم منه اختيار الإيمان به وشاء الكفر ممن علم أنه يختار الكفر ولا يؤمن به وقول المعتزلة المراد بالمشيئة مشيئة القسر والإلجاء أي لو خلق فيهم الإيمان جبراً لآمنوا لكن قد شاء أن يؤمنوا اختيار لهم فلم يؤمنوا دليله {أَفَأَنتَ تُكْرِهُ الناس حتى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} أي ليس إليك مشيئة الإكراه والجبر في الإيمان إنما ذلك إليّ فاسد لأن الإيمان فعل العبد وفعله ما يحصل بقدرته ولا يتحقق ذلك بدون الاختيار وتأويله عندنا أن الله تعالى لطفاً لو أعطاهم لآمنوا كلهم عن اختيار ولكن علم منهم أنهم لا يؤمنون فلم يعطهم ذلك وهو التوفيق والاستفهام في أفأنت بمعنى النفي أي لا تملك أنت يا محمد أن تكرههم على الإيمان لأنه يكون بالتصديق والاقدار ولا يمكن الإكراه على التصديق
﴿ ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن في الأرْضِ ﴾ تَحْقِيقٌ لِدَوَرانِ إيمانِ جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ وُجُودًا وعَدَمًا عَلى قُطْبِ مَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ مُطْلَقًا بَعْدَ بَيانِ تَبَعِيَّةِ كُفْرِ الكَفَرَةِ لِكَلِمَتِهِ ومَفْعُولُ المَشِيئَةِ هُنا مَحْذُوفٌ حَسَبَ المَعْهُودِ في نَظائِرِهِ أيْ لَوْ شاءَ سُبْحانَهُ إيمانَ مَن في الأرْضِ مِنَ الثَّقَلَيْنِ لَآمَنَ كُلُّهم بِحَيْثُ لا يَشِذُّ مِنهم أحَدٌ ﴿ جَمِيعًا ﴾ أيْ مُجْتَمِعِينَ عَلى الإيمانِ لا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ لَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَشاءُ إلّا ما يَعْلَمُ ولا يَعْلَمُ إلّا ما لَهُ ثُبُوتٌ في نَفْسِهِ فِيما لا ثُبُوتَ لَهُ أصْلًا لا يَعْلَمُ وما لا يَعْلَمُ لا يَشاءُ وإلى هَذا التَّعْلِيلِ ذَهَبَ الكُورانِيُّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ وأطالَ الكَلامَ في تَحْرِيرِهِ والذَّبِّ عَنْهُ في غَيْرِ ما رِسالَةٍ والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَشاؤُهُ لِكَوْنِهِ مُخالِفًا لِلْحِكْمَةِ الَّتِي عَلَيْها بِناءُ أساسِ التَّكْوِينِ والتَّشْرِيعِ والآيَةُ حُجَّةٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ الزّاعِمِينَ أنَّ اللَّهَ تَعالى شاءَ الإيمانَ مِن جَمِيعِ الخَلْقِ فَلَمْ يُؤْمِن إلّا بَعْضُهم والمَشِيئَةُ عِنْدَهم قِسْمانِ تَفْوِيضِيَّةٌ يَجُوزُ تَخَلُّفُ الشَّيْءِ عَنْها وقَسْرِيَّةٌ لا يَجُوزُ التَّخَلُّفُ عَنْها وحَمَلُوا ما في الآيَةِ عَلى هَذا الأخِيرِ فالمَعْنى عِنْدَهم لَوْ شاءَ رَبُّكَ مَشِيئَةَ إلْجاءِ وقَسْرِ إيمانِ الثَّقَلَيْنِ لَآمَنُوا لَكِنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَشَأْ كَذَلِكَ بَلْ أمَرَهم بِالإيمانِ وخَلَقَ لَهم اخْتِيارًا لَهُ ولِضِدِّهِ وفَوَّضَ الأمْرَ إلَيْهِمْ فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ وهَذا دَيْدَنُهم في كُلِّ ما ورَدَ عَلَيْهِمْ مِنَ الآياتِ الظّاهِرَةِ في إبْطالِ ما هم عَلَيْهِ وفِيهِ أنَّهُ لا قَرِينَةَ عَلى التَّقْيِيدِ مَعَ أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ ﴾ يَأْباهُ فِيما قِيلَ فَإنَّ الهَمْزَةَ لِلْإنْكارِ وهي لِصَدارَتِها مُقَدَّمَةٌ مِن تَأْخِيرٍ عَلى ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ والفاءُ لِلتَّفْرِيعِ والمَقْصُودُ تَفَرُّعُ الإنْكارِ عَلى ما قَبْلُ ولا فائِدَةَ بَلْ لا وجْهَ لِاعْتِبارِ مَشِيئَةِ القَسْرِ والإلْجاءِ خاصَّةً في تَفَرُّعِ الإنْكارِ وقِيلَ: إنَّ الهَمْزَةَ في مَوْضِعِها والعَطْفَ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ كَأنَّهُ قِيلَ: أرَبُّكَ لا يَشاءُ ذَلِكَ فَأنْتَ تُكْرِهُهم ﴿حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ 99﴾ والإنْكارُ مُتَوَجِّهٌ إلى تَرْتِيبِ الإكْراهِ المَذْكُورِ عَلى عَدَمِ مَشِيئَتِهِ تَعالى والإباءُ هو الإباءُ فَلا بُدَّ مِن حَمْلِ المَشِيئَةِ عَلى إطْلاقِها والمُرادُ بِالنّاسِ مَن طُبِعَ عَلَيْهِمْ أوِ الجَمِيعُ مُبالَغَةً وجُوِّزَ في (أنْتَ) أنْ يَكُونَ فاعِلًا بِمُقَدَّرٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ وأنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ الجُمْلَةُ بَعْدَهُ ويَعُدُّونَهُ فاعِلًا مَعْنَوِيًّا وتَقْدِيمُهُ لِتَقْوِيَةِ حُكْمِ الإنْكارِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّرِيفُ قُدِّسَ سِرُّهُ في شَرْحِ المِفْتاحِ وذَكَرَ فِيهِ أنَّ المَقْصُودَ إنْكارُ صُدُورِ الفِعْلِ مِنَ المُخاطَبِ لا إنْكارُ كَوْنِهِ هو الفاعِلَ مَعَ تَقَرُّرِ أصْلِ الفِعْلِ وقِيلَ: إنَّ التَّقْدِيمَ لِلتَّخْصِيصِ فَفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ الإكْراهَ أمْرٌ مُمْكِنٌ لَكِنَّ الشَّأْنَ في المُكْرَهِ مَن هو وما هو إلّا سُبْحانَهُ وحْدَهُ لا يُشارَكُ فِيهِ لِأنَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ القادِرُ عَلى أنْ يَفْعَلَ في قُلُوبِهِمْ ما يَضْطَرُّهم إلى الإيمانِ وذَلِكَ غَيْرُ مُسْتَطاعٍ لِلْبَشَرِ <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً يعني: وفَّقهم لذلك وهداهم.
ويقال: في الآية مضمر، ومعناه: ولو شاء ربك أن يؤمنوا، لآمنوا كلهم جميعاً.
أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ يعني: الكفار حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ويقال: هو عمه أبو طالب.
ولها وجه آخر: وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لأراهم علامة ليضطروا إلى الإيمان، كما فعل بقوم يونس، ولكن لم يفعل ذلك لأن الدنيا دار ابتلاء ومحنة.
ثم قال تعالى: وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ يعني: بإرادة الله تعالى وتوفيقه وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ يعني: الكفر عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ يعني: يترك حلاوة الكفر في قلوب الذين لا يرغبون في الإيمان.
ويقال: وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ يعني: الإثم.
ويقال: الرِّجْسَ يعني: العذاب.
قرأ عاصم، في رواية أبي بكر: وَنَجْعَلُ الرجس بالنون، وقرأ الباقون: بالياء.
