الآية ٣ من سورة العصر

الإسلام > القرآن > سور > سورة 103 العصر > الآية ٣ من سورة العصر

إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْا۟ بِٱلصَّبْرِ ٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 92 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣ من سورة العصر: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها.

تفسير الآية ٣ من سورة العصر عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

فاستثنى من جنس الإنسان عن الخسران الذين آمنوا بقلوبهم وعملوا الصالحات بجوارحهم " وتواصوا بالحق " وهو أداء الطاعات وترك المحرمات.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

( إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ) يقول: إلا الذين صدّقوا الله ووحَّدوه، وأقرّوا له بالوحدانية والطاعة، وعملوا الصالحات، وأدّوا ما لزمهم من فرائضه، واجتنبوا ما نهاهم عنه من معاصيه، واستثنى الذين آمنوا من الإنسان، لأن الإنسان بمعنى الجمع، لا بمعنى الواحد.

وقوله: ( وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ ) يقول: وأوصى بعضهم بعضا بلزوم العمل بما أنـزل الله في كتابه، من أمره، واجتناب ما نهى عنه فيه.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ ) والحق: كتاب الله.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن ( وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ ) قال: الحقّ كتاب الله.

حدثني عمران بن بكار الكلاعي، قال: ثنا خطاب بن عثمان، قال: ثنا عبد الرحمن بن سنان أبو روح السكوني، حمصيّ لقيته بإرمينية، قال: سمعت الحسن يقول في ( وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ ) قال: الحقّ: كتاب الله.

وقوله: ( وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ) يقول: وأوصى بعضهم بعضا بالصبر على العمل بطاعة الله.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ) قال: الصبر: طاعة الله.

حدثني عمران بن بكار الكُلاعي، قال: ثنا خطاب بن عثمان، قال: ثنا عبد الرحمن بن سنان أبو روح، قال: سمعت الحسن يقول في قوله: ( وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ) قال: الصبر: طاعة الله.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن الحسن ( وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ) قال: الصبر: طاعة الله.

آخر تفسير سورة والعصر

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبرقوله تعالى : إلا الذين آمنوا استئناء من الإنسان ; إذ هو بمعنى الناس على الصحيح .قوله تعالى : وعملوا الصالحات أي أدوا الفرائض المفترضة عليهم ; وهم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

قال أبي بن كعب : قرأت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والعصر ثم قلت ما تفسيرها يا نبي الله ؟

قال : والعصر قسم من الله ، أقسم ربكم بآخر النهار : إن الإنسان لفي خسر : أبو جهل إلا الذين آمنوا : أبو بكر ، وعملوا الصالحات عمر .

وتواصوا بالحق عثمان وتواصوا بالصبر علي .

- رضي الله عنهم - أجمعين .

وهكذا خطب ابن عباس على المنبر موقوفا عليه .وعنى وتواصوا أي تحابوا ; أوصى بعضهم بعضا وحث بعضهم بعضا .بالحق أي بالتوحيد ; كذا روى الضحاك عن ابن عباس .

قال قتادة : بالحق أي القرآن .

وقال السدي : الحق هنا هو الله - عز وجل - .وتواصوا بالصبر على طاعة الله - عز وجل - ، والصبر عن معاصيه وقد تقدم .

والله أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وقد يكون خاسرًا من بعض الوجوه دون بعض، ولهذا عمم الله الخسار لكل إنسان، إلا من اتصف بأربع صفات:الإيمان بما أمر الله بالإيمان به، ولا يكون الإيمان بدون العلم، فهو فرع عنه لا يتم إلا به.والعمل الصالح، وهذا شامل لأفعال الخير كلها، الظاهرة والباطنة، المتعلقة بحق الله وحق عباده ، الواجبة والمستحبة.والتواصي بالحق، الذي هو الإيمان والعمل الصالح، أي: يوصي بعضهم بعضًا بذلك، ويحثه عليه، ويرغبه فيه.والتواصي بالصبر على طاعة الله، وعن معصية الله، وعلى أقدار الله المؤلمة.فبالأمرين الأولين، يكمل الإنسان نفسه، وبالأمرين الأخيرين يكمل غيره، وبتكميل الأمور الأربعة، يكون الإنسان قد سلم من الخسار، وفاز بالربح [العظيم].

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) فإنهم ليسوا في خسر ، ( وتواصوا ) أوصى بعضهم بعضا ، ( بالحق ) بالقرآن ، قاله الحسن وقتادة ، وقال مقاتل : بالإيمان والتوحيد .

( وتواصوا بالصبر ) على أداء الفرائض وإقامة أمر الله .

وروى ابن عون عن إبراهيم قال : أراد أن الإنسان إذا عمر في الدنيا وهرم ، لفي نقص وتراجع إلا المؤمنين ، فإنهم يكتب لهم أجورهم ومحاسن أعمالهم التي كانوا يعملونها في شبابهم وصحتهم ، وهي مثل قوله : لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات» فليسوا في خسران «وتواصوا» أوصى بعضهم بعضاً «بالحق» الإيمان «وتواصوا بالصبر» على الطاعة وعن المعصية.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إلا الذين آمنوا بالله وعملوا عملا صالحًا، وأوصى بعضهم بعضًا بالاستمساك بالحق، والعمل بطاعة الله، والصبر على ذلك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - سبحانه - : ( إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات .

.

.

) استثناء مما قبله ، والمقصود بهذه الآية الكريمة تسلية المؤمنين الصادقين .

.

وتبشيرهم بأنهم ليسوا من هذا الفريق الخاسر .وقوله - تعالى - : ( وَتَوَاصَوْاْ ) فعل ماض ، من الوصية وهى تقديم النصح للغير مقرونا بالوعظ .و " الحق " : هو الأمر الذى ثبتت صحته ثبوتا قاطعا .

.و " الصبر " : قوة فى النفس تعينها على احتمال المكاره والمشاق ..أى : أن جميع الناس فى خسران ونقصان .

.

إلا الذين آمنوا بالله - تعالى - إيمانا حقا ، وعملوا الأعمال الصالحات ، من صلاة وزكاة وصيام وحج .

.

وغير ذلك من وجوه الخير ، وأوصى بعضهم بعضا بالتمسك بالحق ، الذى على رأسه الثبات على الإِيمان وعلى العمل الصالح .

.

وأوصى بعضهم بعضا كذلك بالصبر على طاعة الله - تعالى - ، وعلى البلايا والمصائب والآلام .

.

التى لا تخلو عنها الحياة .فهؤلاء المؤمنون الصادقون ، الذين أوصى بعضهم بعضا بهذه الفضائل ليسوا من بين الناس الذين هم فى خسران ونقصان ، لأن إيمانهم الصادق وعملهم الصالح .

.

قد حماهم من الخسران .

.قال بعض العلماء : وقد اشتملت هذه السورة الكريمة على الوعيد الشديد ، وذلك لأنه - تعالى - حكم بالخسارة على جميع الناس ، إلا من كان متصفا بهذه الأشياء الأربعة ، وهى : الإِيمان ، والعمل الصالح ، والتواصى بالحق ، والتواصى بالصبر ، فدل ذلك على أن النجاة معلقة بمجموع هذه الأمور ، وأنه كما يجب على الإِنسان أن يأتى من الأعمال ما فيه الخير والنفع ، يجب عليه - أيضا - أن يدعو غيره إلى الدين ، وينصحه بعمل الخير والبر ، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، ويحب لأخيه ما يحب لنفسه ، وأن يثبت على ذلك ، فلا يحيد عنه ، ولا يزحزحه عن الدعوة إليه ما يلاقيه من مشاق .نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا من أصحاب هذه الصفات .وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قوله تعالى: ﴿ إِلاَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات ﴾ .

اعلم أن الإيمان والأعمال الصالحة قد تقدم تفسيرهما مراراً، ثم هاهنا مسائل: المسألة الأولى: احتج من قال: العمل غير داخل في مسمى الإيمان، بأن الله تعالى عطف عمل الصالحات على الإيمان، ولو كان عمل الصالحات داخلاً في مسمى الإيمان لكان ذلك تكريراً ولا يمكن أن يقال: هذا التكرير واقع في القرآن، كقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ  ﴾ وقوله: ﴿ وَمَلَئِكَتُهُ وَجِبْرِيلَ وميكال  ﴾ أنا نقول هناك: إنما حسن، لأن إعادته تدل على كونه أشرف أنواع ذلك الكلي، وعمل الصالحات ليس أشرف أنواع الأمور المسماة بالإيمان، فبطل هذا التأويل.

قال الحليمي: هذا التكرير واقع لا محالة، لأن الإيمان وإن لم يشتمل على عمل الصالحات، لكن قوله: ﴿ وَعَمِلُواْ الصالحات ﴾ يشتمل على الإيمان، فيكون قوله: ﴿ وعملوا لصالحات ﴾ مغنياً عن ذكر قوله: ﴿ الذين كَفَرُواْ ﴾ وأيضاً فقوله: ﴿ وَعَمِلُواْ الصالحات ﴾ يشتمل على قوله: ﴿ وَتَوَاصَوْاْ بالحق وَتَوَاصَوْاْ بالصبر ﴾ فوجب أن يكون ذلك تكراراً، أجاب الأولون وقالوا: إنا لا نمنع ورود التكرير لأجل التأكيد، لكن الأصل عدمه، وهذا القدر يكفي في الاستدلال.

المسألة الثانية: احتج القاطعون بوعيد الفساق بهذه الآية، قالوا: الآية دلت على أن الإنسان في الخسارة مطلقاً، ثم استثنى: ﴿ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات ﴾ والمعلق على الشرطين مفقود عند فقد أحدهما، فعلمنا أن من لم يحصل له الإيمان والأعمال الصالحة، لابد وأن يكون في الخسار في الدنيا وفي الآخرة، ولما كان المستجمع لهاتين الخصلتين في غاية القلة، وكان الخسار لازماً لمن لم يكن مستجمعاً لهما كان الناجي أقل من الهالك، ثم لو كان الناجي أكثر كان الخوف عظيماً حتى لا تكون أنت من القليل، كيف والناجي أقل؟

أفلا ينبغي أن يكون الخوف أشد!.

المسألة الثالثة: أن هذا الاستثناء فيه أمور ثلاثة أحدها: أنه تسلية للمؤمن من فوت عمره وشبابه، لأن العمل قد أوصله إلى خير من عمره وشبابه.

وثانيها: أنه تنبيه على أن كل ما دعاك إلى طاعة الله فهو الصلاح، وكل ما شغلك عن الله بغيره فهو الفساد.

وثالثها: قالت المعتزلة: تسمية الأعمال بالصالحات تنبيه على أن وجه حسنها ليس هو الأمر على ما يقوله الأشعرية، لكن الأمر إنما ورد لكونها في أنفسها مشتملة على وجوه الصلاح، وأجابت الأشعرية بأن الله تعالى وصفها بكونها صالحة، ولم يبين أنها صالحة بسبب وجوه عائدة إليها أو بسبب الأمر.

المسألة الرابعة: لسائل أن يسأل، فيقول: إنه في جانب الخسر ذكر الحكم ولم يذكر السبب وفي جانب الربح ذكر السبب، وهو الإيمان والعمل الصالح، ولم يذكر الحكم فما الفرق قلنا: إنه لم يذكر سبب الخسر لأن الخسر كما يحصل بالفعل، وهو الإقدام على المعصية يحصل بالترك، وهو عدم الإقدام على الطاعة، أما الربح فلا يحصل إلا بالفعل، فلهذا ذكر سبب الربح وهو العمل، وفيه وجه آخر، وهو أنه تعالى في جانب الخسر أبهم ولم يفصل، وفي جانب الربح فصل وبين، وهذا هو اللائق بالكرم.

أما قوله تعالى: ﴿ وَتَوَاصَوْاْ بالحق وَتَوَاصَوْاْ بالصبر ﴾ .

فاعلم أنه تعالى لما بين في أهل الاستثناء أنهم بإيمانهم وعملهم الصالح خرجوا عن أن يكونوا في خسر وصاروا أرباب السعادة من حيث إنهم تمسكوا بما يؤديهم إلى الفوز بالثواب والنجاة من العقاب وصفهم بعد ذلك بأنهم قد صاروا لشدة محبتهم للطاعة لا يقتصرون على ما يخصهم بل يوصون غيرهم بمثل طريقتهم ليكونوا أيضاً سبباً لطاعات الغير كما ينبغي أن يكون عليه أهل الدين وعلى هذا الوجه قال تعالى: ﴿ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً  ﴾ فالتواصي بالحق يدخل فيه سائر الدين من علم وعمل، والتواصي بالصبر يدخل فيه حمل النفس على مشقة التكليف في القيام بما يجب، وفي اجتنابهم ما يحرم إذ الإقدام على المكروه، والإحجام عن المراد كلاهما شاق شديد، وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: هذه الآية فيها وعيد شديد، وذلك لأنه تعالى حكم بالخسار على جميع الناس إلا من كان آتياً بهذه الأشياء الأربعة، وهي الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، فدل ذلك على أن النجاة معلقة بمجموع هذه الأمور وإنه كما يلزم المكلف تحصيل ما يخص نفسه فكذلك يلزمه في غيره أمور، منها الدعاء إلى الدين والنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يحب له ما يحب لنفسه، ثم كرر التواصي ليضمن الأول الدعاء إلى الله، والثاني الثبات عليه، والأول الأمر بالمعروف والثاني النهي عن المنكر، ومنه قوله: ﴿ وانه عَنِ المنكر واصبر  ﴾ وقال عمر: رحم الله من أهدى إلي عيوبي.

المسألة الثانية: دلت الآية على أن الحق ثقيل، وأن المحن تلازمه، فلذلك قرن به التواصي.

المسألة الثالثة: إنما قال: ﴿ وَتَوَاصَوْاْ ﴾ ولم يقل: ويتواصون لئلا يقع أمراً بل الغرض مدحهم بما صدر عنهم في الماضي، وذلك يفيد رغبتهم في الثبات عليه في المستقبل.

المسألة الرابعة: قرأ أبو عمرو: ﴿ بالصبر ﴾ بشم الباء شيئاً من الحرف، لا يشبع قال أبو علي: وهذا مما يجوز في الوقف، ولا يكون في الوصل إلا على إجراء الوصل مجرى الوقف، وهذا لا يكاد يكون في القراءة، وعلى هذا ما يروى عن سلام بن المنذر أنه قرأ، والعصر بكسر الصاد ولعله وقف لانقطاع نفس أو لعارض منعه من إدراج القراءة، وعلى هذا يحمل لا على إجراء الوصل مجرى الوقف، والله سبحانه وتعالى أعلم.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

أقسم بصلاة العصر لفضلها، بدليل قوله تعالى: (والصلاة الوسطى) صلاة العصر، في مصحف حفصة.

وقوله عليه الصلاة والسلام: «من فاتته العصر فكأنما وتر أهله وماله» ولأنّ التكليف في أدائها أشقّ لتهافت الناس في تجاراتهم ومكاسبهم آخر النهار، واشتغالهم بمعايشهم.

أو أقسم بالعشي كما أقسم بالضحى لما فيهما جميعاً من دلائل القدرة.

أو أقسم بالزمان لما في مروره من أصناف العجائب.

والإنسان: للجنس.

والخسر: الخسران، كما قيل: الكفر في الكفران.

والمعنى: أن الناس في خسران من تجارتهم إلاّ الصالحين وحدهم، لأنهم اشتروا الآخرة بالدنيا، فربحوا وسعدوا، ومن عداهم تجروا خلاف تجارتهم، فوقعوا في الخسارة والشقاوة ﴿ وَتَوَاصَوْاْ بالحق ﴾ بالأمر الثابت الذي لا يسوغ إنكاره، وهو الخير كله: من توحيد الله وطاعته، واتباع كتبه ورسله، والزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة ﴿ وَتَوَاصَوْاْ بالصبر ﴾ عن المعاصي وعلى الطاعات، على ما يبلو الله به عباده.

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة والعصر غفر الله له وكان ممن تواصى بالحق وتواصى بالصبر» .

