الآية ٩٨ من سورة يونس

الإسلام > القرآن > سور > سورة 10 يونس > الآية ٩٨ من سورة يونس

فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَـٰنُهَآ إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُوا۟ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلْخِزْىِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَمَتَّعْنَـٰهُمْ إِلَىٰ حِينٍۢ ٩٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 103 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩٨ من سورة يونس: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩٨ من سورة يونس عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : فهلا كانت قرية آمنت بكمالها من الأمم السالفة الذين بعثنا إليهم الرسل ، بل ما أرسلنا من قبلك يا محمد من رسول إلا كذبه قومه ، أو أكثرهم كما قال تعالى : ( ياحسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون ) [ يس : 30 ] ، ( كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون ) [ الذاريات : 52 ] ، ( وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ) [ الزخرف : 23 ] وفي الحديث الصحيح : " عرض علي الأنبياء ، فجعل النبي يمر ومعه الفئام من الناس ، والنبي معه الرجل والنبي معه الرجلان ، والنبي ليس معه أحد " ثم ذكر كثرة أتباع موسى ، عليه السلام ، ثم ذكر كثرة أمته ، صلوات الله وسلامه عليه ، كثرة سدت الخافقين الشرقي والغربي .

والغرض أنه لم توجد قرية آمنت بكمالها بنبيهم ممن سلف من القرى ، إلا قوم يونس ، وهم أهل نينوى ، وما كان إيمانهم إلا خوفا من وصول العذاب الذي أنذرهم به رسولهم ، بعد ما عاينوا أسبابه ، وخرج رسولهم من بين أظهرهم ، فعندها جأروا إلى الله واستغاثوا به ، وتضرعوا لديه .

واستكانوا وأحضروا أطفالهم ودوابهم ومواشيهم ، وسألوا الله تعالى أن يرفع عنهم العذاب الذي أنذرهم به نبيهم .

فعندها رحمهم الله ، وكشف عنهم العذاب وأخروا ، كما قال تعالى : ( إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين ) .

واختلف المفسرون : هل كشف عنهم العذاب الأخروي مع الدنيوي ؟

أو إنما كشف عنهم في الدنيا فقط ؟

على قولين ، أحدهما : إنما كان ذلك في الحياة الدنيا ، كما هو مقيد في هذه الآية .

والقول الثاني فيهما لقوله تعالى : ( وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون فآمنوا فمتعناهم إلى حين ) [ الصافات : 147 ، 148 ] فأطلق عليهم الإيمان ، والإيمان منقذ من العذاب الأخروي ، وهذا هو الظاهر ، والله أعلم .

قال قتادة في تفسير هذه الآية : لم ينفع قرية كفرت ثم آمنت حين حضرها العذاب ، فتركت ، إلا قوم يونس ، لما فقدوا نبيهم وظنوا أن العذاب قد دنا منهم ، قذف الله في قلوبهم التوبة ، ولبسوا المسوح ، وفرقوا بين كل بهيمة وولدها ثم عجوا إلى الله أربعين ليلة .

فلما عرف الله منهم الصدق من قلوبهم ، والتوبة والندامة على ما مضى منهم كشف الله عنهم العذاب بعد أن تدلى عليهم - قال قتادة : وذكر أن قوم يونس كانوا بنينوى أرض الموصل .

وكذا روي عن ابن مسعود ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، وغير واحد من السلف ، وكان ابن مسعود يقرؤها : " فهلا كانت قرية آمنت " .

وقال أبو عمران ، عن أبي الجلد قال : لما نزل بهم العذاب ، جعل يدور على رءوسهم كقطع الليل المظلم ، فمشوا إلى رجل من علمائهم فقالوا : علمنا دعاء ندعوا به ، لعل الله يكشف عنا العذاب ، فقال : قولوا : يا حي حين لا حي ، يا محيي الموتى لا إله إلا أنت .

قال : فكشف عنهم العذاب .

وتمام القصة سيأتي مفصلا في سورة الصافات إن شاء الله .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (98) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: فهلا كانت قرية آمنت؟

(1) وهي كذلك فيما ذكر في قراءة أبيّ.

ومعنى الكلام: فما كانت قرية آمنت عند معاينتها العذاب ، ونـزول سَخَط الله بها ، بعصيانها ربها واستحقاقها عقابه، فنفعها إيمانها ذلك في ذلك الوقت، كما لم ينفع فرعون إيمانه حين أدركه الغرق بعد تماديه في غيّه، واستحقاقه سَخَط الله بمعصيته ، إلا قوم يونس، فإنهم نفعهم إيمانهم بعد نـزول العقوبة وحلول السخط بهم.

فاستثنى الله قوم يونس من أهل القرى الذين لم ينفعهم إيمانهم بعد نـزول العذاب بساحتهم، وأخرجهم منهم، وأخبر خلقه أنه نفعهم أيمانهم خاصة من بين سائر الأمم غيرهم.

* * * فإن قال قائل: فإن كان الأمر على ما وصفت من أن قوله: (فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها) ، بمعنى : فما كانت قرية آمنَت ، بمعنى الجحود، فكيف نصب " قوم " وقد علمت أن ما قبل الاستثناء إذا كان جحدًا كان ما بعده مرفوعًا، وأن الصحيح من كلام العرب: " ما قام أحدٌ إلا أخوك " ، و " ما خرج أحدٌ إلا أبوك " ؟

قيل: إن ذلك فيما يكون كذلك إذا كان ما بعد الاستثناء من جنس ما قبله، وذلك أن " الأخ " من جنس " أحد "، وكذلك " الأب " ، ولكن لو اختلف الجنسان حتى يكون ما بعد الاستثناء من غير جنس ما قبله ، كان الفصيح من كلامهم النصبُ، وذلك لو قلت: " ما بقي في الدار أحدٌ إلا الوتدَ"، و " ما عندنا أحدٌ إلا كلبًا أو حمارًا "، لأن " الكلب "، و " الوتد " ، و " الحمار " ، من غير جنس " أحد " ، ومنه قول النابغة الذبياني: عَيَّتْ جَوَابًا وَمَا بِالرَّبْعِ مِنْ أَحَدِ ثم قال: إِلا أَوَارِيَّ لأيًـــا مَـــا أُبَيَّنُهــا وَالنُّـؤْي كَـالْحَوْضِ بِالْمَظْلُومَـةِ الجَلَدِ (2) فنصب " الأواري" إذ كان مستثنى من غير جنسه.

فكذلك نصب (قوم يونس)، لأنهم أمة غير الأمم الذين استثنوا منهم ، ومن غير جنسهم وشكلهم ، وإن كانوا من بني آدم.

وهذا الاستثناء الذي يسميه بعض أهل العربية الاستثناء المنقطع، (3) ولو كان (قوم يونس ) بعض " الأمة " الذين استثنوا منهم ، كان الكلام رفعًا، ولكنهم كما وصفت.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: 17897- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس قوله: (فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها) ، يقول: لم تكن قرية آمنت فنفعها الإيمان إذا نـزل بها بأس الله، إلا قرية يونس.

قال ابن جريج: قال مجاهد: فلم تكن قرية آمنت فنفعها إيمانها كما نفع قوم يونس إيمانهم إلا قوم يونس.

17898- حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: (فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين) ، يقول: لم يكن هذا في الأمم قبلهم لم ينفع قريةً كفرت ثم آمنت حين حضرها العذابُ، فتُرِكت، إلا قوم يونس ، لما فقدوا نبيَّهم وظنوا أن العذاب قد دنا منهم، قذف الله في قلوبهم التوبة ، ولبسوا المسوح ، [وفرقوا] بين كل بهيمة وولدها، (4) ثم عجُّوا إلى الله أربعين ليلةً.

فلما عرف الله الصِّدق من قلوبهم ، والتوبة والندامة على ما مضى منهم، كشف الله عنهم العذاب بعد أن تدلَّى عليهم.

قال: وذكر لنا أن قوم يونس كانوا بنينوى أرضِ الموصل.

17899- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: (إلا قوم يونس) ، قال: بلغنا أنهم خرجوا فنـزلوا على تل ، وفرقوا بين كل بهيمة وولدها ، يدعون الله أربعين ليلة ، حتى تاب عليهم.

17900- حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عبد الحميد الحماني، عن إسماعيل بن عبد الملك، عن سعيد بن جبير قال: غشَّى قوم يونس العذابُ، كما يغشِّي الثوبُ القبرَ.

(5) 17901- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج، عن صالح المري، عن قتادة، عن ابن عباس: إن العذاب كان هبط على قوم يونس، حتى لم يكن بينهم وبينه إلا قدر ثلثي ميل، فلما دَعَوْا كشف الله عنهم.

17902- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ، وإسحاق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء ، جميعًا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا)، قال: كما نفع قوم يونس.

زاد أبو حذيفة في حديثه ، قال: لم تكن قرية آمنت حين رأت العذاب فنفعها إيمانها، إلا قوم يونس متعناهم.

17903- حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس قال ، حدثنا رجل قد قرأ القرآن في صدره ، في إمارة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، (6) فحدّث عن قوم يونس حين أنذر قومه فكذّبوه، فأخبرهم أن العذاب يصيبهم ، وفارقهم .

(7) فلما رأوا ذلك وغشيهم العذاب ، [لكنهم] خرجوا من مساكنهم ، (8) وصعدوا في مكان رفيع، وأنهم جأروا إلى ربهم ودعوه مخلصين له الدين : أن يكشف عنهم العذاب ، وأن يرجعَ إليهم رسولهم.

قال: ففي ذلك أنـزل: (فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين) ، فلم تكن قرية غشيها العذاب ثم أمسك عنها ، إلا قوم يونس خاصة.

فلما رأى ذلك يونس، [لكنه ] ذهب عاتبًا على ربه ، (9) وانطلق مغاضبًا وظنّ أن لن يُقدرَ عليه، حتى ركب في سفينة ، فأصاب أهلَها عاصفُ الريح ، فذكر قصة يونس وخبره.

17904- حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح قال: " لما رأوا العذاب ينـزل ، فرَّقوا بين كل أنثى وولدها من الناس والأنعام، ثم قاموا جميعًا فدعوا الله ، وأخلصوا إيمانهم، فرأوا العذاب يكشف عنهم.

قال يونس حين كشف عنهم العذاب: أرجع إليهم وقد كذَبْتُهم!

وكان يونس قد وعدهم العذاب بصبح ثالثةٍ، فعند ذلك خرج مغضبًا وساء ظنُّه.

(10) 17905- حدثني الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا سفيان، عن إسماعيل بن عبد الملك، عن سعيد بن جبير قال: لما أرسل يونس إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام وترك ما هم عليه.

قال: فدعاهم فأبوا، فقيل له: أخبرهم أن العذاب مصبِّحهم، فقالوا: إنا لم نجرب عليه كذبًا ، فانظروا، فإن بات فيكم فليس بشيء ، وإن لم يبت فاعلموا أن العذاب مصبحكم.

فلما كان في جوف الليل أخذ عُلاثَةً فتزوّد منها شيئًا ، (11) ثم خرج، فلما أصبحوا تغشَّاهم العذاب ، كما يتغشَّى الإنسان الثوبَ في القبر، ففرقوا بين الإنسان وولده ، وبين البهيمة وولدها، ثم عجُّوا إلى الله فقالوا: آمنا بما جاء به يونس وصدّقنا!

فكشف الله عنهم العذاب، فخرج يونس ينظر العذاب فلم ير شيئًا ، قال: جَرَّبوا عليّ كذبًا!

فذهب مغاضبًا لربه حتى أتى البحر.

17906- حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون قال ، حدثنا ابن مسعود في بيت المال ، قال: إن يونس عليه السلام كان قد وعد قومه العذاب ، وأخبرهم أنه يأتيهم إلى ثلاثة أيام، ففرَّقوا بين كل والدة وولدها، ثم خرجوا فجأروا إلى الله واستغفروه .

فكف الله عنهم العذاب، وغدا يونس ينظر العذاب فلم ير شيئًا ، وكان من كذب ولم تكن له بيِّنةٌ قُتِل، فانطلق مغاضبًا.

17907- حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا يحيى بن واضح قال ، حدثنا صالح المرى، عن أبي عمران الجوني، عن أبي الجلد جيلان قال: لما غشّى قوم يونس العذاب ، مشوا إلى شيخ من بقية علمائهم فقالوا له: إنه قد نـزل بنا العذاب فما ترى؟

فقال: قولوا : " يا حيُّ حين لا حيَّ، ويا حي محييَ الموتى، ويا حيُّ لا إله إلا أنت " !

فكشف عنهم العذاب ، ومُتِّعوا إلى حين.

(12) 17908- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر قال: بلغني في حرف ابن مسعود: " فلولا "، يقول (فَهَلا).

* * * وقوله: ( لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا )، يقول: لما صدّقوا رسولهم ، وأقروا بما جاءهم به بعد ما أظلّهم العذاب وغشيهم أمْرُ الله ونـزل بهم البلاء، كشفنا عنهم عَذَاب الهوان والذلّ في حياتهم الدنيا (13) ، (ومتعناهم إلى حين) ، يقول: وأخَّرنا في آجالهم ولم نعاجلهم بالعقوبة، وتركناهم في الدنيا يستمتعون فيها بآجالهم إلى حين مماتهم ، ووقت فناء أعمارهم التي قَضَيْتُ فَنَاءها.

(14) ------------------ الهوامش : (1) انظر " لولا " بمعنى " هلا " 2 : 552 ، 553 / 11 : 266 ، 343 ، 356 .

(2) سلف الشعر وشرحه 9 : 203 ، تعليق : 3 ، 4 ، والمراجع هناك .

(3) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 479 ، 480 ، وفيه زيادة بيان .

(4) في المطبوعة : " وألهوا بين كل بهيمة .

.

.

"، ولا معنى له ، وفي المخطوطة : " وألفوا " غير منقوطة ، وقد أعياني أن أجد لقراءتها وجهًا ارتضيه ، فوضعت ( وفرقوا ) بين قوسين ، لأن هذه الكلمة بهذا المعنى ولا شك ، كما يتبين من الآثار التالية ، ومن رواية هذا الأثر عن قتادة في الدر المنثور 3 : 317 وفيه مكان هذه الكلمة المبهمة : " وفرقوا " كالتي أثبت بين القوسين .

(5) معنى هذا : كما يغشي القبر بالثوب ، إذا أدخل فيه صاحبه ، كما جاء في رواية هذا الأثر في الدر المنثور 3 : 318 ، باللفظ الذي ذكرته .

وانظر ما سيأتي رقم : 17905 .

(6) قوله : " قرأ القرآن في صدره " ، أي جمعه ، فحفظه جميعًا .

(7) في المطبوعة : " ففارقهم " بالفاء ، والصواب من المخطوطة .

(8) في المطبوعة : " لكنهم " ، ولا معنى لها ، وفي المخطوطة : " لكنهم " غير منقوطة ، ولست أدري ما صوابها ، والمشكل أنه جاء مثلها فيما يلي ، واستعصت علي قراءتها في الموضعين - فوضعتها بين القوسين في الموضوعين .

(9) انظر التعليق السالف .

(10) انظر تفسير " ساء ظنه " فيما سلف 3 : 585 ، تعليق : 1 / 13 : 95 ، تعليق : 4 .

(11) في المطبوعة : " أخذ مخلاته فتزود فيها شيئًا " ، خالف رسم المخطوطة ، وفيها رسم ما أثبته غير منقوط .

و " العلاثة " ( بضم العين ) : الأقط المخلوط بالسمن .

(12) الأثر : 17907 - " أبو الجلد " ، هو " جيلان بن أبي فروة الأسدي " ، مضى برقم 434 ، 723 ، 1913 .

(13) انظر تفسير " الخزي " فيما سلف 14 : 330 ، تعليق : 2 ، والمراجع هناك .

(14) انظر تفسير " المتاع " فيما سلف من فهارس اللغة ( متع ) .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حينقوله تعالى فلولا كانت قرية آمنت قال الأخفش والكسائي : أي فهلا .

وفي مصحف أبي وابن مسعود " فهلا " وأصل لولا في الكلام التحضيض أو الدلالة على منع أمر لوجود غيره .

ومفهوم من معنى الآية نفي إيمان أهل القرى ثم استثنى قوم يونس ; فهو بحسب اللفظ استثناء منقطع ، وهو بحسب المعنى متصل ; لأن تقديره ما آمن أهل قرية إلا قوم يونس .

والنصب في قوم هو الوجه ، وكذلك أدخله سيبويه في " باب ما لا يكون إلا منصوبا " .

قال النحاس : إلا قوم يونس نصب لأنه استثناء ليس من الأول ، أي لكن قوم يونس ; هذا قول الكسائي والأخفش والفراء .

ويجوز .

" إلا قوم يونس " بالرفع ، ومن أحسن ما قيل في الرفع ما قال أبو إسحاق الزجاج قال : يكون المعنى غير قوم يونس ، فلما جاء بإلا أعرب الاسم الذي بعدها بإعراب غير ; كما قال :وكل أخ مفارقه أخوه لعمر أبيك إلا الفرقدانوروي في قصة قوم يونس عن جماعة من المفسرين : أن قوم يونس كانوا بنينوى من أرض الموصل وكانوا يعبدون الأصنام ، فأرسل الله إليهم يونس عليه السلام يدعوهم إلى الإسلام وترك ما هم عليه فأبوا ; فقيل : إنه أقام يدعوهم تسع سنين فيئس من إيمانهم ; فقيل له : أخبرهم أن العذاب مصبحهم إلى ثلاث ففعل ، وقالوا : هو رجل لا يكذب فارقبوه فإن أقام معكم وبين أظهركم فلا عليكم ، وإن ارتحل عنكم فهو نزول العذاب لا شك ; فلما كان الليل تزود يونس وخرج عنهم فأصبحوا فلم يجدوه فتابوا ودعوا الله ولبسوا المسوح وفرقوا بين الأمهات والأولاد من الناس والبهائم ، وردوا المظالم في تلك الحالة .

وقال ابن مسعود : وكان الرجل يأتي الحجر قد وضع عليه أساس بنيانه فيقتلعه فيرده ; والعذاب منهم فيما روي عن ابن عباس على ثلثي ميل .

وروي على ميل .

وعن ابن عباس أنهم غشيتهم ظلة وفيها حمرة فلم تزل تدنو حتى وجدوا حرها بين أكتافهم .

وقال ابن جبير : غشيهم العذاب كما يغشى الثوب [ ص: 290 ] القبر ، فلما صحت توبتهم رفع الله عنهم العذاب .

وقال الطبري : خص قوم يونس من بين سائر الأمم بأن تيب عليهم بعد معاينة العذاب ; وذكر ذلك عن جماعة من المفسرين .

وقال الزجاج : إنهم لم يقع بهم العذاب ، وإنما رأوا العلامة التي تدل على العذاب ، ولو رأوا عين العذاب لما نفعهم الإيمان .

قلت : قول الزجاج حسن ; فإن المعاينة التي لا تنفع التوبة معها هي التلبس بالعذاب كقصة فرعون ، ولهذا جاء بقصة قوم يونس على أثر قصة فرعون لأنه آمن حين رأى العذاب فلم ينفعه ذلك ، وقوم يونس تابوا قبل ذلك .

ويعضد هذا قوله عليه السلام : إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر .

والغرغرة الحشرجة ، وذلك هو حال التلبس بالموت ، وأما قبل ذلك فلا .

والله أعلم .

وقد روي معنى ما قلناه عن ابن مسعود ، أن يونس لما وعدهم العذاب إلى ثلاثة أيام خرج عنهم فأصبحوا فلم يجدوه فتابوا وفرقوا بين الأمهات والأولاد ; وهذا يدل على أن توبتهم قبل رؤية علامة العذاب .

وسيأتي مسندا مبينا في سورة " والصافات إن شاء الله تعالى .

ويكون معنى كشفنا عنهم عذاب الخزي أي العذاب الذي وعدهم به يونس أنه ينزل بهم ، لا أنهم رأوه عيانا ولا مخايلة ; وعلى هذا لا إشكال ولا تعارض ولا خصوص ، والله أعلم .

وبالجملة فكان أهل نينوى في سابق العلم من السعداء .

وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال : إن الحذر لا يرد القدر ، وإن الدعاء ليرد القدر .

وذلك أن الله تعالى يقول : إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا .

قال رضي الله عنه : وذلك يوم عاشوراء .قوله تعالى ومتعناهم إلى حين قيل إلى أجلهم ، قال السدي وقيل : إلى أن يصيروا إلى الجنة أو إلى النار ; قاله ابن عباس .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يقول تعالى: { فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ ْ} من قرى المكذبين { آمَنَتْ ْ} حين رأت العذاب { فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا ْ} أي: لم يكن منهم أحد انتفع بإيمانه، حين رأى العذاب، كما قال تعالى عن فرعون ما تقدم قريبًا، لما قال: { آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ْ} فقيل له { آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ْ} وكما قال تعالى: { فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ ْ} وقال تعالى: { حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا ْ} والحكمة في هذا ظاهرة، فإن الإيمان الاضطراري، ليس بإيمان حقيقة، ولو صرف عنه العذاب والأمر الذي اضطره إلى الإيمان، لرجع إلى الكفران.

وقوله: { إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا ْ} بعدما رأوا العذاب، { كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ْ} فهم مستثنون من العموم السابق.

ولا بد لذلك من حكمة لعالم الغيب والشهادة، لم تصل إلينا، ولم تدركها أفهامنا.

قال الله تعالى: { وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ْ} إلى قوله: { وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ْ} ولعل الحكمة في ذلك، أن غيرهم من المهلكين، لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه.

وأما قوم يونس، فإن الله علم أن إيمانهم سيستمر، [بل قد استمر فعلا وثبتوا عليه] والله أعلم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( فلولا كانت ) أي : فهلا كانت ، ( قرية ) ومعناه : فلم تكن قرية لأن في الاستفهام ضربا من الجحد ، أي : أهل قرية ، ( آمنت ) عند معاينة العذاب ، ( فنفعها إيمانها ) في حالة البأس ( إلا قوم يونس ) فإنه نفعهم إيمانهم في ذلك الوقت .

و " قوم " نصب على الاستثناء المنقطع ، تقديره : ولكن قوم يونس ، ( لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين ) وهو وقت انقضاء آجالهم .

واختلفوا في أنهم هل رأوا العذاب عيانا أم لا؟

فقال بعضهم : رأوا دليل العذاب؟

والأكثرون على أنهم رأوا العذاب عيانا بدليل قوله : " كشفنا عنهم عذاب الخزي " والكشف يكون بعد الوقوع أو إذا قرب .

وقصة الآية - على ما ذكره عبد الله بن مسعود ، وسعيد بن جبير ، ووهب وغيرهم - أن قوم يونس كانوا بنينوى ، من أرض الموصل ، فأرسل الله إليهم يونس يدعوهم إلى الإيمان فدعاهم فأبوا ، فقيل له : أخبرهم أن العذاب مصبحهم إلى ثلاث ، فأخبرهم بذلك ، فقالوا : إنا لم نجرب عليه كذبا فانظروا فإن بات فيكم تلك الليلة فليس بشيء ، وإن لم يبت فاعلموا أن العذاب مصبحكم ، فلما كان في جوف تلك الليلة خرج يونس من بين أظهرهم ، فلما أصبحوا تغشاهم العذاب فكان فوق رءوسهم قدر ميل .

وقال وهب : غامت السماء غيما أسود هائلا يدخن دخانا شديدا ، فهبط حتى تغشاهم في مدينتهم واسودت سطوحهم ، فلما رأوا ذلك أيقنوا بالهلاك ، فطلبوا يونس نبيهم فلم يجدوه ، وقذف الله في قلوبهم التوبة ، فخرجوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم ، ولبسوا المسوح وأظهروا الإيمان والتوبة ، وأخلصوا النية وفرقوا بين كل والدة وولدها من الناس والأنعام فحن بعضها إلى بعض ، وعلت أصواتها ، واختلطت أصواتها بأصواتهم ، وعجوا وتضرعوا إلى الله عز وجل ، وقالوا آمنا بما جاء به يونس ، فرحمهم ربهم فاستجاب دعاءهم وكشف عنهم العذاب بعد ما أضلهم ، وذلك يوم عاشوراء ، وكان يونس قد خرج فأقام ينتظر العذاب وهلاك قومه فلم ير شيئا ، وكان من كذب ولم تكن له بينة قتل ، فقال يونس : كيف أرجع إلى قومي وقد كذبتهم؟

فانطلق عاتبا على ربه مغاضبا لقومه ، فأتى البحر فإذا قوم يركبون سفينة ، فعرفوه فحملوه بغير أجر ، فلما دخلها وتوسطت بهم ولججت ، ووقفت السفينة لا ترجع ولا تتقدم ، قال أهل السفينة : إن لسفينتنا لشأنا ، قال يونس : قد عرفت شأنها ركبها رجل ذو خطيئة عظيمة ، قالوا : ومن هو؟

قال : أنا ، اقذفوني في البحر ، قالوا : ما كنا لنطرحك من بيننا حتى نعذر في شأنك ، واستهموا فاقترعوا ثلاث مرات فأدحض سهمه ، والحوت عند رجل السفينة فاغرا فاه ينتظر أمر ربه فيه ، فقال يونس : إنكم والله لتهلكن جميعا أو لتطرحنني فيها ، فقذفوه فيه وانطلقوا وأخذه الحوت .

وروي : أن الله تعالى أوحى إلى حوت عظيم حتى قصد السفينة ، فلما رآه أهل السفينة مثل الجبل العظيم وقد فغر فاه ينظر إلى من في السفينة كأنه يطلب شيئا خافوا منه ، ولما رآه يونس زج نفسه في الماء .

وعن ابن عباس : أنه خرج مغاضبا لقومه فأتى بحر الروم فإذا سفينة مشحونة ، فركبها فلما لججت السفينة ، تكفأت حتى كادوا أن يغرقوا ، فقال الملاحون : هاهنا رجل عاص أو عبد آبق ، وهذا رسم السفينة إذا كان فيها آبق لا تجري ، ومن رسمنا أن نقترع في مثل هذا فمن وقعت عليه القرعة ألقيناه في البحر ، ولأن يغرق واحد خير من أن تغرق السفينة بما فيها ، فاقترعوا ثلاث مرات ، فوقعت القرعة في كلها على يونس ، فقال يونس : أنا الرجل العاصي والعبد الآبق ، فألقى نفسه في الماء فابتلعه حوت ، ثم جاء حوت آخر أكبر منه وابتلع هذا الحوت ، وأوحى الله إلى الحوت لا تؤذي منه شعرة ، فإني جعلت بطنك سجنه ولم أجعله طعاما لك .

وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : نودي الحوت : إنا لم نجعل يونس لك قوتا ، إنما جعلنا بطنك له حرزا ومسجدا .

وروي : أنه قام قبل القرعة فقال : أنا العبد العاصي والآبق ، قالوا : من أنت؟

قال : أنا يونس بن متى ، فعرفوه فقالوا : لا نلقيك يا رسول الله ، ولكن نساهم فخرجت القرعة عليه ، فألقى نفسه في الماء .

قال ابن مسعود رضي الله عنه : ابتلعه الحوت فأهوى به إلى قرار الأرض السابعة ، وكان في بطنه أربعين ليلة فسمع تسبيح الحصى ، فنادى في الظلمات : أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ، فأجاب الله له فأمر الحوت ، فنبذه على ساحل البحر ، وهو كالفرخ الممعط ، فأنبت الله عليه شجرة من يقطين ، وهو الدباء ، فجعل يستظل تحتها ووكل به وعلة يشرب من لبنها ، فيبست الشجرة ، فبكى عليها فأوحى الله إليه : تبكي على شجرة يبست ، ولا تبكي على مائة ألف أو يزيدون وأردت أن أهلكهم ، فخرج يونس فإذا هو بغلام يرعى ، فقال : من أنت يا غلام؟

قال : من قوم يونس ، قال : إذا رجعت إليهم فأخبرهم أني لقيت يونس ، فقال الغلام : قد تعلم أنه إن لم تكن لي بينة قتلت ، قال يونس عليه السلام : تشهد لك هذه البقعة وهذه الشجرة ، فقال له الغلام : فمرها ، فقال يونس : إذا جاءكما هذا الغلام فاشهدا له ، قالتا : نعم ، فرجع الغلام ، فقال للملك : إني لقيت يونس فأمر الملك بقتله ، فقال : إن لي بينة ، فأرسلوا معي ، فأتى البقعة والشجرة ، فقال : أنشدكما بالله هل أشهدكما يونس؟

قالتا : نعم ، فرجع القوم مذعورين ، وقالوا للملك : شهد له الشجرة والأرض ، فأخذ الملك بيد الغلام وأجلسه في مجلسه ، وقال : أنت أحق بهذا المكان مني ، فأقام لهم أمرهم ذلك الغلام أربعين سنة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فلولا» فهلا «كانت قرية» أريد أهلها «آمنت» قبل نزول العذاب بها «فنفعها إيمانها إلا» لكن «قوم يونس لما آمنوا» عند رؤية أمارة العذاب ولم يؤخروا إلى حلوله «كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين» انقضاء آجالهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لم ينفع الإيمان أهل قرية آمنوا عند معاينة العذاب إلا أهل قرية يونس بن مَتَّى، فإنهم لـمَّا أيقنوا أن العذاب نازل بهم تابوا إلى الله تعالى توبة نصوحا، فلمَّا تبيَّن منهم الصدق في توبتهم كشف الله عنهم عذاب الخزي بعد أن اقترب منهم، وتركهم في الدنيا يستمتعون إلى وقت إنهاء آجالهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

استمع إلى السورة الكريمة وهى تسوق كل ذلك وغيره بأسلوبها البليغ المؤثر فتقول :( فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا .

.

.

) .قال القرطبي ما ملخصه : " روى فى قصة يونس - عليه السلام - عن جماعة من المفسرين ، أن قوم يونس كانوا بنينوى من أرض الموصل - بالعراق - وكانوا يعبدون الأًنام ، فأرسل الله إليهم يونس يدعوهم إلى الإِسلام ، وترك ما هم عليه فأبوا ، فقيل : إنه أقام يدعوهم تسع سنين فيئس من إيمانهم .

فقيل له : أخبرهم أن العذاب مصبحهم إلى ثلاث ففعل .

وقالوا : هو رجل لا يكذب فارقبوه ، فإن أقام معكم وبين أظهركم فلا عليكم ، ون ارتحل عنكم ، فهو نزول العذاب لا شك .

.فلما كان الليل تزود يونس وخرج عنهم ، فأصبحوا فلم يجدوه ، فآمنوا وتابوا ، ودعوا الله ولبسوا المسوح ، وفرقاو بين الأمهات والأولاد من الناس والبهائم ، وردوا المظالم .

.قال الزواج : " إنهم لم يقع بهم العذاب ، وإنما رأوا العلامة التي تدل على العذاب ، ولو رأوا العذاب لما نفعهم الإِيمان " .وكلمة ( لولا ) فى قوله - سبحانه - ( فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ .

.

.

) للحث والتحضيض ، فهى بمعنى هلا .والمقصود بالقرية أهلا وهم أقوام الأنبياء السابقين ، وهى اسم كان .

وقوله ( آمنت ) خبرها .

وقوله ( فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا ) معطوف على ( آمنت ) .والمعنى : فهلا عاد المكذبون إلى رشدهم وصوابهم ، فآمنوا بالحق الذى جاءتهم به رسلهم ، فنجوا بذلك من عذاب الاستئصال الذى حل بهم فقطع دابرهم ، كما نجا منه قوم يونس - عليه السلام - فإنهم عندما رأوا أمارت العذاب الذى أنذرهم به نبيهم آمنوا وصدقوا ، فكشف الله عنهم هذا العذاب الذى كاد ينزل بهم ، ومتعهم بالحياة المقدرة لهم ، إلى حين انقضاء آجالهم فى هذه الدنيا .قال الإِمام الشوكانى : والاستثناء بقوله : ( إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ .

.

) منقطع ، وهو استثناء من القرية لأن المراد أهلها .والمعنى : فهلا قرية واحدة من القرى التي أهلكناها آمنت إيمانا معتدا به - وذلك بأن يكون خالصا لله - قبل معاينة العذاب ، ولم تؤخره كما أخره فرعون ، لكن قوم يونس " لما آمنوا " إيمانا معتدا به قبل معاينة العذاب ، أو عند أول المعاينة قبل حلوله بهم " كشفنا عنهم عذا الخزى " أى : الذل والهوان .وقيل يحوز أن يكون متصلا ، والجملة فى معنى النفى ، كأنه قيل : " ما آمنت قرية من القرى الهالكة إلا قوم يونس .

.

.

"وقال الشيخ القاسمى ما ملخصه : " وما يرويه بعض المفسرين هنا من أن العذاب نزل عليهم ، وجعل يدور على رءوسهم .

.

ونحو هذا ، ليس له أصل لا فى القرآن ولا فى السنة .

.

.وفى الآية إشارة إلى أنه لم توجد قرية آمنت بأجمعها بنبيها المرسل إليها من سائر القرى ، سوى قوم يونس .والبقية دأبهم التكذيب ، كلهم أو أكثرهم ، كما قال - تعالى -( وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا على أُمَّةٍ وَإِنَّا على آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ ) وفي الحديث الصحيح : " عرض على الأنبياء ، فجعل النبى يمر ومعه الفئام من الناس - أى العدد القليل - والنبى معه الرجل ، والنبى معه الرجلان ، والنبى ليس معه أحد " .وفي الآية الكريمة - أيضاً - تسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه من حزن بسبب إعراض قومه عن دعوته ، وفيها كذلك تعريض بأهل مكة ، وإنذارهم من سوء عاقبة الإِصرار على الكفر والجحود ، وحض لهم على أن يكونوا كقوم يونس - عليه السلام - الذين آمنوا قبل نزول العذاب فنفعهم إيمانهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بين من قبل ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ  وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُا ٱلْعَذَابَ ٱلْأَلِيمَ  ﴾ أتبعه بهذه الآية، لأنها دالة على أن قوم يونس آمنوا بعد كفرهم وانتفعوا بذلك الإيمان، وذلك يدل على أن الكفار فريقان: منهم من حكم عليه بخاتمة الكفر، ومنهم من حكم عليه بخاتمة الإيمان وكل ما قضى الله به فهو واقع.

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في كلمة ﴿ لَوْلاَ ﴾ في هذه الآية طريقان: الطريق الأول: أن معناه النفي، روى الواحدي في البسيط قال: قال أبو مالك صاحب ابن عباس كل ما في كتاب الله تعالى من ذكر لولا، فمعناه هلا، إلا حرفين، ﴿ فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ ءامَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا ﴾ معناه فما كانت قرية آمنت، فنفعها إيمانها، وكذلك ﴿ فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ القرون مِن قَبْلِكُمْ  ﴾ معناه، فما كان من القرون، فعلى هذا تقدير الآية، فما كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس.

وانتصب قوله: ﴿ إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ ﴾ على أنه استثناء منقطع عن الأول، لأن أول الكلام جرى على القرية، وإن كان المراد أهلها ووقع استثناء القول من القرية، فكان كقوله: وما بالربع من أحد *** ألاأواري وقرئ أيضاً بالرفع على البدل.

الطريق الثاني: أن ﴿ لَوْلاَ ﴾ معناه هلا، والمعنى هلا كانت قرية واحدة من القرى التي أهلكناها تابت عن الكفر وأخلصت في الإيمان قبل معاينة العذاب إلا قوم يونس.

وظاهر اللفظ يقتضي استثناء قوم يونس من القرى، إلا أن المعنى استثناء قوم يونس من أهل القرى، وهو استثناء منقطع بمعنى ولكن قوم يونس لما آمنوا فعلنا بهم كذا وكذا.

المسألة الثانية: روي أن يونس عليه السلام بعث إلى نينوى من أرض الموصل فكذبوه فذهب عنهم مغاضباً، فلما فقدوه خافوا نزول العقاب، فلبسوا المسوح وعجوا أربعين ليلة، وكان يونس قال لهم إن أجلكم أربعون ليلة.

فقالوا: إن رأينا أسباب الهلاك آمنا بك، فلما مضت خمس وثلاثون ليلة ظهر في السماء غيم أسود شديد السواد، فظهر منه دخان شديد وهبط ذلك الدخان حتى وقع في المدينة وسود سطوحهم فخرجوا إلى الصحراء، وفرقوا بين النساء والصبيان وبين الدواب وأولادها فحن بعضها إلى بعض فعلت الأصوات، وكثرت التضرعات وأظهروا الإيمان والتوبة وتضرعوا إلى الله تعالى فرحمهم وكشف عنهم، وكان ذلك اليوم يوم عاشوراء يوم الجمعة وعن ابن مسعود بلغ من توبتهم أن يردوا المظالم حتى أن الرجل كان يقلع الحجر بعد أن وضع عليه بناء أساسه فيرده إلى مالكه، وقيل خرجوا إلى شيخ من بقية علمائهم فقالوا قد نزل بنا العذاب فما ترى؟

فقال لهم قولوا يا حي حين لا حي.

ويا حي يا محيي الموتى ويا حي لا إله إلا أنت، فقالوا فكشف الله العذاب عنهم، وعن الفضل بن عباس أنهم قالوا: اللهم إن ذنوبنا قد عظمت وجلت وأنت أعظم منها وأجل افعل بنا ما أنت أهله ولا تفعل بنا ما نحن أهله.

المسألة الثالثة: إن قال قائل إنه تعالى حكى عن فرعون أنه تاب في آخر الأمر ولم يقبل توبته وحكى عن قوم يونس أنهم تابوا وقبل توبتهم فما الفرق؟

والجواب: أن فرعون إنما تاب بعد أن شاهد العذاب، وأما قوم يونس فإنهم تابوا قبل ذلك فإنهم لما ظهرت لهم أمارات دلت على قرب العذاب تابوا قبل أن شاهدوا فظهر الفرق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فَلَوْلاَ كَانَتْ ﴾ فهلا كانت ﴿ قَرْيَةٌ ﴾ واحدة من القرى التي أهلكناها، تابت عن الكفر وأخلصت الإيمان قبل المعاينة وقت بقاء التكليف، ولم تأخر كما أخر فرعون إلى أن أخذ بمخنقه ﴿ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا ﴾ بأن يقبله الله منها لوقوعه في وقت الاختيار.

وقرأ أبيّ وعبد الله: ﴿ فهلا كانت ﴾ ﴿ إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ ﴾ استثناء من القرى؛ لأنّ المراد أهاليها، وهو استثناء منقطع بمعنى: ولكن قوم يونس لما آمنوا.

ويجوز أن يكون متصلاً والجملة في معنى النفي، كأنه قيل: ما آمنت قرية من القرى الهالكة إلاّ قوم يونس، وانتصابه على أصل الاستثناء.

وقرئ بالرفع على البدل، هكذا روي عن الجرمي والكسائي.

روي أن يونس عليه السلام بعث إلى نينوى من أرض الموصل فكذبوه، فذهب عنهم مغاضباً، فلما فقدوه خافوا نزول العذاب.

فلبسوا المسوح، وعجوا أربعين ليلة.

وقيل: قال لهم يونس: إن أجلكم أربعون ليلة، فقالوا: إن رأينا أسباب الهلاك آمنا بك، فلما مضت خمس وثلاثون أغامت السماء غيماً أسود هائلاً يدخن دخاناً شديداً ثم يهبط حتى يغشى مدينتهم ويسوّد سطوحهم فلبسوا المسوح وبرزوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم، وفرّقوا بين النساء والصبيان، وبين الذواب وأولادها، فحنّ بعضها على بعض، وعلت الأصوات والعجيج، وأظهروا الإيمان والتوبة وتضرعوا، فرحمهم الله وكشف عنهم، وكان يوم عاشوراء يوم الجمعة.

وعن ابن مسعود: بلغ من توبتهم أن ترادّوا المظالم، حتى إنّ الرجل كان يقتلع الحجر وقد وضع عليه أساس بنائه فيردّه، وقيل: خرجوا إلى شيخ من بقية علمائهم فقالوا: قد نزل بنا العذاب فما ترى؟

فقال لهم: قولوا: «يا حيّ حين لا حيّ، ويا حيّ محيي الموتى، ويا حيّ لا إله إلاّ أنت» فقالوها فكشف عنهم.

وعن الفضيل بنعياض: قالوا: «اللَّهم إن ذنوبنا قد عظمت وجلّت، وأنت أعظم منها وأجلّ، افعل بنا ما أنت أهله، ولا تفعل بنا ما نحن أهله» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ ﴾ فَهَلّا كانَتْ قَرْيَةٌ مِنَ القُرى الَّتِي أهْلَكْناها آمَنَتْ قَبْلَ مُعايَنَةِ العَذابِ، ولَمْ تُؤَخِّرْ إلَيْها كَما أخَّرَ فِرْعَوْنُ.

﴿ فَنَفَعَها إيمانُها ﴾ بِأنْ يَقْبَلَهُ اللَّهُ مِنها ويَكْشِفَ العَذابَ عَنْها.

﴿ إلا قَوْمَ يُونُسَ ﴾ لَكِنَّ قَوْمَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

﴿ لَمّا آمَنُوا ﴾ أوَّلَ ما رَأوْا أمارَةَ العَذابِ ولَمْ يُؤَخِّرُوهُ إلى حُلُولِهِ.

﴿ كَشَفْنا عَنْهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ في مَعْنى النَّفْيِ لِتَضَمُّنِ حَرْفِ التَّحْضِيضِ مَعْناهُ، فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا لِأنَّ المُرادَ مِنَ القُرى أهالِيها كَأنَّهُ قالَ: ما آمَنَ أهْلُ قَرْيَةٍ مِنَ القُرى العاصِيَةِ فَنَفَعَهم إيمانُهم إلّا قَوْمَ يُونُسَ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ الرَّفْعِ عَلى البَدَلِ.

﴿ وَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ ﴾ إلى آجالِهِمْ.

رُوِيَ: أنَّ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ بُعِثَ إلى أهْلِ نَيْنَوى مِنَ المَوْصِلِ، فَكَذَّبُوهُ وأصَرُّوا عَلَيْهِ فَوَعَدَهم بِالعَذابِ إلى ثَلاثٍ.

وقِيلَ إلى ثَلاثِينَ.

وقِيلَ إلى أرْبَعِينَ، فَلَمّا دَنا المَوْعِدُ أغامَتِ السَّماءُ غَيْمًا أسْوَدَ ذا دُخانٍ شَدِيدٍ فَهَبَطَ حَتّى غَشِيَ مَدِينَتَهم، فَهابُوا فَطَلَبُوا يُونُسَ فَلَمْ يَجِدُوهُ فَأيْقَنُوا صِدْقَهُ، فَلَبِسُوا المُسُوحَ وبَرَزُوا إلى الصَّعِيدِ بِأنْفُسِهِمْ ونِسائِهِمْ وصِبْيانِهِمْ ودَوابِّهِمْ، وفَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ والِدَةٍ ووَلَدِها فَحَنَّ بَعْضُها إلى بَعْضٍ وعَلَتِ الأصْواتُ والعَجِيجُ وأخْلَصُوا التَّوْبَةَ وأظْهَرُوا الإيمانَ وتَضَرَّعُوا إلى اللَّهِ تَعالى، فَرَحِمَهم وكَشَفَ عَنْهم وكانَ يَوْمُ عاشُوراءَ يَوْمَ الجُمُعَةَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (٩٨)

{فلولا كانت قرية آمنت} فهلا كانت قرية واحدة من القرى التي أهلكناها تابت عن الكفر وأخلصت الإيمان قبل المعاينة ولم تؤخر كما أخر فرعون إلى أن اخذ بحتفه {فنفعها إيمانها} بأن تقبل الله إيمانها منها بوقوعه في وقت الاختيار {إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ} استثناء منقطع أي ولكن قوم يونس أو متصل والجملة في معنى النفي كأنه قيل ما آمنت قرية من القرى الهالكة إلا قوم يونس وانتصابه على أصل الاستثناء {لما آمنوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخزى فِى الحياة الدنيا وَمَتَّعْنَاهُمْ إلى حِينٍ} إلى آجالهم رُوي أن يونس عليه السلام بعث إلى نينوى من أرض الموصل فكذبوه فذهب عنه مغاضبا فلما فقدوه خافوا نزول عذاب فلبسوا المسوح كلهم وعجوا أربعين ليلة وبرزوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم وفرّقوا بين النساء والصبيان والدواب وأولادها فحن بعضهم إلى بعض وأظهروا الإيمان والتوبة فرحمهم وكشف عنهم وكان يوم عاشوراء يوم الجمعة وبلغ من توبتهم أن ترادوا المظالم حتى إن الرجل كان يقلع الحجر وقد وضع عليه أساس بنيانه فيرده وقيل خرجوا لما نزل بهم العذاب إلى شيخ من بقية علمائهم فقال له قولوا يا حى حين لا حى ويا حى محيى الموتى ويا حى لا إله إلا أنت

يونس (٩٩ _ ١٠٣)

فقالوا فكشف الله عنهم وعن الفضيل قدس الله روحه قالوا اللهم إن ذنوبنا قد عظمت وجلت وأنت اعظم منها وأجل افعل بناما أنت أهله ولا تفعل بنا ما نحن أهله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَلَوْلا كانَتْ ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لِتَقْرِيرِ هَلاكِهِمْ و(لَوْلا) هُنا تَحْضِيضِيَّةٌ فِيها مَعْنى التَّوْبِيخِ كَهَلّا ومِثْلُها ما في قَوْلِ الفَرَزْدَقِ: تَعُدُّونَ عَقْرَ النِّيبِ أفْضَلَ مَجْدِكم بَنِي ضَوْطَرِي لَوْلا الكَمى المُقَنَّعا ويَشْهَدُ لِذَلِكَ قِراءَةُ أُبَيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما (فَهَلّا) والتَّوْبِيخُ عَلى ما نُقِلَ عَنِ السَّفاقِسِيِّ عَلى تَرْكِ الإيمانِ المَذْكُورِ بَعْدُ (وكانَ) كَما اخْتارَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ ناقِصَةٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَرْيَةٌ ﴾ اسْمُها وجُمْلَةُ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ آمَنَتْ ﴾ خَبَرُها وقَوْلُهُ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ فَنَفَعَها إيمانُها ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الخَبَرِ أيْ فَهَلّا كانَتْ قَرْيَةٌ مِن القُرى التِّي أُهْلِكَتْ هَلاكَ الِاسْتِئْصالِ آمَنَتْ قَبْلَ مُعايَنَةِ العَذابِ ولَمْ تُؤَخِّرْ إيمانَها إلى حِينِ مُعايَنَتِهِ كَما أخَّرَ فِرْعَوْنُ إيمانَهُ فَنَفَعَها ذَلِكَ بِأنْ يَقْبَلَهُ اللَّهُ تَعالى مِنها ويَكْشِفَ بِسَبَبِهِ العَذابَ عَنْها وذَهَبَ السَّمِينُ وغَيْرُهُ إلى أنَّها تامَّةٌ وقَرْيَةٌ فاعِلُها وجُمْلَةُ آمَنَتْ صِفَةٌ ونَفَعَها مَعْطُوفَةٌ عَلَيْها وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ يَلْزَمُ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ التَّحْضِيضُ والتَّوْبِيخُ عَلى الوُجُودِ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ بِمُرادٍ وأُجِيبُ بِأنَّهُ لا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ التَّحْضِيضُ عَلى الصِّفَةِ وحِينَئِذٍ لا غُبارَ عَلى ما قِيلَ وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ بِالقَرْيَةِ أهْلُها مَجازًا شائِعًا والقَرِينَةُ هُنا أظْهَرُ مِن أنْ تَخْفى وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ إلا قَوْمَ يُونُسَ ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ كَما قالَ الزَّجّاجُ وسِيبَوَيْهِ والكِسائِيُّ وأكْثَرُ النُّحاةِ أيْ لَكِنَّ قَوْمَ يُونُسَ ﴿ لَمّا آمَنُوا ﴾ عِنْدَما رَأوْا أماراتِ العَذابِ ولَمْ يُؤَخِّرُوا إلى حُلُولِهِ ﴿ كَشَفْنا عَنْهم عَذابَ الخِزْيِ ﴾ أيِ الذُّلِّ والهَوانِ ﴿ فِي الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ بَعْدَ ما أظَلَّهم وكادَ يَنْزِلُ بِهِمْ ﴿ ومَتَّعْناهُمْ ﴾ بِمَتاعِ الدُّنْيا بَعْدَ كَشْفِ العَذابِ عَنْهم ﴿إلى حِينٍ 98﴾ أيْ زَمانٍ مِنَ الدَّهْرِ مُقَدَّرٍ لَهم في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى.

ونُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَهُمُ اليَوْمَ أحْياءٌ إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى سَتَرَهم عَنِ النّاسِ عَلى حَدِّ ما يُقالُ في الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ ورَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ ما يُوافِقُهُ إلّا أنَّهُ ذُكِرَ فِيهِ أنَّهم يَظْهَرُونَ أيّامَ المَهْدِيِّ ويَكُونُونَ مِن جُمْلَةِ أنْصارِهِ ثُمَّ يَمُوتُونَ والكُلُّ مِمّا لا صِحَّةَ لَهُ وقالَ آخَرُونَ: الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ ويُرادُ مِنَ القَرْيَةِ أهْلُها المُشْرِفُونَ عَلى الهَلاكِ وقِيلَ: العاصُونَ ويُعْتَبَرُ النَّفْيُ الَّذِي يُشْعِرُ بِهِ التَّحْضِيضُ وهو مُشْعِرٌ بِالأمْرِ أيْضًا ولِذا جَعَلُوهُ في حُكْمِهِ إلّا أنَّهُ لا يَصِحُّ اعْتِبارُهُ عَلى تَقْدِيرِ الِاتِّصالِ لِما يَلْزَمُهُ مِن كَوْنِ الإيمانِ مِنَ المُسْتَثْنَيْنَ غَيْرُ مَطْلُوبٍ وهو غَيْرُ مَطْلُوبٍ بَلْ فاسِدٌ وقِيلَ: لا مانِعَ مِن ذَلِكَ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ لِأنَّ أهْلَ القُرى مَحْضُوضُونَ عَلى الإيمانِ النّافِعِ ولَيْسَ قَوْمُ يُونُسَ مَحْضُوضِينَ عَلَيْهِ لِأنَّهم آمَنُوا والذَّوْقُ يَأْبى إلّا اعْتِبارَ النَّفْيِ فَقَطْ حالَ اعْتِبارِ الِاتِّصالِ ويَكُونُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لَمّا آمَنُوا ﴾ اسْتِئْنافًا لِبَيانِ نَفْعِ إيمانِهِمْ وقُرِئَ (إلّا قَوْمُ) بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ مِن قَرْيَةٌ المُرادِ بِها أهْلُها وأيَّدَ بِذَلِكَ القَوْلَ بِالِاتِّصالِ واعْتِبارَ النَّفْيِ لِأنَّ البَدَلَ لا يَكُونُ إلّا في غَيْرِ المُوجِبِ وخَرَّجَ بَعْضُهم هَذِهِ القِراءَةَ عَلى أنَّ (إلّا) بِمَعْنى غَيْرَ وهي صِفَةٌ ظَهَرَ إعْرابُها فِيما بَعْدَها كَما في قَوْلِهِ عَلى رَأْيٍ وكُلُّ أخٍ مُفارِقُهُ أخُوهُ ∗∗∗ لَعَمْرُ أبِيكَ إلّا الفَرْقَدانِ وظاهِرُ كَلامِهِمْ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُطْلَقًا مِن ﴿ قَرْيَةٌ ﴾ وعَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ عَلى الأوَّلِ مِنَ القَرْيَةِ لا مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿ آمَنَتْ ﴾ وعَلَّلَ بِأنَّ المُنْقَطِعَ بِمَعْنى لَكِنْ في تَوَسُّطٍ بَيْنَ الكَلامَيْنِ المُتَغايِرَيْنِ فَلا يُعْتَمَدُ ما لا يَسْتَقِلُّ ولِأنَّهُ لا مَدْخَلَ لِلْوَصْفِ أعْنِي الإيمانَ في المُسْتَثْنى مِنهُ فالِاسْتِثْناءُ عَنْ أصْلِ الكَلامِ وأمّا عَلى الثّانِي فَهو اسْتِثْناءٌ مِنَ الضَّمِيرِ مِن حَيْثُ المَعْنى جُعِلَ في اللَّفْظِ مِنهُ أوْ مِنَ القَرْيَةِ إذْ لا فَرْقَ في قَوْلِكَ: كانَ القَوْمُ مُنْطَلِقِينَ إلّا زَيْدًا بَيْنَ جَعْلِهِ مِنَ الِاسْمِ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في الخَبَرِ لِأنَّ الحُكْمَ إنَّما يَتِمُّ بِالخَبَرِ وإنَّما الفَرْقُ في نَحْوِ ضَرَبْتُ القَوْمَ العالَمِينَ إلّا زَيْدًا ثُمَّ قالَ: ونَظِيرُ هَذا في الوَجْهَيْنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ ﴾ ﴿ إلا آلَ لُوطٍ ﴾ ووَجْهُ ذَلِكَ ظاهِرٌ.

وفي الكَشْفِ أنَّ وجْهَ الشَّبَهِ اخْتِلافُ مَعْنى الهَلاكِ عَلى الوَجْهَيْنِ كاخْتِلافِ مَعْنى الإرْسالِ هُنالِكَ عَلى الوَجْهَيْنِ وكَأنَّهُ عَنى بِالهَلاكِ المَأْخُوذِ قَيْدًا في قَوْلِهِ فَهَلّا كانَتْ قَرْيَةٌ مِنَ القُرى الَّتِي أهْلَكْناها فَتَدَبَّرْ وفي ﴿ يُونُسَ ﴾ لُغاتُ تَثْلِيثِ النُّونِ مَهْمُوزًا وغَيْرَ مَهْمُوزٍ والمُتَواتِرُ مِنها الضَّمُّ بِلا هَمْزٍ وكانَ مِن قِصَّةِ هَؤُلاءِ القَوْمِ عَلى ما رُوِيَ عَنْ غَيْرِ واحِدٍ أنَّ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ بُعِثَ إلى أهْلِ نِينَوى مِن أرْضِ المَوْصِلِ وكانُوا أهْلَ كُفْرٍ وشِرْكٍ فَدَعاهم إلى الإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى وحْدَهُ وتَرْكِ ما يَعْبُدُونَ مِنَ الأصْنامِ فَأبَوْا عَلَيْهِ وكَذَّبُوهُ فَأخْبَرَهم أنَّ العَذابَ مُصَبِّحُهم إلى ثَلاثٍ فَلَمّا كانَتِ اللَّيْلَةُ الثّالِثَةُ ذَهَبَ عَنْهم مِن جَوْفِ اللَّيْلِ فَلَمّا أصْبَحُوا تَغَشّاهُمُ العَذابُ فَكانَ فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ لَيْسَ بَيْنَهم وبَيْنَهُ إلّا قَدْرُ ثُلُثَيْ مَيْلٍ وجاءَ أنَّهُ غامَتِ السَّماءُ غَيْمًا أسْوَدَ هائِلًا يُدَخِّنُ دُخانًا شَدِيدًا فَهَبَطَ حَتّى غَشِيَ مَدِينَتَهم واسْوَدَّتْ أسْطِحَتُهم فَلَمّا أيْقَنُوا بِالهَلاكِ طَلَبُوا نَبِيَّهم فَلَمْ يَجِدُوهُ فَخَرَجُوا إلى الصَّحْراءِ بِأنْفُسِهِمْ ونِسائِهِمْ وصِبْيانِهِمْ ودَوابِّهِمْ ولَبِسُوا المُسُوحَ وأظْهَرُوا الإيمانَ والتَّوْبَةَ وفَرَّقُوا بَيْنَ الوالِدَةِ ووَلَدِها مِنَ النّاسِ والدَّوابِّ فَحَنَّ البَعْضُ إلى البَعْضِ وعَلَتِ الأصْواتُ وعَجُّوا جَمِيعًا وتَضَرَّعُوا إلَيْهِ تَعالى وأخْلَصُوا النِّيَّةَ فَرَحِمَهم رَبُّهم واسْتَجابَ دُعاءَهم وكَشَفَ عَنْهم ما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ وكانَ ذَلِكَ يَوْمَ عاشُوراءَ وكانَ يَوْمَ الجُمُعَةِ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّهُ بَلَغَ مِن تَوْبَتِهِمْ أنْ تَرادُّوا المَظالِمَ فِيما بَيْنَهم حَتّى إنْ كانَ الرَّجُلُ لَيَأْتِي إلى الحَجْرِ قَدْ وضَعَ أساسَ بُنْيانِهِ عَلَيْهِ فَيَقْلَعُهُ ويَرُدُّهُ إلى صاحِبِهِ وجاءَ في رِوايَةٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهم عَجُّوا إلى اللَّهِ تَعالى أرْبَعِينَ صَباحًا حَتّى كَشَفَ ما نَزَلَ بِهِمْ وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ غَيْلانَ قالَ: لَمّا غَشى قَوْمَ يُونُسَ العَذابُ مَشَوْا إلى شَيْخٍ مِن بَقِيَّةِ عُلَمائِهِمْ فَقالُوا: ما تَرى؟

قالَ: قُولُوا: يا حَيُّ حِينَ لا حِيَّ ويا حَيُّ مُحْيِيَ المَوْتى ويا حَيُّ لا إلَهَ إلّا أنْتَ فَقالُوها فَكَشَفَ عَنْهُمُ العَذابَ وقالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ: قالُوا: اللَّهُمَّ إنَّ ذُنُوبَنا قَدْ عَظُمَتْ وجَلَّتْ وأنْتَ أعْظَمُ وأجَلُّ فافْعَلْ بِنا ما أنْتَ أهْلُهُ ولا تَفْعَلُ بِنا ما نَحْنُ أهْلُهُ وكانَ يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ ذَهَبَ عَنْهم قَعَدَ في الطَّرِيقِ يَسْألُ الخَبَرَ كَما جاءَ مَرْفُوعًا فَمَرَّ بِهِ رْجُلٌ فَقالَ لَهُ: ما فَعَلَ قَوْمُ يُونُسَ ؟

فَحَدَّثَهُ بِما صَنَعُوا فَقالَ: لا أرْجِعُ إلى قَوْمٍ قَدْ كُذِبْتُهم وانْطَلَقَ مُغاضِبًا حَسْبَما قَصَّهُ اللَّهُ تَعالى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ مِمّا سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى وظاهِرُ الآيَةِ يَسْتَدْعِي أنَّ القَوْمَ شاهَدُوا العَذابَ لِمَكانِ ﴿ كَشَفْنا ﴾ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهُ أكْثَرُ الأخْبارِ وإلَيْهِ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ ونَفْعُ الإيمانِ لَهم بَعْدَ المُشاهَدَةِ مِن خُصُوصِيّاتِهِمْ فَإنَّ إيمانَ الكَفّارِ بَعْدَ مُشاهَدَةِ ما وُعِدُوا بِهِ إيمانُ بَأْسٍ غَيْرُ نافِعٍ لِارْتِفاعِ التَّكْلِيفِ حِينَئِذٍ وعادَةُ اللَّهِ إهْلاكُهم مِن غَيْرِ إمْهالٍ كَما أهْلَكَ فِرْعَوْنَ والقَوْلُ بِأنَّهُ بَقِيَ حَيًّا إلى ما شاءَ اللَّهُ تَعالى وسَكَنَ أرْضَ المَوْصِلِ مِن مُفْتَرَياتِ اليَهُودِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ يقول: لم يكن أهل قرية كافرة آمنت عند نزول العذاب فَنَفَعَها إِيمانُها وقبل منها الإيمان، ودفع عنهم العذاب إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ  .

قال مقاتل: فَلَوْلا، على ثلاثة أوجه: الأول فَلَوْلا يعني: فلم، مثل قوله تعالى: فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ.

الثاني: فَلَوْلا يعني: فهلاّ كقوله: فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا [الأنعام: 43] فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ [الواقعة: 86] والثالث: فَلَوْلا يعني: فلو ما، كقوله: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ [النساء: 83] فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ [الصافات: 143] .

ويقال: فَلَوْلا هاهنا بمعنى: فهلا كانت قرية آمنت، فنفعها إيمانها.

ومعناه: فهلاّ آمنت في وقت ينفعها إيمانها.

فأعلم الله تعالى أن الإيمان لا ينفع عند وقوع العذاب، ثمّ قال: إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ معناه: لكن قوم يونس لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ يعني: أنهم آمنوا قبل المعاينة، فكشفنا عنهم.

وروى ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها كما نفع قوم يونس.

وعن قتادة: إنَّ قوم يونس  خرجوا ونزلوا على تل، فدعوا الله تعالى أربعين ليلة، حتى تاب الله عليهم.

وروي عن بعض الصحابة رضوان الله عليهم: أنَّ يونس بعثه الله تعالى إلى قومه، فدعاهم إلى عبادة الله تعالى، وترك ما هم فيه من الكفر فأبوا، فدعا ربه فقال: يا رب قد دعوتهم فأبوا.

فأوحى الله تعالى إليه: أن ادعهم، فإن أجابوك وإلا فأعلمهم أن العذاب يأتيهم إلى ثلاثة أيام.

فدعاهم فلم يجيبوه، فأخبرهم بالعذاب، فقالوا: ما جربنا عليه كذبة مذ كان معنا، فإن لم يلبث معكم وخرج من عندكم، فاحتالوا لأنفسكم.

فلمّا كان بعض الليل خرج يونس من بينهم، فلما كان اليوم الثالث رأوا حمرة وسواداً في السماء كهيئة النار والدخان، فظنُّوا أن العذاب نازل بهم، فجعلوا يطلبون يونس فلم يجدوه، فلما كان آخر النهار أيسوا من يونس، وجعل يهبط السواد والحمرة، فقال قائل منهم: إن لم تجدوا يونس  فإنكم تجدون رب يونس، فادعوه، وتضرعوا إليه.

فخرجوا من القرية إلى الصحراء، وأخرجوا النساء والصبيان والبهائم، وفرقوا بين كل إنسان وولده، وبين كل بهيمة وولدها، ثمّ عجوا إلى الله تعالى مؤمنين به مصدقين.

وارتفعت أصوات الرجال والنساء والصبيان، وخوار البهائم وأولادها، واختلطت الأصوات، وقربت منهم الحمرة والدخان، حتى غشي السواد سطوحهم، وبلغهم حرُّ النار.

فلما عرف الله تعالى منهم صدق التوبة، رفع عنهم العذاب بعد ما كان غشيهم، فذلك قوله تعالى: فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ يعني: لم يكن أهل قرية آمنت فَنَفَعَها إِيمانُها عند نزول العذاب إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا يعني: صدّقوا بالألسن والقلوب، عرف الله تعالى منهم الصدق، كَشَفْنا عَنْهُمْ يعني: رفعنا وصرفنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا يعني: عذاب الهون، وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ يعني: إلى منتهى آجالهم.

وفي هذه الآية تخويف وتهديد لكفار مكة، ولجميع الكفار إلى يوم القيامة، أنهم إن لم يؤمنوا ينزل بهم العذاب، فلا ينفعهم إيمانهم عند نزول العذاب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ويحتمل اللفظ أن يريد ب مِمَّا أَنْزَلْنا/ جميعَ الشرع.

ت: وهذا التأويلُ عندي أُبَيْنُ إِذَا لُخِّص، وإِن كان قد استبعده ع «١» :

ويكون المراد ب مِمَّا أَنْزَلْنا: مَا ذكره سبحانه من قصصهم، وذِكْرِ صفته عليه السلام، وذكْرِ أنبيائهم وصِفَتِهم وسيرهم وسائِرِ أخبارهم الموافِقَةِ لِمَا في كتبهم المنزَّلة على أنبيائهم كالتوراة والإِنجيل والزَّبُور والصُّحُف، وتكون هذه الآية تَنْظُر إِلى قوله سبحانه: مَا كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ...

[يوسف: ١١١] ، فتأمَّله، واللَّه أعلم.

وأما قوله: هذا قولُ أهْل التأويل قاطبةً، فليس كذلكَ، وقد تكلَّم صاحب «الشفا» على الآية، فأحْسَنَ، ولفظهُ: واختلف في معنى الآية، فقيلَ: المرادُ: قل يا محمّد للشاكّ:

فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ ...

الآية، قالوا: وفي السورة نَفْسِهَا ما دلَّ على هذا التأويل، وهو قوله تعالى: قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي ...

الآية [يونس: ١٠٤] ، ثم قال عياضٌ: وقيل: إِن هذا الشكّ: الذي أمر غير النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بسؤالِ الذين يقرؤون الكتاب عنه، إِنما هو في ما قصَّهُ اللَّه تعالى من أخبار الأمم، لا فيما دعا إِلَيْه من التوحيد والشريعة.

انتهى.

وقوله سبحانه: فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ ...

الآية: مما خوطب به النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والمراد سواه.

قال ع «٢» : ولهذا فائِدةٌ ليست في مخاطبة الناس به، وذلك شدَّة التخويفِ لأنه إذا كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يُحَذَّرُ مِنْ مثل هذا، فغيره من النَّاسِ أَوْلَى أَن يحذَّر ويتقى على نفسه.

وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ: أي: حقَّ عليهم في الأزل وخلقهم لعذابه لاَ يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ إِلا في الوقت الذي لا يَنْفَعهم فيه الإِيمان كما صنع فرعون وأشباهه، وذلك وقتُ المُعَايَنَةِ.

فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (٩٨) وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (١٠٠)

وقوله سبحانه: فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ ...

الآية: وفي مصحف أُبيٍّ وابنِ «١» مسعودٍ: «فَهَلاَّ» ، والمعنى فيهما واحدٌ، وأصل «لولا» التحضيضُ، أو الدلالةُ علَى مَنْعِ أَمرٍ لوجودِ غيرِهِ، ومعنى الآية: فَهَلاَّ آمَنَ أهْلُ قريةٍ، وهم على مَهَلٍ لم يتلبَّس العذابُ بهم، فيكون الإِيمان نافعاً لهم في هذا الحال، ثم استثنى قومَ يُونُسَ، فهو بحَسَب اللفظ استثناء منقطعٌ، وهو بحسب المعنَى متَّصلٌ لأن تقديره: ما آمن أهْلُ قريةٍ إِلا قَوْمَ يُونُسَ، وروي في قصَّة قوم يونُسَ: أن القوم لَمَّا كَفَروا، أي: تمادَوْا على كفرهم، أوحَى اللَّه تعالى إِليه أَنْ أَنذِرْهم بالعذاب لثالثة، فَفَعَلَ، فقالوا: هو رَجُلٌ لا يَكْذِب، فارقبوه فَإِن أَقام بَيْنَ أَظْهُرِكم، فلا عليكم، وإِن ارتحل عنكم، فهو نزولُ العَذَابِ لا شَكَّ فيه، فلَمَّا كان الليلُ، تزوَّد يُونُسُ، وخَرَجَ عنهم، فأصبحوا فَلَمْ يجدُوهُ، فتابوا ودَعُوا اللَّه، وآمنُوا، ولَبِسُوا المُسُوحَ، وفَرَّقوا بين الأُمَّهات والأولادِ من النَّاسِ والبهائمِ، وكان العذَابُ فيما رُوِيَ عن ابن عباس:

علَى ثُلُثَيْ مِيلٍ منهم «٢» ، وروي: على مِيلٍ «٣» ، وقال ابن جبير «٤» : غشيهمُ العذابُ كما يَغْشَى الثوبُ القَبْرَ، فرفَع اللَّه عنهم العذابَ، فلمَا مضَتِ الثالثة، وعَلِمَ يونُسُ أن العذاب لم يَنْزِلْ بهم، قال: كَيْفَ أنصَرِفُ، وقد وجَدُوني في كَذِبٍ، فذهب مغاضباً كما ذكر اللَّه سبحانه في غير هذه الآية، وذهب «٥» الطبريُّ إِلى أَنَّ قوم يونُسَ خُصُّوا من بين الأُمَمِ بِأَنْ تِيبَ عليهم مِنْ بَعْد معاينة العذاب، وذكر ذلك عن جماعة من المفسِّرين، وليس كذلك، والمعاينةُ التي لا تَنْفَعُ التوبةُ معها هي تلبُّس العذاب أو الموتِ بشَخْصِ الإِنسانِ، كقصَّة فرعون، وأمَّا قوم يونس فلم يَصِلُوا هذا الحَدِّ.

ت: وما قاله الطبريُّ عندي أبْيَنُ، وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ: يريد: إِلى آجالهم المقدَّرة في الأزل، وروي أن قوم يونس/ كانوا ب «نِينَوَى» من أرض المَوْصِلِ.

وقوله سبحانه: أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ: المعنى: أفأنت تكره

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ ﴾ أيْ: أهْلُ قَرْيَةٍ.

وفي " لَوْلا " قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى: لَمْ تَكُنْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ " فَنَفَعَها إيمانُها " أيْ: قُبِلَ مِنها ﴿ إلا قَوْمَ يُونُسَ ﴾ ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وقالَ قَتادَةُ: لَمْ يَكُنْ هَذا لِأُمَّةٍ آمَنَتْ عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ، إلّا لِقَوْمِ يُونُسَ.

والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى فَهَلّا، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ.

قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى: فَهَلّا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ في وقْتٍ نَفَعَها إيمانُها، إلّا قَوْمَ يُونُسَ ؟

و " إلّا " هاهُنا اسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، كَأنَّهُ قالَ: لَكِنْ قَوْمُ يُونُسَ.

قالَ الفَرّاءُ: نُصِبَ القَوْمُ عَلى الِانْقِطاعِ مِمّا قَبْلَهُ، ألا تَرى أنَّ " ما " بَعْدَ " إلّا " في الجَحْدِ يَتْبَعُ ما قَبْلَها ؟

تَقُولُ: ما قامَ أحَدٌ إلّا أخُوكَ، فَإذا قُلْتَ: ما فِيها أحَدٌ إلّا كَلْبًا أوْ حِمارًا، نَصَبْتَ، لِانْقِطاعِهِمْ مِنَ الجِنْسِ، كَذَلِكَ كانَ قَوْمُ يُونُسَ مُنْقَطِعِينَ مِن غَيْرِهِمْ مِن أُمَمِ الأنْبِياءِ، ولَوْ كانَ الِاسْتِثْناءُ وقَعَ عَلى طائِفَةٍ مِنهم لَكانَ رَفْعًا.

وذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في قَوْلِهِ: " إلّا " قَوْلَيْنِ آخَرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى الواوِ، والمَعْنى: وقَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا فَعَلْنا بِهِمْ كَذا وكَذا، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ، والفَرّاءُ يُنْكِرُهُ.

والثّانِي: أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ الآيَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ، تَقْدِيرُهُ: حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ إلّا قَوْمَ يُونُسَ، فالِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا مُتَّصِلٌ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَشَفْنا عَنْهُمْ ﴾ أيْ: صَرَفْنا عَنْهم " عَذابَ الخِزْيِ " أيْ: عَذابَ الهَوانِ والذُّلِّ ﴿ وَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ ﴾ أيْ: إلى حِينِ آجالِهِمْ.

الإشارَةُ إلى شَرْحِ قِصَّتِهِمْ ذَكَرَ أهْلُ العِلْمِ بِالسِّيَرِ والتَّفْسِيرِ أنَّ قَوْمَ يُونُسَ كانُوا بِـ " نَيْنَوى " مِن أرْضِ المَوْصِلِ، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إلَيْهِمْ يُونُسَ يَدْعُوهم إلى اللَّهِ ويَأْمُرُهم بِتَرْكِ الأصْنامِ، فَأبَوْا، فَأخْبَرَهم أنَّ العَذابَ مُصَبِّحُهم بَعْدَ ثَلاثٍ، فَلَمّا تَغَشّاهُمُ العَذابُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأنَسٌ: لَمْ يَبْقَ بَيْنَ العَذابِ وبَيْنَهم إلّا قَدْرُ ثُلُثَيْ مِيلٍ، وقالَ مُقاتِلٌ: قَدْرُ مِيلٍ، وقالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: وجَدُوا حَرَّ العَذابِ عَلى أكْتافِهِمْ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: غَشِيَهُمُ العَذابُ كَما يَغْشى الثَّوْبُ القَبْرَ، وقالَ بَعْضُهم: غامَتِ السَّماءُ غَيْمًا أسْوَدَ يُظْهِرُ دُخانًا شَدِيدًا، فَغَشِيَ مَدِينَتَهم، واسْوَدَّتْ سُطُوحُهم، فَلَمّا أيْقَنُوا بِالهَلاكِ لَبِسُوا المُسُوحَ، وحَثَوْا عَلى رُؤُوسِهِمُ الرَّمادَ، وفَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ والِدَةٍ ووَلَدِها مِنَ النّاسِ والأنْعامِ، وعَجُّوا إلى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ الصّادِقَةِ، وقالُوا: آمَنّا بِما جاءَ بِهِ يُونُسُ، فاسْتَجابَ اللَّهُ مِنهم.

قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: بَلَغَ مِن تَوْبَتِهِمْ أنْ تَرادُّوا المَظالِمَ بَيْنَهم، حَتّى إنْ كانَ الرَّجُلُ لَيَأْتِي إلى الحَجَرِ قَدْ وضَعَ عَلَيْهِ أساسَ بُنْيانِهِ فَيَقْلَعُهُ، فَيَرُدُّهُ.

وقالَ أبُو الجَلْدِ: لَمّا غَشِيَهُمُ العَذابُ، مَشَوْا إلى شَيْخٍ مِن بَقِيَّةِ عُلَمائِهِمْ، فَقالُوا: ما تَرى ؟

قالَ: قُولُوا: يا حَيُّ حِينَ لا حَيَّ، يا حَيُّ مُحْيِي المَوْتى، يا حَيُّ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، فَقالُوها، فَكُشِفَ العَذابُ عَنْهم.

قالَ مُقاتِلٌ: عَجُّوا إلى اللَّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَكُشِفَ العَذابُ عَنْهم.

وكانَتِ التَّوْبَةُ عَلَيْهِمْ في يَوْمِ عاشُوراءَ يَوْمَ الجُمْعَةَ.

قالَ: وكانَ يُونُسُ قَدْ خَرَجَ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ، فَقِيلَ لَهُ ارْجِعْ إلَيْهِمْ، فَقالَ: كَيْفَ أرْجِعُ إلَيْهِمْ فَيَجِدُونِي كاذِبًا ؟

وكانَ مَن يَكْذِبُ بَيْنَهم ولا بَيِّنَةَ لَهُ يُقْتَلُ، فانْصَرَفَ مُغاضِبًا، فالتَقَمَهُ الحُوتُ.

وقالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أوْحى اللَّهُ إلى نَبِيٍّ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ يُقالُ لَهُ: شَعْيا، فَقِيلَ لَهُ: ائْتِ فُلانًا المَلِكَ، فَقُلْ لَهُ يَبْعَثْ إلى بَنِي إسْرائِيلَ نَبِيًّا قَوِيًّا أمِينًا، وكانَ في مَمْلَكَتِهِ خَمْسَةٌ مِنَ الأنْبِياءِ، فَقالَ المَلِكُ لِيُونُسَ: اذْهَبْ إلَيْهِمْ، فَقالَ: ابْعَثْ غَيْرِي، فَعَزَمَ عَلَيْهِ أنْ يَذْهَبَ، فَأتى بَحْرَ الرُّومَ، فَرَكِبَ سَفِينَةً، فالتَقَمَهُ الحُوتُ، فَلَمّا خَرَجَ مِن بَطْنِها أُمِرَ أنْ يَنْطَلِقَ إلى قَوْمِهِ، فانْطَلَقَ نَذِيرًا لَهم، فَأبَوْا عَلَيْهِ، فَوَعَدَهم بِالعَذابِ، وخَرَجَ، فَلَمّا تابُوا رُفِعَ عَنْهم.

والقَوْلُ الأوَّلُ أثْبَتُ عِنْدَ العُلَماءِ، وأنَّهُ إنَّما التَقَمَهُ الحُوتُ بَعْدَ إنْذارِهِ لَهم وتَوْبَتِهِمْ.

وسَيَأْتِي شَرْحُ قِصَّتِهِ في التِقامِ الحُوتِ إيّاهُ في مَكانِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى [الصّافّاتِ:١٤٣] .

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ كُشِفَ العَذابُ عَنْ قَوْمِ يُونُسَ بَعْدَ إتْيانِهِ إلَيْهِمْ، ولَمْ يُكْشَفْ عَنْ فِرْعَوْنَ حِينَ آمَنَ ؟

فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ.

أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ كانَ خاصًّا لَهم كَما ذَكَرْنا في أوَّلِ الآيَةِ.

والثّانِي: أنَّ فِرْعَوْنَ باشَرَهُ العَذابُ، وهَؤُلاءِ دَنا مِنهم ولَمْ يُباشِرْهم، فَكانُوا كالمَرِيضِ يَخافُ المَوْتَ ويَرْجُو العافِيَةَ، فَأمّا الَّذِي يُعايِنُ، فَلا تَوْبَةَ لَهُ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلِمَ مِنهم صِدْقَ النِّيّاتِ، بِخِلافِ مِن تَقَدَّمَهم مِنَ الهالِكِينَ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ وَلَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ ﴾ ﴿ فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها إلا قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عنهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُنْيا ومَتَّعْناهم إلى حِينٍ ﴾ جاءَ هَذا تَحْذِيرًا مُرَدَّدًا وإعْلامًا بِسُوءِ حالِ المَحْتُومِ عَلَيْهِمْ، والمَعْنى: إنَّ اللهَ أوجَبَ لَهم سُخْطَهُ في الأزَلِ وخَلَقَهم لِعَذابِهِ، فَلا يُؤْمِنُونَ ولَوْ جاءَهم كُلُّ بَيانٍ وكُلُّ وُضُوحٍ إلّا في الوَقْتِ الَّذِي لا يَنْفَعُهم فِيهِ إيمانٌ، كَما صَنَعَ فِرْعَوْنُ وأشْباهُهُ مِنَ الخَلْقِ، وذَلِكَ وقْتَ المُعايَنَةِ، وفي ضِمْنِ الألْفاظِ التَحْذِيرُ مِن هَذِهِ الحالِ، وبَعْثُ الكُلِّ عَلى المُبادَرَةِ إلى الإيمانِ، والفِرارِ مِن سُخْطِ اللهِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، والحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ: "كَلِمَةُ" بِالإفْرادِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأهْلُ المَدِينَةِ: "كَلِماتُ" بِالجَمْعِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذِهِ التَرْجَمَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ ﴾ الآيَةُ.

في مُصْحَفِ أُبَيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ: "فَهَلّا"، والمَعْنى فِيهِما واحِدٌ، وأصْلُ "لَوْلا" في الكَلامِ التَحْضِيضُ أوِ الدَلالَةُ عَلى مَنعِ أمْرٍ لِوُجُودِ غَيْرِهِ، فَأمّا هَذِهِ فَبَعِيدَةٌ عن هَذِهِ الآيَةِ، لَكِنَّها مِن جُمْلَةِ الَّتِي هي لِلتَّحْضِيضِ، وحَقِيقَةُ التَحْضِيضِ بِها أنْ يَكُونَ المُحَضِّضُ يُرِيدُ مِنَ المُخاطَبِ فِعْلَ ذَلِكَ الشَيْءِ الَّذِي يَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وقَدْ تَجِيءُ "لَوْلا" ولَيْسَ مِن قَصْدِ المُخاطَبِ أنْ يَحُضَّ المُخاطَبَ عَلى فِعْلِ ذَلِكَ الشَيْءِ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ المَعْنى تَوْبِيخًا، كَقَوْلِ جَرِيرٍ: ..........................

∗∗∗ لَوْلا الكَمِّيَّ المُقَنَّعا وذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ حَضَّهم عَلى عَقْرِ الكَمِّيِّ، كَقَوْلِكَ لِرَجُلٍ قَدْ وقَعَ في أمْرٍ صَعْبٍ: "لَوْلا تَحَرَّزْتَ"، وهَذِهِ الآيَةُ مِن هَذا القَبِيلِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ومَفْهُومٌ مِن مَعْنى الآيَةِ نَفْيُ إيمانِ أهْلِ القُرى، ومَعْنى الآيَةِ: فَهَلّا آمَنَ مِن أهْلِ القَرْيَةِ وَهم عَلى مَهَلٍ لَمْ يَلْتَبِسِ العَذابُ بِهِمْ فَيَكُونَ الإيمانُ نافِعًا في هَذِهِ الحالَةِ، ثُمَّ اسْتَثْنى قَوْمَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ، فَهو بِحَسَبِ اللَفْظِ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، وكَذَلِكَ رَسَمَهُ النَحْوِيُّونَ أجْمَعَ، وهو بِحَسَبِ المَعْنى مُتَّصِلٌ لِأنَّ تَقْدِيرَهُ: ما آمَنَ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ إلّا قَوْمَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ، والنَصْبُ في قَوْلِهِ: ﴿ إلا قَوْمَ ﴾ هو الوَجْهُ، ولِذَلِكَ أدْخَلَهُ سِيبَوَيْهِ في بابِ "ما لا يَكُونُ فِيهِ إلّا النَصْبُ"، وكَذَلِكَ مَعَ انْقِطاعِ الِاسْتِثْناءِ، ويُشْبِهُ الآيَةَ قَوْلُ النابِغَةِ: إلّا الأُوارِيَّ...............

∗∗∗ ∗∗∗.......................

وذَلِكَ هو حُكْمُ لَفْظِ الآيَةِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: يَجُوزُ فِيهِ الرَفْعُ وهَذا اتِّصالُ الِاسْتِثْناءِ، وقالَ المَهْدَوِيُّ: والرَفْعُ عَلى البَدَلِ مِن "قَرْيَةٌ".

ورُوِيَ في قِصَّةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ: أنَّ القَوْمَ لَمّا كَفَرُوا أوحى اللهُ إلَيْهِ أنْ أنْذِرْهم بِالعَذابِ لِثَلاثَةٍ، فَفَعَلَ فَقالُوا: هو رَجُلٌ لا يَكْذِبُ فارْقُبُوهُ، فَإنْ أقامَ بَيْنَأظْهُرِكم فَلا عَلَيْكُمْ، وإنِ ارْتَحَلَ عنكم فَهو نُزُولُ العَذابِ لا شَكَّ، فَلَمّا كانَ اللَيْلُ تَزَوَّدَ يُونُسُ عَلَيْهِ السَلامُ وخَرَجَ عنهُمْ، فَأصْبَحُوا فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَتابُوا ودَعَوُا اللهَ وآمَنُوا ولَبِسُوا المُسُوحَ وفَرَّقُوا بَيْنَ الأُمَّهاتِ والأولادِ مِنَ الناسِ والبَهائِمِ، والعَذابُ مِنهم -فِيما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما- عَلى ثُلُثَيْ مِيلٍ.

ورُوِيَ عن عَلِيٍّ مِيلٌ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: غَشِيَهُمُ العَذابُ كَما يُغْشِي الثَوْبُ القَبْرَ، فَرَفَعَ اللهُ عنهُمُ العَذابَ، فَلَمّا مَضَتِ الثَلاثَةُ وعَلِمَ يُونُسُ عَلَيْهِ السَلامُ أنَّ العَذابَ لَمْ يَنْزِلْ قالَ: كَيْفَ أنْصَرِفُ وقَدْ وجَدُونِي في كَذِبٍ؟

فَذَهَبَ مُغاضِبًا كَما ذَكَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ قَوْمَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ خُصُّوا مِن بَيْنِ الأُمَمِ بِأنْ تِيبَ عَلَيْهِمْ مِن بَعْدِ مُعايَنَةِ العَذابِ، ذَكَرَ ذَلِكَ عن جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، والمُعايِنَةُ الَّتِي لا تَنْفَعُ التَوْبَةُ مَعَها هي تَلَبُّسُ العَذابِ أوِ المَوْتِ بِشَخْصِ الإنْسانِ كَقِصَّةِ فِرْعَوْنَ، وأمّا قَوْمُ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ فَلَمْ يَصِلُوا هَذا الحَدَّ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ: "يُونِسَ" بِكَسْرِ النُونِ، وفِيهِ لِلْعَرَبِ ثَلاثُ لُغاتٍ: ضَمُّ النُونِ وفَتْحُها وكَسْرُها، وكَذَلِكَ في "يُوسُفَ"، وقَوْلُهُ: ﴿ إلى حِينٍ ﴾ يُرِيدُ: إلى آجالِهِمُ المَفْرُوضَةِ في الأزَلِ.

ورُوِيَ أنَّ قَوْمَ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ كانُوا بِنَيْنَوى مِن أرْضِ المُوصِلِ، ويَقْتَضِي ذَلِكَ «قَوْلُ النَبِيِّ  لِعَدّاسٍ حِينَ قالَ لَهُ إنَّهُ مِن أهْلِ نَيْنَوى: "مِن قَرْيَةِ الرَجُلِ الصالِحِ يُونُسَ بْنِ مَتّى؟"» الحَدِيثُ الَّذِي في السِيرَةِ لِابْنِ إسْحاقَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الفاء لتفريع التغليط على امتناع أهل القرى من الإيمان بالرسل قبل أن ينزل بهم العذاب على الإخبار بأن الذين حقت عليهم كلمة الله أن لا يؤمنوا لا يؤمنون حتى يروا العذاب فإن أهل القرى من جملة الذين حقت عليهم الكلمة بأن لا يؤمنوا.

والغرض من ذكر أهل القرى التعريض بالمقصود، وهم أهل مكة فإنهم أهل قرية فكان ذلك كالتخلص بالتعريض إلى المخصوصين به، وللإفضاء به إلى ذكر قوم يونس فإنهم أهل قرية.

و (لولا) حرف يرد لمعان منها التوبيخ، وهو هنا مستعمل في لازم التوبيخ كناية عن التغليط، لأن أهل القرى قد انقضوا، وذلك أن أصل معنى (لولا) التحضيض، وهو طلب الفعل بحَثّ، فإذا دخلت على فعل قد فات وقوعه كانت مستعملة في التغليط والتنديم والتوبيخ على تفويته، ويكون ما بعدها في هذا الاستعمال فعل مضي مثل قوله تعالى: ﴿ ولَولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا ﴾ [النور: 16].

وإذا توجه الكلام الذي فيه (لولا) إلى غير صاحب الفعل الذي دخلت عليه كانت مستعملة في التعجيب من حال المتحدث عنه، كقوله: ﴿ لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء ﴾ [النور: 13] وقوله: ﴿ فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ﴾ [الأنعام: 43] وهذه الآية أصرح في ذلك لوجود (كان) الدالة على المضي والانقضاء.

والمقصود: التعريض بأن مشركي أهل مكة يوشك أن يكونوا على سنَن أهل القرى.

قال تعالى: ﴿ ما آمنتْ قبلهم من قرية أهلكناها أفَهُم يؤمنون ﴾ [الأنبياء: 6]، ونظير هذه الآية استعمالاً ومعنى قوله تعالى: ﴿ فلولا كان من القرون من قبلكم أولُوا بقيّة ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلاً ممن أنجينا منهم ﴾ [هود: 116]، وذلك تعريض بتحريض أهل مكة على الإيمان قبل نزول العذاب.

والمستخلص من الروايات الواردة في قوم يونس أنهم بادروا إلى الإيمان بعد أن فارقهم يونس، توقعاً لنزول العذاب، وقبل أن ينزل بهم العذاب، وذلك دليل على أن معاملة الله إياهم ليست مخالفة لما عامل به غيرهم من أهل القرى، وأن ليست لقوم يونس خصوصية، وبذلك لا يكون استثنائهم استثناءاً منقطعاً.

وإذ كان الكلام تغليطاً لأهل القرى المعرضين عن دعوة الرسل، وتعريضاً بالتحذير مما وقعوا فيه.

كان الكلام إثباتاً صريحاً ووقوع قرية وهو نكرة في مساق الإثبات أفاد العموم بقرينة السياق مثل قول الحريري: «يا أهل ذا المغْنَى وقيتم ضُراً» أي كل ضر لا ضراً معيناً، وبقرينة الاستثناء فإنه معيار العموم، وهذا الاستثناء من كلام موجب فلذلك انتصب قوله: ﴿ إلا قومَ يونس ﴾ فهذا وجه تفسير الآية.

وجرى عليه كلام العُكبري في «إعراب القرآن»، والكواشي في «التخليص» وجمهور المفسرين جعلوا جملة: ﴿ فلولا كانت قرية آمنت ﴾ في قوة المنفية، وجعلوا الاستثناء منقطعاً منصوباً ولا داعي إلى ذلك.

وجملة: ﴿ لمّا آمنوا ﴾ مستأنفة لتفصيل مجمَل معنى الاستثناء.

وفي الآية إيماء إلى أن أهل مكة يعاملهم الله معاملة قوم يونس إذ آمنوا عند رؤية العذاب.

وذلك حالهم عندما تسامعوا بقدوم جيش غزوة الفتح الذي لا قبل لهم به عدة وعُدة، فيكاد يحل بهم عذاب استئصال لولا أنهم عجّلوا بالإيمان يوم الفتح.

فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم «أنتُم الطلقاء» وقوم يونس هم أهل قرية نَيْنَوَى من بلاد العراق.

وهم خليط من الأشوريين واليهود الذين كانوا في أسر ملوك بابل بعد بختنصر.

وكانت بعثة يونس إليهم في أول القرى الثامن قبل المسيح.

وقد تقدم ذكر يونس وترجمته في سورة الأنعام.

ولما كذّبه أهل نَيْنَوَى توعدهم بخسف مدينتهم بعد أربعين يوماً، وخرج من المدينة غاضباً عليهم، فلمّا خرج خافوا نزول العذاب بهم فتابوا وآمنوا بالله فقبل الله إيمانهم ولم يعذّبهم.

والمذكور أنهم رأوا غيماً أسود بعد مضي خمسة وثلاثين يوماً من حين توعدهم يونس عليه السلام بحلول العذاب فعلموا أنه مقدمة العذاب فآمنوا وخضعوا لله تعالى فأمسك عنهم العذاب.

وسيجيء ذكر ما حل بيونس عليه السلام في خروجه ذلك من ابتلاع الحوت إياه في سورة الأنبياء.

والكشف: إزالة ما هو ساتر لشيء، وهو هنا مجاز في الرفع.

والمراد: تقدير الرفع وإبطال العذاب قبل وقوعه فعبر عنه بالكشف تنزيلاً لمقاربة الوقوع منزلة الوقوع.

والخزي: الإهانة والذل.

وإضافة العذاب إلى الخزي يجوز كونها بيانية لأن العذاب كله خزي، إذ هو حالة من الهلاك غير معتادة فإذا قدرها الله لقوم فقد أراد إذلالهم، ويجوز أن تكون الإضافة حقيقية للتخصيص، ويكون المراد من الخزي الحالة المتصورة من حلوله.

وهي شناعة الحالة لمن يشاهدهم مثل الخسف والحرق والغرق، وأشنع الخزي ما كان بأيدي أناس مثلهم، وهو عذاب السيف الذي حل بصناديد قريش يوم بدر، والذي كاد أن يحل بجميع قريش يوم فتح مكة فنجاهم الله منه كما نجّى قوم يونس.

و ﴿ في الحياة الدنيا ﴾ صفة ل ﴿ عذاب الخزي ﴾ للإشارة إلى أن العذاب الذي يحل بالأمم الكافرة هو عقاب في الدنيا وبعده عقاب في الآخرة، وأن الأمم التي لم تعذب في الدنيا قد أدخر لها عذاب الآخرة.

والتمتيع: الإمهال.

وإبهام ﴿ حين ﴾ لأنه مختلف باختلاف آجال أحادهم، والمراد به التمتيع بالحياة لا بكشف العذاب، لأنهم بعد موتهم ناجون من العذاب إذ كانوا قد آمنوا وأخلصوا.

ولعل الحكمة في نجاة قوم يونس تتمثل في أمرين: أحدهما: أن الله علم أن تكذيبهم يونس عليه السلام في ابتداء دعوته لم يكن ناشئاً عن تصميم على الكفر واستخفاف بعظمة الله، ولكنه كان شكاً في صدق يونس عليه السّلام.

ولعل ذلك أنهم كانوا على بقية من شريعة موسى عليه السّلام وإنما حرّفوا وحادوا عن طريق الإيمان مما يعلمه الله، فإن في نَيْنَوَى كثيراً من أسرى بني إسرائيل الذين كانوا في أسر الأشوريين كما علمت آنفاً، فلما أوعدهم يونس عليه السّلام بالعذاب بعد أربعين يوماً ورأوا أماراته بعد خمسة وثلاثين يوماً اهتدَوا وآمنوا إيماناً خالصاً.

وثانيهما: أن يونس عليه السّلام لمّا صدرت منه فلتة المغاضبة كان قد خلط في دعوته شيئاً من حظ النفس وإن كان لفائدة الدين، فقدر الله إيمان قومه لعلمه كمال الإيمان والصبر والتسليم لله، وهذا عتاب وتأديب بينه وبين ربه، ولذلك حذّر رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمةَ من توهم أنّ ما جرى ليونس عليه السّلام من المغاضبة والمعاقبة ينقص من قدره فقال صلى الله عليه وسلم «لا ينبغي لأحد أن يقول أنَا خير من يونس بن متّى» يعني في صحة الرسالة لا في التفاضل فيها.

وقد كان حال أهل مكة كحال قوم يونس إذ بادروا إلى الإيمان بمجرد دخول جيش الفتح مكة وقبل أن يقعُوا في قبضة الأسر، ولذلك لم ينج منهم عبدُ الله بن خطل، لأنه لم يأت مُؤمناً قبل أن يتمكن منه المسلمون ولم ينفعه التعلق بأستار الكعبة لأن ذلك التعلق ليس بإيمان وإنما هو من شعار العوذ في الجاهلية بما أبطله الإسلام إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم «إن الحرم لا يعيذ عاصياً» وقد بيّنّا في آخر سورة غافر (84) عند قوله تعالى: ﴿ فلمّا رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده ﴾ إلى آخر السورة فانظره.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها ﴾ والمُرادُ بِالقَرْيَةِ أهْلُ القَرْيَةِ.

﴿ إلا قَوْمَ يُونُسَ ﴾ وهم أهْلُ نَيْنَوى مِن بِلادِ المَوْصِلِ فَإنَّ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ وعَدَهم بِالعَذابِ بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ، فَقالُوا: انْظُرُوا يُونُسَ فَإنْ خَرَجَ عَنّا فَوَعِيدُهُ حَقٌّ، فَلَمّا خَرَجَ عَنْهم تَحَقَّقُوهُ فَفَزِعُوا إلى شَيْخٍ مِنهم فَقالَ: تُوبُوا وادْعُوا وقُولُوا يا حَيُّ حِينَ لا حَيُّ، ويا حَيُّ يا مُحْيِيَ المَوْتى، ويا حَيُّ لا إلَهَ إلّا أنْتَ، فَلَبِسُوا المُسُوحَ وفَرَّقُوا بَيْنَ كُلِّ والِدَةٍ ووَلَدِها، وخَرَجُوا مِن قَرْيَتِهِمْ تائِبِينَ داعِينَ فَكَشَفَ اللَّهُ عَنْهُمُ العَذابُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ كَشَفْنا عَنْهم عَذابَ الخِزْيِ في الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم تابُوا قَبْلَ أنْ يَرَوُا العَذابَ فَلِذَلِكَ قَبِلَ تَوْبَتَهم، ولَوْ رَأوْهُ لَمْ يَقْبَلْها كَما لَمْ يَقْبَلْ مِن فِرْعَوْنَ إيمانَهُ لَمّا أدْرَكَهُ الغَرَقُ.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى خَصَّهم بِقَبُولِ التَّوْبَةِ بَعْدَ رُؤْيَةِ العَذابِ، قالَ قَتادَةُ: كَشَفَ عَنْهُمُ العَذابَ بَعْدَ أنْ تَدَلّى عَلَيْهِمْ ولَمْ يَكُنْ بَيْنَهم وبَيْنَ العَذابِ إلّا مَيْلٌ.

﴿ وَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: إلى أجَلِهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: إلى أنْ يُصَيِّرَهم إلى الجَنَّةِ أوِ النّارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ الحَذَرَ لا يَرُدُّ القَدَرَ، وإنَّ الدُّعاءَ يَرُدُّ القَدَرَ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ إلا قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهم عَذابَ الخِزْيِ ﴾ قالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ذَلِكَ يَوْمُ عاشُوراءَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق وابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه قال: بلغني أن في حرف ابن مسعود رضي الله عنه ﴿ فهلا كانت قرية آمنت ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك رضي الله عنه في قوله: ﴿ فلولا كانت قرية آمنت ﴾ يقول: فما كانت قرية آمنت.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك رضي الله عنه قال: كل ما في القرآن فلولا فهو فهلا إلا في حرفين في يونس ﴿ فلولا كانت قرية آمنت ﴾ والآخر ﴿ فلولا كان من القرون من قبلكم ﴾ [ هود: 116] .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فلولا كانت قرية آمنت ﴾ قال: فلم تكن قرية آمنت.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة رضي الله عنه ﴿ فلولا كانت قرية آمنت...

﴾ الآية.

يقول: لم يكن هذا في الأمم قبل قوم يونس لم ينفع قرية كفرت ثم آمنت حين عاينت العذاب إلا قوم يونس عليه السلام فاستثنى الله قوم يونس، وذكر لنا أن قوم يونس كانوا بنينوى من أرض الموصل، فلما فقدوا نبيهم عليه السلام قذف الله تعالى في قلوبهم التوبة فلبسوا المسوح، وأخرجوا المواشي، وفرقوا بين كل بهيمة وولدها، فعجوا إلى الله أربعين صباحاً، فلما عرف الله الصدق من قلوبهم والتوبة والندامة على ما مضى منهم، كشف عنهم العذاب بعد ما تدلى عليهم لم يكن بينهم وبين العذاب إلا ميل.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ فلولا كانت قرية آمنت...

﴾ الآية.

قال: لم تكن قرية آمنت فنفعها الإِيمان إذا نزل بها بأس الله.

إلا قرية: يونس.

وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «في قوله: ﴿ إلا قوم يونس لما آمنوا ﴾ قال: لما دعوا» .

وأخرج ابن أبي حاتم واللالكائي في السنة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: إن الحذر لا يرد القدر وإن الدعاء يرد القدر، وذلك في كتاب الله: ﴿ إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي ﴾ .

وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن الدعاء ليرد القضاء وقد نزل من السماء، اقرأوا إن شئتم ﴿ إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم ﴾ فدعوا صرف عنهم العذاب.

وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن يونس دعا قومه فلما أبوا أن يجيبوه وعدهم العذاب فقال: إنه يأتيكم يوم كذا وكذا.

ثم خرج عنهم- وكانت الأنبياء عليهم السلام إذا وعدت قومها العذاب خرجت- فلما أظلهم العذاب خرجوا ففرقوا بين المرأة وولدها، وبين السخلة وأولادها، وخرجوا يعجبون إلى الله علم الله منهم الصدق فتاب عليهم وصرف عنهم العذاب، وقعد يونس في الطريق يسأل عن الخبر، فمر به رجل فقال: ما فعل قوم يونس؟

فحدثه بما صنعوا فقال: لا أرجع إلى قوم قد كذبتهم.

وانطلق مغاضباً يعني مراغماً» .

وأخرج أحمد في الزهد وابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن العذاب كان هبط على قوم يونس حتى لم يكن بينهم وبينه إلا قدر ثلثي ميل، فلما دعوا كشف الله عنهم.

وأخرج أحمد في الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير قال: غشي قوم يونس العذاب كما يغشى القبر بالثوب إذا أدخل فيه صاحبه، وأمطرت السماء دماً.

وأخرج عبد الرزاق وأحمد في الزهد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ إلا قوم يونس لما آمنوا ﴾ قال: بلغنا أنهم خرجوا فنزلوا على تل وفرقوا بين كل بهيمة وولدها، فدعوا الله أربعين ليلة حتى تاب عليهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن علي رضي الله عنه قال: تيب على قوم يونس عليه السلام يوم عاشوراء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال: بعث يونس عليه السلام إلى قرية يقال لها على شاطئ دجلة.

وأخرج أحمد في الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي الخلد رضي الله عنه قال: لما غشي قوم يونس عليه السلام العذاب مشوا إلى شيخ من بقية علمائهم فقالوا له: ما ترى؟

قال: قولوا يا حي حين لا حي، ويا حي محيي الموت، ويا حي لا إله إلا أنت.

فقالوا فكشف عنهم العذاب.

وأخرج ابن النجار عن عائشة رضي الله عنهما قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ينجي حذر من قدر، وأن الدعاء يدفع من البلاء، وقد قال الله في كتابه ﴿ إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين ﴾ » .

وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما دعا يونس على قومه أوحى الله إليه أن العذاب مصبحهم.

فقالوا: ما كذب يونس وليصحبنا العذاب، فتعالوا حتى نخرج سخال كل شيء فنجعلها مع أولادنا فلعل الله أن يرحمهم.

فأخرجوا النساء معهن الولدان، وأخرجوا الإِبل معها فصلانها، وأخرجوا البقر معها عجاجيلها، وأخرجوا الغنم معها سخالها فجعلوه إمامهم، وأقبل العذاب فلما أن رأوه جأروا إلى الله ودعوا، وبكى النساء والولدان، ورغت الإِبل وفصلانها، وخارت البقر وعجاجيلها، وثغت الغنم وسخالها، فرحمهم الله فصرف عنهم العذاب إلى جبال آمد، فهم يعذبون حتى الساعة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا ﴾ الآية، في هذه الآية طريقان: أحدهما: وهو طريق المفسرين أن (لولا) معناها (١) ﴿ فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا ﴾ معناها: فما كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها، وكذلك ﴿ فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ  ﴾ معناه فما كان من القرون (٢) وقال ابن عباس في رواية عطاء: فما كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس: قال: يريد لم أفعل هذا بأمة قط ﴿ إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا ﴾ عند نزول العذاب، كشفنا عنهم العذاب (٣) (٤) وقال قتادة في هذه الآية: لم يكن هذا معروفًا لأمة من الأمم؛ كفرت ثم آمنت عند نزول العذاب فكشف عنهم، إلا قوم يونس كشف عنهم العذاب بعد ما تدلى عليهم (٥) وقال مقاتل: كان العذاب فوق رؤوسهم قدر ميل (٦) وقال ابن الأنباري (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) وانتصب قوله تعالى: ﴿ إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ ﴾ على أنه استثناء منقطع من الأول؛ لأن أول الكلام جرى على القرية وإن كان المراد أهلها، ووقع استثناء القوم من القرية فكان كقوله (١٣) إلا أواريَّ .................

وذكر صاحب النظم أوجهًا سوى هذا، وهو أنه قال: معنى (لولا): هلا، وهلا: حث على الشيء، ويكون تبكيتًا وتنديمًا على فأئت، وفي ذلك دليل بالاعتبار على أنه لم يكن، فقوله: ﴿ فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ ﴾ أي: لم تكن آمنت عند حلول العذاب فنفعها إيمانها، ثم استثنى قوم يونس فقال: (إلا قوم يونس) (١٤) (١٥) ﴿ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا ﴾ ثم جاء قوله: ﴿ إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ ﴾ بعد التمام كما نصب [من قرأ (ما فعلوه إلا قليلا منهم) [النساء: 66] بالنصب (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) ﴿ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا ﴾ على تأويل: لم ينفع قرية آمنت إيمانها إلا قوم يونس، أي: أن الإيمان نفع قوم يونس لما آمنوا.

هذا الذي ذكرنا طريقة المفسرين (٢٠) الثاني: وهو طريقة الزجاج، وذكرها ابن الأنباري أيضاً، وهو أن معنى الآية حث على الإيمان حين ينفع الإيمان، يقول (٢١) وهذا تبكيت لفرعون؛ لأنه آمن لما أدركه الغرق فلم ينفعه، يدل على صحة هذا المعنى أن هذه الآية ذكرت عقيب قصته، وعلى هذا (لولا) يكون على ما هو موضوع له.

وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ ﴾ ، قال الزجاج: وقوم يونس -والله أعلم- لم يقع بهم العذاب، إنما رأوا الآية التي تدل على العذاب فلما آمنوا كشف عنهم، ومثل ذلك العليل الذي يتوب في مرضه وهو يرجو في مرضه العافية ويخاف (٢٢) وقال ابن الأنباري: قوم يونس تابوا (٢٣) ﴿ إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ ﴾ من الاستثناء المنقطع؛ معناه: لكن قوم يونس لما آمنوا في وقت ينفعهم الإيمان ﴿ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ [قال ابن عباس: يريد: سخط الله في الحياة الدنيا (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) ﴿ وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ﴾ ، قال ابن عباس: يريد حين آجالهم (٢٨) (١) في (م): (معناه).

(٢) ذكره السيوطي في "الدر المنثور" 3/ 572، ونسبه لابن أبي حاتم، ورواه ابن أبي حاتم في تفسير سورة يونس 6/ 1987 مختصرًا.

(٣) ساقط من (م) و (ى).

(٤) "الوسيط" 2/ 560، ورواه بمعناه ابن جرير 11/ 171 من رواية عطاء الخراساني، ورواه أيضًا ابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 572.

(٥) رواه بنحوه ابن جرير 11/ 170 - 172، وابن أبي حاتم 6/ 1988، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 572.

(٦) "تفسير مقاتل" ص 143 أ.

(٧) ذكر قوله مختصرًا ابن الجوزي في "زاد المسير" 4/ 67.

(٨) في (ح) و (ز): (ينافسون)، وهو خطأ.

(٩) في (ى) فرطوا، وهو خطأ، ومعنى فرط: سبق وتقدم.

انظر: "لسان العرب" (فرط) 6/ 3389.

(١٠) في (ى): (هذا).

(١١) في (م): (فيقلعه)، وما أثبته موافق لما في "تفسير القرطبي".

(١٢) ذكره القرطبي في "تفسيره" 8/ 384، وبنحوه الزمخشري 2/ 254، والرازي 17/ 165، ورواه بمعناه ابن جرير 11/ 170 - 172، وابن مردويه كما في "الدر المنثور" 3/ 573.

(١٣) هو النابغة الذبياني وما ذكره المؤلف بعض بيتين نصهما: وقفت فيها أصيلالًا أسائلها ...

عيت جوابًا وما بالربع من أحد إلا الأواريّ لأيًا ما أبينها ...

والنُّؤْيُ كالحوض بالمظلومة الجلد انظر: "ديوانه" ص 9، "إصلاح المنطق" ص 47، "الإنصاف" ص 234، "خزانة الأدب" 4/ 122، "كتاب سيبويه" 2/ 321.

وقوله: اصيلالاً: أي عشاء، وذلك أن الأصيل هو العشي، وجمعه أُصُل (بضمتين) وأُصْلان (بضم فسكون) ثم صغروه فقالوا: أصيلان، ثم أبدلوا من النون لامًا فقالوا: أُصيلالا.

قوله: عيت: أي عجزت عن الكلام.

والأوارى: جمع آريّ: وهو محبس الدابة.

ولأيًا: أي بعد جهد وإبطاء.

والنؤْي: الحاجز من تراب حول البيت.= والمظلومة: الأرض التي حفرت ولم تكن حفرت من قبل، وهو يعني أرضًا مروا بها في برية فتحوضوا حوضًا سقوا فيه إبلهم وليست بموضع تحويض.

والجلد: الأرض الصلبة المستوية المتن الغليظة.

انظر: "لسان العرب" (أصل وعيى وأري ولأي وظلم وجلد).

(١٤) ساقط من (م).

(١٥) ما بين المعقوفين ساقط من (م).

(١٦) وهي قراءة ابن عامر وحده، وكذا هو في مصحف الشام.

انظر كتاب "السبعة" ص 235، "إرشاد المبتدي" ص 285، "النشر" 2/ 250.

(١٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).

(١٨) السياق يدل على أن القائل هو الجرجاني صاحب "نظم القرآن"، وقد شرح المؤلف وجه النصب عند تفسير الآية، فهي جملة اعتراضية من المؤلف.

(١٩) ما بين المعقوفين ساقط من (م).

(٢٠) انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 479، "تفسير ابن جرير" 11/ 170 - 172، والسمرقندي 2/ 111، والثعلبي 7/ 28 ب، والبغوي 4/ 151.

(٢١) يعني الزجاج، انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 34، ولم أقف على قول ابن الأنباري.

(٢٢) في "معاني القرآن وإعرابه" المطبوع: ولا يخاف، والصحيح ما أثبته المؤلف، بل إن توبة المريض صحيحة ولو لم يرج العافية، ما لم يغرغر وتبلغ روحه حلقومه، == وقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ  ﴾ ، وقول الرسول  "إن الله عز وجل يقبل توبة العبد ما لم يغرغر"، رواه الترمذي (3537) كتاب الدعوات، باب: في فضل التوبة، وقال: حسن غريب.

رواه أيضًا أحمد في "المسند" 2/ 132، والحاكم في "المستدرك" 4/ 257، وصححه، ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني كما في "صحيح الجامع الصغير" (1903).

انظر: "تفسير الطبري" 11/ 170 - 172، "شرح صحيح مسلم" 1/ 213، "تفسير القرطبي" 5/ 92، "محاسن التأويل" 5/ 1155.

وكلام الزجاج هذا في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 34.

(٢٣) في (ح) و (ز): (قالوا)، وهو خطأ.

(٢٤) "الوسيط" 2/ 560.

(٢٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ى).

(٢٦) في (م): (الهون).

(٢٧) لم أقف عليه عند أهل المعاني، وانظر القول بنحوه في: "بحر العلوم" 2/ 112، "زاد المسير" 4/ 65.

(٢٨) "الوسيط" 2/ 560، وبمعناه رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 6/ 1990.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ﴾ أي قضى أنهم لا يؤمنون ﴿ فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ ﴾ لولا هنا للتحضيض بمعنى هلا، وقرئ في الشاذ هلا، والمعنى: هلا كانت قرية من القرى المتقدمة آمنت قبل نزول العذاب فنفعها إيمانها: إذ لا ينفع الإيمان بعد معاينة العذاب كما جرى لفرعون ﴿ إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ ﴾ استثناء من القرى، لأن المراد أهلها، وهو استثناء منقطع بمعنى: ولكن قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم العذاب، ويجوز أن يكون متصلاً، والجملة في معنى النفي كأنه قال ما آمنت قرية إلا قوم يونس، وروي في قصصهم أن يونس عليه السلام أنذرهم بالعذاب، فلما رأوه قد خرج من بين أظهرهم علموا أن العذاب ينزل بهم فتابوا وتضرعوا إلى الله تعالى فرفعه عنهم ﴿ ومتعناهم إلى حِينٍ ﴾ يريد إلى آجالهم المكتوبة في الأزل.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وأنا ﴾ مثل ﴿ أنشانا ﴾ و ﴿ نجعل ﴾ بالنون: يحيى وحماد.

الآخرون بالياء التحتانية.

﴿ ثم ننجي ﴾ من الإنجاء: نصر وروح ويزيد.

﴿ ننجي المؤمنين ﴾ من الإنجاء أيضاً: علي وسهل ويعقوب وحفص والمفضل.

الآخرون بالتشديد فيهما.

الوقوف: ﴿ الطيبات ﴾ ج للابتداء بالنفي مع الفاء ﴿ العلم ﴾ ط ﴿ يختلفون ﴾ ه ﴿ من قبلك ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى ﴿ الممترين ﴾ ه لا للعطف ﴿ الخاسرين ﴾ ه ﴿ لا يؤمنون ﴾ ه لا لتعلق لو بما قبلها ﴿ الأليم ﴾ ه ﴿ يونس ﴾ ط ﴿ حين ﴾ ه ﴿ جميعاً ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ بإذن الله ﴾ ط أي وهو يجعل ﴿ لا يعقلون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط للفصل بينالاستخبار والإخبار.

﴿ لا يؤمنون ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ من المنتظرين ﴾ ه ﴿ كذلك ﴾ ج لاحتمال يراد ننجيهم كإنجاء الرسل أو يكون الوقف على ﴿ آمنوا ﴾ والتقدير ننجي المؤمنين إنجاء كذلك و ﴿ حقا علينا ﴾ اعتراض.

﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ يتوفاكم ﴾ ج لاحتمال أن يراد وقد أمرت ﴿ المؤمنين ﴾ ه لا للعطف ﴿ حنيفاً ﴾ ج للعطف مع زيادة نون التأكيد المؤذن بالاستئناف ﴿ المشركين ﴾ ه ﴿ ولا يضرك ﴾ ج للابتداء بالشرط مع الفاء ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ إلا هو ﴾ ج للعطف مع حق الفصل بين المتضادين ﴿ لفضله ﴾ ط ﴿ من عباده ﴾ ط ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ من ربكم ﴾ ج ﴿ لنفسه ﴾ ج ﴿ عليها ﴾ ج للعطف مع النفي ﴿ بوكيل ﴾ ه ط ﴿ يحكم الله ﴾ ج لاحتمال العطف والاستئناف ﴿ الحاكمين ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر ما وقع عليه الختم في واقعة فرعون وجنوده أراد أن يذكر ما وقع عليه الختم في واقعة بني إسرائيل فقال: ﴿ ولقد بوأنا ﴾ أي أسكناهم مسكن صدق أو إسكان صدق فيكون المبوأ اسم مكان أو مصدراً، والعرب إذا مدحت شيئاً أضافته إلى الصدق ليعلم أن كل ما يظن به من الخير ويطلب منه فإنه يصدق ذلك الظن ويوجد فيه فيكون المعنى منزلاً صالحاً مرضياً.

والمراد ببني إسرائيل إما اليهود الذين كانوا في زمن موسى  فمبوّأ الصدق الشام ومصر وما يدانيها فإنها بلاد كثيرة الخصب غزيرة الأرزاق ومع ذلك فقد أورثهم الله جميع ما كان تحت تصرف فرعون وقومه من الناطق والصامت ﴿ فما اختلفوا ﴾ في دنيهم وما تشعبوا فيه شعباً وكانوا على طريقة واحدة حتى قرأوا التوراة فقابلوها بضد المقصود منها وبدلوا الاتفاق بالاختلاف وأحدثوا المذاهب المتعددة، وإما اليهود المعاصرون لرسول الله  ، وإلى هذا ذهب جم غفير من المفسرين.

عن ابن عباس:هم قريظة والنضير وبنو قينقاع، أنزلناهم منزل الصدق ما بين المدينة والشام ورزقناهم من طيبات تلك البلاد رطباً وتمراً ليس في غيرها، فبقوا على دينهم ولم يظهر فيهم الاختلاف حتى جاءهم سبب العلم وهو القرآن النازل على محمد  فاختلفوا في نعته وصفته، وآمن به قوم وبقي على الكفر آخرون.

وبالجملة فالله  يقضي بين المحقين منهم والمبطلين في يوم الجزاء لأن دار التكليف ليست دار القضاء.

ولما بيّن كيفية اختلاف اليهود في شأن كتابهم أو في شأن رسوله حقق حقيقته وحقيقة ما أنزل عليه بقوله: ﴿ فإن كنت في شك ﴾ والشك في اللغة ضم الشيء بعضه إلى بعض ومنه شك الجوهر في العقد، وشككته بالرمح أي خرقته وانتظمته، والشكيكة الفرقة من الناس، والشكاك البيوت المصطفة.

والشاك يضم إلى ما يتوهمه شيئاً آخر خلافه، والخطاب فيه للرسول في الظاهر والمراد أمته كقوله: ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم  ﴾ والدليل عليه قوله بعيد ذلك ﴿ قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني ﴾ ولأنه لو كان شاكاً في شأنه لكان غيره بالشك أولى.

ويمكن أن يقال: الخطاب للرسول  حقيقة ولكن ورد على سبيل الفرض والتمثيل كأنه قيل: فإن وقع لك شك مثلاً والقضية الشرطية لا إشعار فيها ألبتة بوقوع الشرط ولا عدم وقوعه، بل المراد استلزام الأول للثاني على تقدير وقوع الأول.

وقد يكونان محالين كقول القائل: إن كانت الخمسة زوجاً كانت منقسمة بمتساويين.

وفيه من الفوائد الإرشاد إلى طلب الدلائل لأجل مزيد اليقين وحصول الطمأنينة، وفيه استمالة لأمته والحث لهم على السؤال عما كانوا منه في شك، وفيه أن أهل الكتاب من الإحاطة بصحة ما أنزل إليك بحيث يصلحون لمراجعة مثلك فضلاً عن غيرك فيكون الغرض وصف الأحبار بالرسوخ في العلم بصحة ما أنزل إلى الرسول لا وصف الرسول بالشك، ولذلك قال  عند نزوله: لا أشك ولا أسأل بل أشهد أنه الحق.

وعن ابن عباس: لا والله ما شك طرفة عين ولا سأل أحداً منهم.

وقيل: "إن" نافية أي فما كنت في شك يعني لا نأمرك بالسؤال لأنك شاك ولكن لتزداد يقيناً.

وقيل: الخطاب لكل سامع يتأتى منه الشك.

ومن المسؤول منه قال المحققون: هم مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وعبد الله بن صوريا وتميم الداري وكعب الأحبار لأنهم هم الذين يوثق بخبرهم.

ومنهم من قال: الكل سواء لأنهم إذا بلغوا حد التواتر وقرأوا آية من التوراة والإنجيل تدل على البشارة بمقدم محمد  فقد حصل الغرض، لأن تلك الآية لما بقيت مع توفر دواعيهم على تحريف نعته كانت من أقوى الدلائل.

والظاهر أن المقصود من السؤال معرفة حقيقة القرآن وصحة نبوة محمد  لقوله: ﴿ مما أنزلنا إليك ﴾ وقيل: السؤال راجع إلى قوله: ﴿ فما اختلفوا حتى جاءهم العلم ﴾ .

ثم إنه  لما بين الطريق المزيل للشك شهد بحقيته فقال: ﴿ لقد جاءك الحق من ربك ﴾ ثم إن فرق المكلفين بعد المصدقين إما متوقفون في صدقه وإما مكذبون فنهى الفريقين مخاطباً في الظاهر لنبيه قائلاً ﴿ فلا تكونن من الممترين ولا تكونن ﴾ الآية.

والمراد فاثبت ودم على ما أنت عليه من انتفاء المرية وانتفاء التكذيب، وفيه من التهييج والبعث على اليقين والتصديق ما فيه.

ثم لما زجر كل فريق عما زجر بين أن له عباداً قضى عليهم بالشقاء وعباداً ختم لهم بالحسنى فلا يتغيرون عن حالهم ألبتة.

أما الأولون فأشار إليهم بقوله: ﴿ إن الذين حقت ﴾ الآية.

وقد مر مثله في هذه السورة.

وقالت المعتزلة: إن عدم إيمان هذا الفريق إلى حين وقوع اليأس وموتهم على الكفر مكتوب عند الله وثبت عليهم قوله في الأزل بما يجري عليهم، لكنها كتابة معلوم لا كتابة مقدر ومراد.

وقالت الأشاعرة: كلمته حكمة وإرادته وخلقه فيهم الكفر، وقد مر أمثال هذه الأبحاث مراراً كثيرة.

وأما الآخرون فذلك قوله: ﴿ فلولا كانت ﴾ أي فهلا حصلت ﴿ قرية ﴾ واحدة ﴿ آمنت ﴾ تابت عن الكفر وأخلصت الإيمان قبل معانية العذاب ﴿ فنفعها إيمانها ﴾ لوقوعه في وقت الاختيار والتكليف دون أوان اليأس والاضطرار ﴿ إلا قوم يونس ﴾ هو استثناء منقطع أي ولكن قوم يونس لأن أول الكلام جرى على القرية وإن كان المراد أهلها.

وقيل: إن "لولا" في هذا المقام بمعنى النفي كأنه قيل: ما آمنت قرية من القرى الهالكة إلا قوم يونس.

يروى أن يونس  بعث إلى نينوى من أرض الموصل فكذبوه فذهب عنهم مغاضباً كما سيجيء في سورة الأنبياء، فلما فقدوه خافوا نزول العذاب فلبسوا المسوح وعجوا أربعين ليلة.

وقيل: قال لهم يونس إن أجلكم أربعون ليلة فقالوا: إن رأينا أسباب الهلاك آمنا بك، فلما مضت خمس وثلاثون أغامت السماء غيماً أسود هائلاً يدخن دخاناً شديداً ثم يهبط حتى يغشى مدينتهم ويسوّد سطوحهم، فلبسوا المسوح وبرزوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم وفرّقوا بين النساء والصبيان وبين الدواب وأولادها، فحنّ بعضها إلى بعض وعلت الأصوات والعجيج وأظهروا الإيمان والتوبة وتضرعوا فرحمهم وكشف عنهم وكان يوم عاشوراء يوم الجمعة.

وعن ابن مسعود: بلغ من توبتهم أن ترادوا المظالم حتى إن الرجل منهم كان يقتلع الحجر وقد وضع عليه أساس بنائه فيرده.

وقيل: خرجوا إلى شيخ من بقية علمائهم فقالوا: قد نزل بنا العذاب فما ترى؟

فقال لهم: قولوا يا حي حين لا حي ويا حي محيي الموتى ويا حي لا إله إلا أنت، فقالوها فكشف عنهم ومتعوا بالإيمان والأعمال الصالحة وبالخيرات الدنيوية إلى حين انقضاء آجالهم.

وعن الفضيل بن عياض قالوا: اللهم إن ذنوبنا قد عظمت وجلت وأنت أعظم منها وأجل، افعل بنا ما أنت أهله ولا تفعل بنا ما نحن أهله.

ثم بيّن أن الإيمان وضده كلاهما بمشيئة الله وتقديره فقال: ﴿ ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً ﴾ قالت الأشاعرة: هذه القضية تفيد الشمول والإحاطة لكنه ما حصل إيمان أهل الأرض بالكلية فدل هذا على أنه  ما أراد إيمان الكل.

وأول المعتزلة المشيئة بمشيئة الإلجاء والقسر.

وأجيب بأن الكلام في الإيمان الذي كان يطلبه النبي منهم وهو الإيمان المنوط به التكليف لا الإيمان القسري الذي لا ينتفع به المكلف، فلو حمل الإيمان المذكور في الآية وكذا المشيئة على إيمان الإلجاء ومشيئة القسر لم ينتظم الكلام.

ثم ذكر أن القدرة القاهرة والمشيئة النافذة ليست إلا للحق  وتعالى فقال: ﴿ أفأنت تكره ﴾ فأولى الاسم حرف الاستفهام للإعلام بأن الإكراه ممكن مقدور عليه، وإنما الكلام في المكره من هو وما هو إلا الله وحده.

فحمل المعتزلة هذا الإكراه على الإلجاء ومعناه أن يفعل في قلوبهم ما يضطرون عنده إلى الإيمان.

وحمل الأشاعرة الإكراه على خلق الإيمان ومعناه أنه قادر على خلق الإيمان والكفر فيهم لا أنت بدليل قوله: ﴿ وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس ﴾ أي الكفر والفسق ﴿ على الذين لا يعقلون ﴾ وفسر المعتزلة الإذن بمنح الألطاف والرجس بالخذلان، لأن الرجس هو العذاب والخذلان سببه، وخصصوا النفس بالنفس المعلوم إيمانها والذين لا يعقلون يعني المصرين على الكفر.

واستدلت الأشاعرة بقوله: ﴿ وما كان لنفس ﴾ على أنه لا حكم للأشياء قبل ورود الشرع لأن الإذن عبارة عن الإطلاق في الفعل ورفع الحجر.

وإذا كان أصل الشرع - وهو الإيمان بإذن الله - فما ترتب عليه أولى.

أجابت المعتزلة بأن المراد بالإذن التوفيق والتسهيل والألطاف.

ولما بين أن الإيمان لا يحصل إلا بمشيئة الله تعالى أمر بالنظر والاستدلال بالدلائل السماوية والأرضية حتى لا يتوهم أن الحق هو الجبر المحض فقال: ﴿ قل انظروا ماذا في السموات والأرض ﴾ أي شيء فيهما من الآيات والعبر.

ثم ذكر أن التفكر والتدبر في هذه الدلائل لا ينفع في حكم الله عليه في الأزل بالشقاء فقال: ﴿ وما تغني ﴾ يحتمل أن تكون "ما" نافية أي لا تفيد هذه ﴿ الآيات والنذر ﴾ وهي جمع نذير صفة أو مصدر في حق المحكوم عليهم بعدم الإيمان.

وأن تكون} استفهامية للإنكار بمعنى أي شيء يغني عنهم؟

ثم قال: ﴿ فهل ينتظرون ﴾ والمراد أن الأنبياء المتقدمين كانوا يتوعدون كفار زمانهم بأيام مشتملة على أنواع العذاب أو بوقائع الله فيهم وهم يكذبونهم ويسخرون منهم، وكذلك كان يفعل الكفار المعاصرون للرسول  فقال  ﴿ قل فانتظروا ﴾ وفيه تهديد ووعيد بأنه سينزل بهؤلاء مثل ما أنزل بأولئك من الإهلاك بعد إنجاء الرسول وأتباعه كما حكى تلك الأحوال الماضية بقوله: ﴿ ثم ننجي رسلنا ﴾ الآية.

قالت المعتزلة: ﴿ حقاً علينا ﴾ المراد به الوجوب والاستحقاق إذ لا يحسن تعذيب الرسول والمؤمنين.

وقالت الأشاعرة: إنه حق بحسب الوعد والحكم فإن العبد لا يستحق على خالقه شيئاً.

ثم أمر رسوله بإظهار التباين الصريح بين طريقته وطريقة المشركين فقال: ﴿ قل يا أيها الناس ﴾ والمعنى يا أهل مكة إن كنتم لا تعرفون ديني فاعلموا أني مبرأ عن أديانكم الباطلة ﴿ ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم ﴾ وتخصيص هذا الوصف لأنه يدل على الخلق أوّلاً وعلى الإعادة ثانياً كما مر مراراً، أو لأن الموت أشد الأحوال مهابة في القلوب فكان أقوى في الزجر والردع، أو لأنه قد قدم ذكر الإهلاك والوقائع النازلة بالأمم الخالية فكأنه قال: أعبد الله الذي وعدني بإهلاككم وإنجائي.

وفي الآية إشارة إلى أنه لن يوافقهم في دينهم كيلا يشكوا في أمره ويقطعوا أطماعهم عنه.

ولما ذكر أنه لا يعبد إلا الله بين أنه مأمور بالإيمان والمعرفة فقال: ﴿ وأمرت أن أكون ﴾ أي بأن أكون ﴿ من المؤمنين ﴾ ثم عطف عليه قوله: ﴿ وأن أقم وجهك ﴾ ولا تدع نظراً إلى المعنى كأنه قيل له: كن مؤمناً ثم أقم ولا تدع، أو المراد وأمرت بكذا وأوحي إلي أن أقم.

قال في الكشاف: قد سوغ سيبويه أن يوصل "أن" بالأمر والنهي وشبه ذلك بقولهم: أنت الذي تفعل على الخطاب لأن الغرض وصلها بما يكون معه في معنى المصدر، والأمر والنهي دالان على المصدر دلالة غيرهما من الأفعال، ومعنى ﴿ أقم وجهك ﴾ استقم إليه ولا تلتفت يميناً ولا شمالاً.

و ﴿ حنيفاً ﴾ حال من ﴿ الدين ﴾ أو من الوجه.

قال المحققون: الوجه ههنا وجه العقل أو المراد توجه الكلية إلى طلب الدين كمن يريد أن ينظر إلى شيء نظراً تاماً فإنه يقيم وجهه في مقابلته لا يصرفه عنه.

ثم أكد الأمر بالنهي عن ضده فقال: ﴿ ولا تكونن من المشركين ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت ﴾ أي فإن دعوت من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك، وكنى عنه بالفعل للاختصار.

و "إذا" جزاء للشرط وجواب لسؤال مقدر كأن سائلاً سأل عن تبعة عبادة الأوثان وجعل من الظالمين لأن إضافة التصرف بالاستقلال إلى ما سوى مدبر الكل وضع للشيء في غير موضعه.

ثم صرح بأنه مبدأ الكائنات ومنتهى الحاجات لا غيره فقال: ﴿ وإن يمسسك الله ﴾ الآية.

وقد مر تفسير مثلها في أول سورة الأنعام.

قال الواحدي: ﴿ وإن يردك بخير ﴾ من القلب وأصله وإن يرد بك الخير، ولكنه لما تعلق كل واحد منهما بالآخر جاز إبدال كل واحد منهمابالآخر.

وأقول في تخصيص الإرادة بجانب الخير والمس بجانب الشر دليل على أن الخير يصدر عنه  بالذات والشر بالعرض.

ثم ختم السورة بما يستدل به على قضائه وقدره في الهداية والضلال فقال: ﴿ قل يا أيها الناس ﴾ الآية.

وفسرها الأشاعرة بأن من حكم له في الأزل بالاهتداء فسيقع له ذلك، وإن من حكم له بالضلال فكذلك ولا حيلة في دفعه كما مر في سورة الأنعام ﴿ قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه  ﴾ الآية.

وقالت المعتزلة: المراد أنه بين الشريعة وأزاح العلة وقطع المعذرة، فمن اختار الهدى فما نفع باختياره إلا نفسه، ومن آثر الضلال فلا يعود وباله إلا على نفسه.

يروى عن ابن عباس أن الآية منسوخة بآية القتال ولا يخفى ضعفه.

ثم أمره باتباع الوحي والتنزيل فإن وصل إليه بسبب الاتباع مكروه فليصبر عليه إلى أن يحكم الله وهو خير الحاكمين.

ولبعضهم في الصبر: سأصبر حتى يعجز الصبر عن صبري *** وأصبر حتى يحكم الله في أمري سأصبر حتى يعلم الصبر أنني *** صبرت على شيء أمر من الصبر التأويل: ﴿ ولقد بوأنا بني إسرائيل ﴾ يعني متولدات الروح العلوي من القلب والسر دون النفس لأنها من البنات لا من البنين ﴿ مبوأ صدق ﴾ منزلاً علياً في العالم النوراني ﴿ وزقناهم من الطيبات ﴾ من الفيض الرباني الفائض على الروح لأن الروح مستوٍ على عرش القلب، فكل ما فاض من صفة الروحانية على الروح يفيض الروح على القلب والسر، فما اختلف القلب والسر حتى جاءهم دعوة النبي  : فمن قبلها صار مقبولا، ومن ردها كان مردوداً.

وبوجه آخر ﴿ مبوأ صدق ﴾ بين الأصبعين من أصابع الرحمن ﴿ فما اختلفوا ﴾ حتى أدركهم علم الله الأزلي بالسعادة والشقاء ﴿ فإن كنت في شك ﴾ خلق الإنسان ضعيفاً، فإذا انفتح عليه أبواب الكرامات وهبت رياح السعادات فربما ظن أنه مما يخادع به الأطفال فلا يدري هل هو من كرامة الاجتباء أو من وخامة الابتلاء، فكان النبي  من خصوصية ﴿ إنما أنا بشر مثلكم  ﴾ يرتع في هذه الرياض وباختصاص ﴿ يوحي إلي  ﴾ يسقى بكساسات المناولات من تلك الحياض.

فشك عند سكره أنها من شهود التلوين أو من كشوف التمكين، فأدركته العناية الأزلية فأكرم بخطاب ﴿ لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن ﴾ بل كان هذا النهي نهي التكوين فما كان ممترياً ولهذا قال: والله لا أشك ولا أسأل.

﴿ إلا مثل أيام الذين خلوا ﴾ من أنه كل ميسر لما خلق له ﴿ قل فانتظروا ﴾ ظهور ما قدر لكم ﴿ ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم ﴾ بالفناء عن النفس وصفاتها حنيفاً طاهراً عن لوث الالتفات إلى ما سواه والله أعلم.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ .

قوله: ﴿ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ﴾ هو قوله - عز وجل -: ﴿ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ  ﴾ هذا يكون في الختم من يختم به يعني بالكفر فقد حقت كلمة ربك لأملأن جهنم، أو ﴿ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ﴾ ما ذكر في آية أخرى: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلْكِتَابِ...

﴾ الآية [الأعراف: 37]، أو كلمة ربك ما ذكر: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ ﴾ أي: علم ربك بأحوالهم، أي: من كان علمه أنه لا يؤمن فلا يؤمن وقت اختياره الكفر؛ كقوله: ﴿ مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ  ﴾ [أي: من يضلل الله فلا هادي له] وقت اختيارهم الكفر؛ وكذلك قوله: ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ  ﴾ وقت اختيارهم الظلم ونحو ذلك، فالتأويل الأول يرجع إلى الختم به، والثاني: إلى وقت من ثبت عليه علم ربه أنه لا يؤمن إلى وقت أنه لا يؤمن في ذلك الوقت.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ جَآءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمَ ﴾ قيل: في الدنيا إيمان دفع العذاب ويحتمل في الدنيا، وقد ذكرنا هذا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ...

﴾ الآية، أي: لم تكن القرى آمنت عند معاينة البأس إيمانا نفعها إلا إيمان قوم يونس، فإنهم آمنوا إيمان حقيقة وعلم الله صدقهم من إيمانهم فنفعهم إيمانهم، هذا يخرج على وجوه: أحدها: أن سائر القرى كان إيمانها عند إقبال العذاب إليهم ووقوعه عليهم، فلم ينفعهم [إيمانهم] إلا قوم يونس، [فإن إيمانهم إنما كان لتخويف العذاب فينفعهم.

والثاني: يحتمل أن يكون قوم يونس] كان نزول العذاب بهم على التخيير والتمكين إن قبلوا الإيمان أمنوا دفع العذاب عنهم، وإن لم يقبلوا نزل بهم.

والثالث: [إنما] كان إيمان سائر القرى بعدما عاينوا مقامهم في النار فآمنوا، فيكون إيمانهم إيمان اضطرار، وقوم يونس آمنوا قبل أن يعاينوا ذلك، ويشبه أن يكون قوله: ﴿ فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ ﴾ بعد وقوع العذاب والبأس، ﴿ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ ﴾ فإنهم آمنوا إذ عاينوا العذاب قبل أن يقع بهم، وإيمان فرعون وقومه إنما كان بعدما غرقوا وبعدما خرجت أنفسهم من أيديهم فلم يقبل، وإيمان قوم يونس كان قبل أن يقع العذاب بهم وأنفسهم في أيديهم بعد فقبل، وهو ما ذكر عز وجل: ﴿ وَإِذ نَتَقْنَا ٱلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ...

﴾ الآية [الأعراف: 171]، آمنوا بعدما عاينوا قبل أن يقع بهم وسائر الأمم الخالية كان منهم الإيمان بعد وقوع العذاب بهم من نحو عاد وثمود وأمثاله، وأصله ما ذكرنا آنفاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ ٱلخِزْيِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ .

قوله: ﴿ كَشَفْنَا عَنْهُمْ ﴾ : بحلول العذاب بهم، ﴿ عَذَابَ ٱلخِزْيِ ﴾ : هو العذاب الفاضح وإلا الخزي هو العذاب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي ٱلأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً ﴾ : قالت المعتزلة: [قوله]: ﴿ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي ٱلأَرْضِ ﴾ مشيئة القهر والقسر، لو شاء لأجبرهم وقهرهم جميعاً فيؤمنوا وإلا فقد شاء أن يؤمنوا مشيئة الاختيار لكنهم لم يؤمنوا، واستدلوا على ذلك بقوله: ﴿ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ .

فيقال لهم: إن مشيئة الاختيار هي الظاهرة عندكم ومشيئة الجبر والقهر غائبة، فإذا وجد منه مشيئة الاختيار فلم يؤمنوا ولم تنفذ مشيئته فيهم كيف يصدق هو في الإخبار عن المشيئة التي [هي غائبة] أنها لو كانت لآمنوا هذا فاسد على قولهم.

وبعد فإن المشيئة لو كانت مشيئة القهر لكانوا مؤمنين بتلك المشيئة وهي خلقة؛ لأن كل كافر مؤمن بخلقته؛ لأن خلقة كل أحد تشهد على وحدانية الله، فإذا كانوا مؤمنين بالخلقة ثم ذكر أنه لو شاء لآمنوا دل أنه لم يرد به مشيئة القهر ولكنه أراد مشيئة الاختيار، وتأويله عندنا هو أن عند الله  لطف لو أعطاهم كلهم لآمنوا جميعاً، لكنه إذ علم أنهم لا يؤمنون لم يعطهم وهو التوفيق والعصمة، لكنه إذ علم منهم أنهم لا يؤمنون شاء ألا يؤمنوا، ثم لا يحتمل أن يتحقق الإيمان بالجبر والقهر؛ لأنه عمل القلب والجبر والإكراه مما لا يعمل على القلب، فهو وإن تكلم بكلام الإيمان فلا يكون مؤمنا حتى يؤمن بالقلب، فيكون التأويل على قولهم: ولو شاء ربك فلا يؤمنوا، فهذا متناقض فاسد.

وبعد فإن الإيمان لا يكون في حال الإكراه والإجبار؛ لأن الإكراه يزيل الفعل عن المكره كأن لا فعل له في الحكم.

وقوله: ﴿ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ فإن قيل: أليس قال الله - عز وجل -: ﴿ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ  ﴾ أي: حتى يسلموا وذلك إكراه، وقال [رسول الله  ]: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله" فذلك إكراه، فكيف يجمع بين الآيتين؟!

قيل لوجهين: أحدهما: ما ذكر أن هذه السورة مكية، وقوله: ﴿ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ  ﴾ مدنية، فيحتمل قوله: ﴿ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ﴾ أي: لا تكرههم ثم أمر بالقتال بالمدينة والحرب والإكراه عليه.

والثاني: يجوز أن يجمع بين الآيتين، وهو أن يكون قوله: ﴿ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ  ﴾ أي: تقاتلونهم حتى يقولوا قول إسلام ويتكلموا بكلام الإيمان، دليله ما روي: "حتى يقولوا: لا إله إلا الله"، والقول: بلا لا إله إلا الله على غير حقيقة ذلك في القلب ليس بإيمان، وفي هذه الآية حتى يكونوا مؤمنين وبالإكراه لا يكونون مؤمنين حقيقة؛ لأنه عمل القلب والإكراه مما لا يعمل عليه، والله أعلم.

وتأويل قوله: ﴿ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ ﴾ أي: لا تملك أن تكرههم، وكان رسول الله  لشدة حرصه ورغبته في إيمانهم كاد أن يكرههم على الإيمان إشفاقاً عليهم؛ كقوله: ﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ قيل: بمشيئة الله، وقيل: بعلم الله، وقيل: بأمر الله وبإرادته وهو ما ذكرنا لا تؤمن نفس إلا بمشيئة الله وإرادته في ذلك، ولا يحتمل قوله: ﴿ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ سوى المشيئة وإلارادة؛ لأنه كم من مأمور بالإيمان لم يؤمن، فلم يحتمل الأمر ولا يحتمل الإباحة لأنه لا يباح ترك الإيمان في حال وأصله ما ذكرنا؛ أنه لا يحتمل أن يكون الله - عز وجل - يعلم من خلقه اختيار عداوته والخلاف له ويشاء لهم الولاية؛ لأنه يخرج ذلك مخرج العجز؛ لأن في الشاهد من اختار عداوة أحد فالآخر يختار ولايته أنه إنما يختار لضعفه وعجز فيه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَجْعَلُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ ﴾ قيل: الإثم على الذين لا يعقلون، وقيل: ويجعل العذاب على الذين لا يعقلون، أي: لا يستعملون عقولهم حتى يعقلوا، أو على الذين لا ينتفعون بعقولهم.

وقال بعضهم: في قوله: ﴿ فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا ﴾ أي: لم تكن قرية آمنت فنفعها إيمانها عند نزول العذاب إلا قوم يونس.

وقال بعضهم: فهلا كانت آمنت إذا رأت بأسنا، فكانت مثل قوم يونس، فإنهم آمنوا حين رأوا العذاب، وأصله ما ذكرنا أنه لا يحتمل أن يكون الله  يعلم من خلقه اختيار عداوته والخلاف له يسألهم ويشاء لهم الولاية؛ لأنه يخرج ذلك مخرج العجز؛ لأن في الشاهد من اختار عداوة أحد فالآخر يختار ولايته أنه إنما يختار لضعفه وعجزه فيه، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ قيل: وما كان لنفس في علم الله أنها لا تؤمن فتؤمن، أي: لا تؤمن نفس في علم الله أنها لا تؤمن إنما يؤمن من في علم الله أنه يؤمن، وأما من في علم الله أنه لا يؤمن فلا يؤمن.

وقيل: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ ﴾ أي: لا تؤمن نفس إلا بمشيئة الله، أي: إذا آمنت إنما تؤمن بمشيئة الله ما يفعل إنما يفعل بمشيئة الله؛ كقوله: ﴿ وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ  ﴾ .

وقال بعضهم: [قوله]: ﴿ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ أي: بأمر الله، فمعناه إذا آمنت إنما تؤمن بأمره لا تؤمن بغير أمره فالأول أقرب، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَيَجْعَلُ ٱلرِّجْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ ﴾ أي: يجعل جزاء الرجس، أي: جزاء الكفر على الذين لا يعقلون، أي: الذين لا ينتفعون بعقولهم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لم يحدث أن آمنت قرية من القرى التي أرسلنا إليها رسلنا إيمانا مُعْتَدًّا به قبل معاينة العذاب، فينفعها إيمانها لمجيئه قبل معاينته، إلا قوم يونس حين آمنوا إيمانًا صادقًا رفعنا عنهم عذاب الذل والهوان في الحياة الدنيا، ومتعناهم إلى وقت انقضاء آجالهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.KnEQw"

مزيد من التفاسير لسورة يونس

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 13 ربيع الأول
أحدب متزايد اليوم 14.2 / 29.5
الإضاءة 100%
البدر بعد 1 يوم
سبحان الله