ثم أخبر أنه لا عذر لمن تخلّف عن الإيمان، لأنه قد بيّن العلامات.
<div class="verse-tafsir"
ويحتمل اللفظ أن يريد ب مِمَّا أَنْزَلْنا/ جميعَ الشرع.
ت: وهذا التأويلُ عندي أُبَيْنُ إِذَا لُخِّص، وإِن كان قد استبعده ع «١» :
ويكون المراد ب مِمَّا أَنْزَلْنا: مَا ذكره سبحانه من قصصهم، وذِكْرِ صفته عليه السلام، وذكْرِ أنبيائهم وصِفَتِهم وسيرهم وسائِرِ أخبارهم الموافِقَةِ لِمَا في كتبهم المنزَّلة على أنبيائهم كالتوراة والإِنجيل والزَّبُور والصُّحُف، وتكون هذه الآية تَنْظُر إِلى قوله سبحانه: مَا كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ...
[يوسف: ١١١] ، فتأمَّله، واللَّه أعلم.
وأما قوله: هذا قولُ أهْل التأويل قاطبةً، فليس كذلكَ، وقد تكلَّم صاحب «الشفا» على الآية، فأحْسَنَ، ولفظهُ: واختلف في معنى الآية، فقيلَ: المرادُ: قل يا محمّد للشاكّ:
فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ ...
الآية، قالوا: وفي السورة نَفْسِهَا ما دلَّ على هذا التأويل، وهو قوله تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي ...
الآية [يونس: ١٠٤] ، ثم قال عياضٌ: وقيل: إِن هذا الشكّ: الذي أمر غير النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بسؤالِ الذين يقرؤون الكتاب عنه، إِنما هو في ما قصَّهُ اللَّه تعالى من أخبار الأمم، لا فيما دعا إِلَيْه من التوحيد والشريعة.
انتهى.
وقوله سبحانه: فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ ...
الآية: مما خوطب به النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والمراد سواه.
قال ع «٢» : ولهذا فائِدةٌ ليست في مخاطبة الناس به، وذلك شدَّة التخويفِ لأنه إذا كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يُحَذَّرُ مِنْ مثل هذا، فغيره من النَّاسِ أَوْلَى أَن يحذَّر ويتقى على نفسه.
وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ: أي: حقَّ عليهم في الأزل وخلقهم لعذابه لاَ يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ إِلا في الوقت الذي لا يَنْفَعهم فيه الإِيمان كما صنع فرعون وأشباهه، وذلك وقتُ المُعَايَنَةِ.
فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (٩٨) وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (١٠٠)
وقوله سبحانه: فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ ...
الآية: وفي مصحف أُبيٍّ وابنِ «١» مسعودٍ: «فَهَلاَّ» ، والمعنى فيهما واحدٌ، وأصل «لولا» التحضيضُ، أو الدلالةُ علَى مَنْعِ أَمرٍ لوجودِ غيرِهِ، ومعنى الآية: فَهَلاَّ آمَنَ أهْلُ قريةٍ، وهم على مَهَلٍ لم يتلبَّس العذابُ بهم، فيكون الإِيمان نافعاً لهم في هذا الحال، ثم استثنى قومَ يُونُسَ، فهو بحَسَب اللفظ استثناء منقطعٌ، وهو بحسب المعنَى متَّصلٌ لأن تقديره: ما آمن أهْلُ قريةٍ إِلا قَوْمَ يُونُسَ، وروي في قصَّة قوم يونُسَ: أن القوم لَمَّا كَفَروا، أي: تمادَوْا على كفرهم، أوحَى اللَّه تعالى إِليه أَنْ أَنذِرْهم بالعذاب لثالثة، فَفَعَلَ، فقالوا: هو رَجُلٌ لا يَكْذِب، فارقبوه فَإِن أَقام بَيْنَ أَظْهُرِكم، فلا عليكم، وإِن ارتحل عنكم، فهو نزولُ العَذَابِ لا شَكَّ فيه، فلَمَّا كان الليلُ، تزوَّد يُونُسُ، وخَرَجَ عنهم، فأصبحوا فَلَمْ يجدُوهُ، فتابوا ودَعُوا اللَّه، وآمنُوا، ولَبِسُوا المُسُوحَ، وفَرَّقوا بين الأُمَّهات والأولادِ من النَّاسِ والبهائمِ، وكان العذَابُ فيما رُوِيَ عن ابن عباس:
علَى ثُلُثَيْ مِيلٍ منهم «٢» ، وروي: على مِيلٍ «٣» ، وقال ابن جبير «٤» : غشيهمُ العذابُ كما يَغْشَى الثوبُ القَبْرَ، فرفَع اللَّه عنهم العذابَ، فلمَا مضَتِ الثالثة، وعَلِمَ يونُسُ أن العذاب لم يَنْزِلْ بهم، قال: كَيْفَ أنصَرِفُ، وقد وجَدُوني في كَذِبٍ، فذهب مغاضباً كما ذكر اللَّه سبحانه في غير هذه الآية، وذهب «٥» الطبريُّ إِلى أَنَّ قوم يونُسَ خُصُّوا من بين الأُمَمِ بِأَنْ تِيبَ عليهم مِنْ بَعْد معاينة العذاب، وذكر ذلك عن جماعة من المفسِّرين، وليس كذلك، والمعاينةُ التي لا تَنْفَعُ التوبةُ معها هي تلبُّس العذاب أو الموتِ بشَخْصِ الإِنسانِ، كقصَّة فرعون، وأمَّا قوم يونس فلم يَصِلُوا هذا الحَدِّ.
ت: وما قاله الطبريُّ عندي أبْيَنُ، وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ: يريد: إِلى آجالهم المقدَّرة في الأزل، وروي أن قوم يونس/ كانوا ب «نِينَوَى» من أرض المَوْصِلِ.
وقوله سبحانه: أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ: المعنى: أفأنت تكره
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن في الأرْضِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ حَرِيصًا عَلى إيمانِ جَمِيعِ النّاسِ، فَأخْبَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لا يُؤْمِنُ إلّا مَن سَبَقَتْ لَهُ السَّعادَةُ.
قالَ الأخْفَشُ: جاءَ بِقَوْلِهِ: " جَمِيعًا " مَعَ " كُلٍّ " تَأْكِيدًا كَقَوْلِهِ: ﴿ وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ، مِنهم مُقاتِلٌ: هَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، والصَّحِيحُ أنَّهُ لَيْسَ هاهُنا نَسْخٌ، لِأنَّ الإكْراهَ عَلى الإيمانِ لا يَصِحُّ، لِأنَّهُ عَمَلُ القَلْبِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا أفَأنْتَ تُكْرِهُ الناسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ إلا بِإذْنِ اللهِ ويَجْعَلُ الرِجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ قُلِ انْظُرُوا ماذا في السَماواتِ والأرْضِ وما تُغْنِي الآياتُ والنُذُرُ عن قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ المَعْنى: إنَّ هَذا الَّذِي تَقَدَّمَ إنَّما كانَ جَمِيعُهُ بِقَضاءِ اللهِ عَلَيْهِمْ ومَشِيئَتِهِ فِيهِمْ، ولَوْ شاءَ اللهُ لَكانَ الجَمِيعُ مُؤْمِنًا، فَلا تَأْسَفْ أنْتَ يا مُحَمَّدُ عَلى كُفْرِ مَن لَمْ يُؤْمِن بِكَ، وادْعُ ولا عَلَيْكَ، فالأمْرُ مَحْتُومٌ، أفَتُرِيدُ أنْتَ أنْ تُكْرِهُ الناسَ بِإدْخالِ الإيمانِ في قُلُوبِهِمْ وتَضْطَرُّهم إلى ذَلِكَ واللهُ عَزَّ وجَلَّ قَدْ شاءَ غَيْرَهُ؟
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا التَأْوِيلُ الآيَةُ عَلَيْهِ مُحْكَمَةٌ، أيِ:ادْعُ وقاتِلْ مَن خالَفَكَ، وإيمانُ مَن آمَنَ مَصْرُوفٌ إلى المَشِيئَةِ.
وَقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: أفَأنْتَ تُكْرِهُ الناسَ بِالقِتالِ حَتّى يَدْخُلُوا في الإيمانِ؟
وزَعَمَتْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في صَدْرِ الإسْلامِ وأنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَيْفِ، والآيَةُ -عَلى كِلا التَأْوِيلَيْنِ- رادَّةٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلُّهم جَمِيعًا ﴾ تَأْكِيدٌ وهو مِن فَصِيحِ الكَلامِ، و"جَمِيعًا" حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ ﴾ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ إلا بِإذْنِ اللهِ ﴾ الآيَةُ، رَدٌّ إلى اللهِ تَعالى، وأنَّ الحَوْلَ والقُوَّةَ في إيمانِ مَن يُؤْمِنُ لِلَّهِ، وكَوْنُ الرِجْسِ عَلى الكُفّارِ.
وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "وَنَجْعَلُ الرِجْسَ" بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأ الباقُونَ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "وَيَجْعَلُ" بِالياءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَيَجْعَلُ اللهُ الرِجْسَ"، والرِجْسُ يَكُونُ بِمَعْنى العَذابِ كالرِجْزِ، ويَكُونُ في مَعْنى القَذَرِ والنَجاسَةِ كالرِكْسِ، ذَكَرَهُ أبُو عَلِيٍّ هَنا وغَيْرُهُ، وهو في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى العَذابِ، و ﴿ لا يَعْقِلُونَ ﴾ يُرِيدُ: آياتِ اللهِ وحُجَجَ الشَرْعِ.
ومَعْنى الإذْنِ في هَذِهِ الآيَةِ: الإرادَةُ والتَقْدِيرُ لِذَلِكَ، فَهو العِلْمُ والتَمْكِينُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلِ انْظُرُوا ماذا في السَماواتِ والأرْضِ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ أمْرٌ لِلْكُفّارِ بِالِاعْتِبارِ والنَظَرِ في المَصْنُوعاتِ الدالَّةِ عَلى الصانِعِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن آياتِ السَماواتِ وأفْلاكِها وكَواكِبِها وسَحابِها ونَحْوِ ذَلِكَ، والأرْضِ ونَباتِها ومَعادِنِها وغَيْرِ ذَلِكَ، المَعْنى: انْظُرُوا في ذَلِكَ بِالواجِبِ فَهو يُنَبِّهُكم إلى المَعْرِفَةِ بِاللهِ والإيمانِ بِوَحْدانِيَّتِهِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ والعامَّةُ بِالبَصْرَةِ: "قُلِ انْظُرُوا" بِكَسْرِ اللامِ، وقَرَأ نافِعٌ وأهْلُ المَدِينَةِ: "قُلُ انْظُرُوا" بِضَمِّ اللامِ، ثُمَّ أعْلَمَ في آخِرِ الآيَةِ أنَّ النَظَرَ في الآياتِ والسَماعَ مِنَ "النُذُرِ" وهُمُ الأنْبِياءُ لا يُغْنِي إلّا بِمَشِيئَةِ اللهِ، وأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ نافِعٍ لِقَوْمٍ قَدْ قَضى اللهُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، وهَذا عَلى أنْ تَكُونَ "ما" نافِيَةً، ويَجُوزُ أنْ تُعَدَّ اسْتِفْهامًا عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ الَّذِي في ضِمْنِهِ نَفْيُ وُقُوعِ الغِناءِ، وفي الآيَةِ -عَلى هَذا- تَوْبِيخٌ لِحاضِرِي رَسُولِ اللهِ مِنَ المُشْرِكِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿ الآياتُ والنُذُرُ ﴾ حَصْرُ طَرِيقَيِ تَعْرِيفِ اللهِ تَعالى عِبادَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "وَما" في قَوْلِهِ: ﴿ وَما تُغْنِي ﴾ مَفْعُولَةً بِقَوْلِهِ: ﴿ انْظُرُوا ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ ماذا ﴾ ، أيْ: تَأمَّلُوا قَدْرَ غِناءِ الآياتِ والنُذُرِ عَنِ الكُفّارِ إذا قَبِلُوا ذَلِكَ كَفِعْلِ قَوْمِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ فَإنَّهُ يَرْفَعُ العَذابَ في الدُنْيا والآخِرَةِ، ويُنْجِي مِن الهَلَكاتِ، فالآيَةُ -عَلى هَذا- تَحْرِيضٌ عَلى الإيمانِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَجَوُّزُ اللَفْظِ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- إنَّما هو في قَوْلِهِ: ( لا يُؤْمِنُونَ ).
<div class="verse-tafsir"
عطف على جملة ﴿ إن الذين حقت عليهم كلمات ربك لا يؤمنون ﴾ [يونس: 97] لتسلية النبي صلى الله عليه وسلم على ما لقيه من قومه.
وهذا تذييل لما تقدم من مشابهة حال قريش مع النبي صلى الله عليه وسلم بحال قوم نوح وقوم موسى وقوم يونس.
وهذه الجملة كالمقدمة الكلية للجملة التي بعدها، وهي جملة: ﴿ أفأنت تكره ﴾ المفرعة على الجملة الأولى، وهي المقصود من التسلية.
والناس: العرب، أو أهل مكة منهم، وذلك إيماء إلى أنهم المقصود من سوق القصص الماضية كما بيّنّاه عند قوله تعالى: ﴿ واتل عليهم نبأ نوح ﴾ [يونس: 71].
والتأكيد ب ﴿ كلهم ﴾ للتنصيص على العموم المستفاد من (مَن) الموصولة فإنها للعموم، والتأكيد ب ﴿ جميعاً ﴾ لزيادة رفع احتمال العموم العرفي دون الحقيقي.
والمعنى: لو شاء الله لجعل مدارك الناس متساوية منساقة إلى الخير، فكانوا سواء في قبول الهدى والنظر الصحيح.
و (لو) تقتضي انتفاء جوابها لانتفاء شرطها.
فالمعنى: لكنه لم يشأ ذلك، فاقتضت حكمته أن خلق عقول الناس متأثرة ومنفعلة بمؤثرات التفاوت في إدراك الحقائق فلم يتواطؤا على الإيمان، وما كان لنفس أن تؤمن إلا إذا استكملت خلقة عقلها ما يهيئها للنظر الصحيح وحسن الوعي لدعوة الخير ومغالبة الهدى في الاعتراف بالحق.
وجملة: ﴿ أفأنت تكره الناس ﴾ الخ مفرّعة على التي قبلها، لأنّه لما تقرر أن الله لم تتعلق مشيئته باتفاق الناس على الإيمان بالله تفرع على ذلك إنكار ما هو كالمحاولة لتحصيل إيمانهم جميعاً.
والاستفهام في ﴿ أفأنت تُكره الناس ﴾ إنكاري، فنزّل النبي صلى الله عليه وسلم لحرصه على إيمان أهل مكة وحثيث سعيه لذلك بكل وسيلة صالحة منزلة من يحاول إكراههم على الإيمان حتى ترتب على ذلك التنزيل إنكاره عليه.
ولأجل كون هذا الحرص الشديد هو محل التنزيل ومصب الإنكار وقع تقديم المسند إليه على المسند الفعلي، فقيل: ﴿ أفأنت تُكره الناس ﴾ دون أن يقال: أفتكره الناس، أو أفأنت مُكره الناس، لأن تقديم المسند إليه على مثل هذا المسند يفيد تقوي الحكم فيفيد تقوية صدور الإكراه من النبي صلى الله عليه وسلم لتكون تلك التقوية محل الإنكار.
وهذا تعريض بالثناء على النبي ومعذرة له على عدم استجابتهم إياه، ومَن بلغ المجهود حق له العذر.
