تفسير الآية ١ من سورة قريش

الإسلام > القرآن > سور > سورة 106 قريش > الآية ١ من سورة قريش

لِإِيلَـٰفِ قُرَيْشٍ ١

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 113 دقيقة قراءة

تفسيرُ الآية ١ من سورة قريش من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.

تفسير الآية ١ من سورة قريش عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

تفسير سورة لإيلاف قريش وهي مكية .

ذكر حديث غريب في فضلها : قال البيهقي في كتاب " الخلافيات " : حدثنا أبو عبد الله الحافظ ، حدثنا بكر بن محمد بن حمدان الصيرفي بمرو ، حدثنا أحمد بن عبيد الله النرسي ، حدثنا يعقوب بن محمد الزهري ، حدثنا إبراهيم بن محمد بن ثابت بن شرحبيل ، حدثني عثمان بن عبد الله [ بن ] أبي عتيق ، عن سعيد بن عمرو بن جعدة بن هبيرة ، عن أبيه ، عن جدته أم هانئ بنت أبي طالب ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " فضل الله قريشا بسبع خلال : أني منهم وأن النبوة فيهم ، والحجابة والسقاية فيهم ، وأن الله نصرهم على الفيل ، وأنهم عبدوا الله عز وجل عشر سنين لا يعبده غيرهم ، وأن الله أنزل فيهم سورة من القرآن " ثم تلاها رسول الله : بسم الله الرحمن الرحيم " لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف " .

هذه السورة مفصولة عن التي قبلها في المصحف الإمام ، كتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ، وإن كانت متعلقة بما قبلها .

كما صرح بذلك محمد بن إسحاق وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ; لأن المعنى عندهما : حبسنا عن مكة الفيل وأهلكنا أهله ( لإيلاف قريش ) أي : لائتلافهم واجتماعهم في بلدهم آمنين .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: لإِيلافِ قُرَيْشٍ (1) اختلفت القرّاء في قراءة: ( لإيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ ) , فقرأ ذلك عامة قرّاء الأمصار بياء بعد همز لإيلاف وإيلافهم, سوى أبي جعفر, فإنه وافق غيره في قوله ( لإيلافِ ) فقرأه بياء بعد همزة, واختلف عنه في قوله ( إِيلافِهِمْ ) فروي عنه أنه كان يقرؤه: " إلْفِهِمْ" (1) على أنه مصدر من ألف يألف إلفا, بغير ياء.

وحَكى بعضهم عنه أنه كان يقرؤه: " إلافِهِمْ" بغير ياء مقصورة الألف.

والصواب من القراءة في ذلك عندي: من قرأه: ( لإيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ ) بإثبات الياء فيهما بعد الهمزة, من آلفت الشيء أُولفه إيلافا, لإجماع الحجة من القرّاء عليه.

وللعرب في ذلك لغتان: آلفت, وألفت; فمن قال: آلفت بمدّ الألف قال: فأنا أؤالف إيلافا; ومن قال: ألفت بقصر الألف قال: فأنا آلف إلفا, وهو رجل آلف إلفا.

وحكي عن عكرمة أنه كان يقرأ ذلك: " لتألف قريش إلفهم رحلة الشتاء والصيف ".

حدثني بذلك أبو كُرَيب, قال: ثنا وكيع, عن أبي مكين, عن عكرِمة.

وقد رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك, ما حدثنا ابن حميد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, عن ليث, عن شهر بن حوشب, عن أسماء بنت يزيد, قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ: " إلْفَهُمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ" .

واختلف أهل العربية في المعنى الجالب هذه اللام في قوله: ( لإيلافِ قُرَيْشٍ ) , فكان بعض نحويي البصرة يقول: الجالب لها قوله: فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ فهي في قول هذا القائل صلة لقوله جعلهم, فالواجب على هذا القول, أن يكون معنى الكلام: ففعلنا بأصحاب الفيل هذا الفعل, نعمة منا على أهل هذا البيت, وإحسانا منا إليهم, إلى نعمتنا عليهم في رحلة الشتاء والصيف, فتكون اللام في قوله ( لإيلافِ ) بمعنى إلى, كأنه قيل: نعمة لنعمة وإلى نعمة, لأن إلى موضع اللام, واللام موضع إلى.

وقد قال معنى هذا القول بعض أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال: ثنا عيسى: وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, في قوله: ( إيلافِهِم رِحْلَة الشتاءِ والصَّيْف ) قال: إيلافهم ذلك فلا يشقّ عليهم رحلة شتاء ولا صيف.

حدثني إسماعيل بن موسى السديِّ, قال: أخبرنا شريك, عن إبراهيم بن المهاجر, عن مجاهد ( لإيلافِ قُريْشٍ ) قال: نعمتي على قريش.

حدثني محمد بن عبد الله الهلالي, قال: ثنا فروة بن أبي المَغْراء الكندي, قال: ثنا شريك, عن إبراهيم بن المهاجر, عن مجاهد, مثله.

حدثنا عمرو بن عليّ, قال: ثنا عامر بن إبراهيم الأصبهاني, قال: ثنا خطاب ابن جعفر بن أبي المغيرة قال: ثني أبي, عن سعيد بن جُبير, عن ابن عباس, في قوله: ( لإيلافِ قُريْشٍ ) قال: نعمتي على قريش.

وكان بعض نحويي الكوفة يقول: قد قيل هذا القول, ويقال: إنه تبارك وتعالى عجَّب نبيه صلى الله عليه وسلم فقال: اعجب يا محمد لِنعَم الله على قريش, في إيلافهم رحلة الشتاء والصيف.

ثم قال: فلا يتشاغلوا بذلك عن الإيمان واتباعك يستدل بقوله: (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ) .

وكان بعض أهل التأويل يوجِّه تأويل قوله: (لإيلافِ قُريْشٍ ) إلى أُلفة بعضهم بعضا.

*ذكر من قال ذلك: حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قول الله: ( لإيلافِ قُريْشٍ ) فقرأ: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ إلى آخر السورة, قال: هذا لإيلاف قريش, صنعتُ هذا بهم لألفة قريش, لئلا أفرّق أُلفتهم وجماعتهم, وإنما جاء صاحب الفيل ليستبيد حريمهم, فصنع الله ذلك.

والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن هذه اللام بمعنى التعجب.

وأن معنى الكلام: اعجبوا لإيلاف قريش رحلة الشتاء والصيف, وتركهم عبادة ربّ هذا البيت, الذي أطعهم من جوع, وآمنهم من خوف، فليعبدوا ربّ هذا البيت, الذي أطعمهم من جوع, وآمنهم من خوف.

والعرب إذا جاءت بهذه اللام, فأدخلوها في الكلام للتعجب اكتفوا بها دليلا على التعجب من إظهار الفعل الذي يجلبها, كما قال الشاعر: أغَــرَّكَ أنْ قَــالُوا لِقُـرَّةَ شـاعِرًا فيالأبــاهُ مِــنْ عَــرِيفٍ وَشَـاعِرِ (2) فاكتفى باللام دليلا على التعجب من إظهار الفعل، وإنما الكلام: أغرّك أن قالوا: اعجبوا لقرّة شاعرا، فكذلك قوله: (لإيلافِ) .

وأما القول الذي قاله من حَكينا قوله, أنه من صلة قوله: فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ فإن ذلك لو كان كذلك, لوجب أن يكون " لإيلاف " بعض أَلَمْ تَرَ , وأن لا تكون سورة منفصلة من أَلَمْ تَرَ ، وفي إجماع جميع المسلمين على أنهما سورتان تامتان، كلّ واحدة منهما منصلة عن الأخرى ما يبين عن فساد القول الذي قاله من قال ذلك.

ولو كان قوله: ( لإيلافِ قُرَيْشٍ ) من صلة قوله: فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ لم تكن أَلَمْ تَرَ تامَّة حتى توصل بقوله: ( لإيلافِ قُرَيْشٍ ) لأن الكلام لا يتمّ إلا بانقضاء الخبر الذي ذُكر.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ, قال: ثنا أبو صالح, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, في قوله: (إلْفَهُمْ رِحْلَةَ الشتاءِ وَالصَّيْف) يقول: لزومهم.

حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبى, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, في قوله: ( لإيلافِ قُرَيْشٍ ) قال: نهاهم عن الرحلة, وأمرهم أن يعبدوا ربّ هذا البيت, وكفاهم المؤنة، وكانت رحلتهم في الشتاء والصيف, فلم يكن لهم راحة في شتاء ولا صيف, فأطعمهم بعد ذلك من جوع, وآمنهم من خوف, وألفوا الرحلة, فكانوا إذا شاءوا ارتحلوا, وإذا شاءوا أقاموا, فكان ذلك من نعمة الله عليهم.

حدثني محمد بن المثنى, قال: ثني ابن عبد الأعلى, قال: ثنا داود, عن عكرمة قال: كانت قريش قد ألفوا بصرى واليمن يختلفون إلى هذه في الشتاء, وإلى هذه في الصيف ( فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ ) فأمرهم أن يقيموا بمكة.

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, عن إسماعيل, عن أبي صالح ( لإيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ ) قال: كانوا تجارا, فعلم الله حبهم للشام.

حدثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن قتادة ( لإيلافِ قُرَيْشٍ ) قال: عادة قريش عادتهم رحلة الشتاء والصيف.

حُدثت عن الحسين, قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد, قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( لإيلافِ قُرَيْشٍ ) كانوا ألفوا الارتحال في القيظ والشتاء.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

تفسير سورة قريشمكية في قول الجمهورومدنية في قول الضحاك والكلبيوهي أربع آياتبسم الله الرحمن الرحيملإيلاف قريشقيل : إن هذه السورة متصلة بالتي قبلها في المعنى .

يقول : أهلكت أصحاب الفيل لإيلاف قريش ; أي لتأتلف ، أو لتتفق قريش ، أو لكي تأمن قريش فتؤلف رحلتيها .

وممن عد السورتين واحدة أبي بن كعب ، ولا فصل بينهما في مصحفه .

وقال سفيان بن عيينة : كان لنا إمام لا يفصل بينهما ، ويقرؤهما معا .

وقال عمرو بن ميمون الأودي : صلينا المغرب خلف عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ; فقرأ في الأولى : والتين والزيتون وفي الثانية ألم تر كيف و لإيلاف قريش .وقال الفراء : هذه السورة متصلة بالسورة الأولى ; لأنه ذكر أهل مكة عظيم نعمته عليهم فيما فعل بالحبشة ، ثم قال : لإيلاف قريش أي فعلنا ذلك بأصحاب الفيل نعمة منا على قريش .

وذلك أن قريشا كانت تخرج في تجارتها ، فلا يغار عليها ولا تقرب في الجاهلية .

يقولون هم أهل بيت الله جل وعز ; حتى جاء صاحب الفيل ليهدم الكعبة ، ويأخذ حجارتها ، فيبني بها بيتا في اليمن يحج الناس إليه ، فأهلكهم الله - عز وجل - ، فذكرهم نعمته .

أي فجعل الله ذلك لإيلاف قريش ، أي ليألفوا الخروج ولا يجترأ عليهم ; وهو معنى قول مجاهد وابن عباس في رواية سعيد بن جبير عنه .

ذكره النحاس : حدثنا أحمد بن شعيب قال أخبرني عمرو بن علي قال : حدثني عامر بن إبراهيم - وكان ثقة من خيار الناس - [ ص: 180 ] قال حدثني خطاب بن جعفر بن أبي المغيرة ، قال : حدثني أبي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ، في قوله تعالى : لإيلاف قريش قال : نعمتي على قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف .

قال : كانوا يشتون بمكة ، ويصيفون بالطائف .

وعلى هذا القول يجوز الوقف على رءوس الآي وإن لم يكن الكلام تاما ; على ما نبينه أثناء السورة .

وقيل : ليست بمتصلة ; لأن بين السورتين بسم الله الرحمن الرحيم وذلك دليل على انقضاء السورة وافتتاح الأخرى ، وأن اللام متعلقة بقوله تعالى : فليعبدوا أي : فليعبدوا هؤلاء رب هذا البيت ، لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف للامتيار .

وكذا قال الخليل : ليست متصلة ; كأنه قال : ألف الله قريشا إيلافا فليعبدوا رب هذا البيت .

وعمل ما بعد الفاء فيما قبلها لأنها زائدة غير عاطفة ; كقولك : زيدا فاضرب .

وقيل : اللام في قوله تعالى : لإيلاف قريش لام التعجب ; أي اعجبوا لإيلاف قريش ; قاله الكسائي والأخفش .

وقيل : بمعنى إلى .

وقرأ ابن عامر : ( لإئلاف قريش ) مهموزا مختلسا بلا ياء .

وقرأ أبو جعفر والأعرج ( ليلاف ) بلا همز طلبا للخفة .

الباقون لإيلاف بالياء مهموزا مشبعا ; من آلفت أولف إيلافا .

قال الشاعر :المنعمين إذا النجوم تغيرت والظاعنين لرحلة الإيلافويقال : ألفته إلفا وإلافا .

وقرأ أبو جعفر أيضا : ( لإلف قريش ) وقد جمعهما من قال :زعمتم أن إخوتكم قريش لهم إلف وليس لكم إلافقال الجوهري : وفلان قد ألف هذا الموضع ( بالكسر ) يألف إلفا ، وآلفه إياه غيره .

ويقال أيضا : آلفت الموضع أولفه إيلافا .

وكذلك : آلفت الموضع أؤلفه مؤالفة وإلافا ; فصار صورة أفعل وفاعل في الماضي واحدة .

وقرأ عكرمة ( ليألف ) بفتح اللام على الأمر وكذلك هو في مصحف ابن مسعود .

وفتح لام الأمر لغة حكاها ابن مجاهد وغيره .

وكان عكرمة يعيب على من يقرأ لإيلاف .

وقرأ بعض أهل مكة ( إلاف قريش ) استشهد بقول أبي طالب يوصي أخاه أبا لهب برسول الله - صلى الله عليه وسلم - :فلا تتركنه ما حييت لمعظم وكن رجلا ذا نجدة وعفافتذود العدا عن عصبة هاشمية إلافهم في الناس خير إلافوأما قريش فهم بنو النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر .

فكل من كان من ولد النضر فهو قرشي دون بني كنانة ومن فوقه .

وربما قالوا : قريشي ، وهو القياس ; قال الشاعر :كل قريشي عليه مهابة [ سريع إلى واعي الندى والتكرم ][ ص: 181 ] فإن أردت بقريش الحي صرفته ، وإن أردت به القبيلة لم تصرفه ; قال الشاعر ( عدي بن الرفاع ) :[ غلب المساميح الوليد سماحة ] وكفى قريش المعضلات وسادهاوالتقريش : الاكتساب ، وتقرشوا أي تجمعوا .

وقد كانوا متفرقين في غير الحرم ، فجمعهم قصي بن كلاب في الحرم ، حتى اتخذوه مسكنا .

قال الشاعر :أبونا قصي كان يدعى مجمعا به جمع الله القبائل من فهروقد قيل : إن قريشا بنو فهر بن مالك بن النضر .

فكل من لم يلده فهر فليس بقرشي .

والأول أصح وأثبت .

وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : إنا ولد النضر بن كنانة لا نقفو أمنا ، ولا ننتفي من أبينا .

وقال وائلة بن الأسقع : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل ، واصطفى من بني كنانة قريشا ، واصطفى من قريش بني هاشم ، واصطفاني من بني هاشم .

صحيح ثابت ، خرجه البخاري ومسلم وغيرهما .واختلف في تسميتهم قريشا على أقوال : أحدها : لتجمعهم بعد التفرق ، والتقرش : التجمع والالتئام .

قال أبو جلدة اليشكري :إخوة قرشوا الذنوب علينا في حديث من دهرهم وقديمالثاني : لأنهم كانوا تجارا يأكلون من مكاسبهم .

والتقرش : التكسب .

وقد قرش يقرش قرشا : إذا كسب وجمع .

قال الفراء : وبه سميت قريش .الثالث : لأنهم كانوا يفتشون الحاج من ذي الخلة ، فيسدون خلته .

والقرش : التفتيش .

قال الشاعر :أيها الشامت المقرش عنا عند عمرو فهل له إبقاءالرابع : ما روي أن معاوية سأل ابن عباس لم سميت قريش قريشا ؟

فقال : لدابة في البحر من أقوى دوابه يقال لها القرش ; تأكل ولا تؤكل ، وتعلو ولا تعلى .

وأنشد قول تبع :وقريش هي التي تسكن البح ر بها سميت قريش قريشاتأكل الرث والسمين ولا تت رك فيها لذي جناحين ريشاهكذا في البلاد حي قريش يأكلون البلاد أكلا كميشاولهم آخر الزمان نبي يكثر القتل فيهم والخموشا

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

قال كثير من المفسرين: إن الجار والمجرور متعلق بالسورة التي قبلها أي: فعلنا ما فعلنا بأصحاب الفيل لأجل قريش وأمنهم، واستقامة مصالحهم، وانتظام رحلتهم في الشتاء لليمن، والصيف للشام، لأجل التجارة والمكاسب.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

مكية ( لإيلاف قريش ) قرأ أبو جعفر : " ليلاف " بغير همز " إلافهم " طلبا للخفة ، وقرأ ابن عامر " لئلاف " بهمزة مختلسة من غير ياء بعدها [ على وزن لغلاف ] وقرأ الآخرون بهمزة مشبعة وياء بعدها ، واتفقوا - غير أبي جعفر - في " إيلافهم " أنها بياء بعد الهمزة ، إلا عبد الوهاب بن فليح عن ابن كثير فإنه قرأ : " إلفهم " ساكنة اللام بغير ياء .

وعد بعضهم سورة الفيل وهذه السورة واحدة ; منهم أبي بن كعب لا فصل بينهما في مصحفه ، وقالوا : اللام في " لإيلاف " تتعلق بالسورة التي قبلها ، وذلك أن الله تعالى ذكر أهل مكة عظيم نعمته عليهم فيما صنع بالحبشة ، وقال : ( لإيلاف قريش ) .

وقال الزجاج : المعنى : جعلهم كعصف مأكول لإيلاف قريش ، أي [ يريد إهلاك أهل ] الفيل لتبقى قريش [ وما ألفوا من ] رحلة الشتاء والصيف .

وقال مجاهد : ألفوا ذلك فلا يشق عليهم في الشتاء والصيف .

والعامة على أنهما سورتان ، واختلفوا في العلة الجالبة للام في قوله " لإيلاف " ، قال الكسائي والأخفش : هي لام التعجب ، يقول : اعجبوا لإيلاف قريش رحلة الشتاء والصيف ، وتركهم عبادة رب هذا البيت ، ثم أمرهم بعبادته كما تقول في الكلام لزيد وإكرامنا إياه على وجه التعجب : اعجبوا لذلك : والعرب إذا جاءت بهذه اللام اكتفوا بها دليلا على التعجب من إظهار الفعل منه .

وقال الزجاج : هي مردودة إلى ما بعدها تقديره : فليعبدوا رب هذا البيت لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف .

وقال [ ابن عيينة ] : لنعمتي على قريش .

وقريش هم ولد النضر بن كنانة ، وكل من ولده النضر فهو قرشي ، ومن لم يلده النضر فليس بقرشي .

أخبرنا أبو الحسن علي بن يوسف الجويني ، أخبرنا أبو محمد محمد بن علي بن محمد بن شريك الشافعي ، أخبرنا عبد الله بن مسلم أبو بكر الجوربذي ، حدثنا يونس بن عبد الأعلى الصدفي ، أخبرنا بشر بن بكر عن الأوزاعي ، حدثني شداد أبو عمار ، حدثنا واثلة بن الأسقع ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل ، واصطفى من كنانة قريشا واصطفى من قريش بني هاشم ، واصطفاني من بني هاشم " .

وسموا قريشا من القرش ، والتقرش وهو التكسب والجمع ، يقال : فلان يقرش لعياله ويقترش أي يكتسب ، وهم كانوا تجارا حراصا على جمع المال والإفضال .

وقال أبو ريحانة : سأل معاوية عبد الله بن عباس : لم سميت قريش قريشا ؟

قال : لدابة تكون في البحر من أعظم دوابه يقال لها القرش لا تمر بشيء من الغث والسمين إلا أكلته ، وهي تأكل ولا تؤكل ، وتعلو ولا تعلى ، قال : وهل تعرف العرب ذلك في أشعارها ؟

قال : نعم ، فأنشده شعر الجمحي : وقريش هي التي تسكن البحر بها سميت قريش قريشا سلطت بالعلو في لجة البحر على سائر البحور جيوشا تأكل الغث والسمين ولا تترك فيه لذي الجناحين ريشا هكذا في الكتاب حي قريش يأكلون البلاد أكلا [ كميشا ] ولهم في آخر الزمان نبي يكثر القتل فيهم والخموشا

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«لإيلاف قريش».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

اعْجَبوا لإلف قريش، وأمنهم، واستقامة مصالحهم، وانتظام رحلتيهم في الشتاء إلى "اليمن"، وفي الصيف إلى "الشام"، وتيسير ذلك؛ لجلب ما يحتاجون إليه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

الإِيلاف : مصدر آلفت الشئ إيلافا و " إلفا " إذا لزمته وتعودت عليه .

وتقول : آلفت فلانا الشئ ، إذا ألزمته إياه .

والإِيلاف - أيضا - اجتماع الشمل مع الالتئام ، ومنه قوله - تعالى - ( واذكروا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً .

.

.

) ولفظ " إيلاف " مضاف لمفعوله وهو قريش ، والفاعل هو الله - تعالى - : و " قريش " هم ولد النضر بن كنانه - على الأرجح - وهو الجد الثالث عشر للنبى صلى الله عليه وسلم .قال القرطبى ما ملخصه : وأما قريش فهم بنو النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس ، بن مضر ، فكل من كان من ولد النضر فهو قرشى .وسموا قريشا ، لتجمعهم بعد التفرق ، إذ التقرش : التكسب ، ويقال : قرَشَ فلان يقرُشُ قَرْشا - كقتل - ، إذا كسب المال وجمعه .

.وقوله : ( إِيلاَفِهِمْ ) بدل أو عطف بيان من قوله ( لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ ) ، وهو من أسلوب الإِجمال فالتفصيل للعناية بالخبر ، ليتمكن فى ذهن السامع كما فى قوله - تعالى - : ( لعلي أَبْلُغُ الأسباب .

أَسْبَابَ السماوات .

.

.

) واللام فى قوله - تعالى - : ( لإِيلاَفِ .

.

.

) للتعليل .

والجار والمجرور متعلق بقوله - تعالى - : ( فَلْيَعْبُدُواْ .

.

.

) وتقدير الكلام : من الواجب على أهل مكة أن يخلصوا العبادة لله - لأنه - سبحانه - هو الذى جمعهم بعد تفرق ، وألف بينهم ، وهيأ لهم رحلتين فيهما ما فيهما من النفع والأمن .وزيدت الفاء فى قوله - تعالى - : ( فَلْيَعْبُدُواْ .

.

.

) لما فى الكلام من معنى الشرط ، فكأنه - سبحانه - يقول لهم : إن لم تعبدونى من أجل نعمى التى لا تحصى ، فاعبدونى من أجل أنى جعلتكم تألفون هاتين الرحلتين النافعتين فى أمان واطمئنان ، وأنى جمعت شملكم ، وألفت بينكم .

.قال صاحب الكشاف : " لإِيلاف قريش " متعلق بقوله : ( فَلْيَعْبُدُواْ ) أمرهم أن يعبدوه لأجل إيلافهم الرحتلين .فإن قلت : فلم دخلت الفاء؟

قلت : لما فى الكلام من معنى الشرط ، لأن المعنى : إما لا فليعبدوه لإِيلافهم .

على معنى أن نعم الله عليهم لا تحصى ، فإن لم يعبدوه لسائر نعمه ، فليعبدوه لهذه الواحدة التى هى نعمة ظاهرة .وقيل المعنى : اعجبوا لإِيلاف قريش .

وقيل هو متعلق بما قبله - فى السورة السابقة - أى : فجعلهم كعصف مأكول .

لإِيلاف قريش ، وهذا بمنزلة التضمين فى الشعر ، وهو أن يتعلق معنى البيت بالذى قبله .

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

﴿ لإيلاف قريش إيلافهم ﴾ اعلم أن هاهنا مسائل: المسألة الأولى: اللام في قوله: ﴿ لإيلاف ﴾ تحتمل وجوهاً ثلاثة، فإنها إما أن تكون متعلقة بالسورة التي قبلها أو بالآية التي بعدها، أو لا تكون متعلقة لا بما قبلها، ولا بما بعدها أما الوجه الأول: وهو أن تكون متعلقة بما قبلها، ففيه احتمالات: الأول: وهو قول الزجاج وأبي عبيدة أن التقدير: فجعلهم كعصف مأكول لإلف قريش أي أهلك الله أصحاب الفيل لتبقى قريش، وما قد ألفوا من رحلة الشتاء والصيف، فإن قيل: هذا ضعيف لأنهم إنما جعلوا: كعصف مأكول لكفرهم ولم يجعلوا كذلك لتأليف قريش، قلنا هذا السؤال ضعيف لوجوه: أحدها: أنا لا نسلم أن الله تعالى إنما فعل بهم ذلك لكفرهم، فإن الجزاء على الكفر مؤخر للقيامة، قال تعالى: ﴿ اليوم تجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ  ﴾ وقال: ﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ على ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ  ﴾ ولأنه تعالى لو فعل بهم ذلك لكفرهم، لكان قد فعل ذلك بجميع الكفار، بل إنما فعل ذلك بهم: ﴿ لإيلاف قريش ﴾ ولتعظيم منصبهم وإظهار قدرهم.

وثانيها: هب أن زجرهم عن الكفر مقصود لكن لا ينافي كون شيء آخر مقصود حتى يكون الحكم واقعاً بمجموع الأمرين معاً.

وثالثها: هب أنهم أهلكوا لكفرهم فقط، إلا أن ذلك الإهلاك لما أدى إلى إيلاف قريش، جاز أن يقال: أهلكوا لإيلاف قريش، كقوله تعالى: ﴿ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً  ﴾ وهم لم يلتقطوه لذلك، لكن لما آل الأمر إليه حسن أن يمهد عليه الالتقاط.

الاحتمال الثاني: أن يكون التقدير: ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل لإيلاف قريش كأنه تعالى قال: كل ما فعلنا بهم فقد فعلناه، لإيلاف قريش، فإنه تعالى جعل كيدهم في تضليل وأرسل عليهم طيراً أبابيل، حتى صاروا كعصف مأكول، فكل ذلك إنما كان لأجل إيلاف قريش.

الاحتمال الثالث: أن تكون اللام في قوله: ﴿ لإيلاف ﴾ بمعنى إلى كأنه قال: فعلنا كل ما فعلنا في السورة المتقدمة إلى نعمة أخرى عليهم وهي إيلافهم: رحلة الشتاء والصيف تقول: نعمة الله نعمة ونعمة لنعمة سواء في المعنى، هذا قول الفراء: فهذه احتمالات ثلاثة توجهت على تقدير تعليق اللام بالسورة التي قبل هذه، وبقي من مباحث هذا القول أمران: الأول: أن للناس في تعليق هذه اللام بالسورة المتقدمة قولين: أحدهما: أن جعلوا السورتين سورة واحدة واحتجوا عليه بوجوه: أحدها: أن السورتين لابد وأن تكون كل واحدة منهما مستقلة بنفسها، ومطلع هذه السورة لما كان متعلقاً بالسورة المتقدمة وجب أن لا تكون سورة مستقلة.

وثانيها: أن أبي بن كعب جعلهما في مصحفه سورة واحدة.

وثالثها: ما روي أن عمر قرأ في صلاة المغرب في الركعة الأولى ﴿ والتين ﴾ ، وفي الثانية ﴿ ألم تر ﴾ و ﴿ لإيلاف قريش ﴾ معاً، من غير فصل بينهما ببسم الله الرحمن الرحيم القول الثاني: وهو المشهور المستفيض أن هذه السورة منفصلة عن سورة الفيل، وأما تعلق أول هذه السورة بما قبلها فليس بحجة على ما قالوه، لأن القرآن كله كالسورة الواحدة وكالآية الواحدة يصدق بعضها بعضاً ويبين بعضها معنى بعض، ألا ترى أن الآيات الدالة على الوعيد مطلقة، ثم إنها متعلقة بآيات التوبة وبآيات العفو عنه من يقول به، وقوله: ﴿ إِنَّا أنزلناه  ﴾ متعلق بما قبله من ذكر القرآن، وأما قوله: إن أبياً لم يفصل بينهما فهو معارض بإطباق الكل على الفصل بينهما، وأما قراءة عمر فإنها لا تدل على أنهما سورة واحدة لأن الإمام قد يقرأ سورتين.

البحث الثاني: فيما يتعلق بهذا القول بيان أنه لم صار ما فعله الله بأصحاب الفيل سبباً لإيلاف قريش؟

فنقول: لا شك أن مكة كانت خالية عن الزرع والضرع على ما قال تعالى: ﴿ بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ ﴾ إلى قوله: ﴿ فاجعل أَفْئِدَةً مّنَ الناس تَهْوِى إِلَيْهِمْ وارزقهم مّنَ الثمرات  ﴾ فكان أشراف أهل مكة يرتحلون للتجارة هاتين الرحتلين، ويأتون لأنفسهم ولأهل بلدهم بما يحتاجون إليه من الأطعمة والثياب، وهم إنما كانوا يربحون في أسفارهم، ولأن ملوك النواحي كانوا يعظمون أهل مكة، ويقولون: هؤلاء جيران بيت الله وسكان حرمه وولاة الكعبة حتى إنهم كانوا يسمون أهل مكة أهل الله، فلو تم للحبشة ما عزموا عليه من هدم الكعبة، لزال عنهم هذا العز ولبطلت تلك المزايا في التعظيم والاحترام ولصار سكان مكة كسكان سائر النواحي يتخطفون من كل جانب ويتعرض لهم في نفوسهم وأموالهم، فلما أهلك الله أصحاب الفيل ورد كيدهم في نحرهم ازداد وقع أهل مكة في القلوب، وازداد تعظيم ملوك الأطراف لهم فازدادت تلك المنافع والمتاجر، فلهذا قال الله تعالى: ﴿ ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل لإيلاف قريش...

رحلة الشتاء والصيف ﴾ .

والوجه الثاني: فيما يدل على صحة هذا القول أن قوله تعالى في آخر هذه السورة: ﴿ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا ٱلْبَيْتِ  ٱلَّذِىٓ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفٍۭ  ﴾ إشارة إلى أول سورة الفيل، كأنه قال: فليعبدوا رب هذا البيت الذي قصده أصحاب الفيل، ثم إن رب البيت دفعهم عن مقصودهم لأجل إيلافكم ونفعكم لأن الأمر بالعبادة إنما يحسن مرتباً على إيصال المنفعة، فهذا يدل على تعلق أول هذه السورة بالسورة المتقدمة.

القول الثاني: وهو أن اللام في: ﴿ لإيلاف ﴾ متعلقة بقوله: ﴿ فَلْيَعْبُدُواْ ﴾ وهو قول الخليل وسيبويه والتقدير: فليعبدوا رب هذا البيت لإيلاف قريش أي: ليجعلوا عبادتهم شكراً لهذه النعمة واعترافاً بها، فإن قيل: فلم دخلت الفاء في قوله: ﴿ فَلْيَعْبُدُواْ ﴾ ؟

قلنا: لما في الكلام من معنى الشرط، وذلك لأن نعم الله عليهم لا تحصى، فكأنه قيل: إن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبده لهذه الواحدة التي هي نعمة ظاهرة.

القول الثالث: أن تكون هذه اللام غير متعلقة، لا بما قبلها ولا بما بعدها، قال الزجاج: قال قوم: هذه اللام لام التعجب، كأن المعنى: اعجبوا لإيلاف قريش، وذلك لأنهم كل يوم يزدادون غياً وجهلاً وانغماساً في عبادة الأوثان، والله تعالى يؤلف شملهم ويدفع الآفات عنهم، وينظم أسباب معايشهم، وذلك لا شك أنه في غاية التعجب من عظيم حلم الله وكرمه، ونظيره في اللغة قولك لزيد وما صنعنا به ولزيد وكرامتنا إياه وهذا اختيار الكسائي والأخفش والفراء.

المسألة الثانية: ذكروا في الإيلاف ثلاثة أوجه: أحدها: أن الإيلاف هو الإلف قال علماء اللغة: ألفت الشيء وألفته إلفاً وإلافاً وإيلافاً بمعنى واحد، أي لزمته فيكون المعنى لإلف قريش هاتين الرحلتين فتتصلا ولا تنقطعا، وقرأ أبو جعفر: (لإلف قريش).

وقرأ الآخرون (لإلاف قريش)، وقرأ عكرمة (ليلاف قريش).

وثانيها: أن يكون هذا من قولك: لزمت موضع كذا وألزمنيه الله، كذا تقول: ألفت كذا، وألفنيه الله ويكون المعنى إثبات الألفة بالتدبير الذي فيه لطف ألف بنفسه إلفاً وآلفه غيره إيلافاً، والمعنى أن هذه الألفة إنما حصلت في قريش بتدبير الله وهو كقوله: ﴿ ولكن الله أَلَّفَ بَيْنَهُمْ  ﴾ وقال: ﴿ فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً  ﴾ وقد تكون المسرة سبباً للمؤانسة والاتفاق، كما وقعت عند انهزام أصحاب الفيل لقريش، فيكون المصدر هاهنا مضافاً إلى المفعول، ويكون المعنى لأجل أن يجعل الله قريشاً ملازمين لرحلتيهم.

وثالثها: أن يكون الإيلاف هو التهيئة والتجهيز وهو قول الفراء وابن الأعرابي فيكون المصدر على هذا القول مضافاً إلى الفاعل، والمعنى لتجهيز قريش رحلتيها حتى تتصلا ولا تنقطعا، وقرأ أبو جعفر (ليلاف) بغير همز فحذف همزة الإفعال حذفاً كلياً وهو كمذهبه في ﴿ يستهزءون  ﴾ وقد مر تقريره.

المسألة الثالثة: التكرير في قوله: ﴿ لإيلاف قُرَيْشٍ إيلافهم ﴾ هو أنه أطلق الإيلاف أولاً ثم جعل المقيد بدلاً لذلك المطلق تفخيماً لأمر الإيلاف وتذكيراً لعظيم المنة فيه، والأقرب أن يكون قوله: ﴿ لإيلاف قُرَيْشٍ ﴾ عاماً يجمع كل مؤانسة وموافقة كان بينهم، فيدخل فيه مقامهم وسيرهم وجميع أحوالهم، ثم خص إيلاف الرحلتين بالذكر لسبب أنه قوام معاشهم كما في قوله: ﴿ وَجِبْرِيلُ وميكائيل  ﴾ وفائدة ترك واو العطف التنبيه على أنه كل النعمة، تقول العرب: ألفت كذا أي لزمته، والإلزام ضربان إلزام بالتكليف والأمر، وإلزام بالمودة والمؤانسة فإنه ءذا أحب المرء شيئاً لزمه، ومنه: ﴿ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التقوى  ﴾ كما أن الإلجاء ضربان أحدهما: لدفع الضرر كالهرب من السبع والثاني: لطلب النفع العظيم، كمن يجد مالاً عظيماً ولا مانع من أخذه لا عقلاً ولا شرعاً ولا حساً فإنه يكون كالملجأ إلى الأخذ، وكذا الدواعي التي تكون دون الالجاء، مرة تكون لدفع الضرر وأخرى لجلب النفع، وهو المراد في قوله: ﴿ إيلافهم ﴾ .

المسألة الرابعة: اتفقوا على أن قريشاً ولد النضر بن كنانة، قال عليه الصلاة والسلام: «إنا بني النضر بن كنانة لا نفقو أمناً ولا ننتفي من أبينا».

وذكروا في سبب هذه التسمية وجوهاً: أحدها: أنه تصغير القرش وهو دابة عظيمة في البحر تعبث بالسفن، ولا تنطلق إلا بالنار وعن معاوية أنه سأل ابن عباس: بم سميت قريش؟

قال: بدابة في البحر تأكل ولا تؤكل، تعلو ولا تعلى، وأنشد: وقريش هي التي تسكن البح *** ر بها سميت قريش قريشاً والتصغير للتعظيم، ومعلوم أن قريشاً موصوفون بهذه الصفات لأنها تلي أمر الأمة، فإن الأئمة من قريش.

وثانيها: أنه مأخوذ من القرش وهو الكسب لأنهم كانوا كاسبين بتجاراتهم وضربهم في البلاد.

وثالثها: قال الليث: كانوا متفرقين في غير الحرم، فجمعهم قصي بن كلاب في الحرم حتى اتخذوها مسكناً، فسموا قريشاً لأن التقرش هو التجمع، يقال: تقرش القوم إذا اجتمعوا، ولذلك سمي قصي مجمعاً، قال الشاعر: أبوكم قصي كان يدعى مجمعاً *** به جمع الله القبائل من فهر ورابعها: أنهم كانوا يسدون خلة محاويج الحاج، فسموا بذلك قريشاً، لأن القرش التفتيش قال ابن حرة: أيها الشامت المقرش عنا *** عند عمرو وهل لذاك بقاء <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لإيلاف قُرَيْشٍ ﴾ متعلق بقوله: ﴿ فَلْيَعْبُدُواْ ﴾ أمرهم أن يعبدوه لأجل إيلافهم الرحلتين فإن قلت: فلم دخلت الفاء؟

قلت: لما في الكلام من معنى الشرط لأن المعنى: إما لا فليعبدوه لإيلافهم، على معنى: أنّ نعم الله عليهم لا تحصى، فإن لم يعبدوه لسائر نعمه، فليعبدوه لهذه الواحدة التي هي نعمة ظاهرة.

وقيل: المعنى: عجبوا لإيلاف قريش.

وقيل: هو متعلق بما قبله، أي: فجعلهم كعصف مأكول لإيلاف قريش، وهذا بمنزلة التضمين في الشعر: وهو أن يتعلق معنى البيت بالذي قبله تعلقاً لا يصحّ إلاّ به، وهما في مصحف أبيّ سورة واحدة، بلا فصل.

وعن عمر: أنه قرأهما في الثانية من صلاة المغرب.

وقرأ في الأولى: ﴿ والتين ﴾ .

والمعنى أنه أهلك الحبشة الذين قصدوهم ليتسامع الناس بذلك، فيتهيبوهم زيادة تهيب، ويحترموهم فضل احترام، حتى ينتظم لهم الأمن في رحلتهم، فلا يجترئ أحد عليهم، وكانت لقريش رحلتان؛ يرحلون في الشتاء إلى اليمن، وفي الصيف إلى الشام، فيمتارون ويتجرون، وكانوا في رحلتيهم آمنين لأنهم أهل حرم الله وولاة بيته، فلا يتعرّض لهم، والناس غيرهم يتخطفون ويغار عليهم، والإيلاف من قولك: آلفت المكان أولفه إيلافاً: إذا ألفته، فأنا مألف.

قال: مِنَ الْمُؤْلِفَاتِ الرَّهْوِ غَيْرِ الأوَاركِ وقرئ: ﴿ لئلاف قريش ﴾ أي: لمؤالفة قريش.

وقيل: يقال: ألفته إلفاً وإلافاً.

وقرأ أبو جعفر: ﴿ لإلف قريش ﴾ ، وقد جمعهما من قال: زَعَمْتُمْ أَنْ إخْوَتَكُمْ قُرَيْشٌ ** لَهُمْ إلْفٌ وَلَيْسَ لَكُمْ إلاَفُ وقرأ عكرمة: ﴿ ليألف قريش إلفهم رحلة الشتاء والصيف ﴾ .

وقريش: ولد النضر بن كنانة سموا بتصغير القرش: وهو دابة عظيمة في البحر تعبث بالسفن، ولا تطاق إلاّ بالنار.

وعن معاوية أنه سأل ابن عباس رضي الله عنهما: بم سميت قريش؟

قال: بدابة في البحر تأكل ولا تؤكل، وتعلو ولا تعلى.

وأنشد: وَقُرَيْشٌ هِيَ الَّتِي تَسْكُنُ ** الْبَحْرَ بِهَا سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشاً والتصغير للتعظيم.

وقيل: من القرش وهو الكسب: لأنهم كانوا كسابين بتجاراتهم وضربهم في البلاد.

أطلق الإيلاف ثم أبدل عنه المقيد بالرحلتين، تفخيماً لأمر الإيلاف، وتذكيراً بعظم النعمة فيه؛ ونصب الرحلة بإيلافهم مفعولاً به، كما نصب (يتيماً) بإطعام، وأراد رحلتي الشتاء والصيف، فأفرد لأمن الإلباس، كقوله: كُلُوا فِي بَعْضِ بَطْنِكُمُ......

وقرئ: ﴿ رحلة ﴾ بالضم: وهي الجهة التي يرحل إليها: والتنكير في ﴿ جُوعٍ ﴾ و ﴿ خوْفٍ ﴾ لشدتهما، يعني: أطعمهم بالرحلتين من جوع شديد كانوا فيه قبلهما، وآمنهم من خوف عظيم وهو خوف أصحاب الفيل، أو خوف التخطف في بلدهم ومسايرهم.

وقيل: كانوا قد أصابتهم شدّة حتى أكلوا الجيف والعظام المحرقة، وآمنهم من خوف الجذام فلا يصيبهم ببلدهم.

وقيل: ذلك كله بدعاء إبراهيم صلوات الله عليه.

ومن بدع التفاسير: وآمنهم من خوف، من أن تكون الخلافة في غيرهم.

وقرئ: ﴿ من خوف ﴾ بإخفاء النون.

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ سورة لإيلاف قريش أعطاه الله عشر حسنات بعدد من طاف بالكعبة واعتكف بها» .

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

سُورَةُ قُرَيْشٍ مَكِّيَّةٌ، وآيُها أرْبَعُ آياتٍ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ لإيلافِ قُرَيْشٍ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ( لْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ ) والفاءُ لِما في الكَلامِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ، إذِ المَعْنى أنَّ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لا تُحْصى فَإنْ لَمْ يَعْبُدُوهُ لِسائِرِ نِعَمِهِ فَلْيَعْبُدُوهُ لِأجْلِ: ﴿ إيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ ﴾ أيِ الرِّحْلَةَ في الشِّتاءِ إلى اليَمَنِ وفي الصَّيْفِ إلى الشّامِ فَيَمْتارُونَ ويَتَّجِرُونَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ مِثْلَ أعَجِبُوا أوْ بِما قَبْلَهُ كالتَّضْمِينِ في الشِّعْرِ أيْ فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ لِإيلافِ قُرَيْشٍ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُما في مُصْحَفِ أُبَيٍّ سُورَةٌ واحِدَةٌ، وقُرِئَ «لِيَأْلَفَ قُرَيْشٌ إلْفَهم رِحْلَةَ الشِّتاءِ»، وقُرَيْشٌ ولَدُ النَّضْرِ بْنِ كِنانَةَ مَنقُولٌ مِن تَصْغِيرِ قِرْشٍ، وهو دابَّةٌ عَظِيمَةٌ في البَحْرِ تَعْبَثُ بِالسُّفُنِ فَلا تُطاقُ إلّا بِالنّارِ، فَشُبِّهُوا بِها لِأنَّها تَأْكُلُ ولا تُؤْكَلُ، وتَعْلُو ولا تُعْلى، وصُغِّرَ الِاسْمُ لِلتَّعْظِيمِ وإطْلاقِ الإيلافِ، ثُمَّ إبْدالِ المُقَيَّدِ عَنْهُ لِلتَّفْخِيمِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ «لِئِلافِ» بِغَيْرِ ياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{لإيلاف قريش} متعلق بقوله فلعبدوا أموهم أن يعبدوه لأجل إيلافهم الرحلتين ودخلت الفاء لما في الكلام من معنى الشرط أي إن نعم الله عليهم لا تحصى فإن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبدوه لهذه الواحدة التي هي نعمة ظاهرة أو بما قبله أى فجعلهم كعصف مأكول لا يلاف قُرَيْشٍ يعني أن ذلك الإتلاف لهذا الإيلاف وهذا كالتضمين في الشعر وهو أن يتعلق معنى البيت بالذى قبله تعلقا لا يضح إلا به وهما في مصحف أبيّ سورة واحدة بلا فصل ويروى عن الكسائي ترك التسمية بينهما والمعنى أنه أهلك الحبشة الذين قصدوهم ليتسامع الناس بذلك فيحرموهم قضل احترام حتى ينتظم لهم الأمن في رحلتيهم فلا يجترئ أحد عليهم وقيل المعنى أعجبوا لا يلاف قريش لالاف قريش شامى أى المؤلفة قريش وقيل يقال ألفته ألفاً وإلافاً وقريش ولد النضر بن كنانة سموه بتصغير القرش وهو دابة عظيمة في البحر تعبث بالسفن ولا تطلق إلا بالنار والتصغير للتعظيم فسموه بذلك لشدتهم ومنعتهم تشبيهاً بها وقيل

من القرش وهو الجمع والكسب لأنهم كانوا كسابين بتجاراتهم وضربهم فى البلاد

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

سُورَةُ قُرَيْشٍ ويُقالُ: سُورَةُ لِإيلافِ قُرَيْشٍ، وهي مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، مَدَنِيَّةٌ في قَوْلِ الضَّحّاكِ وابْنِ السّائِبِ، وآيُها خَمْسٌ في الحِجازِيِّ وأرْبَعٌ في غَيْرِهِ، ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها أظْهَرُ مِن أنْ تَخْفى، بَلْ قالَتْ طائِفَةٌ: إنَّهُما سُورَةٌ واحِدَةٌ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُما في مُصْحَفِهِ بِالبَسْمَلَةِ بِما رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الأزْدِيِّ قالَ: صَلَّيْتُ المَغْرِبَ خَلْفَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقَرَأ في الرَّكْعَةِ الأُولى: والتِّينِ، وفي الثّانِيَةِ: ألَمْ تَرَ ولِإيلافِ قُرَيْشٍ مِن غَيْرِ أنْ يَفْصِلَ بِالبَسْمَلَةِ، وأُجِيبَ بِأنَّ جَمْعًا أثْبَتُوا الفَصْلَ في مُصْحَفِ أُبَيِّ، والمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلى النّافِي، وبِأنَّ خَبَرَ ابْنِ مَيْمُونٍ إنْ سَلِمَتْ صِحَّتُهُ مُحْتَمِلٌ لِعَدَمِ سَماعِهِ ولَعَلَّهُ قَرَأها سِرًّا، ويَدُلُّ عَلى كَوْنِها سُورَةً مُسْتَقِلَّةً ما أخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الخِلافِيّاتِ عَنْ أُمِّ هانِئٍ بِنْتِ أبِي طالِبٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: ««فَضَّلَ اللَّهُ تَعالى قُرَيْشًا بِسَبْعِ خِصالٍ لَمْ يُعْطَها أحَدٌ قَبْلَهم ولا يُعْطاها أحَدٌ بَعْدَهُمْ: أنِّي فِيهِمْ، وفي لَفْظٍ: النُّبُوَّةُ فِيهِمْ، والخِلافَةُ فِيهِمْ، والحِجابَةُ فِيهِمْ، والسِّقايَةُ فِيهِمْ، ونُصِرُوا عَلى الفِيلِ، وعَبَدُوا اللَّهَ تَعالى سَبْعَ سِنِينَ.

وفي لَفْظٍ عَشْرَ سِنِينَ لَمْ يَعْبُدْهُ سُبْحانَهُ أحَدٌ غَيْرُهُمْ، ونَزَلَتْ فِيهِمْ سُورَةٌ مِنَ القُرْآنِ لَمْ يُذْكَرْ فِيها أحَدٌ غَيْرُهُمْ: لِإيلافِ قُرَيْشٍ»».

وجاءَ نَحْوُ هَذا الأخِيرِ في خَبَرَيْنِ آخَرَيْنِ أحَدُهُما عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ يَرْفَعُهُ والثّانِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

ويُؤَيِّدُ الِاسْتِقْلالَ كَوْنُ آيِها لَيْسَتْ عَلى نَمَطِ آيِ ما قَبْلَها، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ بَعْدَ ثُبُوتِ تَواتُرِ الفَصْلِ لا يُحْتاجُ إلى شَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ لإيلافِ قُرَيْشٍ ﴾ الإيلافُ عَلى ما قالَ الخَفاجِيُّ مَصْدَرُ ألِفْتُ الشَّيْءَ وآلَفْتُهُ مِنَ الإلْفِ وهو كَما قالَ الرّاغِبُ اجْتِماعٌ مَعَ التِئامٍ.

وقالَ الهَرَوِيُّ في الغَرِيبَيْنِ: الإيلافُ عُهُودٌ بَيْنَهم وبَيْنَ المُلُوكِ فَكانَ هاشِمٌ يُؤالِفُ مَلِكَ الشّامِ، والمُطَّلِبُ كِسْرى، وعَبْدُ شَمْسٍ ونَوْفَلٌ يُؤالِفانِ مَلِكَ مِصْرَ والحَبَشَةِ، قالَ: ومَعْنى يُؤالِفُ: يُعاهِدُ ويُصالِحُ، وفِعْلُهُ آلَفَ عَلى وزْنِ فاعَلَ، ومَصْدَرُهُ إلافٌ بِغَيْرِ ياءٍ بِزِنَةِ قِبالٍ أوْ ألَفَ الثُّلاثِيِّ كَكَتَبَ كِتابًا، ويَكُونُ الفِعْلُ مِنهُ أيْضًا عَلى وزْنِ أفْعَلَ مِثْلَ: آمَنَ ومَصْدَرُهُ إيلافٌ كَإيمانٍ، وحَمْلُ الإيلافِ عَلى العُهُودِ خِلافُ ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ كَما لا يَخْفى عَلى المُتَتَبِّعِ.

وفي البَحْرِ: إيلافٌ مَصْدَرُ آلَفَ رُباعِيًّا، وإلافُ مَصْدَرُ ألِفَ ثُلاثِيًّا.

يُقالُ: ألِفَ الرَّجُلُ الأمْرَ ألْفًا وآلافًا، وآلَفَ غَيْرُهُ إيّاهُ وقَدْ يَأْتِي آلَفَ مُتَعَدِّيًا لِواحِدٍ كَألِفَ ومِنهُ قَوْلُهُ: مِنَ المُؤْلِفاتِ الرَّمْلِ أدْماءُ حُرَّةٍ شُعاعُ الضُّحى في جِيدِها يَتَوَضَّحُ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما في ذَلِكَ مِنَ القِراءاتِ، وقُرَيْشٌ ولَدُ النَّضْرِ بْنِ كِنانَةَ، وهو أصَحُّ الأقْوالِ وأثْبَتُها عِنْدَ القُرْطُبِيِّ.

قِيلَ: وعَلَيْهِ الفُقَهاءُ لِظاهِرِ ما «رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سُئِلَ: مَن قُرَيْشٌ؟

فَقالَ: «مِن ولَدِ النَّضْرِ»».

وقِيلَ: ولَدِ فِهْرِ بْنِ مالِكِ بْنِ النَّضْرِ.

وحُكِيَ ذَلِكَ عَنِ الأكْثَرِينَ، بَلْ قالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكّارٍ: أجْمَعَ النَّسّابُونَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرُهم عَلى أنَّ قُرَيْشًا إنَّما تَفَرَّقَتْ عَنْ فِهْرٍ واسْمُهُ عِنْدَ غَيْرِ واحِدٍ قُرَيْشٌ وفِهْرٌ لَقَبُهُ، ويُكَنّى بِأبِي غالِبٍ.

وقِيلَ: ولَدُ مُخَلَّدِ بْنِ النَّضْرِ وهو ضَعِيفٌ.

وفِي بَعْضِ السِّيَرِ أنَّهُ لا عَقِبَ لِلنَّضْرِ بْنِ كِنانَةَ إلّا مالِكٌ وأضْعَفُ مِن ذَلِكَ بَلْ هو قَوْلٌ رافِضِيٌّ يُرِيدُ بِهِ نَفْيَ حَقِّيَّةِ خِلافَةِ الشَّيْخَيْنِ أنَّهم ولَدُ قُصَيِّ بْنِ حَكِيمٍ، وقِيلَ: عُرْوَةُ المَشْهُورُ بِلَقَبِهِ كِلابٌ لِكَثْرَةِ صَيْدِهِ أوْ لِمُكالَبَتِهِ أيْ مُواثَبَتِهِ في الحَرْبِ لِلْأعْداءِ.

نَعَمْ قُصَيٌّ جَمَعَ قُرَيْشًا في الحَرَمِ حَتّى اتَّخَذُوهُ مَسْكَنًا بَعْدَ أنْ كانُوا مُتَفَرِّقِينَ في غَيْرِهِ وهَذا الَّذِي عَناهُ الشّاعِرُ بِقَوْلِهِ: أبُونا قُصَيٌّ كانَ يُدْعى مُجَمِّعًا ∗∗∗ بِهِ جَمَعَ اللَّهُ القَبائِلَ مِن فِهْرِ فَلا يَدُلُّ عَلى ما زَعَمَهُ أصْلًا وهو في الأصْلِ تَصْغِيرُ قَرْشٍ بِفَتْحِ القافِ اسْمٌ لِدابَّةٍ في البَحْرِ أقْوى دَوابِّهِ تَأْكُلُ ولا تُؤْكَلُ وتَعْلُو ولا تُعْلى؛ وبِذَلِكَ أجابَ ابْنُ عَبّاسٍ مُعاوِيَةَ لَمّا سَألَهُ: لِمَ سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشًا؟

وتِلْكَ الدّابَّةُ تُسَمّى قَرْشًا كَما هو المَذْكُورُ في كَلامِ الحَبْرِ، وتُسَمّى قُرَيْشًا وعَلَيْهِ قَوْلُ تُبَّعٍ كَما حَكاهُ عَنْهُ أبُو الوَلِيدِ الأزْرَقِيُّ وأنْشَدَهُ أيْضًا الحَبْرُ لِمُعاوِيَةَ إلّا أنَّهُ نَسَبَهُ لِلْجُمَحِيِّ: وقُرَيْشٌ هي الَّتِي تَسْكُنُ البَحْ ∗∗∗ رَ بِها سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشا تَأْكُلُ الغَثَّ والسَّمِينَ ولا تَتْ ∗∗∗ رُكُ يَوْمًا لِذِي جَناحَيْنِ رِيشا هَكَذا في البِلادِ حَيُّ قُرَيْشٍ ∗∗∗ يَأْكُلُونَ البِلادَ أكْلًا كَمِيشا ولَهم آخِرَ الزَّمانِ نَبِيٌّ ∗∗∗ يُكْثِرُ القَتْلَ فِيهِمْ والخُمُوشا وقالَ الفَرّاءُ: هو مِنَ التَّقَرُّشِ بِمَعْنى التَّكَسُّبِ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِتِجارَتِهِمْ.

وقِيلَ مِنَ التَّقْرِيشِ وهو التَّفْتِيشُ ومِنهُ قَوْلُ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ: أيُّها الشّامِتُ المُقَرِّشُ عَنّا ∗∗∗ عِنْدَ عَمْرٍو فَهَلْ لَنا إبْقاءُ سُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّ أباهم كانَ يُفَتِّشُ عَنْ أرْبابِ الحَوائِجِ لِيَقْضِيَ حَوائِجَهم وكَذا كانُوا هم يُفَتِّشُونَ عَلى ذِي الخَلَّةِ مِنَ الحاجِّ لِيَسُدُّوها، وقِيلَ: مِنَ التَّقَرُّشِ وهو التَّجَمُّعُ ومِنهُ قَوْلُهُ: إخْوَةٌ قَرَّشُوا الذُّنُوبَ عَلَيْنا ∗∗∗ في حَدِيثٍ مِن دَهْرِهِمْ وقَدِيمِ سُمُّوا بِذَلِكَ لِتَجَمُّعِهِمْ بَعْدَ التَّفَرُّقِ، والتَّصْغِيرُ إذا كانَ مِنَ المَزِيدِ تَصْغِيرُ تَرْخِيمٍ، وإذا كانَ مِن ثَلاثِيٍّ مُجَرَّدٍ فَهو عَلى أصْلِهِ وأيًّا ما كانَ فَهو لِلتَّعْظِيمِ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ: وكُلُّ أُناسٍ سَوْفَ تَدْخُلُ بَيْنَهم ∗∗∗ دُوَيْهِيَّةٌ تَصْفَرُّ مِنها الأنامِلُ والنِّسْبَةُ إلَيْهِ قُرَشِيٌّ وقُرَيْشِيٌّ كَما في القامُوسِ، وأجْمَعُوا عَلى صَرْفِهِ هُنا راعَوْا فِيهِ مَعْنى الحَيِّ، ويَجُوزُ مَنعُ صَرْفِهِ مَلْحُوظًا فِيهِ مَعْنى القَبِيلَةِ لِلْعَلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ وعَلَيْهِ قَوْلُهُ: وكَفى قُرَيْشَ المُعْضِلاتِ وسادَها وعَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ قالَ في نَحْوِ مَعَدٍّ وقُرَيْشٍ وثَقِيفٍ هَذِهِ لِلْأحْياءِ أكْثَرُ، أوْ إنْ جُعِلَتْ أسْماءً لِلْقَبائِلِ فَجائِزٌ حَسَنٌ، واللّامُ في ﴿ لإيلافِ ﴾ لِلتَّعْلِيلِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ عِنْدَ الخَلِيلِ بِقَوْلِهِ: ﴿ لِيَعْبُدُوا ﴾ .

والفاءُ لِما في الكَلامِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ؛ إذِ المَعْنى أنَّ نِعَمَ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ مَحْصُورَةٍ، فَإنْ لَمْ يَعْبُدُوا لِسائِرِ نِعَمِهِ سُبْحانَهُ فَلْيَعْبُدُوا لِهَذِهِ النِّعْمَةِ الجَلِيلَةِ، ولَمّا لَمْ تَكُنْ في جَوابِ شَرْطٍ مُحَقَّقٍ كانَتْ في الحَقِيقِيَّةِ زائِدَةً فَلا يَمْتَنِعُ تَقْدِيمُ مَعْمُولِ ما بَعْدَها عَلَيْها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهي أربع آيات مكية قوله تعالى: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ قرأ ابن عامر لإلاف قريش، بغير ياء بعد الهمزة، والباقون بياء قبلها همزة، ومعناهما واحد، وهذا موصول بما قبله.

يعني: أن الله تعالى، أهلك أصحاب الفيل لإيلاف قريش، يعني: لتقر قريش بالحرم، ويجاورون البيت.

فقال عز وجل: فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ لإيلاف قريش يعني: فعل ذلك، ليؤلف قريشاً بهاتين الرحلتين، اللتين بهما عيشهم ومقامهم بمكة.

وقال أهل اللغة: ألفت موضع كذا، أي: لزمته وألفنيه الله.

كما يقال: لزمته موضع كذا، ألزمنيه الله.

وكرر لإيلاف على معنى التأكيد، كما يقال: أعطيتك المال لصيانة وجهك، وصيانتك عن جميع الناس.

وقال مجاهد: لئلاف قريش، يعني: لنعمتي على قريش، وقال سعيد بن جبير، أذكر نعمتي على قريش، ويقال: معناه لا يشق عليهم التوحيد، كما لا يشق عليهم رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ قال مقاتل وذلك أن قريشاً، كانوا تجاراً، وكانوا يمتارون في الشتاء من الأردن وفلسطين، لأن ساحل البحر كان أدناها، فإذا كان الصيف تركوا طريق الشام، وأخذوا طريق اليمن، فشق ذلك عليهم، فقذف الله تعالى في قلوب الحبشة، حتى حملوا الطعام في السفن إلى مكة للبيع، وجعل أهل مكة يخرجون إليهم على مسيرة ليلة، ويشترون فكفاهم الله تعالى مؤونة الشتاء والصيف.

ْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ لأن رب هذا البيت، كفاهم مؤونة الخوف والجوع، فليألفوا العبادة، كما ألفوا رحلة الشتاء والصيف وقال الزجاج: كانوا يترحلون في الشتاء إلى الشام، وفي الصيف إلى اليمن.

وهذا موافق لما قال مقاتل: وقال السدي في الشتاء إلى اليمن، وفي الصيف إلى الشام، وهكذا قال القتبي.

وروي عن أبي العالية، أنه قال: كانوا لا يقيمون بمكة صيفاً ولا شتاءً، فأمرهم الله تعالى بالمقام عند البيت، في العبادة.

ويقال معناه: قل لهم يا محمد  حتى يجتمعوا على الإيمان والتوحيد، وعبادة رب هذا البيت، كاجتماعهم على رحلة الشتاء والصيف لْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ يعني: سيد وخالق هذا البيت، الذي صنع هذا الإحسان إليكم، حتى يكرمكم في الآخرة، كما أكرمكم في الدنيا الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ يعني: أشبعهم بعد الجوع الذي أصابهم، حتى جهدوا وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ يعني: من خوف الجهد، والعدو الغارة.

وقال السدي آمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ يعني: من خوف الجذام، والله تعالى أعلم بالصواب.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

سُورَةُ قُرَيْشٍ وَيُقالُ لَها: سُورَةُ لِإيلافِ وَفِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: مَكِّيَّةٌ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

والثّانِي: مَدَنِيَّةٌ، قالَهُ الضَّحّاكُ، وابْنُ السّائِبِ.

واخْتَلَفَ القُرّاءُ في " لِإيلافِ " فَقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " لِإلافِ " بِغَيْرِ ياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ، مِثْلُ: لِعِلافٍ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بِياءٍ ساكِنَةٍ مِن غَيْرِ هَمْزٍ.

ورَوى حَمّادُ بْنُ أحْمَدَ عَنِ الشَّمُونِيِّ بِهَمْزَتَيْنِ مُخَفَّفَتَيْنِ، الأُولى: مَكْسُورَةٌ، والثّانِيَةُ: ساكِنَةٌ عَلى وزْنٍ لِعِعْلافِ.

وقَرَأ الباقُونَ بِهَمْزَةٍ بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ، مِثْلُ لِعِيلافِ.

وَفِي لامِ " لِإيلافِ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: مَوْصُولَةٌ بِما قَبْلَها، المَعْنى: ﴿ فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ﴾ ﴿ لإيلافِ قُرَيْشٍ ﴾ ، أيْ: أهْلَكَ اللَّهُ أصْحابَ الفِيلِ لِتَبْقى قُرَيْشٌ.

وما قَدْ ألِفُوا مِن رِحْلَةِ الشِّتاءِ، والصَّيْفِ [هَذا قَوْلُ الفَرّاءِ والجُمْهُورِ.

والثّانِي: أنَّها لامُ التَّعَجُّبِ، كَأنَّ المَعْنى: اعْجَبُوا لِإيلافِ قُرَيْشٍ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ]، وتَرْكِهِمْ عِبادَةَ رَبِّ هَذا البَيْتِ، قالَهُ الأعْمَشُ، والكِسائِيُّ.

والثّالِثُ: أنَّ مَعْناها مُتَّصِلٌ بِما بَعْدَها.

المَعْنى: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ لِإيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ، لِأنَّهم كانُوا في الرِّحْلَتَيْنِ آمِنِينَ، فَإذا عَرَضَ لَهم عارِضٌ قالُوا: نَحْنُ أهْلُ حَرَمِ اللَّهِ فَلا يُتَعَرَّضُ لَهُمْ، قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا الوَجْهُ قَوْلُ النَّحْوِيِّينَ الَّذِينَ تُرْتَضى أقْوالُهم.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: بَعْضُ النّاسِ يَذْهَبُ إلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ وسُورَةَ الفِيلِ واحِدَةٌ، وأكْثَرُ النّاسِ عَلى أنَّهُما سُورَتانِ، وإنْ كانَتا مُتَّصِلَتَيِ الألْفاظِ.

والمَعْنى: إنَّ قُرَيْشًا كانْتْ بِالحَرَمِ آمِنَةً مِنَ الأعْداءِ.

والحَرَمُ وادٍ جَدِيبٌ لا زَرْعَ فِيهِ ولا شَجَرَ، وإنَّما كانَتْ قُرَيْشٌ تَعِيشُ فِيهِ بِالتِّجارَةِ وكانَتْ لَهم رِحْلَتانِ في كُلِّ سَنَةٍ، رِحْلَةٌ في الشِّتاءِ، ورِحْلَةٌ في الصَّيْفِ إلى الشّامِ.

ولَوْلا هاتانِ الرِّحْلَتانِ لَمْ يَكُنْ بِهِ مُقامٌ.

ولَوْلا أنَّهم بِمُجاوَرَةِ البَيْتِ لَمْ يَقْدِرُوا عَلى التَّصَرُّفِ، فَلَمّا قَصَدَ أصْحابُ الفِيلِ هَدْمَ الكَعْبَةِ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ لِتُقِيمَ قُرَيْشٌ بِالحَرَمِ، فَذَكَّرَهُمُ اللَّهُ نِعْمَتَهُ بِالسُّورَتَيْنِ.

والمَعْنى: أنَّهُ أهْلَكَ أُولَئِكَ لِيُؤَلِّفَ قُرَيْشًا هاتَيْنِ الرِّحْلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بِهِما مَعاشُهُمْ، ومَقامُهم بِمَكَّةَ.

تَقُولُ: ألِفْتُ مَوْضِعَ كَذا: إذا لَزِمْتَهُ، وألَّفَنِيهِ اللَّهُ، كَما تَقُولُ: لَزِمْتُ مَوْضِعَ كَذا وكَذا، وألْزَمَنِيهِ اللَّهُ، وكَرَّرَ " لِإيلافِ " لِلتَّوْكِيدِ، كَما تَقُولُ أعْطَيْتُكَ المالَ لِصِيانَةِ وجْهِكَ صِيانَتِهِ عَنْ كُلِّ النّاسِ.

قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: ألِفْتُ المَكانَ أُلْفًا، وآلَفْتُهُ إيلافًا بِمَعْنًى واحِدٍ.

وَأمّا قُرَيْشٌ فَهم ولَدُ النَّضْرِ بْنِ كِنانَةَ، وكُلُّ مَن لَمْ يَلِدْهُ النَّضْرُ فَلَيْسَ بِقُرَشِيٍّ.

وقِيلَ: هم مِن ولَدِ فِهْرِ بْنِ مالِكِ بْنِ النَّضْرِ، فَمَن لَمْ يَلِدْهُ فَهْرٌ فَلَيْسَ بِقُرَشِيٍّ.

وإنَّما سُمُّوا قُرَيْشًا لِتِجارَتِهِمْ وجَمْعِهِمُ المالَ.

والقَرْشُ: الكَسْبُ.

يُقالُ: هو يَقْرِشُ لِعِيالِهِ، ويَقْتَرِشُ، أيْ: يَكْتَسِبُ.

وقَدْ سَألَ مُعاوِيَةُ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ: لِمَ سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشًا؟

فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِدابَّةٍ تَكُونُ في البَحْرِ يُقالُ لَها: القُرَيْشُ لا تَمُرُّ بِشَيْءٍ مِنَ الغَثِّ والسَّمِينِ إلّا أكَلَتْهُ.

وأنْشَدَ: وقُرَيْشٌ هي الَّتِي تَسْكُنُ البَحْـ - ـرَ بِها سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشا وَقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: قالَ قَوْمٌ: سُمُّوا قُرَيْشًا بِالِاقْتِراشِ، وهو وُقُوعُ الرِّماحِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ.

قالَ الشّاعِرُ: ولَمّا دَنا الرّاياتُ واقْتَرَشَ القَنا ∗∗∗ وطارَ مَعَ القَوْمِ القُلُوبُ الرَّواجِفُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إيلافِهِمْ ﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ فُلَيْحٍ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، والوَلِيدُ ابْنُ عُتْبَةَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، والتَّغْلِبِيُّ عَنِ ابْنِ ذَكْوانَ، عَنْهُ " إلافِهِمْ " بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ مِن غَيْرِ ياءٍ بَعْدَها، مِثْلُ: عِلافِهِمْ.

ورَوى الخُزاعِيُّ عَنِ ابْنِ فُلَيْحٍ، وأبانُ ابْنُ تَغْلِبَ عَنْ عاصِمٍ " إلْفِهِمْ " بِسُكُونِ اللّامِ أيْضًا.

ورَواهُ الشَّمُونِيُّ إلّا حَمّادًا بِهَمْزَتَيْنِ مَكْسُورَتَيْنِ بَعْدَهُما ياءٌ ساكِنَةٌ، ورَواهُ حَمّادٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ حَذَفَ الياءَ.

وقَرَأ الباقُونَ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ مِثْلُ " عِيلافِهِمْ " .

وجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّ الرِّحْلَتَيْنِ كانَتا لِلتِّجارَةِ، وكانُوا يَخْرُجُونَ إلى الشّامِ في الصَّيْفِ، وإلى اليَمَنِ في الشِّتاءِ لِشِدَّةِ بَرْدِ الشّامِ، ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانُوا يَشْتُونَ بِمَكَّةَ، ويُصَيِّفُونَ بِالطّائِفِ.

قالَ الفَرّاءُ: والرِّحْلَةُ مَنصُوبَةٌ بِإيقاعِ الفِعْلِ عَلَيْها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ ﴾ أيْ: لِيُوَحِّدُوهُ ﴿ الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ ﴾ أيْ: بَعْدَ الجُوعِ، كَما تَقُولُ: كَسَوْتُكَ مِن عُرْيٍ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى آمَنَهم بِالحَرَمِ، فَلَمْ يُتَعَرَّضْ لَهم في رِحْلَتِهِمْ، فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإطْعامِهِمْ بَعْدَما كانُوا فِيهِ مِنَ الجُوعِ.

ورَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانُوا في ضُرٍّ ومَجاعَةٍ حَتّى جَمَعَهم هاشِمٌ عَلى الرِّحْلَتَيْنِ، فَكانُوا يُقَسِّمُونَ رِبْحَهم بَيْنَ الغَنِيِّ والفَقِيرِ حَتّى اسْتَغْنَوْا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآمَنَهم مِن خَوْفٍ ﴾ وذَلِكَ أنَّهم كانُوا آمِنِينَ بِالحَرَمِ، إنْ حَضَرُوا حَماهُمْ، وإنْ سافَرُوا قِيلَ: هَؤُلاءِ أهْلُ الحَرَمِ، فَلا يَعْرِضُ لَهم أحَدٌ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ قُرَيْشٍ وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِلا خِلافٍ.

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لإيلافِ قُرَيْشٍ ﴾ ﴿ إيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِتاءِ والصَيْفِ ﴾ ﴿ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ ﴾ ﴿ الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنَهم مِن خَوْفٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "لِإيلافِ قُرَيْشٍ إيلافِهِمْ" عَلى "إفْعالٍ" والهَمْزَةُ الثانِيَةُ ياءٌ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "لِإلَآفِ" عَلى "فِعالٍ" "إيلافِهِمْ"، عَلى إفْعالٍ بِياءٍ في الثانِيَةِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ بِهَمْزَتَيْنِ فِيهِما، الثانِيَةُ ساكِنَةٌ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وتَحْقِيقُ عاصِمٍ هاتَيْنِ الهَمْزَتَيْنِ لا وجْهَ لَهُ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ "إلْفِهِمْ" بِلامٍ ساكِنَةٍ.

و"قُرَيْشٍ": ولَدُ النَضِرِ بْنِ كِنانَةَ، والتَقَرُّشُ: التَكَسُّبُ، تَقُولُ العَرَبُ "ألِفَ الرَجُلُ الأمْرَ وآلَفَهُ غَيْرُهُ إيّاهُ"، فاللهُ تَعالى آلَفَ قُرَيْشًا أيْ: جَعَلَهم يَأْلَفُونَ رِحْلَتَيْنِ في العامِ، واحِدَةٌ في الشِتاءِ وأُخْرى في الصَيْفِ، ويُقالُ أيْضًا: "ألِفَ" بِمَعْنى "آلَفَ"، وأنْشَدَ أبُو زَيْدٍ: مِنَ المُؤْلِفاتِ الرَمْلِ أدْماءُ حُرَّةٌ شُعاعُ الضُحى في جِيدِها يَتَوَضَّحُ فَإلْفٌ وإلافٌ مَصْدَرُ "ألِفَ"، وإيلافٌ مَصْدَرُ "آلَفُ"، قالَ بَعْضُ الناسِ: كانَتِ الرِحْلَتانِ إلى الشامِ في التِجارَةِ وقِيلَ الأرْباحُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: سِفْرَيْنِ سَنَّهُما لَهُ ولِغَيْرِهِ ∗∗∗ سَفَرُ الشِتاءِ ورِحْلَةُ الأصْيافِ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتْ رِحْلَةَ الشِتاءِ إلى اليَمَنِ، ورِحْلَةَ الصَيْفِ إلى بُصَرى مِن أرْضِ الشامِ.

قالَ أبُو صالِحٍ: كانَتا جَمِيعًا إلى الشامِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: كانُوا يَرْحَلُونَ في الصَيْفِ إلى الطائِفِ حَيْثُ الماءُ والظِلُّ، ويَرْحَلُونَ في الشِتاءِ إلى مَكَّةَ لِلتِّجارَةِ وسائِرِ أغْراضِهِمْ، فَهاتانِ رِحْلَتا الشِتاءِ والصَيْفِ، قالَ الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ: فَمَعْنى الآيَةِ: لِأنَّ اللهَ تَعالى فَعَلَ بِقُرَيْشٍ هَذا ومَكَّنَهم مِن إلْفِهِمْ هَذِهِ النِعْمَةَ لْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذِكْرُ "البَيْتِ" هُنا مُتَمَكِّنٌ لِتَقَدُّمِ حِمايَتِهِ في السُورَةِ الَّتِي قَبْلَها.

وقالَ الأخْفَشُ وغَيْرُهُ: قَوْلُهُ تَعالى: "لِإيلافِ قُرَيْشٍ" مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ  ﴾ .

أيْ: لِيَفْعَلَ بِقُرَيْشٍ هَذِهِ الأفاعِيلَ الجَمِيلَةَ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: مَعْنى الآيَةِ: اعْجَبُوا لِإيلافِ قُرَيْشٍ هَذِهِ الأسْفارَ وإعْراضِهِمْ عن عِبادَةِ اللهِ ثُمَّ أمَرَهم تَعالى بِالعِبادَةِ بَعْدُ، وأعْلَمَهم أنَّ اللهَ هو الَّذِي أطْعَمَهم وآمَنَهم لا سَفَرَهُمْ، والمَعْنى: فَلْيَعْبُدُوا الَّذِي أطْعَمَهم بِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ حَيْثُ قالَ: ﴿ وارْزُقْهم مِنَ الثَمَراتِ  ﴾ ، وآمَنُهم بِدَعْوَتِهِ حَيْثُ قالَ: ﴿ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا  ﴾ ، ولا تَشْتَغِلُوا بِالأسْفارِ فَإنَّها طَلَبُ كَسْبٍ وعَرْضِ دُنْيا.

وقالَ النَقّاشُ: كانَتْ لَهم أرْبَعُ رِحَلٍ، وهَذا قَوْلٌ مَرْدُودٌ، وقالَ عِكْرِمَةُ: مَعْنى الآيَةِ كَما ألِفُوا هاتَيْنِ الرِحْلَتَيْنِ لِدُنْياهم فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ لِآخِرَتِهِمْ، وقالَ قَتادَةُ: إنَّما عُدِّدَتْ عَلَيْهِمُ الرِحْلَتانِ لِأنَّهم كانُوا يَأْمَنُونَ مِنَ الناسِ في سَفَرِهِمْ، والناسُ يُغِيرُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، ولا يُمْكِنُ قَبِيلًا مِنَ العَرَبِ أنْ يَرْحَلَ آمِنًا كَما تَفْعَلُ قُرَيْشٌ، فالمَعْنى: فَلْيَعْبُدُوا الَّذِي خَصَّهم بِهَذِهِ الحالِ فَأطْعَمَهم وآمَنَهم.

وَقَوْلُهُ تَعالى: "مِن جُوعٍ" مَعْناهُ أنَّ أهْلَ مَكَّةَ قاطِنُونَ بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عُرْضَةً لِلْجُوعِ والجَدْبِ لَوْلا لُطْفُ اللهِ تَعالى وأنْ جَعَلَها بِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ تُجْبى إلَيْها ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: مِن خَوْفٍ أيٍ جَعَلَهم لِحُرْمَةِ البَيْتِ مُفَضَّلِينَ عِنْدَ العَرَبِ يَأْمَنُونَ والناسُ خائِفُونَ، ولَوْلا فَضْلُ اللهِ تَعالى في ذَلِكَ لَكانُوا بِمَدْرَجِ المَخاوِفِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والضَحّاكُ: "آمَنَهم مِن خَوْفٍ" مَعْناهُ مِنَ الجُذامِ فَلا تَرى بِمَكَّةَ مَجْذُومًا.

كَمُلَ تَفْسِيرُ [سُورَةِ قُرَيْشٍ] والحَمْدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

افتتاح مُبدع إذ كان بمجرور بلام التعليل وليس بإثْره بالقرب ما يصلح للتعليق به ففيه تشويق إلى متعلق هذا المجرور.

وزاده الطول تشويقاً إذ فصل بينه وبين متعلَّقه (بالفتح) بخمس كلمات، فيتعلق ﴿ لإيلاف ﴾ بقوله: ﴿ فليعبدوا ﴾ .

وتقديم هذا المجرور للاهتمام به إذ هو من أسباب أمرهم بعبادة الله التي أعرضوا عنها بعبادة الأصنام والمجرور متعلق بفعل «ليعبدوا».

وأصل نظم الكلام: لتَعْبُدْ قريشٌ ربَّ هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف لإيلافهم رحلة الشتاء والصيف، فلما اقتضى قصدُ الاهتمام بالمعمول تقديمه على عامله، تولَّدَ من تقديمه معنى جعله شرطاً لعامله فاقترن عامله بالفاء التي هي من شأن جواب الشرط، فالفاء الداخلة في قوله: ﴿ فليعبدوا ﴾ مؤذنة بأن ما قبلها في قوة الشرط، أي مؤذنة بأن تقديم المعمول مقصود به اهتمام خاص وعناية قوية هي عناية المشترط بشرطه، وتعليق بقية كلامه عليه لما ينتظره من جوابه، وهذا أسلوب من الإِيجاز بديع.

قال في «الكشاف»: دخلت الفاء لما في الكلام من معنى الشرط لأن المعنى إمَّا لاَ فليعبدوه لإِيلافهم، أي أن نعم الله عليهم لا تحصى فإن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبدوه لهذه الواحدة التي هي نعمة ظاهرة اه.

وقال الزجاج في قوله تعالى: ﴿ وربك فكبر ﴾ [المدثر: 3] دخلت الفاء لمعنى الشرط كأنه قيل: وما كان فلا تَدَعْ تكبيره اه.

وهو معنى ما في «الكشاف».

وسكتا عن منشإ حصول معنى الشرط وذلك أن مثل هذا جار عند تقديم الجار والمجرور، ونحوه من متعلقات الفعل وانظر قوله تعالى: ﴿ وإياي فارهبون ﴾ في سورة البقرة (40)، ومنه قوله تعالى: ﴿ فبذلك فليفرحوا ﴾ في سورة يونس (58) وقوله: ﴿ فلذلك فادع واستقم ﴾ في سورة الشورى (15).

وقول النبي للذي سأله عن الجهاد فقال له: ألك أبوان؟

فقال: نعم.

قال: ففيهما فجاهدْ.

ويجوز أن تجعل اللام متعلقة بفعل (اعْجَبوا) محذوفاً ينبئ عنه اللام لكثرة وقوع مجرور بها بعد مادة التعجب، يقال: عجباً لك، وعجباً لتلك قضية، ومنه قول امرئ القيس: فيا لَكَ من ليل لأن حرف النداء مراد به التعجب فتكون الفاء في قوله: فليعبدوا} تفريعاً على التعجيب.

وجوّز الفراء وابن إسحاق في «السيرة» أن يكون ﴿ لإيلاف قريش ﴾ متعلقاً بما في سورة الفيل (5) من قوله: ﴿ فجعلهم كعصف مأكول ﴾ قال القرطبي: وهو معنى قول مجاهد ورواية ابن جبير عن ابن عباس.

قال الزمخشري: وهذا بمنزلة التضمين في الشعر وهو أن يتعلق معنى البيت بالذي قبله تعلقاً لا يصح إلاّ به ا ه.

يعنون أن هذه السورة وإن كانت سورة مستقلة فهي ملحقة بسورة الفيل فكما تُلحق الآية بآية نزلت قبلها، تلحق آيات هي سورة فتتعلق بسورة نزلت قبلها.

والإِيلاف: مصدر أألف بهمزتين بمعنى ألف وهما لغتان، والأصل هو ألف، وصيغة الإِفعال فيه للمبالغة لأن أصلها أن تدل على حصول الفعل من الجانبين، فصارت تستعمل في إفادة قوة الفعل مجازاً، ثم شاع ذلك في بعض الأفعال حتى ساوى الحقيقة مثل سَافَر، وعافَاه الله، وقاتَلَهُم الله.

وقرأه الجمهور في الموضعين لإيلاف } بياء بعد الهمزة وهي تخفيف للهمزة الثانية.

وقرأ ابن عامر «لإلاف» الأول بحذف الياء التي أصلها همزة ثانية، وقرأه ﴿ إيلافهم ﴾ بإثبات الياء مثل الجمهور.

وقرأ أبو جعفر «لِيلاَف قريش» بحذف الهمزة الأولى.

وقرأ «إلافهم» بهمزة مكسورة من غير ياء.

وذكر ابن عطية والقرطبي أن أبا بكر عن عاصم قرأ بتحقيق الهمزتين في «لإِأَلاَفِ» وفي «إِأَلافهم»، وذكر ابن عطية عن أبي علي الفارسي أن تحقيق الهمزتين لا وجه له.

قلت: لا يوجد في كتب القراءات التي عرفناها نسبة هذه القراءة إلى أبي بكر عن عاصم.

والمعروف أن عاصماً موافق للجمهور في جعل ثانية الهمزتين ياء، فهذه رواية ضعيفة عن أبي بكر عن عاصم.

وقد كُتب في المصحف «إلافهم» بدون ياء بعد الهمزة وأما الألف المدّة التي بعد اللام التي هي عين الكلمة فلم تكتب في الكلمتين في المصحف على عادة أكثر المدَّات مثلها، والقراءات روايات وليس خط المصحف إلا كالتذكرة للقارئ، ورسم المصحف سُنّة متَّبعة سنَّها الصحابة الذين عُيّنوا لنسخ المصاحف وإضافة «إيلاف» إلى ﴿ قريش ﴾ على معنى إضافة المصدر إلى فاعله وحذف مفعوله لأنه هنا أطلق بالمعنى الاسمي لتلك العادة فهي إضافة معنوية بتقدير اللام.

وقريش: لقب الجد الذي يجمع بطوناً كثيرة وهو فهر بن مالك بن النضر بن كِنانة.

هذا قول جمهور النّسابين وما فوق فِهر فهم من كنانة، ولُقِّب فهرٌ بلقب قريش بصيغة التصغير وهو على الصحيح تصغير قَرْش (بفتح القاف وسكون الراء وشين معجمة) اسم نوع من الحوت قوي يعدو على الحيتان وعلى السفن.

وقال بعض النسابين: إن قريشاً لقب النضر بن كنانة.

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم " أنه سئل منْ قريشٌ؟

فقال: مَنْ وَلَدَ النضْرُ ".

وفي رواية أنه قال: " إنّا وَلَدُ النضر بن كنانة لا نقفو أمَّنا ولا ننتفي من أبينا ".

فجميع أهل مكة هم قريش وفيهم كانت مناصب أهل مكة في الجاهلية موزعة بينهم وكانت بنو كنانة بخِيف منى.

ولهم مناصب في أعمال الحج خاصة منها النَّسِيء.

وقوله: ﴿ إيلافهم ﴾ عطف بيان من «إيلاف قريش» وهو من أسلوب الإجمال، فالتفصيل للعناية بالخبر ليتمكن في ذهن السامع ومنه قوله تعالى: ﴿ لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات ﴾ [غافر: 36] حكاية لكلام فرعون، وقول امرئ القيس: ويومَ دخلتُ الخِدْرَ خِدْرَ عُنَيْزَة *** والرحلة بكسر الراء: اسم للارتحال، وهو المسير من مكان إلى آخر بعيد، ولذلك سمي البعير الذي يسافَر عليه راحلة.

وإضافة رحلة إلى الشتاء من إضافة الفعل إلى زمانه الذي يقع فيه فقد يكون الفعل مستغرقاً لزمانه مثل قَولك: سَهَر الليل، وقد يكون وقتاً لابتدائه مثل صلاة الظهر، وظاهر الإِضافة أن رحلة الشتاء والصيف معروفة معهودة، وهما رحلتان.

فعطف ﴿ والصيف ﴾ على تقدير مضاف، أي ورحلة الصيف، لظهور أنه لا تكون رحلة واحدة تبتدأ في زمانين فتعين أنهما رحلتان في زمنين.

وجوز الزمخشري أن يَكون لفظ ﴿ رحلة ﴾ المفرد مضافاً إلى شيئين لظهور المراد وأمن اللبس.

وقال أبو حيان: هذا عند سيبويه لا يجوز إلا في الضرورة.

و ﴿ الشتاء ﴾ : اسم لفصل من السنة الشمسية المقسمة إلى أربعة فصول.

وفصل الشتاء تسعة وثمانون يوماً وبضع دقائق مبدؤها حلول الشمس في برج الجَدْي، ونهايتها خروج الشمس من بُرج الحوت، وبروجه ثلاثة: الجَدْي، والدَّلْوُ، والحوت.

وفصل الشتاء مُدة البرد.

و ﴿ الصيف ﴾ : اسم لفصل من السنة الشمسية، وهو زمن الحرّ ومدته ثلاثة وتسعون ويوماً وبضع ساعات، مبدؤها حلول الشمس في برج السَرَطان ونهايته خروج الشمس من برج السُّنْبُلَة، وبروجه ثلاثة: السرطان، والأسد، والسنبلة.

قال ابن العربي: قال مالك: الشتاء نصف السنة والصيف نصفها ولم أزل أرى ربيعة ابن أبي عبد الرحمان ومن معه لا يخلعون عمائمهم حتى تطلع الثريا (يعني طلوع الثريا عند الفجر وذلك أول فصل الصيف) وهو اليوم التاسع عشر من (بشنس) وهو يوم خمسة وعشرين من عدد الروم أو الفرس اه.

وشهر بشنس هو التاسع من أشهر السنة القبطية المجزأة إلى اثني عشر شهراً.

وشهر بشنس يبتدئ في اليوم السادس والعشرين من شهر نيسان (أبريل) وهو ثلاثون يوماً ينتهي يوم 25 من شهر (أيار مايه).

وطلوع الثريا عند الفجر وهو يوم تسعة عشر من شهر بشنس من أشهر القبط.

قال أيمة اللغة: فالصيف عند العامة نصف السنة وهو ستة أشهر والشتاء نصف السنة وهو ستة أشهر.

والسنة بالتحقيق أربعة فصول: الصيف: ثلاثة أشهر، وهو الذي يسميه أهل العراق وخراسان الربيع، ويليه القَيْظ ثلاثة أشهر، وهو شدة الحر، ويليه الخريف ثلاثة أشهر، ويليه الشتاء ثلاثة أشهر.

وهذه الآية صالحة للاصطلاحين.

واصطلاح علماء الميقات تقسيم السنة إلى ربيع وصيف وخريف وشتاء، ومبدأ السنة الربيع هو دخول الشمس في بُرج الحَمَل، وهاتان الرحلتان هما رحلتا تجارة ومِيرة كانت قريش تجهزهما في هذين الفصلين من السنة إحداهما في الشتاء إلى بلاد الحبشة ثم اليمن يبلغون بها بلاد حمير، والأخرى في الصيف إلى الشام يبلغون بها مدينة بُصرى من بلاد الشام.

وكان الذين سنّ لهم هاتين الرحلتين هاشم بن عبد مناف، وسبب ذلك أنهم كانوا تعتريهم خصاصة فإذا لم يجد أهل بيت طعاماً لقوتهم حمل ربُّ البيت عياله إلى موضع معروف فضرب عليهم خباء وبقوا فيه حتى يموتوا جوعاً ويسمى ذلك الاعتفار (بالعين المهملة وبالراء وقيل بالدال عوض الراء وبفاء) فحدث أن أهل بيت من بني مخزوم أصابتهم فاقة شديدة فهموا بالاعتفار فبلغ خبرهم هاشماً لأن أحد أبنائهم كان تِرباً لأسد بن هاشم، فقام هاشم خطيباً في قريش وقال: إنكم أحدثتم حدثاً تقِلون فيه وتكثر العرب وتذلون وتعزّ العرب وأنتم أهل حرم الله والناس لكم تُبّع ويكاد هذا الاعتفار يأتي عليكم، ثم جمع كل بني أب على رحلتين للتجارات فما ربح الغني قسمه بينه وبين الفقير من عشيرته حتى صار فقيرهم كغنيهم، وفيه يقول مطرود الخزاعي: يا أيها الرجُلُ المحوِّل رَحْله *** هلا نزلتَ بآل عبد مناف الآخذون العُهد من آفاقها *** والراحلون لرِحلة الإِيلاف والخالطون غنِيّهم بفقيرهم *** حتى يصير فقيرهم كالكافي ولم تزل الرحلتان من إيلاف قريش حتى جاء الإِسلام وهم على ذلك.

والمعروف المشهور أن الذي سنّ الإِيلاف هو هاشم، وهو المروي عن ابن عباس، وذكر ابن العربي عن الهروي: أن أصحاب الإِيلاف هاشم، وإخوته الثلاثة الآخرون عبدُ شمس، والمطلب، ونوفل، وأن كان واحد منهم أخذ حبلاً، أي عهداً من أحد الملوك الذين يمرون في تجارتهم على بلادهم وهم مَلِك الشام، وملك الحَبشة، وملك اليمن، ومَلِك فارس، فأخذ هاشم هذا من ملك الشام وهو ملك الروم، وأخذ عبد شمس من نجاشي الحبشة وأخذ المطلب من ملك اليمن وأخذ نوفل من كسرى ملك فارس، فكانوا يجعلون جُعلاً لرؤساء القبائل وسادات العشائر يسمى الإيلاف أيضاً يعطونهم شيئاً من الربح ويحملون إليهم متاعاً ويسوقون إليهم إبلاً مع إبلهم ليكفوهم مؤونة الأسفار وهم يكفون قريش دفع الأعداء فاجتمع لهم بذلك أمن الطريق كله إلى اليمن وإلى الشام وكانوا يسمَّوْن المُجِيرين.

وقد توهم النقاش من هذا أن لكل واحد من هؤلاء الأربعة رحلة فزعم أن الرِحَل كانت أربعاً، قال ابن عطية: وهذا قول مردود، وصدق ابن عطية، فإن كون أصحاب العهد الذي كان به الإِيلاف أربعة لا يقتضي أن تكون الرحلات أربعاً، فإن ذلك لم يقله أحد، ولعل هؤلاء الأخوة كانوا يتداولون السفر مع الرحلات على التناوب لأنهم المعروفون عند القبائل التي تمر عليهم العِير، أو لأنهم توارثوا ذلك بعد موت هاشم فكانت تضاف العِير إلى أحدهم كما أضافوا العير التي تَعرّض المسلمون لها يوم بدر عيرَ أبي سفيان إذ هو يومئذ سيد أهل الوادي بمكة.

ومعنى الآية تذكير قريش بنعمة الله عليهم إذ يسر لهم ما لم يتأت لغيرهم من العرب من الأمن من عدوان المعتدين وغارات المغيرين في السنة كلها بما يسر لهم من بناء الكعبة وشرعة الحج وأن جعلهم عمار المسجد الحرام وجعل لهم مهابة وحرمة في نفوس العرب كلهم في الأشهر الحرم وفي غيرها.

وعند القبائل التي تحرِّم الأشهر الحُرم والقبائللِ التي لا تحرّمها مثل طيء وقضاعة وخثعم، فتيسرت لهم الأسفار في بلاد العرب من جنوبها إلى شمالها، ولاذ بهم أصحاب الحاجات يسافرون معهم، وأصحاب التجارات يحمِّلونهم سلعهم، وصارت مكة وسطاً تُجلب إليها السلع من جميع البلاد العربية فتوزع إلى طالبيها في بقية البلاد، فاستغنى أهل مكة بالتجارة إذ لم يكونوا أهل زرع ولا ضرع إذ كانوا بوادٍ غير ذي زرع وكانوا يجلبون أقواتهم فيجلبون من بلاد اليمن الحبوب من بُرّ وشعير وذُرة وزبيب وأديم وثياب والسيوف اليمانية، ومن بلاد الشام الحبوب والتمر والزيت والزبيب والثياب والسيوف المشرفية، زيادة على ما جعل لهم مع معظم العرب من الأشهر الحرم، وما أقيم لهم من مواسم الحج وأسواقه كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿ فليعبدوا رب هذا البيت ﴾ .

فذلك وجه تعليل الأمر بتوحيدهم الله بخصوص نعمة هذا الإِيلاف مع أن لله عليهم نعماً كثيرة لأن هذا الإِيلاف كان سبباً جامعاً لأهم النعم التي بها قوام بقائهم.

وقد تقدم آنفاً الكلام على معنى الفاء من قوله: ﴿ فليعبدوا رب هذا البيت ﴾ على الوجوه كلها.

والعبادة التي أُمروا بها عبادة الله وحده دون إشراك الشركاء معه في العبادة لأن إشراك من لا يستحق العبادة مع الله الذي هو الحقيق بها ليس بعبادة أو لأنهم شُغلوا بعبادة الأصنام عن عبادة الله فلا يذكرون الله إلا في أيام الحج في التلبية على أنهم قد زاد بعضهم فيها بعد قولهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تَملِكُه ومَا مَلَك.

وتعريف ﴿ رب ﴾ بالإضافة إلى ﴿ هذا البيت ﴾ دون أن يقال: فليعبدوا الله لما يومئ إليه لفظ ﴿ رب ﴾ من استحقاقه الإِفراد بالعبادة دون شريك.

وأوثر إضافة ﴿ رب ﴾ إلى ﴿ هذا البيت ﴾ دون أن يقال: ربهم للإِيماء إلى أن البيت هو أصل نعمة الإِيلاف بأن أمر إبراهيم ببناء البيت الحرام فكان سبباً لرفعة شأنهم بين العرب قال تعالى: ﴿ جعل اللَّه الكعبة البيت الحرام قياماً للناس ﴾ [المائدة: 97] وذلك إدماج للتنويه بشأن البيت الحرام وفضله.

والبيت معهود عند المخاطبين.

والإِشارة إليه لأنه بذلك العهد كان كالحاضر في مقام الكلام على أن البيت بهذا التعريف باللام صار علماً بالغلبة على الكعبة، و«رب البيت» هو الله والعرب يعترفون بذلك.

وأجري وصف الرب بطريقة الموصول ﴿ الذي أطعمهم من جوع ﴾ لما يؤذن به من التعليل للأمر بعبادة رب البيت الحرام بعلة أخرى زيادة على نعمة تيسير التجارة لهم، وذلك مما جعلهم أهل ثراء، وهما نعمة إطعامهم وأمنهم.

وهذا إشارة إلى ما يُسّر لهم من ورود سفن الحبشة في البحر إلى جدة تحمل الطعام ليبيعوه هناك.

فكانت قريش يخرجون إلى جدة بالإِبل والحمر فيشترون الطعام على مسيرة ليلتين.

وكان أهل تبالة وجُرَش من بلاد اليمن المخصبة يحملون الطعام على الإِبل إلى مكة فيباع الطعام في مكة فكانوا في سعة من العيش بوفر الطعام في بلادهم، وكذلك يسر لهم إقامة الأسواق حول مكة في أشهر الحج وهي سوق مجنَّة، وسوق ذي المَجاز، وسوق عُكاظ، فتأتيهم فيها الأرزاق ويتسع العيش، وإشارة إلى ما ألقي في نفوس العرب من حرمة مكة وأهلها فلا يريدهم أحد بتخويف.

وتلك دعوة إبراهيم عليه السلام إذ قال: ﴿ رب اجعل هذا بلداً آمناً وارزق أهله من الثمرات ﴾ [البقرة: 136] فلم يتخلف ذلك عنهم إلا حين دعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم بدعوته: «اللهم اجعلها عليهم سنين كسنين يوسف» فأصابتهم مجاعة وقحط سبع سنين وذلك أوّل الهجرة.

و ﴿ مِن ﴾ الداخلة على ﴿ جوع ﴾ وعلى ﴿ خوف ﴾ معناها البدلية، أي أطعمهم بدلاً من الجوع وآمنهم بدلاً من الخوف.

ومعنى البدلية هو أن حالة بلادهم تقتضي أن يكون أهلها في جوع فإطعامُهم بدلٌ من الجوع الذي تقتضيه البلاد، وأن حالتهم في قلة العدد وكونهم أهل حضر وليسوا أهل بأس ولا فروسية ولا شكَّة سلاح تقتضي أن يكونوا معرضين لغارات القبائل فجعل الله لهم الأمن في الحرم عوضاً عن الخوف الذي تقتضيه قلتهم قال تعالى: ﴿ أولم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً ويتخطف الناس من حولهم ﴾ [العنكبوت: 67].

وتنكير ﴿ جوع ﴾ و ﴿ خوف ﴾ للنوعية لا للتعظيم إذ لم يحلّ بهم جوع وخوف من قبلُ، قال مساور بن هند في هجاء بني أسد: زعمتم أن إخوتَكم قريش *** لهم إِلْفٌ وليس لكم إِلاَف أولئك أُومِنوا جُوعاً وخَوفاً *** وقد جاعت بنو أسد وخافوا

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

سُورَةُ قُرَيْشٍ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الأكْثَرِينَ، ومَدِنِيَّةٌ في قَوْلِ الضَّحّاكِ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى ﴿ لإيلافِ قُرَيْشٍ ﴾ الإيلافُ مَأْخُوذٌ مِن ألِفَ يَأْلَفُ، وهي العادَةُ المَأْلُوفَةُ، ومِنهُ قَوْلُهُمُ ائْتَلَفَ القَوْمُ.

وَفي قَوْلِهِ ﴿ لإيلافِ قُرَيْشٍ ﴾ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: نِعْمَتِي عَلى قُرَيْشٍ، لِأنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أنْ ألَّفَهُ لَهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.

الثّانِي: لِإيلافِ اللَّهِ لَهم لِأنَّهُ آلَفُهم إيلافًا، قالَهُ الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ.

الثّالِثُ: لِإيلافِ قُرَيْشٍ حَرَمِي وقِيامِهِمْ بِبَيْتِي، وهَذا مَعْنى قَوْلِ الحَسَنِ.

الرّابِعُ: لِإيلافِ ما ذَكَرَهُ مِن رِحْلَةِ الشِّتاءِ والصَّيْفِ في مَعايِشِهِمْ، قالَهُ مَكْحُولٌ.

وَفي اللّامِ الَّتِي في ﴿ لإيلافِ قُرَيْشٍ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ صِلَةٌ يَرْجِعُ إلى السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ مِن قَوْلِهِمْ ﴿ ألَمْ تَرَ كَيْفَ ﴾ إلى أنْ قالَ: ﴿ فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ﴾ ﴿ لإيلافِ قُرَيْشٍ ﴾ ، فَصارَ مَعْناهُ أنَّ ما فَعَلَهُ بِأصْحابِ الفِيلِ لِأجْلِ إيلافِ قُرَيْشٍ، قالَهُ ثَعْلَبٌ، وكانَ عُمَرُ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ لا يَفْصِلانِ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ ويَقْرَآنِهِما كالسُّورَةِ الواحِدَةِ، ويَرَيانِ أنَّهُما سُورَةٌ واحِدَةٌ، أيْ: ألَمْ تَرَ لِإيلافِ قُرَيْشٍ.

الثّانِي: أنَّ اللّامَ صِلَةٌ تَرْجِعُ إلى ما بَعْدَها مِن قَوْلِهِ ﴿ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ ﴾ ويَكُونُ مَعْناهُ لِنِعْمَتِي عَلى قُرَيْشٍ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ، قالَهُ أهْلُ البَصْرَةِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ، لِيَأْلَفَ قُرَيْشٌ، وكانَ يَعِيبُ عَلى مَن يَقْرَأُ ﴿ لإيلافِ قُرَيْشٍ ﴾ .

وقَرَأ بَعْضُ أهْلِ مَكَّةَ: إلافُ قُرَيْشٍ، واسْتُشْهِدَ بِقَوْلِ أبِي طالِبٍ يُوصِي أخاهُ أبا لَهَبٍ بِرَسُولِ اللَّهِ  فَلا تَتْرُكَنَّهُ ما حَيِيتَ لِمُعَظَّمِ وكُنْ رَجُلًا ذا نَجْدَةٍ وعَفافِ ∗∗∗ تَذُودُ العِدا عَنْ عُصْبَةٍ هاشِمِيَّةٍ ∗∗∗ ألّا فُهُمُ في النّاسِ خَيْرُ إلافِ وَأمّا قُرَيْشٌ تَلِدُهُ فَهم بَنُو النَّضِيرِ بْنِ كِنانَةَ، وقِيلَ بَنُو فِهْرِ بْنِ مالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنانَةَ، ومَن لَمْ تَلِدْهُ فِهْرٌ فَلَيْسَ مِن قُرَيْشٍ، وعَلى المَشْهُورِ أنَّ بَنِي النَّضْرِ بْنِ كِنانَةَ ومَن تَلِدُهُ: مِن قُرَيْشٍ، وإنْ لَمْ يَكُونُوا مِن بَنِي فِهْرٍ، وقَدْ كانُوا مُتَفَرِّقِينَ في غَيْرِ الحَرَمِ فَجَمَعَهم قُصَيُّ بْنُ كِلابٍ في الحَرَمِ حَتّى اتَّخَذُوهُ مَسْكَنًا، قالَ الشّاعِرُ أبُونا قُصَيٌّ كانَ يُدْعى مُجَمِّعًا ∗∗∗ بِهِ جَمَعَ اللَّهُ القَبائِلَ مِن فِهْرِ واخْتَلَفُوا في تَسْمِيَتِهِمْ قُرَيْشًا عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: لِتَجَمُّعِهِمْ بَعْدَ التَّفَرُّقِ، والتَّقْرِيشُ التَّجْمِيعُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ إخْوَةٌ قَرَّشُوا الذُّنُوبَ عَلَيْنا ∗∗∗ في حَدِيثٍ مِن دَهْرِهِمْ وقَدِيمِ الثّانِي: لِأنَّهم كانُوا تُجّارًا يَأْكُلُونَ مِن مَكاسِبِهِمْ، والتَّقْرِيشُ التَّكَسُّبُ.

الثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يُفَتِّشُونَ الحاجَّ عَنْ ذِي الخَلَّةِ فَيَسُدُّونَ خَلَّتْهُ، والقِرْشِ: التَّفْتِيشُ، قالَ الشّاعِرُ أيُّها الشّامِتُ المُقَرِّشُ عَنّا ∗∗∗ عِنْدَ عَمْرٍو فَهَلْ لَهُ إبْقاءُ الرّابِعُ: أنْ قُرَيْشًا اسْمُ دابَّةٍ في البَحْرِ، مِن أقْوى دَوابِّهِ، سُمِّيَتْ قُرَيْشًا لِقُوَّتِها وأنَّها تَأْكُلُ ولا تُؤْكَلُ، وتَعْلُو ولا تُعْلى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الشّاعِرِ: هَكَذا في العِبادِ حَيُّ قُرَيْشٍ ؎ يَأْكُلُونَ البِلادَ أكْلًا كَشِيشًا ∗∗∗ ولَهم آخِرُ الزَّمانِ نَبِيٌّ ∗∗∗ يَكْثُرُ القَتْلُ فِيهِمُ والخَمُوشا ∗∗∗ يَمْلَأُ الأرْضَ خَيَلَةً ورِجالًا ∗∗∗ يَحْشُرُونَ المَطِيَّ حَشْرًا كَمِيشا ∗∗∗ تَأْكُلُ الغَثَّ والسَّمِينَ ولا تَتْ ∗∗∗ رُكُ يَوْمًا في جَناحَيْنِ رِيشا.

∗∗∗ وقُرَيْشٌ هي الَّتِي تَسْكُنُ البَحْ ∗∗∗ رَ بِها سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قَرِيشا.

∗∗∗ سَلَّطَتْ بِالعُلُوِّ في لُجُجِ البَحْرِ ∗∗∗ عَلى سائِرِ البُحُورِ جُيُوشا.

﴿ إيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ ﴾ كانَتْ لِقُرَيْشٍ في كُلِّ عامٍ رِحْلَتانِ والرِّحْلَةُ السَّفْرَةُ، لِما يُعانى فِيها مِنَ الرَّحِيلِ والنُّزُولِ، رِحْلَةٌ في الصَّيْفِ ورِحْلَةٌ في الشِّتاءِ طَلَبًا لِلتِّجارَةِ والكَسْبِ.

واخْتُلِفَ في رِحْلَتَيِ الشِّتاءِ والصَّيْفِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ كِلْتا الرِّحْلَتَيْنِ إلى فِلَسْطِينَ، لَكِنَّ رِحْلَةَ الشِّتاءِ في البَحْرِ، طَلَبًا لِلدِّفْءِ، ورِحْلَةَ الصَّيْفِ عَلى بُصْرى وأذْرِعاتٍ، طَلَبًا لِلْهَواءِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

الثّانِي: أنَّ رِحْلَةَ الشِّتاءِ إلى اليَمَنِ لِأنَّها بِلادٌ حامِيَةٌ، ورِحْلَةَ الصَّيْفِ إلى الشّامِ لِأنَّها بِلادٌ بارِدَةٌ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

فَإنْ قِيلَ فَما المَعْنى في تَذْكِيرِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ؟

فَفِيهِ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا في سَفَرِهِمْ آمَنِينَ مِنَ العَرَبِ لِأنَّهم أهْلُ الحَرَمِ، فَذَكَّرَهم ذَلِكَ لِيَعْلَمُوا نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ في أمْنِهِمْ مَعَ خَوْفِ غَيْرِهِمْ.

الثّانِي: لِأنَّهم كانُوا يَكْسِبُونَ فَيَتَوَسَّعُونَ ويُطْعِمُونَ ويَصِلُونَ، كَما قالَ الشّاعِرُ فِيهِمْ يا أيُّها الرَّجُلُ المُحَوِّلُ رَحْلَهُ ∗∗∗ هَلّا نَزَلْتَ بِآلِ عَبْدِ مَنافِ.

∗∗∗ الآخِذُونَ العَهْدَ مِن آفاقِها ∗∗∗ والرّاحِلُونَ لِرِحْلَةِ الإيلافِ.

∗∗∗ والرّائِشُونَ ولَيْسَ يُوجَدُ رائِشٌ ∗∗∗ والقائِلُونَ هَلُمَّ لِلْأضْيافِ.

∗∗∗ والخالِطُونَ غَنِيَّهم بِفَقِيرِهِمْ ∗∗∗ حَتّى يَصِيرَ فَقِيرُهم كالكافِي.

∗∗∗ عَمْرُو العُلا هَشَّمَ الثَّرِيدَ لِقَوْمِهِ ∗∗∗ ورِجالُ مَكَّةَ مُسْنِتُونَ عِجافِ.

فَذَكَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ النِّعْمَةَ.

وَلِابْنِ عَبّاسٍ في رِحْلَةِ الشِّتاءِ والصَّيْفِ قَوْلٌ ثالِثٌ: أنَّهم كانُوا يُشَتُّونَ بِمَكَّةَ لِدِفْئِها، ويُصَيِّفُونَ بِالطّائِفِ لِهَوائِها، كَما قالَ الشّاعِرُ تَشْتِي بِمَكَّةَ نِعْمَةً ∗∗∗ ومَصِيفُها بِالطّائِفِ وَهَذِهِ مِن جَلائِلِ النِّعَمِ أنْ يَكُونَ لِلْقَوْمِ ناحِيَةُ حَرٍّ تَدْفَعُ عَنْهم بَرْدَ الشِّتاءِ وناحِيَةُ بَرْدٍ تَدْفَعُ عَنْهم حَرَّ الصَّيْفِ، فَذَكَّرَهُمُ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ النِّعْمَةَ.

﴿ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ ﴾ أمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِعِبادَتِهِ، وفي تَعْرِيفِ نَفْسِهِ لَهم بِأنَّهُ رَبُّ هَذا البَيْتِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّهُ كانَتْ لَهم أوْثانٌ، فَمَيَّزَ نَفْسَهُ عَنْها.

الثّانِي: أنَّهم بِالبَيْتِ شُرِّفُوا عَلى سائِرِ العَرَبِ، فَذَكَرَ لَهم ذَلِكَ تَذْكِيرًا بِنِعْمَتِهِ.

وَفي مَعْنى هَذا الأمْرِ والضَّمِيرِ في دُخُولِ الفاءِ عَلى قَوْلِهِ ﴿ فَلْيَعْبُدُوا ﴾ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ بِأنَّهُ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِرِحْلَةِ الشِّتاءِ والصَّيْفِ.

الثّانِي: فَلْيَأْلَفُوا عِبادَةَ رَبِّ هَذا البَيْتِ كَما ألِفُوا رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ.

الثّالِثُ: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ لِأنَّهُ أطْعَمَهم مِن جُوعٍ وآمَنُهم مِن خَوْفٍ.

الرّابِعُ: فَلْيَتْرُكُوا رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ بِعِبادَةِ رَبِّ هَذا البَيْتِ، فَإنَّهُ يُطْعِمُهم مِن جُوعٍ ويُؤَمِّنُهم مِن خَوْفٍ لِيَتَوَفَّرُوا بِالمَقامِ عَلى نُصْرَةِ رَسُولِهِ والذَّبِّ عَنْ دِينِهِ.

﴿ الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أطْعَمَهم مِن جُوعٍ بِما أعْطاهم مِنَ الأمْوالِ وساقَ إلَيْهِمْ مِنَ الأرْزاقِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: أطْعَمَهم مِن جُوعٍ بِما اسْتَجابَ فِيهِمْ دَعْوَةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

حِينَ قالَ: ﴿ وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ ﴾ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: أنَّ جُوعًا أصابَهم في الجاهِلِيَّةِ، فَألْقى اللَّهُ في قُلُوبِ الحَبَشَةِ أنْ يَحْمِلُوا إلَيْهِمْ طَعامًا، فَحَمَلُوهُ، فَخافَتْ قُرَيْشٌ مِنهم وظَنُّوا أنَّهم قَدِمُوا لِحَرْبِهِمْ، فَخَرَجُوا إلَيْهِمْ مُتَحَرِّزِينَ، فَإذا هم قَدْ جَلَبُوا إلَيْهِمُ الطَّعامَ وأعانُوهم بِالأقْواتِ، فَهو مَعْنى قَوْلِهِ ﴿ الَّذِي أطْعَمَهم مِن جُوعٍ ﴾ ﴿ وَآمَنَهم مِن خَوْفٍ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: آمَنَهم مِن خَوْفِ العَرَبِ أنْ يَسْبُوهم أوْ يُقاتِلُوهم تَعْظِيمًا لِحُرْمَةِ الحَرَمِ، لِما سَبَقَتْ لَهم مِن دَعْوَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ قالَ: ﴿ رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا ﴾ ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: مِن خَوْفِ الحَبَشَةِ مَعَ الفِيلِ، قالَهُ الأعْمَشُ.

الثّالِثُ: آمَنَهم مِن خَوْفِ الجُذامِ، قالَهُ الضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ.

الرّابِعُ: يَعْنِي آمَنَ قُرَيْشًا ألّا تَكُونَ الخِلافَةُ إلّا فِيهِمْ، قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت ﴿ لإِيلاف قريش ﴾ بمكة.

وأخرج البخاري في تاريخه والحاكم وصححه والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الخلافيات عن أم هانئ بنت أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «فضل الله قريشاً بسبع خصال لم يعطها أحداً قبلهم، ولا يعطيها أحداً بعدهم: إني فيهم وفي لفظ النبوّة فيهم، والخلافة فيهم، والحجابة فيهم، والسقاية فيهم، ونصروا على الفيل، وعبدوا الله سبع سنين، وفي لفظ عشر سنين لم يعبده أحد غيرهم، ونزلت فيهم سورة من القرآن لم يذكر فيها أحد غيرهم ﴿ لإِيلاف قريش ﴾ » .

وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه وابن عساكر عن الزبير بن العوّام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فضل الله قريشاً بسبع خصال.

فضلهم بأنهم عبدوا الله عشر سنين لا يعبده إلا قريش، وفضلهم بأنه نصرهم يوم الفيل وهم مشركون، وفضلهم بأنه نزلت فيهم سورة من القرآن لم يدخل فيها أحد من العالمين غيرهم وهي ﴿ لإِيلاف قريش ﴾ وفضلهم بأن فيهم النبوّة والخلافة والحجابة والسقاية» .

وأخرج الخطيب في تاريخه عن سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله فضل قريشاً بسبع خصال: أنا منهم، وأن الله أنزل فيهم سورة كاملة من كتابه لم يذكر فيها أحداً غيرهم، وأنهم عبدوا الله عشر سنين لا يعبده أحد غيرهم، وأن الله نصرهم يوم الفيل، وأن الخلافة والسقاية والسدانة فيهم» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر عن إبراهيم قال: صلى عمر بن الخطاب بالناس بمكة عند البيت فقرأ ﴿ لإِيلاف قريش ﴾ قال: ﴿ فليعبدوا رب هذا البيت ﴾ وجعل يومئ بأصبعه إلى الكعبة وهو في الصلاة.

وأخرج الفريابي وابن جرير والطبراني والحاكم وابن مردويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ويل أمكم يا قريش ﴿ لإِيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف ﴾ » .

وأخرج أحمد وابن أبي حاتم عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « ﴿ لإِيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف ﴾ ويحكم يا قريش اعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف» .

وأخرج ابن جرير عن عكرمة أنه كان يقرأ: ﴿ لإِيلاف قريش الفهم رحلة الشتاء والصيف ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن عكرمة أنه كان يعيب ﴿ لإِيلاف قريش ﴾ ويقول انما هي لتألف قريش، وكانوا يرحلون في الشتاء والصيف إلى الروم والشام، فأمرهم الله أن يألفوا عبادة رب هذا البيت.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس في قوله: ﴿ لإِيلاف قريش ﴾ قال: نعمتي على قريش ﴿ إيلافهم رحلة الشتاء والصيف ﴾ قال: كانوا يشتون بمكة ويصيفون بالطائف ﴿ فليعبدوا رب هذا البيت ﴾ قال: الكعبة ﴿ الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ﴾ قال: الجذام.

وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ لإِيلاف قريش ﴾ قال: نعمتي على قريش ﴿ إيلافهم رحلة الشتاء والصيف ﴾ قال: إيلافهم ذلك فلا يشق عليهم رحلة شتاء ولا صيف ﴿ وآمنهم من خوف ﴾ قال: من كل عدوّ في حرمهم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ لإِيلاف قريش إيلافهم ﴾ يقول لزومهم ﴿ الذي أطعمهم من جوع ﴾ يعني قريشاً أهل مكة بدعوة إبراهيم حيث قال: ﴿ وارزقهم من الثمرات ﴾ [ ابراهيم: 37] ﴿ وآمنهم من خوف ﴾ حيث قال ابراهيم: ﴿ رب اجعل هذا البلد آمناً ﴾ [ ابراهيم: 35] .

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد أنه سئل عن قوله: ﴿ لإِيلاف قريش ﴾ فقرأ ﴿ ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ﴾ إلى آخر السورة.

قال: هذا لإِيلاف قريش صنعت هذا بهم لألفة قريش لئلا أفرق إلفهم وجماعتهم إنما جاء صاحب الفيل يستبيد حرمهم فصنع الله ذلك بهم.

وأخرج ابن الزبير بن بكار في الموفقيات عن عمر بن عبد العزيز قال: كانت قريش في الجاهلية تحتفد، وكان احتفادها أن أهل البيت منه كانوا إذا سافت يعني هلكت أموالهم خرجوا إلى براز من الأرض فضربوا على أنفسهم الأخبية ثم تناوبوا فيها حتى يموتوا من قبل أن يعلم بخلتهم، حتى نشأ هاشم بن عبد مناف، فلما نبل وعظم قدره في قومه قال: يا معشر قريش إن العز مع الكثرة، وقد أصبحتم أكثر العرب أموالاً وأعزهم نفراً، وإن هذا الإِحتفاد قد أتى على كثير منكم، وقد رأيت رأياً.

قالوا: رأيك راشد فمرنا نأتمر.

قال: رأيت أن أخلط فقراءكم بأغنيائكم فأعمد إلى رجل غني فأضم إليه فقيراً عياله بعدد عياله، فيكون يوازره في الرحلتين رحلة الصيف إلى الشام ورحلة الشتاء إلى اليمن، فما كان في مال الغني من فضل عاش الفقير وعياله في ظله، وكان ذلك قطعاً للاحتفاد قالوا: نعم، ما رأيت فألف بين الناس.

فلما كان من أمر الفيل وأصحابه ما كان وأنزل الله ما أنزل وكان ذلك مفتاح النبوة وأول عز قريش حتى أهابهم الناس كلهم وقالوا أهل الله والله معهم، وكان مولد النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك العام، فلما بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم كان فيما أنزل الله عليه يعرف قومه وما صنع إليهم وما نصرهم من الفيل وأهله ﴿ ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ﴾ [ الفيل: 1] إلى آخر السورة ثم قال: ولم فعلت ذلك يا محمد بقومك وهم يومئذ أهل عبادة أوثان فقال لهم: ﴿ لإِيلاف قريش ﴾ إلى آخر السورة أي لتراحمهم وتواصلهم، وكانوا على شرك، وكان الذي آمنهم منه من الخوف خوف الفيل وأصحابه واطعامهم إياهم من الجوع من جوع الاحتفاد.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ لإِيلاف قريش ﴾ الآية، قال: نهاهم عن الرحلة، وأمرهم أن يعبدوا رب هذا البيت، وكفاهم المؤنة، وكانت رحلتهم في الشتاء والصيف، ولم يكن لهم راحة في شتاء ولا صيف، فأطعمهم الله بعد ذلك من جوع وآمنهم من خوف فألفوا الرحلة، وكان ذلك من نعمة الله عليهم.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ﴿ لإِيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف ﴾ قال: ألفوا ذلك فلا يشق عليهم.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ لإِيلاف قريش ﴾ قال: عادة قريش رحلة في الشتاء ورحلة في الصيف، وفي قوله: ﴿ وآمنهم من خوف ﴾ قال: كانوا يقولون: نحن من حرم الله فلا يعرض لهم أحد في الجاهلية يأمنون بذلك، وكان غيرهم من قبائل العرب إذا خرج أغير عليهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ لإِيلاف قريش ﴾ قال: كان أهل مكة يتعاورون البيت شتاء وصيفاً تجاراً آمنين لا يخافون شيئاً لحرمهم، وكانت العرب لا يقدرون على ذلك ولا يستطيعونه من الخوف، فذكرهم الله ما كانوا فيه من الأمن حتى إن كان الرجل منهم ليصاب في الحيّ من أحياء العرب فيقال حرمي.

قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أذل قريشاً أذله الله» وقال: «ارقبوني وقريشاً فإن ينصرني الله عليهم فالناس لهم تبع» فلما فتحت مكة أسرع الناس في الإِسلام فبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الناس تبع لقريش في الخير والشر كفارهم تبع لكفارهم ومؤمنوهم تبع لمؤمنيهم» .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ لإِيلاف قريش ﴾ الآية، قال: أمروا أن يألفوا عبادة رب هذا البيت كإلفهم رحلة الشتاء والصيف.

وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر عن أبي صالح قال: علم الله حب قريش الشام فأمروا أن يألفوا عبادة رب هذا البيت كإيلافهم رحلة الشتاء والصيف.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر عن أبي مالك في قوله: ﴿ لإِيلاف قريش ﴾ قال: كانوا يتجرون في الشتاء والصيف فألفتهم ذلك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: كانت قريش تتجر شتاء وصيفاً فتأخذ في الشتاء على طريق البحر وإيلة إلى فلسطين يلتمسون الدفء وأما الصيف فيأخذون قبل بصرى وأذرعات يلتمسون البرد فذلك قوله: ﴿ إيلافهم ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: كانت لهم رحلتان الصيف إلى الشام والشتاء إلى اليمن في التجارة.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ وآمنهم من خوف ﴾ قال: لا يخطفون.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الأعمش ﴿ وآمنهم من خوف ﴾ قال: خوف الحبشة.

وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك ﴿ وآمنهم من خوف ﴾ قال: من الجذام.

وأخرج البيهقي في الدلائل عن أبي ريحانة العامري أن معاوية قال لابن عباس: لم سميت قريش قريشاً؟

قال: بدابة تكون في البحر أعظم دوابه يقال لها القرش لا تمر بشيء من الغث والسمين إلا أكلته.

قال: فأنشدني في ذلك شيئاً فأنشده شعر الجمحي إذ يقول: وقريش هي التي تسكن البحر ** بها سميت قريش قريشا تأكل الغث والسمين ولا تترك ** منها لذي الجناحين ريشا هكذا في البلاد حي قريش ** يأكلون البلاد أكلاً كميشا ولهم آخر الزمان نبي ** يكثر القتل فيهم والخموشا وأخرج ابن سعد عن سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم أن عبد الملك بن مروان سأل محمد بن جبير متى سميت قريش قريشاً؟

قال: حين اجتمعت إلى الحرم من تفرقها، فذلك التجمع التقرش، فقال عبد الملك ما سمعت هذا، ولكن سمعت أن قصياً كان يقال له القرشي ولم تسم قريش قبله.

وأخرج ابن سعد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: لما نزل قصيّ الحرم وغلب عليه فعل أفعالاً جميلة فقيل له القرشي، فهو أول من سمي به.

وأخرج أحمد عن قتادة بن النعمان أنه وقع بقريش فكأنه نال منهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا قتادة لا تسبن قريشاً، فإنه لعلك أن ترى منهم رجالاً تزدري عملك مع أعمالهم وفعلك مع أفعالهم، وتغبطهم إذا رأيتهم لولا أن تطغى قريش لأخبرتهم بالذي لهم عند الله» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن معاوية سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الناس تبع لقريش في هذا الأمر خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإِسلام إذا فقهوا، والله لولا أن تبطر قريش لأخبرتها بما لخيارها عند الله» قال: وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «خير نسوة ركبن الإِبل صالح نساء قريش أرعاه على زوج في ذات يده وأحناه على ولد في صغره» .

وأخرج أحمد وابن أبي شيبة والنسائي عن أنس قال: كنا في بيت رجل من الأنصار فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وقف فأخذ بعضادتي الباب فقال: «الأئمة من قريش، ولهم عليكم حق، ولكم مثل ذلك ما إن استحكموا عدلوا وإن استرحموا رحموا وإذا عاهدوا أوفوا، فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن للقرشي مثلي قوة الرجل من غير قريش» قيل للزهري: ما عني بذلك؟

قال: نبل الرأي.

وأخرج ابن أبي شيبة عن سهل بن أبي حثمة أن رسول صلى الله عليه وسلم قال: «تعلموا من قريش ولا تعلموها، وقدموا قريشاً ولا تؤخروها، فإن للقرشي قوة الرجلين من غير قريش» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي جعفر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقدموا قريشاً فتضلوا، ولا تأخروا عنها فتضلوا، خيار قريش خيار الناس، وشرار قريش شرار الناس، والذي نفس محمد بيده لولا أن تبطر قريش لأخبرتها ما لها عند الله» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الناس تبع لقريش في الخير والشر إلى يوم القيامة» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن إسماعيل بن عبد الله بن رفاعة عن أبيه عن جده قال: «جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً فقال: هل فيكم من غيركم؟

قالوا: لا إلا ابن أختنا ومولانا وحليفتنا، فقال: ابن أختكم منكم ومولاكم منكم إن قريشاً أهل صدق وأمانة فمن بغى لهم الغواء أكبه الله على وجهه» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والناس تبع لقريش في هذا الأمر خيارهم تبع لخيارهم وشرارهم تبع لشرارهم» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي موسى قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على باب فيه نفر من قريش فقال: «إن هذا الأمر في قريش» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقريش: «إن هذا الأمر فيكم وأنتم ولاته» .

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان» وحرك أصبعيه.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الملك في قريش، والقضاء في الأنصار، والأذان في الحبشة» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن عبيد بن عمير قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لقريش فقال: «اللهم كما أذقت أولهم عذاباً فأذق آخرهم نوالاً» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن سعد بن أبي وقاص أن رجلاً قتل فقيل للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أبعده الله أنه كان يبغض قريشاً» .

وأخرج الترمذي وصححه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم «أذقت أول قريش نكالاً فأذق آخرهم نوالاً» .

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ﴾ (١) (٢) (٣) (٤) (٥) قال ذو الرمة: من المُؤْلِفاتِ الرَّمْلَ أدْمَاءُ حرَّةٌ ...

شُعَاعُ الضُّحَى في مَتْنِها (٦) (٧) فالإلف، والإلاف مصدر ألف، والإيلاف مصدر آلف.

وأنشدوا: زَعَمْتُمْ أنَّ إخوَتَكُمْ قُرَيْشٌ (٨) (٩) ويقال أيضًا: "ألِفْتُ فلانًا الشيء أولفه إيلافًا إذا ألزمته إياه) (١٠) (١١) أحدها: وهو الأشهر الأعرف أن "اللام" تتعلق بالسورة التي قبلها، وذلك أن الله تعالى ذكَّر أهل مكة عظيم النعمة عليهم فيما صنع بالحبشة، ثم قال: "لإيلاف قريش" كأنه قال ذلك إلى نعمة عليهم في رحلة الشتاء والصيف، وتقول: نعمة إلى نعمة، ونعمة لنعمة سواء في المعنى (١٢) (١٣) وقال الأخفش: يقول فعلنا ذلك بهم لتايلف قريش (١٤) وقال أبو إسحاق: المعنى: فجعلهم كعصف مأكول لألف (قريش) (١٥) (١٦) (١٧) (واعترض على هذا القول معترض فقال: إنما جعلوا كعصف مأكول لكفرهم، ولم يجعلوا كذلك لتألف قريش (١٨) قال أبو علي: وليس هذا الاعتراض بشيء، لأنه يجوز أن يكون المعنى: أهلكوا لكفرهم، ولما أدى (١٩) ﴿ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا ﴾ (٢٠) (٢١) الوجه الثاني: قال الفراء: ويقال إنه عجَّب نبيه فقال: يا محمد اعجب لنعم الله على قريش في إيلافهم رحلة الشتاء والصيف (٢٢) وقال الأخفش: قال بعضهم: هو على التعجيب، وليس معلقًا (بما قبله؛ كأنه) (٢٣) (٢٤) (٢٥) وقال أبو إسحاق: وقال قوم: هذه "لام" التعجب، (كأن المعنى: اعجبوا) (٢٦) (٢٧) الوجه الثالث: هو قول الخليل، وسيبوية (٢٨) (٢٩) (٣٠) قال صاحب النظم: الوجه الأول أشبه بالصواب، لقوله: على أثره: "فليعبدوا رب هذا البيت"، وهذا كما تقول في الكلام: قد فعلت بفلان كذلك.

وكذا الخير صنعته (٣١) (٣٢) (٣٣) وقال ابن قتيبة: هاتان سورتان متصلتان الألفاظ.

والمعنى: إن قريشًا كانت بالحرم آمنة من الأعداء أن تهجم عليها فيه، وأن يعرض لها أحد بسوء إذا خرجت منه لتجارتها، وكانوا يقولون: قريش سكان الله (٣٤) (٣٥) (٣٦) تقول: ألفت موضع كذا إذا ألزمته (٣٧) (٣٨) (٣٩) وهذا الذي ذكره هو على أن يجعل "الإيلاف" واقعًا، ويكون المصدر الواقع مضافًا إلى المفعول.

ويجوز أن يكون مضافًا إلى الفاعل على معنى "هم يؤلفون" أي يهيئون ويجهزون، قال الفراء (٤٠) (٤١) (٤٢) (٤٣) أحدها: لتولف قريش رحلتيها.

والثاني: لتؤلَفَ قريش رحلتيها.

والآخر: لتألف قريش رحلتيها.

(وذكر ابن الأعرابي بيان الإيلاف وكيفيته فقال: أصحاب الإيلاف أربعة إخوة: هاشم، وعبد شمس، والمطلب، ونوفل بن عبد مناف (٤٤) (٤٥) (٤٦) (٤٧) (٤٨) ومعنى يُؤْلِف: يجير، والإجارة سبب تألف الغير، فقيل للجوار: إيلاف، وللمجير: مؤلف، (وأما قريش فهم ولد النضر بن كنانة، وكل من ولده النضر فهو قرشي، ومن لم يلده النضر فليس بقرشي) (٤٩)  -: "إنا بني النضر بن كنانة لا نَقْفُو أمَّنا، ولا نَنْتفي من أبينا" (٥٠) واختلفوا في سبب تسميتهم بهذا الاسم، فذهب قوم إلى: (أنه من القرش، وهو الجمع من هاهنا وهاهنا، وسميت قريش قريشًا لتقرشها أي لتجمعها إلى مكة من جوانبها (٥١) (٥٢) أبوكم قُصَيٌّ كان يُدْعَى مُجَمِّعا ...

به جَمَّعَ اللهُ القبائلَ من فِهْرِ (٥٣) (هذا قول الليث) (٥٤) (٥٥) وقال آخرون: (بل سميت قريش للتجارة، وجمع المال، وكانوا أهل تجارة، ولم يكونوا أصحاب ضرع، وزرع، والقَرْش الكسب، يقال: هو يقرش لعياله) (٥٦) (٥٧) وقال (٥٨) (٥٩) أي جمعوا، (وهذا قول أكثر الناس (٦٠) (٦١) وقال مَعْروف (بن خَرَّبوذ (٦٢) (٦٣) (٦٤) قال ابن حِلِّزَة (٦٥) أيها الشامت المقرِّشُ عنَّا ...

عِندَ عَمروٍ وهلْ لذاكَ (٦٦) (٦٧) وروي أن (٦٨) (٦٩) (٧٠) وقريش هي التي تسكن البحر ...

بها سميت قريش قريشا (٧١) (١) ﴿ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ﴾ (٢) قرأ ابن كثير في رواية ابن فليح وحده: "لإيلاف قريش" "إلْفِهِم" ساكنة اللام، وليس قبلها ياء، وذكر البخاري لابن كثير في هذه الرواية: "إلافهم" بفتح اللام مشبعة بعدها ألف، والهمزة قبلها مختلسة ليس بعدها ياء.

وقرأ أبو جعفر: "ليلاف قريش" بغير همز، و"إلافِهِم" مختلسة الهمزة ليس بعدها ياء.

وقرأ ابن عامر: "لإلاف قريش" مختلسة الهمزة ليس بعدها ياء، و"إيلافهم" مشبعة الهمزة بعدها ياء.

وقرأ الباقون "لإيلاف قريش * إيلافهم" مشبعة الهمزة في الحرفين بعدها ياء.

انظر: "كتاب السبعة" ص698، و"القراءات وعلل النحويين فيها" 2/ 799، و"الحجة" 6/ 444، و"المبسوط" ص 418، و"كتاب التبصرة" ص 732.

(٣) في (أ): (اللغت).

(٤) يعني بهم أبو عبيدة، وأبو زيد جاء ذكرهم في "تهذيب اللغة".

(٥) أي بمعنى لَزمْتُه.

"تهذيب اللغة" 15/ 378 (ألف).

(٦) في (أ): مسها.

(٧) ورد البيت في: "ديوانه" 2/ 1197 رقم 16، و"الحجة" 6/ 445 برواية: (جيدها) بدلاً من (متنها).

"الكامل" 2/ 692 برواية: (لونها) بدلاً (متنها)، و"تهذيب اللغة" 15/ 378 (ألف)، و"لسان العرب" 9/ 10 (ألف)، و"المحرر الوجيز" 5/ 525 برواية (جيدها).

"البحر المحيط" 8/ 514، و"الدر المصون" 6/ 572، و"روح المعاني" 30/ 238، و"سيرة ابن هشام" 1/ 58.

"المؤلفات" اللواتي اتخذن الرمل إلفًا.

يتوضح: يبرق في متنها.

"ديوانه" 1198.

(٨) لفظ قريش: ورد مرفوعًا على الخبر، وفي "اللسان" بالنصب على البدل 9/ 10 (ألف)، وانظر: "البحر المحيط" 8/ 514.

(٩) البيت لمساور بن هند يهجو بني أسد، وقد ورد في: "تهذيب اللغة" 15/ 379 (ألف)، و"لسان العرب" 9/ 10 (ألف)، و"الحجة" 6/ 446، و"الكشاف" 4/ 235، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 201، و"البحر المحيط" 8/ 514 برواية (قريشًا)، و"الدر المصون" 6/ 571، و"فتح القدير" 5/ 498، و"روح المعاني" 30/ 240.

(١٠) ما بين القوسين نقله عن "تهذيب اللغة" 15/ 378 (ألف)، وانظر "لسان العرب" 9/ 10 (ألف).

(١١) ليلاف: أ.

(١٢) "معاني القرآن" 3/ 293 بيسير من التصرف.

(١٣) ساقط من (أ).

(١٤) ورد في معنى قوله في: "الحجة" 6/ 448، و"المحرر الوجيز" 5/ 525، الدر المصون: 6/ 571.

(١٥) ساقط من (أ).

(١٦) "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 312.

(١٧) "مجاز القرآن" 2/ 312، وهو معنى قول مجاهد، وابن عباس في رواية ابن جبير عنه.

انظر: "جامع البيان" 30/ 306.

(١٨) وممن اعترض على هذا القول الطبري، قال: وأما القول أنه من صلة قوله: == "فجعلهم كعصف مأكول"، فإن ذلك لو كان كذلك لوجب أن يكون: لإيلاف بعض ألم تر، وأن لا تكون سورة منفصلة من "ألم تر"، وفي إجماع جميع المسلمين على أنهما سورتان تامتان كل واحدة منهما منفصلة عن الأخرى، ما يبيّن عن فساد القول الذي قاله من قال ذلك، ولو كان قوله: "لإيلاف قريش" من صلة قوله: "فجعلهم كعصف مأكول" لم تكن "ألم تر" تامة حتى توصل بقوله: "لإيلاف قريش"؛ لأن الكلام لا يتم إلا بانقضاء الخبر الذي ذكر.

"جامع البيان" 30/ 306 - 307.

(١٩) في (ع): (اهدى).

(٢٠) سورة القصص: 8.

(٢١) ما بين القوسين نقله عن "الحجة" 6/ 448 بيسير من التصرف.

(٢٢) "معاني القرآن" 3/ 293 بنصه (٢٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٢٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٢٥) ورد معنى قوله في: "الكشف والبيان" 13/ 159 أ، و"معالم التنزيل" 4/ 529، كما ورد في حاشية "زاد المسير" 8/ 514 نقلاً عن النسخة الأزهرية، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 201.

(٢٦) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٢٧) "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 365 بنحوه.

(٢٨) قوله: الخليل وسيبوبه غير واضح في (ع).

(٢٩) انظر: "كتاب سيبويه" 3/ 127 وقد أورد أبو علي قولي الخليل وسيبويه في "الحجة" 6/ 448.

(٣٠) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٣١) غير واضحة في (ع).

(٣٢) في (أ): الأمر.

(٣٣) لم أعثر على مصدر لقوله.

(٣٤) أي سكان حرم الله كما في "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة.

(٣٥) أي الحرم وادٍ جديب.

(٣٦) في (أ) (يجاور).

(٣٧) في (أ) (ألزمته).

(٣٨) في (أ) (فتكرير).

(٣٩) "تأويل مشكل القرآن" ص 413 - 415 بيسير من التصرف، وانظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 539 مختصرًا.

(٤٠) لم أعثر على مصدر القول.

(٤١) ورد قوله في: "تهذيب اللغة" 15/ 379 (ألف)، وانظر: "لسان العرب" 9/ 10 (ألف) من غير نسبة.

(٤٢) في (أ): (مضاف).

(٤٣) في (أ): (لتا لف).

(٤٤) في (أ)، و (ع): (بنوا).

(٤٥) الميرة: جلب الطعام للبيع، يقال: ماره يميره ميرًا: إذا أتاه ميرة أي طعام.

"تهذيب اللغة" 5/ 299 (مور).

(٤٦) في (أ)، (ع): (كسرا).

(٤٧) في (أ): (وكان).

(٤٨) ما بين القوسين نقله عن "تهذيب اللغة" 15/ 379 - 381 بيسير من التصرف.

(٤٩) ما بين القوسين نقله عن "الكشف والبيان" 13/ 159 ب.

(٥٠) الحديث رواه الإمام أحمد: 5/ 211 - 212، وابن ماجه في "السنن" 2/ 96: ح: 2641: كتاب الحدود: باب: 137، من طريق عقيل بن طلحة، السلمي عن مسلم بن هيصم به، كما رواه الطبراني في: "المعجم الكبير" 2/ 285 - 286: ح: 2190 - 2191 من طريقين أحدهما صرح بالتحديث فيهما عن الجفشيش الكندي.

قال البوصيري في الزوائد: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات.

انظر حاشية سنن ابن ماجه: 2/ 96.

قال الألباني: وهو كما قال.

"سلسلة الأحاديث الصحيحة" 5/ 489: ح: 2375.

وقال الألباني عنه: حسن.

"صحيح ابن ماجه" 2/ 91: ح: 2115: كتاب الحدود: باب 37.

(٥١) في (أ): (حواليها).

(٥٢) ما بين القوسين نقله عن "تهذيب اللغة"، وهو قول الليث: 8/ 321 (قرش) بتصرف، وانظر: "لسان العرب" 6/ 335 (قرش).

(٥٣) البيت للشاعر مطرود الخزاعي.

انظر: "شرح ديوان أبي تمام" 4/ 95، و"التبيين في أنساب القرشيين" ص 1، ونسبه البغدادي في "خزانة الأدب" 1/ 230 إلى الفضل بن العباس.

وقد ورد غير منسوب في: "النكت والعيون" 6/ 346، و"الدر المصون" 6/ 572، و"التفسير الكبير" 32/ 106، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 202، و"روح المعاني" 30/ 239، و"لسان العرب" 8/ 60 (جمع)، وكلها برواية: (أبونا) بدلًا من (أبوكم).

(٥٤) ذكرت ذلك في حاشية سابقة، غير أن الليث لم يذكر بيت الشعر، ولم يرد في "تهذيب اللغة" أيضًا.

(٥٥) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٥٦) ما بين القوسين انظر "تهذيب اللغة" 8/ 321 (قرش)، و"لسان العرب" 6/ 335 (قرش).

(٥٧) ما بين القوسين من قول اللحياني في "تهذيب اللغة" المرجع السابق.

(٥٨) في (أ): (قال).

(٥٩) البيت لأبي جلدة اليشكري.

وقد ورد منسوبًا في: "الجامع لأحكام القرآن" 20/ 203، وغير منسوب في: "النكت والعيون" 6/ 346، و"روح المعاني" 30/ 239 وكلها برواية (من دهرهم) بدلاً من "من عهدهم".

(٦٠) ذكر هذا السبب من جملة أسباب تسمية قريش بقريش من غير ترجيح، وذلك في: "الكشف والبيان" 13/ 159 ب، و"النكت والعيون" 6/ 346، وانظر: "معالم التنزيل" 4/ 530، و"الكشاف" 4/ 235، و"زاد المسير" 8/ 214، و"التفسير الكبير" 32/ 106، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 203، و"لباب التأويل" 4/ 411، و"الدر المنثور" 8/ 638.

(٦١) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٦٢) مَعْروفٌ بنُ خَرَّبوذ المكي، مولى عثمان، روى عن أبي الطفيل عامر بن واثلة الليثي، وعنه أبو عاصم الضحاك، صدوق ربما وهم، وكان أخباريًا علامة، روى له البخاري، ومسلم، وأبو داوود، وابن ماجه.

انظر: "كتاب العلل ومعرفة الرجال" 2/ 58: رقم 377، و"الكاشف" 3/ 143: ت: 5650، و"تهذيب الكمال" 28/ 263: ت: 6086 "تهذيب التهذيب" 2/ 264: ت: 1266.

(٦٣) ما بين القوسين ساقط من (أ).

(٦٤) ورد هذا القول من غير نسبة في: "الكشف والبيان" 13/ 159 ب، و"النكت والعيون" 6/ 346 وانظر أيضًا: "معالم التنزيل" 4/ 530، و"الكشاف" 4/ 235، و"زاد المسير" 8/ 214، و"التفسير الكبير" 32/ 106، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 203، و"لباب التأويل" 4/ 411.

(٦٥) تقدمت ترجمته في سورة النساء.

(٦٦) في (أ): (لذلك).

(٦٧) ورد البيت في "ديوانه" ص 48 برواية: (أيها الشاني المبلغ عنا ....

انتهاء) بدلًا من (بقاء).

"شرح المعلقات" للزوزني ص 221 برواية (المرقش) بدلًا (المقرش).

"النكت والعيون" 6/ 346 برواية (إبقاء) بدلًا من (بقاء)، و"الدر المصون" 6/ 572 برواية (أيها الناطق) بدلًا من (أيها الشامت) "لسان العرب" 6/ 334: (قرش) برواية (أيها الناطق).

ومعنى البيت: أيها الناطق عند الملك الذي يبلغ عنا الملك ما يريبه ويشككه في محبتنا، هل لذاك التبليغ بقاء؟

وهذا استفهام معناه النفي؛ أي لا بقاء لذلك؛ لأن الملك يبحث عنه، فيعلم أن ذلك من الأكاذيب.

-هامش- شرح المعلقات ص 221.

(٦٨) في (أ): (ابن).

(٦٩) في (ع): (معومة).

(٧٠) ساقط من (أ).

(٧١) ورد قول ابن عباس في: "الكشف والبيان" 13/ 159 ب، و"النكت والعيون" 6/ 346، و"معالم التنزيل" 4/ 530، و"الدر المصون" 6/ 572، و "الكشاف" 4/ 235، و"زاد المسير" 8/ 314 - 315، و"التفسير الكبير" 32/ 106، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 203، و"البحر المحيط" 8/ 513، و"الدر المنثور" 8/ 638 == وعزاه إلى البيهقي في "الدلائل"، و"تهذيب اللغة" 8/ 321 (قرش)، و"لسان العرب" 6/ 335 (قرش)، و"روح المعاني" 30/ 239.

وقد نسب بيت الشعر إلى تبع في الدر المصون، وعند القرطبي، وأبي حيان.

ونسب إلى الجمحي في "الدر المنثور" و"روح المعاني".

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشتآء والصيف ﴾ قريش هم حيّ من عرب الحجاز الذين هم من ذرية معد بن عدنان، إلا أنه لا يقال قريشيّ إلا لمن كان من ذرية النضر بن كنانة، وهنم ينقسمون إلى أفخاذ وبيوت نحو بني هاشم، وبني أمية، وبني مخزوم، وغيرهم وإنما سميت القبيلة قريشاً لتقرشهم، والتقرّش التكسب وكانوا تجاراً، وعن معاوية أنه سأل ابن عباس لم سميت قريش قريشاً؟

قال: لدابة في البحر تأكل ولا تؤكل، وتعلوا ولا تعلى، وكانوا ساكنين بمكة، وكان لهم رحلتان في كل عام للتجارة: رحلة في الشتاء إلى اليمن، ورحلة في الصيف إلى الشام، وقيل: كان الرحلتان جميعاً إلى الشام، وقيل: كانوا يرحلون في الصيف إلى الطائف حيث الماء والظل، فيقيمون بها ويرحلون في الشتاء إلى مكة لسكناهم بها، والإيلاف مصدر من قولك آلفت المكان إذا ألفته وقيل: هو منقول منه بالهمزة يقال ألف الرجل الشيء، وألْفه إياه غيره، فالمعنى على القول الأول أن قريشاً ألفوا رحلة الشتاء والصيف، وعلى الثاني أن الله ألّفهم الرحلتين.

واختلف في تعلق قوله لإيلاف قريش على ثلاثة أقوال: أحدهما أنه يتعلق بقوله: فليعبدوا والمعنى فليعبدوا الله من أجل إيلافهم الرحلتين فإن ذلك نعمة من الله علهيم: الثاني أنه يتعلق بمحذوف تقديره: أعجبوا لإيلاف قريش: الثالث أنه يتعلق بسورة الفيل، والمعنى أن الله أهلك أصحاب الفيل لإيلاف قريش، فهو يتعلق بقوله: ﴿ فَجَعَلَهُمْ ﴾ [الفيل: 5] أو بما قبله من الأفعال.

ويؤيد هذا أن السورتين في مصحف أبيّ بن كعب سورة واحدة لا فصل بينهما، وقد قرأهما عمر في ركعة واحدة من المغرب، وذكر الله الإيلاف مطلقاً ثم أبدل منه الإيلاف المقيّد بالرحْلتين تعظيماً للأمر، ونصب رحلة لأنه مفعول بإيلافهم وقال: رحلة وأراد رحلتين، فهو كقول الشاعر: كلوا في بعض بطنكم تعفّوا <div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لإيلاف ﴾ بتخفيف الهمزة: يزيد ﴿ إلافِهِم ﴾ بطرح الياء: يزيد ﴿ لألاف ﴾ بطرح الياء ﴿ إيلافهم ﴾ بإثباتها: ابن عامر.

الباقون: بإثبات الياء فيهما وحمزة يقف بتليين الهمزة ﴿ وإلفهم ﴾ بوزن العلم: ابن فليح ﴿ الشتاء ﴾ ممالة: قتيبة ونصير وهبيرة.

الوقف ﴿ قريش ﴾ ه لا ﴿ والصيف ﴾ ه لا لاحتمال تعلق اللام بما قبلها وبما بعدها كما يجيء ﴿ البيت ﴾ ه لا ﴿ من خوف ﴾ ه.

التفسير: في هذه اللام ثلاثة أقوال: الأول أنها لا تتعلق بظاهر وإنما هي لام العجب يقولون " لزيد وما صنعنا به " أي أعجبوا له عجب الله  من عظيم حلمه وكرمه بهم فأنهم كل يوم يزدادون جهلاً وإنغماساً في عبادة الأوثان والله  يؤلف شملهم ويدفع الآفات عنهم وينظم أسباب معاشهم، وهذا القول اختيار الكسائي والأخفش والفراء.

والثاني أنها متعلقة بما بعدها وهو قول الخليل وسيبويه والتقدير: فليعبدوا رب هذا البيت لإيلاف قريش أي ليجعلوا عبادتهم شكراً لهذه النعمة واعترافاً بها.

وفي الكلام معنى الشرط وفائدة الفاء وتقديم الجار أن نعم الله  لا تحصى فكأنه قيل: إن لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبدوه لهذه الواحدة التي هي نعمة ظاهرة، والقول الثالث أنها متعلقة بالسورة المتقدمة أي جعلهم كعصف مأكول لأجل إيلاف قريش، وهذا لا ينافي أن يكونوا قد أهلكوا لأجل كفرهم أيضاً.

ويجوز أن يكون الإهلاك لأجل الإيلاف فقط ويكون جزاء الكفر مؤخراً إلى يوم القيامة، ويجوز أن تكون هذه اللام لام العاقبة، ويحتمل أن تتعلق اللام بقوله ﴿ فعل ربك ﴾ كأنَّه قال:كل ما فعلنا بهم من تضليل كيدهم وإرسال الطير عليهم حتى تلاشوا إنما كان لأجل إيلاف قريش.

ولا يبعد أن تكون اللام بمعنى " إلى " أي فعلنا كل ما فعلنا مضمومة إلى نعمة أخرى وهي إيلافهم الرحلتين تقول: نعمة إلى نعمة ونعمة لنعمة.

قال الفراء: ومما يؤيد هذا القول الثالث ما روي أن أبي بن كعب جعلهما في مصحفه سورة واحدة بلا فصل.

وعن عمر أنه قرأهما في الثانية من صلاة المغرب من غير فصل بينهما بالبسملة.

والمشهور المستفيض هو الفصل بينهما بالبسملة فإن لم تكن اللام متعلقة بما قبلها فلا إشكال، وإن تعلقت بما قبلها من السورة فالوجه فيه أن القرآن كله بمنزلة كلام واحد والفصل بين طائفة وطائفة منه لا يوجب انقطاع إحدى الطائفتين عن الأخرى بالكلية.

ثم إن هؤلاء قالوا: لا شك أن مكة كانت خالية عن الزرع والضرع، وكان أشرف مكَّة يرتحلون للتجارة هاتين الرحلتين ويأتون لأنفسهم ولأهل بلدهم بما يحتاجون إليه من الأطعمة والثياب، وأن ملوك النواحي كانوا يعظمونهم ويقولون: هؤلاء جيران بيت الله وقطان حرمه فلا يجترىء أحد عليهم، فلو تم لأهل الحبشة ما عزموا عليهم من هدم الكعبة لزال منهم هذا العز فصار سكان مكة كسكان سائر النواحي يتخطفون ويغار عليهم ولا يتيسر لهم تجارة ولا ربح، فلما أهلك الله أصحاب الفيل ورد كيدهم في نحورهم ازداد وقع أهل مكة في القلوب واحترمهم الملوك فضل احترام وازدادت تلك المنافع والمتاجر.

قال علماء اللغة: ألفت الشيء وآلفته إلفاً وإيلافاً بمعنى أي لزمته، وعلى هذا يكون قوله ﴿ لإيلاف قريش ﴾ من إضافة المصدر إلى الفاعل وترك مفعوله الأول.

ثم جعل مقيداًً ثانياً في قوله ﴿ إيلافهم رحلة ﴾ إما لأن المقيد بدل من ذلك المطلق تفخيماً لأمر الإيلاف وتذكيراً لعظيم المنة فيه، وإما لأن الأول عام في كل مؤانسة وموافقة كانت بينهم فيدخل فيه مقامهم وسفرهم وسائر أحوالهم.

ثم خص إيلافهم الرحلة بالذكر كما في قوله ﴿ جبريل وميكائيل  ﴾ لأنه قوام معاشهم.

وفائدة ترك واو العطف التنبيه على أنه كل النعمة.

والإلزام ضربان: إلزام بالتكليف والأمر، وإلزام بالمودة والمؤانسة، فإنه إذا أحب المرء شيئاً لزمه لقوة الداعي إليه ومنه ﴿ وألزمهم كلمة التقوى  ﴾ كما أن الالتجاء قد يكون لدفع الضرر كالهرب من السبع، وقد يكون لجلب النفع العظيم كمن وجد كنزاً، ولا مانع من أخذه لا عقلاً ولا شرعاً ولا حساً فإنه يأخذه ألبتة كاللجأ.

وقال الفراء وابن الأعرابي: الإيلاف التجهيز والتهيئة والمعنى لتجهيز قريش رحلتيها حتى تتصلا ولا تنقطعا.

وعلى هذا القول يكون المصدر مضافاً إلى الفاعل أيضاً.

وقيل: الف كذا فلان لزمه وآلفه غيره إياه فيكون الإيلاف متعدياً إلى اثنين، والإضافة في ﴿ إيلافهم ﴾ إضافة المصدر إلى المفعول والمعنى إن هذه الألفة إنما حصلت في قريش بتدبير الله ولطفه وذلك بانهزام أصحاب الفيل، واتفقوا على أن قريشاً ولد النضر بن كنانة.

عن معاوية أنه سأل ابن عباس بم سميت قريش؟

قال: بدابة البحر تأكل ولا تؤكل تعلو ولا تعلى وهي التي تعبث بالسفن ولا تنطلق إلا بالنار وأنشد: وقريش هي التي تسكن البحـ *** ـربها سميت قريش قريشاً فالتصغير للتعظيم والدابة القرش.

وقيل: القرش الكسب لأنهم كانوا أهل كسب وتجارة فسموا بذلك.

وقال الليث: كانوا متفرقين في غير الحرم فجمعهم قصي بن كلاب في الحرم حتى اتخذوها مسكناً فسموا قريشاً لأن التقرش التجمع، وتقرش القوم اجتمعوا ولذلك سمي قصي مجمعاً، قال بعضهم: أبوكم قصي كان يدعي مجمعاً *** به جمع الله القبائل من فهر وقيل: القرش التفتيش.

قال ابن حلزة: أيها الشامت المقرش عنا *** عند عمر ووهل لذاك بقاء وكانت قريش يتفحصون عن حال الفقراء ويسدّون خلة المحاويج.

والرحلة اسم من الارتحال قال أكثر المفسرين: كانت لقريش رحلتان رحلة الشتاء إلى اليمن لأنه أدنى، ورحلة الصيف إلى الشام وكانت معايشهم قد استقرت على ذلك كما قررنا.

وقال آخرون: الرحلتان رحلة الناس إلى أهل مكة.

أما في رجب فللعمرة، وأما في ذي الحجة فللحج، وكانت إحداهما في الشتاء، والأخرى في الصيف وموسم منافع مكة يكون بهما.

فلو كان تم لأصحاب الفيل ما أرادوه لتعطلت هذه المنفعة والتقدير: رحلتي الشتاء والصيف أو رحلة الشتاء ورحلة الصيف فاقتصر لعدم الإلباس.

وفي قوله ﴿ فليعبدوا ﴾ وجهان أحدهما: أن العبادة مأمور بها شكراً لما فعل بأعدائهم ولما حصل لهم من إيلافهم الذي صار سبباً لطعامهم وأمنهم كما مر.

وقوله ﴿ من جوع ﴾ كقولهم " سقاه من العيمة " وهي من التعليلية أي الجوع صار سبباً للإطعام.

وقوله ﴿ من خوف ﴾ هي للتعدية يقال " آمنه الله الخوف ومن الخوف ".

الوجه الثاني: أن معناه فليتركوا رحلة الشتاء والصيف وليشتغلوا بعبادة رب هذا البيت فإنه يطعمهم من جوع ويؤمنهم من خوف.

ولعل في تخصيص لفظ الرب إشارة إلى ما قالوه لأبرهة " إن للبيت رباً سيحفظه " ولم يعولوا في ذلك على الأصنام فلزمهم لإقرارهم أن لا يعبدوا سواه كأنه يقول: لما عولتم في الحفظ عليّ فاصرفوا العبادة إليّ، وفي الإطعام وجوه أحدها: ما مر.

والثاني: قول مقاتل: شق عليهم الذهاب إلى اليمن والشام في الشتاء والصيف لطلب الرزق فقذف الله  في قلوب الحبشة أن حملوا الطعام إلى مكة حتى خرجوا إليهم بالإبل والحمر واشتروا طعامهم من جدة على مسيرة ليلتين، وتتابع ذلك فكفاهم الله مؤنة الرحلتين.

والثالث: قال الكلبي: معنى الآية أنهم لما كذبوا محمد  دعا عليهم فقال: اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف.

فاشتد عليهم القحط وأصابهم الجهد فقالوا: يا محمد ادع الله فإنّا مؤمنون فدعا رسول الله  وأخصب أهل مكة فذلك قوله ﴿ أطعمهم من جوع ﴾ ووجه المنة بالإطعام مع أنه ليس من أصول النعم في الظاهر أنه سبب الفراغ للعبادة، وفيه أن البهيمة تطيع من يعلفها ولا يليق بالإنسان أن يكون دون الأنعام، على أنه يندرج في الإطعام النعم السابقة التي لا يحصل الغذاء إلا بعد وجودها كالأفلاك والعناصر وغيرها، والنعم اللاحقة التي لا يتم الانتفاع بالأكل إلا بها من القوى والآلات البدنية والخارجية.

وفي قوله ﴿ من جوع ﴾ إشارة إلى أن فائدة الطعام والغاية منه سد الجوعة لا الإشباع التام.

وأما الأمن فهو قصة أصحاب الفيل أو تعرض أهل النواحي لهم وكانوا بعد وقعة أصحاب الفيل يعظمونهم ولا يتعرّضون لهم.

وقال الضحاك والربيع: آمنهم من خوف الجذام.

وقيل: من أن تكون الخلافة في غيرهم وفيه تكلف.

وقيل: أطعمهم من جوع الجهل بطعام الإسلام والوحي وآمنهم من خوف الضلال ببيان الهدى.

وقيل: إشارة إلى ما دعا به إبراهيم  في قوله ﴿ ربّ اجعل هذا بلداً آمناً وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم  ﴾ فأجاب الله  بقوله ﴿ ومن كفر  ﴾ والتنكير في ﴿ جوع ﴾ و ﴿ خوف ﴾ للتعظيم.

وقد روي أنه أصابهم شدة حتى أكلوا الجيف والعظام المحرقة، وأما الخوف فهو الخوف الشديد الحاصل من أصحاب الفيل.

ويحتمل أن يكون المراد التقليل أي أطعمهم من جوع دون جوع ليكون الجوع الثاني والخوف الثاني مذكراً لما كانوا فيه أولاً فيكونوا شاكرين تارة وصابرين أخرى فيستحقوا ثواب الخصلتين.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيْفِ ﴾ ، هذا يخرج على وجوه: أحدها: ما قال الفراء: إن اللام لام الاعتدال لأن السورة صلة لسورة ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ ، قال: ﴿ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ  ﴾ ، ﴿ لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ ﴾ ؛ كأنه يقول: أهلكت أصحاب الفيل، وفعلت بهم ما فعلت لتألف قريش بذلك المكان كما ألفوا به الرحتلين اللتين جعلتا لهم في الشتاء والصيف.

والثاني: يحتمل أن يقول: ألزمت الخلق عبادة رب هذا البيت حتى ألفوا ذلك البيت، وحملوا ما تحتاج إليه قريش، وأهل ذلك المكان من الطعام، وما يتعيشون به؛ لتألف قريش بعبادة رب ذلك البيت ما لولا ذلك لم يتهيأ لهم المقام بذلك المكان؛ لأنه لا زرع فيهن ولا نبات، ولا ما يتعيش به، وهو كما قال إبراهيم -  -: ﴿ بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ  ﴾ ، وإنما تعيشهم في ذلك المكان بما يحمل إليهم من الآفاق والأمكنة النائية؛ كقوله: ﴿ أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقاً مِّن لَّدُنَّا...

 ﴾ .

قوال بعضهم: أمرت قريش بأن يألفوا عبادة رب هذا البيت كإيلافهم رحلة الشتاء والصيف؛ يقول: كما ألفتم هاتين الرحتلين، فألفوا عبادة رب هذا البيت.

وقال بعضهم: إن أهل مكة كانوا يرتحلون تجارا آمنين في البلدان، لا يخافون شيئاً؛ لحرمتهم؛ لأن الناس يحترمونهم لمكان الحرم، حتى لا يتعرض لهم بشيء، ولا يؤذيهم أحد حتى إن كا نالرجل منهم ليصاب في حيّ من الأحياء؛ يقال: هذا حرمي؛ فيخلى عنه، وعن ماله؛ تعظيما لذلك المكان، وهو ما قال: ﴿ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ ﴾ .

وقيل: إن العرب كانت تغير بعضهم على بعض، ويسبي بعضهم بعضا، وأهل مكة كانوا آمنين في حرم الله -  - كقوله -  -: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ  ﴾ ، فذكر عظيم نعمه عليهم ومننه؛ ليعلموا ذلك أنه منه.

وأصله أن الله -  - لما كان من حكمته وإرادته جعل الرسالة في قريش وأبقاؤها إلى الوقت الذي أراد أن يبقى؛ جعل لهم من الأمن في ذلك المكان والأرزاق التي تجبى إليهم، وما يتعيشون به في ذلك؛ ليبقوا إلى الوقت الذي أراد بقاءهم إليه؛ فيكون ما أراد على ما أراد، فكما أنشأ هذا العالم للبقاء إلى الوقت الذي أراد أن يبقوا فيه جعل لهم من الأرزاق ما يبقون إلى الوقت الذي أراد؛ ليكن ما أراد؛ فعلى ذلك الأول.

قال القتبي: الإيلاف: مصدر آلفت فلانا إيلافا؛ كما تقول: ألزمته إلزاما.

وقال الكسائي: آلفت المكان، وألفته؛ لغتان.

وعن ابن عباس -  -: ﴿ لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ ﴾ ، أي: كصنع قريش ﴿ إِيلاَفِهِمْ ﴾ ، أي: صنيعهم، ﴿ رِحْلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ * ٱلَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ ﴾ السنين الذي أصابهم، ﴿ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ ﴾ العدو، والله أعلم.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لأجلِ عادة قريش وإلْفِهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.xgL1D"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

(قريش) اسم للقبائل العربية من ولد النضر بن كنانة، كما قال القرطبي وعليه الفقهاء.

أو من ولد فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، على ما قال الزبير بن بكار أنه قول جميع النسابين.

والإيلاف: من معنى الألفة والائتلاف.

وفيه معنى أنس شيء إلى آخر وتعلقه به.

وسلامته عن النفور منه.

وكانت لقريش رحلتان: إحداهما إلى اليمن زمن الشتاء، والأخرى إلى الشام في فصل الصيف..

يذهب التجار فيهما للكسب، واجتلاب الربح، والاستكثار من الرزق.

وكانت قوافل قريش معروفة عند العرب، محترمة في نفوسهم، لأنهم سكان مكة وجيران بيت الله، فكانوا يذهبون آمنين ويعودون سالمين، لا يمسهم السوء، على كثرة ما كان بين العرب من النهب والسلب.

فكان احترام البيت ضربًا من القوة المعنوية التي كانت تحتمي بها قريش في أسفار أرباب التجارة منها..

ولهذا ألفت نفوسهم تلك الأسفار، وتعلقت بالرحيل لاستدرار مادة الرزق.

ولو نزلت مكانة البيت من نفوس العرب، ونقصت حرمته عندهم، واستطالت الأيدي بالتعدي على سفارهم -لنفروا من تلك الرحلات، وكرهتها نفوسهم، فقلت وسائل الكسب بينهم، لأن أرضهم ليست بذات زرع، وما هم بأهل صناعة مشهورة يحتاج الناس إليها فيأتونهم-وهم في عقر ديارهم- ليأخذوا منها...

فكانت تضيق عليهم مسالك الأرزاق، وتنقطع عنهم ينابيع الخير.

وهذا الإجلال -الذي ملك نفوس العرب من البيت الحرام- إنما هو من تسخير رب البيت سبحانه.

وقد حفظ حرمته برد الحبشة الذين أرادوا هدمه وإهلاكهم قبل أن ينقضوا منه حجرًا، بل قبل أن يدنوا منه، بل زاد ذلك في إجلاله لتدوم ألفتهم للأسفار والترحل في الصيف والشتاء.

فعليهم أن (يعبدوا رب هذا البيت) الذي حماه، ومكن منزلته من النفوس.

وقد (أطعمهم) بذلك، وأوسع لهم من الرزق...

ولولا ذلك لكانوا في جوع وضنك عيش.

(وآمنهم) من التعدي وتطاول الأيدي إلى أموالهم وأرواحهم..

ولولا ذلك لأخذهم الخوف من كل مكان.

فإذا كانوا يعرفون أن هذا كله إنما هو فضل رب هذا البيت، فلم يتوسلون إليه بتعظيم غيره.

وتوسيط سواه عنده، مع أنه لا فضل لأحد ممن يوسطونه في شيء من النعمة التي هم فيها: نعمة الأمن -وهي أكبر نعمة- ونعمة الرزق وكفاية الحاجة؟

من الحق أن يفردوه بالتعظيم، ويخصوه بالإخلاص.

لهذا المعنى الذي بيناه ذهب بعض المفسرين إلى أن هذه السورة متعلقة بالتي قبلها، وأن اللام في قوله: لإيلاف قريش، متعلقة بقوله: فجعلهم كعصف مأكول.

أي أنه أرسل الجماعات من الطير على أصحاب الفيل ترميهم بالحجارة حتى أُصيبوا بمرض الجدري أو الحصبة وهلكوا به..

فعل ذلك كله لإيلاف قريش رحلة الشتاء.

وهو وجيه ولا ينافيه الفصل بالبسملة، وكونها سورة مستقلة، لأنه لا مانع من أن تكون سورة مستقلة متعلقة بأخرى.

والفصل إنما هو لإظهار العناية بما احتوت عليه كل من السورتين، حتى إن كل جملة مما حوتاه يصح أن تقصد لذاتها.

وما تضمنته سورة قريش جدير بالعناية، لأن الخطاب والتذكير كان لهم، وهم قومه  ، والسامعون لدعوته..

فحق أن يفصل ما يختص بهم عما قبله بفاصل يلفت الذهن إليه، وإن كان مرتبطًا به.

وبعضهم يقول: إن اللام متعلقة بمحذوف.

أي اعجبوا لإيلاف قريش وما فيه من عظم النعمة، وهو من إجلال العرب للبيت، وذلك من فضل ربه..

ومع ذلك يعظمون غيره ويتوسلون إليه بسواه، فإن لم تكن هناك نعمة سوى هذه النعمة فليعبدوه ويخلصوا له لأجلها.

وهذا خلاف لا يهم طالب العظة والاعتبار.

فوجه التذكير ظاهر: إيلافهم رحلة الشتاء بدل إيلاف قريش.

وإفراد الرحلة مع إضافتها إلى متعدد مما يعرف مثله في كلام العرب.

قال شاعرهم: * حمامة بطن الواديين ترنمي * ولم يقل بطني الواديين.

وقال آخر: كلوا في بعض بطنكم تعفوا فإن زمانكم زمن خميص ولم يقل في أبعاض بطونكم.

وبقية المعنى ظاهر مما سبق بيانه والله أعلم.

مزيد من التفاسير لسورة قريش

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.4 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر