الإسلام > القرآن > سور > سورة 106 قريش > الآية ٢ من سورة قريش
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 28 دقيقة قراءةتفسيرُ الآية ٢ من سورة قريش من كبار المفسرين، مجموعًا في صفحةٍ واحدة، مع نصِّ الآية والاستماع إليها وسببِ نزولها.
وقيل : المراد بذلك ما كانوا يألفونه من الرحلة في الشتاء إلى اليمن ، وفي الصيف إلى الشام في المتاجر وغير ذلك ، ثم يرجعون إلى بلدهم آمنين في أسفارهم ; لعظمتهم عند الناس ، لكونهم سكان حرم الله ، فمن عرفهم احترمهم ، بل من صوفي إليهم وسار معهم أمن بهم .
هذا حالهم في أسفارهم ورحلتهم في شتائهم وصيفهم .
وأما في حال إقامتهم في البلد ، فكما قال الله : ( أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم ) [ العنكبوت : 67 ] ولهذا قال : ( لإيلاف قريش ) بدل من الأول ومفسر ولهذا قال : ( إيلافهم رحلة الشتاء والصيف ) وقال ابن جرير : الصواب أن " اللام " لام التعجب ، كأنه يقول : اعجبوا لإيلاف قريش ونعمتي عليهم في ذلك .
قال : وذلك لإجماع المسلمين على أنهما سورتان منفصلتان مستقلتان .
وقوله: ( إِيلافِهِمْ ) مخفوضة على الإبدال, كأنه قال: لإيلاف قريش لإيلافهم, رحلة الشتاء والصيف، وأما الرحلة فنُصبَت بقوله.( إِيلافِهِمْ ) , ووقوعه عليها.
وقوله: ( رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ) يقول: رحلة قريش الرحلتين: إحداهما إلى الشام في الصيف, والأخرى إلى اليمن في الشتاء.
حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ) قال: كانت لهم رحلتان: الصيف إلى الشام, والشتاء إلى اليمن في التجارة, إذا كان الشتاء امتنع الشأم منهم لمكان البرد, وكانت رحلتهم في الشتاء إلى اليمن.
حدثنا ابن حميد, قال: ثنا مهران, عن سفيان ( رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ) قال: كانوا تُجَّارا.
حدثنا ابن حميد, قال: ثنا مهران, عن سفيان, ثنا ابن عبد الأعلى, قال: ثنا ابن ثور, عن معمر, عن الكلبيّ( رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ) قال: كانت لهم رحلتان: رحلة في الشتاء إلى اليمن, ورحلة في الصيف إلى الشأم.
حدثنا عمرو بن عليّ, قال: ثنا عامر بن إبراهيم الأصبهاني, قال: ثنا خطاب بن جعفر بن أبي المغيرة قال: ثني أبي, عن سعيد بن جُبير, عن ابن عباس ( إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ) قال: كانوا يشْتون بمكة, ويَصِيفون بالطائف.
قوله تعالى : إيلافهم رحلة الشتاء والصيفقرأ مجاهد وحميد ( إلفهم ) ساكنة اللام بغير ياء .
وروي نحوه عن ابن كثير .
وكذلك روت أسماء أنها سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ ( إلفهم ) .
وروي عن ابن عباس وغيره .
وقرأ أبو جعفر والوليد عن أهل الشام وأبو حيوة ( إلافهم ) مهموزا مختلسا بلا ياء .
وقرأ أبو بكر عن عاصم ( إئلافهم ) بهمزتين ، الأولى مكسورة والثانية ساكنة .
والجمع بين الهمزتين في الكلمتين شاذ .
الباقون إيلافهم بالمد والهمز ; وهو الاختيار ، وهو بدل من الإيلاف الأول للبيان .
وهو مصدر آلف : إذا جعلته يألف .
وألف هو إلفا ; على ما تقدم ذكره من القراءة ; أي وما قد ألفوه من رحلة الشتاء والصيف .
روى ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى : إيلافهم رحلة الشتاء والصيف قال : لا يشق عليهم رحلة شتاء ولا صيف ، منة منه على قريش .وقال الهروي وغيره : وكان أصحاب الإيلاف أربعة إخوة : هاشم ، وعبد شمس ، والمطلب ، ونوفل بنو عبد مناف .
فأما هاشم فإنه كان يؤلف ملك الشام ; أي أخذ منه حبلا وعهدا يأمن به في تجارته إلى الشام .
وأخوه عبد شمس كان يؤلف إلى الحبشة .
والمطلب إلى اليمن .
ونوفل إلى فارس .
ومعنى يؤلف يجير .
فكان هؤلاء الإخوة يسمون المجيرين .
فكان تجار قريش يختلفون إلى الأمصار بحبل هؤلاء الإخوة ، فلا يتعرض لهم .
قال الزهري : الإيلاف : شبه الإجارة بالخفارة ; يقال : آلف يؤلف : إذا أجار الحمائل بالخفارة .
والحمائل : جمع حمولة .
قال : والتأويل : أن قريشا كانوا سكان الحرم ، ولم يكن لهم زرع ولا ضرع ، وكانوا يميرون في الشتاء والصيف آمنين ، والناس يتخطفون من حولهم ، فكانوا إذا عرض لهم عارض قالوا : نحن أهل حرم الله ، فلا يتعرض الناس لهم .
وذكر أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا في تفسيره : حدثنا سعيد بن محمد ، عن بكر بن سهل الدمياطي ، بإسناده إلى ابن عباس ، في قول الله - عز وجل - : لإيلاف قريش إلافهم رحلة الشتاء والصيف .
وذلك أن قريشا كانوا إذا أصابت واحدا منهم مخمصة ، جرى هو وعياله إلى موضع معروف ، فضربوا على أنفسهم خباء فماتوا ; حتى كان عمرو بن عبد مناف ، وكان سيد زمانه ، وله ابن يقال له أسد ، وكان له ترب من بني مخزوم ، يحبه ويلعب معه .
فقال له : نحن غدا نعتفد ، قال ابن فارس : هذه لفظة في هذا الخبر لا أدري : بالدال هي أم بالراء ; فإن كانت بالراء فلعلها من العفر ، وهو التراب ، وإن كانت بالدال ، فما أدري معناها ، وتأويله على ما أظنه : ذهابهم إلى ذلك الخباء ، وموتهم واحدا بعد واحد .
قال : فدخل أسد على أمه يبكي ، وذكر ما قاله تربه .
قال : فأرسلت أم أسد إلى أولئك بشحم ودقيق ، فعاشوا به أياما .
ثم إن تربه أتاه أيضا فقال : نحن غدا نعتفد ، [ ص: 183 ] فدخل أسد على أبيه يبكي ، وخبره خبر تربه ، فاشتد ذلك على عمرو بن عبد مناف ، فقام خطيبا في قريش وكانوا يطيعون أمره ، فقال : إنكم أحدثتم حدثا تقلون فيه وتكثر العرب ، وتذلون وتعز العرب ، وأنتم أهل حرم الله جل وعز ، وأشرف ولد آدم ، والناس لكم تبع ، ويكاد هذا الاعتفاد يأتي عليكم .
فقالوا : نحن لك تبع .
قال : ابتدئوا بهذا الرجل - يعني أبا ترب أسد - فأغنوه عن الاعتفاد ، ففعلوا .
ثم إنه نحر البدن ، وذبح الكباش والمعز ، ثم هشم الثريد ، وأطعم الناس ; فسمي هاشما .
وفيه قال الشاعر :عمرو الذي هشم الثريد لقومه ورجال مكة مسنتون عجافثم جمع كل بني أب على رحلتين : في الشتاء إلى اليمن ، وفي الصيف إلى الشام للتجارات ، فما ربح الغني قسمه بينه وبين الفقير ، حتى صار فقيرهم كغنيهم ; فجاء الإسلام وهم على هذا ، فلم يكن في العرب بنو أب أكثر مالا ولا أعز من قريش ، وهو قول شاعرهم :والخالطون فقيرهم بغنيهم حتى يصير فقيرهم كالكافيفلم يزالوا كذلك حتى بعث الله رسوله محمدا - صلى الله عليه وسلم - ، فقال : فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع بصنيع هاشم وآمنهم من خوف أن تكثر العرب ويقلوا .قوله تعالى : رحلة الشتاء والصيف ، رحلة نصب بالمصدر ; أي ارتحالهم رحلة ; أو بوقوع إيلافهم عليه ، أو على الظرف .
ولو جعلتها في محل الرفع ، على معنى هما رحلة الشتاء والصيف ، لجاز .
والأول أولى .
والرحلة الارتحال .
وكانت إحدى الرحلتين إلى اليمن في الشتاء ، لأنها بلاد حامية ، والرحلة الأخرى في الصيف إلى الشام ، لأنها بلاد باردة .
وعن ابن عباس أيضا قال : كانوا يشتون بمكة لدفئها ، ويصيفون بالطائف لهوائها .
وهذه من أجل النعم أن يكون للقوم ناحية حر تدفع عنهم برد الشتاء ، وناحية برد تدفع عنهم حر الصيف ; فذكرهم الله تعالى هذه النعمة .
وقال الشاعر :تشتي بمكة نعمة ومصيفها بالطائفوهنا أربع مسائل :الأولى : اختار القاضي أبو بكر بن العربي وغيره من العلماء : أن قوله تعالى : لإيلاف متعلق بما قبله .
ولا يجوز أن يكون متعلقا بما بعده ، وهو قوله تعالى : فليعبدوا رب هذا البيت قال : وإذا ثبت أنه متعلق بالسورة الأخرى - وقد قطع عنه بكلام مبتدأ ، واستئناف بيان وسطر بسم الله الرحمن الرحيم ، فقد تبين جواز الوقف في القراءة للقراء قبل تمام الكلام ، [ ص: 184 ] وليست المواقف التي ينتزع بها القراء شرعا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرويا ، وإنما أرادوا به تعليم الطلبة المعاني ، فإذا علموها وقفوا حيث شاءوا .
فأما الوقف عند انقطاع النفس فلا خلاف فيه ، ولا تعد ما قبله إذا اعتراك ذلك ، ولكن ابدأ من حيث وقف بك نفسك .
هذا رأيي فيه ، ولا دليل على ما قالوه ، بحال ، ولكني أعتمد الوقف على التمام ، كراهية الخروج عنهم .قلت : ومن الدليل على صحة هذا ، قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم - الحمد لله رب العالمين ثم يقف .
الرحمن الرحيم ثم يقف .
وقد مضى في مقدمة الكتاب .
وأجمع المسلمون أن الوقف عند قوله : كعصف مأكول ليس بقبيح .
وكيف يقال إنه قبيح وهذه السورة تقرأ في الركعة الأولى والتي بعدها في الركعة الثانية ، فيتخللها من قطع القراءة أركان ؟
وليس أحد من العلماء يكره ذلك ، وما كانت العلة فيه إلا أن قوله تعالى : فجعلهم كعصف مأكول انتهاء آية .