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ فَإنَّهُمُ اشْتَرَوُا الآخِرَةَ بِالدُّنْيا فَفازُوا بِالحَياةِ الأبَدِيَّةِ والسَّعادَةِ السَّرْمَدِيَّةِ.

﴿ وَتَواصَوْا بِالحَقِّ ﴾ الثّابِتِ الَّذِي لا يَصِحُّ إنْكارُهُ مِنِ اعْتِقادٍ أوْ عَمَلٍ.

﴿ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾ عَنِ المَعاصِي أوْ عَلى الحَقِّ، أوْ ما يَبْلُو اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ.

وهَذا مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ لِلْمُبالَغَةِ إلّا أنْ يُخَصَّ العَمَلُ بِما يَكُونُ مَقْصُورًا عَلى كَمالِهِ، ولَعَلَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إنَّما ذَكَرَ سَبَبَ الرِّبْحِ دُونَ الخُسْرانِ اكْتِفاءً بِبَيانِ المَقْصُودِ، وإشْعارًا بِأنَّ ما عَدا ما عَدَّ يُؤَدِّي إلى خُسْرٍ ونَقْصِ حَظٍّ، أوْ تَكَرُّمًا فَإنَّ الإبْهامَ في جانِبِ الخُسْرِ كَرَمٌ.

عَنِ النَّبِيِّ  : «مَن قَرَأ سُورَةَ والعَصْرِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وكانَ مِمَّنْ تَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ».»

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إلا الذين آمنوا وَعَمِلُواْ الصالحات} فإنهم اشتروا الآخرة بالدنيا فربحوا وسعدوا {وَتَوَاصَوْاْ بالحق} بالأمر الثابت الذي لا يسوغ إنكاره وهو الخير كله من توحيد الله وطاعته واتباع كتبه ورسله {وَتَوَاصَوْاْ بالصبر} عن المعاصى أو على الطاعات وعلى ما يبلو به الله عباده وَتَوَاصَوْاْ في الموضعين فعل ماضٍ معطوف على ماض قبله والله أعلم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾ فَإنَّهم في تِجارَةٍ لَنْ تَبُورَ حَيْثُ باعُوا الفانِي الخَسِيسَ واشْتَرَوُا الباقِيَ النَّفِيسَ.

واسْتَبْدَلُوا الباقِياتِ الصّالِحاتِ بِالغادِياتِ الرّائِحاتِ فَيا لَها مِن صَفْقَةٍ ما أرْبَحَها، ومَنفَعَةٍ جامِعَةٍ لِلْخَيْرِ ما أوْضَحَها.

والمُرادُ بِالمَوْصُولِ كُلُّ مَنِ اتَّصَفَ بِعُنْوانِ الصِّلَةِ لا عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وسَلْمانُ الفارِسِيُّ رِضى اللَّهِ تَعالى عَنْهُ فَقَطْ كَما يُتَوَهَّمُ مِنَ اقْتِصارِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما في الذِّكْرِ عَلَيْهِما، بَلْ هُما داخِلانِ في ذَلِكَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، ومِثْلُ ذَلِكَ اقْتِصارُهُ في الإنْسانِ الخاسِرِ عَلى أبِي جَهْلٍ وهو ظاهِرٌ.

وهَذا بَيانٌ لِتَكْمِيلِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وتَواصَوْا بِالحَقِّ ﴾ إلَخْ بَيانٌ لِتَكْمِيلِهِمْ لِغَيْرِهِمْ، أيْ وصّى بَعْضُهم بَعْضًا بِالأمْرِ الثّابِتِ الَّذِي لا سَبِيلَ إلى إنْكارِهِ ولا زَوالَ في الدّارَيْنِ لِمَحاسِنِ آثارِهِ، وهو الخَيْرُ كُلُّهُ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ واتِّباعِ كُتُبِهِ ورُسُلِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في كُلِّ عَقْدٍ وعَمَلٍ.

﴿ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾ عَنِ المَعاصِي الَّتِي تَشْتاقُ إلَيْها النَّفْسُ بِحُكْمِ الجِبِلَّةِ البَشَرِيَّةِ وعَلى الطّاعاتِ الَّتِي يَشُقُّ عَلَيْها أداؤُها وعَلى ما يَبْتَلِي اللَّهُ تَعالى بِهِ عِبادَهُ مِنَ المَصائِبِ والصَّبْرُ المَذْكُورُ داخِلٌ في الحَقِّ، وذُكِرَ بَعْدَهُ مَعَ إعادَةِ الجارِّ والفِعْلِ المُتَعَلِّقِ هو بِهِ لِإبْرازِ كَمالِ العِنايَةِ بِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأوَّلُ عِبارَةَ رُتْبَةِ العِبادَةِ الَّتِي هي فِعْلُ ما يُرْضِي اللَّهَ تَعالى، والثّانِي عِبارَةُ رُتْبَةِ العُبُودِيَّةِ الَّتِي هي الرِّضا بِما فَعَلَ اللَّهُ تَعالى؛ فَإنَّ المُرادَ بِالصَّبْرِ لَيْسَ مُجَرَّدَ حَبْسِ النَّفْسِ عَمّا تَتُوقُ إلَيْهِ مِن فِعْلٍ أوْ تَرْكٍ بَلْ هو تَلَقِّي ما ورَدَ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ بِالجَمِيلِ والرِّضا بِهِ باطِنًا وظاهِرًا.

وقَرَأ سَلّامٌ وهارُونُ وابْنُ مُوسى عَنْ أبِي عَمْرٍو: «والعَصِرِ» بِكَسْرِ الصّادِ «والصَّبِرِ» بِكَسْرِ الباءِ؛ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا لا يَجُوزُ إلّا في الوَقْفِ عَلى نَقْلِ الحَرَكَةِ، ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِالصَّبِرِ بِكَسْرِ الباءِ إشْمامًا، وهَذا كَما قالَ لا يَكُونُ أيْضًا إلّا في الوَقْفِ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: قَرَأ عِيسى البَصْرَةِ: «بِالصَّبِرِ» بِنَقْلِ حَرَكَةِ الرّاءِ إلى الباءِ؛ لِئَلّا يُحْتاجَ إلى أنْ يُؤْتى بِبَعْضِ الحَرَكَةِ في الوَقْفِ ولا إلى أنْ يُسَكِّنَ فَيُجْمَعَ بَيْنَ ساكِنَيْنِ، وذَلِكَ لُغَةٌ شائِعَةٌ ولَيْسَتْ بِشاذَّةٍ بَلْ مُسْتَفِيضَةٌ، وذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى الإعْرابِ وانْفِصالٌ مِنَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ وتَأْدِيَةُ حَقِّ المَوْقُوفِ عَلَيْهِ مِنَ السُّكُونِ انْتَهى.

ومِن هَذا كَما في البَحْرِ قَوْلُهُ: أنا جَرِيرٌ كُنْيَتِي أبُو عَمِرْ أضْرِبُ بِالسَّيْفِ وسَعْدٌ في العَصِرْ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهم عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: «والعَصْرِ ونَوائِبِ الدَّهْرِ إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ وإنَّهُ لَفِيهِ إلى آخِرِ الدَّهْرِ».

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي داوُدَ في المَصاحِفِ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ أنَّهُ قَرَأ: «والعَصْرِ إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ وإنَّهُ لَفِيهِ إلى آخِرِ الدَّهْرِ إلّا الَّذِينَ آمَنُوا».

وذَكَرَ أنَّها قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، هَذا واسْتَدَلَّ بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ بِما في هَذِهِ السُّورَةِ عَلى أنَّ مُرْتَكِبَ الكَبِيرَةِ مُخَلَّدٌ في النّارِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَسْتَثْنِ فِيها عَنِ الخُسْرِ إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ إلَخْ.

وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّهُ لا دَلالَةَ في ذَلِكَ عَلى أكْثَرَ مِن كَوْنِ غَيْرِ المُسْتَثْنى في خُسْرٍ، وأمّا عَلى كَوْنِهِ مُخَلَّدًا في النّارِ فَلا كَيْفَ، والخُسْرٌ عامٌّ؛ فَهو إمّا بِالخُلُودِ إنْ ماتَ كافِرًا، وإمّا بِالدُّخُولِ النّارَ إنْ ماتَ عاصِيًا، ولَمْ يَغْفِرُوا ما بِفَوْتِ الدَّرَجاتِ العالِياتِ إنْ غَفَرَ وهو جَوابٌ حَسَنٌ.

ولِلشَّيْخِ الماتُرِيدِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في التَّقَصِّي عَنْ ذَلِكَ تَكَلُّفاتٌ مَذْكُورَةٌ في التَّأْوِيلاتِ فَلا تَغْفُلْ.

وفي السُّورَةِ مِنَ النَّدْبِ إلى الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وأنْ يُحِبَّ المَرْءُ لِأخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ ما لا يَخْفى.

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي ثلاث آيات مكية قوله تعالى: وَالْعَصْرِ قال علي بن أبي طالب  يعني: الدهر وروي عن ابن عباس  ما أنه قال يعني: صلاة الصعر وذلك أن أبا بكر لما أسلم قالوا: خَسِرْتَ يا أبا بكر حين تركت دين أبيك، فقال أبو بكر: ليس الخسارة في قبول الحق إنما الخسارة في عبادة الأوثان التي لا تسمع ولا تبصر ولا تغني عنكم فنزل جبريل-  - بهذه الآية (والعصر) .

أقسم الله تعالى بصلاة العصر إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ يعني: أن الكافر لفي خسارة وروي عن محمد بن كعب القرظي أنه قال «إن الإنسان لَفِى خُسْرٍ» يعني: أن الكافر لفي خسارة وروي عن محمد بن كعب القرظي أنه قال «إن الإنسان لفى خسر» يعني: الناس كلهم ثم استثنى فقال عز وجل إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فإنهم غير منقوصين قال القتبي الخسر النقصان إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير منقوص كما قال الله تعالى (ثم رددناه أسفَلَ سَافِلِينَ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غَيْرُ مَمْنُونٍ) يعني: يكتب لهم ثواب عملهم وإن ضعفوا عن العمل قال الزجاج إن الإنسان أراد به الناس والخسران واحد ومعناه إن الإنسان الكافر والعاملين بغير طاعة الله تعالى لفي خسر وروي عن علي بن أبي طالب  أنه قرأ والعصر ونوائب الدهر إن الإنسان لفي خسر وإنه لفي لعنة إلى آخر الدهر ويقال أقسم الله تعالى بخالق الدهر إن الإنسان لفي خسر يعني: أبا جهل والوليد بن المغيرة ومن كان في مثل حالهما ثم استثنى المؤمنين فقال: إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات يعني: أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً رضوان الله تعالى عليهم أجمعين وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ يعني: تحاثوا على القرآن يعني: يُرَغِّبون في الإيمان بالقرآن والأعمال الصالحة وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ يعني: تحاثوا على الصبر على عبادة الله تعالى وعلى الشدائد فيرغبون الناس على ذلك ويقال بالصبر على المكاره فإن الجنة حفت بالمكاره والله تعالى أعلم بالصواب.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ العَصْرِ وَفِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها مَكِّيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الزُّبَيْرِ، والجُمْهُورُ.

والثّانِي: مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والعَصْرِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الدَّهْرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

وإنَّما أقْسَمَ بِالدَّهْرِ لِأنَّ فِيهِ عِبْرَةً لِلنّاظِرِ مِن مُرُورِ اللَّيْلِ والنَّهارِ عَلى تَقْدِيرٍ لا يَنْخَرِمُ.

والثّانِي: أنَّهُ العَشِيُّ، وهو ما بَيْنَ زَوالِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ.

والثّالِثُ: صَلاةُ العَصْرِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو جَوابُ القَسَمِ.

والإنْسانُ هاهُنا بِمَعْنى النّاسِ، كَما تَقُولُ: كَثُرَ الدِّرْهَمُ في أيْدِي النّاسِ، تُرِيدُ الدَّراهِمَ.

والخُسْرُ والخُسْرانُ في مَعْنًى واحِدٍ.

قالَ أهْلُ المَعانِي: الخُسْرُ: هَلاكُ رَأْسِ المالِ أوْ نَقْصُهُ.

فالإنْسانُ إذا لَمْ يَسْتَعْمِلْ نَفْسَهُ فِيما يُوجِبُ لَهُ الرِّبْحَ الدّائِمَ، فَهو في خُسْرانٍ، لِأنَّهُ عَمِلَ في إهْلاكِ نَفْسِهِ، وهُما أكْبَرُ رَأْسِ مالِهِ ﴿ إلا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ أيْ: صَدَقُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ، وعَمِلُوا بِالطّاعَةِ ﴿ وَتَواصَوْا بِالحَقِّ ﴾ أيْ: بِالتَّوْحِيدِ، والقُرْآنِ، واتِّباعِ الرَّسُولِ ﴿ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾ عَلى طاعَةِ اللَّهِ، والقِيامِ بِشَرِيعَتِهِ.

وقالَ إبْراهِيمُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ: إنَّ الإنْسانَ إذا عُمِّرَ في الدُّنْيا لَفي نَقْصٍ وضَعْفٍ، إلّا المُؤْمِنِينَ، فَإنَّهم يُكْتَبُ لَهم أُجُورُ أعْمالِهِمُ الَّتِي كانُوا يَعْمَلُونَ في شَبابِهِمْ وصِحَّتِهِمْ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ العَصْرِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ والعَصْرِ ﴾ ﴿ إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ ﴾ ﴿ إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَبْرِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: العَصْرِ: الدَهْرُ، يُقالُ فِيهِ: عَصْرٌ وعَصُرٌ - بِضَمِّ العَيْنِ والصادِ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ: .......

وهَلْ يَعُمْنَ مَن كانَ في العَصْرِ الخالِي؟

وقالَ قَتادَةُ: العَصْرُ: العَشِيُّ، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: «سَألْتُ النَبِيَّ  عَنِ العَصْرِ فَقالَ: "أقْسَمَ رَبُّكم بِآخِرِ النَهارِ"،» وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ -وَذَكَرَهُ أبُو عَلِيٍّ - العَصْرُ: اليَوْمُ، والعَصْرُ: اللَيْلَةُ، ومِنهُ قَوْلُ حُمَيْدً: ولَنْ يَلْبَثَ العَصْرانِ: يَوْمٌ ولَيْلَةٌ ∗∗∗ إذا طَلَبا أنْ يُدْرِكا ما تَيَمَّما وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: العَصْرُ بُكْرَةً، والعَصْرُ عَشِيَّةً، وهُما الأبْرَدانِ، وقالَ مُقاتِلٌ: العَصْرُ هي الصَلاةُ الوُسْطى، أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِها.

و"الإنْسانُ" اسْمُ جِنْسٍ، و"الخُسْرُ": النُقْصانُ وسُوءُ الحالِ، وذَلِكَ بَيِّنٌ غايَةَ البَيانِ في الكافِرِ أنَّهُ خَسِرَ الدُنْيا والآخِرَةَ، وذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ، وأمّا المُؤْمِنُ -وَإنْ كانَ في خُسْرٍ في دُنْياهُ في هَرَمِهِ وما يُقاسِيهِ مِن شَقاءِ هَذِهِ الدارِ- مَعْفُوٌّ عنهُ في جانِبِ فَلاحِهِ في الآخِرَةِ، ورِبْحِهِ الَّذِي لا يَفْنى، ومَن كانَ في مُدَّةِ عُمْرِهِ في التَواصِي بِالحَقِّ والصَبْرِ والعَمَلِ بِحَسَبِ الوُصاةِ فَلا خُسْرَ مَعَهُ، وقَدْ جَمَعَ لَهُ الخَيْرَ كُلَّهُ.

وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "والعَصْرُ، ونَوائِبُ الدَهْرِ، إنَّ الإنْسانَ"، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: "والعَصْرِ لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في خُسْرٍ"، ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قَرَأ: "إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ، وإنَّهُ فِيهِ إلى آخِرِ الدَهْرِ، إلّا الَّذِينَ"، وقَرَأ عاصِمٌ، والأعْرَجُ: "لَفِي خُسُرٍ" بِضَمِّ السِينِ، وقَرَأ سَلّامُ أبُو المُنْذِرِ: "والعَصْرِ" بِكَسْرِ الصادِ، "والصَبِرِ" بِكَسْرِ الباءِ، وهَذا لا يَجُوزُ إلّا في الوَقْفِ عَلى نَقْلِ الحَرَكَةِ، ورُوِي عن أبِي عَمْرٍو: "بِالصَبْرِ" بِكَسْرِ الباءِ إشْمامًا وهَذا أيْضًا لا يَكُونُ إلّا في الوَقْفِ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [ العَصْرِ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

أقسم الله تعالى بالعصر قسماً يراد به تأكيد الخبر كما هو شأن أقسام القرآن.

والمقسَم به من مظاهر بديع التكوين الرباني الدال على عظيم قدرته وسعة علمه.

وللعصر معاننٍ يتعين أن يَكون المراد منها لا يعدو أن يكون حالة دالة على صفة من صفات الأفعال الربانية، يتعين إما بإضافته إلى ما يُقدر، أو بالقرينة، أو بالعهد، وأيَّاً ما كان المرادُ منه هنا فإن القسم به باعتبار أنه زمن يذكِّر بعظيم قدرة الله تعالى في خلق العالم وأحواله، وبأمور عظيمة مباركة مثل الصلاة المخصوصة أو عصرٍ معين مبارك.

وأشهر إطلاق لفظ العصر أنه علَم بالغلبة لوقتتٍ ما بين آخر وقت الظهر وبين اصفرار الشمس فمبدؤه إذا صار ظل الجسم مثلَه بعد القَدْر الذي كان عليه عند زوال الشمس ويمتد إلى أن يصير ظلُّ الجسم مثلَيْ قدرِه بعد الظل الذي كان له عند زوال الشمس.

وذلك وقت اصفرار الشمس، والعصر مبدأ العشيّ.

ويعقبه الأصيل والاحمرار وهو ما قبل غروب الشمس، قال الحارث بن حِلزة: آنستْ نبأة وأفزَعها القَنَّ *** اصُ عَصراً وقَدْ دَنَا الإِمساء فذلك وقت يؤذن بقرب انتهاء النهار، ويذكر بخلقة الشمس والأرض، ونظام حركة الأرض حول الشمس، وهي الحركة التي يتكون منها الليل والنهار كل يوم وهو من هذا الوجه كالقسم بالضحى وبالليل والنهار وبالفجر من الأحوال الجوية المتغيرة بتغير توجه شعاع الشمس نحو الكرة الأرضية.

وفي ذلك الوقت يتهيأ الناس للانقطاع عن أعمالهم في النهار كالقيام على حقولهم وجنَّاتهم، وتجاراتهم في أسواقهم، فيذكر بحكمة نظام المجتمع الإِنساني وما ألهم الله في غريزته من دأب على العمل ونظاممٍ لابتدائه وانقطاعه.

وفيه يتحفز الناس للإِقبال على بيوتهم لمبيتهم والتأنس بأهليهم وأولادهم.

وهو من النعمة أو من النعيم، وفيه إيماء إلى التذكير بمَثَل الحياة حين تدنو آجال الناس بعد مضي أطوار الشباب والاكتهال والهَرم.

وتعريفه باللام على هذه الوجوه تعريف العهد الذهني أي كل عَصْر.

ويطلق العصر على الصلاة الموقتة بوقت العَصر.

وهي صلاة معظمة.

قيل: هي المراد بالوسطى في قوله تعالى: ﴿ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ﴾ [البقرة: 238].

وجاء في الحديث: «من فاتته صلاة العصر فكأنما وُتِرَ أهلَه ومالَه».

وورد في الحديث الصحيح: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة» فذَكَر «ورجل حلف يميناً فاجرة بعد العصر على سلعة لقد أعطي بها ما لم يُعْطَ» وتعريفه على هذا تعريف العهد وصار علَماً بالغلبة كما هو شأن كثير من أسماء الأجناس المعرفة باللام مثل العَقَبَة.

ويطلق العصر على مدة معلومة لوجود جِيل من الناس، أو مَلِك أو نبيء، أو دين، ويعيَّن بالإِضافة، فيقال: عصر الفِطَحْل، وعصر إبراهيم، وعصر الإِسكندر، وعصر الجاهلية، فيجوز أن يكون مراد هذا الإِطلاق هنا ويكون المعنيّ به عصرَ النبي صلى الله عليه وسلم والتعريف فيه تعريف العهد الحضوري مثل التعريف في (اليوم) من قوْلك: فعلت اليوم كذا، فالقسم به كالقسم بحياته في قوله تعالى: ﴿ لعمرك ﴾ [الحجر: 72].

قال الفخر: فهو تعالى أقسم بزمانه في هذه الآية وبمكانه في قوله تعالى: ﴿ وأنت حل بهذا البلد ﴾ [البلد: 2] وبعمره في قوله: ﴿ لعمرك ﴾ .

اه.

ويجوز أن يراد عصر الإِسلام كلِه وهو خاتمة عصور الأديان لهذا العالم وقد مثَّل النبي صلى الله عليه وسلم عصر الأمة الإِسلامية بالنسبة إلى عصر اليهود وعصر النصارى بما بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس بقوله: «مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر أجراء يعملون له يوماً إلى الليل فعملت اليهود إلى نصف النهار ثم قالوا: لا حاجة لنا إلى أجرك وما عملنا باطل، واستأجر آخرين بعدهم فقال: أكملوا بقية يومكم ولكم الذي شرطت لهم فعملوا حتى إذا كان حين صلاة العصر قالوا: لك ما عملنا باطل ولك الأجر الذي جعلتَ لنا، واستأجر قوماً أن يعملوا بقيةَ يومهم فعملوا حتى غابت الشمس واستكملوا أجر الفريقين كليهما فأنتم هُم».

فلعل ذلك التمثيل النبوي له اتصال بالرمز إلى عصر الإِسلام في هذه الآية.

ويجوز أن يفسر العصر في هذه الآية بالزمان كله، قال ابن عطية: قال أبي بن كعب: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العصر فقال: أقسم ربكم بآخر النهار.

وهذه المعاني لا يفي باحتمالها غير لفظ العصر.

ومناسبة القَسَم بالعَصر لغرض السورة على إرادة عصر الإِسلام ظاهرة فإنها بينت حال الناس في عصر الإِسلام بين مَن كفر به ومن آمن واستوفى حظه من الأعمال التي جاء بها الإِسلام، ويعرف منه حالُ من أسلموا وكان في أعمالهم تقصير متفاوت، أما أحوال الأمم التي كانت قبل الإِسلام فكانت مختلفة بحسب مجيء الرسل إلى بعض الأمم، وبقاء بعض الأمم بدون شرائع متمسكة بغير دين الإِسلام من الشرك أو بدين جاء الإِسلام لنسخه مثل اليهودية والنصرانية قال تعالى: ﴿ من يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ﴾ في سورة آل عمران (85).

وتعريف الإنسان} تعريف الجنس مراد به الاستغراق وهو استغراق عرفي لأنه يستغرق أفراد النوع الإِنساني الموجودين في زمن نزول الآية وهو زمن ظهور الإِسلام كما علمت قريباً.

ومخصوص بالناس الذين بلغتهم الدعوة في بلاد العالم على تفاوتها.

ولما استُثني منه الذين آمنوا وعملوا الصالحات بقي حكمه متحققاً في غير المؤمنين كما سيأتي...

والخُسر: مصدر وهو ضد الربح في التجارة، استعير هنا لسوء العاقبة لمن يظن لنفسه عاقبةً حسنة، وتلك هي العاقبة الدائمة وهي عاقبة الإِنسان في آخرته من نعيم أو عذاب.

وقد تقدم في قوله تعالى ﴿ فما ربحت تجارتهم ﴾ في سورة البقرة (16) وتكررت نظائره من القرآن آنفاً وبَعيداً.

والظرفية في قوله: لفي خسر} مجازية شبهت ملازمة الخسر بإحاطة الظرف بالمظروف فكانت أبلغ من أن يقال: إن الإنسان لخاسر.

ومجيء هذا الخبر على العموم مع تأكيده بالقَسم وحرففِ التوكيد في جوابه، يفيد التهويل والإِنذار بالحالة المحيطة بمعظم الناس.

وأعقب بالاستثناء بقوله: ﴿ إلا الذين آمنوا ﴾ الآية فيتقرر الحكم تاماً في نفس السامع مبيناً أن الناس فريقان: فريق يلحقه الخسران، وفريق لا يلحقه شيء منه، فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لا يلحقهم الخسران بحال إذا لم يتركوا شيئاً من الصالحات بارتكاب أضدادها وهي السيئات.

ومن أكبر الأعمال الصالحات التوبة من الذنوب لمقترفيها، فمن تحقق فيه وصف الإِيمان ولم يعمل السيئات أو عملها وتاب منها فقد تحقق له ضد الخسران وهو الربح المجازي، أي حسن عاقبة أمره، وأما من لم يعمل الصالحات ولم يتب من سيئاته فقد تحقق فيه حكم المستثنى منه وهو الخسران.

وهذا الخسر متفاوت فأعظمه وخالده الخسر المنجر عن انتفاء الإِيمان بوحدانية الله وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم ودون ذلك تكونُ مراتب الخسر متفاوتة بحسب كثرة الأعمال السيئة ظاهرها وباطنها.

وما حدده الإِسلام لذلك من مراتب الأعمال وغفران بعض اللمم إذا ترك صاحبه الكبائر والفواحشَ وهو ما فسر به قوله تعالى: ﴿ إن الحسنات يذهبن السيئات ﴾ [هود: 114].

وهذا الخبر مراد به الحصول في المستقبل بقرينة مقام الإِنذار والوعيد، أي لفي خسر في الحياة الأبدية الآخرة فلا التفات إلى أحوال الناس في الحياة الدنيا، قال تعالى: ﴿ لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد ﴾ [آل عمران: 196، 197].

وتنكير ﴿ خسر ﴾ يجوز أن يكون للتنويع، ويجوز أن يكون مفيداً للتعظيم والتعميم في مقام التهويل وفي سياق القسَم.

والمعنى: إن الناس لفي خسران عظيم وهم المشركون.

والتعريف في قوله: ﴿ الصالحات ﴾ تعريف الجنس مراد به الاستغراق، أي عملوا جميع الأعمال الصالحة التي أمروا بعملها بأمر الدين وعَمل الصالحات يشمل ترك السيئات.

وقد أفاد استثناء المتصفين بمضمون الصلة ومعطوفها إيماء إلى علة حكم الاستثناء وهو نقيض الحكم الثابت للمستثنى منه فإنهم ليسوا في خسر لأجل أنهم آمنوا وعملوا الصالحات.

فأما الإِيمان فهو حقيقة مقُول على جزئياتها بالتواطئ.

وأما الصالحات فعمومها مقول عليه بالتشكك، فيشير إلى أن انتفاء الخسران عنهم يتقدر بمقدار ما عملوه من الصالحات وفي ذلك مراتب كثيرة.

وقد دل استثناء الذين آمنوا وعملوا الصالحات من أن يكونوا في خُسر على أن سبب كون بقية الإِنسان في خسر هو عدم الإِيمان والعمل الصالح بدلالة مفهوم الصفة.

وعُلم من الموصول أن الإِيمان والعمل الصالح هما سبب انتفاء إحاطة الخسر بالإِنسان.

وعُطف على عَمل الصالحات التواصي بالحق والتواصي بالصبر وإن كان ذلك من عمل الصالحات، عَطْف الخاص على العام للاهتمام به لأنه قد يُغفل عنه، يُظن أن العمل الصالح هو ما أثرُه عمل المرء في خاصته، فوقع التنبيه على أن من العمل المأمور به إرشادَ المسلم غيره ودعوتَه إلى الحق، فالتواصي بالحق يشمل تعليم حقائق الهدى وعقائد الصواب وإراضة النفس على فهمها بفعل المعروف وترك المنكر.

والتواصي بالصبر عطف على التواصي بالحق عطف الخاص على العام أيضاً وإن كان خصوصه خصوصاً من وجهٍ لأن الصبر تحمَّل مشقة إقامة الحق وما يعترض المسلم من أذى في نفسه في إقامة بعض الحق.

وحقيقة الصبر أنه: منع المرء نفسه من تحصيل ما يشتهيه أو من محاولة تحصيله (إن كان صعبَ الحصول فيترك محاولة تحصيله لخوْف ضر ينْشأ عن تناوله كخوف غضب الله أو عقاب ولاة الأمور) أو لرغبة في حصول نفع منه (كالصبر على مشقة الجهاد والحج رغبة في الثواب والصبر على الأعمال الشاقة رغبة في تحصيل مال أو سمعة أو نحو ذلك).

ومن الصبر الصبر على ما يلاقيه المسلم إذا أمَرَ بالمعروف من امتعاض بعض المأمورين به أو مِن أذاهم بالقول كمن يقول لآمره: هَلاّ نظرت في أمر نفسك، أو نحو ذلك.

وأما تحمل مشقة فعل المنكرات كالصبر على تجشّم السهر في اللهو والمعاصي، والصبر على بشاعة طعم الخمر لشاربها، فليس من الصبر لأن ذلك التحمل منبعث عن رجحان اشتهاء تلك المشقة على كراهية المشقة التي تعترضه في تركها.

وقل اشتمل قوله تعالى: ﴿ وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ﴾ على إقامة المصالح الدينية كلها، فالعقائد الإِسلامية والأخلاق الدينية مندرجة في الحق، والأعمال الصالحة وتجنب السيئات مندرجة في الصبر.

والتخلق بالصبر ملاك فضائل الأخلاق كلها فإن الارتياض بالأخلاق الحميدة لا يخلو من حمل المرء نفسه على مخالفة شهوات كثيرة، ففي مخالفتها تعب يقتضي الصبرَ عليه حتى تصير مكارم الأخلاق ملكه لمن راض نفسه عليها، كما قال عمرو بن العاص: إذا المرءُ لم يَترُكْ طعاماً يُحبُّه *** ولم يَنْهَ قلباً غاوياً حيثُ يمَّما فيوشِك أن تُلفَى له الدَّهرَ سُبّةٌ إذا ذُكِرَتْ أمثالُها تَمْلأ الفَمَا *** وكذلك الأعمال الصالحة كلها لا تخلو من إكراه النفس على ترك ما تميل إليه.

وفي الحديث: " حُفَّت الجنة بالمكارِهِ وحُفّت النار بالشهوات ".

وعن علي بن أبي طالب: «الصبر مطية لا تكبو».

وقد مضى الكلام على الصبر مشبعاً عند قوله تعالى: ﴿ استعينوا بالصبر والصلاة ﴾ في سورة البقرة (45).

وأفادت صيغة التواصي بالحق وبالصبر أن يكون شأن حياة المؤمنين قائماً على شيوع التآمر بهما ديدناً لهم، وذلك يقتضي اتصاف المؤمنين بإقامة الحق وصبرهم على المكاره في مصالح الإِسلام وأمته لما يقتضيه عرف الناس من أن أحداً لا يوصي غيره بملازمة أمر إلا وهو يرى ذلك الأمر خليقاً بالملازمة إذ قلّ أن يُقدم أحد على أمر بحق هو لا يفعله أو أمر بصبر وهو ذو جزع، وقد قال الله تعالى توبيخاً لبني إسرائيل: ﴿ أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون ﴾ [البقرة: 44]، وقد تقدم هذا المعنى عند قوله تعالى: ﴿ ولا تحاضون على طعام المسكين ﴾ في سورة الفجر (18).