وليس تقديم المسند إليه هنا مفيداً للتخصيص، أي القصر، لأن المقام غير صالح لاعتبار القصر، إذ مجرد تنزيل النبي صلى الله عليه وسلم منزلة من يستطيع إكراه الناس على الإيمان كاف في الإشارة إلى تشبيه حرصه على إيمانهم بحرص من يستطيع إكراههم عليه.
فما وقع في «الكشاف» من الإشارة إلى معنى الاختصاص غير وجيه، لأن قرينة التقوي واضحة كما أشار إليه السكاكي.
والإكراه: الإلجاء والقسر.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ إلا بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مَعْناهُ إلّا بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّانِي: إلّا بِمَعُونَةِ اللَّهِ.
الثّالِثُ: إلّا بِإعْلامِ اللَّهِ سُبُلَ الهُدى والضَّلالاتِ.
﴿ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الرِّجْسَ السُّخْطُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّهُ العَذابُ، قالَهُ الفَرّاءُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الإثْمُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
الرّابِعُ: أنَّهُ ما لا خَيْرَ فِيهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الخامِسُ: أنَّهُ الشَّيْطانُ، قالَهُ قَتادَةُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ﴾ يَعْنِي لا يَعْقِلُونَ عَنِ اللَّهِ تَعالى أمْرَهُ ونَهْيَهُ ويَحْتَمِلُ أنَّهُمُ الَّذِينَ لا يَعْتَبِرُونَ بِحُجَجِهِ ودَلائِلِهِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه قال: بلغني أن في حرف ابن مسعود رضي الله عنه ﴿ فهلا كانت قرية آمنت ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك رضي الله عنه في قوله: ﴿ فلولا كانت قرية آمنت ﴾ يقول: فما كانت قرية آمنت.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك رضي الله عنه قال: كل ما في القرآن فلولا فهو فهلا إلا في حرفين في يونس ﴿ فلولا كانت قرية آمنت ﴾ والآخر ﴿ فلولا كان من القرون من قبلكم ﴾ [ هود: 116] .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فلولا كانت قرية آمنت ﴾ قال: فلم تكن قرية آمنت.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه ﴿ فلولا كانت قرية آمنت...
﴾ الآية.
يقول: لم يكن هذا في الأمم قبل قوم يونس لم ينفع قرية كفرت ثم آمنت حين عاينت العذاب إلا قوم يونس عليه السلام فاستثنى الله قوم يونس، وذكر لنا أن قوم يونس كانوا بنينوى من أرض الموصل، فلما فقدوا نبيهم عليه السلام قذف الله تعالى في قلوبهم التوبة فلبسوا المسوح، وأخرجوا المواشي، وفرقوا بين كل بهيمة وولدها، فعجوا إلى الله أربعين صباحاً، فلما عرف الله الصدق من قلوبهم والتوبة والندامة على ما مضى منهم، كشف عنهم العذاب بعد ما تدلى عليهم لم يكن بينهم وبين العذاب إلا ميل.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فلولا كانت قرية آمنت...
﴾ الآية.
قال: لم تكن قرية آمنت فنفعها الإِيمان إذا نزل بها بأس الله.
إلا قرية: يونس.
وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «في قوله: ﴿ إلا قوم يونس لما آمنوا ﴾ قال: لما دعوا» .
وأخرج ابن أبي حاتم واللالكائي في السنة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: إن الحذر لا يرد القدر وإن الدعاء يرد القدر، وذلك في كتاب الله: ﴿ إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي ﴾ .
وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن الدعاء ليرد القضاء وقد نزل من السماء، اقرأوا إن شئتم ﴿ إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم ﴾ فدعوا صرف عنهم العذاب.
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن يونس دعا قومه فلما أبوا أن يجيبوه وعدهم العذاب فقال: إنه يأتيكم يوم كذا وكذا.
ثم خرج عنهم- وكانت الأنبياء عليهم السلام إذا وعدت قومها العذاب خرجت- فلما أظلهم العذاب خرجوا ففرقوا بين المرأة وولدها، وبين السخلة وأولادها، وخرجوا يعجبون إلى الله علم الله منهم الصدق فتاب عليهم وصرف عنهم العذاب، وقعد يونس في الطريق يسأل عن الخبر، فمر به رجل فقال: ما فعل قوم يونس؟
فحدثه بما صنعوا فقال: لا أرجع إلى قوم قد كذبتهم.
وانطلق مغاضباً يعني مراغماً» .
وأخرج أحمد في الزهد وابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن العذاب كان هبط على قوم يونس حتى لم يكن بينهم وبينه إلا قدر ثلثي ميل، فلما دعوا كشف الله عنهم.
وأخرج أحمد في الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال: غشي قوم يونس العذاب كما يغشى القبر بالثوب إذا أدخل فيه صاحبه، وأمطرت السماء دماً.
وأخرج عبد الرزاق وأحمد في الزهد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ إلا قوم يونس لما آمنوا ﴾ قال: بلغنا أنهم خرجوا فنزلوا على تل وفرقوا بين كل بهيمة وولدها، فدعوا الله أربعين ليلة حتى تاب عليهم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن علي رضي الله عنه قال: تيب على قوم يونس عليه السلام يوم عاشوراء.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال: بعث يونس عليه السلام إلى قرية يقال لها على شاطئ دجلة.
وأخرج أحمد في الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي الخلد رضي الله عنه قال: لما غشي قوم يونس عليه السلام العذاب مشوا إلى شيخ من بقية علمائهم فقالوا له: ما ترى؟
قال: قولوا يا حي حين لا حي، ويا حي محيي الموت، ويا حي لا إله إلا أنت.
فقالوا فكشف عنهم العذاب.
وأخرج ابن النجار عن عائشة رضي الله عنهما قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ينجي حذر من قدر، وأن الدعاء يدفع من البلاء، وقد قال الله في كتابه ﴿ إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين ﴾ » .
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما دعا يونس على قومه أوحى الله إليه أن العذاب مصبحهم.
فقالوا: ما كذب يونس وليصحبنا العذاب، فتعالوا حتى نخرج سخال كل شيء فنجعلها مع أولادنا فلعل الله أن يرحمهم.
فأخرجوا النساء معهن الولدان، وأخرجوا الإِبل معها فصلانها، وأخرجوا البقر معها عجاجيلها، وأخرجوا الغنم معها سخالها فجعلوه إمامهم، وأقبل العذاب فلما أن رأوه جأروا إلى الله ودعوا، وبكى النساء والولدان، ورغت الإِبل وفصلانها، وخارت البقر وعجاجيلها، وثغت الغنم وسخالها، فرحمهم الله فصرف عنهم العذاب إلى جبال آمد، فهم يعذبون حتى الساعة.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ ﴾ الآية، قال ابن عباس: كان رسول الله حريصًا على أن يؤمن جميع الناس ويتابعوه على الهدى، فأخبره الله أنه لا يؤمن إلا من سبق له من الله [سعادة في الذكر الأول، ولا يضل إلا من سبق له من الله] (١) (٢) (٣) (٤) حريصًا على إسلام أبي طالب، فأبى الله عليه إلا من علم في سابق علمه (٥) ﴿ أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ ﴾ يريد أبا طالب (٦) (١) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).
(٢) في (ى): (شقاوة)، وما أثبته موافق لما في "تفسير ابن جرير"، وقوله: (من الله الشقاء) ساقط من (ح) و (ز).
(٣) رواه ابن جرير في "تفسيره" 11/ 173، والبيهقي في كتاب "الأسماء والصفات" 1/ 147، وفي كتاب "الاعتقاد" ص 106، والثعلبي في "تفسيره" 7/ 30 ب، وهو من رواية علي بن أبي طلحة.
(٤) ساقط من (ح) و (ز).
(٥) رواه بنحوه الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 219، وبمعناه أبو سهل السري بن سهل كما في "الدر المنثور" 6/ 429، وأصله في "صحيح مسلم" (24، 25) كتاب الإيمان، باب: الدليل على صحة إسلام من حضره الموت ما لم يشرع في النزع من حديث المسيب وأبي هريرة.
(٦) انظر: "تنوير المقباس" ص 220.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ الناس حتى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ الهمزة للإنكار أي أتريد أنت أن تكره الناس في إدخال الإيمان في قلوبهم وتضطرهم إلى ذلك، وليس ذلك إليك إنما هو بيد الله، وقيل: المعنى أفأنت تكره الناس بالقتال حتى يؤمنوا أو كان هذا في صدر الإسلام قبل الأمر بالجهاد ثم نسخت بالسيف.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ وأنا ﴾ مثل ﴿ أنشانا ﴾ و ﴿ نجعل ﴾ بالنون: يحيى وحماد.
الآخرون بالياء التحتانية.
﴿ ثم ننجي ﴾ من الإنجاء: نصر وروح ويزيد.
﴿ ننجي المؤمنين ﴾ من الإنجاء أيضاً: علي وسهل ويعقوب وحفص والمفضل.
الآخرون بالتشديد فيهما.
الوقوف: ﴿ الطيبات ﴾ ج للابتداء بالنفي مع الفاء ﴿ العلم ﴾ ط ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ من قبلك ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى ﴿ الممترين ﴾ ه لا للعطف ﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه لا لتعلق لو بما قبلها ﴿ الأليم ﴾ ه ﴿ يونس ﴾ ط ﴿ حين ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ بإذن الله ﴾ ط أي وهو يجعل ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط للفصل بينالاستخبار والإخبار.
﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ من المنتظرين ﴾ ه ﴿ كذلك ﴾ ج لاحتمال يراد ننجيهم كإنجاء الرسل أو يكون الوقف على ﴿ آمنوا ﴾ والتقدير ننجي المؤمنين إنجاء كذلك و ﴿ حقا علينا ﴾ اعتراض.
﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ يتوفاكم ﴾ ج لاحتمال أن يراد وقد أمرت ﴿ المؤمنين ﴾ ه لا للعطف ﴿ حنيفاً ﴾ ج للعطف مع زيادة نون التأكيد المؤذن بالاستئناف ﴿ المشركين ﴾ ه ﴿ ولا يضرك ﴾ ج للابتداء بالشرط مع الفاء ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ج للعطف مع حق الفصل بين المتضادين ﴿ لفضله ﴾ ط ﴿ من عباده ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ من ربكم ﴾ ج ﴿ لنفسه ﴾ ج ﴿ عليها ﴾ ج للعطف مع النفي ﴿ بوكيل ﴾ ه ط ﴿ يحكم الله ﴾ ج لاحتمال العطف والاستئناف ﴿ الحاكمين ﴾ ه.
التفسير: لما ذكر ما وقع عليه الختم في واقعة فرعون وجنوده أراد أن يذكر ما وقع عليه الختم في واقعة بني إسرائيل فقال: ﴿ ولقد بوأنا ﴾ أي أسكناهم مسكن صدق أو إسكان صدق فيكون المبوأ اسم مكان أو مصدراً، والعرب إذا مدحت شيئاً أضافته إلى الصدق ليعلم أن كل ما يظن به من الخير ويطلب منه فإنه يصدق ذلك الظن ويوجد فيه فيكون المعنى منزلاً صالحاً مرضياً.
والمراد ببني إسرائيل إما اليهود الذين كانوا في زمن موسى فمبوّأ الصدق الشام ومصر وما يدانيها فإنها بلاد كثيرة الخصب غزيرة الأرزاق ومع ذلك فقد أورثهم الله جميع ما كان تحت تصرف فرعون وقومه من الناطق والصامت ﴿ فما اختلفوا ﴾ في دنيهم وما تشعبوا فيه شعباً وكانوا على طريقة واحدة حتى قرأوا التوراة فقابلوها بضد المقصود منها وبدلوا الاتفاق بالاختلاف وأحدثوا المذاهب المتعددة، وإما اليهود المعاصرون لرسول الله ، وإلى هذا ذهب جم غفير من المفسرين.
عن ابن عباس:هم قريظة والنضير وبنو قينقاع، أنزلناهم منزل الصدق ما بين المدينة والشام ورزقناهم من طيبات تلك البلاد رطباً وتمراً ليس في غيرها، فبقوا على دينهم ولم يظهر فيهم الاختلاف حتى جاءهم سبب العلم وهو القرآن النازل على محمد فاختلفوا في نعته وصفته، وآمن به قوم وبقي على الكفر آخرون.
وبالجملة فالله يقضي بين المحقين منهم والمبطلين في يوم الجزاء لأن دار التكليف ليست دار القضاء.
ولما بيّن كيفية اختلاف اليهود في شأن كتابهم أو في شأن رسوله حقق حقيقته وحقيقة ما أنزل عليه بقوله: ﴿ فإن كنت في شك ﴾ والشك في اللغة ضم الشيء بعضه إلى بعض ومنه شك الجوهر في العقد، وشككته بالرمح أي خرقته وانتظمته، والشكيكة الفرقة من الناس، والشكاك البيوت المصطفة.
والشاك يضم إلى ما يتوهمه شيئاً آخر خلافه، والخطاب فيه للرسول في الظاهر والمراد أمته كقوله: ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم ﴾ والدليل عليه قوله بعيد ذلك ﴿ قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني ﴾ ولأنه لو كان شاكاً في شأنه لكان غيره بالشك أولى.
ويمكن أن يقال: الخطاب للرسول حقيقة ولكن ورد على سبيل الفرض والتمثيل كأنه قيل: فإن وقع لك شك مثلاً والقضية الشرطية لا إشعار فيها ألبتة بوقوع الشرط ولا عدم وقوعه، بل المراد استلزام الأول للثاني على تقدير وقوع الأول.
وقد يكونان محالين كقول القائل: إن كانت الخمسة زوجاً كانت منقسمة بمتساويين.
وفيه من الفوائد الإرشاد إلى طلب الدلائل لأجل مزيد اليقين وحصول الطمأنينة، وفيه استمالة لأمته والحث لهم على السؤال عما كانوا منه في شك، وفيه أن أهل الكتاب من الإحاطة بصحة ما أنزل إليك بحيث يصلحون لمراجعة مثلك فضلاً عن غيرك فيكون الغرض وصف الأحبار بالرسوخ في العلم بصحة ما أنزل إلى الرسول لا وصف الرسول بالشك، ولذلك قال عند نزوله: لا أشك ولا أسأل بل أشهد أنه الحق.
وعن ابن عباس: لا والله ما شك طرفة عين ولا سأل أحداً منهم.
وقيل: "إن" نافية أي فما كنت في شك يعني لا نأمرك بالسؤال لأنك شاك ولكن لتزداد يقيناً.
وقيل: الخطاب لكل سامع يتأتى منه الشك.
ومن المسؤول منه قال المحققون: هم مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وعبد الله بن صوريا وتميم الداري وكعب الأحبار لأنهم هم الذين يوثق بخبرهم.
ومنهم من قال: الكل سواء لأنهم إذا بلغوا حد التواتر وقرأوا آية من التوراة والإنجيل تدل على البشارة بمقدم محمد فقد حصل الغرض، لأن تلك الآية لما بقيت مع توفر دواعيهم على تحريف نعته كانت من أقوى الدلائل.
والظاهر أن المقصود من السؤال معرفة حقيقة القرآن وصحة نبوة محمد لقوله: ﴿ مما أنزلنا إليك ﴾ وقيل: السؤال راجع إلى قوله: ﴿ فما اختلفوا حتى جاءهم العلم ﴾ .
ثم إنه لما بين الطريق المزيل للشك شهد بحقيته فقال: ﴿ لقد جاءك الحق من ربك ﴾ ثم إن فرق المكلفين بعد المصدقين إما متوقفون في صدقه وإما مكذبون فنهى الفريقين مخاطباً في الظاهر لنبيه قائلاً ﴿ فلا تكونن من الممترين ولا تكونن ﴾ الآية.
والمراد فاثبت ودم على ما أنت عليه من انتفاء المرية وانتفاء التكذيب، وفيه من التهييج والبعث على اليقين والتصديق ما فيه.
ثم لما زجر كل فريق عما زجر بين أن له عباداً قضى عليهم بالشقاء وعباداً ختم لهم بالحسنى فلا يتغيرون عن حالهم ألبتة.
أما الأولون فأشار إليهم بقوله: ﴿ إن الذين حقت ﴾ الآية.
وقد مر مثله في هذه السورة.
وقالت المعتزلة: إن عدم إيمان هذا الفريق إلى حين وقوع اليأس وموتهم على الكفر مكتوب عند الله وثبت عليهم قوله في الأزل بما يجري عليهم، لكنها كتابة معلوم لا كتابة مقدر ومراد.
وقالت الأشاعرة: كلمته حكمة وإرادته وخلقه فيهم الكفر، وقد مر أمثال هذه الأبحاث مراراً كثيرة.
وأما الآخرون فذلك قوله: ﴿ فلولا كانت ﴾ أي فهلا حصلت ﴿ قرية ﴾ واحدة ﴿ آمنت ﴾ تابت عن الكفر وأخلصت الإيمان قبل معانية العذاب ﴿ فنفعها إيمانها ﴾ لوقوعه في وقت الاختيار والتكليف دون أوان اليأس والاضطرار ﴿ إلا قوم يونس ﴾ هو استثناء منقطع أي ولكن قوم يونس لأن أول الكلام جرى على القرية وإن كان المراد أهلها.
وقيل: إن "لولا" في هذا المقام بمعنى النفي كأنه قيل: ما آمنت قرية من القرى الهالكة إلا قوم يونس.
يروى أن يونس بعث إلى نينوى من أرض الموصل فكذبوه فذهب عنهم مغاضباً كما سيجيء في سورة الأنبياء، فلما فقدوه خافوا نزول العذاب فلبسوا المسوح وعجوا أربعين ليلة.
وقيل: قال لهم يونس إن أجلكم أربعون ليلة فقالوا: إن رأينا أسباب الهلاك آمنا بك، فلما مضت خمس وثلاثون أغامت السماء غيماً أسود هائلاً يدخن دخاناً شديداً ثم يهبط حتى يغشى مدينتهم ويسوّد سطوحهم، فلبسوا المسوح وبرزوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم وفرّقوا بين النساء والصبيان وبين الدواب وأولادها، فحنّ بعضها إلى بعض وعلت الأصوات والعجيج وأظهروا الإيمان والتوبة وتضرعوا فرحمهم وكشف عنهم وكان يوم عاشوراء يوم الجمعة.
وعن ابن مسعود: بلغ من توبتهم أن ترادوا المظالم حتى إن الرجل منهم كان يقتلع الحجر وقد وضع عليه أساس بنائه فيرده.
وقيل: خرجوا إلى شيخ من بقية علمائهم فقالوا: قد نزل بنا العذاب فما ترى؟
فقال لهم: قولوا يا حي حين لا حي ويا حي محيي الموتى ويا حي لا إله إلا أنت، فقالوها فكشف عنهم ومتعوا بالإيمان والأعمال الصالحة وبالخيرات الدنيوية إلى حين انقضاء آجالهم.
وعن الفضيل بن عياض قالوا: اللهم إن ذنوبنا قد عظمت وجلت وأنت أعظم منها وأجل، افعل بنا ما أنت أهله ولا تفعل بنا ما نحن أهله.
ثم بيّن أن الإيمان وضده كلاهما بمشيئة الله وتقديره فقال: ﴿ ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً ﴾ قالت الأشاعرة: هذه القضية تفيد الشمول والإحاطة لكنه ما حصل إيمان أهل الأرض بالكلية فدل هذا على أنه ما أراد إيمان الكل.
وأول المعتزلة المشيئة بمشيئة الإلجاء والقسر.
وأجيب بأن الكلام في الإيمان الذي كان يطلبه النبي منهم وهو الإيمان المنوط به التكليف لا الإيمان القسري الذي لا ينتفع به المكلف، فلو حمل الإيمان المذكور في الآية وكذا المشيئة على إيمان الإلجاء ومشيئة القسر لم ينتظم الكلام.
ثم ذكر أن القدرة القاهرة والمشيئة النافذة ليست إلا للحق وتعالى فقال: ﴿ أفأنت تكره ﴾ فأولى الاسم حرف الاستفهام للإعلام بأن الإكراه ممكن مقدور عليه، وإنما الكلام في المكره من هو وما هو إلا الله وحده.
فحمل المعتزلة هذا الإكراه على الإلجاء ومعناه أن يفعل في قلوبهم ما يضطرون عنده إلى الإيمان.
وحمل الأشاعرة الإكراه على خلق الإيمان ومعناه أنه قادر على خلق الإيمان والكفر فيهم لا أنت بدليل قوله: ﴿ وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس ﴾ أي الكفر والفسق ﴿ على الذين لا يعقلون ﴾ وفسر المعتزلة الإذن بمنح الألطاف والرجس بالخذلان، لأن الرجس هو العذاب والخذلان سببه، وخصصوا النفس بالنفس المعلوم إيمانها والذين لا يعقلون يعني المصرين على الكفر.
واستدلت الأشاعرة بقوله: ﴿ وما كان لنفس ﴾ على أنه لا حكم للأشياء قبل ورود الشرع لأن الإذن عبارة عن الإطلاق في الفعل ورفع الحجر.
وإذا كان أصل الشرع - وهو الإيمان بإذن الله - فما ترتب عليه أولى.
أجابت المعتزلة بأن المراد بالإذن التوفيق والتسهيل والألطاف.
ولما بين أن الإيمان لا يحصل إلا بمشيئة الله تعالى أمر بالنظر والاستدلال بالدلائل السماوية والأرضية حتى لا يتوهم أن الحق هو الجبر المحض فقال: ﴿ قل انظروا ماذا في السموات والأرض ﴾ أي شيء فيهما من الآيات والعبر.
ثم ذكر أن التفكر والتدبر في هذه الدلائل لا ينفع في حكم الله عليه في الأزل بالشقاء فقال: ﴿ وما تغني ﴾ يحتمل أن تكون "ما" نافية أي لا تفيد هذه ﴿ الآيات والنذر ﴾ وهي جمع نذير صفة أو مصدر في حق المحكوم عليهم بعدم الإيمان.
وأن تكون} استفهامية للإنكار بمعنى أي شيء يغني عنهم؟
ثم قال: ﴿ فهل ينتظرون ﴾ والمراد أن الأنبياء المتقدمين كانوا يتوعدون كفار زمانهم بأيام مشتملة على أنواع العذاب أو بوقائع الله فيهم وهم يكذبونهم ويسخرون منهم، وكذلك كان يفعل الكفار المعاصرون للرسول فقال ﴿ قل فانتظروا ﴾ وفيه تهديد ووعيد بأنه سينزل بهؤلاء مثل ما أنزل بأولئك من الإهلاك بعد إنجاء الرسول وأتباعه كما حكى تلك الأحوال الماضية بقوله: ﴿ ثم ننجي رسلنا ﴾ الآية.
قالت المعتزلة: ﴿ حقاً علينا ﴾ المراد به الوجوب والاستحقاق إذ لا يحسن تعذيب الرسول والمؤمنين.
وقالت الأشاعرة: إنه حق بحسب الوعد والحكم فإن العبد لا يستحق على خالقه شيئاً.
ثم أمر رسوله بإظهار التباين الصريح بين طريقته وطريقة المشركين فقال: ﴿ قل يا أيها الناس ﴾ والمعنى يا أهل مكة إن كنتم لا تعرفون ديني فاعلموا أني مبرأ عن أديانكم الباطلة ﴿ ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم ﴾ وتخصيص هذا الوصف لأنه يدل على الخلق أوّلاً وعلى الإعادة ثانياً كما مر مراراً، أو لأن الموت أشد الأحوال مهابة في القلوب فكان أقوى في الزجر والردع، أو لأنه قد قدم ذكر الإهلاك والوقائع النازلة بالأمم الخالية فكأنه قال: أعبد الله الذي وعدني بإهلاككم وإنجائي.
وفي الآية إشارة إلى أنه لن يوافقهم في دينهم كيلا يشكوا في أمره ويقطعوا أطماعهم عنه.
ولما ذكر أنه لا يعبد إلا الله بين أنه مأمور بالإيمان والمعرفة فقال: ﴿ وأمرت أن أكون ﴾ أي بأن أكون ﴿ من المؤمنين ﴾ ثم عطف عليه قوله: ﴿ وأن أقم وجهك ﴾ ولا تدع نظراً إلى المعنى كأنه قيل له: كن مؤمناً ثم أقم ولا تدع، أو المراد وأمرت بكذا وأوحي إلي أن أقم.
قال في الكشاف: قد سوغ سيبويه أن يوصل "أن" بالأمر والنهي وشبه ذلك بقولهم: أنت الذي تفعل على الخطاب لأن الغرض وصلها بما يكون معه في معنى المصدر، والأمر والنهي دالان على المصدر دلالة غيرهما من الأفعال، ومعنى ﴿ أقم وجهك ﴾ استقم إليه ولا تلتفت يميناً ولا شمالاً.
و ﴿ حنيفاً ﴾ حال من ﴿ الدين ﴾ أو من الوجه.
قال المحققون: الوجه ههنا وجه العقل أو المراد توجه الكلية إلى طلب الدين كمن يريد أن ينظر إلى شيء نظراً تاماً فإنه يقيم وجهه في مقابلته لا يصرفه عنه.
ثم أكد الأمر بالنهي عن ضده فقال: ﴿ ولا تكونن من المشركين ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت ﴾ أي فإن دعوت من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك، وكنى عنه بالفعل للاختصار.
و "إذا" جزاء للشرط وجواب لسؤال مقدر كأن سائلاً سأل عن تبعة عبادة الأوثان وجعل من الظالمين لأن إضافة التصرف بالاستقلال إلى ما سوى مدبر الكل وضع للشيء في غير موضعه.
ثم صرح بأنه مبدأ الكائنات ومنتهى الحاجات لا غيره فقال: ﴿ وإن يمسسك الله ﴾ الآية.
وقد مر تفسير مثلها في أول سورة الأنعام.
قال الواحدي: ﴿ وإن يردك بخير ﴾ من القلب وأصله وإن يرد بك الخير، ولكنه لما تعلق كل واحد منهما بالآخر جاز إبدال كل واحد منهمابالآخر.
وأقول في تخصيص الإرادة بجانب الخير والمس بجانب الشر دليل على أن الخير يصدر عنه بالذات والشر بالعرض.
ثم ختم السورة بما يستدل به على قضائه وقدره في الهداية والضلال فقال: ﴿ قل يا أيها الناس ﴾ الآية.
وفسرها الأشاعرة بأن من حكم له في الأزل بالاهتداء فسيقع له ذلك، وإن من حكم له بالضلال فكذلك ولا حيلة في دفعه كما مر في سورة الأنعام ﴿ قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ﴾ الآية.
وقالت المعتزلة: المراد أنه بين الشريعة وأزاح العلة وقطع المعذرة، فمن اختار الهدى فما نفع باختياره إلا نفسه، ومن آثر الضلال فلا يعود وباله إلا على نفسه.
يروى عن ابن عباس أن الآية منسوخة بآية القتال ولا يخفى ضعفه.
ثم أمره باتباع الوحي والتنزيل فإن وصل إليه بسبب الاتباع مكروه فليصبر عليه إلى أن يحكم الله وهو خير الحاكمين.
ولبعضهم في الصبر: سأصبر حتى يعجز الصبر عن صبري *** وأصبر حتى يحكم الله في أمري سأصبر حتى يعلم الصبر أنني *** صبرت على شيء أمر من الصبر التأويل: ﴿ ولقد بوأنا بني إسرائيل ﴾ يعني متولدات الروح العلوي من القلب والسر دون النفس لأنها من البنات لا من البنين ﴿ مبوأ صدق ﴾ منزلاً علياً في العالم النوراني ﴿ وزقناهم من الطيبات ﴾ من الفيض الرباني الفائض على الروح لأن الروح مستوٍ على عرش القلب، فكل ما فاض من صفة الروحانية على الروح يفيض الروح على القلب والسر، فما اختلف القلب والسر حتى جاءهم دعوة النبي : فمن قبلها صار مقبولا، ومن ردها كان مردوداً.
وبوجه آخر ﴿ مبوأ صدق ﴾ بين الأصبعين من أصابع الرحمن ﴿ فما اختلفوا ﴾ حتى أدركهم علم الله الأزلي بالسعادة والشقاء ﴿ فإن كنت في شك ﴾ خلق الإنسان ضعيفاً، فإذا انفتح عليه أبواب الكرامات وهبت رياح السعادات فربما ظن أنه مما يخادع به الأطفال فلا يدري هل هو من كرامة الاجتباء أو من وخامة الابتلاء، فكان النبي من خصوصية ﴿ إنما أنا بشر مثلكم ﴾ يرتع في هذه الرياض وباختصاص ﴿ يوحي إلي ﴾ يسقى بكساسات المناولات من تلك الحياض.
فشك عند سكره أنها من شهود التلوين أو من كشوف التمكين، فأدركته العناية الأزلية فأكرم بخطاب ﴿ لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن ﴾ بل كان هذا النهي نهي التكوين فما كان ممترياً ولهذا قال: والله لا أشك ولا أسأل.
﴿ إلا مثل أيام الذين خلوا ﴾ من أنه كل ميسر لما خلق له ﴿ قل فانتظروا ﴾ ظهور ما قدر لكم ﴿ ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم ﴾ بالفناء عن النفس وصفاتها حنيفاً طاهراً عن لوث الالتفات إلى ما سواه والله أعلم.
قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ .
قوله: ﴿ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ﴾ هو قوله - عز وجل -: ﴿ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾ هذا يكون في الختم من يختم به يعني بالكفر فقد حقت كلمة ربك لأملأن جهنم، أو ﴿ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ﴾ ما ذكر في آية أخرى: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلْكِتَابِ...
﴾ الآية [الأعراف: 37]، أو كلمة ربك ما ذكر: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ﴾ أي: علم ربك بأحوالهم، أي: من كان علمه أنه لا يؤمن فلا يؤمن وقت اختياره الكفر؛ كقوله: ﴿ مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ ﴾ [أي: من يضلل الله فلا هادي له] وقت اختيارهم الكفر؛ وكذلك قوله: ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ وقت اختيارهم الظلم ونحو ذلك، فالتأويل الأول يرجع إلى الختم به، والثاني: إلى وقت من ثبت عليه علم ربه أنه لا يؤمن إلى وقت أنه لا يؤمن في ذلك الوقت.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ ﴾ قيل: في الدنيا إيمان دفع العذاب ويحتمل في الدنيا، وقد ذكرنا هذا.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ...
﴾ الآية، أي: لم تكن القرى آمنت عند معاينة البأس إيمانا نفعها إلا إيمان قوم يونس، فإنهم آمنوا إيمان حقيقة وعلم الله صدقهم من إيمانهم فنفعهم إيمانهم، هذا يخرج على وجوه: أحدها: أن سائر القرى كان إيمانها عند إقبال العذاب إليهم ووقوعه عليهم، فلم ينفعهم [إيمانهم] إلا قوم يونس، [فإن إيمانهم إنما كان لتخويف العذاب فينفعهم.
والثاني: يحتمل أن يكون قوم يونس] كان نزول العذاب بهم على التخيير والتمكين إن قبلوا الإيمان أمنوا دفع العذاب عنهم، وإن لم يقبلوا نزل بهم.
والثالث: [إنما] كان إيمان سائر القرى بعدما عاينوا مقامهم في النار فآمنوا، فيكون إيمانهم إيمان اضطرار، وقوم يونس آمنوا قبل أن يعاينوا ذلك، ويشبه أن يكون قوله: ﴿ فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ ﴾ بعد وقوع العذاب والبأس، ﴿ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ ﴾ فإنهم آمنوا إذ عاينوا العذاب قبل أن يقع بهم، وإيمان فرعون وقومه إنما كان بعدما غرقوا وبعدما خرجت أنفسهم من أيديهم فلم يقبل، وإيمان قوم يونس كان قبل أن يقع العذاب بهم وأنفسهم في أيديهم بعد فقبل، وهو ما ذكر عز وجل: ﴿ وَإِذ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ...
﴾ الآية [الأعراف: 171]، آمنوا بعدما عاينوا قبل أن يقع بهم وسائر الأمم الخالية كان منهم الإيمان بعد وقوع العذاب بهم من نحو عاد وثمود وأمثاله، وأصله ما ذكرنا آنفاً.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلخِزْيِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ .
قوله: ﴿ كَشَفْنَا عَنْهُمْ ﴾ : بحلول العذاب بهم، ﴿ عَذَابَ ٱلخِزْيِ ﴾ : هو العذاب الفاضح وإلا الخزي هو العذاب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي ٱلأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً ﴾ : قالت المعتزلة: [قوله]: ﴿ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي ٱلأَرْضِ ﴾ مشيئة القهر والقسر، لو شاء لأجبرهم وقهرهم جميعاً فيؤمنوا وإلا فقد شاء أن يؤمنوا مشيئة الاختيار لكنهم لم يؤمنوا، واستدلوا على ذلك بقوله: ﴿ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ .
فيقال لهم: إن مشيئة الاختيار هي الظاهرة عندكم ومشيئة الجبر والقهر غائبة، فإذا وجد منه مشيئة الاختيار فلم يؤمنوا ولم تنفذ مشيئته فيهم كيف يصدق هو في الإخبار عن المشيئة التي [هي غائبة] أنها لو كانت لآمنوا هذا فاسد على قولهم.
وبعد فإن المشيئة لو كانت مشيئة القهر لكانوا مؤمنين بتلك المشيئة وهي خلقة؛ لأن كل كافر مؤمن بخلقته؛ لأن خلقة كل أحد تشهد على وحدانية الله، فإذا كانوا مؤمنين بالخلقة ثم ذكر أنه لو شاء لآمنوا دل أنه لم يرد به مشيئة القهر ولكنه أراد مشيئة الاختيار، وتأويله عندنا هو أن عند الله لطف لو أعطاهم كلهم لآمنوا جميعاً، لكنه إذ علم أنهم لا يؤمنون لم يعطهم وهو التوفيق والعصمة، لكنه إذ علم منهم أنهم لا يؤمنون شاء ألا يؤمنوا، ثم لا يحتمل أن يتحقق الإيمان بالجبر والقهر؛ لأنه عمل القلب والجبر والإكراه مما لا يعمل على القلب، فهو وإن تكلم بكلام الإيمان فلا يكون مؤمنا حتى يؤمن بالقلب، فيكون التأويل على قولهم: ولو شاء ربك فلا يؤمنوا، فهذا متناقض فاسد.
وبعد فإن الإيمان لا يكون في حال الإكراه والإجبار؛ لأن الإكراه يزيل الفعل عن المكره كأن لا فعل له في الحكم.
وقوله: ﴿ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ فإن قيل: أليس قال الله - عز وجل -: ﴿ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ﴾ أي: حتى يسلموا وذلك إكراه، وقال [رسول الله ]: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله" فذلك إكراه، فكيف يجمع بين الآيتين؟!
قيل لوجهين: أحدهما: ما ذكر أن هذه السورة مكية، وقوله: ﴿ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ﴾ مدنية، فيحتمل قوله: ﴿ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ أي: لا تكرههم ثم أمر بالقتال بالمدينة والحرب والإكراه عليه.
والثاني: يجوز أن يجمع بين الآيتين، وهو أن يكون قوله: ﴿ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ﴾ أي: تقاتلونهم حتى يقولوا قول إسلام ويتكلموا بكلام الإيمان، دليله ما روي: "حتى يقولوا: لا إله إلا الله"، والقول: بلا لا إله إلا الله على غير حقيقة ذلك في القلب ليس بإيمان، وفي هذه الآية حتى يكونوا مؤمنين وبالإكراه لا يكونون مؤمنين حقيقة؛ لأنه عمل القلب والإكراه مما لا يعمل عليه، والله أعلم.
وتأويل قوله: ﴿ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ ﴾ أي: لا تملك أن تكرههم، وكان رسول الله لشدة حرصه ورغبته في إيمانهم كاد أن يكرههم على الإيمان إشفاقاً عليهم؛ كقوله: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ قيل: بمشيئة الله، وقيل: بعلم الله، وقيل: بأمر الله وبإرادته وهو ما ذكرنا لا تؤمن نفس إلا بمشيئة الله وإرادته في ذلك، ولا يحتمل قوله: ﴿ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ سوى المشيئة وإلارادة؛ لأنه كم من مأمور بالإيمان لم يؤمن، فلم يحتمل الأمر ولا يحتمل الإباحة لأنه لا يباح ترك الإيمان في حال وأصله ما ذكرنا؛ أنه لا يحتمل أن يكون الله - عز وجل - يعلم من خلقه اختيار عداوته والخلاف له ويشاء لهم الولاية؛ لأنه يخرج ذلك مخرج العجز؛ لأن في الشاهد من اختار عداوة أحد فالآخر يختار ولايته أنه إنما يختار لضعفه وعجز فيه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَجْعَلُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ ﴾ قيل: الإثم على الذين لا يعقلون، وقيل: ويجعل العذاب على الذين لا يعقلون، أي: لا يستعملون عقولهم حتى يعقلوا، أو على الذين لا ينتفعون بعقولهم.
وقال بعضهم: في قوله: ﴿ فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا ﴾ أي: لم تكن قرية آمنت فنفعها إيمانها عند نزول العذاب إلا قوم يونس.
وقال بعضهم: فهلا كانت آمنت إذا رأت بأسنا، فكانت مثل قوم يونس، فإنهم آمنوا حين رأوا العذاب، وأصله ما ذكرنا أنه لا يحتمل أن يكون الله يعلم من خلقه اختيار عداوته والخلاف له يسألهم ويشاء لهم الولاية؛ لأنه يخرج ذلك مخرج العجز؛ لأن في الشاهد من اختار عداوة أحد فالآخر يختار ولايته أنه إنما يختار لضعفه وعجزه فيه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ قيل: وما كان لنفس في علم الله أنها لا تؤمن فتؤمن، أي: لا تؤمن نفس في علم الله أنها لا تؤمن إنما يؤمن من في علم الله أنه يؤمن، وأما من في علم الله أنه لا يؤمن فلا يؤمن.
وقيل: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ ﴾ أي: لا تؤمن نفس إلا بمشيئة الله، أي: إذا آمنت إنما تؤمن بمشيئة الله ما يفعل إنما يفعل بمشيئة الله؛ كقوله: ﴿ وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ﴾ .
وقال بعضهم: [قوله]: ﴿ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ أي: بأمر الله، فمعناه إذا آمنت إنما تؤمن بأمره لا تؤمن بغير أمره فالأول أقرب، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَيَجْعَلُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ ﴾ أي: يجعل جزاء الرجس، أي: جزاء الكفر على الذين لا يعقلون، أي: الذين لا ينتفعون بعقولهم، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ولو شاء ربك -أيها الرسول- إيمان جميع من في الأرض لآمنوا، لكنه لم يشأ ذلك لحكمة، فهو يضل من يشاء بعدله، ويهدي من يشاء بفضله، فليس باستطاعتك إكراه الناس على أن يكونوا مؤمنين، فتوفيقهم للإيمان بيد الله وحده.
<div class="verse-tafsir" id="91.KjN1B"