فالقياس على ذلك : ألا يمتنع الوقف عند أعجاز الآيات سواء كان الكلام يتم ، والغرض ينتهي ، أو لا يتم ، ولا ينتهي .
وأيضا فإن الفواصل حلية وزينة للكلام المنظوم ، ولولاها لم يتبين المنظوم من المنثور .
ولا خفاء أن الكلام المنظوم أحسن ; فثبت بذلك أن الفواصل من محاسن المنظوم ، فمن أظهر فواصله بالوقوف عليها فقد أبدى محاسنه ، وترك الوقوف يخفي تلك المحاسن ، ويشبه المنثور بالمنظوم ، وذلك إخلال بحق المقروء .الثانية : قال مالك : الشتاء نصف السنة ، والصيف نصفها ، ولم أزل أرى ربيعة بن أبي عبد الرحمن ومن معه ، لا يخلعون عمائمهم حتى تطلع الثريا ، وهو يوم التاسع عشر من بشنس ، وهو يوم خمسة وعشرين من عدد الروم أو الفرس .
وأراد بطلوع الثريا أن يخرج السعاة ، ويسير الناس بمواشيهم إلى مياههم ، وأن طلوع الثريا أول الصيف ودبر الشتاء .
وهذا مما لا خلاف فيه بين أصحابه عنه .
وقال عنه أشهب وحده : إذا سقطت الهقعة نقص الليل ، ، فلما جعل طلوع الثريا أول الصيف ، وجب أن يكون له في مطلق السنة ستة أشهر ، ثم يستقبل الشتاء من بعد ذهاب الصيف ستة أشهر .
وقد سئل محمد بن عبد الحكم عمن حلف ألا يكلم امرأ حتى يدخل الشتاء ؟
فقال : لا يكلمه حتى يمضي سبعة عشر من هاتور .
ولو قال يدخل الصيف ، لم يكلمه حتى يمضي سبعة عشر من بشنس .
قال القرظي : أما ذكر هذا عن محمد في بشنس ، فهو سهو ، إنما هو تسعة عشر من بشنس ، لأنك إذا حسبت المنازل على ما هي عليه ، من ثلاث عشرة ليلة كل منزلة ، علمت أن ما بين تسع عشرة من هاتور لا تنقضي منازل إلا بدخول تسع عشرة من بشنس .
والله أعلم .الثالثة : قال قوم : الزمان أربعة أقسام : شتاء ، وربيع ، وصيف ، وخريف .
وقال قوم : هو [ ص: 185 ] شتاء ، وصيف ، وقيظ ، وخريف .
والذي قاله مالك أصح ; لأن الله قسم الزمان قسمين ولم يجعل لهما ثالثا .الرابعة : لما امتن الله تعالى على قريش برحلتين ، شتاء وصيفا ، على ما تقدم ، كان فيه دليل على جواز تصرف الرجل في الزمانين بين محلين ، يكون حالهما في كل زمان أنعم من الآخر ; كالجلوس في المجلس البحري في الصيف ، وفي القبلي في الشتاء ، وفي اتخاذ البادهنجات والخيش للتبريد ، واللبد واليانوسة للدفء .
قال كثير من المفسرين: إن الجار والمجرور متعلق بالسورة التي قبلها أي: فعلنا ما فعلنا بأصحاب الفيل لأجل قريش وأمنهم، واستقامة مصالحهم، وانتظام رحلتهم في الشتاء لليمن، والصيف للشام، لأجل التجارة والمكاسب.
قوله تعالى : ( إيلافهم ) بدل من الإيلاف الأول ( رحلة الشتاء والصيف ) " رحلة " نصب على المصدر ، أي ارتحالهم رحلة الشتاء والصيف .
روى عكرمة ، وسعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كانوا يشتون بمكة ويصيفون بالطائف ، فأمرهم الله تعالى أن يقيموا بالحرم ويعبدوا رب هذا البيت .
وقال الآخرون : كانت لهم رحلتان في كل عام للتجارة ، إحداهما في الشتاء إلى اليمن لأنها أدفأ والأخرى في الصيف إلى الشام .
وكان الحرم واديا جدبا لا زرع فيه ولا ضرع ، وكانت قريش تعيش بتجارتهم ورحلتهم ، وكان لا يتعرض لهم أحد بسوء ، كانوا يقولون : قريش سكان حرم الله وولاة بيته فلولا الرحلتان لم يكن لهم بمكة مقام ، ولولا الأمن بجوار البيت لم يقدروا على التصرف ، وشق عليهم الاختلاف إلى اليمن والشام فأخصبت تبالة وجرش من بلاد اليمن ، فحملوا الطعام إلى مكة ، أهل الساحل من البحر على السفن وأهل البر على الإبل والحمير فألقى أهل الساحل بجدة ، وأهل البر بالمحصب ، وأخصب الشام فحملوا الطعام إلى مكة فألقوا بالأبطح ، فامتاروا من قريب وكفاهم الله مؤنة الرحلتين
«إيلافهم» تأكيد وهو مصدر آلف بالمد «رحلة الشتاء» إلى اليمن «و» رحلة «الصيف» إلى الشام في كل عام، يستعينون بالرحلتين للتجارة على المقام بمكة لخدمة البيت الذي هو فخرهم، وهم ولد النضر بن كنانة.
اعْجَبوا لإلف قريش، وأمنهم، واستقامة مصالحهم، وانتظام رحلتيهم في الشتاء إلى "اليمن"، وفي الصيف إلى "الشام"، وتيسير ذلك؛ لجلب ما يحتاجون إليه.
وقوله - سبحانه - : ( رِحْلَةَ الشتآء والصيف ) بيان لمظهر من مظاهر هذا الإِيلاف الذى منحه - سبحانه - لهم ، والرحلة هنا : اسم لارتحال القوم من مكان إلى آخر ، ولفظ " رحلة " منصوب على أنه مفعول به لقوله ( إِيلاَفِهِمْ ) .
.والمراد بهذه الرحلة : ارتحالهم فى الشتاء إلى بلاد اليمن ، وفى الصيف إلى بلاد الشام ، من أجل التجارة ، واجتلاب الربح .واستدرار الرزق ، والاستكثار من القوت واللباس وما يشبههما من مطالب الحياة .وقيل : المراد برحلة الشتاء والصيف : رحلة الناس إليهم فى الشتاء والصيف للحج والعمرة ، فقد كان الناس يأتون إلى مكىة فى الشتاء والصيف لهذه الاغراض ، فيجد أهل مكة من وراء ذلك الخير والنفع ، كما قال - تعالى - : ( لِّيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ ).
قوله تعالى: ﴿ رِحْلَةَ الشتاء والصيف ﴾ فيه مسائل: المسألة الأولى: قال الليث: الرحلة اسم الارتحال من القول للمسير، وفي المراد من هذه الرحلة قولان: الأول: وهو المشهور، قال المفسرون: كانت لقريش رحلتان رحلة بالشتاء إلى اليمن لأن اليمن أدفأ وبالصيف إلى الشأم، وذكر عطاء عن ابن عباس أن السبب في ذلك هو أن قريشاً إذا أصاب واحداً منهم مخمصة خرج هو وعياله إلى موضع وضربوا على أنفس خباء حتى يموتوا، إلى أن جاء هاشم بن عبد مناف، وكان سيد قومه، وكان له ابن يقال له: أسد، وكان له ترب من بني مخزوم يحبه ويلعب معه فشكا إليه الضرر والمجاعة فدخل أسد على أمه يبكي فأرسلت إلى أولئك بدقيق وشحم فعاشوا فيه أياماً، ثم أتى ترب أسد إليه مرة أخرى وشكا إليه من الجوع فقام هاشم خطيباً في قريش، فقال: إنكم أجدبتم جدباً تقلون فيه وتذلون، وأنتم أهل حرم الله وأشراف ولد آدم والناس لكم تبع قالوا: نحن تبع لك فليس عليك منا خلاف فجمع كل بني أب على الرحلتين في الشتاء إلى اليمن وفي الصيف إلى الشام للتجارات، فما ربح الغني قسمه بينه وبين الفقير حتى كان فقيرهم كغنيهم، فجاء الإسلام وهم على ذلك، فلم يكن في العرب بنو أب أكثر مالاً ولا أعز من قريش، قال الشاعر فيهم: الخالطين فقيرهم بغنيهم *** حتى يكون فقيرهم كالكافي واعلم أن وجه النعمة والمنة فيه أنه لو تم لأصحاب الفيل ما أرادوا، لترك أهل الأقطار تعظيمهم وأيضاً لتفرقوا وصار حالهم كحال اليهود المذكور في قوله: ﴿ وقطعناهم فِي الأرض أُمَمًا ﴾ واجتماع القبيلة الواحدة في مكان واحد أدخل في النعمة من أن يكون الاجتماع من قبائل شتى، ونبه تعالى أن من شرط السفر المؤانسة والألفة، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَلاَ جِدَالَ فِي الحج ﴾ والسفر أحوج إلى مكارم الأخلاق من الإقامة القول الثاني: أن المراد، رحلة الناس إلى أهل مكة فرحلة الشتاء والصيف عمرة رجب وحج ذي الحجة لأنه كان أحدهما شتاء والآخر صيفاً وموسم منافع مكة يكون بهما، ولو كان يتم لأصحاب الفيل ما أرادوا لتعطلت هذه المنفعة.
المسألة الثانية: نصب الرحل بلإيلافهم مفعولاً به، وأراد رحلتي الشتاء والصيف، فأفرد لأمن الإلباس كقوله: كلوا في بعض بطنكم، وقيل: معناه رحلة الشتاء ورحلة الصيف، وقرئ (رحلة) بضم الراء وهي الجهة.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ قُرَيْشٍ مَكِّيَّةٌ، وآيُها أرْبَعُ آياتٍ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ لإيلافِ قُرَيْشٍ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ( لْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا البَيْتِ ) والفاءُ لِما في الكَلامِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ، إذِ المَعْنى أنَّ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لا تُحْصى فَإنْ لَمْ يَعْبُدُوهُ لِسائِرِ نِعَمِهِ فَلْيَعْبُدُوهُ لِأجْلِ: ﴿ إيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ ﴾ أيِ الرِّحْلَةَ في الشِّتاءِ إلى اليَمَنِ وفي الصَّيْفِ إلى الشّامِ فَيَمْتارُونَ ويَتَّجِرُونَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ مِثْلَ أعَجِبُوا أوْ بِما قَبْلَهُ كالتَّضْمِينِ في الشِّعْرِ أيْ فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ لِإيلافِ قُرَيْشٍ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُما في مُصْحَفِ أُبَيٍّ سُورَةٌ واحِدَةٌ، وقُرِئَ «لِيَأْلَفَ قُرَيْشٌ إلْفَهم رِحْلَةَ الشِّتاءِ»، وقُرَيْشٌ ولَدُ النَّضْرِ بْنِ كِنانَةَ مَنقُولٌ مِن تَصْغِيرِ قِرْشٍ، وهو دابَّةٌ عَظِيمَةٌ في البَحْرِ تَعْبَثُ بِالسُّفُنِ فَلا تُطاقُ إلّا بِالنّارِ، فَشُبِّهُوا بِها لِأنَّها تَأْكُلُ ولا تُؤْكَلُ، وتَعْلُو ولا تُعْلى، وصُغِّرَ الِاسْمُ لِلتَّعْظِيمِ وإطْلاقِ الإيلافِ، ثُمَّ إبْدالِ المُقَيَّدِ عَنْهُ لِلتَّفْخِيمِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ «لِئِلافِ» بِغَيْرِ ياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ.
<div class="verse-tafsir"
إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢)
{إيلافهم رِحْلَةَ الشتاء والصيف} أطلق الإيلاف ثم أبدل عنه المقيد بالرحلتين تفخيماً لأمر الإيلاف وتذكيرا لعظيم النعمة فيه ونصب الرحلة بايلافهم مفعولاً به وأراد رحلتي الشتاء والصيف فأفرد لا من الإلباس وكانت لقريش رحلتان يرحلون في الشتاء إلى اليمن وفى الصيف إلى الشام فيتمارون ويتجرون وكانوا في رحلتيهم آمنين لأنهم أهل حرم الله فلا يتعرض لهم وغيرهم يغار عليهم
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ ﴾ بَدَلٌ مِن (إيلافِ قُرَيْشٍ) و«رِحْلَةَ» مَفْعُولٌ بِهِ لِإيلافِهِمْ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ مِنَ الأُلْفَةِ، أمّا إذا كانَ مِنَ المُؤالَفَةِ بِمَعْنى المُعاهَدَةِ فَهو مَنصُوبٌ عَلى نَزْعِ الخافِضِ؛ أيْ مُعاهَدَتَهم عَلى أوْ لِأجْلِ رِحْلَةِ...
إلَخْ.
وإطْلاقُ لِإيلافِ ثُمَّ إبْدالُ المُقَيَّدِ مِنهُ لِلتَّفْخِيمِ.
ورُوِيَ عَنِ الأخْفَشِ أنَّ الجارَّ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ؛ أيْ: فَعَلْنا ما فَعَلْنا مِن إهْلاكِ أصْحابِ الفِيلِ لِإيلافِ قُرَيْشٍ.
وقالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُما قَدَّرا الفِعْلَ بِدَلالَةِ السِّياقِ؛ أعَجِبُوا كَأنَّهُ قِيلَ: أعَجِبُوا لِإيلافِ قُرَيْشٍ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ وتَرْكِهِمْ عِبادَةَ اللَّهِ تَعالى الَّذِي أعَزَّهم ورَزَقَهم وآمَنَهم فَلِذا أُمِرُوا بِعِبادَةِ رَبِّهِمُ المُنْعِمِ عَلَيْهِمْ بِالرِّزْقِ والأمْنِ عَقَّبَهُ وقُرِنَ بِالفاءِ التَّفْرِيعِيَّةِ.
وعَنِ الأخْفَشِ أيْضًا أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِ «جَعَلَهُمْ» كَعَصْفٍ في السُّورَةِ قَبْلَهُ، والقُرْآنُ كُلُّهُ كالسُّورَةِ الواحِدَةِ؛ فَلا يَضُرُّ الفَصْلُ بِالبَسْمَلَةِ خِلافًا لِجَمْعٍ.
والمَعْنى: أهْلَكَ سُبْحانَهُ مَن قَصَدَهم مِنَ الحَبَشَةِ ولَمْ يُسَلِّطْهم عَلَيْهِمْ لِيَبْقَوْا عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِن ﴿ إيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ ﴾ أوْ أهْلَكَ عَزَّ وجَلَّ مَن قَصَدَهم لِيَعْتَبِرَ النّاسُ ولا يَجْتَرِئَ عَلَيْهِمْ أحَدٌ فَيَتِمَّ لَهُمُ الأمْنُ في رِحْلَتِهِمْ، ولا يُنافِي هَذا كَوْنُ إهْلاكِهِمْ لِكُفْرِهِمْ بِاسْتِهانَةِ البَيْتِ لِجَوازِ تَعْلِيلِهِ بِأمْرَيْنِ؛ فَإنَّ كَلّا مِنهُما لَيْسَ عِلَّةً حَقِيقِيَّةً لِيَمْتَنِعَ التَّعَدُّدُ.
وقالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّ اللّامَ لِلْعاقِبَةِ وكانَ لِقُرَيْشٍ رِحْلَتانِ؛ رِحْلَةٌ في الشِّتاءِ إلى اليَمَنِ، ورِحْلَةٌ في الصَّيْفِ إلى بُصْرى مِن أرْضِ الشّامِ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وكانُوا في رِحْلَتَيْهِمْ آمِنِينَ لِأنَّهم أهْلُ حَرَمِ اللَّهِ تَعالى ووُلاةُ بَيْتِهِ العَزِيزِ؛ فَلا يُتَعَرَّضُ لَهُمْ، والنّاسُ بَيْنَ مُتَخَطَّفٍ ومَنهُوبٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا أنَّهم كانُوا يَرْحَلُونَ في الصَّيْفِ إلى الطّائِفِ حَيْثُ الماءُ والظِّلُّ، ويَرْحَلُونَ في الشِّتاءِ إلى مَكَّةَ لِلتِّجارَةِ وسائِرِ أغْراضِهِمْ، وأُفْرِدَتِ الرِّحْلَةُ مَعَ أنَّ المُرادَ رِحْلَتا الشِّتاءِ والصَّيْفِ لِأمْنِ اللَّبْسِ وظُهُورِ المَعْنى، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: حَمامَةَ بَطْنِ الوادِيَيْنِ تَرَنَّمِي حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: بَطْنَيِ الوادِيَيْنِ، وقَوْلُهُ: كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكُمُ تَعِفُّوا فَإنَّ زَمانَكم زَمَنٌ خَمِيصُ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: بُطُونِكم بِالجَمْعِ لِذَلِكَ.
وقَوْلُ سِيبَوَيْهِ: إنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ إلّا في الضَّرُورَةِ فِيهِ نَظَرٌ.
وقالَ النَّقّاشُ: كانَتْ لَهم أرْبَعُ رِحَلٍ، وتَعَقَّبَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ بِأنَّهُ قَوْلٌ مَرْدُودٌ.
وفي البَحْرِ: لا يَنْبَغِي أنْ يُرَدَّ؛ فَإنَّ أصْحابَ الإيلافِ كانُوا أرْبَعَةَ إخْوَةٍ وهُمْ: بَنُو عَبْدِ مَنافٍ: هاشِمٌ كانَ يُؤالِفُ مَلِكَ الشّامِ، أخَذَ مِنهُ خَيْلًا فَأمِنَ بِهِ في تِجارَتِهِ إلى الشّامِ، وعَبْدُ شَمْسٍ يُؤالِفُ إلى الحَبَشَةِ، والمُطَّلِبُ إلى اليَمَنِ، ونَوْفَلٌ إلى فارِسَ فَكانَ هَؤُلاءِ يُسَمَّوْنَ المُتَّجِرِينَ فَيَخْتَلِفُ تَجْرُ قُرَيْشٍ بِخَيْلِ هَؤُلاءِ الإخْوَةِ فَلا يُتَعَرَّضُ لَهم.
قالَ الأزْهَرِيُّ: الإيلافُ شِبْهُ الإجارَةِ بِالخِفارَةِ؛ فَإنْ كانَ كَذَلِكَ جازَ أنْ يَكُونَ لَهم رِحَلٌ أرْبَعٌ بِاعْتِبارِ هَذِهِ الأماكِنِ الَّتِي كانَتِ التِّجارَةُ في خِفارَةِ هَؤُلاءِ الأرْبَعَةِ فِيها فَيَكُونُ «رِحْلَةَ» هُنا اسْمُ جِنْسٍ يَصْلُحُ لِلْواحِدِ ولِلْأكْثَرِ، وفي هَؤُلاءِ الإخْوَةِ يَقُولُ الشّاعِرُ: يا أيُّها الرَّجُلُ المُحَوِّلُ رَحْلَهُ ∗∗∗ هَلّا نَزَلْتَ بِآلِ عَبْدِ مَنافِ الآخِذُونَ العَهْدَ مِن آفاقِها ∗∗∗ والرّاحِلُونَ لِرِحْلَةِ الإيلافِ والرّائِشُونَ ولَيْسَ يُوجَدُ رائِشٌ ∗∗∗ والقائِلُونَ هَلُمَّ لِلْأضْيافِ والخالِطُونَ غَنِيَّهم بِفَقِيرِهِمْ ∗∗∗ حَتّى يَصِيرَ فَقِيرُهم كالكافِي انْتَهى.
وفِيهِ مُخالَفَةٌ لِما نَقَلْناهُ سابِقًا عَنِ الهَرَوِيِّ، ثُمَّ إنَّ إرادَةَ ما ذُكِرَ مِنَ الرَّحْلِ الأرْبَعِ غَيْرُ ظاهِرَةٍ كَما لا يَخْفى.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: «لِإلافِ قُرَيْشٍ» بِلا ياءٍ.
ووَجْهُ ذَلِكَ ما مَرَّ.
ولَمْ تَخْتَلِفِ السَّبْعَةُ في قِراءَةِ: ﴿ إيلافِهِمْ ﴾ بِالياءِ كَما اخْتُلِفَ في قِراءَةِ الأوَّلِ، ومَعَ هَذا رُسِمَ الأوَّلُ في المَصاحِفِ العُثْمانِيَّةِ بِالياءِ، ورُسِمَ الثّانِي بِغَيْرِ ياءٍ كَما قالَهُ السَّمِينُ وجَعَلَ ذَلِكَ أحَدَ الأدِلَّةِ عَلى أنَّ القُرّاءَ يَتَقَيَّدُونَ بِالرِّوايَةِ سَماعًا دُونَ رَسْمِ المُصْحَفِ وذُكِرَ في وجْهِ ذَلِكَ أنَّها رُسِمَتْ في الأوَّلِ عَلى الأصْلِ، وتُرِكَتْ في الثّانِي اكْتِفاءً بِالأوَّلِ وهو كَما تَرى فَتَدَبَّرْ.
ورُوِيَ عَنْ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ بِهَمْزَتَيْنِ فِيهِما الثّانِيَةُ ساكِنَةٌ وهَذا شاذٌّ وإنْ كانَ الأصْلَ، وكَأنَّهم إنَّما أبْدَلُوا الهَمْزَةَ الَّتِي هي فاءُ الكَلِمَةِ لِثِقَلِ اجْتِماعِ هَمْزَتَيْنِ.
ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ داوُدَ النَّقّارُ عَنْ عاصِمٍ: «إئِيلافِهِمْ» بِهَمْزَتَيْنِ مَكْسُورَتَيْنِ بَعْدَهُما ياءٌ ساكِنَةٌ ناشِئَةٌ عَنْ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ لَمّا أُشْبِعَتْ، والصَّحِيحُ رُجُوعُهُ عَنِ القِراءَةِ بِهَمْزَتَيْنِ وأنَّهُ قَرَأ كالجَماعَةِ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ فِيما حَكى الزَّمَخْشَرِيُّ: «لِإلْفِ قُرَيْشٍ» وقَرَأ فِيما حَكى ابْنُ عَطِيَّةَ: «إلْفِهِمْ».
وحُكِيَتْ عَنْ عِكْرِمَةَ وابْنِ كَثِيرٍ، وأنْشَدُوا: زَعَمْتُمْ أنَّ إخْوَتَكم قُرَيْشٌ ∗∗∗ لَهم إلْفٌ ولَيْسَ لَكم إلافُ وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ أيْضًا وابْنِ عامِرٍ: «إلافِهِمْ» عَلى وزْنِ فِعالٍ.
وعَنْ أبِي جَعْفَرٍ أيْضًا: «لِيلافِ» بِياءٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ اللّامِ، ووَجْهَّهُ بِأنَّهُ لَمّا أبْدَلَ الثّانِيَةَ ياءً حَذَفَ الأُولى حَذْفًا عَلى غَيْرِ قِياسٍ.
وعَنْ عِكْرِمَةَ: «لِتَأْلَفَ قُرَيْشٌ» عَلى صِيغَةِ المُضارِعِ المَنصُوبِ بِأنْ مُضْمَرَةٍ بَعْدَ اللّامِ ورَفْعِ قُرَيْشٍ عَلى الفاعِلِيَّةِ، وعَنْهُ أيْضًا: «لِتَأْلِيفِ» عَلى الأمْرِ، وعَنْهُ وعَنْ هِلالِ بْنِ فِتْيانَ بِفَتْحِ لامِ الأمْرِ.
والظّاهِرُ أنَّ «إيلافَهُمْ» عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ ولَمْ أرَ مَن تَعَرَّضَ لَهُ.
وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: «رُحْلَةَ» بِضَمِّ الرّاءِ وهي حِينَئِذٍ بِمَعْنى الجِهَةِ الَّتِي يُرْحَلُ إلَيْها، وأمّا مَكْسُورُ الرّاءِ فَهو مَصْدَرٌ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ في البَحْرِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ﴾ قال الليث: الرحلة: اسم الارتحال من القوم للمسير (١) قال المفسرون (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) وذكر مقاتل: على القلب من هذا فقال: كانوا يمتارون في الشتاء من الأردن (٧) (٨) (٩) و (نحو هذا) (١٠) (١١) (١٢) وذكر (عطاء عن) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) وقد قال الشاعر فيهم: الخالطين فقيرهم بغنيهم ...
حتى يكون فقيرهم كالكافي (٢١) (٢٢) (١) "تهذيب اللغة" 5/ 7 (رحل).
(٢) ممن قال بذلك: ابن زيد، سفيان، والكلبي، و"جامع البيان" 30/ 308.
وحكاه عن المفسرين: ابن الجوزي في: "زاد المسير" 8/ 315، والفخر في "التفسير الكبير" 32/ 106، والخازن في "لباب التأويل" 4/ 411، ورجحه الشوكاني في "فتح القدير" 5/ 498.
قال به أيضًا: الفراء في "معاني القرآن" 3/ 294، والزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 365 - 366.
(٣) جَنَد: من أعمال اليمن، بالقرب من صنعاء، والجند مسماة بجند بن شهران؛ بطن من المعافر، وبالجند مسجد بناه معاذ بن جبل (ينسب إليها المؤرخ اليماني المفضل الجندي، والبهاء الجندي، وهناك جبل في اليمن يطلق عليه الجند.
انظر: "معجم البلدان" 2/ 169، و"القاموس الإسلامي" 1/ 640، و"معجم ما استعجم من أسماء البلاد" 2/ 397.
(٤) جُرَش: من مخاليف اليمن من جهة مكة، وقيل هي مدينة عظيمة باليمن، وولاية واسعة، وقد فتحت في حياة النبي - - في سنة 10 هـ صلحًا على الفيء، ينسب إليها يزيد بن الأسود الجرشي من التابعين.
انظر: "معجم البلدان" 2/ 126.
(٥) في (أ): (أفا).
(٦) (الصيف) مكرر في (ع).
(٧) الأُرْدُن: اسم بلد، وفيها عدة كور منها: جُدَر، وصفورية، وغير ذلك، افتتحها شرحبيل بن حسنة عنوة، وهي الآن في العصر الحالي: دولة عربية تعرف باسم المملكة الأردنية الهاشمية، وتتكون من الشقة الشرقية لنهر الأردن، وكانت تحت الاحتلال الإنجليزي، ثم حصلت على استقلالها عام 1946 م، عاصمتها عمان، وتعد الأردن من المناطق الاستراتيجية قديمًا وحديثًا، وبرزت أهميتها خلال الحروب الصليبية، كما تعتبر من المناطق الأثرية الهامة في الشرق الأوسط.
انظر "معجم البلدان" 1/ 147، و"القاموس إسلامي" 1/ 65، و"الآثار في شمال الحجاز" للقثامي 1/ 29.
(٨) فلسطين إقليم عربي يشغل شريطًا ضيقًا من الأراضي المتاخمة للساحل الجنوبي الشرقي من البحر الأبيض المتوسط، وقد خضعت فلسطين للانتداب البريطاني عام 1920 م الذي مكن لليهود من الاستيطان في فلسطين.
تعتبر القدس: العاصمة السابقة لفلسطين المركز المديني للديانتين الإسلامية والنصرانية، وسعى اليهود لجعلها مركزًا روحيًّا لأتباع ديانتهم، وأما تل أبيب فهي عاصمة الكيان الصهيوني منذ عام 1948 م.
اللغة الرسمية: العربية للعرب، والعبرية لليهود، ويشكل العرب المسلمون الغالبية العظمى من سكان فلسطين المحتلة، ويتبع معظمهم المذهب السني، ويتبع بعضهم المذهب الدرزي، ويقيم بجانبهم عرب نصارى فلسطينيون.
انظر: "معجم البلدان" 4/ 274، الموسوعة العربية العالمية: 17/ 422 - 440.
(٩) "تفسير مقاتل" 253 ب، وورد معنى قوله في "بحر العلوم" 3/ 516.
(١٠) ساقط من (أ).
(١١) السمراء: هي الحنطة، وقيل: الناقة الأدماء.
انظر: "لسان العرب" 4/ 376 (سمر).
(١٢) "معالم التنزيل" 4/ 531 ورد قوله عند تفسير "وآمنهم من خوف".
(١٣) ساقط من (أ).
(١٤) المخمصة: المجاعة، وخمص الشخص خمصًا فهو خميص إذا جاع.
"المصباح المنير" 1/ 218، وانظر: "مختار الصحاح" ص 190.
(١٥) تِرْب: اللدة والسن، يقال: هذه ترب هذه أي لدتها، وقيل: ترب الرجل الذي ولد معه.
"لسان العرب" 1/ 231 (ترب)، و"تاج العروس" 1/ 158 (ترب).
(١٦) بنو مخزوم: بطن من لؤي بن غالب بن قريش.
"نهاية الأرب" للقلقشندي ص 371.
(١٧) ساقط من (أ).
(١٨) (فلم يكن) بياض في (ع).
(١٩) في (أ): (بنو أرب).
(٢٠) (من قريش ولا أمنع) بياض في (ع).
(٢١) ورد البيت غير منسوب في: "معالم التنزيل" 4/ 531 مختصرًا وعند تفسير "آمنهم من خوف"، و"زاد المسير" 8/ 315 عند تفسير ﴿ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ ﴾ "التفسير الكبير" 32/ 106 - 107، و"الجامع لأحكام القرآن" 20/ 205 برواية (الخالطون) (وحتى يصير)، و"لباب التأويل" 4/ 411، و"البحر المحيط" 8/ 515، و"روح المعاني" 3/ 240، و"النكت والعيون" 6/ 247، برواية (الخالطون).
(٢٢) ورد قوله في المراجع السابقة عدا: "النكت"، و"البحر المحيط"، و"روح المعاني".
<div class="verse-tafsir"
﴿ لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشتآء والصيف ﴾ قريش هم حيّ من عرب الحجاز الذين هم من ذرية معد بن عدنان، إلا أنه لا يقال قريشيّ إلا لمن كان من ذرية النضر بن كنانة، وهنم ينقسمون إلى أفخاذ وبيوت نحو بني هاشم، وبني أمية، وبني مخزوم، وغيرهم وإنما سميت القبيلة قريشاً لتقرشهم، والتقرّش التكسب وكانوا تجاراً، وعن معاوية أنه سأل ابن عباس لم سميت قريش قريشاً؟
قال: لدابة في البحر تأكل ولا تؤكل، وتعلوا ولا تعلى، وكانوا ساكنين بمكة، وكان لهم رحلتان في كل عام للتجارة: رحلة في الشتاء إلى اليمن، ورحلة في الصيف إلى الشام، وقيل: كان الرحلتان جميعاً إلى الشام، وقيل: كانوا يرحلون في الصيف إلى الطائف حيث الماء والظل، فيقيمون بها ويرحلون في الشتاء إلى مكة لسكناهم بها، والإيلاف مصدر من قولك آلفت المكان إذا ألفته وقيل: هو منقول منه بالهمزة يقال ألف الرجل الشيء، وألْفه إياه غيره، فالمعنى على القول الأول أن قريشاً ألفوا رحلة الشتاء والصيف، وعلى الثاني أن الله ألّفهم الرحلتين.
واختلف في تعلق قوله لإيلاف قريش على ثلاثة أقوال: أحدهما أنه يتعلق بقوله: فليعبدوا والمعنى فليعبدوا الله من أجل إيلافهم الرحلتين فإن ذلك نعمة من الله علهيم: الثاني أنه يتعلق بمحذوف تقديره: أعجبوا لإيلاف قريش: الثالث أنه يتعلق بسورة الفيل، والمعنى أن الله أهلك أصحاب الفيل لإيلاف قريش، فهو يتعلق بقوله: ﴿ فَجَعَلَهُمْ ﴾ [الفيل: 5] أو بما قبله من الأفعال.
ويؤيد هذا أن السورتين في مصحف أبيّ بن كعب سورة واحدة لا فصل بينهما، وقد قرأهما عمر في ركعة واحدة من المغرب، وذكر الله الإيلاف مطلقاً ثم أبدل منه الإيلاف المقيّد بالرحْلتين تعظيماً للأمر، ونصب رحلة لأنه مفعول بإيلافهم وقال: رحلة وأراد رحلتين، فهو كقول الشاعر: كلوا في بعض بطنكم تعفّوا <div class="verse-tafsir"
رحلة الشتاء إلى اليمن، ورحلة الصيف إلى الشام آمنين.
<div class="verse-tafsir" id="91.qABae"