الإسلام > القرآن > سور > سورة 103 العصر > الآية ١ من سورة العصر
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 91 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١ من سورة العصر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.
تفسير سورة العصر وهي مكية .
ذكروا أن عمرو بن العاص وفد على مسيلمة الكذاب [ لعنه الله ] وذلك بعد ما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبل أن يسلم عمرو فقال له مسيلمة : ماذا أنزل على صاحبكم في هذه المدة ؟
قال لقد أنزل عليه سورة وجيزة بليغة .
فقال : وما هي ؟
فقال : " والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر " ففكر مسيلمة هنيهة ثم قال : وقد أنزل علي مثلها .
فقال له عمرو : وما هو ؟
فقال : يا وبر يا وبر ، إنما أنت أذنان وصدر ، وسائرك حفز نقز .
ثم قال : كيف ترى يا عمرو ؟
فقال له عمرو : والله إنك لتعلم أني أعلم أنك تكذب .
وقد رأيت أبا بكر الخرائطي أسند في كتابه المعروف ب " مساوي الأخلاق " ، في الجزء الثاني منه ، شيئا من هذا أو قريبا منه .
والوبر : دويبة تشبه الهر ، أعظم شيء فيه أذناه ، وصدره وباقيه دميم .
فأراد مسيلمة أن يركب من هذا الهذيان ما يعارض به القرآن ، فلم يرج ذلك على عابد الأوثان في ذلك الزمان .
وذكر الطبراني من طريق حماد بن سلمة ، عن ثابت عن عبد الله بن حصن [ أبي مدينة ] ، قال : كان الرجلان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا التقيا ، لم يتفرقا إلا على أن يقرأ أحدهما على الآخر " سورة العصر " إلى آخرها ، ثم يسلم أحدهما على الآخر .
وقال الشافعي رحمه الله : لو تدبر الناس هذه السورة ، لوسعتهم .
العصر : الزمان الذي يقع فيه حركات بني آدم ، من خير وشر .
وقال مالك ، عن زيد بن أسلم : هو العشي ، والمشهور الأول .
القول في تأويل قوله جل جلاله وتقدست أسماؤه: وَالْعَصْرِ (1) اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ( وَالْعَصْرِ ) فقال بعضهم: هو قسم أقسم ربنا تعالى ذكره بالدهر، فقال: العصر: هو الدهر.
* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ( وَالْعَصْرِ ) قال: العصر: ساعة من ساعات النهار.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن ( وَالْعَصْرِ ) قال: هو العشيّ.
والصواب من القول في ذلك: أن يقال: إن ربنا أقسم بالعصر ( وَالْعَصْرِ ) اسم للدهر، وهو العشيّ والليل والنهار، ولم يخصص مما شمله هذا الاسم معنى دون معنى، فكلّ ما لزِمه هذا الاسم، فداخل فيما أقسم به جلّ ثناؤه.
تفسير سورة والعصروهي مكية .
وقال قتادة مدنيةوروي عن ابن عباس .
وهي ثلاث آياتبسم الله الرحمن الرحيموالعصرفيه مسألتان :الأولى : قوله تعالى : والعصر أي الدهر ; قاله ابن عباس وغيره .
فالعصر مثل الدهر ; ومنه قول الشاعر :سبيل الهوى وعر وبحر الهوى غمر ويوم الهوى شهر وشهر الهوى دهرأي عصر .أقسم الله به - عز وجل - ; لما فيه من التنبيه بتصرف الأحوال وتبدلها ، وما فيها من الدلالة على الصانع .
وقيل : العصر : الليل والنهار .
قال حميد بن ثور :ولن يلبث العصران : يوم وليلة إذا طلبا أن يدركا ما تيمماوالعصران أيضا : الغداة والعشي .
قال :وأمطله العصرين حتى يملني ويرضى بنصف الدين والأنف راغميقول : إذا جاءني أول النهار وعدته آخره .
وقيل : إنه العشي ، وهو ما بين زوال الشمس وغروبها ; قاله الحسن وقتادة .
ومنه قول الشاعر :تروح بنا يا عمرو قد قصر العصر وفي الروحة الأولى الغنيمة والأجر[ ص: 161 ] وعن قتادة أيضا : هو آخر ساعة من ساعات النهار .
وقيل : هو قسم بصلاة العصر ، وهي الوسطى ; لأنها أفضل الصلوات ; قاله مقاتل .
يقال : أذن للعصر ، أي لصلاة العصر .
وصليت العصر ; أي صلاة العصر .
وفي الخبر الصحيح الصلاة الوسطى صلاة العصر .
وقد مضى في سورة ( البقرة ) بيانه .
وقيل : هو قسم بعصر النبي - صلى الله عليه وسلم - ; لفضله بتجديد النبوة فيه .
وقيل : معناه ورب العصر .الثانية : قال مالك : من حلف ألا يكلم رجلا عصرا : لم يكلمه سنة .
قال ابن العربي : إنما حمل مالك يمين الحالف ألا يكلم امرأ عصرا على السنة ; لأنه أكثر ما قيل فيه ، وذلك على أصله في تغليظ المعنى في الأيمان .
وقال الشافعي : يبر بساعة ; إلا أن تكون له نية ، وبه أقول ; إلا أن يكون الحالف عربيا ، فيقال له : ما أردت ؟
فإذا فسره بما يحتمله قبل منه ، إلا أن يكون الأقل ، ويجيء على مذهب مالك أن يحمل على ما يفسر .
والله أعلم .
أقسم تعالى بالعصر، الذي هو الليل والنهار، محل أفعال العباد وأعمالهم
مكية ( والعصر ) قال ابن عباس : والدهر .
قيل : أقسم به لأن فيه عبرة للناظر .
وقيل : معناه ورب العصر ، وكذلك في أمثاله .
وقال ابن كيسان : أراد بالعصر الليل والنهار ، يقال لهما العصران .
وقال الحسن : من بعد زوال الشمس إلى غروبها .
وقال قتادة : آخر ساعة من ساعات النهار .
وقال مقاتل : أقسم بصلاة العصر وهي الصلاة الوسطى .
«والعصر» الدهر أو ما بعد الزوال إلى الغروب أو صلاة العصر.
أقسم الله بالدهر على أن بني آدم لفي هلكة ونقصان.
ولا يجوز للعبد أن يقسم إلا بالله، فإن القسم بغير الله شرك.
للعلماء أقوال متعددة فى المقصود بالعصر هنا فمنهم من يرى أن المقصود به : الدهر كله ، لما فيه من العبر التى تدل دلالة واضحة على عظيم قدرة الله - تعالى - ، ولما فيه من الأحداث التى يراها الناس بأعينهم ، ويعرفونها عن غيرهم .
.فهم يرون ويسمعون كم من غنى قد صار فقيرا ، وقوى قد صار ضعيفا ، ومسرور قد أصبح حزينا .
.
ورحم الله القائل :أشاب الصغير وأفنى الكبير ...
كر الغداة ومر العشىقال القرطبى : قوله - تعالى - : ( والعصر ) أى : الدهر ، قال ابن عباس وغيره فالعصر مثل الدهر .
.
وأقسم به - سبحانه - لما فيه من التنبيه بتصرف الأحوال وتبدلها .ومنهم من يرى أن المقصود به : وقت صلاة العصر ، وقد صدر صاحب الكشاف تفسيره لهذه الآية بهذا الرأى فقال : أقسم - سبحانه - بصلاة العصر لفضلها ، بدليل قوله - تعالى - : ( حَافِظُواْ عَلَى الصلوات والصلاة الوسطى ) - وهى صلاة العصر - ، وقوله صلى الله عليه وسلم : " من فاتته صلاة العصر فكأنما وَتِرَ أهله وماله " ولأن التكليف فى أدائها أشق لتهافت الناس فى تجاراتهم ومكاسبهم آخر النهار .
.ومنهم من يرى أن المراد بالعصر هنا : عصر النبوة .
لأفضليته بالنسبة لما سبقه من عصور .وقد رجح الإِمام ابن جرير القول الأول فقال : والصواب من القول فى ذلك أن يقال : إن ربنا أقسم بالعصر ، والعصر اسم الدهر ، وهو العشى ، والليل والنهار .
.
﴿ والعصر ﴾ اعلم أنهم ذكروا في تفسير العصر أقوالاً.
الأول: أنه الدهر، واحتج هذا القائل بوجوه: أحدها: ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أقسم بالدهر، وكان عليه السلام يقرأ: والعصر ونوائب الدهر إلا أنا نقول: هذا مفسد للصلاة، فلا نقول: إنه قرأه قرآناً بل تفسيراً، ولعله تعالى لم يذكر الدهر لعلمه بأن الملحد مولع بذكره وتعظيمه ومن ذلك ذكره في: ﴿ هَلْ أتى ﴾ رداً على فساد قولهم: بالطبع والدهر.
وثانيها: أن الدهر مشتمل على الأعاجيب لأنه يحصل فيه السراء والضراء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، بل فيه ما هو أعجب من كل عجب، وهو أن العقل لا يقوى على أن يحكم عليه بالعدم، فإنه مجزأ مقسم بالسنة، والشهر، واليوم، والساعة، ومحكوم عليه بالزيادة والنقصان والمطابقة، وكونه ماضياً ومستقبلاً، فكيف يكون معدوماً؟
ولا يمكنه أن يحكم عليه بالوجود لأن الحاضر غير قابل للقسمة والماضي والمستقبل معدومان، فكيف يمكن الحكم عليه بالوجود؟.
وثالثها: أن بقية عمر المرء لا قيمة له، فلو ضيعت ألف سنة، ثم تبث في اللمحة الأخيرة من العمر بقيت في الجنة أبد الآباد فعلمت حينئذ أن أشرف الأشياء حياتك في تلك اللمحة، فكأن الدهر والزمان من جملة أصول النعم، فلذلك أقسم به ونبه على أن الليل والنهار فرصة يضيعها المكلف، وإليه الإشارة بقوله: ﴿ وَهُوَ الذي جَعَلَ اليل والنهار خِلْفَةً لّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً ﴾ .
ورابعها: وهو أن قوله تعالى في سورة الأنعام [الأنعام: 12]: ﴿ قُل لّمَن مَّا فِي السموات والأرض قُلِ الله ﴾ إشارة إلى المكان والمكانيات، ثم قال: ﴿ وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اليل والنهار ﴾ وهو إشارة إلى الزمان والزمانيات، وقد بينا هناك أن الزمان أعلم وأشرف من المكان، فلما كان كذلك كان القسم بالعصر قسماً بأشرف النصفين من ملك الله وملكوته.
وخامسها: أنهم كانوا يضيفون الخسران إلى نوائب الدهر، فكأنه تعالى أقسم على أن الدهر والعصر نعمة حاصلة لا عيب فيها، إنما الخاسر المعيب هو الإنسان.
وسادسها: أنه تعالى ذكر العصر الذي بمضيه ينتقص عمرك، فإذا لم يكن في مقابلته كسب صار ذلك النقصان عن الخسران، ولذلك قال: ﴿ لَفِى خُسْرٍ ﴾ ومنه قول القائل: إنا لنفرح بالأيام نقطعها *** وكل يوم مضى نقص من الأجل فكأن المعنى: والعصر العجيب أمره حيث يفرح الإنسان بمضيه لظنه أنه وجد الربح مع أنه هدم لعمره وإنه لفي خسر والقول الثاني: وهو قول أبي مسلم: المراد بالعصر أحد طرفي النهار، والسبب فيه وجوه: أحدها: أنه أقسم تعالى بالعصر كما أقسم بالضحى لما فيهما جميعاً من دلائل القدرة فإن كل بكرة كأنها القيامة يخرجون من القبور وتصير الأموات أحياء ويقام الموازين وكل عشية تشبه تخريب الدنيا بالصعق والموت، وكل واحد من هاتين الحالتين شاهد عدل ثم إذا لم يحكم الحاكم عقيب الشاهدين عد خاسراً فكذا الإنسان الغافل عنهما في خسر.
وثانيها: قال الحسن رحمه الله: إنما أقسم بهذا الوقت تنبيهاً على أن الأسواق قد دنا وقت انقطاعها وانتهاء التجارة والكسب فيها، فإذا لم تكتسب ودخلت الدار وطاف العيال عليك يسألك كل أحد ما هو حقه فحينئذ تخجل فتكون من الخاسرين، فكذا نقول: والعصر أي عصر الدنيا قد دنت القيامة و(أنت) بعد لم تستعد وتعلم أنك تسأل غداً عن النعيم الذي كنت فيه في دنياك، وتسأل في معاملتك مع الخلق وكل أحد من المظلومين يدعي ما عليك فإذا أنت خاسر، ونظيره: ﴿ اقترب لِلنَّاسِ حسابهم وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ ﴾ .
وثالثها: أن هذا الوقت معظم، والدليل عليه قوله عليه السلام: «من حلف بعد العصر كاذباً لا يكلمه الله ولا ينظر إليه يوم القيامة» فكما أقسم في حق الرابح بالضحى فكذا أقسم في حق الخاسر بالعصر وذلك لأنه أقسم بالضحى في حق الرابح وبشر الرسول أن أمره إلى الإقبال وهاهنا في حق الخاسر توعده أن أمره إلى الإدبار، ثم كأنه يقول بعض النهار: باق فيحثه على التدارك في البقية بالتوبة، وعن بعض السلف: تعلمت معنى السورة من بائع الثلج كان يصيح ويقول: ارحموا من يذوب رأس ماله، ارحموا من يذوب رأس ماله فقلت: هذا معنى: ﴿ إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ ﴾ يمر به العصر فيمضي عمره ولا يكتسب فإذا هو خاسر.
القول الثالث: وهو قول مقاتل: أراد صلاة العصر، وذكروا فيه وجوهاً أحدها: أنه تعالى أقسم بصلاة العصر لفضلها بدليل قوله: ﴿ والصلاة الوسطى ﴾ صلاة العصر في مصحف حفصة وقيل في قوله: ﴿ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصلاة فَيُقْسِمَانِ بالله ﴾ إنها صلاة العصر.
وثانيها: قوله عليه السلام: «من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله».
وثالثها: أن التكليف في أدائها أشق لتهافت الناس في تجاراتهم ومكاسبهم آخر النهار واشتغالهم بمعايشهم.
ورابعها: روي أن امرأة كانت تصيح في سكك المدينة وتقول: دلوني على النبي صلى الله عليه وسلم فرآها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألها ماذا حدث؟
قالت: يا رسول الله إن زوجي غاب عني فزنيت فجاءني ولد من الزنا فألقيت الولد في دن من الخل حتى مات، ثم بعنا ذلك الخل فهل لي من توبة؟
فقال عليه السلام: «أما الزنا فعليك الرجم، أما قتل الولد فجزاؤه جهنم، وأما بيع الخل فقد ارتكبت كبيراً»، لكن ظننت أنك تركت صلاة صلاة العصر ففي هذا الحديث إشارة إلى تفخيم أمر هذه الصلاة.
وخامسها: أن صلاة العصر بها يحصل ختم طاعات النهار، فهي كالتوبة بها يختم الأعمال، فكما تجب الوصية بالتوبة كذا بصلاة العصر لأن الأمور بخواتيمها، فأقسم بهذه الصلاة تفخيماً لشأنها، وزيادة توصية المكلف على أدائها وإشارة منه أنك إن أديتها على وجهها عاد خسرانك ربحاً، كما قال: ﴿ إِلاَّ الذين ءامَنُواْ ﴾ .
وسادسها: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يكلمهم ولا يزكيهم».
عد منهم: «رجل حلف بعد العصر كاذباً».
فإن قيل صلاة العصر فعلنا، فكيف يجوز أن يقال: أقسم الله تعالى به؟
والجواب: أنه ليس قسماً من حيث إنها فعلنا، بل من حيث إنها أمر شريف تعبدنا الله تعالى بها.
القول الرابع: أنه قسم بزمان الرسول عليه السلام، واحتجوا عليه بقوله عليه السلام: «إنما مثلكم ومثل من كان قبلكم مثل رجل استأجر أجيراً، فقال: من يعمل من الفجر إلى الظهر بقيراط، فعملت اليهود، ثم قال: من يعمل من الظهر إلى العصر بقيراط، فعملت النصارى، ثم قال: من يعمل من العصر إلى المغرب بقراطين، فعملتم أنتم، فغضبت اليهود والنصارى، وقالوا: نحن أكثر عملاً وأقل أجراً!
فقال الله: وهل نقصت من أجركم شيئاً، قالوا: لا، قال: فهذا فضلي أوتيه من أشاء، فكنتم أقل عملاً وأكثر أجراً».
فهذا الخبر دل على أن العصر هو الزمان المختص به وبأمته، فلا جرم أقسم الله به، فقوله: ﴿ والعصر ﴾ أي والعصر الذي أنت فيه فهو تعالى أقسم بزمانه في هذه الآية وبمكانه في قوله: ﴿ وَأَنتَ حِلٌّ بهذا البلد ﴾ وبعمره في قوله: ﴿ لَعَمْرُكَ ﴾ فكأنه قال: وعصرك وبلدك وعمرك، وذلك كله كالظرف له، فإذا وجب تعظيم حال الظرف فقس حال المظروف، ثم وجه القسم، كأنه تعالى يقول: أنت يا محمد حضرتهم ودعوتهم، وهم أعرضوا عنك وما التفتوا إليك، فما أعظم خسرانهم وما أجل خذلانهم.
<div class="verse-tafsir"
أقسم بصلاة العصر لفضلها، بدليل قوله تعالى: (والصلاة الوسطى) صلاة العصر، في مصحف حفصة.
وقوله عليه الصلاة والسلام: «من فاتته العصر فكأنما وتر أهله وماله» ولأنّ التكليف في أدائها أشقّ لتهافت الناس في تجاراتهم ومكاسبهم آخر النهار، واشتغالهم بمعايشهم.
أو أقسم بالعشي كما أقسم بالضحى لما فيهما جميعاً من دلائل القدرة.
أو أقسم بالزمان لما في مروره من أصناف العجائب.
والإنسان: للجنس.
والخسر: الخسران، كما قيل: الكفر في الكفران.
والمعنى: أن الناس في خسران من تجارتهم إلاّ الصالحين وحدهم، لأنهم اشتروا الآخرة بالدنيا، فربحوا وسعدوا، ومن عداهم تجروا خلاف تجارتهم، فوقعوا في الخسارة والشقاوة ﴿ وَتَوَاصَوْاْ بالحق ﴾ بالأمر الثابت الذي لا يسوغ إنكاره، وهو الخير كله: من توحيد الله وطاعته، واتباع كتبه ورسله، والزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة ﴿ وَتَوَاصَوْاْ بالصبر ﴾ عن المعاصي وعلى الطاعات، على ما يبلو الله به عباده.
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة والعصر غفر الله له وكان ممن تواصى بالحق وتواصى بالصبر» .
سُورَةُ والعَصْرِ مَكِّيَّةٌ، وآيُها ثَلاثُ آياتٍ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ والعَصْرِ ﴾ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِصَلاةِ العَصْرِ لِفَضْلِها، أوْ بِعَصْرِ النُّبُوَّةِ أوْ بِالدَّهْرِ لِاشْتِمالِهِ عَلى الأعاجِيبِ والتَّعْرِيضُ بِنَفْيِ ما يُضافُ إلَيْهِ مِنَ الخُسْرانِ.
﴿ إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ ﴾ إنَّ النّاسَ لَفي خُسْرانٍ في مَساعِيهِمْ وصَرْفِ أعْمارِهِمْ في مَطالِبِهِمْ، والتَّعْرِيفُ لِلْجِنْسِ والتَّنْكِيرُ لِلتَّعْظِيمِ.
<div class="verse-tafsir"
وَالْعَصْرِ (١)
{والعصر} أقسم بصلاة العصر لفضلها بدليل قوله تعالى والصلاة الوسطى صلاة العصر في مصحف حفصة ولأن التكليف فى أدائها شق لتهافت الناس في تجاراتهم ومكاسبهم آخر النهار واشتغالهم بمعايشهم أو أقسم بالعشي كما أقسم بالضحى لما فيها من دلائل القدرة أو أقسم بالزمان لما في مروره من أصناف العجائب وجواب القسم
سُورَةُ العَصْرِ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ والجُمْهُورِ، ومَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ ومُقاتِلٍ.
وآيُها ثَلاثٌ بِلا خِلافٍ، وهي عَلى قِصَرِها جَمَعَتْ مِنَ العُلُومِ ما جَمَعَتْ؛ فَقَدْ رُوِيَ عَنِ الشّافِعِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ أنَّهُ قالَ: لَوْ لَمْ يَنْزِلْ غَيْرُ هَذِهِ السُّورَةِ لَكَفَتِ النّاسَ؛ لِأنَّها شَمِلَتْ جَمِيعَ عُلُومِ القُرْآنِ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي حُذَيْفَةَ وكانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ، قالَ: كانَ الرَّجُلانِ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذا التَقَيا لَمْ يَتَفَرَّقا حَتّى يَقْرَأ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ سُورَةَ «والعَصْرِ» ثُمَّ يُسَلِّمُ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ.
وفِيها إشارَةٌ إلى حالِ مَن لَمْ يُلْهِهِ التَّكاثُرُ ولِذا وُضِعَتْ بَعْدَ سُورَتِهِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ والعَصْرِ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِصَلاةِ العَصْرِ لِفَضْلِها لِأنَّها الصَّلاةُ الوُسْطى عِنْدَ الجُمْهُورِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««شَغَلُونا عَنِ الصَّلاةِ الوُسْطى صَلاةِ العَصْرِ»».
ولِما في مُصْحَفِ حَفْصَةَ: ««والصَّلاةُ الوُسْطى صَلاةُ العَصْرِ»».
وفِي الحَدِيثِ: ««مَن فاتَتْهُ صَلاةُ العَصْرِ فَكَأنَّما وُتِرَ أهْلَهُ ومالَهُ»».
ورُوِيَ «أنَّ امْرَأةً كانَتْ تَصِيحُ في سِكَكِ المَدِينَةِ: دُلُّونِي عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَرَآها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَسَألَها: ماذا حَدَثَ؟
فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ زَوْجِي غابَ فَزَنَيْتُ فَجاءَنِي ولَدٌ مِنَ الزِّنا فَألْقَيْتُ الوَلَدَ في دِنِّ خَلٍّ فَماتَ، ثُمَّ بِعْتُ ذَلِكَ الخَلَّ.
فَهَلْ لِي مِن تَوْبَةٍ؟
فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أمّا الزِّنا فَعَلَيْكِ الرَّجْمُ بِسَبَبِهِ، وأمّا القَتْلُ فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ، وأمّا بَيْعُ الخَلِّ فَقَدِ ارْتَكَبْتِ كَبِيرًا، لَكِنْ ظَنَنْتُ أنَّكِ تَرَكْتِ صَلاةَ العَصْرِ»».
ذَكَرَهُ الإمامُ وهو لَعَمْرِي إمامٌ في نَقْلِ مِثْلِ ذَلِكَ مِمّا لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أئِمَّةِ الحَدِيثِ؛ فَإيّاكَ والِاقْتِداءَ بِهِ.
وخُصَّتْ بِالفَضْلِ لِأنَّ التَّكْلِيفَ في أدائِها أشَقُّ لِتَهافُتِ النّاسِ في تِجاراتِهِمْ ومَكاسِبِهِمْ آخِرَ النَّهارِ واشْتِغالِهِمْ بِمَعايِشِهِمْ.
وقِيلَ: أقْسَمَ عَزَّ وجَلَّ بِوَقْتِ تِلْكَ الصَّلاةِ لِفَضِيلَةِ صَلاتِهِ أوْ لِخَلْقِ آدَمَ أبِي البَشَرِ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيهِ مِن يَوْمِ الجُمْعَةِ وإلى هَذا ذَهَبَ قَتادَةُ؛ فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: العَصْرُ العَشِيُّ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِهِ كَما أقْسَمَ بِالضُّحى لِما فِيهِما مِن دَلائِلِ القُدْرَةِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: العَصْرُ اليَوْمُ، والعَصْرُ اللَّيْلَةُ، وعَلَيْهِ قَوْلُ حُمَيْدِ بْنِ ثَوْرٍ: ولَمْ يَلْبَثِ العَصْرانِ يَوْمٌ ولَيْلَةٌ إذا طَلَبا أنْ يُدْرِكا ما تَيَمَّما وقِيلَ: العَصْرُ بُكْرَةً والعَصْرُ عَشِيَّةً؛ وهُما الإبْرادانِ وعَلَيْهِ وعَلى ما قَبْلَهُ يَكُونُ القَسَمُ بِواحِدٍ مِنَ الأمْرَيْنِ غَيْرِ مُعَيَّنٍ.
وقِيلَ: المُرادُ بِهِ عَصْرُ النُّبُوَّةِ وكَأنَّهُ عَنى بِهِ وقْتَ حَياتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَأنَّهُ أشْرَفُ الأعْصارِ لِتَشْرِيفِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
وقِيلَ: هو زَمانُ حَياتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وما بَعْدَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ومِقْدارُهُ فِيما مَضى مِنَ الزَّمانِ مِقْدارُ وقْتِ العَصْرِ مِنَ النَّهارِ ويُؤْذِنُ بِذَلِكَ ما رَواهُ البُخارِيُّ عَنْ سالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أبِيهِ أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: ««إنَّما بَقاؤُكم فِيمَن سَلَفَ قَبْلَكم مِنَ الأُمَمِ كَما بَيْنَ صَلاةِ العَصْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ»».
وشَرَفُهُ لِكَوْنِهِ زَمانَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ وأُمَّتُهُ الَّتِي هي خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ ولا يَضُرُّهُ تَأْخِيرُهُ كَما لا يَضُرُّ السِّنانَ تَأخُّرُهُ عَنْ أطْرافِ مِرانِهِ، والنَّوْرَ تَأخُّرُهُ عَنْ أطْرافِ أغْصانِهِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الدَّهْرُ أقْسَمَ عَزَّ وجَلَّ بِهِ لِاشْتِمالِهِ عَلى أصْنافِ العَجائِبِ؛ ولِذا قِيلَ لَهُ أبُو العَجَبِ وكَأنَّهُ تَعالى يُذَكِّرُ بِالقَسَمِ بِهِ ما فِيهِ مِنَ النِّعَمِ وأضْدادِها لِتَنْبِيهِ الإنْسانِ المُسْتَعِدِّ لِلْخُسْرانِ والسَّعادَةِ ويُعَرِّضُ عَزَّ وجَلَّ لِما في الإقْسامِ بِهِ مِنَ التَّعْظِيمِ بِنَفْيِ أنْ يَكُونَ لَهُ خُسْرانٌ أوْ دَخْلٌ فِيهِ كَما يَزْعُمُهُ مَن يُضِيفُ الحَوادِثَ إلَيْهِ، وفي إضافَةِ الخُسْرانِ بَعْدَ ذَلِكَ لِلْإنْسانِ إشْعارٌ بِأنَّهُ صِفَةٌ لَهُ لا لِلزَّمانِ كَما قِيلَ: يَعِيبُونَ الزَّمانَ ولَيْسَ فِيهِ ∗∗∗ مَعايِبُ غَيْرَ أهْلٍ لِلزَّمانِ وتُعُقِّبَ بِأنَّ اسْتِعْمالَ العَصْرِ بِذَلِكَ المَعْنى غَيْرُ ظاهِرٍ.
<div class="verse-tafsir"
وهي ثلاث آيات مكية قوله تعالى: وَالْعَصْرِ قال علي بن أبي طالب يعني: الدهر وروي عن ابن عباس ما أنه قال يعني: صلاة الصعر وذلك أن أبا بكر لما أسلم قالوا: خَسِرْتَ يا أبا بكر حين تركت دين أبيك، فقال أبو بكر: ليس الخسارة في قبول الحق إنما الخسارة في عبادة الأوثان التي لا تسمع ولا تبصر ولا تغني عنكم فنزل جبريل- - بهذه الآية (والعصر) .
أقسم الله تعالى بصلاة العصر إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ يعني: أن الكافر لفي خسارة وروي عن محمد بن كعب القرظي أنه قال «إن الإنسان لَفِى خُسْرٍ» يعني: أن الكافر لفي خسارة وروي عن محمد بن كعب القرظي أنه قال «إن الإنسان لفى خسر» يعني: الناس كلهم ثم استثنى فقال عز وجل إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فإنهم غير منقوصين قال القتبي الخسر النقصان إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير منقوص كما قال الله تعالى (ثم رددناه أسفَلَ سَافِلِينَ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غَيْرُ مَمْنُونٍ) يعني: يكتب لهم ثواب عملهم وإن ضعفوا عن العمل قال الزجاج إن الإنسان أراد به الناس والخسران واحد ومعناه إن الإنسان الكافر والعاملين بغير طاعة الله تعالى لفي خسر وروي عن علي بن أبي طالب أنه قرأ والعصر ونوائب الدهر إن الإنسان لفي خسر وإنه لفي لعنة إلى آخر الدهر ويقال أقسم الله تعالى بخالق الدهر إن الإنسان لفي خسر يعني: أبا جهل والوليد بن المغيرة ومن كان في مثل حالهما ثم استثنى المؤمنين فقال: إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات يعني: أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً رضوان الله تعالى عليهم أجمعين وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ يعني: تحاثوا على القرآن يعني: يُرَغِّبون في الإيمان بالقرآن والأعمال الصالحة وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ يعني: تحاثوا على الصبر على عبادة الله تعالى وعلى الشدائد فيرغبون الناس على ذلك ويقال بالصبر على المكاره فإن الجنة حفت بالمكاره والله تعالى أعلم بالصواب.
سُورَةُ العَصْرِ وَفِيها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الزُّبَيْرِ، والجُمْهُورُ.
والثّانِي: مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والعَصْرِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الدَّهْرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.
وإنَّما أقْسَمَ بِالدَّهْرِ لِأنَّ فِيهِ عِبْرَةً لِلنّاظِرِ مِن مُرُورِ اللَّيْلِ والنَّهارِ عَلى تَقْدِيرٍ لا يَنْخَرِمُ.
والثّانِي: أنَّهُ العَشِيُّ، وهو ما بَيْنَ زَوالِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.
والثّالِثُ: صَلاةُ العَصْرِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو جَوابُ القَسَمِ.
والإنْسانُ هاهُنا بِمَعْنى النّاسِ، كَما تَقُولُ: كَثُرَ الدِّرْهَمُ في أيْدِي النّاسِ، تُرِيدُ الدَّراهِمَ.
والخُسْرُ والخُسْرانُ في مَعْنًى واحِدٍ.
قالَ أهْلُ المَعانِي: الخُسْرُ: هَلاكُ رَأْسِ المالِ أوْ نَقْصُهُ.
فالإنْسانُ إذا لَمْ يَسْتَعْمِلْ نَفْسَهُ فِيما يُوجِبُ لَهُ الرِّبْحَ الدّائِمَ، فَهو في خُسْرانٍ، لِأنَّهُ عَمِلَ في إهْلاكِ نَفْسِهِ، وهُما أكْبَرُ رَأْسِ مالِهِ ﴿ إلا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ أيْ: صَدَقُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ، وعَمِلُوا بِالطّاعَةِ ﴿ وَتَواصَوْا بِالحَقِّ ﴾ أيْ: بِالتَّوْحِيدِ، والقُرْآنِ، واتِّباعِ الرَّسُولِ ﴿ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾ عَلى طاعَةِ اللَّهِ، والقِيامِ بِشَرِيعَتِهِ.
وقالَ إبْراهِيمُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ: إنَّ الإنْسانَ إذا عُمِّرَ في الدُّنْيا لَفي نَقْصٍ وضَعْفٍ، إلّا المُؤْمِنِينَ، فَإنَّهم يُكْتَبُ لَهم أُجُورُ أعْمالِهِمُ الَّتِي كانُوا يَعْمَلُونَ في شَبابِهِمْ وصِحَّتِهِمْ.
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ العَصْرِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ والعَصْرِ ﴾ ﴿ إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ ﴾ ﴿ إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَبْرِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: العَصْرِ: الدَهْرُ، يُقالُ فِيهِ: عَصْرٌ وعَصُرٌ - بِضَمِّ العَيْنِ والصادِ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ: .......
وهَلْ يَعُمْنَ مَن كانَ في العَصْرِ الخالِي؟
وقالَ قَتادَةُ: العَصْرُ: العَشِيُّ، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: «سَألْتُ النَبِيَّ عَنِ العَصْرِ فَقالَ: "أقْسَمَ رَبُّكم بِآخِرِ النَهارِ"،» وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ -وَذَكَرَهُ أبُو عَلِيٍّ - العَصْرُ: اليَوْمُ، والعَصْرُ: اللَيْلَةُ، ومِنهُ قَوْلُ حُمَيْدً: ولَنْ يَلْبَثَ العَصْرانِ: يَوْمٌ ولَيْلَةٌ ∗∗∗ إذا طَلَبا أنْ يُدْرِكا ما تَيَمَّما وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: العَصْرُ بُكْرَةً، والعَصْرُ عَشِيَّةً، وهُما الأبْرَدانِ، وقالَ مُقاتِلٌ: العَصْرُ هي الصَلاةُ الوُسْطى، أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِها.
و"الإنْسانُ" اسْمُ جِنْسٍ، و"الخُسْرُ": النُقْصانُ وسُوءُ الحالِ، وذَلِكَ بَيِّنٌ غايَةَ البَيانِ في الكافِرِ أنَّهُ خَسِرَ الدُنْيا والآخِرَةَ، وذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ، وأمّا المُؤْمِنُ -وَإنْ كانَ في خُسْرٍ في دُنْياهُ في هَرَمِهِ وما يُقاسِيهِ مِن شَقاءِ هَذِهِ الدارِ- مَعْفُوٌّ عنهُ في جانِبِ فَلاحِهِ في الآخِرَةِ، ورِبْحِهِ الَّذِي لا يَفْنى، ومَن كانَ في مُدَّةِ عُمْرِهِ في التَواصِي بِالحَقِّ والصَبْرِ والعَمَلِ بِحَسَبِ الوُصاةِ فَلا خُسْرَ مَعَهُ، وقَدْ جَمَعَ لَهُ الخَيْرَ كُلَّهُ.
وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "والعَصْرُ، ونَوائِبُ الدَهْرِ، إنَّ الإنْسانَ"، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: "والعَصْرِ لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في خُسْرٍ"، ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قَرَأ: "إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ، وإنَّهُ فِيهِ إلى آخِرِ الدَهْرِ، إلّا الَّذِينَ"، وقَرَأ عاصِمٌ، والأعْرَجُ: "لَفِي خُسُرٍ" بِضَمِّ السِينِ، وقَرَأ سَلّامُ أبُو المُنْذِرِ: "والعَصْرِ" بِكَسْرِ الصادِ، "والصَبِرِ" بِكَسْرِ الباءِ، وهَذا لا يَجُوزُ إلّا في الوَقْفِ عَلى نَقْلِ الحَرَكَةِ، ورُوِي عن أبِي عَمْرٍو: "بِالصَبْرِ" بِكَسْرِ الباءِ إشْمامًا وهَذا أيْضًا لا يَكُونُ إلّا في الوَقْفِ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [ العَصْرِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ
أقسم الله تعالى بالعصر قسماً يراد به تأكيد الخبر كما هو شأن أقسام القرآن.
والمقسَم به من مظاهر بديع التكوين الرباني الدال على عظيم قدرته وسعة علمه.
وللعصر معاننٍ يتعين أن يَكون المراد منها لا يعدو أن يكون حالة دالة على صفة من صفات الأفعال الربانية، يتعين إما بإضافته إلى ما يُقدر، أو بالقرينة، أو بالعهد، وأيَّاً ما كان المرادُ منه هنا فإن القسم به باعتبار أنه زمن يذكِّر بعظيم قدرة الله تعالى في خلق العالم وأحواله، وبأمور عظيمة مباركة مثل الصلاة المخصوصة أو عصرٍ معين مبارك.
وأشهر إطلاق لفظ العصر أنه علَم بالغلبة لوقتتٍ ما بين آخر وقت الظهر وبين اصفرار الشمس فمبدؤه إذا صار ظل الجسم مثلَه بعد القَدْر الذي كان عليه عند زوال الشمس ويمتد إلى أن يصير ظلُّ الجسم مثلَيْ قدرِه بعد الظل الذي كان له عند زوال الشمس.
وذلك وقت اصفرار الشمس، والعصر مبدأ العشيّ.
ويعقبه الأصيل والاحمرار وهو ما قبل غروب الشمس، قال الحارث بن حِلزة: آنستْ نبأة وأفزَعها القَنَّ *** اصُ عَصراً وقَدْ دَنَا الإِمساء فذلك وقت يؤذن بقرب انتهاء النهار، ويذكر بخلقة الشمس والأرض، ونظام حركة الأرض حول الشمس، وهي الحركة التي يتكون منها الليل والنهار كل يوم وهو من هذا الوجه كالقسم بالضحى وبالليل والنهار وبالفجر من الأحوال الجوية المتغيرة بتغير توجه شعاع الشمس نحو الكرة الأرضية.
وفي ذلك الوقت يتهيأ الناس للانقطاع عن أعمالهم في النهار كالقيام على حقولهم وجنَّاتهم، وتجاراتهم في أسواقهم، فيذكر بحكمة نظام المجتمع الإِنساني وما ألهم الله في غريزته من دأب على العمل ونظاممٍ لابتدائه وانقطاعه.
وفيه يتحفز الناس للإِقبال على بيوتهم لمبيتهم والتأنس بأهليهم وأولادهم.
وهو من النعمة أو من النعيم، وفيه إيماء إلى التذكير بمَثَل الحياة حين تدنو آجال الناس بعد مضي أطوار الشباب والاكتهال والهَرم.
وتعريفه باللام على هذه الوجوه تعريف العهد الذهني أي كل عَصْر.
ويطلق العصر على الصلاة الموقتة بوقت العَصر.
وهي صلاة معظمة.
قيل: هي المراد بالوسطى في قوله تعالى: ﴿ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ﴾ [البقرة: 238].
وجاء في الحديث: «من فاتته صلاة العصر فكأنما وُتِرَ أهلَه ومالَه».
وورد في الحديث الصحيح: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة» فذَكَر «ورجل حلف يميناً فاجرة بعد العصر على سلعة لقد أعطي بها ما لم يُعْطَ» وتعريفه على هذا تعريف العهد وصار علَماً بالغلبة كما هو شأن كثير من أسماء الأجناس المعرفة باللام مثل العَقَبَة.
ويطلق العصر على مدة معلومة لوجود جِيل من الناس، أو مَلِك أو نبيء، أو دين، ويعيَّن بالإِضافة، فيقال: عصر الفِطَحْل، وعصر إبراهيم، وعصر الإِسكندر، وعصر الجاهلية، فيجوز أن يكون مراد هذا الإِطلاق هنا ويكون المعنيّ به عصرَ النبي صلى الله عليه وسلم والتعريف فيه تعريف العهد الحضوري مثل التعريف في (اليوم) من قوْلك: فعلت اليوم كذا، فالقسم به كالقسم بحياته في قوله تعالى: ﴿ لعمرك ﴾ [الحجر: 72].
قال الفخر: فهو تعالى أقسم بزمانه في هذه الآية وبمكانه في قوله تعالى: ﴿ وأنت حل بهذا البلد ﴾ [البلد: 2] وبعمره في قوله: ﴿ لعمرك ﴾ .
اه.
ويجوز أن يراد عصر الإِسلام كلِه وهو خاتمة عصور الأديان لهذا العالم وقد مثَّل النبي صلى الله عليه وسلم عصر الأمة الإِسلامية بالنسبة إلى عصر اليهود وعصر النصارى بما بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس بقوله: «مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر أجراء يعملون له يوماً إلى الليل فعملت اليهود إلى نصف النهار ثم قالوا: لا حاجة لنا إلى أجرك وما عملنا باطل، واستأجر آخرين بعدهم فقال: أكملوا بقية يومكم ولكم الذي شرطت لهم فعملوا حتى إذا كان حين صلاة العصر قالوا: لك ما عملنا باطل ولك الأجر الذي جعلتَ لنا، واستأجر قوماً أن يعملوا بقيةَ يومهم فعملوا حتى غابت الشمس واستكملوا أجر الفريقين كليهما فأنتم هُم».
فلعل ذلك التمثيل النبوي له اتصال بالرمز إلى عصر الإِسلام في هذه الآية.
ويجوز أن يفسر العصر في هذه الآية بالزمان كله، قال ابن عطية: قال أبي بن كعب: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العصر فقال: أقسم ربكم بآخر النهار.
وهذه المعاني لا يفي باحتمالها غير لفظ العصر.
ومناسبة القَسَم بالعَصر لغرض السورة على إرادة عصر الإِسلام ظاهرة فإنها بينت حال الناس في عصر الإِسلام بين مَن كفر به ومن آمن واستوفى حظه من الأعمال التي جاء بها الإِسلام، ويعرف منه حالُ من أسلموا وكان في أعمالهم تقصير متفاوت، أما أحوال الأمم التي كانت قبل الإِسلام فكانت مختلفة بحسب مجيء الرسل إلى بعض الأمم، وبقاء بعض الأمم بدون شرائع متمسكة بغير دين الإِسلام من الشرك أو بدين جاء الإِسلام لنسخه مثل اليهودية والنصرانية قال تعالى: ﴿ من يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ﴾ في سورة آل عمران (85).
وتعريف الإنسان} تعريف الجنس مراد به الاستغراق وهو استغراق عرفي لأنه يستغرق أفراد النوع الإِنساني الموجودين في زمن نزول الآية وهو زمن ظهور الإِسلام كما علمت قريباً.
ومخصوص بالناس الذين بلغتهم الدعوة في بلاد العالم على تفاوتها.
ولما استُثني منه الذين آمنوا وعملوا الصالحات بقي حكمه متحققاً في غير المؤمنين كما سيأتي...
والخُسر: مصدر وهو ضد الربح في التجارة، استعير هنا لسوء العاقبة لمن يظن لنفسه عاقبةً حسنة، وتلك هي العاقبة الدائمة وهي عاقبة الإِنسان في آخرته من نعيم أو عذاب.
وقد تقدم في قوله تعالى ﴿ فما ربحت تجارتهم ﴾ في سورة البقرة (16) وتكررت نظائره من القرآن آنفاً وبَعيداً.
والظرفية في قوله: لفي خسر} مجازية شبهت ملازمة الخسر بإحاطة الظرف بالمظروف فكانت أبلغ من أن يقال: إن الإنسان لخاسر.
ومجيء هذا الخبر على العموم مع تأكيده بالقَسم وحرففِ التوكيد في جوابه، يفيد التهويل والإِنذار بالحالة المحيطة بمعظم الناس.
وأعقب بالاستثناء بقوله: ﴿ إلا الذين آمنوا ﴾ الآية فيتقرر الحكم تاماً في نفس السامع مبيناً أن الناس فريقان: فريق يلحقه الخسران، وفريق لا يلحقه شيء منه، فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لا يلحقهم الخسران بحال إذا لم يتركوا شيئاً من الصالحات بارتكاب أضدادها وهي السيئات.
ومن أكبر الأعمال الصالحات التوبة من الذنوب لمقترفيها، فمن تحقق فيه وصف الإِيمان ولم يعمل السيئات أو عملها وتاب منها فقد تحقق له ضد الخسران وهو الربح المجازي، أي حسن عاقبة أمره، وأما من لم يعمل الصالحات ولم يتب من سيئاته فقد تحقق فيه حكم المستثنى منه وهو الخسران.
وهذا الخسر متفاوت فأعظمه وخالده الخسر المنجر عن انتفاء الإِيمان بوحدانية الله وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم ودون ذلك تكونُ مراتب الخسر متفاوتة بحسب كثرة الأعمال السيئة ظاهرها وباطنها.
وما حدده الإِسلام لذلك من مراتب الأعمال وغفران بعض اللمم إذا ترك صاحبه الكبائر والفواحشَ وهو ما فسر به قوله تعالى: ﴿ إن الحسنات يذهبن السيئات ﴾ [هود: 114].
وهذا الخبر مراد به الحصول في المستقبل بقرينة مقام الإِنذار والوعيد، أي لفي خسر في الحياة الأبدية الآخرة فلا التفات إلى أحوال الناس في الحياة الدنيا، قال تعالى: ﴿ لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد ﴾ [آل عمران: 196، 197].
وتنكير ﴿ خسر ﴾ يجوز أن يكون للتنويع، ويجوز أن يكون مفيداً للتعظيم والتعميم في مقام التهويل وفي سياق القسَم.
والمعنى: إن الناس لفي خسران عظيم وهم المشركون.
والتعريف في قوله: ﴿ الصالحات ﴾ تعريف الجنس مراد به الاستغراق، أي عملوا جميع الأعمال الصالحة التي أمروا بعملها بأمر الدين وعَمل الصالحات يشمل ترك السيئات.
وقد أفاد استثناء المتصفين بمضمون الصلة ومعطوفها إيماء إلى علة حكم الاستثناء وهو نقيض الحكم الثابت للمستثنى منه فإنهم ليسوا في خسر لأجل أنهم آمنوا وعملوا الصالحات.
فأما الإِيمان فهو حقيقة مقُول على جزئياتها بالتواطئ.
وأما الصالحات فعمومها مقول عليه بالتشكك، فيشير إلى أن انتفاء الخسران عنهم يتقدر بمقدار ما عملوه من الصالحات وفي ذلك مراتب كثيرة.
وقد دل استثناء الذين آمنوا وعملوا الصالحات من أن يكونوا في خُسر على أن سبب كون بقية الإِنسان في خسر هو عدم الإِيمان والعمل الصالح بدلالة مفهوم الصفة.
وعُلم من الموصول أن الإِيمان والعمل الصالح هما سبب انتفاء إحاطة الخسر بالإِنسان.
وعُطف على عَمل الصالحات التواصي بالحق والتواصي بالصبر وإن كان ذلك من عمل الصالحات، عَطْف الخاص على العام للاهتمام به لأنه قد يُغفل عنه، يُظن أن العمل الصالح هو ما أثرُه عمل المرء في خاصته، فوقع التنبيه على أن من العمل المأمور به إرشادَ المسلم غيره ودعوتَه إلى الحق، فالتواصي بالحق يشمل تعليم حقائق الهدى وعقائد الصواب وإراضة النفس على فهمها بفعل المعروف وترك المنكر.
والتواصي بالصبر عطف على التواصي بالحق عطف الخاص على العام أيضاً وإن كان خصوصه خصوصاً من وجهٍ لأن الصبر تحمَّل مشقة إقامة الحق وما يعترض المسلم من أذى في نفسه في إقامة بعض الحق.
وحقيقة الصبر أنه: منع المرء نفسه من تحصيل ما يشتهيه أو من محاولة تحصيله (إن كان صعبَ الحصول فيترك محاولة تحصيله لخوْف ضر ينْشأ عن تناوله كخوف غضب الله أو عقاب ولاة الأمور) أو لرغبة في حصول نفع منه (كالصبر على مشقة الجهاد والحج رغبة في الثواب والصبر على الأعمال الشاقة رغبة في تحصيل مال أو سمعة أو نحو ذلك).
ومن الصبر الصبر على ما يلاقيه المسلم إذا أمَرَ بالمعروف من امتعاض بعض المأمورين به أو مِن أذاهم بالقول كمن يقول لآمره: هَلاّ نظرت في أمر نفسك، أو نحو ذلك.
وأما تحمل مشقة فعل المنكرات كالصبر على تجشّم السهر في اللهو والمعاصي، والصبر على بشاعة طعم الخمر لشاربها، فليس من الصبر لأن ذلك التحمل منبعث عن رجحان اشتهاء تلك المشقة على كراهية المشقة التي تعترضه في تركها.
وقل اشتمل قوله تعالى: ﴿ وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ﴾ على إقامة المصالح الدينية كلها، فالعقائد الإِسلامية والأخلاق الدينية مندرجة في الحق، والأعمال الصالحة وتجنب السيئات مندرجة في الصبر.
والتخلق بالصبر ملاك فضائل الأخلاق كلها فإن الارتياض بالأخلاق الحميدة لا يخلو من حمل المرء نفسه على مخالفة شهوات كثيرة، ففي مخالفتها تعب يقتضي الصبرَ عليه حتى تصير مكارم الأخلاق ملكه لمن راض نفسه عليها، كما قال عمرو بن العاص: إذا المرءُ لم يَترُكْ طعاماً يُحبُّه *** ولم يَنْهَ قلباً غاوياً حيثُ يمَّما فيوشِك أن تُلفَى له الدَّهرَ سُبّةٌ إذا ذُكِرَتْ أمثالُها تَمْلأ الفَمَا *** وكذلك الأعمال الصالحة كلها لا تخلو من إكراه النفس على ترك ما تميل إليه.
وفي الحديث: " حُفَّت الجنة بالمكارِهِ وحُفّت النار بالشهوات ".
وعن علي بن أبي طالب: «الصبر مطية لا تكبو».
وقد مضى الكلام على الصبر مشبعاً عند قوله تعالى: ﴿ استعينوا بالصبر والصلاة ﴾ في سورة البقرة (45).
وأفادت صيغة التواصي بالحق وبالصبر أن يكون شأن حياة المؤمنين قائماً على شيوع التآمر بهما ديدناً لهم، وذلك يقتضي اتصاف المؤمنين بإقامة الحق وصبرهم على المكاره في مصالح الإِسلام وأمته لما يقتضيه عرف الناس من أن أحداً لا يوصي غيره بملازمة أمر إلا وهو يرى ذلك الأمر خليقاً بالملازمة إذ قلّ أن يُقدم أحد على أمر بحق هو لا يفعله أو أمر بصبر وهو ذو جزع، وقد قال الله تعالى توبيخاً لبني إسرائيل: ﴿ أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون ﴾ [البقرة: 44]، وقد تقدم هذا المعنى عند قوله تعالى: ﴿ ولا تحاضون على طعام المسكين ﴾ في سورة الفجر (18).
سُورَةُ العَصْرِ مَكِّيَّةٌ، وفي إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّها مَدَنِيَّةٌ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿ والعَصْرِ ﴾ وهَذا قَسَمٌ، فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ العَصْرَ الدَّهْرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
الثّانِي: أنَّهُ العَشِيُّ ما بَيْنَ زَوالِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ تَرَوَّحْ بِنا يا عَمْرُو قَدْ قَصُرَ العَصْرُ وفي الرَّوْحَةِ الأُولى الغَنِيمَةُ والأجْرُ وَخَصَّهُ بِالقَسَمِ لِأنَّ فِيهِ خَواتِيمَ الأعْمالِ.
وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنْ يُرِيدَ عَصْرَ الرَّسُولِ لِفَضْلِهِ بِتَجْدِيدِ النُّبُوَّةِ فِيهِ.
وَفِيهِ رابِعٌ: أنَّهُ أرادَ صَلاةَ العَصْرِ، وهي الصَّلاةُ الوُسْطى، لِأنَّها أفْضَلُ الصَّلَواتِ، قالَهُمُقاتِلٌ.
﴿ إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ ﴾ يَعْنِي بِالإنْسانِ جِنْسَ النّاسِ.
وَفي الخُسْرِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لَفي هَلاكٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
الثّانِي: لَفي شَرٍّ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.
الثّالِثُ: لَفي نَقْصٍ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.
الرّابِعُ: لَفي عُقُوبَةٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانَ عاقِبَةُ أمْرِها خُسْرًا ﴾ وكانَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقْرَؤُها: والعَصْرِ ونَوائِبِ الدَّهْرِ إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ وإنَّهُ فِيهِ إلى آخِرِ الدَّهْرِ.
﴿ إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وتَواصَوْا بِالحَقِّ ﴾ في الحَقِّ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ التَّوْحِيدُ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.
الثّانِي: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّالِثُ: أنَّهُ اللَّهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنْ يُوصِيَ مُخَلَّفِيهِ عِنْدَ حُضُورِ المَنِيَّةِ ألّا يَمُوتُنَّ إلّا وهم مُسْلِمُونَ.
﴿ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَلى طاعَةِ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: عَلى ما افْتَرَضَ اللَّهُ، قالَهُ هِشامُ بْنُ حَسّانَ.
وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا ثالِثًا: بِالصَّبْرِ عَنِ المَحارِمِ واتِّباعِ الشَّهَواتِ.
أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت سورة ﴿ والعصر ﴾ بمكة.
وأخرج الطبراني في الأوسط والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي مليكة الدارمي وكانت له صحبة قال: كان الرجلان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا التقيا لم يتفرقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر سورة ﴿ والعصر إن الإِنسان لفي خسر ﴾ إلى آخرها، ثم يسلم أحدهما على الآخر.
وأخرج ابن سعد عن ميمون قال: شهدت عمر حين طعن فأمنا عبد الرحمن بن عوف فقرأ بأقصر سورتين في القرآن بالعصر و ﴿ إذا جاء نصر الله ﴾ [ النصر: 1] في الفجر.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف والحاكم عن علي بن أبي طالب أنه كان يقرأ «والعصر ونوائب الدهر إن الإِنسان لفي خسر وانه لفيه إلى آخر الدهر» .
وأخرج عبد بن حميد عن إسماعيل بن عبد الملك قال: سمعت سعيد بن جبير يقرأ قراءة ابن مسعود: ﴿ والعصر إن الإِنسان لفي خسر وإنه لفيه إلى آخر الدهر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم قال: قرأنا: ﴿ والعصر إن الإِنسان لفي خسر وإنه لفيه إلى آخر الدهر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ﴾ .
ذكر أنها في قراءة عبد الله بن مسعود.
وأخرج عبد بن حميد عن حوشب قال: أرسل بشر بن مروان إلى عبد الله بن عتبة بن مسعود فقال: كيف كان ابن مسعود يقرأ ﴿ والعصر ﴾ فقال: ﴿ والعصر إن الإِنسان لفي خسر وهو فيه إلى آخر الدهر ﴾ فقال له بشر: هو يكفر به.
فقال عبد الله لكني أومن به.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿ والعصر ﴾ قال: ساعة من ساعات النهار.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿ والعصر ﴾ قال: هو ما قبل مغيب الشمس من العشي.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ والعصر ﴾ قال: ساعة من ساعات النهار، وفي قوله: ﴿ وتواصوا بالحق ﴾ قال: كتاب الله ﴿ وتواصوا بالصبر ﴾ قال: طاعة الله.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي ﴿ والعصر ﴾ قال: قسم أقسم به ربنا تبارك وتعالى ﴿ إن الإِنسان لفي خسر ﴾ قال: الناس كلهم، ثم استثنى فقال: ﴿ إلا الذين آمنوا ﴾ ثم لم يدعهم وذاك حتى قال: ﴿ وعملوا الصالحات ﴾ ثم لم يدعهم وذاك حتى قال: ﴿ وتواصوا بالحق ﴾ ثم لم يدعهم وذاك حتى قال: ﴿ وتواصوا بالصبر ﴾ يشترط عليهم.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ والعصر إن الإِنسان لفي خسر ﴾ يعني أبا جهل بن هشام ﴿ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ ذكر عليّاً وسلمان.
﴿ وَالْعَصْرِ ﴾ قال ابن عباس: يريد والدهر (١) (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) قال (٧) (٨) (٩) والعصر بهذه (١٠) (١١) (١٢) ثم اتَّقَى وأيَّ عصرٍ يتَّقِى ...
بِعُلْبَةٍ وقَلْعِهِ المُعَلَّقِ (١٣) (١٤) ويقال لليوم، والليلة، والغداة، والعشي: العصر.
قال حميد بن ثور: ولن يلبثَ العَصْرانِ يومٌ وليلةٌ ...
إذا طَلَبا أن يُدرِكا ما تَيَمَّما (١٥) (١٦) (١٧) وأمطُلُهُ العَصْرَيْنِ حتَّى يملَّنِي ...
ويرضى بنِصفِ الدّينِ والأنفُ رَاغِمُ (١٨) (١٩) قال: العصران: الغداة والعشي (٢٠) قال الليث: والعصر العشي، وأنشد: تروَّحْ بنا يا عمر ...
وقد قَصُرَ العَصْر (٢١) قال: وبه سميت صلاة (العصر) (٢٢) (٢٣) وقال أهل المعاني في "العصر" بجميع هذه المعاني عبرة للناظرة من جهة مرور الليل والنهار؛ على تقدير الأدوار من جهة أخذ (٢٤) (٢٥) وقال أبو إسحاق: وقال بعضهم معناه (٢٦) (٢٧) (٢٨) وقال مقاتل: يعني صلاة العصر أقسم الله بصلاة العصر، وهي الصلاة الوسطى (٢٩) (١) "الكشف والبيان" 13/ 146 ب، "النكت والعيون" 6/ 333، "معالم التنزيل" 4/ 522، "المحرر الوجيز" 5/ 520، "زاد المسير" 8/ 303، "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 178، "لباب التأويل" 4/ 405، "البحر المحيط" 8/ 509.
(٢) في (ع): (وهو).
(٣) "معاني القرآن" 3/ 289 نجصه.
(٤) مكررة في (أ).
(٥) "تفسير عبد الرزاق" 2/ 394، "الكشف والبيان" 13/ 146 ب، "معالم التنزيل" 4/ 522، "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 179، "الدر المنثور" 8/ 622 وعزاه إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، و"فتح القدير" 5/ 491، و"فتح الباري" 8/ 729 بنحوه.
(٦) "بحر العلوم" 3/ 508، "معالم التنزيل" 4/ 522، "الدر المنثور" 8/ 622 بمعناه، وعزاه إلى ابن المنذر، "تهذيب اللغة" 20/ 13.
(٧) في (ع): (وقال).
(٨) "الكشف والبيان" 13/ 146 ب.
(٩) قال بذلك ابن عباس في "جامع البيان" 30/ 289.
(١٠) في (ع): (هذه).
(١١) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(١٢) نسبة صاحب اللسان إلى أبي محمد الفقعسي، 8/ 291 (قلع).
(١٣) ورد البيت في: "إصلاح المنطق" 31، "لسان العرب" 8/ 291 (قلع).
ومعنى البيت كما في اللسان: "أي" وأي زمان يتقى، وجمعه قِلعه وقِلاع، وهو الكِنْف يكون فيه زاد الراعي وقناعه.
(١٤) ما بين القوسين نقلاً عن "إصلاح المنطق" 31.
(١٥) ورد البيت في ديوانه، "إصلاح المنطق" 394، "تهذيب اللغة" 2/ 13 (عصر) غير منسوب، و"الصحاح" 2/ 748 (عصر)، و"لسان العرب" 4/ 576 (عصر)، و"تاج العروس" 3/ 404 (عصر)، "البحر المحيط" 8/ 502، "فتح القدير" 5/ 491، و"روح المعاني" 30/ 228، "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 359 من غير نسبة، و"الحجة" 6/ 44.
(١٦) ما بين القوسين نقله عن "الحجة" 6/ 440.
(١٧) في (ع): (وأنشد).
(١٨) في (ع): (راعم).
(١٩) ورد البيت غير منسوب في "إصلاح المنطق" 395، و"تهذيب اللغة" 2/ 13 (عصر)، و"الصحاح" 2/ 749 (عصر)، و"لسان العرب" 4/ 576 (عصر)، و"تاج العروس" 3/ 404 (عصر)، وقال: قال الصاغاني: والصواب في الرواية: ويرضى بنصف الدين في غير نائل.
ونسبه لعبد الله بن الزبير الأسدي.
(٢٠) " إصلاح المنطق" ص 394 بنصه.
(٢١) عجز البيت: وفي الرَّوحة الأولى الغنيمة والأجر وقد ورد غير منسوب في "تهذيب اللغة" 2/ 4 (عصر)، و"لسان العرب" 4/ 576 (عصر)، "تاج العروس" 3/ 404 (عصر)، "النكت والعيون" 6/ 333.
(٢٢) ساقط من (ع).
(٢٣) "تهذيب اللغة" 2/ 13 - 14 (عصر).
(٢٤) في (أ): (جهد).
(٢٥) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثله من غير نسبة في: "الوسيط" 4/ 55.
(٢٦) بياض في (ع).
(٢٧) سورة الذاريات: 23.
(٢٨) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 360.
(٢٩) "تفسير مقاتل" 250 أ، "الكثسف والبيان" 13/ 146 ب، "النكت والعيون"، 6/ 333، "معالم التنزيل" 4/ 522 - 523، "زاد المسير" 8/ 303، "التفسير الكبير" 32/ 85، "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 79 و"فتح القدير" 5/ 491، "روح المعاني" 30/ 227، ورجحه الزمخشري في "الكشاف" 4/ 323.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والعصر ﴾ فيه ثلاثة أقوال: الأول أنه صلاة العصر أقسم الله بها لفضلها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الذي تفوته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله» الثاني أنه العشيّ أقسم به كما أقسم بالضحى، ويؤيد هذا قول أبيّ بن كعب: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العصر فقال: أقسم ربك بآخر النهار.
الثالث أنه الزمان ﴿ إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ ﴾ الإنسان جنس، ولذلك استثنى منه الذين آمنوا فهو استثناء متصل ﴿ وَتَوَاصَوْاْ بالحق ﴾ أي وصى بعضهم بعضاً بالحق وبالصبر، فالحق هو الإسلام وما يتضمنه، وفيه إشارة إلى كذب الكفار، وفي الصبر إشارة إلى صبر المؤمنين على إذاية الكفار لهم بمكة.
الوقوف ﴿ والعصر ﴾ ه لا ﴿ لفي خسر ﴾ ه لا ﴿ بالصبر ﴾ ه.
التفسير: لما بين في السورة المتقدمة أن الاشتغال بأمور الدنيا والتهالك عليها مذموم، أراد أن يبين في هذه السورة ما يجب الاشتغال به من الإيمان والأعمال الصالحات وهو حظ الآدمي من جهة الكمال ومن التواصي بالخيرات وكف النفس عن المناهي، وهو حظه من حيث الإكمال وأكد ما أراد بقوله ﴿ والعصر ﴾ وللمفسرين فيه أقوال: الأول أنه الدهر لوجوه منها ما جاء في القراءة الشاذة أنه كان يقرأ " "والعصر ونوائب الدهر" وحمله العلماء إن صح على التفسير لا على أنه من القرآن لهذا لا يجوز قراءته في الصلاة.
ومنها أن الدهر يشتمل على الأعاجيب الدالة على كمال قدرة خالقها من تغاير الملل والدول وسائر الأحوال الكلية والجزئية، بل نفس الدهر من أعجب الأشياء لأنه موجود يشبه المعدوم ومتحرك يضاهي الساكن.
وأرى الزمان سفينة تجري بنا *** نحو المنون ولا ترى حركاته ومنها أن عمر الإنسان كبعض منه قال: إذا ما مر يوم مر بعضي *** ولا شيء أنفس من العمر وفي تخصيص القسم به إشارة إلى أن الإنسان يضيق المكاره والنوائب إليه ويحيل شقاءه وخسرانه عليه فإقسام الله به دليل على شرفه وأن الشقاء والخسران إنما لزم الإنسان لعيب فيه لا في الدهر ولذلك قال " لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر " القول الثاني وهو قول مقاتل وأبي مسلم إن العصر هو آخر النهار أقسم الله به كما أقسم الفجر والضحى لأن آخر النهار يشبه تخريب العالم وإماتة الأحياء كام أن أول النهار يشبه بعث الأموات وعمارة العالم، فعند ذلك إقامة الأسواق ونصب الموازين ووضع المعاملات، وفيه إشارة إلى أن عمر الدنيا ما بقي إلا بقدر ما بين العصر إلى المغرب فعلى الإنسان أن يشتغل بتجارة لا خسران فيها فإن الوقت قد ضاق وقد لا يمكن تدارك ما فات.
وقال قتادة: إنه صلاة العصر لشرفها وفضلها ولهذا فسر بها الصلاة الوسطى عند كثير وقد مر في " البقرة " وقيل: أقسم بعصر النبي أو بزمانه الذي هو عصر نهار الدنيا كا جاء في حديث طويل، وقد أقسم بمكانه في قوله ﴿ لا أقسم بهذا البلد ﴾ وبحياته في قوله ﴿ لعمرك ﴾ وكل ذلك تشريف له وتوبيخ لمن لم يوقره حق أما اللام في الإنسان فإما المعهود معين كما روي عن ابن عباس أنه أراد جماعة من المشركين كالوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن عبد المطلب.
وعن مقاتل أنه أبو لهب.
وفي خبر مرفوع أنه أبو جهل كانوا يقولون: إن محمداً لفي خسار فأقسم الله إن الأمر بالضد مما توهموه، وعلى هذا يكون الاستثناء منقطعاً.
والأكثرون على أن اللام للجنس، ثم إن كان المراد بالخسر أي الخسران كالكفر والكفران هو الهلاك كان المراد جنس الإنسان على الإطلاق، وإن كان المعنى بالخسر الضلال والكفر كان المراد جنس الكافر هكذا قال بعضهم، ولقائل أن يمنع لفرق، ولا يخفى ما في " إن " ولام التأكيد وكلمة " في " وتنكير خسر من المبالغات فكأنه أثبت له جهات الخسر كلها والأعظم حرمانه عن جناب ربه.
قال بعضهم: إن الإنسان لا ينفك من خسر لأن عمره رأس ماله، فإفناء العمر فيما يمكن أن يكون خيراً منه عبارة عن الخسران.
ووجهه أنه إن أفنى عمره في المعصية فخسره وحسرته ظاهران، وإن كان مشغولاً بالمباحات فكذلك لأنه يمكنه أن يعمل فيه عملاً يبقى أثره ولذته دائماً، وإن كان مشغولاً بالطاعات فلا طاعة إلا ويمكن الإتيان بها على وجه أحسن لأن مراتب الخضوع والعبادة غير متناهية كما أن جلال الله وجماله ليس لهما نهاية.
والتحقيق فيه أن الإنسان لا يكلف إلا ما هو وسعه وطوقه لا بالنسبة إلى نوعه بل بالنسبة إلى شخصه، فإذا اجتنب المعاصي بقدر الإمكان واستعمل المباح بمقدار الضرورة والحاجة وأتى بالطاعة على حسب إمكانه لم يسم خاسراً ولكنه يكون أكمل الأشخاص البشرية فلهذا استثناه الله تعالى بقوله ﴿ إلا الذين آمنوا ﴾ إلى آخره.
وعن بعضهم أنه قال في " التين " ﴿ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين ﴾ فابتدأ من الكمال النقصان وقال ههنا ﴿ لفي خسر إلا الذين آمنوا ﴾ فعكس القضية لأن ذلك مذكور في أحوال البدن وهذا مذكور في أحوال النفس.
قلت: يمكن أن يقال: إن كلتا الآيتين في شأن النفس إلا أنه أراد في " التين " ذكراستعداده الفطري وهو كرأس المال، وههنا أراد حكاية معاملته بعدما أعطى رأس المال.
ولا ريب أن أكثرهم منهمكون في طلب اللذات العاجلة المضيعة للاستعداد الأصلي إلا الموفقين الموصوفين بالكمال والإكمال، وفي إجمال الخسر وتسريحه إلى بقعة الإبهام، ثم في تفصيل الربح بأنه منوط بالإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق وبالصبر دليل على غاية الستر والكرم وأن رحمته سبقت غضبه، وفي لفظ التواصي دون الدعاء أو النصيحة تأكيد بليغ كأنه أمر مهتم به كالوصية، وفيه أنهم من الذين ماتوا بالإرادة عن الشهوات الفانية فيكون أمرهم ونصيحتهم بمنزلة قول من أشرف على الوفاة، والحق خلاف الباطل، ويشتمل جميع الخيرات وما يحق فعله.
وقوله ﴿ والصبر ﴾ يشتمل على جميع المناهي فهم بالحقيقة آمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، وفي لفظ المضي إشارة إلى تحقيق وقوعه منهم والله أعلم وبالله التوفيق.
قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ ﴾ ، خرج قوله: ﴿ وَٱلْعَصْرِ ﴾ مخرج القسم، والقسم موضوع في الشاهد؛ لتأكيد ما ظهر من الحق الخفي، أو النفي شبهة اعترضت، أو دعوى ادعيت؛ فكذلك في الغائب.
ثم الأصل بعد هذا: أنه ليس في جميع القرآن شيء مما وقع عليه القسم إلا إذا تأمله المرء واستقصى فيه، وجد فيه المعنى الذي أوجبه القسم لولا القسم.
ثم اختلفوا في تأويل قوله: ﴿ وَٱلْعَصْرِ ﴾ : فمنهم من قال: هو الدهر والزمانز ومنهم من قال: هو آخر النهار، فذلك وقت يشتمل على طرفي النهار، وهو آخر النهار وأول الليل؛ فكأنه يراد به: الليل والنهار.
وقال أبو معاذ: تقول العرب: "لا أكلمك العصران"، يريدون: الليل والنهار، وفي مرور الليل والنهار مرور الدهور والأزمنة؛ لأنهما يأتيان على الدهور والأزمنة وما فيهما؛ فكان في ذكر الليل والهنار ذكر كل شيء، والقسم بكل شيء قسم بمنشئه؛ لأن كلي شيء من ذلك [إذا] نظرت فيه، دلك على صانعه ومنشئه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ ﴾ ، إن الدنيا وما فيها كأنها خلقت وأنشئت متجراً للخلق، والناس فيها تجار؛ كما ذكره في غير آي من القرآن، قال الله - -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ ﴾ ، وقال: ﴿ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ ، أ ي: إن الإنسان لفي خسار من تجارته ومبايعته ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ...
﴾ الآية.
ولقائل أن يقول: كيف استثنى أهل الربح من أهل الخسران، ولم يستثن أهل الخسران من أهل الربح؟!
فيقول: "إن الإنسان لفي ربح إلا الذين كفروا"، واستثناء هذه الفرقة من تلك أولى في العقول من تلك؟!
والجوب عن هذا: أن هذه الآية إنما نزلت بقرب من مبعث رسول الله ، والقوم بأجمعهم كانوا أهل كفر وخسار؛ فلذلك وقع الاستثناء على ما ذكر؛ إذ استثناء القليل من الكثير هو المستحسن عند أهل اللغة، وإن كان القيم الثاني في حد الجواز، والقرآن في أعلى طبقات الكلام في الفصاحة.
ثم قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلإِنسَانَ ﴾ اسم جنس؛ فكأنه أراد: جميع الناس؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ ، ولا تستثنى الجماعة من الفرد؛ فكأنه يقول - على هذا -: إن الناس في أحوالهم واختيارهم في خسر إلا من كانت تجارته في تلك الحالة ما ذكر.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ يحتمل أن يكون تأويله: الصالحات التي كانت معروفة في الكفر والإسلام من حسن الأخلاق وغيره؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ ﴾ ، نقول: المعروف هو المعروف الذي هو معروف في الطبع والعقل، والمنكر الذي ينكره العقل، وينفر عنه الطبع.
وإن كان المراد منه: الكفر، فكأنه قال: إن الكافرين في هلاك وخسار، إلا من آمن بالله ورسوله وعمل صالحا.
ثم في هذه السورة ذكر الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وكذلك ذكر الصالحات في سورة "التين"، وترك ذكر الصالحات في سورة "الكَبَد"؛ فكأن الله - - ذكر الصالحات في تلك السورة؛ لما قد كان ذكرها قبل ذلك؛ ألا ترى إلى قوله - -: ﴿ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ﴾ ، وغير ذلك.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ ﴾ : الحق في الأصل كل ما يحمد عليه فاعله، والصبر: هو الكف عن كل ما يذم عليه فاعله؛ فكأن التواصي بالحق توص بكل ما يحمد عليه، والتواصي بالصبر تواصي عن كل ما يذم عليه.
ثم [في] ظاهر قوله - -: ﴿ وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ الآية - ما يوجب أن من لم يجمع بين هذه الآشياء التي ذكرها ﴿ لَفِى خُسْرٍ ﴾ ؛ فيكون ظاهره حجة للخوارج والمعتزلة، إلا أن الانفصال عن هذا - والله أعلم -: أن الله وعد الجنة لمن جمع هذه الأشياء التي ذكر في هذه الآية، وذكر الإيمان مفردا في آية أخرى، ووعد عليه الجنة؛ فلا يخلو وعده الجنة عن الإيمان المفرد في تلك الآية من أحد وجهين: إما أن يكون ذكر الإيمان مفردا، وأراد به الاكتفاء عن ذكر الجملة؛ فيكون في ذكر طرف منه ذكر لجملته.
أو يكون في إيجاب الجنة له على مفرد الإيمان، فالحال فيه موقوفة.
ولأن الله - - أوجب الجنة، ولم ينف إيمانه عمن ينقص عن ذلك، فالحال فيه موقوفة على كليته، وإذا كان كذلك لم يقطع القول على إيجاب الجنة لمن أتى بالإيمان مفردا، أو على إيجاب النار؛ فيكون السبيل فيه على الرجاء؛ لأنه لو لم يذكر كان يقع [فيه اليأس]، وأصل كل عبادة في الدنيا إنما بنيت على الرجاء والخوف؛ فلذلك كان الأمر على ما وصفناز أو نقول بأن الله - - أوجب النار على من أتى بجميع السيئات، ولم يكن فيه دليل على أن من أتى بالكفر وحده لا يستوجب به نارا، فكذلك الله - - وتعالى - وإن أوجب الجنة لمن جمع بين هذه الأعمال؛ فلا يدل على أن من أتى بالإيمان وحده، لا يستوجب به الجنة.
وعلى أنه يجوز أن يكون استثناء كل من أتى بشيء من هذه الأعمال بالانفراد؛ فيكون فيه استثناء كل طائفة من ذلك على حدة، كأنه قال: إلا الذين آمنوا وإلا الذين عملوا الصالحا، وإلا الذين تواصوا بالحق.
وإذا كان كذلك لا يكون حجة لهم، وإذا أريد به الجمع يكون حجة؛ فجاء التعارض والاحتمال؛ فوجب التوقف.
ويحتمل أن يراد به الاعتقاد، أي: إن الإنسان لفي خسر، إلا من آمن، واعتقد هذه الأعمال الصالحة؛ كقوله - -: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ ﴾ الآية [التوبة: 5]، والله أعلم.
أقسم سبحانه بوقت العصر.
<div class="verse-tafsir" id="91.Rr3ok"
(العصر) هو الزمان الذي تقع فيه حركات الناس وأعمالهم: أي الدهر كما قال ابن عباس.
أو هو الوقت المعروف الذي تجب فيه صلاة العصر.
وكان من عادة العرب أن يجتمعوا وقت العصر ويتحادثوا ويتذاكروا في شؤونهم، وقد يكون في حديثهم ما لا يليق أو ما يؤذي به بعضهم بعضًا فيتوهم الناس أن الوقت مذنوم، فأقسم الله به لينبهك إلى أن الزمان في نفسه ليس مما يذم ويسب كما اعتاد الناس أن يقولوا: زمان مشؤوم.
ووقت نحس، ودهر سوء وما يشبه ذلك - بل هو وعاء للحسنات كما هو وعاء للسيئات.
وهو ظرف لشؤون الله الجليلة من خلق ورزق وإعزاز وإذلال وخفض ورفع فكيف يذم في ذاته.
وإنما قد يذم ما يقع فيه من الأفاعيل المموقتة.
يقسم الله بالزمان مطلقًا أو بذلك الوقت المخصوص (إن الإنسان لفي خسر) إلى آخر السورة، ليؤكد بالقسم تلك القضية: وهي أن جميع من يطلق عليه اسم الإنسان ممن هو معهود للمخاطبين -وهو الإنسان العاقل البالغ- خاسر في أعماله ضربًا من الخسران إلا من يستثنيهم.
فأعمال الإنسان هي مصدر شقائه لا الزمان ولا المكان.
وتصوير الاستغراق بما قدمت لا ينافي الشمول والعموم كما رأيت.
.
فإن هذا هو الفرق بين الاستغراق "بكل" والاستغراق "بأل"، فالاستغراق "بأل" إنما هو لما عهد عند المخاطبين من الأفراد يخطر بالبال عند ذكر الاسم مقرونًا بها.
ولو قيل كل إنسان في خسر إلا الذين آمنوا لم يصح لأن من الإنسان الصبي الذي لا يميز وهو لا خسران له ولا ربح.
و (الذين آمنوا) هم الذين صدقوا بأصل الخير والشر -كما قال : ﴿ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾ - واعتقدوا اعتقادًا صحيحًا بالفرق بين الفضيلة والرذيلة، وبأن لأنفسهم وللعالم حاكمًا يرضى ويغضب، ويثيب ويعاقب، وأن لهم جزاء علي أعمالهم: الخير بالخير والشر بالشر.
ثم كان تصديقهم هذا بالغًا من أنفسهم حد أن يملك إرادتهم فلا يعملون إلا ما يوافق اعتقاداتهن، فهم يعملون الصالحات.
وهي الأعمال التي عددت بالتفصيل في القرآن وجماعها أن تكون نافعًا لنفسك، ولأهلك، ولقومك، وللناس أجمعين، بعيدًا من أن تضر أحدًا إلا لكف ضرر أعظم منه.
ومن تلك الأعمال الدعوة إلي الحق والوصية بالصبر، لكنه أراد تخصيص هذين الأمرين بالذكر لأنهما حفاظ كل خير، ورأس كل أمر.
و(الحق): هو ما تقرر من حقيقة ثابتة أو شريعة صحيحة، وهو ما أرشد إليه دليل قاطع أو عيان ومشاهدة.
فشرط النجاة من الخسران أن يعرف الناس الحق ويلزموه أنفسهم ويمكنوه من قلوبهم، ثم يحمل الناس بعضهم بعضًا عليه بأن يدعو كل صاحبه إلى الاعتقاد بالحقائق الثابتة التي لا ينازع فيها العقل، ولا يختلف فيها النقل، وأن يبعدوا بأنفسهم وبغيرهم عن الأوهام والخيالات التي لا قرار للنفوس عليها ولا دليل يهدي إليها، ولا يكون ذلك إلا بإعمال الفكر وإجادة النظر في الأكوان حتى تستطيع النفس دفع ما يرد عليها من باطل الأوهام.
وهذا إطلاق للعقل من كل قيد، مع اشتراط التدقيق في النظر، لا الذهاب مع الطيش والانخداع للعادة والوهم.
ومن لم يأخذ نفسه بحمل الناس علي الحق الصحيح بعد أن يعرفه، فهو من الخاسرين، كما تري في الآية بالنص الصريح الذي لا يقبل التأويل.
و(الصبر): قوة للنفس علي احتمال المشقة في العمل الطيب، واحتمال المكروه من الحرمان من اللذة، إن كان في نيلها ما يخالف حقًا، أو ما لا تأذن به الشريعة الصحيحة التي لا اختلاف فيها، واحتمال الآلام إذا عرضت المصائب بدون جزع ولا خروج في دفعها عن حدود الحق والشرع.
فشرط النجاة من الخسران أن تصبر، وأن توصي غيرك بالصبر، وتحمله على تكميل قواه بهذه الفضيلة الشريفة التي هي أم الفضائل بأسرها.
ولا يمكنك حمله على ذلك حتى تكون بنفسك متحليًا بها، وإلا دخلت فيمن يقول ولا يفعل كما يقول، فلم تكن ممن يعمل الصالحات.
ترى السورة قد شملت بحكمها جميع أفراد المكلفين: سواء بلغتهم دعوة نبي، فآمن بها من آمن، وعمل الصالح، ووصى بالحق والصبر، فنجا، وأعرض عنها من أعرض فخسر، أم لم تبلغهم دعوة: فمنهم من صدق بأصل الخير والشر كما قلنا، وآثر الفضيلة على الرذيلة ففاز، ومنهم من أساء العمل فخسر الخسران الذي يناسبه.
ثم تراها لم تدع شيئًا إلا أحرزته في عبارتها الموجزة، حتي قال الشافعي رحمه الله: لو تدبر الناس هذه السورة لوسعتهم.
أو قال: لو لم ينزل من القرآن سواها لكفت الناس.
ولجلالة ما جمعت روي أنه كان الرجلان من أصحاب رسول الله إذا التقيا لم يتفرقا حتي يقرأ أحدهما علي الآخر سورة ﴿ وَالْعَصْرِ ﴾ ثم يسلم أحدهما علي الآخر.
ذلك ليذكر كل منهما صاحبه بما يجب أن يكون عليه، فإذا رأى منه شيئًا ينبغي أن ينبه إليه فعليه أن يذكره له.
﴿ وَالْعَصْرِ إِنَّ الإنسان لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾ المرجح أن هذه السورة من المكيات، وقد ورد عن الشافعي فيها أنه قال: لو لم ينزل إلا هذه السورة لكفت الناس: وفي رواية عنه: لو تدبر الناس هذه السورة لكفتهم: وصح أن الصحابة كانوا إذا اجتمع اثنان منهم لم يتفرقا حتى يقرأ أحدهما علي الآخر هذه السورة إلي آخرها ثم يسلم أحدهما علي الآخر.
وقد ظن الناس أن ذلك كان للتبرك وهو خطأ وإنما كان ليذكر كل واحد منهما صاحبه بما ورد فيها خصوصًا من التواصي بالحق والتواصي بالصبر حتى يجتلب منه قبل التفرق وصية خير لو كانت عنده.
جرت سنة الله في كتابه أن يقسم أحيانًا بشيء من خلقه، أو بشأن من شؤونه لينبه الناس إلى ما أودع فيه من الحكمة وأنهم إن كانوا قد نسبوا إليه شيئًا من الشر، أو ظنوا فيه ضربًا من السوء فهم مخطئون، فإن السوء والشر ليسا في هذه الأشياء وإنما هذا في نفوس المستعملين أو المعتقدين، وقد كانت أديان يظن أهلها أن هذا الكون الزماني وما فيه كون شر وفساد، ومن الواجب على طلاب السعادة أن يحقروه، وأن ينفروا من طيباته، ويجردوا نفوسهم إلى عالم آخر فوق عالم الكون والفساد.
فجاء الكتاب المبين يبين لهم سوء فهمهم عن الله.
ومن طرق تنبيههم إلى خطأهم تلك الأساليب التي جاءت في القسم، ووردت في الكتاب.
أراد أن يكشف لهم أن هذه الأشياء من حكمة الله بالمنزلة التي تبلغ أن يقسم الله بها كأنها مما يعظمه الله، وناهيك بذلك الذي يعظمه خالق كل شيء، ووجود كل موجود الذي لا وجود لشيء إلا منه.
العصر: إما القطعة المعروفة من الدهر، وهو الزمن الذي يعيش فيه المتكلم مع غيره، سواء قدر بعدد من السنين كمئة سنة مثلًا أم لم يقدر، وإما الوقت المعروف من النهار ما بين الظهر والمغرب، وكل منهما تصح إرادته.
وقد اعتاد الناس سب الأول، فكل يشتكي من عصره ويقول: هو عصر جهالة ونذالة، ونقص مروءة، وخبث طوية، ورداءة عمل، وينسبون ما شاءوا من الخير إلي ما كان قبل عصرهم من العصور، فأراد الله أن يزعج نفوسهم عن مثل هذا الاعتقاد بأن أقسم به ليدهش عقولهم بتعظيم ما ألفوا تصغيره، ورفع قدر ما اعتادوا تحقيره، والعصر بالمعنى الثاني كان الوقت الذي يجتمع فيه الأعطال من العرب في قريش وغيرها إما عند الحرم أو في مواضع أُخرى من منتديات الأحياء ويخوضون فيما لا خير فيه من غيبة أو هزء وسخرية أو لغو من الحديث مُلْه عن جد العمل، فوقر في نفوسهم أن ذلك الوقت نفسه هو قرارة السوء ومجتمع الشر، فدفع الله ذلك عن الزمان إليهم وعلمهم أن الوقت نفسه بمنزلة من الشرف يصلح معها لأن يقسم به خالق السموات والأرض، فكان عليهم أن يستعملوه فيما يناسب هذه المنزلة ويشغلوه بطيبات الأعمال فيخلصوا بذلك من الخسران الذي لم يلحق بهم إلا بسيئات أعمالهم.
إنما ورد هذا القسم -على أي المعنيين- تأكيدًا للخبر الذي أراد الله أن يسوقه إلينا وهو أن الإنسان في خسر إلخ.
وإنما احتاج هذا الخبر إلى التأكيد لأن كثيرًا من الناس يظنون أن من الأحوال والأعمال وراء ما ذكر في هذه السورة ما لا خسار فيه بل يعتقدون أن السعادة في التخلص من عقد الإيمان، والعتق من قيود الفضائل، وانطلاق النفس فيما يسمونه متسع الفكر، وحرية العمل، بدون تحرج من رذيلة، ولا إحجام عن فاحشة، متى كانت تلذ للنفس في العاجل، وإن أدت بها إلي الهلكة في الآجل، وإن من الأمم من يسعد وإن اتبع أفرادها أهواءهم، وملكتهم شهواتهم، ما داموا يكسبون المال ويوفرون علي أنفسهم وسائل القوة في زعمهم سواء: آمنوا أم لم يؤمنوا، عملوا الصالحات أم لم يعملوا، تواصوا بالحق والصبر أم لم يتواصوا، وأمثال هؤلاء الظانين يفوق عددهم الحصر في كل زمان ومكان.
"أل" في الإنسان للاستغراق كما يدل عليه الاستثناء في قول ﴿ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ والاستغراق "بأل" في لسان العرب ليس كالاستغراق بلفظ "كل" الذي يسور به المناطقة قضاياهم الكلية، وليست "أل" مساوية لكل التي تضاف إلي النكرة، ويريد بها العربي تعميم الحكم في جميع أفراد الجنس، وإنما يراعي في "أل" استغراق المعهود عند المخاطبين، لأنها في لسانهم للعهد وتعريف الجنس إما في فرد أو أفراد، ولن تفارق العهد في حال من الأحوال، وكذلك التي يسميها النحاة للعهد الذهني، ويتحيرون في الفرق بينها وبين النكرة ثم يقول من لا يعرف خصائص اللسان منهم: إن الفرق في اللفظ وإجراء أحكامه، أما المعنى فلا فرق فيه.
وهو وهم فاسد فإن قول الرجل لعبده: اشتر اللحم من السوق: لا يفهم منه أي لحم في الكون بأسره ولا أي سوق في العالم بأجمعه ولكن قد عهد السيد نوعًا خاصًا تعود العبد شراءه وأسواقًا خاصة هي أسواق المدينة التي يقيم فيها وإن لم يتعين أحدها، فالعهد والتعريف به لم يفارقها، والفرق بين المعنى معها والمعنى في النكرة واضح لمن يعرف خصائص اللسان.
والإنسان الذي تجري عليه أحكام الإنسانية ويحدث عنه في مثل هذه الشؤون: هو من بلغ سن الرشد عاقلًا يميز بين الخير والشر، وليس يخطر بالبال عند التخاطب في مثل هذا المقام الصبيان غير المكلفين ولا المجانين.
ولو أتي بلفظ "كل إنسان" لشمل ذلك.
ولا تؤدي "أل" مؤدى "كل" إلا بقرينة.
فالاستغراق في الآية على حقيقته وهو شامل لجميع أفراد المكلفين من الناس سواء كانوا ممن بلغتهم رسالات الأنبياء أم ممن لم تبلغهم، كما سيأتي.
"والخسر" في اللغة يطلق علي الضلال وعلي الهلاك وعلي النقص، وكل ما جر عليك عملك من شر فهو خسر لك وخسران وخسارة لأنك كنت تبتغي بعملك الفائدة والثمرة الطيبة تجنيها منه فإذا جر عليك ما كنت تتوقاه، وحرمك ما كنت تتوخاه، فقد خسرت لأنك ضللت في القصد، ودخل النقص عليك في بغية نفسك، وأتاك التعب من حيث تطلب الراحة، وكل ما آلمك واشقاك وأقلق نفسك، واضطرب له قلبك، فهو نقص في لذتك.
وإذا عملت عملًا وأنت تقصد به سكون القلب، وهناء العيش، فحدث انزعاج النفس، ونقص الطمأنينة، فقد ضللت به في القصد، وخسرت في السعي، والخسر في الآية مطلق لا يتقيد بدنيوي أو أخروي فكل مكلف ممن لم يتصف بالأوصاف الآتية (في السورة) يصيبه حظ من الخسران في هذه الحياة أو في التي بعدها، لأن السورة مكية كما قلنا، والخطاب في المكيات، كانت تراعى فيه العمومات، في كثير من الآيات كما تراه في سورة ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ﴾ مثلًا.
والخسر بفقد الراحة وطمأنينة النفس.
"الإيمان" في هذه السورة مطلق كذلك لم يتقيد بشيء كما ترى، ولكنه محمول علي ما هو معروف عند المخاطبين، والأمس بعموم الخطاب أنه إذعان النفس لليقين بالفرق بين الخير والشر، والفضيلة والرذيلة وبأن علي الوجود مسيطرًا يرضى الخير ولا يرضى الشر، ويحب الفضيلة ويكره الرذيلة، وأن من رحمته أن يخص من شاء من خلقه بإطلاعهم علي شيء من سره وأمرهم بأن يبينوا للناس ما التبس عليهم من مذاهب أعمالهم، ويعرفوهم مداخل الأهواء الفاسدة إلي قلوبهم، ومسالك الدلائل الصحيحة إلي عقولهم، فيقبلوا علي هذه ويتلقوا ما يساق إليهم منها، ويسدوا علي أنفسهم تلك ويقيموا من العزم حارسًا علي نوافذها يمنع ما عساه يهوى إليها، وهذا الإيمان هو المدلول عليه بقوله تعالى في سورة ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ﴾ : ﴿ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾ : وليس الإيمان ههنا هو التصديق المقرون بالإذعان لتفصيل الأحكام الواردة في شرعنا خاصة فإن الحكم إنما هو علي الإنسان في جميع أمكنته وأزمنته لا يختص بأمة محمد بل يعم الأمم جميعها ماضيها وحاضرها ومستقبلها، فالكلام في السورة لتقرير حكم عام من أحكام الإنسان في نفسه وإنما تدخل رسالة النبي في حكم هذا العام ويكون من بلغته تلك الرسالة ولم يصدق بجميع ما ورد به القطعي سندًا ودلالة من نصوصها خاسرًا في الدنيا والآخرة بحكم هذا النص من جهة عمومه وبالنصوص التفصيلية الأخرى التي وردت في كثير في سور القرآن.
وليس الإيمان كذلك مجرد ما يسميه الناس اعتقادًا وإن كان بمحض التقليد لا عمل لعقل ولا لوجدان فيه فإن مثل هذا الإيمان قد خسرت معه أمم كثيرة ممن صدقت بمرسلين صادقين، وأنبياء هادين، وإنما المراد منه ذلك التصديق المقرون بطمأنينة النفس، وخضوع القوى لحكم ما آمن به.
﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ ﴾ ذلك الإيمان هو الذي كان الله ولا يزال ينوط به النجاة من الخسران في الدنيا والآخرة، وسيأتي إيضاح ذلك أيضًا.
أما هذا الذي يتلقاه الناس من أفواه آبائهم فينشأ ابن المسلم لا يفهم معنى لما يعتقد أو لما يقول أبوه وإنما ينطق كما ينطق وتأخذه الحمية لما يراه يحمى له لا يفهم لذلك معنى، ولا يجد لنفسه فيه بصيرة، كما ينشأ ابن النصراني أو ابن اليهودي أو ابن المجوسي على مثل ذلك، فهو مما لا يعتد الله به وإنما يعتد الله بتلك السكينة الروحية التي تشعر النفس بمهبطها إليها، وذلك العقد القلبي الذي يعرف القلب مكانه منه.
هذا هو الإيمان الذي يليق أن يسمى حياة للنفس بعدها للشعور بجميع ما يلزم له، وما يصح أن يحمل عليه.
أما ذلك الذي سموه إيمانًا وهو ليس به فهو مما يقتل النفوس ويهلك الأرواح، ويسلك بها مسالك الجهل، وينتهي بها إلى مهاوي الهلكة.
أما الصالحات في هذه السورة فهي تلك الأعمال التي عرفت عند الناس بأنها من أعمال الخير النافعة لخاصتهم وعامتهم، المتفقة مع مصالحهم التي لا تنكرها الأذواق السليمة، ولا تجافيها الطباع المستقيمة، ومنها ما هو من ضروب الشكر لمفيض الخير والإحسان على الخلائق أجمعين كالعبادات الصحيحة التي جاء بها كل دين صحيح في أي أمة من الأمم التي دعيت إلى الأخذ بذلك الدين زمن العمل بشريعتها.
ومنها ما هو من ضروب البر كبذل الأموال في طرق الخير والسعي في إغاثة المنكوبين، وإقالة العثار، والعدل في الحكم، وإنقاذ المظلوم من الظلم، ونحو ذلك مما يطول تفصيله، ومنها فضائل الملكات التي تصدر عنها الصالحات كالأمانة والعفة والإنصاف والمحبة والإخلاص، وأمثال ذلك.
كل هذا يسمي صالحات وإن كان منه ما هو بدني يتعلق به العمل الظاهر، ومنه ما هو نفسي يتعلق به العمل الباطن، والعمل يتعلق بالملكات لأنها إنما تحصل عادة بترويض النفس عليها، ومجاهدتها في سبيل تحصيلها، ويدخل في هذه الأعمال عند كل أمة ما وردت به شريعة رسولها ويدخل فيها ما هدى إليه العقل عند الأمم التي لم تبلغها رسالة.
وإن من أُصول الصالحات ما هو معروف عند البشر عامة لا تختلف فيه أمة كالأصول التي ذكرناها قبل أسطر، ولذلك سميت في الكتاب بالمعروف، وسميت أضدادها بالمنكر أي ما تعرفه النفوس السليمة، وما تنكره العقول الصحيحة.
"التواصي" أن يوصي كل من الشخصين صاحبه بشيء، "والحق" ما يقابل الباطل، وهو يكاد يكون معروف المعنى عند كل الناس، وإنما يخطئ أغلبهم في حمل هذا المعنى على جزئياته فيأتي الواحد منهم إلى أشد الباطل بطلانًا ويقول: إنه الحق.
فلو حمل الحق ههنا على ما يراه الموصي حقًا لكان المعنى، وأوصى كل منهم صاحبه بما يعتقده حقًا، وطالبه بالأخذ به: وربما كان الآخر لا يعتقد أن الحق مع موصيه فيكون التواصي ضربًا من التنازع لأن كلًا يدعو الآخر إلى ما لا يرضاه وهو النزاع بعينه فلا يصح حمل المعنى عليه.
وإنما الذي يصح أن يقصد هو أن يوصي كل واحد صاحبه بتحري الحق فيما يعتقد بأن ينبهه إلى الحرص على البحث في الأدلة، والتلطف في النظر الموقوف علي الحق هو الواقع لا يختلف فيه بعد معرفة وجهه، فإذا رأي منه ضلة هداه بإقامة الدليل على ما هو الهدى، وإذا رأى منه تقصيرًا في النظر نهض به إليه، وإذا وجد منه رعونة في الأخذ بظواهر الأمور دون النفوذ إلى بواطنها نصح له باستعمال الروية وإمعان الفكرة.
وهكذا يكون على الآخر أن يعمل مع صاحبه مثل ما يجب عليه أن يعمل معه.
وفرض التواصي على كل واحد يبيح للصغير أو يوجب عليه ما يبيح للكبير أو يوجب عليه من ذلك إلا أنه لا يمنع من رعاية كل قائم بواجب عليه حق الآخر، فلوصية الصغير وعرضها على الكبير طريقة غير طريقة سوق الوصية من الكبير إلي الصغير.
يعرف ذلك القوم علي حسب آدابهم، وما ألفوا في تخاطبهم.
والتواصي بالحق يدخل في الصالحات وإنما ذكره بلفظه، لينوه بفضله ويشير إلى أنه أصل بنفسه تناطق النجاة به استقلالًا.
ولا يصح أن يظن ظان أن النجاة منوطة بالتواصي بالحق وإن لم يكن الموصي آخذًا به فلو كان مبطلًا وأوصى بالحق فقد نجا، هذا ما لا يعقل وإنما جاءت الآية الكريمة على طريقة الإيجاز التي فضل بها القرآن جميع الكلام.
فإن المراد: من كان علي الحق وأوصى به.
ومن المعروف عند العقلاء أنه لا يوصي بالشيء ولا يدعو إليه إلا من أصاب منه الحظ الأوفر، وكيف يدعو إلي أمر ويحسن الدعوة إليه من لا تكون له من ذلك الأمر حلية يعرف بها؟
وما تراه من قوم يدعون إلى المعروف وهم يقيمون على المنكر فذلك لا يعد دعوة صحيحة لأنهم لا يعرفون كيف يدعون، وهم في دعوتهم إلى ما يدعون إليه ينفرون الناس منه، ولا يميلونهم إلى ناحيته.
وخطاب الكتاب إنما جاء على المعروف المألوف عند العقلاء.
وإنما قال (وتواصوا) ولم يقل: وأوصوا: ليبين أن النجاة من الخسران إنما تناط بحرص كل من أفراد الأمة علي الحق ونزوع كل منهم إلى أن يوصي به قومه، وممن يهمه أمر الحق ليوصي صاحبه بطلبه يهمه أن يرى الحق فيقبله، فكأنه في هذه العبارة الجزلة قد نص على تواصيهم بالحق وقبولهم الوصية به إذا وجهت إليهم.
"والصبر" خلق من أمهات الأخلاق بل مساك كل خلق.
قالوا في فضل الصبر: إنه ذكر في القرآن نحو سبعين مرة، وليس لنا فائدة كبرى في تحديد العدد، ولكن جاء في الكتاب العزيز ذكر الصبر، ومدح أهله، وتبشيرهم بالفوز والفلاح، والصبر ملكة في النفس يتيسر معها احتمال ما يشق احتماله، والرضى بما يكره في سبيل الحق وهو خلق يتعلق به بل يتوقف عليه كمال كل خلق، وما أُوتِيَ الناس من شيء مثل ما أُتوا من فقد الصبر أو ضعفه.
كل أمة ضعف الصبر في نفوس أفرادها ضعف فيها كل شيء وذهبت منها كل قوة، ولنضرب لذلك مثلًا نقص العلم عند أمة من الأمم كالمسلمين اليوم، إذا دققت النظر وجدت السبب فيه ضعف الصبر، فإن من عرف بابًا من أبواب العلم لا يجد من نفسه صبرًا علي التوسع فيه، والتعب في تحقيق مسائله، وينام على فراش من التقليد هين لين لا يكلفه مشقة، ولا يجشمه تعبًا، ويسلي نفسه عن كسله بتعظيم من سبقه، ولو كان عنده احترام حقيقي لسلفه لاتخذهم أسوة له في عمله فحذا حذوهم وسلك مسلكهم وكلف نفسه بعض ما حملوا أنفسهم عليه، واعتقد كما كانوا يعتقدون أنهم ليسوا بمعصومين.
ثم هو إذا تعلم لا يجد صبرًا على مشقة دعوة الناس إلي علم ما يعلم، وحملهم علي عرفان ما يعرف، ولا جلدًا على تحصيل الوسائل لنشر ما عنده بل متى لاقى أول معارضة قبع في بيته، وترك الخلق للخالق كما يقولون، يجلس الطالب للدرس، سنة أو سنتين ثم تعترضه مشقة التحصيل فيترك الدرس أو يتساهل في فهمه، أو يكل والده من الإنفاق عليه فيصرفه إلى حرفة أُخرى يظنها أربح له فينقطع عن الطلب، ويذهب في الجهل كل مذهب، وكل هذا من ضعف الصبر.
يبخل البخيل بماله ويجهد نفسه في جمعه وكنزه وتعرض له وجوه البر فيعرض عنها، ولا ينفق درهمًا في شيء منها، فيؤذي بذلك وطنه وملته، ويترك الشر والفقر يأكل قومه وأمته، ولو نظرنا إلى ما قبض يده لوجدناه ضعف الصبر، ولو صبر على محاربة خيال الفقر اللائح في ذهنه يهدده بالنزول به، لما أصيب بذلك المرض القاتل له ولأهله.
يسرف المسرف في الشهوات، ويتهتك المتهتك في المنكرات، حتى ينفذ المال، وتسوء الحال ويستبدل الذل بالعز، والفقر بالغنى، ولا سبب لذلك إلا ضياع صبره في مقاومة الهوى، وضبط نفسه عن مواقع الردى.
ولو صبر في مجاهدة تلك النزعات لما كان قد خسر ماله، وأفسد حاله.
وهكذا لو أردت أن أعد جميع الرذائل وأبحث عن عللها الأولى لوجدت أنها تنتهي إلى ضعف الصبر أو فقده.
ولو سردت جميع الفضائل وطلبت ينبوعها الذي تستمد منه حياتها ما وجدت لها ينبوعًا سوى الصبر.
أفلا يكون جديرًا بعد هذا بأن يخص بالذكر؟
"فالحق" حياة العلم، ومستنام السكينة، ومطمأن العقل، ومستقر الراحة للنفس.
"والصبر" مستمد الفضائل، ومدحرة الرذائل، وملاك الصالحات، ومسلاك الحسنات.
فجدير بهذين الأصلين الجليلين أن يخصا من بين أعمال الإنسان بالإشادة بذكرهما.
والتنويه بفضلهما.
ولفت النفوس إليهما خاصة.
لتبدأ بإحرازهما فتصلح بهما أعمالها كافة.
ربما تبين الناظر فيما ذكرنا وجه الحق في هذا الخبر الكريم وهو أن الإنسان في خسر إلا من استكمل لنفسه هذه الصفات التي ذكرت، ولكنا مع ذلك نزيده توضيحًا.
الإيمان بالمعنى الذي بيناه طور من أطوار النفوس البشرية ارتقت إليه، لتخلص من سوء حال كانت عليه النفوس البشرية في طموحها إلى الشهوات هي على نحو ما عليه العجماوات مع امتياز في قوة استحضار الفائت، وتمثيل الآتي، ففاقت سائر نفوس الحيوان في الحرص على نيل ما يلذ لها مما ألفته، وإدخار ما يوفر لها أضعافه فيما يستقبل من الزمن.
فكل نفس تستعمل قواها، في تحصيل ما يرمي إليه هواها.
فما أعظم الشر تتصوره في أشخاص من البشر لا هم لواحد منهم إلا تحصيل ما يتخيله لذيذًا أو نافعًا، وإتلاف ما يتمثله مؤلمًا أو ضارًا، ثم ينظر إلى ذلك في يد غيره فيثب عليه ليستخلصه منه لنفسه، أو يتلفه لزعمه أنه ضار به، ولا رادع للمعتدي إلا ما يكون من المعتدى عليه، ولا يصدق أحد منهم بأصل للخير أو للشر أو للفضيلة أو للرذيلة وإنما الخير عند كل واحد ما يلذه أو ينفعه سواء آلم غيره، أو أضره أم لم يكن كذلك.
أي شقاء يصيب النفوس البشرية إذا خلت من الشعور بذلك الأصل العظيم، أصل التمييز بين الخير والشر؟
فمن لم يكن مؤمنًا بهذا الأصل ولم يصدق بالحسنى كما ورد في سورة "الليل" فقد خسر خسرانًا مبينًا، الفرد الواحد من ذلك ينال نصيبه من الضلال، وسوء الحال، إذا خلا قلبه من ذلك الشعور فإنه يخبط في معاملته لمن معه علي غير هدى، فيصيبه منهم ما يصيبه من الأذى، ثم هو لا يزال قلق البال، حليف البلبال، كما لا يخفى.
ونصيب الأمة من ذلك أعظم من نصيب الفرد بما لاحد له.
من لم يؤمن بالقوة العظمى، والقدرة العليا، والحكمة السامية، والسيطرة القاهرة، التي ينتهي إليها كل عمل في الوجود، وبأن جميع ما عداها فهو في قبضتها، فقد قصر نظره، وضعف بصره، وعظم وهمه، ووهى معتمده، يرى كل قوة من القوى التي بين يديه كأنها مصدر وجوده، ومصرفة أموره، وإذا أصابه شيء من الشر لا يعرف له سببًا تخيل السبب شيئًا من تلك القوى كما يخطر بباله، أو أصاب شيئًا من الخير بدون كسب منه اخترع له وهمه مصدرًا كما يتفق له.
فتكثر عليه الأرباب، وتنسد في وجهه طرق الأسباب، ويعتمد في شؤونه على ما لا يصح الاعتماد عليه.
وهذا هو منشأ ضروب الوثنية، التي كانت سببًا في فساد العقول البشرية -والخسران الذي نزل بأهلها أفرادًا أو أممًا لا يخفى خبره على أحد- ولا يزال ينزل بها من الخسران ما يسوء أثره إلى اليوم.
أما من آمن بأن جميع القوى التي نراها إنما تصدر من قوة واحدة، وهي تحت نظام تدبره إرادة واحدة، وأن من الواجب على العاقل إذا جاءه شيء من الخير أو الشر لا يظهر له سببه أن يبحث بعقله حتى يقف على السبب، أو ينتهي إلي مقدر الأسباب فلا ريب أنه ينجو من شر ذلك الخبط، ويخلص من ورطة ذلك الخلط، ويستوي في نظره جميع ما هو في الكون، وتتساوي جميع أفراده عنده في أنها مربوبة لا يمتاز شيء منها علي آخر إلا بما ميز به من الخصائص وما يكون له من الآثار، فيسكن قلبه من كل ناحية، ومعظم اعتماده علي تلك القوة الواحدة.
ولا يأخذ في أعماله إلا بما سنته له.
فيعتبر ما وضعته من نظام الأسباب والمسببات، فيجري عليه ثابت الجأش مطمئن القلب، غير خائف من شيء بعدما عرف من القدرة الإلهية ما عرف.
من لم يؤمن بأن الحكمة السامية تقضي بأن يكون في البشر مبشرون ومنذرون يوضحون السبل، ويكشفون الحجب، ويغمض عينيه عن النظر في الأدلة التي تؤيد دعواهم، يحرم حظًا وافرًا من المعارف التي يصعب على عقله أو يستحيل عليه أن يصل إليها بدون واسطة هؤلاء المرشدين، ويلتبس عليه كثير من أمره، وتخفى عليه طرق الصواب في كثير من عمله.
فيقع في الشر وهو يسعى إلي الخير، ويصيبه الضر من حيث كان يطلب المنفعة: وأي خسران أعظم من هذا؟
من فقد الإيمان بالله على الوجه الذي بيناه فأقل ما يخسره قوة العزيمة بالاعتماد على من تحيط قوته بالأكوان.
وأدنى ما يفقده ركون النفس إلي سندها الأكبر عند نزول الشدائد.
وأخف ما يصيبه من الخسران تشتت الأهواء عليه واضطرابه بين دواعيها، وحرمانه من الهادي الذي يرشده إلى الوجهة التي ينبغي أن يولي وجهة نحوها، فيظل في حيرة لا خلاص له منها.
وأي شقاء أعظم منها؟
والأمم في هذا الشقاء كالأفراد.
الأعمال الصالحة تتبع الإيمان الصحيح في الأغلب، غير أن من الناس من يظن أن الإيمان قول يعبر عن خيال في النفس لا أثر له في العمل أو أنه اعتقاد يتخذه الشخص مميزًا له عن غيره في جامعة من الجوامع كاعتقاد المسلم بأنه من أهل التوحيد وأنه من أمة محمد ليتميز بذلك عن غيره من الملل.
وكاعتقاد كل ذي دين بما يظنه من دينه، ومع ذلك لا يأخذ نفسه بالعمل على سنن ذلك الدين، وهذا الإيمان لا ينجي صاحبه من الخسران بل لا بد في النجاة من العمل الصالح وقد بينا الأعمال الصالحة فيما سبق إجمالًا ولا خسار أعظم من خسار يحل بمن لم يأت تلك الأعمال سواء كان ذلك في الدنيا أو الآخرة.
وببيان الخسران بذلك المعنى الذي فهمته تعلم أنه عام في كل من فقد الإيمان وترك العمل الصالح سواء كان ممن لم تبلغهم دعوة الأنبياء وحاد عن سننهم أم كان ممن يسمونه "أهل الفترة" أم ممن لم بلغته إلى اليوم دعوة، سواء قلنا بنجاة هؤلاء في الآخرة أم لم نقل، فإن الخسر في الآية الكريمة ليس محدودًا بخسر الآخرة، وخسر الآخرة ليس محدودًا بالأبدي منه، فصريح الآيات أن من لم يكن من المؤمنين أو لم يعمل الصالحات فهو خاسر، أي ضال، أو وقع في شقاء، على ما سبق بيانه.
ولا ريب في عموم ذلك لجميع أصناف البشر في أي زمان وفي أي مكان وعلى أي حال.
بعد أن ذكر ركنين من أركان النجاة من الخسران في الأمم والأفراد جاء بركنين آخرين لا يتم كل منهما إلا بتعاون الأفراد ولا يمكن لفرد واحد أن يستقل به وهما ركنا التواصي بالحق والتواصي بالصبر على النحو الذي بينا، فإن التواصي لا يكون إلا من متعدد، فلا نجاة من الخسران إلا بأن يقوم الأفراد من الأمة مهما عظم عددهم بأن يوصي كل واحد منهم من يعرفه من الباقين بأن يطلب الحق ويلتزمه، وأن يأخذ بالصبر في جميع شؤونه.
فلو أن شخصًا واحدًا قام بذلك وأوصى غيره ولكن الباقين لم يقوموا بمثل ما قام به لحل الخسر بالجميع في الدنيا لا محالة.
فإن الأمة إذا غفل معظمها عن الحق والدعوة إليه ووهن الصبر في نفوسهم فلا محالة يستولي عليها الباطل وتضعف منها العزائم فيسوء حالها، وترمي بنفسها في الهلكة ﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ﴾ وأما في الآخرة فالخسار إنما يحيق بمن لم يوصِ أو من لم يسمع الوصية ولم يقبلها، فإن كان الموصي لم يحصل من وسائل التقريب ما يحتاج إليه، وكان نفور صاحبه من طريقة نصحه ولو سلك غيرها لقبل منه كان الخسار في الآخرة عليه كذلك، وأي نجاة لأمة يسكت أبناؤها علي المنكر يفشو بينهم ولا تتحرك نفوسهم إلي التناهي عنه، والمنكر مفسدة الأفراد ومقراض الأمم!!
التواصي بالحق والتواصي بالصبر يدخل فيهما الأمران -الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- لأن من أوصى بالحق ودعا إليه لا يتم له ذلك حتي ينهي عن الباطل ويصد عنه، ومن أوصى بالصبر على مشاق الأعمال الصالحة لا يكمل له ذلك حتي يبين مساوئ الأعمال الخبيثة وعواقب التفريط بترك تلك الصالحات فقد أودع الله في هذين الركنين، ركني الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في جميع الأعمال والأحوال، وقرر لنا أن لا نجاة لقوم من الخسران في الدنيا والآخرة إلا بأن يقوم كل واحد منهم بما يجب عليه من ذلك في القدر الذي يمكنه وعلي الوجه الذي يمكنه، وقد أكد لنا الخبر بما أورده من القسم فليس في الخبر تجوز، ولا فيما تضمنه من الأمر هوادة، فمن الواجب علي كل أمة تريد أن تنجو من الخسران أن تقوم بهذا الفرض، وهو التواصي بالخير، والتناهي عن الشر، أو التواصي بالحق والتواصي بالصبر، فإذا طرأ علي عوائد الأمة أو نزل بها من الحوادث ما بغض إليها التناصح أو حبب إليها التساهل في فريضة التواصي كان ذلك إنذارًا بحلول الخسار، وتعرضًا في الدنيا للعار والدمار، وفي الآخرة لعذاب النار.
ولا يجوز لأحد أن يتعلل بذلك التساهل إذا وقع من الأمة ويقنع نفسه بأنه عاجز عن النجاح في نصيحته ولهذا يكفيه أن ينكر المنكر بقلبه وبذلك ينجو من الخسران الأخروي إن لم ينج من الخسران الدنيوي، كما يتوهمه بعض المسلمين اليوم، خصوصًا أولئك الذين عرفوا بينهم بالعلماء، فقد أخطأوا الخطأ العظيم في زعمهم أن إعراض العامة عنهم ينجيهم من العقوبة الإلهية إذا لم يبذلوا النصح لهم ولم يبينوا لهم وجه الحق وإن أنكروه، وأكد خبره، ولا سبيل إلي التأويل في أمره، ولا إلي جحد ما يتلوه من أثره.
يحتج كثير من عامة أولئك العلماء بحديث: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه".
ولكنا نقول إنه لا يصح الاحتجاج به في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن تغيير المنكر عند رؤيته شيء يتعلق بأمر خاص وهو المنكر المعين الواقع من الشخص المعين، وقد يتسامح في معاملة الشخص المعين في حالة مخصوصة لشأن مخصوص، فإن ملكًا من الملوك أو أميرًا من الأمراء الظالمين لا يحتلم أن يقاله له: إن الأولى بك أن تفعل ما تفعل، أو ليتك لم تفعل هذا، أوليتك فعلت هذا.
فضلًا عن أن يقال له: أترك هذا فإنه منكر، أو أفعل هذا فإنه من المعروف.
وربما كانت كلمة من هذا القبيل سببًا في إتلاف نفس القائل، بسطوة ذلك الظالم، ولكن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم ينحصر في طلب تغيير المنكر في هذه الحالة المحدودة، بل ذلك شامل للوعظ العام في المساجد والطرق والأسواق والمنتديات وفي أوقات الاجتماع الخاصة وفي الحديث مع الأصحاب والأحبة وفي كل حال من أحوال الاجتماع خاصة وعامة.
ومثل هذا يستطيعه كل واحد من الناس على حسبه فلا يمكن لأحد أن يزعم أنه عاجز عن القيام بفرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإطلاق لأنه لا يوجد أحد يزعم العجز من جميع الوجوه عن هذا الذي بينا إلا أن يكون قد بلغ من العجز غاية لا يبلغها الحيوان الأعجم.
غير أنه يجب على العلماء ومن يتشبه بهم أن يتعلموا من وسائل القيام بالواجب، ما تدعوا إليه الحال علي حسب الأزمان واختلاف أحوال الأمم، وأول ما يجب عليهم في ذلك أن يتعلموا التاريخ الصحيح وعلم تكوين الأمم وارتفاعها وانحطاطها وعلم الأخلاق وأحوال النفس وعلم الحس والوجدان ونحو ذلك مما لا بد منه في معرفة مداخل الباطل إلي القلوب ومعرفة طرق التوفيق بين العقل والحق، وسبل التقريب بين اللذة والمنفعة الدنيوية والأخروية، ووسائل استمالة النفوس عن جانب الشر إلى جانب الخير.
فإن لم يحصلوا علم ذلك كله فوزر العامة عليهم، ولا تنفعهم دعوى العجز فإنهم ينفقون أزمانهم في القيل والقال، والبحث عن الألفاظ والأقوال، ما كان يكفيهم أن يكونوا بحار علم، وأعلام هدى ورشد، فليطلبوا العلم من سبله التي قام عليها السلف الصالح والله كفيل أن يمدهم بمعونته، أما وقد انقطعوا إلى ما يعجزهم عن القيام بأمره فلن يقبل الله لهم عذرًا، بل فليتربصوا حتى يأتي الله بأمره.
لو قضى الزمان بأن يكون من وسائل التمكن من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإشغال الناس بالحق عن الباطل، وبالطيب عن الخبيث أن يضرب الإنسان في الأرض، ويمسحها في الطول والعرض، وأن يتعلم اللغات الأجنبية ليقف علي ما فيها مما ينفعه فيستعمله وما يخشى ضرره على قومه فيدفعه، لوجب علي أهل العلم أن يأخذوا من ذلك بما يستطيعون، ولهم في سلف الأمة من القرن الأول إلي نهاية القرن الرابع من الهجرة أحسن أسوة، وأفضل قدوة، وكل ما يهونون به على أنفسهم مما يخالف ذلك فإنما هي وساوس الشيطان، يشغلهم بها عن النظر في معاني القرآن، ويحرمهم من التعرض لرحمة الرحمن.
بقيت مسألة كثر السؤال عنها، والإلحاح عَلَيَّ في التعرض لها، كلما ذهبت إلى مكان وجدت لها حاملًا، لا يلبث أن يتوجه إليّ سائلًا، وهي مسألة الاختيار والكسب ونسبة الأفعال الاختيارية إلى المبدأ وإلى خالق العبد، ولا أنكر أن هذه المسألة كانت من أعظم المسائل خطرًا علي الإسلام والمسلمين، ولكن كان في مرور الزمان وتتابع الحوادث ما يهدي الناس إلى أوجه الحق فيها ويرشدهم إلى أن يرجعوا إلى كتاب ربهم، وهدى نبيهم.
نزوع النفوس إلى الخوض في هذه المسألة ضرب من ضعف الصبر أو فقده.
الوجدان يشهد والحس يشاهد أن الذي يرفع يده بالسيف ويضرب آخر فيقتله هو الذي ضربه ويقول الرائي والمخبر: إن فلانًا قتل فلانًا أو ضربه أو اعتدى عليه: فنسبة الأفعال إلى من صدرت عنه من العباد مما لا يحتاج إلى بحث ولا نظر.
ثم جاء القرآن يقول: ﴿ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ ، ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ﴾ وغير ذلك من الآيات حتى قال في الآية التي يحتجون بها ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ﴾ فلو سلم أن المراد مما تعملون العمل نفسه فقد نسب العمل إليهم وقامت أحكام الشريعة جميعًا على هذا الأصل.
ولو كان فعل العبد ليس له لبطل تكليفه به إذ لا يعقل أن يدعى شخص إلى ما لا يقدر عليه، وأن يكلف بما لا أثر لإرادته فيه، ولو كان فعل القاتل ليس له لامتنع القصاص ولم تكن فيه لنا حياة.
فالعقل والشرع والحس والوجدان متضافرة على أن فعل العبد فعله.
وكون جميع الأشياء راجعة إلى الله تعالى ووجود الممكنات إنما هو نسبتها إليه ولا يتصور اعتبارها موجودة إلا إذا اعتبرت مستندة إليه -مما قام عليه الدليل بل كاد يصل إلى البداهة كذلك.
ومثل هذا يقال في عظيم قدرة الله تعالى وأنه إن شاء سلبنا من القدرة والاختيار ما وهبنا فهو أمر نشاهده كل يوم، ندبر شيئًا ثم يأتي من الموانع من تحقيقه ما لم يكن في الحسبان، ونتناول عملًا ثم تنقطع قدرتنا عن تتميمه، كل ذلك لا نزاع فيه، شمول علم الله لما كان ولما يكون قام عليه الدليل ولا شبهة فيه عند المليين فوجب على المسلم أن يعتقد بأن الله خالق كل شيء على النحو الذي يعلمه وأن يقر بنسبة عمله إليه كما هو بديهي عنده، ويعمل بما أمره به ويجتنب ما نهاه عنه باستعمال ذلك الاختيار الذي يجده من نفسه، وليس عليه بعد ذلك أن يرفع بصره إلى ما وراءه فقد نعى الله على المشركين قولهم ﴿ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ ﴾ ووردت الأحاديث متواترة المعنى في النهي عن الخوض في القدر وسره.
فلو صبر العبد حق الصبر لوقف عندما حد الله له ولم ينزع بنفسه إلى تعدي حدود الله التي ضربها لعباده.
ولست أحب التكلم في هذه المسألة بأكثر من هذا، وإلا خرجت من الصابرين، وخضت في القدر مع الخائضين.
ومن ثار به الهوس فتوهم أن علينا أن نعتقد أن العبد لا فعل له فقد خالف كتاب الله، وعصى رسول الله، وقد أقول -واعتمادي على الله فيما أقول-: إن من يقول ذلك يخرج عن دين الله، ويعطل شرع الله، فليحذر مؤمن بالله أن يقول ذلك، وأسأل الله أن يرشدنا جميعًا إلى ما فيه صلاح أنفسنا وأن يوفقنا للتواصي بالحق والتواصي بالصبر بفضله وكرمه.
قد يمر بخاطر سائل أن يسأل: إذا كان هذا الذي ذكر في هذه السورة هو حكم طبيعة الإنسان في كل فرد من أفراد المكلفين منه وإن من لم يكن على هذه الصفات فهو خاسر ضربًا من الخسران في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما، وأن من أخذ بالحظ الأوفر منها نجا من ذلك الخسران فما بالنا نرى من غير المؤمنين من يتمتع بالسعادة في هذه الدنيا، أممًا وأفرادًا، ونرى من المؤمنين من يغمره الشقاء، أممًا وآحادًا، وإذا شئت مثلًا لذلك فانظر إلى حال اليابانيين وهم وثنيون أو حال بعض الأمم الأوروبية التي لا يعتقد الكثير من أفرادها بالله ولا برسله وقارن بينهم وبين الأمم المؤمنة كالمسلمين مثلًا.
فندفع عنه هذا الخاطر بأن ما يراه في بعض الأمم من ظاهر السعادة ليس إلا لمعان السراب حتى إذا جاءه وحقق أمره لم يجده شيئًا.
قال "ماكس نوردو" في كتابه المسمى: (الأكاذيب العرفية لتمدننا) ما معناه: "إن الناس كانوا ولم يزالوا يطلبون الحق ولم يكونوا في زمان أبعد عنه منهم في هذا الزمان"، ثم قال ما ترجمته: "إنك لو طرقت أي باب تسأل: هل مرت السعادة بهذا البيت؟
لأجابك مجيب: "إذا شئت فأطرق بابًا آخر فإن السعادة لم تمر ببيتنا" وهو يقول ذلك بعد أن ذكر ما عليه حال الأمم الأوروبية جميعها ونسبته من السعادة والشقاء، وبعد أن أجمل من وصف أحوالهم والمصائب التي تتوقع لهم والآلام الشاغلة لقلوبهم أجمعين ما يرحمهم لأجله المقصرون عنهم، ويزهد الراغبين في مثل حالهم، ويصدهم عن اقتفاء آثارهم، وبيّن سبب ذلك وأنه بعدهم عن الحق، ونزوع أنفسهم إلى الباطل، وفقدهم الصبر في طلب المال وهرولتهم خلف داعي الشهوة، لا يعصمون له أمرًا، ولا يخالفون له إشارة، ومنشأ ذلك خلو نفوسهم من الركون إلى الإله الواحد خالق الجميع ورازق الأحياء، ومقدر الأسباب لمكاسبهم على حسب ما وهبهم من القوى والقدر.
ولو اطلعت على ما أخذ اليابانيين من ذلك وما تألم له نفوسهم من الأوهام الوثنية التي ما اتصلت بروح إلا أفقدتها السكينة وأوجدتها الاضطراب صعب عليك أن تحكم بأنهم سعداء، فإذا كان لهم شيء من السعادة فهو ببركة التواصي بالصبر أو عمل بعض الصالحات التي جعلها الله عمادًا للسعادة في هذه الحياة الدنيا كالأمانة والصدق وارتفاع الهمة والأخذ بالحق فيما يرفع الشأن ويكسب العزة.
أما حال المؤمنين -إن كانوا- فهو لا يخالف الحكم الوارد في الآيات الكريمة فإنا لا نعني ولا يعني عاقل بالسعادة وفرة المال ورفه العيش في ظاهر الأمر وإن كانت النفوس قلقة، والضمائر محترقة، ولكن السعادة سكون النفوس وراحة الضمائر، واطمئنان السرائر، والرضى الحقيقي بما وصل إلى اليد، والسعي المقارب إلى الرغيبة من سبلها المعروفة، مع المعرفة بتلك السبل، والاعتماد على الهادي إليها ولا أشك في أنك تجد هذه الطمأنينة عند المؤمن بالمعنى الذي قدمنا في أي أرض وجد، وفي أي أمة ولد، وأما المثل الذي ضربته وهو جملة المسلمين فإني أقول لك ولا أخشى لوم لائم: إن من كان مومنًا منهم وعمل الصالح وقام بفريضة التواصي بالحق والتواصي بالصبر فهو راضٍ عن نفسه، راض عن ربه، سعيد وإن كان بين الأشقياء، حكيم وإن وجد بين السفهاء، لا يعرف الشقاء إلا بما ينعكس إليه من صوره في نفوس غيره، وأما البقية فإن كانوا خاسرين فخسرانهم جاءهم من فقد الأركان الأربعة: أما الإيمان فلأنهم أخذوه اسمًا، واكتفوا به علمًا ورسمًا وورثوا عن الآباء والأمهات صورًا وعبارات ومثل عبادات، لا يحوك بصدرهم شيء من معناها، وأوفرهم حمية على التوحيد أملؤهم من الإشراك تحت أسماء اخترعها، وألقاب اختلقها "كالوسيلة" و "الواسطة" وما يشبه ذلك مما لم ينزل به الله سلطانًا، وأما العمل الصالح فكيف يجتمع مع الحسد والعداوة والكبرياء والجهل والكسل ونحو ذلك مما تراه في عامتهم، والأغلب من خاصتهم، وأما التواصي بالصبر فلم يبق له أثر بينهم يرون ما يرون من المنكرات، ويحسون بما يحسون من فاسد الاعتقاد، وكل منهم ساكت عما يرى ويحس من الآخر كأنه لا صلة بينهما في الدين، وكأن لم يرد في دينهم ما يدعوهم إلى التناصح، ولو أن واحدًا منهم نصح للآخر لقامت عليه قيامته، وظنه محتقرًا لمنزلته، غامطًا لحقه، ولو وجد من حذاقهم من يلومه ويقبح عمله، وكيف لا يخسر قوم هذا شأنهم؟
فلو أنهم راجعوا إلى دينهم، وأقاموا في أنفسهم هذه الأصول الأربعة لرأيتهم وقد وفاهم الله وعده في قوله: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً ﴾ ، ولخرجوا من حكم الوعيد الذي أنذرهم الله به من قبل في قوله: ﴿ وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ ﴾ .
﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ﴾ ، والله أعلم.