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ العَصْرِ مَكِّيَّةٌ، وفي إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّها مَدَنِيَّةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ والعَصْرِ ﴾ وهَذا قَسَمٌ، فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ العَصْرَ الدَّهْرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

الثّانِي: أنَّهُ العَشِيُّ ما بَيْنَ زَوالِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ تَرَوَّحْ بِنا يا عَمْرُو قَدْ قَصُرَ العَصْرُ وفي الرَّوْحَةِ الأُولى الغَنِيمَةُ والأجْرُ وَخَصَّهُ بِالقَسَمِ لِأنَّ فِيهِ خَواتِيمَ الأعْمالِ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنْ يُرِيدَ عَصْرَ الرَّسُولِ  لِفَضْلِهِ بِتَجْدِيدِ النُّبُوَّةِ فِيهِ.

وَفِيهِ رابِعٌ: أنَّهُ أرادَ صَلاةَ العَصْرِ، وهي الصَّلاةُ الوُسْطى، لِأنَّها أفْضَلُ الصَّلَواتِ، قالَهُمُقاتِلٌ.

﴿ إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ ﴾ يَعْنِي بِالإنْسانِ جِنْسَ النّاسِ.

وَفي الخُسْرِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لَفي هَلاكٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: لَفي شَرٍّ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

الثّالِثُ: لَفي نَقْصٍ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

الرّابِعُ: لَفي عُقُوبَةٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانَ عاقِبَةُ أمْرِها خُسْرًا ﴾ وكانَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقْرَؤُها: والعَصْرِ ونَوائِبِ الدَّهْرِ إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ وإنَّهُ فِيهِ إلى آخِرِ الدَّهْرِ.

﴿ إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وتَواصَوْا بِالحَقِّ ﴾ في الحَقِّ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ التَّوْحِيدُ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.

الثّانِي: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ اللَّهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنْ يُوصِيَ مُخَلَّفِيهِ عِنْدَ حُضُورِ المَنِيَّةِ ألّا يَمُوتُنَّ إلّا وهم مُسْلِمُونَ.

﴿ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: عَلى طاعَةِ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: عَلى ما افْتَرَضَ اللَّهُ، قالَهُ هِشامُ بْنُ حَسّانَ.

وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا ثالِثًا: بِالصَّبْرِ عَنِ المَحارِمِ واتِّباعِ الشَّهَواتِ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت سورة ﴿ والعصر ﴾ بمكة.

وأخرج الطبراني في الأوسط والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي مليكة الدارمي وكانت له صحبة قال: كان الرجلان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا التقيا لم يتفرقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر سورة ﴿ والعصر إن الإِنسان لفي خسر ﴾ إلى آخرها، ثم يسلم أحدهما على الآخر.

وأخرج ابن سعد عن ميمون قال: شهدت عمر حين طعن فأمنا عبد الرحمن بن عوف فقرأ بأقصر سورتين في القرآن بالعصر و ﴿ إذا جاء نصر الله ﴾ [ النصر: 1] في الفجر.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف والحاكم عن علي بن أبي طالب أنه كان يقرأ «والعصر ونوائب الدهر إن الإِنسان لفي خسر وانه لفيه إلى آخر الدهر» .

وأخرج عبد بن حميد عن إسماعيل بن عبد الملك قال: سمعت سعيد بن جبير يقرأ قراءة ابن مسعود: ﴿ والعصر إن الإِنسان لفي خسر وإنه لفيه إلى آخر الدهر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم قال: قرأنا: ﴿ والعصر إن الإِنسان لفي خسر وإنه لفيه إلى آخر الدهر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ﴾ .

ذكر أنها في قراءة عبد الله بن مسعود.

وأخرج عبد بن حميد عن حوشب قال: أرسل بشر بن مروان إلى عبد الله بن عتبة بن مسعود فقال: كيف كان ابن مسعود يقرأ ﴿ والعصر ﴾ فقال: ﴿ والعصر إن الإِنسان لفي خسر وهو فيه إلى آخر الدهر ﴾ فقال له بشر: هو يكفر به.

فقال عبد الله لكني أومن به.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿ والعصر ﴾ قال: ساعة من ساعات النهار.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس ﴿ والعصر ﴾ قال: هو ما قبل مغيب الشمس من العشي.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ والعصر ﴾ قال: ساعة من ساعات النهار، وفي قوله: ﴿ وتواصوا بالحق ﴾ قال: كتاب الله ﴿ وتواصوا بالصبر ﴾ قال: طاعة الله.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي ﴿ والعصر ﴾ قال: قسم أقسم به ربنا تبارك وتعالى ﴿ إن الإِنسان لفي خسر ﴾ قال: الناس كلهم، ثم استثنى فقال: ﴿ إلا الذين آمنوا ﴾ ثم لم يدعهم وذاك حتى قال: ﴿ وعملوا الصالحات ﴾ ثم لم يدعهم وذاك حتى قال: ﴿ وتواصوا بالحق ﴾ ثم لم يدعهم وذاك حتى قال: ﴿ وتواصوا بالصبر ﴾ يشترط عليهم.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ والعصر إن الإِنسان لفي خسر ﴾ يعني أبا جهل بن هشام ﴿ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ ذكر عليّاً وسلمان.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ وذكر المفسرون في الإنسان التعيين والتخصيص، فقال: عطاء عن ابن عباس: يريد جماعة من المشركين: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن عبد المطلب (١) وقال مقاتل: نزلت في أبي لهب (٢) وروي مرفوعًا أنه أبو جهل (٣) وهذا يحمل على أن هؤلاء ممن عني بلفظ الإنسان؛ لأن اللفظ اختص بهم لمكان استثناء المؤمنين من الإنسان.

والمعنى: إلا الذين صدقوا الله ورسوله وعملوا بطاعته.

﴿ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ ﴾ أوصى بعضهم بعضًا بالقرآن، (قاله الكلبي (٤) (٥) (٦) وقال مقاتل: بتوحيد الله (٧)  - (٨) (وقوله) (٩) ﴿ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾ .

قال ابن عباس: بالصبر عن (١٠) (١١) وروي مرفوعًا: أن المراد بـ: "الذين آمنوا": أبو بكر، و"عملوا الصالحات" عمر "وتواصوا (بالحق) عثمان، و (تواصوا) (١٢)  م.

(١٣) وقال أبو حاتم: قرأ أبو عمرو بالصَّبر "بشمم الباء شيئًا (من الجر) (١٤) (١٥) قال أبو علي: (وهما مما لا يجوز في الوقف، ولا يكون في الوصل إلا على إجراء الوصل مُجرى الوقف، وهذا لا يكاد يكون في القراءة، وعلى هذا قول الشاعر (١٦) (١٧) وأنشد سيبوية: (١٨) أنا ابن ماوية إذ جد النقر (١٩) (٢٠) (٢١) عجبتُ والدهرُ كثيرٌ عجَبُهْ (٢٢) (٢٣) فعلى هذه الأشياء قوله: "وتواصوا بالصبر"، وعلى هذا ما يروى عن سلام أبي (٢٤) وعلى هذا يحمل على إجراء (٢٥) وأنشد ابن مجاهد (٢٦) أيت ثيائا على جشة ...

فقلت هشامٌ ولم أخبَرُه (٢٧) (٢٨) (-تمت-) (١) "التفسير الكبير" 32/ 86، وورد من غير عزو في "فتح القدير" 5/ 491.

(٢) "تفسير مقاتل" 250 أ، "التفسير الكبير" 32/ 86.

(٣) "التفسير الكبير" 32/ 86، "الدر المنثور" 8/ 622 موقوفًا على ابن عباس، وعزاه إلى ابن مردويه.

(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.

(٥) ورد بمعنى قوله في "تفسير عبد الرزاق" 2/ 394، "جامع البيان" 30/ 29، "معالم التنزيل" 4/ 523.

(٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٧) "تفسير مقاتل" 250 أ، "الكشف والبيان" 13/ 147 أ، "معالم التنزيل" 4/ 523، "زاد المسير" 8/ 304 - هامش عن النسخة الأزهرية.

(٨) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 359 بنصه.

(٩) ساقط من (أ).

(١٠) في (أ): (على).

(١١) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد من غير عزو في "فتح القدير" 5/ 359.

(١٢) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(١٣) وقد ورد في: "بحر العلوم" 3/ 508 - 509، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 180 موقوفاً على ابن عباس، وذكره ابن جماعة في "غرر البيان" 548، ولم ينسبه للنبي -  - وذكره نحوه ابن تيمية في "مقدمته في أصول التفسير" ص 88، وعدّه -وأمثاله- من الخرافات التي تتضمن تفسير اللفظ بما لا يدل عليه بحال.

وانظر "الوجيز في تفسير الكتاب العزيز"؛ تح: صفوان داوودي ص 1231.

(١٤) ساقط من (أ).

(١٥) وهو من باب الوقف بالنقل؛ حيث يقف على الصبر، وينقل حركة الراء إلى الساكن قبلها، وهي لغة سائغة.

انظر: "الكتاب" لسيبويه 4/ 173، و"البحر المحيط" 8/ 509، و"علل النحويين" 2/ 795 ويراد بالإشمام هو: ضم الثسفتين وبعيد التسكين (إشارة إلى الضم) مع بعض انفراج بينهما ليخرج منه النفس، ولا يدرك لغير البصير، أي أنه يرى رؤية، ولا يسمع له صوت.

"حق التلاوة" لحسني الشيخ عثمان ص 90.

وقال أبو منصور: كان هذا من اختلاس أبي عمرو، ولم يرو هذا لأبي عمرو، والقراءة بسكون الباء.

"القراءات وعلل النحويين فيها" 2/ 795.

(١٦) هو أبو النجم العجلي الراجز، هو الفضل بن قدامة بن عبيد الله ..

بن عِجل بن لجيم.

انظر: "جمهرة أنساب العرب" ص 314 وقد تقدمت ترجمته في سورة النساء.

(١٧) عجز البيت: ولا يقول رأيت البكر ورد البيت في: "كتاب سيبويه" 4/ 180، "المفصل" 9/ 71 برواية زُحِلُّة، و"الكامل" 2/ 693، والشاهد: نقل حركة الهاء إلى الساكن قبلها.

"المفصل" 2/ 72.

قال شارح المفصل: اعلم أنه يجوز في الوقف الجمع بين ساكنين، لأن الوقف يمكن الحرف ويستوفى صوته، ويوفره على الحرف الموقوف عليه فيجري ذلك مجرى الحركة لقوة الصوت واستيعابه، كما جرى المد في حروف المد مجرى الحركة، وليس كذلك الوصل، لأن الآخذ في متحرك بعد الساكن يمنع من امتداد الصوت لصرفه إلى ذلك المتحرك ...

ثم قال: ومن الناس من يكره اجتماع الساكنين في الوقف؛ كما يكره ذلك في الوصل فيأخذ في تحريك الأول؛ لأنه هو المانع من الوصل إلى الثاني، فحركوه بالحركة التي كانت له في حال الوصل، فإن كان مرفوعًا حولوا الضمة إلى الساكن قبله، ويكون في ذلك تنبيه على أنه كان مرفوعًا وخروج عن عهدة الساكنين ...

إلخ.

"المفصل" 9/ 71.

(١٨) لبعض السعديين كما هو عند سيبويه فدكى بن أعبد بن أسعد بن منقر كما في جمهرة ابن حزم.

ومراجع أخرى نسبته إلى عبيد الله بن ماوية الطائي، أو عبيد بن معاوية الطائي، كما في اللسان، وعجزه: وجاءت الخيل أثافيَّ زُمَرْ (١٩) وقد ورد البيت في: "جمهرة ابن حزم" ص 217، و"كتاب سيبوية" 4/ 173، و"الإنصاف" 2/ 732 ش 450، و"المغني" 2/ 90 س 680، و"الدر اللوامع" 2/ 234، و"الكامل" 2/ 693، و"التكملة" للفارسي ص 9.

والنَّقْر: أصله -بفتح النون وسكون القاف- قال ابن سيده: ومعناه، أن تلزق == طرف لسانك بحنكك وتفتح ثم تصوت، وقيل: هو اضطراب اللسان في الفم إلى فوق وإلى أسفل، وقد نقر بالدابة نقرًا إذا صوت.

هامش الإنصاف.

والشاهد فيه: إلقاء حركة الراء على القاف للوقف.

نقلاً عن الكتاب والإنصاف.

(٢٠) ساقط من (ع).

(٢١) لزياد الأعجم نسبه له سيبويه في كتابه، وابن منظور.

(٢٢) في (ع): (عجيبة).

(٢٣) ورد في البيت في: "الكتاب" 4/ 180، "المحتسب" 1/ 196،"الدر اللوامع" 2/ 234 "الهمع" 2/ 208 دار المعرفة "لسان العرب" 12/ 554: (لمم) برواية: يا عجبًا والدهر جم عجبه، قال: والمشهور في البيت الأول: عجبت والدهر كثير عجبه، و"المفصل" 9/ 70، و"شرح أبيات سيبويه" للنحاس 36 ش 25، "الكامل" 2/ 693.

الشاهد: قال النحاس: فرفع يلم، وكان حقه أن يقول: لم أضربه بسكون الباء، لأن "لم" عامله الجزم، ولكن لما كانت القافية موقوفة حول الضمة التي في الهاء من أضربه إلى الباء لئلا يجتمع ساكنان: "شرح أبيات سيبوية" 36: ش 25.

(٢٤) في (أ): (أبن).

(٢٥) في (أ): (أجري).

(٢٦) لم أعثر على قائله، وقال محقق "الحجة" لم نقف على قائله.

(٢٧) ما بين القوسين من كلام طويل هو لأبي على -كما نص عليه الإمام الواحدي- نقله عن "الحجة" 6/ 438 - 440 باختصار.

(٢٨) ساقط من (ع).

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ والعصر ﴾ فيه ثلاثة أقوال: الأول أنه صلاة العصر أقسم الله بها لفضلها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الذي تفوته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله» الثاني أنه العشيّ أقسم به كما أقسم بالضحى، ويؤيد هذا قول أبيّ بن كعب: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العصر فقال: أقسم ربك بآخر النهار.

الثالث أنه الزمان ﴿ إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ ﴾ الإنسان جنس، ولذلك استثنى منه الذين آمنوا فهو استثناء متصل ﴿ وَتَوَاصَوْاْ بالحق ﴾ أي وصى بعضهم بعضاً بالحق وبالصبر، فالحق هو الإسلام وما يتضمنه، وفيه إشارة إلى كذب الكفار، وفي الصبر إشارة إلى صبر المؤمنين على إذاية الكفار لهم بمكة.

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

الوقوف ﴿ والعصر ﴾ ه لا ﴿ لفي خسر ﴾ ه لا ﴿ بالصبر ﴾ ه.

التفسير: لما بين في السورة المتقدمة أن الاشتغال بأمور الدنيا والتهالك عليها مذموم، أراد أن يبين في هذه السورة ما يجب الاشتغال به من الإيمان والأعمال الصالحات وهو حظ الآدمي من جهة الكمال ومن التواصي بالخيرات وكف النفس عن المناهي، وهو حظه من حيث الإكمال وأكد ما أراد بقوله ﴿ والعصر ﴾ وللمفسرين فيه أقوال: الأول أنه الدهر لوجوه منها ما جاء في القراءة الشاذة أنه  كان يقرأ " "والعصر ونوائب الدهر" وحمله العلماء إن صح على التفسير لا على أنه من القرآن لهذا لا يجوز قراءته في الصلاة.

ومنها أن الدهر يشتمل على الأعاجيب الدالة على كمال قدرة خالقها من تغاير الملل والدول وسائر الأحوال الكلية والجزئية، بل نفس الدهر من أعجب الأشياء لأنه موجود يشبه المعدوم ومتحرك يضاهي الساكن.

وأرى الزمان سفينة تجري بنا *** نحو المنون ولا ترى حركاته ومنها أن عمر الإنسان كبعض منه قال: إذا ما مر يوم مر بعضي *** ولا شيء أنفس من العمر وفي تخصيص القسم به إشارة إلى أن الإنسان يضيق المكاره والنوائب إليه ويحيل شقاءه وخسرانه عليه فإقسام الله  به دليل على شرفه وأن الشقاء والخسران إنما لزم الإنسان لعيب فيه لا في الدهر ولذلك قال  " لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر " القول الثاني وهو قول مقاتل وأبي مسلم إن العصر هو آخر النهار أقسم الله به كما أقسم الفجر والضحى لأن آخر النهار يشبه تخريب العالم وإماتة الأحياء كام أن أول النهار يشبه بعث الأموات وعمارة العالم، فعند ذلك إقامة الأسواق ونصب الموازين ووضع المعاملات، وفيه إشارة إلى أن عمر الدنيا ما بقي إلا بقدر ما بين العصر إلى المغرب فعلى الإنسان أن يشتغل بتجارة لا خسران فيها فإن الوقت قد ضاق وقد لا يمكن تدارك ما فات.

وقال قتادة: إنه صلاة العصر لشرفها وفضلها ولهذا فسر بها الصلاة الوسطى عند كثير وقد مر في " البقرة " وقيل: أقسم بعصر النبي  أو بزمانه الذي هو عصر نهار الدنيا كا جاء في حديث طويل، وقد أقسم بمكانه في قوله ﴿ لا أقسم بهذا البلد  ﴾ وبحياته في قوله ﴿ لعمرك  ﴾ وكل ذلك تشريف له وتوبيخ لمن لم يوقره حق أما اللام في الإنسان فإما المعهود معين كما روي عن ابن عباس أنه أراد جماعة من المشركين كالوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن عبد المطلب.

وعن مقاتل أنه أبو لهب.

وفي خبر مرفوع أنه أبو جهل كانوا يقولون: إن محمداً لفي خسار فأقسم الله  إن الأمر بالضد مما توهموه، وعلى هذا يكون الاستثناء منقطعاً.

والأكثرون على أن اللام للجنس، ثم إن كان المراد بالخسر أي الخسران كالكفر والكفران هو الهلاك كان المراد جنس الإنسان على الإطلاق، وإن كان المعنى بالخسر الضلال والكفر كان المراد جنس الكافر هكذا قال بعضهم، ولقائل أن يمنع لفرق، ولا يخفى ما في " إن " ولام التأكيد وكلمة " في " وتنكير خسر من المبالغات فكأنه أثبت له جهات الخسر كلها والأعظم حرمانه عن جناب ربه.

قال بعضهم: إن الإنسان لا ينفك من خسر لأن عمره رأس ماله، فإفناء العمر فيما يمكن أن يكون خيراً منه عبارة عن الخسران.

ووجهه أنه إن أفنى عمره في المعصية فخسره وحسرته ظاهران، وإن كان مشغولاً بالمباحات فكذلك لأنه يمكنه أن يعمل فيه عملاً يبقى أثره ولذته دائماً، وإن كان مشغولاً بالطاعات فلا طاعة إلا ويمكن الإتيان بها على وجه أحسن لأن مراتب الخضوع والعبادة غير متناهية كما أن جلال الله وجماله ليس لهما نهاية.

والتحقيق فيه أن الإنسان لا يكلف إلا ما هو وسعه وطوقه لا بالنسبة إلى نوعه بل بالنسبة إلى شخصه، فإذا اجتنب المعاصي بقدر الإمكان واستعمل المباح بمقدار الضرورة والحاجة وأتى بالطاعة على حسب إمكانه لم يسم خاسراً ولكنه يكون أكمل الأشخاص البشرية فلهذا استثناه الله تعالى بقوله ﴿ إلا الذين آمنوا ﴾ إلى آخره.

وعن بعضهم أنه قال في " التين " ﴿ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين  ﴾ فابتدأ من الكمال النقصان وقال ههنا ﴿ لفي خسر إلا الذين آمنوا ﴾ فعكس القضية لأن ذلك مذكور في أحوال البدن وهذا مذكور في أحوال النفس.

قلت: يمكن أن يقال: إن كلتا الآيتين في شأن النفس إلا أنه أراد في " التين " ذكراستعداده الفطري وهو كرأس المال، وههنا أراد حكاية معاملته بعدما أعطى رأس المال.

ولا ريب أن أكثرهم منهمكون في طلب اللذات العاجلة المضيعة للاستعداد الأصلي إلا الموفقين الموصوفين بالكمال والإكمال، وفي إجمال الخسر وتسريحه إلى بقعة الإبهام، ثم في تفصيل الربح بأنه منوط بالإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق وبالصبر دليل على غاية الستر والكرم وأن رحمته سبقت غضبه، وفي لفظ التواصي دون الدعاء أو النصيحة تأكيد بليغ كأنه أمر مهتم به كالوصية، وفيه أنهم من الذين ماتوا بالإرادة عن الشهوات الفانية فيكون أمرهم ونصيحتهم بمنزلة قول من أشرف على الوفاة، والحق خلاف الباطل، ويشتمل جميع الخيرات وما يحق فعله.

وقوله ﴿ والصبر ﴾ يشتمل على جميع المناهي فهم بالحقيقة آمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، وفي لفظ المضي إشارة إلى تحقيق وقوعه منهم والله أعلم وبالله التوفيق.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ ﴾ ، خرج قوله: ﴿ وَٱلْعَصْرِ ﴾ مخرج القسم، والقسم موضوع في الشاهد؛ لتأكيد ما ظهر من الحق الخفي، أو النفي شبهة اعترضت، أو دعوى ادعيت؛ فكذلك في الغائب.

ثم الأصل بعد هذا: أنه ليس في جميع القرآن شيء مما وقع عليه القسم إلا إذا تأمله المرء واستقصى فيه، وجد فيه المعنى الذي أوجبه القسم لولا القسم.

ثم اختلفوا في تأويل قوله: ﴿ وَٱلْعَصْرِ ﴾ : فمنهم من قال: هو الدهر والزمانز ومنهم من قال: هو آخر النهار، فذلك وقت يشتمل على طرفي النهار، وهو آخر النهار وأول الليل؛ فكأنه يراد به: الليل والنهار.

وقال أبو معاذ: تقول العرب: "لا أكلمك العصران"، يريدون: الليل والنهار، وفي مرور الليل والنهار مرور الدهور والأزمنة؛ لأنهما يأتيان على الدهور والأزمنة وما فيهما؛ فكان في ذكر الليل والهنار ذكر كل شيء، والقسم بكل شيء قسم بمنشئه؛ لأن كلي شيء من ذلك [إذا] نظرت فيه، دلك على صانعه ومنشئه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ ﴾ ، إن الدنيا وما فيها كأنها خلقت وأنشئت متجراً للخلق، والناس فيها تجار؛ كما ذكره في غير آي من القرآن، قال الله -  -: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ  ﴾ ، وقال: ﴿ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ  ﴾ ، أ ي: إن الإنسان لفي خسار من تجارته ومبايعته ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ...

﴾ الآية.

ولقائل أن يقول: كيف استثنى أهل الربح من أهل الخسران، ولم يستثن أهل الخسران من أهل الربح؟!

فيقول: "إن الإنسان لفي ربح إلا الذين كفروا"، واستثناء هذه الفرقة من تلك أولى في العقول من تلك؟!

والجوب عن هذا: أن هذه الآية إنما نزلت بقرب من مبعث رسول الله  ، والقوم بأجمعهم كانوا أهل كفر وخسار؛ فلذلك وقع الاستثناء على ما ذكر؛ إذ استثناء القليل من الكثير هو المستحسن عند أهل اللغة، وإن كان القيم الثاني في حد الجواز، والقرآن في أعلى طبقات الكلام في الفصاحة.

ثم قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلإِنسَانَ ﴾ اسم جنس؛ فكأنه أراد: جميع الناس؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ ، ولا تستثنى الجماعة من الفرد؛ فكأنه يقول - على هذا -: إن الناس في أحوالهم واختيارهم في خسر إلا من كانت تجارته في تلك الحالة ما ذكر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ﴾ يحتمل أن يكون تأويله: الصالحات التي كانت معروفة في الكفر والإسلام من حسن الأخلاق وغيره؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ  ﴾ ، نقول: المعروف هو المعروف الذي هو معروف في الطبع والعقل، والمنكر الذي ينكره العقل، وينفر عنه الطبع.

وإن كان المراد منه: الكفر، فكأنه قال: إن الكافرين في هلاك وخسار، إلا من آمن بالله  ورسوله وعمل صالحا.

ثم في هذه السورة ذكر الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وكذلك ذكر الصالحات في سورة "التين"، وترك ذكر الصالحات في سورة "الكَبَد"؛ فكأن الله -  - ذكر الصالحات في تلك السورة؛ لما قد كان ذكرها قبل ذلك؛ ألا ترى إلى قوله -  -: ﴿ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ  ﴾ ، وغير ذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ ﴾ : الحق في الأصل كل ما يحمد عليه فاعله، والصبر: هو الكف عن كل ما يذم عليه فاعله؛ فكأن التواصي بالحق توص بكل ما يحمد عليه، والتواصي بالصبر تواصي عن كل ما يذم عليه.

ثم [في] ظاهر قوله -  -: ﴿ وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ الآية - ما يوجب أن من لم يجمع بين هذه الآشياء التي ذكرها ﴿ لَفِى خُسْرٍ ﴾ ؛ فيكون ظاهره حجة للخوارج والمعتزلة، إلا أن الانفصال عن هذا - والله أعلم -: أن الله  وعد الجنة لمن جمع هذه الأشياء التي ذكر في هذه الآية، وذكر الإيمان مفردا في آية أخرى، ووعد عليه الجنة؛ فلا يخلو وعده الجنة عن الإيمان المفرد في تلك الآية من أحد وجهين: إما أن يكون ذكر الإيمان مفردا، وأراد به الاكتفاء عن ذكر الجملة؛ فيكون في ذكر طرف منه ذكر لجملته.

أو يكون في إيجاب الجنة له على مفرد الإيمان، فالحال فيه موقوفة.

ولأن الله -  - أوجب الجنة، ولم ينف إيمانه عمن ينقص عن ذلك، فالحال فيه موقوفة على كليته، وإذا كان كذلك لم يقطع القول على إيجاب الجنة لمن أتى بالإيمان مفردا، أو على إيجاب النار؛ فيكون السبيل فيه على الرجاء؛ لأنه لو لم يذكر كان يقع [فيه اليأس]، وأصل كل عبادة في الدنيا إنما بنيت على الرجاء والخوف؛ فلذلك كان الأمر على ما وصفناز أو نقول بأن الله -  - أوجب النار على من أتى بجميع السيئات، ولم يكن فيه دليل على أن من أتى بالكفر وحده لا يستوجب به نارا، فكذلك الله -  -  وتعالى - وإن أوجب الجنة لمن جمع بين هذه الأعمال؛ فلا يدل على أن من أتى بالإيمان وحده، لا يستوجب به الجنة.

وعلى أنه يجوز أن يكون استثناء كل من أتى بشيء من هذه الأعمال بالانفراد؛ فيكون فيه استثناء كل طائفة من ذلك على حدة، كأنه قال: إلا الذين آمنوا وإلا الذين عملوا الصالحا، وإلا الذين تواصوا بالحق.

وإذا كان كذلك لا يكون حجة لهم، وإذا أريد به الجمع يكون حجة؛ فجاء التعارض والاحتمال؛ فوجب التوقف.

ويحتمل أن يراد به الاعتقاد، أي: إن الإنسان لفي خسر، إلا من آمن، واعتقد هذه الأعمال الصالحة؛ كقوله -  -: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ ﴾ الآية [التوبة: 5]، والله أعلم.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إلا الذين آمنوا بالله وبرسله، وعملوا الأعمال الصالحات، وأوصى بعضهم بعضًا بالحق، وبالصبر على الحق؛ فالمتصفون بهذه الصفات ناجون في حياتهم الدنيا والآخرة.

تفسير محمد عبده · محمد عبده

(العصر) هو الزمان الذي تقع فيه حركات الناس وأعمالهم: أي الدهر كما قال ابن عباس.

أو هو الوقت المعروف الذي تجب فيه صلاة العصر.

وكان من عادة العرب أن يجتمعوا وقت العصر ويتحادثوا ويتذاكروا في شؤونهم، وقد يكون في حديثهم ما لا يليق أو ما يؤذي به بعضهم بعضًا فيتوهم الناس أن الوقت مذنوم، فأقسم الله به لينبهك إلى أن الزمان في نفسه ليس مما يذم ويسب كما اعتاد الناس أن يقولوا: زمان مشؤوم.

ووقت نحس، ودهر سوء وما يشبه ذلك - بل هو وعاء للحسنات كما هو وعاء للسيئات.

وهو ظرف لشؤون الله الجليلة من خلق ورزق وإعزاز وإذلال وخفض ورفع فكيف يذم في ذاته.

وإنما قد يذم ما يقع فيه من الأفاعيل المموقتة.

يقسم الله بالزمان مطلقًا أو بذلك الوقت المخصوص (إن الإنسان لفي خسر) إلى آخر السورة، ليؤكد بالقسم تلك القضية: وهي أن جميع من يطلق عليه اسم الإنسان ممن هو معهود للمخاطبين -وهو الإنسان العاقل البالغ- خاسر في أعماله ضربًا من الخسران إلا من يستثنيهم.

فأعمال الإنسان هي مصدر شقائه لا الزمان ولا المكان.

وتصوير الاستغراق بما قدمت لا ينافي الشمول والعموم كما رأيت.

.

فإن هذا هو الفرق بين الاستغراق "بكل" والاستغراق "بأل"، فالاستغراق "بأل" إنما هو لما عهد عند المخاطبين من الأفراد يخطر بالبال عند ذكر الاسم مقرونًا بها.

ولو قيل كل إنسان في خسر إلا الذين آمنوا لم يصح لأن من الإنسان الصبي الذي لا يميز وهو لا خسران له ولا ربح.

و (الذين آمنوا) هم الذين صدقوا بأصل الخير والشر -كما قال : ﴿ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى  ﴾ - واعتقدوا اعتقادًا صحيحًا بالفرق بين الفضيلة والرذيلة، وبأن لأنفسهم وللعالم حاكمًا يرضى ويغضب، ويثيب ويعاقب، وأن لهم جزاء علي أعمالهم: الخير بالخير والشر بالشر.

ثم كان تصديقهم هذا بالغًا من أنفسهم حد أن يملك إرادتهم فلا يعملون إلا ما يوافق اعتقاداتهن، فهم يعملون الصالحات.

وهي الأعمال التي عددت بالتفصيل في القرآن وجماعها أن تكون نافعًا لنفسك، ولأهلك، ولقومك، وللناس أجمعين، بعيدًا من أن تضر أحدًا إلا لكف ضرر أعظم منه.

ومن تلك الأعمال الدعوة إلي الحق والوصية بالصبر، لكنه أراد تخصيص هذين الأمرين بالذكر لأنهما حفاظ كل خير، ورأس كل أمر.

و(الحق): هو ما تقرر من حقيقة ثابتة أو شريعة صحيحة، وهو ما أرشد إليه دليل قاطع أو عيان ومشاهدة.

فشرط النجاة من الخسران أن يعرف الناس الحق ويلزموه أنفسهم ويمكنوه من قلوبهم، ثم يحمل الناس بعضهم بعضًا عليه بأن يدعو كل صاحبه إلى الاعتقاد بالحقائق الثابتة التي لا ينازع فيها العقل، ولا يختلف فيها النقل، وأن يبعدوا بأنفسهم وبغيرهم عن الأوهام والخيالات التي لا قرار للنفوس عليها ولا دليل يهدي إليها، ولا يكون ذلك إلا بإعمال الفكر وإجادة النظر في الأكوان حتى تستطيع النفس دفع ما يرد عليها من باطل الأوهام.

وهذا إطلاق للعقل من كل قيد، مع اشتراط التدقيق في النظر، لا الذهاب مع الطيش والانخداع للعادة والوهم.

ومن لم يأخذ نفسه بحمل الناس علي الحق الصحيح بعد أن يعرفه، فهو من الخاسرين، كما تري في الآية بالنص الصريح الذي لا يقبل التأويل.

و(الصبر): قوة للنفس علي احتمال المشقة في العمل الطيب، واحتمال المكروه من الحرمان من اللذة، إن كان في نيلها ما يخالف حقًا، أو ما لا تأذن به الشريعة الصحيحة التي لا اختلاف فيها، واحتمال الآلام إذا عرضت المصائب بدون جزع ولا خروج في دفعها عن حدود الحق والشرع.

فشرط النجاة من الخسران أن تصبر، وأن توصي غيرك بالصبر، وتحمله على تكميل قواه بهذه الفضيلة الشريفة التي هي أم الفضائل بأسرها.

ولا يمكنك حمله على ذلك حتى تكون بنفسك متحليًا بها، وإلا دخلت فيمن يقول ولا يفعل كما يقول، فلم تكن ممن يعمل الصالحات.

ترى السورة قد شملت بحكمها جميع أفراد المكلفين: سواء بلغتهم دعوة نبي، فآمن بها من آمن، وعمل الصالح، ووصى بالحق والصبر، فنجا، وأعرض عنها من أعرض فخسر، أم لم تبلغهم دعوة: فمنهم من صدق بأصل الخير والشر كما قلنا، وآثر الفضيلة على الرذيلة ففاز، ومنهم من أساء العمل فخسر الخسران الذي يناسبه.

ثم تراها لم تدع شيئًا إلا أحرزته في عبارتها الموجزة، حتي قال الشافعي رحمه الله: لو تدبر الناس هذه السورة لوسعتهم.

أو قال: لو لم ينزل من القرآن سواها لكفت الناس.

ولجلالة ما جمعت روي أنه كان الرجلان من أصحاب رسول الله  إذا التقيا لم يتفرقا حتي يقرأ أحدهما علي الآخر سورة ﴿ وَالْعَصْرِ  ﴾ ثم يسلم أحدهما علي الآخر.

ذلك ليذكر كل منهما صاحبه بما يجب أن يكون عليه، فإذا رأى منه شيئًا ينبغي أن ينبه إليه فعليه أن يذكره له.

﴿ وَالْعَصْرِ  إِنَّ الإنسان لَفِي خُسْرٍ  إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ  ﴾ المرجح أن هذه السورة من المكيات، وقد ورد عن الشافعي فيها أنه قال: لو لم ينزل إلا هذه السورة لكفت الناس: وفي رواية عنه: لو تدبر الناس هذه السورة لكفتهم: وصح أن الصحابة  كانوا إذا اجتمع اثنان منهم لم يتفرقا حتى يقرأ أحدهما علي الآخر هذه السورة إلي آخرها ثم يسلم أحدهما علي الآخر.

وقد ظن الناس أن ذلك كان للتبرك وهو خطأ وإنما كان ليذكر كل واحد منهما صاحبه بما ورد فيها خصوصًا من التواصي بالحق والتواصي بالصبر حتى يجتلب منه قبل التفرق وصية خير لو كانت عنده.

جرت سنة الله في كتابه أن يقسم أحيانًا بشيء من خلقه، أو بشأن من شؤونه لينبه الناس إلى ما أودع فيه من الحكمة وأنهم إن كانوا قد نسبوا إليه شيئًا من الشر، أو ظنوا فيه ضربًا من السوء فهم مخطئون، فإن السوء والشر ليسا في هذه الأشياء وإنما هذا في نفوس المستعملين أو المعتقدين، وقد كانت أديان يظن أهلها أن هذا الكون الزماني وما فيه كون شر وفساد، ومن الواجب على طلاب السعادة أن يحقروه، وأن ينفروا من طيباته، ويجردوا نفوسهم إلى عالم آخر فوق عالم الكون والفساد.

فجاء الكتاب المبين يبين لهم سوء فهمهم عن الله.

ومن طرق تنبيههم إلى خطأهم تلك الأساليب التي جاءت في القسم، ووردت في الكتاب.

أراد أن يكشف لهم أن هذه الأشياء من حكمة الله بالمنزلة التي تبلغ أن يقسم الله بها كأنها مما يعظمه الله، وناهيك بذلك الذي يعظمه خالق كل شيء، ووجود كل موجود الذي لا وجود لشيء إلا منه.

العصر: إما القطعة المعروفة من الدهر، وهو الزمن الذي يعيش فيه المتكلم مع غيره، سواء قدر بعدد من السنين كمئة سنة مثلًا أم لم يقدر، وإما الوقت المعروف من النهار ما بين الظهر والمغرب، وكل منهما تصح إرادته.

وقد اعتاد الناس سب الأول، فكل يشتكي من عصره ويقول: هو عصر جهالة ونذالة، ونقص مروءة، وخبث طوية، ورداءة عمل، وينسبون ما شاءوا من الخير إلي ما كان قبل عصرهم من العصور، فأراد الله أن يزعج نفوسهم عن مثل هذا الاعتقاد بأن أقسم به ليدهش عقولهم بتعظيم ما ألفوا تصغيره، ورفع قدر ما اعتادوا تحقيره، والعصر بالمعنى الثاني كان الوقت الذي يجتمع فيه الأعطال من العرب في قريش وغيرها إما عند الحرم أو في مواضع أُخرى من منتديات الأحياء ويخوضون فيما لا خير فيه من غيبة أو هزء وسخرية أو لغو من الحديث مُلْه عن جد العمل، فوقر في نفوسهم أن ذلك الوقت نفسه هو قرارة السوء ومجتمع الشر، فدفع الله ذلك عن الزمان إليهم وعلمهم أن الوقت نفسه بمنزلة من الشرف يصلح معها لأن يقسم به خالق السموات والأرض، فكان عليهم أن يستعملوه فيما يناسب هذه المنزلة ويشغلوه بطيبات الأعمال فيخلصوا بذلك من الخسران الذي لم يلحق بهم إلا بسيئات أعمالهم.

إنما ورد هذا القسم -على أي المعنيين- تأكيدًا للخبر الذي أراد الله أن يسوقه إلينا وهو أن الإنسان في خسر إلخ.

وإنما احتاج هذا الخبر إلى التأكيد لأن كثيرًا من الناس يظنون أن من الأحوال والأعمال وراء ما ذكر في هذه السورة ما لا خسار فيه بل يعتقدون أن السعادة في التخلص من عقد الإيمان، والعتق من قيود الفضائل، وانطلاق النفس فيما يسمونه متسع الفكر، وحرية العمل، بدون تحرج من رذيلة، ولا إحجام عن فاحشة، متى كانت تلذ للنفس في العاجل، وإن أدت بها إلي الهلكة في الآجل، وإن من الأمم من يسعد وإن اتبع أفرادها أهواءهم، وملكتهم شهواتهم، ما داموا يكسبون المال ويوفرون علي أنفسهم وسائل القوة في زعمهم سواء: آمنوا أم لم يؤمنوا، عملوا الصالحات أم لم يعملوا، تواصوا بالحق والصبر أم لم يتواصوا، وأمثال هؤلاء الظانين يفوق عددهم الحصر في كل زمان ومكان.

"أل" في الإنسان للاستغراق كما يدل عليه الاستثناء في قول ﴿ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا  ﴾ والاستغراق "بأل" في لسان العرب ليس كالاستغراق بلفظ "كل" الذي يسور به المناطقة قضاياهم الكلية، وليست "أل" مساوية لكل التي تضاف إلي النكرة، ويريد بها العربي تعميم الحكم في جميع أفراد الجنس، وإنما يراعي في "أل" استغراق المعهود عند المخاطبين، لأنها في لسانهم للعهد وتعريف الجنس إما في فرد أو أفراد، ولن تفارق العهد في حال من الأحوال، وكذلك التي يسميها النحاة للعهد الذهني، ويتحيرون في الفرق بينها وبين النكرة ثم يقول من لا يعرف خصائص اللسان منهم: إن الفرق في اللفظ وإجراء أحكامه، أما المعنى فلا فرق فيه.

وهو وهم فاسد فإن قول الرجل لعبده: اشتر اللحم من السوق: لا يفهم منه أي لحم في الكون بأسره ولا أي سوق في العالم بأجمعه ولكن قد عهد السيد نوعًا خاصًا تعود العبد شراءه وأسواقًا خاصة هي أسواق المدينة التي يقيم فيها وإن لم يتعين أحدها، فالعهد والتعريف به لم يفارقها، والفرق بين المعنى معها والمعنى في النكرة واضح لمن يعرف خصائص اللسان.

والإنسان الذي تجري عليه أحكام الإنسانية ويحدث عنه في مثل هذه الشؤون: هو من بلغ سن الرشد عاقلًا يميز بين الخير والشر، وليس يخطر بالبال عند التخاطب في مثل هذا المقام الصبيان غير المكلفين ولا المجانين.

ولو أتي بلفظ "كل إنسان" لشمل ذلك.

ولا تؤدي "أل" مؤدى "كل" إلا بقرينة.

فالاستغراق في الآية على حقيقته وهو شامل لجميع أفراد المكلفين من الناس سواء كانوا ممن بلغتهم رسالات الأنبياء أم ممن لم تبلغهم، كما سيأتي.

"والخسر" في اللغة يطلق علي الضلال وعلي الهلاك وعلي النقص، وكل ما جر عليك عملك من شر فهو خسر لك وخسران وخسارة لأنك كنت تبتغي بعملك الفائدة والثمرة الطيبة تجنيها منه فإذا جر عليك ما كنت تتوقاه، وحرمك ما كنت تتوخاه، فقد خسرت لأنك ضللت في القصد، ودخل النقص عليك في بغية نفسك، وأتاك التعب من حيث تطلب الراحة، وكل ما آلمك واشقاك وأقلق نفسك، واضطرب له قلبك، فهو نقص في لذتك.

وإذا عملت عملًا وأنت تقصد به سكون القلب، وهناء العيش، فحدث انزعاج النفس، ونقص الطمأنينة، فقد ضللت به في القصد، وخسرت في السعي، والخسر في الآية مطلق لا يتقيد بدنيوي أو أخروي فكل مكلف ممن لم يتصف بالأوصاف الآتية (في السورة) يصيبه حظ من الخسران في هذه الحياة أو في التي بعدها، لأن السورة مكية كما قلنا، والخطاب في المكيات، كانت تراعى فيه العمومات، في كثير من الآيات كما تراه في سورة ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى  ﴾ مثلًا.

والخسر بفقد الراحة وطمأنينة النفس.

"الإيمان" في هذه السورة مطلق كذلك لم يتقيد بشيء كما ترى، ولكنه محمول علي ما هو معروف عند المخاطبين، والأمس بعموم الخطاب أنه إذعان النفس لليقين بالفرق بين الخير والشر، والفضيلة والرذيلة وبأن علي الوجود مسيطرًا يرضى الخير ولا يرضى الشر، ويحب الفضيلة ويكره الرذيلة، وأن من رحمته أن يخص من شاء من خلقه بإطلاعهم علي شيء من سره وأمرهم بأن يبينوا للناس ما التبس عليهم من مذاهب أعمالهم، ويعرفوهم مداخل الأهواء الفاسدة إلي قلوبهم، ومسالك الدلائل الصحيحة إلي عقولهم، فيقبلوا علي هذه ويتلقوا ما يساق إليهم منها، ويسدوا علي أنفسهم تلك ويقيموا من العزم حارسًا علي نوافذها يمنع ما عساه يهوى إليها، وهذا الإيمان هو المدلول عليه بقوله تعالى في سورة ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى  ﴾ : ﴿ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى  ﴾ : وليس الإيمان ههنا هو التصديق المقرون بالإذعان لتفصيل الأحكام الواردة في شرعنا خاصة فإن الحكم إنما هو علي الإنسان في جميع أمكنته وأزمنته لا يختص بأمة محمد  بل يعم الأمم جميعها ماضيها وحاضرها ومستقبلها، فالكلام في السورة لتقرير حكم عام من أحكام الإنسان في نفسه وإنما تدخل رسالة النبي  في حكم هذا العام ويكون من بلغته تلك الرسالة ولم يصدق بجميع ما ورد به القطعي سندًا ودلالة من نصوصها خاسرًا في الدنيا والآخرة بحكم هذا النص من جهة عمومه وبالنصوص التفصيلية الأخرى التي وردت في كثير في سور القرآن.

وليس الإيمان كذلك مجرد ما يسميه الناس اعتقادًا وإن كان بمحض التقليد لا عمل لعقل ولا لوجدان فيه فإن مثل هذا الإيمان قد خسرت معه أمم كثيرة ممن صدقت بمرسلين صادقين، وأنبياء هادين، وإنما المراد منه ذلك التصديق المقرون بطمأنينة النفس، وخضوع القوى لحكم ما آمن به.

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ  ﴾ ذلك الإيمان هو الذي كان الله ولا يزال ينوط به النجاة من الخسران في الدنيا والآخرة، وسيأتي إيضاح ذلك أيضًا.

أما هذا الذي يتلقاه الناس من أفواه آبائهم فينشأ ابن المسلم لا يفهم معنى لما يعتقد أو لما يقول أبوه وإنما ينطق كما ينطق وتأخذه الحمية لما يراه يحمى له لا يفهم لذلك معنى، ولا يجد لنفسه فيه بصيرة، كما ينشأ ابن النصراني أو ابن اليهودي أو ابن المجوسي على مثل ذلك، فهو مما لا يعتد الله به وإنما يعتد الله بتلك السكينة الروحية التي تشعر النفس بمهبطها إليها، وذلك العقد القلبي الذي يعرف القلب مكانه منه.

هذا هو الإيمان الذي يليق أن يسمى حياة للنفس بعدها للشعور بجميع ما يلزم له، وما يصح أن يحمل عليه.

أما ذلك الذي سموه إيمانًا وهو ليس به فهو مما يقتل النفوس ويهلك الأرواح، ويسلك بها مسالك الجهل، وينتهي بها إلى مهاوي الهلكة.

أما الصالحات في هذه السورة فهي تلك الأعمال التي عرفت عند الناس بأنها من أعمال الخير النافعة لخاصتهم وعامتهم، المتفقة مع مصالحهم التي لا تنكرها الأذواق السليمة، ولا تجافيها الطباع المستقيمة، ومنها ما هو من ضروب الشكر لمفيض الخير والإحسان على الخلائق أجمعين كالعبادات الصحيحة التي جاء بها كل دين صحيح في أي أمة من الأمم التي دعيت إلى الأخذ بذلك الدين زمن العمل بشريعتها.

ومنها ما هو من ضروب البر كبذل الأموال في طرق الخير والسعي في إغاثة المنكوبين، وإقالة العثار، والعدل في الحكم، وإنقاذ المظلوم من الظلم، ونحو ذلك مما يطول تفصيله، ومنها فضائل الملكات التي تصدر عنها الصالحات كالأمانة والعفة والإنصاف والمحبة والإخلاص، وأمثال ذلك.

كل هذا يسمي صالحات وإن كان منه ما هو بدني يتعلق به العمل الظاهر، ومنه ما هو نفسي يتعلق به العمل الباطن، والعمل يتعلق بالملكات لأنها إنما تحصل عادة بترويض النفس عليها، ومجاهدتها في سبيل تحصيلها، ويدخل في هذه الأعمال عند كل أمة ما وردت به شريعة رسولها ويدخل فيها ما هدى إليه العقل عند الأمم التي لم تبلغها رسالة.

وإن من أُصول الصالحات ما هو معروف عند البشر عامة لا تختلف فيه أمة كالأصول التي ذكرناها قبل أسطر، ولذلك سميت في الكتاب بالمعروف، وسميت أضدادها بالمنكر أي ما تعرفه النفوس السليمة، وما تنكره العقول الصحيحة.

"التواصي" أن يوصي كل من الشخصين صاحبه بشيء، "والحق" ما يقابل الباطل، وهو يكاد يكون معروف المعنى عند كل الناس، وإنما يخطئ أغلبهم في حمل هذا المعنى على جزئياته فيأتي الواحد منهم إلى أشد الباطل بطلانًا ويقول: إنه الحق.

فلو حمل الحق ههنا على ما يراه الموصي حقًا لكان المعنى، وأوصى كل منهم صاحبه بما يعتقده حقًا، وطالبه بالأخذ به: وربما كان الآخر لا يعتقد أن الحق مع موصيه فيكون التواصي ضربًا من التنازع لأن كلًا يدعو الآخر إلى ما لا يرضاه وهو النزاع بعينه فلا يصح حمل المعنى عليه.

وإنما الذي يصح أن يقصد هو أن يوصي كل واحد صاحبه بتحري الحق فيما يعتقد بأن ينبهه إلى الحرص على البحث في الأدلة، والتلطف في النظر الموقوف علي الحق هو الواقع لا يختلف فيه بعد معرفة وجهه، فإذا رأي منه ضلة هداه بإقامة الدليل على ما هو الهدى، وإذا رأى منه تقصيرًا في النظر نهض به إليه، وإذا وجد منه رعونة في الأخذ بظواهر الأمور دون النفوذ إلى بواطنها نصح له باستعمال الروية وإمعان الفكرة.

وهكذا يكون على الآخر أن يعمل مع صاحبه مثل ما يجب عليه أن يعمل معه.

وفرض التواصي على كل واحد يبيح للصغير أو يوجب عليه ما يبيح للكبير أو يوجب عليه من ذلك إلا أنه لا يمنع من رعاية كل قائم بواجب عليه حق الآخر، فلوصية الصغير وعرضها على الكبير طريقة غير طريقة سوق الوصية من الكبير إلي الصغير.

يعرف ذلك القوم علي حسب آدابهم، وما ألفوا في تخاطبهم.

والتواصي بالحق يدخل في الصالحات وإنما ذكره بلفظه، لينوه بفضله ويشير إلى أنه أصل بنفسه تناطق النجاة به استقلالًا.

ولا يصح أن يظن ظان أن النجاة منوطة بالتواصي بالحق وإن لم يكن الموصي آخذًا به فلو كان مبطلًا وأوصى بالحق فقد نجا، هذا ما لا يعقل وإنما جاءت الآية الكريمة على طريقة الإيجاز التي فضل بها القرآن جميع الكلام.

فإن المراد: من كان علي الحق وأوصى به.

ومن المعروف عند العقلاء أنه لا يوصي بالشيء ولا يدعو إليه إلا من أصاب منه الحظ الأوفر، وكيف يدعو إلي أمر ويحسن الدعوة إليه من لا تكون له من ذلك الأمر حلية يعرف بها؟

وما تراه من قوم يدعون إلى المعروف وهم يقيمون على المنكر فذلك لا يعد دعوة صحيحة لأنهم لا يعرفون كيف يدعون، وهم في دعوتهم إلى ما يدعون إليه ينفرون الناس منه، ولا يميلونهم إلى ناحيته.

وخطاب الكتاب إنما جاء على المعروف المألوف عند العقلاء.

وإنما قال (وتواصوا) ولم يقل: وأوصوا: ليبين أن النجاة من الخسران إنما تناط بحرص كل من أفراد الأمة علي الحق ونزوع كل منهم إلى أن يوصي به قومه، وممن يهمه أمر الحق ليوصي صاحبه بطلبه يهمه أن يرى الحق فيقبله، فكأنه في هذه العبارة الجزلة قد نص على تواصيهم بالحق وقبولهم الوصية به إذا وجهت إليهم.

"والصبر" خلق من أمهات الأخلاق بل مساك كل خلق.

قالوا في فضل الصبر: إنه ذكر في القرآن نحو سبعين مرة، وليس لنا فائدة كبرى في تحديد العدد، ولكن جاء في الكتاب العزيز ذكر الصبر، ومدح أهله، وتبشيرهم بالفوز والفلاح، والصبر ملكة في النفس يتيسر معها احتمال ما يشق احتماله، والرضى بما يكره في سبيل الحق وهو خلق يتعلق به بل يتوقف عليه كمال كل خلق، وما أُوتِيَ الناس من شيء مثل ما أُتوا من فقد الصبر أو ضعفه.

كل أمة ضعف الصبر في نفوس أفرادها ضعف فيها كل شيء وذهبت منها كل قوة، ولنضرب لذلك مثلًا نقص العلم عند أمة من الأمم كالمسلمين اليوم، إذا دققت النظر وجدت السبب فيه ضعف الصبر، فإن من عرف بابًا من أبواب العلم لا يجد من نفسه صبرًا علي التوسع فيه، والتعب في تحقيق مسائله، وينام على فراش من التقليد هين لين لا يكلفه مشقة، ولا يجشمه تعبًا، ويسلي نفسه عن كسله بتعظيم من سبقه، ولو كان عنده احترام حقيقي لسلفه لاتخذهم أسوة له في عمله فحذا حذوهم وسلك مسلكهم وكلف نفسه بعض ما حملوا أنفسهم عليه، واعتقد كما كانوا يعتقدون أنهم ليسوا بمعصومين.

ثم هو إذا تعلم لا يجد صبرًا على مشقة دعوة الناس إلي علم ما يعلم، وحملهم علي عرفان ما يعرف، ولا جلدًا على تحصيل الوسائل لنشر ما عنده بل متى لاقى أول معارضة قبع في بيته، وترك الخلق للخالق كما يقولون، يجلس الطالب للدرس، سنة أو سنتين ثم تعترضه مشقة التحصيل فيترك الدرس أو يتساهل في فهمه، أو يكل والده من الإنفاق عليه فيصرفه إلى حرفة أُخرى يظنها أربح له فينقطع عن الطلب، ويذهب في الجهل كل مذهب، وكل هذا من ضعف الصبر.

يبخل البخيل بماله ويجهد نفسه في جمعه وكنزه وتعرض له وجوه البر فيعرض عنها، ولا ينفق درهمًا في شيء منها، فيؤذي بذلك وطنه وملته، ويترك الشر والفقر يأكل قومه وأمته، ولو نظرنا إلى ما قبض يده لوجدناه ضعف الصبر، ولو صبر على محاربة خيال الفقر اللائح في ذهنه يهدده بالنزول به، لما أصيب بذلك المرض القاتل له ولأهله.

يسرف المسرف في الشهوات، ويتهتك المتهتك في المنكرات، حتى ينفذ المال، وتسوء الحال ويستبدل الذل بالعز، والفقر بالغنى، ولا سبب لذلك إلا ضياع صبره في مقاومة الهوى، وضبط نفسه عن مواقع الردى.

ولو صبر في مجاهدة تلك النزعات لما كان قد خسر ماله، وأفسد حاله.

وهكذا لو أردت أن أعد جميع الرذائل وأبحث عن عللها الأولى لوجدت أنها تنتهي إلى ضعف الصبر أو فقده.

ولو سردت جميع الفضائل وطلبت ينبوعها الذي تستمد منه حياتها ما وجدت لها ينبوعًا سوى الصبر.

أفلا يكون جديرًا بعد هذا بأن يخص بالذكر؟

"فالحق" حياة العلم، ومستنام السكينة، ومطمأن العقل، ومستقر الراحة للنفس.

"والصبر" مستمد الفضائل، ومدحرة الرذائل، وملاك الصالحات، ومسلاك الحسنات.

فجدير بهذين الأصلين الجليلين أن يخصا من بين أعمال الإنسان بالإشادة بذكرهما.

والتنويه بفضلهما.

ولفت النفوس إليهما خاصة.

لتبدأ بإحرازهما فتصلح بهما أعمالها كافة.

ربما تبين الناظر فيما ذكرنا وجه الحق في هذا الخبر الكريم وهو أن الإنسان في خسر إلا من استكمل لنفسه هذه الصفات التي ذكرت، ولكنا مع ذلك نزيده توضيحًا.

الإيمان بالمعنى الذي بيناه طور من أطوار النفوس البشرية ارتقت إليه، لتخلص من سوء حال كانت عليه النفوس البشرية في طموحها إلى الشهوات هي على نحو ما عليه العجماوات مع امتياز في قوة استحضار الفائت، وتمثيل الآتي، ففاقت سائر نفوس الحيوان في الحرص على نيل ما يلذ لها مما ألفته، وإدخار ما يوفر لها أضعافه فيما يستقبل من الزمن.

فكل نفس تستعمل قواها، في تحصيل ما يرمي إليه هواها.

فما أعظم الشر تتصوره في أشخاص من البشر لا هم لواحد منهم إلا تحصيل ما يتخيله لذيذًا أو نافعًا، وإتلاف ما يتمثله مؤلمًا أو ضارًا، ثم ينظر إلى ذلك في يد غيره فيثب عليه ليستخلصه منه لنفسه، أو يتلفه لزعمه أنه ضار به، ولا رادع للمعتدي إلا ما يكون من المعتدى عليه، ولا يصدق أحد منهم بأصل للخير أو للشر أو للفضيلة أو للرذيلة وإنما الخير عند كل واحد ما يلذه أو ينفعه سواء آلم غيره، أو أضره أم لم يكن كذلك.

أي شقاء يصيب النفوس البشرية إذا خلت من الشعور بذلك الأصل العظيم، أصل التمييز بين الخير والشر؟

فمن لم يكن مؤمنًا بهذا الأصل ولم يصدق بالحسنى كما ورد في سورة "الليل" فقد خسر خسرانًا مبينًا، الفرد الواحد من ذلك ينال نصيبه من الضلال، وسوء الحال، إذا خلا قلبه من ذلك الشعور فإنه يخبط في معاملته لمن معه علي غير هدى، فيصيبه منهم ما يصيبه من الأذى، ثم هو لا يزال قلق البال، حليف البلبال، كما لا يخفى.

ونصيب الأمة من ذلك أعظم من نصيب الفرد بما لاحد له.

من لم يؤمن بالقوة العظمى، والقدرة العليا، والحكمة السامية، والسيطرة القاهرة، التي ينتهي إليها كل عمل في الوجود، وبأن جميع ما عداها فهو في قبضتها، فقد قصر نظره، وضعف بصره، وعظم وهمه، ووهى معتمده، يرى كل قوة من القوى التي بين يديه كأنها مصدر وجوده، ومصرفة أموره، وإذا أصابه شيء من الشر لا يعرف له سببًا تخيل السبب شيئًا من تلك القوى كما يخطر بباله، أو أصاب شيئًا من الخير بدون كسب منه اخترع له وهمه مصدرًا كما يتفق له.

فتكثر عليه الأرباب، وتنسد في وجهه طرق الأسباب، ويعتمد في شؤونه على ما لا يصح الاعتماد عليه.

وهذا هو منشأ ضروب الوثنية، التي كانت سببًا في فساد العقول البشرية -والخسران الذي نزل بأهلها أفرادًا أو أممًا لا يخفى خبره على أحد- ولا يزال ينزل بها من الخسران ما يسوء أثره إلى اليوم.

أما من آمن بأن جميع القوى التي نراها إنما تصدر من قوة واحدة، وهي تحت نظام تدبره إرادة واحدة، وأن من الواجب على العاقل إذا جاءه شيء من الخير أو الشر لا يظهر له سببه أن يبحث بعقله حتى يقف على السبب، أو ينتهي إلي مقدر الأسباب فلا ريب أنه ينجو من شر ذلك الخبط، ويخلص من ورطة ذلك الخلط، ويستوي في نظره جميع ما هو في الكون، وتتساوي جميع أفراده عنده في أنها مربوبة لا يمتاز شيء منها علي آخر إلا بما ميز به من الخصائص وما يكون له من الآثار، فيسكن قلبه من كل ناحية، ومعظم اعتماده علي تلك القوة الواحدة.

ولا يأخذ في أعماله إلا بما سنته له.

فيعتبر ما وضعته من نظام الأسباب والمسببات، فيجري عليه ثابت الجأش مطمئن القلب، غير خائف من شيء بعدما عرف من القدرة الإلهية ما عرف.

من لم يؤمن بأن الحكمة السامية تقضي بأن يكون في البشر مبشرون ومنذرون يوضحون السبل، ويكشفون الحجب، ويغمض عينيه عن النظر في الأدلة التي تؤيد دعواهم، يحرم حظًا وافرًا من المعارف التي يصعب على عقله أو يستحيل عليه أن يصل إليها بدون واسطة هؤلاء المرشدين، ويلتبس عليه كثير من أمره، وتخفى عليه طرق الصواب في كثير من عمله.

فيقع في الشر وهو يسعى إلي الخير، ويصيبه الضر من حيث كان يطلب المنفعة: وأي خسران أعظم من هذا؟

من فقد الإيمان بالله على الوجه الذي بيناه فأقل ما يخسره قوة العزيمة بالاعتماد على من تحيط قوته بالأكوان.

وأدنى ما يفقده ركون النفس إلي سندها الأكبر عند نزول الشدائد.

وأخف ما يصيبه من الخسران تشتت الأهواء عليه واضطرابه بين دواعيها، وحرمانه من الهادي الذي يرشده إلى الوجهة التي ينبغي أن يولي وجهة نحوها، فيظل في حيرة لا خلاص له منها.

وأي شقاء أعظم منها؟

والأمم في هذا الشقاء كالأفراد.

الأعمال الصالحة تتبع الإيمان الصحيح في الأغلب، غير أن من الناس من يظن أن الإيمان قول يعبر عن خيال في النفس لا أثر له في العمل أو أنه اعتقاد يتخذه الشخص مميزًا له عن غيره في جامعة من الجوامع كاعتقاد المسلم بأنه من أهل التوحيد وأنه من أمة محمد  ليتميز بذلك عن غيره من الملل.

وكاعتقاد كل ذي دين بما يظنه من دينه، ومع ذلك لا يأخذ نفسه بالعمل على سنن ذلك الدين، وهذا الإيمان لا ينجي صاحبه من الخسران بل لا بد في النجاة من العمل الصالح وقد بينا الأعمال الصالحة فيما سبق إجمالًا ولا خسار أعظم من خسار يحل بمن لم يأت تلك الأعمال سواء كان ذلك في الدنيا أو الآخرة.

وببيان الخسران بذلك المعنى الذي فهمته تعلم أنه عام في كل من فقد الإيمان وترك العمل الصالح سواء كان ممن لم تبلغهم دعوة الأنبياء وحاد عن سننهم أم كان ممن يسمونه "أهل الفترة" أم ممن لم بلغته إلى اليوم دعوة، سواء قلنا بنجاة هؤلاء في الآخرة أم لم نقل، فإن الخسر في الآية الكريمة ليس محدودًا بخسر الآخرة، وخسر الآخرة ليس محدودًا بالأبدي منه، فصريح الآيات أن من لم يكن من المؤمنين أو لم يعمل الصالحات فهو خاسر، أي ضال، أو وقع في شقاء، على ما سبق بيانه.

ولا ريب في عموم ذلك لجميع أصناف البشر في أي زمان وفي أي مكان وعلى أي حال.

بعد أن ذكر ركنين من أركان النجاة من الخسران في الأمم والأفراد جاء بركنين آخرين لا يتم كل منهما إلا بتعاون الأفراد ولا يمكن لفرد واحد أن يستقل به وهما ركنا التواصي بالحق والتواصي بالصبر على النحو الذي بينا، فإن التواصي لا يكون إلا من متعدد، فلا نجاة من الخسران إلا بأن يقوم الأفراد من الأمة مهما عظم عددهم بأن يوصي كل واحد منهم من يعرفه من الباقين بأن يطلب الحق ويلتزمه، وأن يأخذ بالصبر في جميع شؤونه.

فلو أن شخصًا واحدًا قام بذلك وأوصى غيره ولكن الباقين لم يقوموا بمثل ما قام به لحل الخسر بالجميع في الدنيا لا محالة.

فإن الأمة إذا غفل معظمها عن الحق والدعوة إليه ووهن الصبر في نفوسهم فلا محالة يستولي عليها الباطل وتضعف منها العزائم فيسوء حالها، وترمي بنفسها في الهلكة ﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً  ﴾ وأما في الآخرة فالخسار إنما يحيق بمن لم يوصِ أو من لم يسمع الوصية ولم يقبلها، فإن كان الموصي لم يحصل من وسائل التقريب ما يحتاج إليه، وكان نفور صاحبه من طريقة نصحه ولو سلك غيرها لقبل منه كان الخسار في الآخرة عليه كذلك، وأي نجاة لأمة يسكت أبناؤها علي المنكر يفشو بينهم ولا تتحرك نفوسهم إلي التناهي عنه، والمنكر مفسدة الأفراد ومقراض الأمم!!

التواصي بالحق والتواصي بالصبر يدخل فيهما الأمران -الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- لأن من أوصى بالحق ودعا إليه لا يتم له ذلك حتي ينهي عن الباطل ويصد عنه، ومن أوصى بالصبر على مشاق الأعمال الصالحة لا يكمل له ذلك حتي يبين مساوئ الأعمال الخبيثة وعواقب التفريط بترك تلك الصالحات فقد أودع الله في هذين الركنين، ركني الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في جميع الأعمال والأحوال، وقرر لنا أن لا نجاة لقوم من الخسران في الدنيا والآخرة إلا بأن يقوم كل واحد منهم بما يجب عليه من ذلك في القدر الذي يمكنه وعلي الوجه الذي يمكنه، وقد أكد لنا الخبر بما أورده من القسم فليس في الخبر تجوز، ولا فيما تضمنه من الأمر هوادة، فمن الواجب علي كل أمة تريد أن تنجو من الخسران أن تقوم بهذا الفرض، وهو التواصي بالخير، والتناهي عن الشر، أو التواصي بالحق والتواصي بالصبر، فإذا طرأ علي عوائد الأمة أو نزل بها من الحوادث ما بغض إليها التناصح أو حبب إليها التساهل في فريضة التواصي كان ذلك إنذارًا بحلول الخسار، وتعرضًا في الدنيا للعار والدمار، وفي الآخرة لعذاب النار.

ولا يجوز لأحد أن يتعلل بذلك التساهل إذا وقع من الأمة ويقنع نفسه بأنه عاجز عن النجاح في نصيحته ولهذا يكفيه أن ينكر المنكر بقلبه وبذلك ينجو من الخسران الأخروي إن لم ينج من الخسران الدنيوي، كما يتوهمه بعض المسلمين اليوم، خصوصًا أولئك الذين عرفوا بينهم بالعلماء، فقد أخطأوا الخطأ العظيم في زعمهم أن إعراض العامة عنهم ينجيهم من العقوبة الإلهية إذا لم يبذلوا النصح لهم ولم يبينوا لهم وجه الحق وإن أنكروه، وأكد خبره، ولا سبيل إلي التأويل في أمره، ولا إلي جحد ما يتلوه من أثره.

يحتج كثير من عامة أولئك العلماء بحديث: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه".

ولكنا نقول إنه لا يصح الاحتجاج به في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن تغيير المنكر عند رؤيته شيء يتعلق بأمر خاص وهو المنكر المعين الواقع من الشخص المعين، وقد يتسامح في معاملة الشخص المعين في حالة مخصوصة لشأن مخصوص، فإن ملكًا من الملوك أو أميرًا من الأمراء الظالمين لا يحتلم أن يقاله له: إن الأولى بك أن تفعل ما تفعل، أو ليتك لم تفعل هذا، أوليتك فعلت هذا.

فضلًا عن أن يقال له: أترك هذا فإنه منكر، أو أفعل هذا فإنه من المعروف.

وربما كانت كلمة من هذا القبيل سببًا في إتلاف نفس القائل، بسطوة ذلك الظالم، ولكن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم ينحصر في طلب تغيير المنكر في هذه الحالة المحدودة، بل ذلك شامل للوعظ العام في المساجد والطرق والأسواق والمنتديات وفي أوقات الاجتماع الخاصة وفي الحديث مع الأصحاب والأحبة وفي كل حال من أحوال الاجتماع خاصة وعامة.

ومثل هذا يستطيعه كل واحد من الناس على حسبه فلا يمكن لأحد أن يزعم أنه عاجز عن القيام بفرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإطلاق لأنه لا يوجد أحد يزعم العجز من جميع الوجوه عن هذا الذي بينا إلا أن يكون قد بلغ من العجز غاية لا يبلغها الحيوان الأعجم.

غير أنه يجب على العلماء ومن يتشبه بهم أن يتعلموا من وسائل القيام بالواجب، ما تدعوا إليه الحال علي حسب الأزمان واختلاف أحوال الأمم، وأول ما يجب عليهم في ذلك أن يتعلموا التاريخ الصحيح وعلم تكوين الأمم وارتفاعها وانحطاطها وعلم الأخلاق وأحوال النفس وعلم الحس والوجدان ونحو ذلك مما لا بد منه في معرفة مداخل الباطل إلي القلوب ومعرفة طرق التوفيق بين العقل والحق، وسبل التقريب بين اللذة والمنفعة الدنيوية والأخروية، ووسائل استمالة النفوس عن جانب الشر إلى جانب الخير.

فإن لم يحصلوا علم ذلك كله فوزر العامة عليهم، ولا تنفعهم دعوى العجز فإنهم ينفقون أزمانهم في القيل والقال، والبحث عن الألفاظ والأقوال، ما كان يكفيهم أن يكونوا بحار علم، وأعلام هدى ورشد، فليطلبوا العلم من سبله التي قام عليها السلف الصالح والله كفيل أن يمدهم بمعونته، أما وقد انقطعوا إلى ما يعجزهم عن القيام بأمره فلن يقبل الله لهم عذرًا، بل فليتربصوا حتى يأتي الله بأمره.

لو قضى الزمان بأن يكون من وسائل التمكن من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإشغال الناس بالحق عن الباطل، وبالطيب عن الخبيث أن يضرب الإنسان في الأرض، ويمسحها في الطول والعرض، وأن يتعلم اللغات الأجنبية ليقف علي ما فيها مما ينفعه فيستعمله وما يخشى ضرره على قومه فيدفعه، لوجب علي أهل العلم أن يأخذوا من ذلك بما يستطيعون، ولهم في سلف الأمة من القرن الأول إلي نهاية القرن الرابع من الهجرة أحسن أسوة، وأفضل قدوة، وكل ما يهونون به على أنفسهم مما يخالف ذلك فإنما هي وساوس الشيطان، يشغلهم بها عن النظر في معاني القرآن، ويحرمهم من التعرض لرحمة الرحمن.

بقيت مسألة كثر السؤال عنها، والإلحاح عَلَيَّ في التعرض لها، كلما ذهبت إلى مكان وجدت لها حاملًا، لا يلبث أن يتوجه إليّ سائلًا، وهي مسألة الاختيار والكسب ونسبة الأفعال الاختيارية إلى المبدأ وإلى خالق العبد، ولا أنكر أن هذه المسألة كانت من أعظم المسائل خطرًا علي الإسلام والمسلمين، ولكن كان في مرور الزمان وتتابع الحوادث ما يهدي الناس إلى أوجه الحق فيها ويرشدهم إلى أن يرجعوا إلى كتاب ربهم، وهدى نبيهم.

نزوع النفوس إلى الخوض في هذه المسألة ضرب من ضعف الصبر أو فقده.

الوجدان يشهد والحس يشاهد أن الذي يرفع يده بالسيف ويضرب آخر فيقتله هو الذي ضربه ويقول الرائي والمخبر: إن فلانًا قتل فلانًا أو ضربه أو اعتدى عليه: فنسبة الأفعال إلى من صدرت عنه من العباد مما لا يحتاج إلى بحث ولا نظر.

ثم جاء القرآن يقول: ﴿ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ  ﴾ ، ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ وغير ذلك من الآيات حتى قال في الآية التي يحتجون بها ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ  ﴾ فلو سلم أن المراد مما تعملون العمل نفسه فقد نسب العمل إليهم وقامت أحكام الشريعة جميعًا على هذا الأصل.

ولو كان فعل العبد ليس له لبطل تكليفه به إذ لا يعقل أن يدعى شخص إلى ما لا يقدر عليه، وأن يكلف بما لا أثر لإرادته فيه، ولو كان فعل القاتل ليس له لامتنع القصاص ولم تكن فيه لنا حياة.

فالعقل والشرع والحس والوجدان متضافرة على أن فعل العبد فعله.

وكون جميع الأشياء راجعة إلى الله تعالى ووجود الممكنات إنما هو نسبتها إليه ولا يتصور اعتبارها موجودة إلا إذا اعتبرت مستندة إليه -مما قام عليه الدليل بل كاد يصل إلى البداهة كذلك.

ومثل هذا يقال في عظيم قدرة الله تعالى وأنه إن شاء سلبنا من القدرة والاختيار ما وهبنا فهو أمر نشاهده كل يوم، ندبر شيئًا ثم يأتي من الموانع من تحقيقه ما لم يكن في الحسبان، ونتناول عملًا ثم تنقطع قدرتنا عن تتميمه، كل ذلك لا نزاع فيه، شمول علم الله لما كان ولما يكون قام عليه الدليل ولا شبهة فيه عند المليين فوجب على المسلم أن يعتقد بأن الله خالق كل شيء على النحو الذي يعلمه وأن يقر بنسبة عمله إليه كما هو بديهي عنده، ويعمل بما أمره به ويجتنب ما نهاه عنه باستعمال ذلك الاختيار الذي يجده من نفسه، وليس عليه بعد ذلك أن يرفع بصره إلى ما وراءه فقد نعى الله على المشركين قولهم ﴿ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ  ﴾ ووردت الأحاديث متواترة المعنى في النهي عن الخوض في القدر وسره.

فلو صبر العبد حق الصبر لوقف عندما حد الله له ولم ينزع بنفسه إلى تعدي حدود الله التي ضربها لعباده.

ولست أحب التكلم في هذه المسألة بأكثر من هذا، وإلا خرجت من الصابرين، وخضت في القدر مع الخائضين.

ومن ثار به الهوس فتوهم أن علينا أن نعتقد أن العبد لا فعل له فقد خالف كتاب الله، وعصى رسول الله، وقد أقول -واعتمادي على الله فيما أقول-: إن من يقول ذلك يخرج عن دين الله، ويعطل شرع الله، فليحذر مؤمن بالله أن يقول ذلك، وأسأل الله أن يرشدنا جميعًا إلى ما فيه صلاح أنفسنا وأن يوفقنا للتواصي بالحق والتواصي بالصبر بفضله وكرمه.

قد يمر بخاطر سائل أن يسأل: إذا كان هذا الذي ذكر في هذه السورة هو حكم طبيعة الإنسان في كل فرد من أفراد المكلفين منه وإن من لم يكن على هذه الصفات فهو خاسر ضربًا من الخسران في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما، وأن من أخذ بالحظ الأوفر منها نجا من ذلك الخسران فما بالنا نرى من غير المؤمنين من يتمتع بالسعادة في هذه الدنيا، أممًا وأفرادًا، ونرى من المؤمنين من يغمره الشقاء، أممًا وآحادًا، وإذا شئت مثلًا لذلك فانظر إلى حال اليابانيين وهم وثنيون أو حال بعض الأمم الأوروبية التي لا يعتقد الكثير من أفرادها بالله ولا برسله وقارن بينهم وبين الأمم المؤمنة كالمسلمين مثلًا.

فندفع عنه هذا الخاطر بأن ما يراه في بعض الأمم من ظاهر السعادة ليس إلا لمعان السراب حتى إذا جاءه وحقق أمره لم يجده شيئًا.

قال "ماكس نوردو" في كتابه المسمى: (الأكاذيب العرفية لتمدننا) ما معناه: "إن الناس كانوا ولم يزالوا يطلبون الحق ولم يكونوا في زمان أبعد عنه منهم في هذا الزمان"، ثم قال ما ترجمته: "إنك لو طرقت أي باب تسأل: هل مرت السعادة بهذا البيت؟

لأجابك مجيب: "إذا شئت فأطرق بابًا آخر فإن السعادة لم تمر ببيتنا" وهو يقول ذلك بعد أن ذكر ما عليه حال الأمم الأوروبية جميعها ونسبته من السعادة والشقاء، وبعد أن أجمل من وصف أحوالهم والمصائب التي تتوقع لهم والآلام الشاغلة لقلوبهم أجمعين ما يرحمهم لأجله المقصرون عنهم، ويزهد الراغبين في مثل حالهم، ويصدهم عن اقتفاء آثارهم، وبيّن سبب ذلك وأنه بعدهم عن الحق، ونزوع أنفسهم إلى الباطل، وفقدهم الصبر في طلب المال وهرولتهم خلف داعي الشهوة، لا يعصمون له أمرًا، ولا يخالفون له إشارة، ومنشأ ذلك خلو نفوسهم من الركون إلى الإله الواحد خالق الجميع ورازق الأحياء، ومقدر الأسباب لمكاسبهم على حسب ما وهبهم من القوى والقدر.

ولو اطلعت على ما أخذ اليابانيين من ذلك وما تألم له نفوسهم من الأوهام الوثنية التي ما اتصلت بروح إلا أفقدتها السكينة وأوجدتها الاضطراب صعب عليك أن تحكم بأنهم سعداء، فإذا كان لهم شيء من السعادة فهو ببركة التواصي بالصبر أو عمل بعض الصالحات التي جعلها الله عمادًا للسعادة في هذه الحياة الدنيا كالأمانة والصدق وارتفاع الهمة والأخذ بالحق فيما يرفع الشأن ويكسب العزة.

أما حال المؤمنين -إن كانوا- فهو لا يخالف الحكم الوارد في الآيات الكريمة فإنا لا نعني ولا يعني عاقل بالسعادة وفرة المال ورفه العيش في ظاهر الأمر وإن كانت النفوس قلقة، والضمائر محترقة، ولكن السعادة سكون النفوس وراحة الضمائر، واطمئنان السرائر، والرضى الحقيقي بما وصل إلى اليد، والسعي المقارب إلى الرغيبة من سبلها المعروفة، مع المعرفة بتلك السبل، والاعتماد على الهادي إليها ولا أشك في أنك تجد هذه الطمأنينة عند المؤمن بالمعنى الذي قدمنا في أي أرض وجد، وفي أي أمة ولد، وأما المثل الذي ضربته وهو جملة المسلمين فإني أقول لك ولا أخشى لوم لائم: إن من كان مومنًا منهم وعمل الصالح وقام بفريضة التواصي بالحق والتواصي بالصبر فهو راضٍ عن نفسه، راض عن ربه، سعيد وإن كان بين الأشقياء، حكيم وإن وجد بين السفهاء، لا يعرف الشقاء إلا بما ينعكس إليه من صوره في نفوس غيره، وأما البقية فإن كانوا خاسرين فخسرانهم جاءهم من فقد الأركان الأربعة: أما الإيمان فلأنهم أخذوه اسمًا، واكتفوا به علمًا ورسمًا وورثوا عن الآباء والأمهات صورًا وعبارات ومثل عبادات، لا يحوك بصدرهم شيء من معناها، وأوفرهم حمية على التوحيد أملؤهم من الإشراك تحت أسماء اخترعها، وألقاب اختلقها "كالوسيلة" و "الواسطة" وما يشبه ذلك مما لم ينزل به الله سلطانًا، وأما العمل الصالح فكيف يجتمع مع الحسد والعداوة والكبرياء والجهل والكسل ونحو ذلك مما تراه في عامتهم، والأغلب من خاصتهم، وأما التواصي بالصبر فلم يبق له أثر بينهم يرون ما يرون من المنكرات، ويحسون بما يحسون من فاسد الاعتقاد، وكل منهم ساكت عما يرى ويحس من الآخر كأنه لا صلة بينهما في الدين، وكأن لم يرد في دينهم ما يدعوهم إلى التناصح، ولو أن واحدًا منهم نصح للآخر لقامت عليه قيامته، وظنه محتقرًا لمنزلته، غامطًا لحقه، ولو وجد من حذاقهم من يلومه ويقبح عمله، وكيف لا يخسر قوم هذا شأنهم؟

فلو أنهم راجعوا إلى دينهم، وأقاموا في أنفسهم هذه الأصول الأربعة لرأيتهم وقد وفاهم الله وعده في قوله: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً  ﴾ ، ولخرجوا من حكم الوعيد الذي أنذرهم الله به من قبل في قوله: ﴿ وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ  ﴾ .

﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ  ﴾ ، والله أعلم.

مزيد من التفاسير لسورة العصر

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله